تأويلات أهل السنة سورة الرعد

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الرعد

تفسيرُ سورةِ الرعد كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 106 دقيقة قراءة

تفسير سورة الرعد كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الأحرف المقطعة المعجمة؛ فيكون قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ تفسير ﴿ الۤمۤر ﴾ .

هذا هو الظاهر: أن يقال في كل الحروف المعجمة والمقطعة: أن يكون ما ذكر من بعدها على أثرها كان تفسيراً لها.

والثاني: يشبه أن يكون قوله: ﴿ الۤمۤر ﴾ كناية عن الحجج والبراهين وسائر الكتب؛ كأنه قال: تلك الحجج والبراهين وسائر الكتب - جعلناها آيات القرآن وحججه، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ \[هو القرآن الذي أنزل\].

قال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ هو الحق: القرآن الذي أنزل على محمد  .

وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هو القرآن [والذي أنزل إليك من ربك - أيضاً - هو القرآن،] لكنه أخبر أنه منزل من ربك الحق.

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ يحتمل: هو الحق؛ أي: منزل من الله؛ ليس كما قال أولئك إنه ليس من الله؛ إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه.

ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أنه من الله، أو أكثر الناس لا يؤمنون أنه آيات الله وحججه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢ وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٣ وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٤ ۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٥

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ .

قوله: ﴿ رَفَعَ ﴾ أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ  ﴾ ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا  ﴾ ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .

قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.

وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما [يرفع بعمد] ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.

وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد.

من ذا الوجه أمكن أن يحتج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

لما لم يفهم من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه [ما يفهم من استواء] الخلق.

وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه [المكان، بل فهم منه] نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان.

وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضاً من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضاً بجهة، ثم صاروا جميعاً أشكالا وأشباهاً؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذاً الله  وتعالى لما أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي [يقع بها] التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.

وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.

وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثاً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثاً.

وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ يحتمل: يبين الحجج والبراهين.

ويحتمل: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.

﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ ﴾ هو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً  ﴾ ومصيرهم وبروزهم؛ وأمثاله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ  ﴾ وكله واحد، وقال: ﴿ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً  ﴾ و ﴿ مِهَٰداً  ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.

﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثِّقال؛ فاستقرت وثبتت.

وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو [كان أنها] ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.

أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء.

والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ .

أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ما ذكر من رفع السماء ونحوه.

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً ﴾ .

جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليماً منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب [وبغير أسباب سواء]؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهاراً؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.

قال بعض أهل التأويل: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: لونين.

وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضاً وحلواً ومرّاً ومزّاً، إلا أن يقال: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.

وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر.

وأما على غير هذا فإنه لا يصح.

وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ .

أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.

﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن تصير آيات مجاناً بالبديهة.

أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾ أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض [قطعاً، وأما إذا كانت الأرض] أرضاً واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.

﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: جنات متجاورات أيضاً، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.

﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ .

قيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ هو النخلتان في أصل واحد، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ : النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحداً؛ وهو متفرق، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ التي تنبت وحدها: وقيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ : هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت بعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: "عَمُّ الرجل صنو أبيه" ﴿ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ ﴾ .

أي: يسقي ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفاً في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .

قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.

وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضاً؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله، لأنه لو كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.

﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.

وقال الحسن: هذا مثل [ضربه الله] لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعاً متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحاً؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم -  - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترقّ قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.

ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ  ﴾ .

﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي: أعجب أيضاً قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تكذيباً للبعث.

وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم [تكن] رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله  بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.

وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله  ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفراً بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزاً، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزاً - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .

في الآخرة كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ...

﴾ الآية [الحاقة: 30] ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٦ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قيل: أجيب لكم، وقوله  : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي  ﴾ أي: ليجيبوا لي، وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.

وإن كان الفعل نفسه.

فقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.

وقيل: ﴿ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : العذاب؛ على ما ذكرنا.

﴿ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.

فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ﴾ .

قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.

وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه.

وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر.

أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : لا تملك إتيان الآيات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 58].

أو يقول: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .

أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يحتمل: لكل وقت هادٍ.

ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟

قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.

وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: داع وهو كما قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ٨ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ٩ سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠ لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

قيل: يعلم أنها حملت ذكراً أو أنثى مستوياً أو غير مستوٍ مؤفّاً؛ يخبر - عز وجل - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فإن قيل: هذا دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟

قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستوياً غير مؤفٍّ سليماً عن الآفات، ونماء الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها [أكبر وأعظم وبعضها] أنقص وبعضها أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدلّ ذلك على العلم له به والتدبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ .

أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ : ما تنقص عن التسعة الأشهر، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ : على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر.

