الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤٤ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 155 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه لما غرق أهل الأرض إلا أصحاب السفينة ، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها ، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ، ( وغيض الماء ) أي : شرع في النقص ، ( وقضي الأمر ) أي : فرغ من أهل الأرض قاطبة ، ممن كفر بالله ، لم يبق منهم ديار ، ( واستوت ) السفينة بمن فيها ( على الجودي ) قال مجاهد : وهو جبل بالجزيرة ، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت ، وتواضع هو لله عز وجل ، فلم يغرق ، وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام .
وقال قتادة : استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها ، قال قتادة : قد أبقى الله سفينة نوح ، عليه السلام ، على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت ، وصارت رمادا .
وقال الضحاك : الجودي : جبل بالموصل : وقال بعضهم : هو الطور .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن رافع ، حدثنا محمد بن عبيد ، عن توبة بن سالم قال : رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك فسألته إنك لكثير الصلاة هاهنا يوم الجمعة !
قال : بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا .
وقال علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم ، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما ، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه ، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض ، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ، ولطخت رجليها بالطين ، فعرف نوح ، عليه السلام ، أن الماء قد نضب ، فهبط إلى أسفل الجودي ، فابتنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة ، إحداها اللسان العربي .
فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض ، وكان نوح عليه السلام يعبر عنهم .
وقال كعب الأحبار : إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي .
وقال قتادة وغيره : ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين واستقرت بهم على الجودي شهرا ، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم .
وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير .
وأنهم صاموا يومهم ذاك ، فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو جعفر ، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي ، عن أبيه حبيب بن عبد الله ، عن شبيل ، عن أبي هريرة قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود ، وقد صاموا يوم عاشوراء ، فقال : ما هذا الصوم ؟
قالوا : هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون ، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي ، فصامه نوح وموسى ، عليهما السلام ، شكرا لله عز وجل .
فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " أنا أحق بموسى ، وأحق بصوم هذا اليوم " .
فصام ، وقال لأصحابه : " من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ، ومن كان أصاب من غداء أهله ، فليتم بقية يومه " وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، ولبعضه شاهد في الصحيح .
وقوله : ( وقيل بعدا للقوم الظالمين ) أي : هلاكا وخسارا لهم وبعدا من رحمة الله ، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم ، فلم يبق لهم بقية .
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي ، عن قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع ، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره : أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي " قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " كان نوح - عليه السلام - مكث في قومه ألف سنة [ إلا خمسين عاما ] ، يعني وغرس مائة سنة الشجر ، فعظمت وذهبت كل مذهب ، ثم قطعها ، ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون : تعمل سفينة في البر ، فكيف تجري ؟
قال : سوف تعلمون .
فلما فرغ ونبع الماء ، وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء [ ارتفعت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء ] خرجت به حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقد روى عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.
القول في تأويل قوله تعالى : وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهَى أمرُه في هلاك قوم نوح بما أهلكهم به من الغرق: (يا أرض ابلعي ماءك)، أي: تشرَّبي.
* * * ، من قول القائل: " بَلِعَ فلان كذا يَبْلَعُه، أو بَلَعَه يَبْلَعُه " ، إذا ازدَردَه.
(38) * * * ، (ويا سماء أقلعي) ، يقول: أقلعي عن المطر، أمسكي ، (وغيض الماء) ، ذهبت به الأرض ونَشِفته، (وقضي الأمر) ، يقول: قُضِي أمر الله، فمضى بهلاك قوم نوح (39) ، (واستوت على الجوديّ) ، يعني الفلك ، " استوت ": أرست ، " على الجودي" ، وهو جبل ، فيما ذكر بناحية الموصل أو الجزيرة، ، (وقيل بعدًا للقوم الظالمين)، يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالمين الذين كفروا بالله من قوم نوح.
(40) * * * 18187- حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال ، حدثنا المحاربي، عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة ، فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستةَ أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجوديّ يوم عاشوراء، فصام نوح ، وأمر جميع من معه من الوحش والدوابّ فصامُوا شكرًا لله .
(41) 18188- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كانت السفينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفي أسفلها السباع، وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعًا، ودفعت من عَين وردة يوم الجمعة لعشر ليالٍ مضين من رجب، وأرست على الجوديّ يوم عاشوراء، ومرت بالبيت فطافت به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت.
(42) 18189- حدثنا القاسم، قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم اليوم صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرًا فليصم.
(43) 18190- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: [ما] كان زَمَن نوحٍ شبر من الأرض ، إلا إنسانٌ يَدَّعيه.
(44) 18191- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنَّها ، يعني الفُلك ، استقلَّت بهم في عشر خلون من وجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت على الجودي شهرًا، وأهبط بهم في عشر [خَلَوْن] من المحرم يوم عاشوراء .
(45) * * * وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: (وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) ، قال أهل التأويل.
* * * ذكر من قال ذلك: 18192- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وغيض الماء) ، قال: نقص ، (وقضي الأمر)، قال: هلاك قوم نوح 18193- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
- 18194 حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال: قال ابن جريج (وغيض الماء) ، نَشِفَتهُ الأرض.
(46) 18195- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (يا سماء أقلعي) ، يقول: أمسكي (وغيض الماء) ، يقول: ذهب الماء.
18196- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وغيض الماء) ، والغُيوض ذهاب الماء ، (واستوت على الجودي).
18197- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واستوت على الجودي) ، قال: جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال من الغَرَق، وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرسيتْ عليه.
18198- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واستوت على الجودي) ، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغَرَق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه 18199- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18200- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (واستوت على الجودي) ، يقول: على الجبل ؛ واسمه " الجودي" 18201- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان: (واستوت على الجودي) ، قال: جبل بالجزيرة ، شمخت الجبال، وتواضعَ حين أرادت أن ترفأ عليه سفينة نوح.
(47) 18202- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (واستوت على الجودي) ، أبقاها الله لنا بوادي أرض الجزيرة عبرة وآية.
18203- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: (واستوت على الجودي) ، هو جبل بالموصل.
18204- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نوحًا بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة فوقع عليها، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون، فأعْطيت الطوقَ الذي في عنقها، وخضابَ رجليها.
18205- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما أراد الله أن يكفّ ذلك ، يعني الطوفان ، أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء، واستدَّت ينابيع الأرضِ الغمرَ الأكبر، وَأبوابُ السماء .
(48) يقول الله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي)، إلى: (بعدًا للقوم الظالمين) ، فجعل ينقص ويغيض ويُدبر.
وكان استواء الفلك على الجودي ، فيما يزعم أهل التوراة، في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر، رئي رءوس الجبال.
فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا ، فتح نوح كُوَّة الفلك التي صنع فيها، ثم أرسلَ الغراب لينظر له ما فعل الماءُ، فلم يرجع إليه.
فأرسل الحمامةَ، فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضعًا، فبسط يده للحمامة، فأخذها .
ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست ، وفي فيها ورَق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قلَّ عن وجه الأرض.
ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برَزَت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ، ودخل يوم واحد من الشهر الأوّل من سنة اثنتين ، برز وجه الأرض، فظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض.
وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ .
18206- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: تزعُم أناسٌ أن من غرق من الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنـزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدرِكون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا ، ثم مصيرهم إلى النار.
------------------------ الهوامش : (38) الذي في المعاجم " بلع " ( بفتح فكسر ) ، أما " بلع " ( بفتحتين ) ، فقد ذكرها ابن القطاع في كتاب الأفعال 1 : 85 وفرق بينهما وقال : " بَلِعَ الطعام بَلْعًا ، وبَلَعَ الماء والربق بَلْعًا " ، وذكر أيضا ابن القوطية في كتاب الأفعال : 281 ، مثل ذلك .
(39) انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة ( قضى ) .
(40) انظر تفسير " استوى " فيما سلف ص : 18 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(41) الأثر : 18187 - " عباد بن يعقوب الأسدي " ، شيخ الطبري ، ثقة في الحديث ، شيعي الرأي ، مضى برقم : 5475 ." والمحاربي " ، هو " عبد الرحمن بن محمد المحاربي " ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، مضى مرارًا ." وعثمان بن مطر الشيباني " ، ضعيف منكر الحديث ، متروك .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 169 .وأما "عبد العزيز بن عبد الغفور " ، فهذا اسم مقلوب ، وإنما هو " عبد الغفور بن عبد العزيز " ويقال : " عبد الغفار بن عبد العزيز " ويروى عنه " عثمان بن مطر ".
وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث ، ومضى برقم : 14776 .
ولكن العجب أن أبا جعفر رواه في تاريخه مقلوبًا أيضًا .وأبوه " عبد العزيز الشامي " ، لم أجد له ذكرًا ، كما أسلفت في رقم : 14776 ، وأخشى أن يكون هذا الإسناد : " عن أبيه ، عن أبيه " ، كما سلف .وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا ، ووقع فيه الخلط في اسم " عبد الغفور " جزاء ما خلط في أحاديثه ومناكيره .ورواه أبو جعفر في تاريخه أيضًا 1 : 96 .
(42) الأثر : 18188 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 96 .
(43) الأثر : 18189 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 96 .
(44) الأثر : 18190 - كان في المخطوطة : " قال: كان زمن نوح شبر عن الأرض لإنسان يدعيه " ، وكان في المطبوعة:" كان في زمن نوح شبر عن الأرض لا إنسان يدعيه" فزاد ، وأساء القراءة ، وأفسد الكلام .
والصواب من تاريخ الطبري 1 : 96 .
وقوله : " إلا إنسان يدعيه " ، أي : يدعى أن الماء لم يعم الأرض كلها .
(45) الأثر : 18191 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 96 ، والزيادة بين القوسين منه .
(46) " نشفت الأرض الماء ، نشفًا " ( بفتح النون وكسر الشين ، في الفعل) ، شربته .