وفي حرف أُبي: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَضَعُ) ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ أي: ما لا تحمل شيئاً؛ وهي التي تكون عقيماً لا تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال الله -  -: ﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ  ﴾ أي: ذهب.

﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء.

أو ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل واحداً أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ينمو ويزداد؛ وأمثاله.

والله أعلم.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ مقدّر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير.

﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ قال بعضهم: لا يغيب عنه شيء، ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به.

وقال بعضهم: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ : ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؛ ومتى يوجد؛ وفي أي: وقت يوجد؛ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهداً موجوداً.

على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ والله أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴾ .

[المتعال] عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ فعلى ذلك لا [يفهم مما] وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أوّل وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أوّل - لم يقل له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر، وذلك مما وصف به الغائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ ﴾ في نفسه في حال انفراده ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ لغيره ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ ﴾ في ظلمة الليل ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قيل: ظاهر بالنهار، وقال بعضهم: ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ : من يكون في السرب وهو الغار بالنهار، وقال بعضهم: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه.

ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ ويعلم - أيضاً - ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول - أيضاً -: يعلم من أسرّ القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفياً بالليل أو سارباً بالنهار، أي: يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرّاً؛ من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم.

يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه رقيباً حفيظاً يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك.

وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند الله؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند الله؛ سواء.

في ذلك تذكير أمرين: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبداً ما كانوا.

والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر من معاصيه، والخلاف له.

أما علمه هو ما ذكر الله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ...

﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ...

﴾ الآية.

وأما نعمه [فهو] ما ذكر.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ قال بعضهم: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ...

﴾ الآية: حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر من أمره.

وقال بعضهم: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ : الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  قال: "يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه" ، مثل قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَهُ ﴾ ، أي: لله معقبات يحفظونه، ويحتمل: ﴿ لَهُ ﴾ من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ نفسه فقوله من أمر الله؛ أي: من عذاب الله وبلاياه؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا  ﴾ ، وهو عذابنا.

ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر الله، ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ \[وجوهاً: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه\]: الشرور والسيئات، ويحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما قدّم من الأعمال، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي وأخّر؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ويحتمل ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما مضى من الوقت، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدين من رسول الله  ، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم.

فإن قيل: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ذلك منهم البداية في التغيير.

قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيراً منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها.

ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها حق البقاء؛ يكون التغيير من الله من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات والمعايى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ .

الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءاً؛ ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لَهُ...

﴾ \[الآية\].

دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، والله يقول: ﴿ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ولا مردّ لسوئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ١٣ لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ١٤ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۩ ١٥

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.

وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.

وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.

وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.

ويحتمل وجهاً آخر في قوله: ﴿ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ .

[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء.

قال أبو عوسجة: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ ] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا.

والله أعلم.

﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ .

اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.

وعلى ذلك روي عن ابن عباس -  - قال: "أقبلت يهود إلى النبي  ؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟

قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟

قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" .

فإن ثبت هذا؛ فهو هو.

وعن علي -  - "أنه سئل عن [البرق والرعد]؟

فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .

وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.

وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.

وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر.

وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.

وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.

ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.

وعن أبي سعيد الخدري -  - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب.

قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.

وقوله: ﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

 ﴾ الآية.

والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله  وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.

ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ ﴾ قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي  فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ " .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.

وقال القتبي: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.

وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.

وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ  ﴾ أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.

وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.

وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ  ﴾ أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.

والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.

فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.

ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً: أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.

والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.

والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .

أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.

ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.

﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.

ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد.

فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟

قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ ١٦ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ١٧

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ .

أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟

ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِه ﴾ لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

﴿ قُلِ ﴾ إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما [أمره أن يسألهم] ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السماوات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.

وقال بعضهم: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.

دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أرباباً وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ إذ لا يملكون نفعاً لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضرّ عن غيره؟

فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.

فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف اتخذتم دون الله آلهة؟.

والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئاً؛ والله هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟

هل يستوي ذلك؟

أي: لا يستوي.

أو يقول [لهم]: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيراً في الشاهد؟

أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟

فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.

وقال أهل التأويل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ : الأعمى: الكافر: والبصير: المؤمن.

﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ﴾ .

الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.

ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستر كل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء.

والكفر ليس له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضيء له شيئاً، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا.

فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئاً؛ لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعاً إن عبدوها ولا ضرّاً إن تركوا العبادة لها.

وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئاً كما خلق الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء؟

وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم.

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تبعدونها مقهورة مغلوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً...

﴾ إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ \[وهو الشك\]، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عباس  .

وقال قتادة: قوله: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الصغير بصغره والكبير بكبره.

﴿ فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ يقول: رابيا ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.

يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.

﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع؛ يقول: ما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.

وقال الكلبي: قوله: ﴿ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيراً وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.

قال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل؛ من أصاب من هذا شيئاً لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله.

وأمّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئاً منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق.

أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.

وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ، سال الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبداً رابياً أي: عالياً، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ ؛ الذهب والفضة، ثم قال: ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، ﴿ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ [والماء ينتفع به]، وللحلي والمتاع أيضاً زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلي والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل [الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل] الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر من مثل الحق والباطل، ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ قال: يعني يابساً؛ فلا ينتفع به، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ من الماء؛ ﴿ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيسقون ويزرعون عليه ويتنفعون به.

فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال والأشباه ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ﴾ أي: أجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ ﴾ في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.

ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانياً، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...

 ﴾ وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 58] وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.

فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؟

لا يستوى على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع [أو] الأصم والأعمى؛ أو الميت [و] الحي؛ أو الظلمات والنور؟

وأمثاله، هذا كله غير مستوٍ.

وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه.

فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 43] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج ويعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشرّ.

وقال القتبي: ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي: عالياً على الماء ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلزّ الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء.

والجُفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ رَّابِياً ﴾ : أي: مرتفعاً فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به.

وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.

قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ  ﴾ أي: يبساً.

قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم يذهب بمائها.

وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعاً كما جاء.

وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل.

أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [طيباً عذباً]، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحاً أجاجاً، وبعضه مرّاً لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب.

فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٨ ۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ ٢٠ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ٢١ وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٢٢ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ٢٣ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٢٤ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥

قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.

والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.

وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً  ﴾ وأمثاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .

أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟

أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟

ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.

ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.

ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].

﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .

العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.

وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.

هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.

﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.

ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.

والله أعلم.

[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.

يحتمل: ابتغاء رضوان الله.

ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ  ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ  ﴾ أي: دوموا على إقامتها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .

أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...

﴾ الآية [فصلت: 34].

والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .

أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ .

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.

ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .

عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .

فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.

والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...

﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.

وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .

هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.

والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.

﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.

وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.

أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.

والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.

أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.

﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.

أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ ٢٦ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٢٧ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ٢٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ٢٩ كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ ﴾ .

يرغبهم فيما عنده ويؤيسهم عما في أيدي الخلق، ويقطع رجاءهم عن ذلك؛ لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان به، ويحملهم على تكذيب الرسل؛ وترك الإجابة - هذه الأموال التي كانت في أيدي أولئك، وبها [رأوا دوام] الرياسة والعز والشرف لهم في هذه الدنيا؛ فقال: هو الباسط لذلك؛ والقاتر لا أولئك، هو يوسع على من يشاء، ويقتّر على من يشاء؛ ليس ذلك إلى الخلق، وذكر أنه يبسط الرزق لمن يشاء من أوليائه وأعدائه، ويقتر على من يشاء من أعدائه وأوليائه، ليعلموا [أن] التوسيع في الدنيا والبسط لا يدل على الولاية، ولا التقتير والتضييق على العداوة، ليس كما يكون في الشاهد؛ يوسع على الأولياء ويبسط، ويضيق على الأعداء؛ لأن التوسيع في الدنيا والتضييق بحق المحنة وفي الآخرة، بحق الجزاء، ويستوي في المحنة الولي والعدوّ، ويجمع بينهما في المحنة؛ ويفرق بينهما في الجزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَفَرِحُواْ ﴾ صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ ، ويفرحون بالحياة الدنيا.

ثم الفرح يحتمل وجوهاً: يحتمل: فرحوا بالحياة الدنيا؛ أي: رضوا بها؛ كقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ أي: فرحوا، سروراً بها.

فإن قيل: إن المؤمن قد يسرّ بالحياة الدنيا؟

قيل: يُسَرّ ولكن لا يُلْهيه سروره بها؛ ولا يغفل عن الآخرة، وأما الكافر: فإنه لشدة سروره بها وفرحه عليها؛ يلهى عن الآخرة؛ وعن جميع الطاعات.

وهكذا [العرف في] الناس أنه إذا اشتد بالمرء السرور بالشيء؛ فإنه يلهى عن غيره ويغفل عنه.