(47) " رفأ السفينة يرفؤها " ، أدناها من الشط ، فعل متعد ، و" أرفأت السفينة نفسها " ، لازم ، ولكن هكذا جاء في المخطوطة " أرادت أن ترفأ " ، وعندي أنه جائز أن يقال : " رفأت السفينة نفسها " ، لازما .
(48) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " الغمر الأكبر " ، وأنا أرجح أنه خطأ محض ، وأن الصواب : " الغوط الأكبر " ، وبهذا اللفظ رواه صاحب اللسان في مادة ( غوط ) .
وقد سبق تفسير " الغوط الأكبر" في الأثر رقم : 18138 ص : 315 ، تعليق : 2 .
قوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي هذا مجاز لأنها موات .
وقيل : جعل فيها ما تميز به .
والذي قال إنه مجاز قال : لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها ، وبلاغة رصفها ، واشتمال المعاني فيها .
وفي الأثر : إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عاما أو عامين ، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان ; فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك .
وذلك قوله تعالى : إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر ; فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك ، وأمر الله الأرض بالابتلاع .
ويقال : بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد ويحمد ; لغتان حكاهما الكسائي والفراء .
والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء .
قال ابن العربي : التقى الماءان على أمر قد قدر ، ما كان في الأرض وما نزل من السماء ; فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط .
وذلك قوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقيل : ميز الله بين الماءين ، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته ، وصار ماء السماء بحارا .[ ص: 38 ] قوله تعالى : وغيض الماء أي نقص ; يقال : غاض الشيء وغضته أنا ; كما يقال : نقص بنفسه ونقصه غيره ، ويجوز " غيض " بضم الغين .وقضي الأمر أي أحكم وفرغ منه ; يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام .
ويقال : إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة ، فلم يكن فيمن هلك صغير .
والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان ، كما هلكت الطير والسباع .
ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير ، بل ماتوا بآجالهم .
وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه ; وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت به إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء استوت على الجبل ; فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء ; فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي .قوله تعالى : واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين أي هلاكا لهم .
الجودي جبل بقرب الموصل ; استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء ; فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه ، شكرا لله تعالى وقد تقدم هذا المعنى .
وقيل : كان ذلك يوم الجمعة .
وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسى على واحد منها فتطاولت ، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا لله ، فاستوت السفينة عليه : وبقيت عليه أعوادها .
وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة .
وقال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق ; فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا ، وتطامن الجودي ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ، ورست السفينة عليه .
وقد قيل : إن الجودي اسم لكل جبل ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل .سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمدويقال : إن الجودي من جبال الجنة ; فلهذا استوت عليه .
ويقال : أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر : الجودي بنوح ، وطور سيناء بموسى ، وحراء بمحمد - صلوات الله وسلامه عليهم - أجمعين .[ مسألة ] : لما تواضع الجودي وخضع عز ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل ، وهذه سنة الله في خلقه ، يرفع من تخشع ، ويضع من ترفع ; ولقد أحسن القائل :[ ص: 39 ]وإذا تذللت الرقاب تخشعا منا إليك فعزها في ذلهاوفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال : كانت ناقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تسمى العضباء ; وكانت لا تسبق ; فجاء أعرابي على قعود له فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين ; وقالوا : سبقت العضباء !
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه .
وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد .
خرجه البخاري .[ مسألة ] : نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة ، ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن : أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ; فذلك قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وكان قد كثرت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيذا ، ويضربونه في المجالس ويطرد ، وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه ، حتى إنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه ، فذلك قوله تعالى : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم .
وقال مجاهد وعبيد بن عمير : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
وقال ابن عباس : ( إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ، ثم يخرج فيدعوهم ; حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا ; فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك ، قال : يا أبت أمكني من العصا ، فأمكنه فأخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض فوضعه ، فمشى إليه بالعصا فضربه [ ص: 40 ] فشجه شجة موضحة في رأسه ، وسالت الدماء ; فقال نوح : " رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين " فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه ، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن )
فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ } الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك { وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي } فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها, وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، { وَقُضِيَ الْأَمْرُ } بهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين.
{ وَاسْتَوَتْ } السفينة { عَلَى الْجُودِيِّ } أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل.
{ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا, وسحقا لا يزال معهم.
( وقيل ) يعني : بعدما تناهى أمر الطوفان : ( يا أرض ابلعي ) تشربي ، ( ماءك ويا سماء أقلعي ) أمسكي ، ( وغيض الماء ) نقص ونضب ، يقال : غاض الماء يغيض غيضا إذا نقص ، وغاضه الله أي أنقصه ، ( وقضي الأمر ) فرغ من الأمر وهو هلاك القوم ( واستوت ) يعني : السفينة استقرت ، ( على الجودي ) جبل بالجزيرة بقرب الموصل ، ( وقيل بعدا ) هلاكا ، ( للقوم الظالمين ) .
وروي أن نوحا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين ، فعلم نوح أن الماء قد نضب ، فقيل إنه دعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت ، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان ، فمن ثم تأمن وتألف البيوت .
وروي أن نوحا عليه السلام ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ، ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه ، وهبطوا يوم عاشوراء ، فصام نوح ، وأمر جميع من معه بالصوم شكرا لله عز وجل .
وقيل : ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته ، وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج إليه من الشام ، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك .
«وقيل يا أرض ابلعي ماءك» الذي نبع منك فشربته دون ما نزل من السماء فصار أنهارا وبحارا «ويا سماء أقلعي» أمسكي عن المطر فأمسكت «وغيض» نقص «الماء وقضي الأمر» تم أمر هلاك قوم نوح «واستوت» وقفت السفينة «على الجودِي» جبل بالجزيرة بقرب الموصل «وقيل بُعدا» هلاكا «للقوم الظالمين» الكافرين.
وقال الله للأرض -بعد هلاك قوم نوح -: يا أرض اشربي ماءك، ويا سماء أمسكي عن المطر، ونقص الماء ونضب، وقُضي أمر الله بهلاك قوم نوح، ورست السفينة على جبل الجوديِّ، وقيل: هلاكًا وبعدًا للقوم الظالمين الذين تجاوزوا حدود الله، ولم يؤمنوا به.
وبعد أن غرق الكافرون ، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين ، وجه الله - تعالى - أمره إلى الأرض وإلى السماء .
.
فقال : ( وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين ) .أى : وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله - تعالى - الكافرين ، قال الله - تعالى - للأرض : ( ياأرض ابلعي مَآءَكِ ) .أى : اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء ، وابتعليه بسرعة فى باطنك كما يبتلع الإِنسان طعامه فى بطنه بدون استقرار فى الفم .وقال - سبحانه - للسماء ( وياسمآء أَقْلِعِي ) أى : أمسكى عن إرسال المطر يقال : أقلع فلان عن فعله إقلاعا ، إذا كف عنه وترك فعله .
ويقال : أقلعت الحمى عن فلان ، إذا تركته .فامتثلتا - أى الأرض والسماء - لأمر الله - فى الحال ، فهو القائل وقوله الحق : ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) وقوله ( وَغِيضَ المآء ) أى : نقص ونضب .
يقال : غاض الماء يغيض ، إذا قل ونقص .والمراد به هنا : الملاء الذى نشأ عن الطوفان .وقوله : ( وَقُضِيَ الأمر ) أى : تم ونفذ ما وعد الله - تعالى - به نبيه نوحا - عليه السلام - من إهلاكه للقوم الظالمين .والضمير فى قوله : ( واستوت عَلَى الجودي ) للسفينة ، والجودى ، جيل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل .
وقيل هو جبل بالشام .أى : واستقرت السفينة التى تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته ، على الجبل المعروف بهذا الاسم ، بعد أن أهلك الله أعداءهم .قال ابن كثير ما ملخصه : وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء من المحرم ، فقد روى الإِمام أحمد عن أبى هريرة قال : " مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود ، وقد صاموا يوم عاشوراء ، فقال لهم : ما هذا الصوم؟
قالوا ، هذا اليوم الذى نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون .
وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى .
فصامه نوح وموسى - عليه السلام - شكرا لله .فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - " أنا أحق بموسى ، وأحق بصوم هذا اليوم " فصامه ، وقال لأصحابه : من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ، ومن كان قد أصاب من غذاء أهله ، فليتم بقية يومه " " .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : وقيل بعدا القوم الظالمين .أى : هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله - تعالى - للقوم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإِيمان ، والضلالة على الهداية .قال الجمل : ( وبعدا ) مصدر بعد - بكسر العين - يقال بعد بعدا - بضم فسكون - وبعداً - بفتحتين - إذا بعد بعد بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك ، وخص بدعاء السوء ، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر .
أى : وقيل بعداً بعدا .
.
.هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة فى هذه الآية كلاما طويلا ، نكتفى بذكر جانب مما قاله فى ذلك الشيخ القاسمى فى تفسيره .قال - رحمه الله - ما ملخصه : " هذه الآية بلغت من أسرار الإِعجاز غايتها ، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها .
وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك ، ومن أوسعهم مجالا فى مضمار معارفها الإِمام " السكاكى " فقد أطال وأطنب فى كتابه " المفتاح " فى الحديث عنها .فقد قال - عليه الرحمة - فى بحث البلاغة والفصاحة :وإذ قد وفقت على البلاغة ، وعثرت على الفصاحة ، فأذكر لك على سبيل الأنموذج ، آية أكشف لك فيها من وجوههما ما عسى ن يكون مستورا عنك ، وهذه الآية هى قوله - تعالى - ( وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر .
.
) .والنظر فى هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعانى ، ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية .أما النظر فيها من جهة علم البيان .
.
فتقول : إنه - عز سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك : بنى الكلام على التشبيه ، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذى لا يتأتى منه أن يعصى أمره .
.
وكأنهما عقلاء مميزون فقال : ( ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي .
.
.
) .ثم قال : ( ماءك ) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك .ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإِقلاع الذى هو ترك الفاعل للفعل .وأما المنظر فيها من حيث علم المعانى .