أو يكون قوله: ﴿ وَفَرِحُواْ ﴾ أي: أشروا وبطروا؛ كقوله  : ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ  ﴾ وهو الأشر والبطر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: ما الحياة الدنيا - مع طول تمتعهم بها بتمتع الآخرة - إلا كمتاع ساعة أو كمتاع شيء يسير؛ وهو كقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا  ﴾ وكقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  ﴾ يظنون - مع طول ما متعوا في هذه الدنيا - عند متاع الآخرة كأنهم ما متعوا بها إلا ساعة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ عند متاع الآخرة؛ لأن متاع الآخرة ونعيمها دائم متصل غير منقطع؛ لا يشوبه آفة ولا حزن ولا خوف، ومتاع الدنيا منقطع غير متصل؛ مشوب بالآفات والأحزان؛ لذلك كان قليلا عند متاع الآخرة ونعيمها.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ أي: إلا لهو وباطل لكن الوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

يحتمل سؤالهم الآية أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم، أو سألوا آيات سموها، كقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا...

﴾ الآية [الإسراء: 90] ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من الآيات، سألوها منه، أو سألوه آيات تضطرهم وتقهرهم على الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ .

وفيه دلالة أنه لو شاء لأنزل عليهم آيات؛ لآمنوا كلهم بها، واهتدوا، وعنده أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم؛ وكذلك لو أعطى أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 33] لكنه لا ينزل الآية على شهواتهم وأمانيهم، ولكن ينزل أشياء؛ تكون عند النظر والتأمل حجة؛ فمن تأمّل فيها وتفكرّ لاهتدى وآمن بالاختيار، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل وزاغ بالاختيار.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً  ﴾ أي: [إن نشأ] إيمانهم واهتداءهم ننزل عليهم آية، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية.

﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ .

أي: ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل، ويضل المعرض عنها؛ والصادر بالاختيار، ويكون اهتداؤهم باختيارهم؛ [وضلالهم باختيارهم]؛ لا بالاضطرار والقهر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وهو القرآن الذي أنزله على رسوله؛ فهو وصف المقبل المنيب إلى ذكر الله؛ يسكن وتطمئن قلوبهم بالتأمل والتفكر فيها وأصله أن الله - عز وجل -: شاء اهتداء من علم أنه يختار الاهتداء والإيمان، وشاء ضلال من علم أنه يختار فعل الضلال والزيغ، يشاء [لكل]؛ لما علم منه أنه يختار ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴾ وتسكن إليه.

وقال بعض أهل التأويل: هو في الحلف في الخصومات؛ ألا في الحلف بالله؛ [تطمئن وتسكن] قلوب الذين آمنوا لا تطمئن بالحلف بغير الله.

وقال بعضهم: ألا بالقرآن؛ وبما في القرآن من الثواب، تسكن وتطمئن قلوب الذين آمنوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: تفرح وتستبشر قلوب الذين آمنوا بذكر الله ألا بذكر الله تستبشر وتفرح قلوب الذين آمنوا؛ لأنه ذكر في الكفرة الفرح بالحياة الدنيا؛ وهو قوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ وذكر في المؤمنين الاستبشار والفرح بذكر الله، وفي أولئك ذكر أن قلوبهم تشمئز بذكر الرحمن وتستبشر بذكر من دونه؛ وهو قوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  ﴾ أخبر الله  أن قلوب المؤمنين تستبشر وتفرح بذكر الله، وقلوب أولئك تستبشر [وتفرح] بذكر من دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: تطمئن قلوبهم بذكر الله لهم، وذكر الله لهم التوفيق والتسديد والعصمة، ونحوه.

والثاني: تطمئن قلوبهم بذكرهم الله، وذكرهم الله: إحسانه ونعمه وعظمته وجلاله، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ .

[طوبى] قيل: خير لهم وغبطة، وقيل: حسنى لهم ونعمى لهم، وقيل: يقال: طوبى لك؛ إن أصبت خيراً، وقيل: هم اسم الجنة بلسان الحبشة؛ وقيل: بالهندية، وقيل: اسم شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله  ؛ وأغصانها في دار أمته، فإن كان هذا، وهو اسم شجرة؛ فذلك لا يستقيم إلا [على تقدمه كان] أهل الكتاب؛ ادعوها لأنفسهم؛ فأخبر أنها للذين آمنوا لا لهم كقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ [ثم] قال - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ  ﴾ ادعوا الجنة لأنفسهم؛ فأخبر أنها ليست لهم؛ ولكن للذي أسلم وأخلص وجهه لله؛ فعلى ذلك يشبه أن يكونوا ادعوا طوبى لأنفسهم فأخبر أنها ليست لهم، ولكن للذين آمنوا.

وإن كان في مشركي العرب؛ فهم ينكرون البعث والجنة والنار، فيشبه أن يكونوا قالوا: إن كان بعث على ما تقولون وجنة وطوبى؛ فهي لنا؛ كقوله: ﴿ لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ طُوبَىٰ ﴾ : كلمة مدح الله ثوابهم، وغبطهم بها.

وقال بعضهم: ﴿ طُوبَىٰ ﴾ : كرامة أعد الله لأوليائه، وهي مذكورة في الكتب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ ﴾ .

أي: كما أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ \[وقال كل واحد من الرسل\]: ﴿ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...

﴾ الآية أي: كل رسول كان أرسل قبلك كان أمر أن يقول ما ذكر؛ كذلك أرسلناك إلى قومك رسولا، وإن كانوا يكفرون بالرحمن؛ فقل أنت ما قال أولئك الرسل: ﴿ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...

﴾ الآية، لم تخل أمة عن رسول؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

﴿ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ [يقول: أرسلناك لتتلو أنباء الرسل والأمم الذين كانوا من قبلك عليهم؛ ليكون آية] لرسالتك؛ ليعلموا أنك إنما علمت تلك الأنباء بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

يقول: والله أعلم - هم يكفرون بالرحمن؛ وفي كل الخلائق آية توحيد الرحمن وألوهيته؛ ولا في كل الخلائق آية لرسالتك، وهم مع ذلك كله يكفرون بالرحمن؛ فعلى ذلك يكفرون بآيات رسالتك.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ وكانوا هم أهل التعبد من الكبراء؛ فقال: لو جئتهم بقرآن سيرت به الجبال؛ أو قطعت به الأرض؛ أو كلم به الموتى، يقول: لو جئت بذلك كله كان أمرهم التكذيب والعناد؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

﴾ الآية [الأنعام: 111] وقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ...

﴾ الآية [الحجر: 14] يخبر - عز وجل - عن عنادهم أنهم لا يؤمنون بالآية - وإن عظمت - إلا أن يشاء الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: الأمر لله؛ من شاء أن يؤمن فيؤمن، ومن شاء ألا يؤمن فلا يؤمن ألبتة.

وقال بعضهم: [قوله:] ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: يكفرون باسم الرحمن؛ لأنهم قالوا: إن محمداً كان يدعونا إلى عبادة الله وتوحيده فالساعة يدعونا إلى عبادة الرحمن وألوهيته؛ فذلك عبادة اثنين؛ فقال: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ أي: دعائي إلى عبادة الرحمن وألوهيته وهو دعائي إلى عبادة الله، وهو واحد ليس هو باثنين ولا عدد؛ كقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  ﴾ أي: عدد الأسماء لا يوجب عدد الذات؛ إذ يكون لشيء واحد في الشاهد أسماء مختلفة؛ فاختلاف الأسماء لا يوجب اختلاف الذات؛ فعلى ذلك في الله  .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنَ ﴾ اسم من أسماء الله في الكتب الأول، قالوا: كتبها رسول الله؛ أبوا أن يقرءوا به، قالوا: وما الرحمن، إنا لا نعرفه؟

فنزل: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا [ما] غير قرآنك؛ سيرت به الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك أيضاً، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي.

﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ .

يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من الله؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ فيقول: لو أن قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل الخلائق له آية لوحدانيته وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه سلم؛ [ليعلم رسول الله  ] أن سؤالهم الآية سؤال تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

أي: لو أن قرآنا ما عمل [ما] ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيماً لهذا القرآن.

والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية، يقول - والله أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمان من كان على ما وصف الله، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول الله؛ فيقول: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ عن إيمان هؤلاء؛ وهو كما قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ  ﴾ يأيها المؤمنون ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ أي: يؤمنون على طرح (لا) على هذا التأويل.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة.

فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف والظن ونحوه جعلوه يقيناً، وعلماً للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين والعلم.

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ ﴾ : أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله يفعل [ذلك]، لو شاء لهدى الناس جميعاً.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ قالت عائشة -  ا -: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ خطأ من الكاتب، إنما هو (أفلم يتبين للذين آمنوا أن لو يشاء الله) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ أي: أفلم يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم الذين آمنوا، لو شاء الله إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا.

وقال صاحب هذا التأويل: إن [هذا] جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة "نخع" وغيرها.

والله أعلم.

وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع من قوله ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ثم قال جواباً لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار [الضلال] ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ويكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله  الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقاً عليهم؛ فيقول - والله أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من [إيمانهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

﴾ الآية [الأنعام: 111] فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم]، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً؛ وقوله: ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ صلته قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: الذين حاربوا رسول الله.

﴿ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم ويغنم المسلمين أموالهم.

﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ أنت ﴿ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم.

وقال بعضهم: لا تزال سرية من سرايا رسول الله  تحل ببعضهم؛ أو ينزل هو قريباً منهم؛ حتى يأتي وعد الله، وعد الله يكون بوجهين: أحدهما: أن يظفره بهم جميعاً، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.