.
فذلك أنه اختير ( يا ) دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر فى الاستعمال .
.
واختير لفظ " ابلعى " على " ابتلعى " لكونه أخصر .
ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه ، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم .وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى .
نظم للمعانى لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد الفكر فى طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها ، وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها ، فما من لفظة فى تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك .وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ما ترى عربية ، مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة من التنافر ، بعدية عن البشاعة .ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت ، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت .
اعلم أن المقصود من هذا الكلام وصف آخر لواقعة الطوفان، فكان التقدير أنه لما انتهى أمر الطوفان قيل كذا وكذا ﴿ ياأرض ابلعى مَاءكِ ﴾ يقال بلع الماء يبلعه بلعاً إذا شربه وابتلع الطعام ابتلاعاً إذا لم يمضغه، وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها ﴿ وياسماء أَقْلِعِى ﴾ يقال أقلع الرجل عن عمله إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما مطرت إذا أمسكت ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ يقال غاض الماء يغيض غيضاً ومغاضاً إذا نقص وغضته أنا وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا ومثله جبر العظم وجبرته وفغر الفم وفغرته، ودلع اللسان ودلعته، ونقص الشيء ونقصته، فقوله: ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ أي نقص وما بقي منه شيء.
واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة الله تعالى وعلو كبريائه: فأولها: قوله: ﴿ وَقِيلَ ﴾ وذلك لأن هذا يدل على أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف العقل إلا إليه ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من هذا الوجه، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو.
وثانيها: قوله: ﴿ ياأرض ابلعى مَاءكِ وياسماء أَقْلِعِى ﴾ فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد، صار ذلك سبباً لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلو قهره، وكمال قدرته ومشيئته.
وثالثها: أن السماء والأرض من الجمادات فقوله: ﴿ يا أرض- ويا سماء ﴾ مشعر بحسب الظاهر، على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر كذلك فلأن يكون أمره نافذاً على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريراً كاملاً.
وأما قوله: ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزماً حتماً فقد وقع تنبيهاً على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه.
فإن قيل: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفار؟
قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن كثيراً من المفسرين يقولون إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ سنه إلى الأربعين.
ولقائل أن يقول: لو كان الأمر على ما ذكرتم، لكان ذلك آية عجيبة قاهرة.
ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر، وأيضاً فهب أنكم ذكرتم ما ذكرتم فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة.
والجواب الثاني: وهو الحق أنه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ وأما المعتزلة فهم يقولون إنه تعالى أغرق الأطفال والحيوانات، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة.
وأما قوله تعالى: ﴿ واستوت عَلَى الجودى ﴾ فالمعنى واستوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي، وكان ذلك الجبل جبلاً منخفضاً، فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة ذلك الماء وكان ذلك الاستواء يوم عاشوراء.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد.
والثاني: أن يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.
<div class="verse-tafsir"
نداء الأرض والسماء بما ينادي به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله: ﴿ يا أرض ﴾ ، ﴿ ويا سماء ﴾ ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله: ﴿ ابلعي ماءك ﴾ و ﴿ أقلعي ﴾ من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولاً لا حبس ولا إبطاء.
والبلع: عبارة عن النشف.
والإقلاع: الإمساك.
يقال: أقلع المطر وأقلعت الحمى ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ من غاضه إذا نقصه ﴿ وَقُضِىَ الأمر ﴾ وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه ﴿ واستوت ﴾ واستقرّت السفينة ﴿ عَلَى الجودى ﴾ وهو جبل بالموصل ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا ﴾ يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره، ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله: ﴿ ابلعي ﴾ و ﴿ أقلعي ﴾ وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور.
وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت بهم على الجودي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء.
وروي أنها مرت بالبيت فطافت به سبعاً، وقد أعتقه الله من الغرق.
وروي أنّ نوحاً صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ أنْ يُغْرِقَنِي ﴿ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ ﴾ إلّا الرّاحِمَ وهو اللَّهُ تَعالى أوْ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، رَدَّ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ يَعْصِمُ اللّائِذَ بِهِ إلّا مُعْتَصَمَ المُؤْمِنِينَ وهو السَّفِينَةُ.
وقِيلَ لا عاصِمَ بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْصِمُهُ.
﴿ وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ ﴾ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ.
﴿ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ فَصارَ مِنَ المُهْلَكِينَ بِالماءِ.
﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ نُودِيا بِما يُنادى بِهِ أُولُو العِلْمِ وأُمِرا بِما يُؤْمَرُونَ بِهِ، تَمْثِيلًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وانْقِيادِهِما لِما يَشاءُ تَكْوِينُهُ فِيهِما بِالأمْرِ المُطاعِ الَّذِي يَأْمُرُ المُنْقادَ لِحُكْمِهِ المُبادِرَ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، مَهابَةً مِن عَظَمَتِهِ وخَشْيَةً مِن ألِيمِ عِقابِهِ، والبَلْعُ النَّشَفُ والإقْلاعُ الإمْساكَ.
﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ نَقَصَ.
﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ وأُنْجِزَ ما وُعِدَ مِن إهْلاكِ الكافِرِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ واسْتَوَتْ ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ.
﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ جَبَلٍ بِالمَوْصِلِ وقِيلَ بِالشّامِ وقِيلَ بِآمَلَ.
رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ السَّفِينَةَ عاشِرَ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها عاشِرَ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً.
﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ هَلاكًا لَهم، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعْدًا، إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عُودُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، والآيَةُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِفَخامَةِ لَفْظِها وحَسُنِ نَظْمِها والدَّلالَةِ عَلى كُنْهِ الحالِ مَعَ الإيجازِ الخالِي عَنِ الإخْلالِ، وفي إيرادِ الأخْبارِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةٌ عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ، وأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ في نَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ، إذْ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوى الواحِدِ القَهّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{وقيل يا أرض ابلعي ماءك} انشفى وتشربى والبلع النشف {ويا سماء أَقْلِعِى} أمسكي {وَغِيضَ الماء} نقص من غاضه إذا نقصه وهو لازم ومتعد {وَقُضِىَ الامر} وأنجز ما وعد الله نوحاً من إهلاك قومه {واستوت} واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر {عَلَى الجودى} وهو جبل بالموصل {وقيل بعدا للقوم الظالمين} أي سحقاً لقوم نوح
(الذين غرقوا يقال بعد بعداو بعدا إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ولذلك خص بدعاء السوء والنظر في هذه الآية من أربع جهات من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول إن الله تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض وأن نقضى أم أمد نوح وهو انجاز ما كما وعدناه من إغراق قومه فقضي وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى بني الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لافتداره العظيم وأن السموات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته فيها تغييراً وتبديلاً كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والاذعان لحكمه ويحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ثم بنى على تشبيه هذ نظم الكلام فقال عز وجل وقيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو يا أرض ويا سماء ثم قال مخاطباً لهما يا أرض ويا سماء على سبيل
الاستعارة للشبه المذكور ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ثم استعار الماء للغذاء تشبيهاً له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأني ثم قال وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ولم يصرح بمن غاض الماء ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة وقال بعداً كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكون قاهر وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره ياء أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكى مسلكههم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم إظهاراً لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم ومن جهة علم المعاني
وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها وذلك أنه اختبر يا دون اخواتها لكونها اكثر استعمالا ولدلاتها على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت وابداء العزة والجبروت وهو تعبيد المنادى والمؤذن بالتهاون به ولم يقل يا ارض لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور واختير ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين أقلعي وقيل أقلعي ولم يقل عن المطر وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعى فأقلعت اختصارا أو اختير غيض على غيّض وقيل الماء دون أن يقول ماء الطوفان والأمر ولم يقل أمر
هود (٤٥ _ ٤٦)
نوح وقومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك ولم يقل وسويت على الجودي أي أقرت على نحو قيل وغيض اعتباراً لبناء الفاعل
مع السفينة في قوله وهي تجري بهم ارادة للمطابقة ثم قيل بعد للقوم ولم يقل ليبعد القوم طلباً للتأكيد مع الاختصار هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل أيا ارض ابلعى ويا سماء أقعلى ولم يقل ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى الكلام فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح ثم قدم الأرض على أمر المساء وابتدأ به الطوفان منها ثم اتبع وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها ثم ذكر ما هو المقصود وهو قوله {وقضي الأمر} أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبر ومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشبك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسلة على الأسَلات كل منها كالماء في السلاسة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر على الإتيان بمثل هذه الآية ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لاتسع الحصر ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور
﴿ وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ﴾ أيِ انْشَفِي اسْتُعِيرَ مِنِ ازْدِرادِ الحَيَوانِ ما يَأْكُلُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كالكَشْفِ المُعْتادِ التَّدْرِيجِيِّ، وتَخْصِيصُ البَلْعِ بِما يُؤْكَلُ هو المَشْهُورُ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: بَلَعَ الماءَ إذا شَرِبَهُ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِالمَأْكُولِ، وذَكَرَ السَّيِّدُ أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ البَلْعَ بِمَعْنى الِازْدِراءِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ بِمَعْنى الشُّرْبِ لُغَةٌ هِنْدِيَّةٌ ﴿ ماءَكِ ﴾ أيْ ما عَلى وجْهِكِ مِن ماءِ الطُّوفانِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماءِ بَعْدَ ما عَبَّرَ عَنْهُ فِيما سَلَفَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَقامَ مَقامُ النَّقْصِ والتَّقْلِيلِ لا مَقامُ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ أيِ امْسِكِي عَنْ إرْسالِ المَطَرِ؛ يُقالُ: أقْلَعَتِ السَّماءُ إذا انْقَطَعَ مَطَرُها، وأقْلَعَتِ الحُمّى إذا كَفَّتْ، والظّاهِرُ أنَّ المَطَرَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَتّى قِيلَ لِلسَّماءِ ما قِيلَ، وهَلْ فَوَرانُ الماءِ كانَ مُسْتَمِرًّا حَتّى قِيلَ لِلْأرْضِ ما قِيلَ، أمْ لا؟
لَمْ أرَ فِيهِ شَيْئًا والآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ ﴿ وغِيضَ الماءُ ﴾ أيْ نَقَصَ، يُقالُ: غاضَهُ إذا نَقَصَهُ وجَمِيعُ مَعانِيهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ.
وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ: غاضَ الماءُ إذا قَلَّ ونَضَبَ وغِيضَ الماءُ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لا يُخالِفُهُ، فَإنَّ القِلَّةَ عَيْنُ النُّقْصانِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ وقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ أُنْجِزَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إهْلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ وإنْجائِهِ بِأهْلِهِ المُؤْمِنِينَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أتَمَّ الأمْرَ ﴿ واسْتَوَتْ ﴾ اسْتَقَرَّتْ، يُقالُ: اسْتَوى عَلى السَّرِيرِ إذا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَخْفِيفِها وهُما لُغَتانِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ أوْ بِالشّامِ أوْ بِآمُلٍ بِالمَدِّ وضَمِّ المِيمِ والمَشْهُورُ وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ إذْ ذاكَ وتَواضَعَ هو لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَأكْرَمَهُ سُبْحانَهُ بِاسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ ومَن تَواضَعَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ رَفَعَهُ، وكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُناسٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ صامُوا يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: ما هَذا الصَّوْمُ؟
فَقِيلَ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي أنْجى اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الغَرَقِ وغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وهَذا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّبِيُّ : أنا أحَقُّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأحَقُّ بِصَوْمِ هَذا اليَوْمِ فَصامَهُ وأمَرَ أصْحابَهُ بِالصَّوْمِ».
وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا وأنَّ صِيامَهُ يَعْدِلُ سَنَةً مَبْرُورَةً، وكانَ رُكُوبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ في عَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الغَفُورِ، عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَكِبَ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ فَصامَ هو ومَن مَعَهُ وجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ فانْتَهى ذَلِكَ إلى المُحَرَّمِ، فَأرْسَتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ فَصامَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمَرَ جَمِيعَ مَن مَعَهُ مِنَ الوَحْشِ والدَّوابِّ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّها طافَتْ بِهِمُ الأرْضَ كُلَّها ولَمْ تَدْخُلِ الحَرَمَ لَكِنَّها طافَتْ بِهِ أُسْبُوعًا، وأنَّ الحَجَرَ الأسْوَدَ خُبِّئَ في جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ وأنَّ البَيْتَ رُفِعَ إلى السَّماءِ.
وفي رِوايَةِ ابْنِ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الحَرَمَ مِنَ الماءِ شَيْءٌ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّهُ لا خَبْءَ كَما أنَّهُ لا رَفْعَ وعِنْدِي أنَّ رِوايَةَ ثُبُوتِهِما جَمِيعًا مِمّا لا تَكادُ تَصِحُّ، وبِفَرْضِ صِحَّتِها لا يَظْهَرُ لِي سِرُّ رَفْعٍ بِلا حَجْرٍ وخَبْءِ الحَجَرِ بِلا بَيْتٍ، بَلْ عِنْدِي في رَفْعِ البَيْتِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ وإنْ كُنْتُ مِمَّنْ لا يَتَرَدَّدُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ هَلاكًا لَهُمْ، واللّامُ صِلَةُ المَصْدَرِ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقِيلَ وإنَّ المَعْنى قِيلَ لِأجْلِهِمْ بُعْدًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْهَلاكِ ولِتَذْكِيرِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ هَلاكِ الكَفَرَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ آياتٌ أُخَرُ وأخْبارٌ كَثِيرَةٌ، بَلْ فِيها ما هو عَلى عِلّاتِهِ ظاهِرٌ في عُمُومِ هَلاكِ مَن عَلى الأرْضِ ما عَدا أهْلَ السَّفِينَةِ، فَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ فِيمَن أصابَ الغَرَقُ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ لَها فَوَضَعَتْهُ عَلى صَدْرِها فَلَمّا بَلَغَها الماءُ وضَعَتْهُ عَلى مَنكِبِها، فَلَمّا بَلَغَها الماءُ وضَعَتْهُ عَلى يَدَيْها فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: لَوْ رَحِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ لَرَحِمْتُها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ سِوى عُوجِ بْنِ عُوقٍ وكانَ الماءُ يَصِلُ إلى حُجْرَتِهِ، وسَبَبُ نَجاتِهِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ إلى خَشَبِ ساجٍ فَلَمْ يُمْكِنْهُ نَقْلُهُ فَحَمَلَهُ عُوجٌ مِنَ الشّامِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَرَقِ لِذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ يَقْتَضِي نَجاتَهُ، فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ عُوجُ بْنُ عُوقٍ -بِضَمِّهِما- رَجُلٌ وُلِدَ في مَنزِلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعاشَ إلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ أصْلًا، وخَبَرُ عُوجٍ يَرْوِيهِ هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ فَلا تَعُجْ إلى القَوْلِ بِهِ ولا يُشَكِّلُ إغْراقُ الأطْفالِ الَّذِينَ لا ذَنْبَ لَهم لِما أنَّهُ مُجَرَّدُ سَبَبٍ لِلْمَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وأيُّ مَحْذُورٍ في إماتَةِ مَن لا ذَنْبَ لَهُ وفي كُلِّ وقْتٍ يُمِيتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ ما لا يُحْصى وهو جَلَّ شَأْنُهُ المالِكُ الحَقُّ والمُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ؟
ولا يُحْتاجُ في الجَوابِ إلى ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادِ بْنِ سَمْعانَ، عَنْ رِجالٍ سَمّاهُمْ، أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْقَمَ رِجالَهم قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ عامًا وأعْقَمَ نِساءَهم فَلَمْ يَتَوالَدُوا أرْبَعِينَ عامًا مُنْذُ دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى أدْرَكَ الصَّغِيرُ فَبَلَغَ الحِنْثَ وصارَتْ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ثُمَّ أنْزَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ بِالطُّوفانِ إذْ يُبْقِي عَلَيْهِ مَعَ ضَعْفِهِ والتَّعارُضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ السّابِقِ آنِفًا أمْرُ إهْلاكِ ما لَمْ يَكُنْ في السَّفِينَةِ مِنَ الحَيَواناتِ، وقَدْ جاءَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَمَلَ مَن حَمَلَ في السَّفِينَةِ رَأتِ البَهائِمُ والوَحْشُ والسِّباعُ العَذابَ، فَجَعَلَتْ تَلْحَسُ قَدَمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَقُولُ: احْمِلْنا مَعَكَ فَيَقُولُ: إنَّما أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ولَمْ يَحْمِلْها، وكَذا لا يُحْتاجُ إلى الجَوابِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أهْلَكَ أُولَئِكَ الأطْفالَ لِعِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما كانُوا فاعِلِينَ، وذَلِكَ كَما يُقالُ في وجْهِ إدْخالِ أطْفالِ الكُفّارِ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ مَن يَراهُ لِما أنَّ فِيهِ ما فِيهِ، وبِالجُمْلَةِ إماتَةُ الأحْياءِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ دَفْعَةً أوْ تَدْرِيجًا مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ ولا يُسْئَلُ عَنْهُ.
هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ بَلَغَتْ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ أقاصِيها واسْتَذَلَّتْ مَصاقِعَ العَرَبِ فَسَفَعَتْ بِنَواصِيها، وجَمَعَتْ مِنَ المَحاسِنِ ما يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ، وكانَتْ مِن سَمْهَرِيِّ البَلاغَةِ مَكانَ السِّنانِ، ويُرْوى أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قَصَدُوا أنْ يُعارِضُوا القُرْآنَ فَعَكَفُوا عَلى لُبابِ البُرِّ ولُحُومِ الضَّأْنِ وسُلافِ الخَمْرِ أرْبَعِينَ يَوْمًا لِتَصْفُوَ أذْهانُهُمْ، فَلَمّا أخَذُوا فِيما قَصَدُوهُ وسَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا الكَلامُ لا يُشْبِهُ كَلامَ المَخْلُوقِينَ فَتَرَكُوا ما أخَذُوا فِيهِ وتَفَرَّقُوا.