والثاني: يكون وعد الله فتح مكة؛ كقوله: ﴿ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا...

 ﴾ الآية.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .

يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم.

وقوله: ﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ نزول السرايا بقرب من دارهم.

﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريباً من دارهم حتى يأتي ما وعد الله؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد الله هو البعث والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومهم؛ كما استهزأ بك قومك، يُعَزّي نبيهُ  ليصبر على تكذيبهم.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ من تقدم من الرسل سألهم قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يقول: أمهلتهم [في كفرهم وهزئهم.

هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ يقول: أحللت] بهم جزاء ما كانوا يهزءون منه.

وقال بعضهم: فكيف كان عقاب الله؛ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا...

﴾ الآية [الحج: 48] وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه شديداً.

والثالث: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ : أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقاً وصدقاً.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣ لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ٣٤ ۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ﴾ أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ...

﴾ الآية [الرعد: 19].

أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟

ليسا بسواء.

وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.

ثم قال: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره.

يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟

والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ أي: يرزق ويبصر و [يعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ] عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟

أي: ليس هذا كذلك.

ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟

أي: ليسا بسواء.

وقوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.

﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضاً.

يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئاً من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ بذلك الاسم؛ ولو سموهم، [سموهم] بكذب وباطل وزور.

وعندنا قوله: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبوداً؛ فسموهم أيضاً بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.

يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبوداً، سموهم أيضاً: خالقاً ورازقاً ورحماناً ورحيماً، وهم يعلمون أنها ليست كذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟!

وكذلك يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهم عالم بكل شيء؟

أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.

والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: بل بباطل من القول وزور.

ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهراً بادياً؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ  ﴾ أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.

ويحتمل قوله: ﴿ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبوداً؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ : قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله.

لكن يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ أي: مكرهم برسول الله  حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق [هو] سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .

من أضله الله فلا يملك أحدٌ هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجواع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ...

﴾ الآية [النحل: 112].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي: أشد.

﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي: مالهم من عذاب الله من واقٍ يقيهم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون.

ويحتمل: [أي: شبه] الجنة التي وعد المتقون.

كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية [محمد: 15]، يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ ﴾ .

أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها [دائم] لا يزول.

﴿ وِظِلُّهَا ﴾ أيضاً.

أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.

وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ .

[أي: جزاء الكافرين النار]، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء [الكافرين] النار.

أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار.

وقال بعضهم: ﴿ تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ٣٦ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ٣٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يشبه أن تكون الآية صلة قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ ؛ فأخبر - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ؛ بذكر الرحمن.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : قال بعضهم: أصحاب محمد؛ فرحوا بما أنزل إلى رسول الله  .

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أهل التوراة يفرحون بما أنزل إليك يذكر هاهنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضع: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته ولم يبدله ولم يغيره - فهو يؤمن به؛ ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيَّره وبدَّله - فهو لم يفرح [بما أنزل] عليه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ تأويله - والله أعلم - كأنه قال: والذين آتيناهم منافع الكتاب أولئك يفرحون [بما أنزل] إليك، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ لأن أكثرهم [لا يؤمنون] بما أنزل على محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ .

يحتمل: أهل الكتاب كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه؛ لا ينكرون كل ما أنزل إليه؛ وإنما ينكرون نعته وصفته؛ لأنهم كتموا نعته وصفته التي في كتبهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ مشركي العرب؛ وهم أيضاً أنكروا بعض ما أنزل إليه؛ وهو ما ذكر: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ في قوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ونحوه، لم ينكروا كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ .

كأن هذا قاله على إثر قول كان منهم؛ [كأنهم دعوه] إلى أن يشاركهم في عبادة الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم؛ فقال: قل إنما أمرت أن أعبد الله وأمرت ألا أشرك به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ ﴾ قال ذلك من نفسه.

﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ يقول: إلى توحيد الله أدعو غيري ثم أخالف وأعبد غيره؟

﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ أي: إليه المرجع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ ﴾ أي: كما علمناك آداباً وأعطيناك النبوة - كذلك أنزلنا عليك.

﴿ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ قيل حكمة عربية، وكانت العرب لا تفهم الحكمة؛ أو أنزلنا ما فيه حكم.

وتفسير قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ ما ذكر [في آية] أخرى؛ وهو قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ  إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ﴾ سمى القرآن حكماً؛ لأنه للحكم أنزل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

هذا يدل أنهم كانوا يدعونه إلى أن يشاركهم في بعض ما هم فيه.

﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ينصرك ويمنعك من عذاب الله.

﴿ وَلاَ وَاقٍ ﴾ يعني العذاب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ ٣٨ يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ ٣٩ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ٤٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: نزل هذا وذلك: أن اليهود عيروا رسول الله، وطعنوا في كثرة النساء والأولاد؛ [وقالوا: لو كان نبيّاً على ما يزعم لكان لا يمتع بالنساء؛ ولا يطلب الأولاد] كما يفعله غيره؛ وكانت النبوة تشغله عن ذلك.

فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا...

﴾ الآية، أي: الاستمتاع بالنساء واستكثاره [منهن] - لم يمنع عن الاختصاص بالنبوة والرسالة، على ما لم يمنع غيره من الرسل الذين كانوا من قبله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: لا يملكون إنزال الآيات من أنفسهم؛ إنما يتولى الله إنزالها إذا شاء ذلك؛ وهو كقول عيسى؛ حيث قال: ﴿ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ...

﴾ الآية [آل عمران: 49] أخبر أن ما يأتي من الآيات إنما يأتيها بإذن الله وبأمره؛ لا من نفسه.

يحتمل أن يكون جواب ما ذكر أهل التأويل، وجواب غير ذلك أيضاً؛ وهو طعنهم الرسل بالأكل والشرب والمشي في الأسواق، وسؤالهم الآيات التي سألوهم، وجواب إنكارهم الرسل من البشر يقول: لست أنت بأول رسول طعنت بما طعنك به قومك؛ ولكن كان قبلك رسل طعن قومهم بما طعن به قومك؛ وسألوهم من الآيات من سأل به قومك؛ فلم يكن ذلك لهم عذراً في رد ما ردّوا وترك ما تركوا؛ بل نزل بهم العذاب، فعلى ذلك قومك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: لكل كتاب أجل؛ وهي: الكتب التي أنزلت على الرسل؛ يعمل بها إلى وقت؛ ثم تنسخ أو يترك العمل بها.

وقال قائلون: هو ما قال: لكل أجل كتاب؛ أي: لكل ذي أجل أجله؛ إلى وقت انقضائه؛ ليس يراد به الكتابة باليد؛ ولكن الإثبات؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ  ﴾ أي: أثبت؛ ليس أن كتب هنالك باليد، فعلى ذلك قوله: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ أي: إثبات إلى وقت.

ويحتمل قوله: لكل كتاب أجل؛ أي: لكل ما كتب له الأجل؛ وجعل له الوقت؛ من العذاب ينزل بالمعاندين والنصر للرسل؛ فإنه لا يكون قبل ذلك الوقت، ولا يتأخر أيضاً عن ذلك الوقت؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 34].

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ﴾ .

قال قائلون: قوله: ﴿ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ المحو - هاهنا -: أن أنشأه في الابتداء بمحو؛ ليس على أن كان مثبتاً فمحاه، ولكن أنشأه هكذا ممحوّاً؛ وهو كقوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ  ﴾ ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي؛ ولكن أنشأه في [الابتداء ممحوّاً]، وكقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ ليس أنها كانت موضوعة [ثم رفعها]؛ ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا.

ثم يحتمل ذلك الأعمال التي كانت معفوّة في الأصل؛ من [نحو] أعمال الصبيان؛ والأعمال التي لا جزاء عليها.

وقال قائلون: على إحداث محو؛ ثم هو يحتمل وجوهاً: [يحتمل:] ما ينسخ من الأحكام - فهو على محو الحكم به؛ والعمل ليس على محو نفسه؛ ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ : وهو ما لا ينسخ؛ ولا يترك العمل به والحكم.

ويحتمل المحو: محو الأحوال؛ وهو ما ينقل ويحول من حال إلى حال؛ من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، يحوله وينقله من حال إلى حال أخرى؛ فذلك هو المحو.

ويحتمل المحو - أيضاً -: هو ما يختم به العمر؛ السعادة أو الشقاء: إذا كان كافراً ثم أسلم في آخر عمره - محيت الأعمال التي [كانت له] في حال كفره؛ فأبدلت حسنات، وإذا كان مسلماً ثم ختم بالكفر - محيت أعماله التي كانت له من الصالحات، فلم ينتفعوا بها.

أو أن يكون ما ذكر من المحو والإثبات: هو ما يكتب الحفظة من الأعمال والأفعال يمحي عنها ما لا جزاء لها ولا ثواب؛ ويبقى ما له الجزاء والثواب ويترك مكتوباً كما هو.

أو يكون للخلق مقاصد في أفعالهم؛ والحفظة لا يطّلعون على مقاصدهم؛ فيكتبون هم ما هو في الحقيقة حسنة؛ لقصده سيئة؛ على ظاهر ما عمل، أو حسنة في الظاهر؛ وهو في الحقيقة سيئة؛ فيغير ذلك؛ فيجعل ما هو في الحقيقة شر وفي الظاهر خير - شرّاً بالقصد، وما هو في الحقيقة خير وفي الظاهر شر - خيراً.