ويُرْوى أيْضًا أنَّ ابْنَ المُقَفَّعِ وكانَ كَما في القامُوسِ فَصِيحًا بَلِيغًا بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أفْصَحُ أهْلِ وقْتِهِ رامَ أنْ يُعارِضَ القُرْآنَ فَنَظَمَ كَلامًا وجَعَلَهُ مُفَصَّلًا وسَمّاهُ سُوَرًا، فاجْتازَ يَوْمًا بِصَبِيٍّ يَقْرَؤُها في مَكْتَبٍ فَرَجَعَ ومَحا ما عَمِلَ وقالَ: أشْهَدُ أنَّ هَذا لا يُعارَضُ أبَدًا وما هو مِن كَلامِ البَشَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَسْتَدْعِي أنْ لا يَكُونَ سائِرُ آياتِ القُرْآنِ العَظِيمِ مُعْجِزًا لِما أنَّ حَدَّ الإعْجازِ هو المَرْتَبَةُ الَّتِي يَعْجُزُ البَشَرُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها ولا تَدْخُلُ عَلى قُدْرَتِهِ قَطْعًا، وهي تَشْتَمِلُ عَلى شَيْئَيْنِ: الأوَّلُ الطَّرَفُ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، أعْنِي ما تَنْتَهِي إلَيْهِ البَلاغَةُ ولا يُتَصَوَّرُ تَجاوُزُها إيّاهُ، والثّانِي ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ الطَّرَفِ أعْنِي المَراتِبَ العَلِيَّةَ الَّتِي تَتَقاصَرُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنْها أيْضًا، ومَعْنى إعْجازِ آياتِ الكِتابِ المَجِيدِ بِأسْرِها هو كَوْنُها مِمّا تَتَقاصَرُ القُوى البَشَرِيَّةُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها سَواءٌ كانَتْ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، فَلا يَضُرُّ تَفاوُتُها في البَلاغَةِ وهو الَّذِي قالَهُ عُلَماءُ هَذا الشَّأْنِ، وأنْشَدَ بَعْضُ الفُرْسِ في ذَلِكَ: دَرْ بَيانْ ودَرْ فَصاحَتْ كَيْ بُودِ يكِسانِ سُخْنِ ورَجِهْ كُوينده بودجون حافِظ وجَوْن أصْمَعِيّ دُرْ كَلام أيزد بِيجُون كَهَّ وحَيَّ منزلست ∗∗∗ كَيْ بِوِدٍّ تيت يَدًا جَوْن قِيلَ: يا أرْضٌ ابلعي وقَدْ فَصَّلَ بَعْضَ مَزايا هَذِهِ الآيَةِ المَهَرَةُ المُتْقِنُونَ وتَرَكُوا مِن ذَلِكَ ما لا يَكادُ يَصِفُهُ الواصِفُونَ، ولا بَأْسَ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إفادَةً لِجاهِلٍ وتَذْكِيرًا لِفاضِلٍ غافِلٍ فَنَقُولُ: ذَكَرَ العَلّامَةُ السَّكاكِيُّ أنَّ النَّظَرَ فِيها مِن أرْبَعِ جِهاتٍ: مِن جِهَةِ البَيانِ ومِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي وهُما مَرْجِعا البَلاغَةِ، ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ؛ أمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ وهو النَّظَرُ فِيما فِيها مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ القَرِينَةِ والتَّرْشِيحِ والتَّعْرِيضِ، فَهو أنَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ مِنَ الأرْضِ إلى بَطْنِها فارْتَدَّ وأنْ نَقْطَعَ طُوفانَ السَّماءِ فانْقَطَعَ وأنْ نَغِيضَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ فَغاضَ، وأنْ نَقْضِيَ أمْرَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو إنْجازُ ما كُنّا وعَدْناهُ مِن إغْراقِ قَوْمِهِ فَقُضِيَ، وأنْ نُسَوِّيَ السَّفِينَةَ عَلى الجُودِيِّ فاسْتَوَتْ، وأبْقَيْنا الظَّلَمَةَ غَرْقى، بَنى سُبْحانَهُ الكَلامَ عَلى تَشْبِيهِ المُرادِ مِنهُ بِالمَأْمُورِ الَّذِي لا يَتَأتّى مِنهُ لِكَمالِ هَيْبَتِهِ مِنَ الآمِرِ العِصْيانُ وتَشْبِيهِ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمِ النّافِذِ في تَكَوُّنِ المَقْصُودِ تَصْوِيرًا لِاقْتِدارِهِ سُبْحانَهُ العَظِيمِ، وأنَّ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ تابِعَةٌ لِإرادَتِهِ تَعالى إيجادًا وإعْدامًا ولِمَشِيئَتِهِ فِيها تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا كَأنَّها عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ قَدْ عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وأحاطُوا عِلْمًا بِوُجُوبِ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والإذْعانِ لِحُكْمِهِ، وتَحَتَّمَ بَذْلُ المَجْهُودِ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ وتَصَوَّرُوا مَزِيدَ اقْتِدارِهِ فَعَظُمَتْ مَهابَتُهُ في نُفُوسِهِمْ وضَرَبَتْ سُرادِقَها في أفْنِيَةِ ضَمائِرِهِمْ، فَكَما يَلُوحُ لَهم إشارَتُهُ سُبْحانَهُ كانَ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا، وكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مُتَمِّمًا لا تَلَقِّيَ لِإشارَتِهِ بِغَيْرِ الإمْضاءِ والِانْقِيادِ ولا لِأمْرِهِ بِغَيْرِ الإذْعانِ والِامْتِثالِ، ثُمَّ بَنى عَلى مَجْمُوعِ التَّشْبِيهَيْنِ نَظْمَ الكَلامِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: (قِيلَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنِ الإرادَةِ مِن بابِ ذِكْرِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الإرادَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ القَوْلِ في الجُمْلَةِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ هَذا المَجازِ خِطابَ الجَمادِ وهو يا أرْضُ ويا سَماءُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُرادَ حُصُولُ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالجَمادِ، ولا يَصِحُّ القَوْلُ لَهُ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ كَما تَرى: يا أرْضُ ويا سَماءُ مُخاطِبًا لَهُما عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ ذَكَرَ المُشَبَّهَ أعْنِي السَّماءَ والأرْضَ المُرادُ مِنهُما حُصُولُ أمْرٍ، وأُرِيدَ المُشَبَّهُ بِهِ أعْنِي المَأْمُورَ المَوْصُوفَ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُ العِصْيانُ ادِّعاءً بِقَرِينَةِ نِسْبَةِ الخِطابِ إلَيْهِ ودُخُولِ حَرْفِ النِّداءِ عَلَيْهِ، وهُما مِن خَواصِّ المَأْمُورِ المُطِيعِ ويَكُونُ هَذا تَخْيِيلًا.
وقَدْ يُقالُ: أرادَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هَهُنا تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في حَرْفِ النِّداءِ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمُرادِ مِنهُ بِتَعَلُّقِ النِّداءِ والخِطابِ بِالمُنادى المُخاطَبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يَحْسُنُ هَذا التَّشْبِيهُ ابْتِداءً بَلْ تَبَعًا لِلتَّشْبِيهِ الأوَّلِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أصْلًا لِمَتْبُوعِهِ!
عَلى أنَّ قَوْلَهُ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ يَدْفَعُ هَذا الحَمْلَ، ثُمَّ اسْتَعارَ لِغَوْرِ الماءِ في الأرْضِ البَلْعَ الَّذِي هو أعْمالُ الجاذِبَةِ في المَطْعُومِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما وهو الذَّهابُ إلى مَقَرٍّ خَفِيٍّ.
وفِي الكَشّافِ جَعَلَ البَلْعَ مُسْتَعارًا لِنَشْفِ الأرْضِ الماءَ وهو أوْلى، فَإنَّ النَّشَفَ دالٌّ عَلى جَذْبٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ لِما عَلَيْها كالبَلْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَوانِ، ولِأنَّ النَّشَفَ فِعْلُ الأرْضِ والغَوْرَ فِعْلُ الماءِ مَعَ الطِّباقِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ تَعَدِّيًا، ثُمَّ اسْتَعارَ الماءَ لِلْغِذاءِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغِذاءِ لِتَقَوِّي الأرْضِ بِالماءِ في الإنْباتِ لِلزُّرُوعِ والأشْجارِ تَقَوِّي الآكِلِ بِالطَّعامِ، وجَعْلُ قَرِينَةِ الِاسْتِعارَةِ لَفْظَةُ (ابْلَعِي) لِكَوْنِها مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِعْمالِ في الغِذاءِ دُونَ الماءِ.
ولا يَخْفى عَلَيْكَ إذا اعْتُبِرَ مَذْهَبُ السَّلَفِ في الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ (ابْلَعِي) اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ قَرِينَةً لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ في الماءِ عَلى حَدِّ ما قالُوا في ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ)، وأمّا إذا اعْتُبِرَ مَذْهَبُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ البَلْعُ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ كالإنْباتِ في أنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ وهو بَعِيدٌ أوْ يُجْعَلُ مُسْتَعارًا لِأمْرٍ مُتَوَهَّمٍ كَما في نَطَقَتِ الحالُ، فَيَلْزَمُهُ القَوْلُ بِالِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ، إنَّهُ تَعالى أمَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلتَّشْبِيهِ الثّانِي وخاطَبَ في الأمْرِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ النِّداءِ.
والحاصِلُ أنَّ في لَفْظِ (ابْلَعِي) بِاعْتِبارِ جَوْهَرِهِ اسْتِعارَةً لِغَوْرِ الماءِ وبِاعْتِبارِ صُورَتِهِ أعْنِي كَوْنَهُ صُورَةَ أمْرٍ اسْتِعارَةً أُخْرى لِتَكْوِينِ المُرادِ، وبِاعْتِبارِ كَوْنِهِ أمْرَ خِطابِ تَرْشِيحٍ لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ الَّتِي في المُنادى فَإنَّ قَرِينَتَها النِّداءُ، وما زادَ عَلى قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ يَكُونُ تَرْشِيحًا لَها، وأمّا جَعْلُ النِّداءِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً حَتّى يَكُونَ خِطابُ الآمِرِ تَرْشِيحًا لَها فَقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: (ماءَكِ) بِإضافَةِ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ بِاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ، واخْتارَ ضَمِيرَ الخِطابِ لِأجْلِ التَّرْشِيحِ، وحاصِلُهُ أنَّ هُناكَ مَجازًا لُغَوِيًّا في الهَيْئَةِ الإضافِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ المَلَكِيِّ، ولِهَذا جَعَلَ الخِطابَ تَرْشِيحًا لِهَذِهِ الِاسْتِعارَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الخِطابَ يَدُلُّ عَلى صُلُوحِ الأرْضِ لِلْمالِكِيَّةِ فَما قِيلَ: إنَّ المَجازَ عَقْلِيٌّ والعِبارَةَ مَصْرُوفَةٌ عَنِ الظّاهِرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ اخْتارَ لِاحْتِباسِ المَطَرِ الإقْلاعَ الَّذِي هو تَرْكُ الفاعِلِ الفِعْلَ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما في عَدَمِ ما كانَ مِنَ المَطَرِ أوِ الفِعْلِ فَفي (أقْلِعِي) اسْتِعارَةٌ بِاعْتِبارِ جَوْهَرِهِ، وكَذا بِاعْتِبارِ صِيغَتِهِ أيْضًا، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمِ النّافِذِ، والخِطابُ فِيهِ أيْضًا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ النِّداءِ، والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ فِيهِ مِثْلُ ما مَرَّ في (ابْلَعِي)، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا ﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا بِمَن غاضَ الماءَ ولا بِمَن قَضى الأمْرَ وسَوّى السَّفِينَةَ وقالَ بُعْدًا، كَما لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِقائِلِ يا أرْضُ ويا سَماءُ في صَدْرِ الآيَةِ سُلُوكًا في كُلِّ واحِدٍ في ذَلِكَ لِسَبِيلِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَصْدُرُ إلّا مِن ذِي قُدْرَةٍ لا يَكْتَنِهُ قَهّارٌ لا يُغالَبُ فَلا مَجالَ لِذَهابِ الوَهْمِ إلى أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ قائِلًا: (يا أرْضُ) و(يا سَماءُ) ولا غائِضَ ما غاضَ ولا قاضِيَ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ، أوْ أنْ يَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّفِينَةِ وإقْرارُها بِتَسْوِيَةِ غَيْرِهِ.
والحاصِلُ أنَّ الفِعْلَ إذا تَعَيَّنَ لِفاعِلٍ بِعَيْنِهِ اسْتُتْبِعَ لِذَلِكَ أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُهُ ويُبْنى الفِعْلُ لِمَفْعُولِهِ أوْ يُذْكَرُ ما هو أثَرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ويُسْنَدُ إلى ذَلِكَ المَفْعُولِ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ تَخْصِيصِ الصِّفَةِ الَّتِي هي الفِعْلُ بِمَوْصُوفِها، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ في تَقْرِيرِ الكِنايَةِ هُنا: إنَّ تَرْكَ ذِكْرِ الفاعِلِ وبِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِالفِعْلِ وتَعَيُّنِهِ لِفاعِلِيَّةِ ذَلِكَ الفِعْلِ فَذَكَرَ اللّازِمَ وأُرِيدَ المَلْزُومُ لِما أنَّ اسْتَوَتْ غَيْرُ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ كَقِيلَ وغِيضَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِالتَّعَرُّضِ تَنْبِيهًا لِسالِكِي مَسْلَكِ أُولَئِكَ القَوْمِ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ لا غَيْرَ؛ خَتْمَ إظْهارٍ لِمَكانِ السُّخْطِ ولِجِهَةِ اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاهُ وأنَّ قِيامَةَ الطُّوفانِ وتِلْكَ الصُّورَةَ الهائِلَةَ ما كانَتْ إلّا لِظُلْمِهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ والوَصْفِ بِالظُّلْمِ مَعَ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ البُعْدَ في الأصْلِ ضِدُّ القُرْبِ وهو بِاعْتِبارِ المَكانِ، ويَكُونُ في المَحْسُوسِ وقَدْ يُقالُ في المَعْقُولِ نَحْوُ ﴿ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ واسْتِعْمالُهُ في الهَلاكِ مَجازٌ؛ قالَ ناصِرُ الدِّينِ: يُقالُ بَعُدَ بُعْدًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وبَعَدًا بِالتَّحْرِيكِ إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عَوْدُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، ولَمْ يُفَرَّقْ في القامُوسِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الفِعْلِ في المَعْنَيَيْنِ حَيْثُ قالَ: البُعْدُ مَعْرُوفٌ والمَوْتُ وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا فافْهَمْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ أُعْطِيَتا ما يَعْقِلانِ بِهِ الأمْرَ فَقِيلَ لَهُما حَقِيقَةً ما قِيلَ، وأنَّ القائِلَ بُعْدًا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ ولا أثَرَ فِيهِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ أبْلَغُ، وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي وهو النَّظَرُ في فائِدَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِيها وِجْهَةُ كُلِّ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ فِيما بَيْنَ جُمَلِها، فَذَلِكَ أنَّهُ اخْتِيرَ (يا) دُونَ سائِرِ أخَواتِها لِكَوْنِها أكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ وأنَّها دالَّةٌ عَلى بُعْدِ المُنادى الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ إظْهارِ العَظَمَةِ وإبْداءُ شَأْنِ العِزَّةِ والجَبَرُوتِ وهو تَبْعِيدُ المُنادى المُؤْذِنِ بِالتَّهاوُنِ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ يا أرْضِ بِالكَسْرِ لِأنَّ الإضافَةَ إلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ تَقْتَضِي تَشْرِيفًا لِلْأرْضِ وتَكْرِيمًا لَها، فَتُرِكَ إمْدادًا لِلتَّهاوُنِ لَمْ يَقُلْ يا أيَّتُها الأرْضُ مَعَ كَثْرَتِهِ في نِداءِ الأجْناسِ قَصْدًا إلى الِاخْتِصارِ والِاحْتِرازِ عَلى تَكَلُّفِ التَّنْبِيهِ المُشْعِرِ بِالغَفْلَةِ الَّتِي لا تُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ، واخْتِيرَ لَفْظُ الأرْضِ والسَّماءِ عَلى سائِرِ أسْمائِها كالمُقِلَّةِ والغَبْراءِ وكالمُظِلَّةِ والخَضْراءِ لِكَوْنِهِما أخْصَرَ وأوْرَدَ في الِاسْتِعْمالِ وأوْفى بِالمُطابَقَةِ، فَإنَّ تَقابُلَهُما إنَّما اشْتُهِرَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ واخْتِيرَ لَفْظُ (ابْلَعِي) عَلى ابْتَلِعِي لِكَوْنِهِ أخْصَرَ وأوْفَرَ تَجانُسًا بِأقْلِعِي لِأنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ إنِ اعْتُبِرَتْ تَساوَيا في عَدَدِ الحُرُوفِ وإلّا تَقارَبا فِيهِ بِخِلافِ ابْتَلِعِي، وقِيلَ: (ماءَكِ) بِالإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ لِما فِيهِ مِن صُورَةِ الِاسْتِكْثارِ المُتَأبِّي عَنْها مَقامُ إظْهارِ الكِبْرِياءِ وهو الوَجْهُ في إفْرادِ الأرْضِ والسَّماءِ، وإنَّما لَمْ يَقُلِ (ابْلَعِي) بِدُونِ المَفْعُولِ لِئَلّا يَسْتَلْزِمَ تَرْكُهُ ما لَيْسَ بِمُرادٍ مِن تَعْمِيمِ الِابْتِلاعِ لِلْجِبالِ والتِّلالِ والبِحارِ وساكِناتِ الماءِ بِأسْرِهِنَّ نَظَرًا إلى مَقامِ عَظَمَةِ الآمِرِ المَهِيبِ وكَمالِ انْقِيادِ المَأْمُورِ؛ ولَمّا عُلِمَ أنَّ المُرادَ بَلْعُ الماءِ وحْدَهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالإقْلاعِ إمْساكُ السَّماءِ عَنْ إرْسالِ الماءِ فَلَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ (أقْلِعِي) اخْتِصارًا واحْتِرازًا عَنِ الحَشْوِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، وهَذا هو السَّبَبُ في تَرْكِ ذِكْرِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ فَلَمْ يَقُلْ: (قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي) فَبَلَعَتْ (ويا سَماءُ اقْلَعِي) فَقَلَعَتْ لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ وكَمالَ الِانْقِيادِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ الَّذِي رُبَّما أوْهَمَ إمْكانَ المُخالَفَةِ واخْتِيرَ غِيضَ عَلى غُيِّضَ المُشَدِّدِ لِكَوْنِهِ أخْصَرَ.
وقِيلَ: الماءُ دُونَ ماءِ طُوفانِ السَّماءِ وكَذا الأمْرُ دُونَ أمْرِ نُوحٍ، وهو إنْجازُ ما وُعِدَ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ والِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيَّةِ، وإمّا لِأنَّهُ يُغْنِي غِناءَ الإضافَةِ في الإشارَةِ إلى المَعْهُودِ، واخْتِيرَ (اسْتَوَتْ) عَلى سُوِّيَتْ أيْ أقَرَّتْ مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِأخَواتِهِ المَبْنِيَّةِ لِلْمَفْعُولِ؛ اعْتِبارًا لِكَوْنِ الفِعْلِ المُقابِلِ لِلِاسْتِقْرارِ أعْنِي الجَرَيانَ مَنسُوبًا إلى السَّفِينَةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ﴾ مَعَ أنَّ اسْتَوَتْ أخْصَرُ مِن سُوِّيَتْ، واخْتِيرَ المَصْدَرُ أعْنِي (بُعْدًا) عَلى لِيَبْعُدَ القَوْمُ طَلَبًا لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ مَعَ الِاخْتِصارِ في العِبارَةِ وهو نُزُولُ (بُعْدًا) وحْدَهُ مَنزِلَةَ لِيَبْعُدُوا بُعْدًا مَعَ فائِدَةٍ أُخْرى، هي الدَّلالَةُ عَلى اسْتِحْقاقِ الهَلاكِ بِذِكْرِ اللّامِ، وإطْلاقُ الظُّلْمِ عَنْ مُقَيِّداتِهِ في مَقامِ المُبالِغَةِ يُفِيدُ تَناوُلَ كُلِّ نَوْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم عَلى أنْفُسِهِمْ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى فَظاعَةِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في التَّكْذِيبِ مِن حَيْثُ إنَّ تَكْذِيبَهم لِلرُّسُلِ ظُلْمٌ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّ ضَرَرَهُ يَعُودُ إلَيْهِمْ، هَذا مِن حَيْثُ النَّظَرُ إلى تَرْكِيبِ الكَلِمِ، وأمّا مِن حَيْثُ النَّظَرُ إلى تَرْتِيبِ الجُمَلِ فَذَلِكَ أنَّهُ قَدَّمَ النِّداءَ عَلى الأمْرِ فَقِيلَ: ﴿ يا أرْضُ ابْلَعِي ﴾ ﴿ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: ابْلَعِي يا أرْضُ واقْلَعِي يا سَماءُ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى اللّازِمِ فِيمَن كانَ مَأْمُورًا حَقِيقَةً مِن تَقْدِيمِ التَّنْبِيهِ لِيَتَمَكَّنَ الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبِهِ في نَفْسِ المُنادى قَصْدًا بِذَلِكَ لِمَعْنى التَّرْشِيحِ لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ في الأرْضِ والسَّماءِ، ثُمَّ قَدَّمَ أمْرَ الأرْضِ عَلى أمْرِ السَّماءِ لِكَوْنِها الأصْلَ نَظَرًا إلى كَوْنِ ابْتِداءِ الطُّوفانِ مِنها؛ حَيْثُ فارَ تَنُّورُها أوَّلًا ثُمَّ جُعِلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (وغِيضَ) تابِعًا لِأمْرِ الأرْضِ والسَّماءِ لِاتِّصالِهِ بِقِصَّةِ الماءِ وأخْذِهِ بِحُجْزَتِها، ألا تَرى أصْلَ الكَلامِ (قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) فَبَلَعَتْ ماءَها (ويا سَماءُ أقْلِعِي) عَنْ إرْسالِ الماءِ فَأقْلَعَتْ عَنْ إرْسالِهِ ﴿ وغِيضَ الماءُ ﴾ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ فَغاضَ.
وقَيَّدَ الماءُ بِالنّازِلِ وإنْ كانَ في الآيَةِ مُطْلَقًا لِأنَّ ابْتِلاعَ الأرْضِ ماءَها فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ابْلَعِي ماءَكِ).
﴾ واعْتَرَضَ بِأنَّ الماءَ المَخْصُوصَ بِالأرْضِ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما عَلى وجْهِها فَهو يَتَناوَلُ القَبِيلَيْنِ الأرْضِيَّ والسَّمائِيَّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما نَبَعَ مِنها فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ ولِهَذا حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الماءَ عَلى مُطْلَقِهِ وأشْعَرَ كَلامُهُ بِأنَّ غِيضَ الماءُ إخْبارٌ عَنِ الحُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ فالتَّقْدِيرُ قِيلَ لَهُما ذَلِكَ فامْتَثَلا الأمْرَ ونَقَصَ الماءُ.
ورَجَّحَ الطِّيبِيُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكاكِيُّ زاعِمًا أنَّ مَعْنى الغَيْضِ حِينَئِذٍ ما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وهو عِنْدُهُ مُخالِفٌ لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: إنَّ إضافَةَ الماءِ إلى الأرْضِ لَمّا كانَتْ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِهِ بِها بِاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ ولِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الخِطابِ اقْتَضَتْ إخْراجَ سائِرِ المِياهِ سِوى الَّذِي بِسَبَبِهِ صارَتِ الأرْضُ مُهَيَّأةً لِلْخِطابِ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ وهو المَعْهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفارَ التَّنُّورُ)، ﴾ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَحْصُلُ التَّواغُلُ في تَناسِي التَّشْبِيهِ والتَّرْشِيحِ، ولَوْ أُجْرِيَتِ الإضافَةُ عَلى غَيْرِ هَذا تَكُونُ كالتَّجْرِيدِ وكَمْ بَيْنَهُما، هَذا ولَوْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ لاسْتَلْزَمَ تَعْمِيمُ ابْتِلاعِهِ المِياهَ بِأسْرِها لِوُرُودِ الأمْرِ مِن مَقامِ العَظَمَةِ كَما عَلِمْتُ مِن كَلامِ السَّكّاكِيِّ، ولَيْسَ بِذاكَ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ ورَدُّ يَمِينٍ إذْ لا مَعْهُودَ، والظّاهِرُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الماءِ ولا يُنافِي التَّرْشِيحَ وإضافَةَ المالِكِيَّةِ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن تَنْزِيلِ الماءِ مَنزِلَةَ الغِذاءِ أنْ تُجْعَلَ الإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الغِذاءِ إلى المُغْتَذى في النَّفْعِ والتَّقْوِيَةِ وصَيْرُورَتِهِ جُزْءًا مِنهُ، ولا نَظَرَ فِيهِ إلى كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَّعْمِيمُ فَمَطْلُوبٌ وحاصِلٌ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ لِانْحِصارِ الماءِ في الأرْضِيِّ والسَّمائِيِّ، وقَدْ قُلْتُمْ بِنُضُوبِهِما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فَبَلَعَتْ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وغِيضَ)، ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ما عِنْدَنا مِنَ الماءِ غَيْرُ ماءِ الطُّوفانِ هَذا والمُطابِقُ تَفْسِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ أيِ الأرْضِيُّ والسَّمائِيُّ وهَهُنا تَقَدَّمَ الماءانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ عَنْ إرْسالِ الماءِ عَلى زَعْمِهِمْ فَإذا قِيلَ: وغِيضَ الماءُ رَجَعَ إلَيْهِما لا مَحالَةَ لِتَقَدُّمِهِما، ثُمَّ إذا جُعِلَ مِن تَوابِعِ أقْلِعِي خاصَّةً لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُهُ عَلى أصْلِ القِصَّةِ أعْنِي ﴿ وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي)، ﴾ كَيْفَ وفي إيثارِ هَذا التَّفْسِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ زالَ كَوْنُهُ طُوفانًا لِأنَّ نُقْصانَ الماءِ غَيْرُ الإذْهابِ بِالكُلِّيَّةِ، وإلى أنَّ الأجْزاءَ الباطِنَةَ مِنَ الأرْضِ لَمْ تَبْقَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن قُوَّةِ الإنْباعِ ورَجَعَتْ إلى الِاعْتِدالِ المَطْلُوبِ، ولَيْسَ في الِاخْتِصاصِ بِالنُّضُوبِ هَذا المَعْنى البَتَّةَ انْتَهى.
وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ أئِمَّةَ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّ الماءَ المُضافَ هو ما نَبَعَ وفارَ، وأنَّهُ هو الَّذِي ابْتُلِعَ وغاضَ لا غَيْرَ، وأنَّ ماءَ السَّماءِ صارَ بِحارًا وأنْهارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ، وهَذا مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُخالَفَةً ظاهِرَةً، وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ ما فِيهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ غِيضَ الماءُ ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ القِصَّةِ وهو قَوْلُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿ وقُضِيَ الأمْرُ ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذِكْرَ المَقْصُودِ حَدِيثَ السَّفِينَةِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ في الوُجُودِ، ثُمَّ خُتِمَتِ القِصَّةُ بِالتَّعْرِيضِ الَّذِي عَلِمْتَهُ، هَذا كُلُّهُ نَظَرٌ في الآيَةِ مِن جانِبَيِ البَلاغَةِ وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي كَما تَرى نَظْمٌ لِلْمَعانِي لَطِيفٌ، وتَأْدِيَةٌ لَها مُلَخَّصَةً مُبَيَّنَةً لا تَعْقِيدَ يُعَثِّرُ الكُفْرَ في طَلَبِ المُرادِ ولا التِواءَ الطَّرِيقِ إلى المُرْتادِ بَلْ إذا جَرَّبْتَ نَفْسَكَ عِنْدَ اسْتِماعِها وجَدْتَ ألْفاظَها تُسابِقُ مَعانِيها ومَعانِيها تُسابِقُ ألْفاظَها فَما مِن لَفْظَةٍ فِيها تَسْبِقُ إلى أُذُنِكَ إلّا ومَعْناها أسْبَقُ إلى قَلْبِكَ، وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَألْفاظُها عَلى ما تَرى عَرَبِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ جارِيَةٌ عَلى قَوانِينَ سَلِيمَةٍ عَنِ التَّنافُرِ بَعِيدَةٌ عَنِ البَشاعَةِ عَذْبَةٌ عَلى العَذْباتِ سَلِسَةٌ عَلى الأسَلاتِ، كُلٌّ مِنها كالماءِ في السُّلالَةِ وكالعَسَلِ في الحَلاوَةِ وكالنَّسِيمِ في الرِّقَّةِ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ ماذا جَمَعَتْ آياتُهُ: وعَلى تَفَنُّنِ واصِفِيهِ بِحُسْنِهِ يَفْنى الزَّمانُ وفِيهِ ما لَمْ يُوصَفْ، وما ذُكِرَ في شَرْحِ مَزايا هَذِهِ الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فِيها قَطْرَةٌ مِن حِياضٍ وزَهْرَةٌ مِن رِياضٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أبِي الأُصْبُعِ أنَّ فِيها عِشْرِينَ ضَرْبًا مِنَ البَدِيعِ مَعَ أنَّها سَبْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً وذَلِكَ المُناسِبَةُ التّامَّةُ في (ابْلَعِي) و(أقْلِعِي) والِاسْتِعارَةُ فِيهِما والطِّباقُ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ والمَجازُ في (يا سَماءُ)، فَإنَّ الحَقِيقَةَ يا مَطَرَ السَّماءِ، والإشارَةُ في ﴿ وغِيضَ الماءُ ﴾ فَإنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ لِأنَّ الماءَ لا يَغِيضُ حَتّى يُقْلِعَ مَطَرُ السَّماءِ وتَبْلَعَ الأرْضُ ما يَخْرُجُ مِنها فَيَنْقُصُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ، والإرْدافُ في ﴿ واسْتَوَتْ ﴾ والتَّمْثِيلُ في ( وقُضِي الأمْرُ ) والتَّعْلِيلُ فَإنَّ غِيضَ الماءُ عِلَّةٌ لِلِاسْتِواءِ، وصِحَّةُ التَّقْسِيمِ فَإنَّهُ اسْتَوْعَبَ أقْسامَ الماءِ حالَ نَقْصِهِ والِاحْتِراسُ في الدُّعاءِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الغَرَقَ لِعُمُومِهِ شَمِلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ فَإنَّ عَدْلَهُ تَعالى يَمْنَعُ أنْ يَدْعُوَ عَلى غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ، وحُسْنُ النَّسَقِ وائْتِلافُ اللَّفْظِ مَعَ المَعْنى والإيجازُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّ القِصَّةَ مُسْتَوْعِبَةً بِأخْصَرَ عِبارَةٍ، والتَّسْهِيمُ لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى آخِرِها والتَّهْذِيبُ لِأنَّ مُفْرَداتِها مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتِ الحُسْنِ، وحُسْنُ البَيانِ مِن جِهَةِ أنَّ السّامِعَ لا يَتَوَقَّفُ في فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ ولا يُشْكِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، والتَّمْكِينُ لِأنَّ الفاصِلَةَ مُسْتَقِرَّةٌ في مَحَلِّها مُطْمَئِنَّةٌ في مَكانِها، والِانْسِجامُ، وزادَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا عَنِ ابْنِ أبِي الأُصْبُعِ الِاعْتِراضَ، وزادَ آخَرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً إلّا أنَّها كَكَلامِ ابْنِ أبِي الأُصْبُعِ قَدْ أُشِيرَ إلَيْها بِأُصْبُعِ الِاعْتِراضِ، وقَدْ ألَّفَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى دَرَجَتَهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ رِسالَةً في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَمَعَ فِيها ما ظَهَرَ لَهُ ووَقَفَ عَلَيْهِ مِن مَزاياها فَبَلَغَ ذَلِكَ مِائَةً وخَمْسِينَ مَزِيَّةً، وقَدْ تَطَلَّبْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ لِأذْكُرَ شَيْئًا مِن لَطائِفِها فَلَمْ أظْفَرْ بِها وكَأنَّ طُوفانَ الحَوادِثِ أغْرَقَها، لَعَلَّ فِيما نَقَلْناهُ سِدادًا مِن عَوَزٍ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وعِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.
<div class="verse-tafsir"
قالَ سَآوِي يعني: قال ابنه: سأصعد إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يعني: يمنعني من الغرق، ولا أؤمن، ولا أركب السفينة، قالَ نوح: لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يقول: لا مانع اليوم من عذاب الله، أي الغرق، لا جبل ولا غيره إِلَّا مَنْ رَحِمَ يعني: إلا من آمن، فعصمه تعالى.
ثم قال: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ يعني: فرَّقَ بين كنعان وبين الجبل الموج، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: وَحالَ بَيْنَهُمَا، يعني: بين نوح وابنه الموج، فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ يعني: فصار من المغرقين.
وروي عن ابن عباس: «أنه أمطرت السماء أربعين يوماً، وخرج ماء الأرض أربعين يوماً الليل والنهار، فذلك قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: 11- 12] وارتفع الماء على كل جبل في الأرض، خمسة عشر ذراعاً.
وروي عن الحسن أنه قال: «ارتفع الماء فوق كل جبل وكل شيء، ثلاثين ذراعاً.
وسارت بهم السفينة، فطافت بهم الأرض كلها في خمسة أشهر، ما استقرت على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً، ورفع البيت الذي بناه آدم إلى السماء السادسة، وهو البيت المعمور، وجعل الحجر الأسود على أبي قبيس.
ويقال: أودع فيه، ثم ذهبت السفينة في الأرض حتى انتهت بهم إلى الجودي، وهو جبل بأرض الموصل، فاستقرت عليه بعد خمسة أشهر» .
قال ابن عباس: «ركب نوح السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك ستة أشهر، فلما استقرت على الجودي، كشف نوح الطبق الذي فيه الطير، فبعث الغراب ليأتيه بالخبر، فأبصر جيفة فوقع عليها، فأبطأ على نوح فلم يأته، ثم أرسل الحدأة على أثره، فأبطأت عليه، ثم أرسل بالحمامة فلم تجد في الأرض موضعا، فجاءت بورق الزيتون، فعرف نوح أن الماء قد نقص، فظهرت الأشجار، ثم أرسلها فوقعت على الأرض، فغابت رجلاها في الطين فجاءت إلى نوح، فعرف أن الأرض قد ظهرت، وذلك قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ معناه: ماءك الذي خرج منك وَيا سَماءُ أَقْلِعِي يعني: احبسي وامسكي وَغِيضَ الْماءُ يعني: نقص الماء، وظهرت الجبال والأرض، وَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني: فرغ من الأمر، ومعناه: نجا من نجا وهلك من هلك وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ يعني: استقرت السفينة على الجودي.
وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى الجبال: أني أنزل السفينة على جبل، فتشامخت الجبال، وتواضع الجودي لله تعالى، فأرسيت عليه السفينة» .
وقال الحكيم: خرج قوس قزح بعد الطوفان أماناً لأهل الأرض من الغرق أن يغرقوا جميعاً وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: سحقاً ونكساً لّلْقَوْمِ الكافرين، وهو البعد من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
فاعِلٍ على بابه، وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ: يريد: إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، ف «مَنْ» كنايةٌ عن اللَّه، المعنى: لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رحمنا.
وقوله سبحانه: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ...
الآية: البَلْع: تجرُّع الشيء وازدراده، والإقلاع عن الشيء: تركه، وغِيضَ معناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ: إِشارة إِلى جميع القصَّة: بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة.
قال ع «١» : وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، واستوت [السفينة] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له: اهْبِطْ في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ تواضعاً للَّه فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال «٢» الزَّجَّاجُ: الجُودِيُّ: هو بناحية «آمد» ، وقال قوم: هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك.
وقوله: وَقِيلَ بُعْداً: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ عطفاً على قوله:
وَقِيلَ الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر.
وقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ...
الآية: احتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ الله أمره
بحَمْلِ أهله، وابنه من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ/.
وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: الذين عَمَّهم الوعْد لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ابنك بالولادة.
وقوله: عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ: جعله وصفاً له بالمصدر على جهة المبالغة في وصفه بذلك كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها: [البسيط]
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادكرت ...
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ «١»
أي: ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلاً ماضياً، ونصب «غير» على المفعول ل «عَمِلَ» ، وقولُ من قال: «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ «٢» والجمهور قالوا: وأما قوله تعالى: فَخانَتاهُما [التحريم: ١٠] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس: هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي: إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ قاله النَّخَعِيُّ وغيره.
انتهى.
والأولُ أبينُ وعليه الجمهورُ، وبه صدّر المهدويّ، ومعنى قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: إِذَا وَعَدتكَ، فاعلم يقيناً أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه.
قال ع «٣» : ولكنَّ نوحاً عليه السلام حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، ويحتمل قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا تطلُبْ منِّي أمراً لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ وقَفَ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّما ابْتَلَعَتْ ما نَبَعَ مِنها، ولَمْ تَبْتَلِعْ ماءَ السَّماءِ، فَصارَ ذَلِكَ بِحارًا وأنْهارًا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المُرادَ: ابْلَعِي ماءَكِ الَّذِي عَلَيْكِ، وهو ما نَبَعَ مِنَ الأرْضِ ونَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ غَرِقَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنْ إنْزالِ الماءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الماءِ، عَلِمَ أنَّ المَعْنى: أقِلْعِي عَنْ إنْزالِ الماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ أيْ: نَقَصَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ غاضَ الماءُ يَغِيضُ: إذا غابَ في الأرْضِ.
ويَجُوزُ إشْمامُ الضَّمِّ في الغَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرِقَ مَن غَرِقَ، ونَجا مَن نَجا.
وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ: هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " وقُضِيَ الأمْرُ " أيْ: فُرِغَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا دَلَّتِ القِصَّةُ عَلى ما يُبَيِّنُ هَلَكَتَهم، أغْنى عَنْ نَعْتِ الأمْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَوَتْ ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ ﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ وهو اسْمُ جَبَلٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلى الجُودِي " بِسُكُونِ الياءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَشْدِيدُ الياءِ في " الجُودِيِّ " لِأنَّها ياءُ النِّسْبَةِ، فَهي كالياءِ في عَلَوِيٍّ، وهاشِمِيٍّ.
وقَدْ خَفَّفَها بَعْضُ القُرّاءِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ ياءَ النِّسْبَةِ، فَيُسْكِنُها في الرَّفْعِ، والخَفْضِ، ويَفْتَحُها في النَّصْبِ، فَيَقُولُ: قامَ زَيْدٌ العَلَوِي، ورَأيْت زَيْدًا العَلَوِيَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دارَتِ السَّفِينَةُ بِالبَيْتِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وجَّهَها اللَّهُ إلى الجُودِيِّ فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفُوا أيْنَ هَذا الجَبَلُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالمَوْصِلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: بِالجَزِيرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِالجَزِيرَةِ قَرِيبٌ مِنَ المَوْصِلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِناحِيَة آمِدٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي عِلَّة اسْتِوائِها عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ، لِأنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ يَوْمَئِذٍ وتَطاوَلَتْ، وتَواضَعَ هو فَلَمْ يَغْرَقُ، فَأرْسَتْ عَلَيْهِ، قالَهُمُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَلَّ الماءُ أرْسَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى قِلَّةِ الماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُعْدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْقَوْمِ الكافِرِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَنْبُ مَن أُغْرِقَ مِنَ البَهائِمِ والأطْفالِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ آجالَهم حَضَرَتْ، فَأُمِيتُوا بِالغَرَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ إنَّما قالَ نُوحٌ هَذا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ نَجاةَ أهْلِهِ، فَقالَ: ﴿ وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْدَلُ العادِلِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ بِالحَقِّ.
واخْتَلَفُوا في هَذا الَّذِي سَألَ فِيهِ نُوحٌ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ نُوحٍ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ.
رَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ فَجَرَتْ.
وعَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ خانَتْهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ناداهُ نُوحٌ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنُهُ، وكانَ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ.
والثّانِي: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وإنَّما المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم.
وعَلى القَوْلِ الآخَرِ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ القُرْآنِ، ولِاجْتِماعِ الأكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وهو أوْلى مِن رَمْيِ زَوْجَةِ نَبِيٍّ بِفاحِشَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ ﴾ رَفْعٌ مُنَوَّنٌ ﴿ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ بِرَفْعِ الرّاءِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى السُّؤالِ فِيهِ، فالمَعْنى: سُؤْلُكَ إيّايَ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وهَذا ظاهِرٌ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ السُّؤالُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَسْؤُولِ فِيهِ.
وَفِي هَذا المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قالَ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