أو [أن] يكون في كتابة الحفظة لكنه من وجه آخر؛ وهو أن الحفظة يكتبون الأعمال؛ ثم يعارض ذلك بما في اللوح المحفوظ؛ فمحى من كتابة الحفظة من الزيادة؛ ويثبت فيها ما كان فيه من النقصان.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

هذا يحتمل: عنده الذي يعارض به كتب الملائكة.

ويحتمل: وعنده أُمّ الكتاب الذي يستنسخ منه الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل؛ وهو [في] اللوح المحفوظ.

وفيه دلالة أن اختلاف الألسن لا يوجب تغيير المعنى؛ لأنه لا يدري أن تلك الكتب في اللوح بأي لسان هي، ثم أنزل منه كل كتاب على لسان الرسول الذي نزل عليه، وكذلك الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم؛ لا يحتمل أن يكتبوا بلسان الخلق؛ لأنه يظهر لو كانوا يكتبون بلسان هؤلاء؛ فدل أنهم إنما يكتبون بلسان أنفسهم، فهذا كله يدل أن اختلاف اللسان لا يوجب اختلاف المعنى.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ .

كأنه صلوات الله وسلامه عليه طمع أو سأله أن يريه جميع ما وعد [له]؛ من إنزال العذاب عليهم، وأنواع ما وعد؛ فقال: إن شئنا نريك بعض ما وعدناهم، وإن شئنا نتوفاك ولم نرك؛ فإنما عليك البلاغ؛ أي: ليس لك من الأمر شيء؛ أي: ليس إليك هذا إنما عليك البلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...

﴾ الآية [آل عمران: 128] إنما عليك كذا؛ فيخرج مخرج العتاب والتوبيخ؛ ليس مخرج الوعد والعدة؛ إذ قوله: ذا، وذا، بحرف شك [ولا يجوز أن يضاف إليه ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ هذا في الظاهر حرف شك]، فهو يخرج على الوعد أو على النهي عن سؤال كان من رسول الله  : فإن كان على النهي - فكأنه نهاه أن يسأل إنزال العذاب عليهم؛ يقول: إن شئنا أنزلنا وإن شئنا لم ننزل، وإن كان على الوعد؛ يقول: نريك بعض ما وعدنا؛ ولا نريك كله، وإلا ظاهره حرف شك.

وقوله: ﴿ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ يحتمل حساب ما وعد وجزاءه، ويحتمل الحساب المعروف؛ الذي يحاسبهم يوم القيامة.

والله أعلم.

[أي: لا يتركهم هملاً سدى، أو قوله: ﴿ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ أي: إلينا الحساب، أو لنا الحساب، وذلك جائز في اللغة].

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤١ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٤٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ ٤٣

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.

والثاني: على الأمر؛ أي: [رَوْا أنَّا] فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.

﴿ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ .

قال بعضهم: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أولئك؛ والإخراج من سلطان أولئك الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان.

[وهو] والله أعلم لما وعد لرسوله أن يريه بعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟

فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا ﴾ أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهؤلاء؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.

هذا والله أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.

وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.

ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.

ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول الله في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأولئك الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟

فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم [وذهب] من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟

وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وفقهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قيل: لا رادّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ [وهو كقوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ أي: احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم].

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا.

والله أعلم.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ هذا قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

أى: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به.

ثم يحتمل المكر به وجهين: أحدهما: مكروا بنفسه؛ همّوا قتله وإهلاكه.

والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ .

هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعاً؛ يجزى كلا بمكره.

والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعاً بالحق من حيث لا يشعرون، وأما هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير الأمر جميعاً، إن شاء أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم.

أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ من خير أو شرّ.

﴿ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ .

يشبه أن يكون عقبى الدار معروفاً عندهم؛ وهي الجنة؛ فيكون صلة قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟

أو أن يكون جواب قوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جواباً لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: قالوا.

﴿ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ أي: لن يبعثك الله رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن يقول لهم.

﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ إني نبي رسول الله إليكم بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة: فيشهد أيضاً أني رسول نبي؛ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً...

﴾ الآية [الشعراء: 197] وقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ  ﴾ ومن قرأ بالخفض: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ فتأويله - والله أعلم -: أي: من عند الله جاء علم هذا الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وكذلك روي في بعض الأخبار؛ عن النبي  : أنه كان يقرأ: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ بالخفض، وأما القراء جميعاً فإنهم يختارون النصب ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: ومن عنده علم الكتاب بخفض الميم والدال ورفع العين؛ وقال: لكن لا أدري عمن هو.

وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نَزَلَ: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : عبد الله بن سلام وأصحابه.

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله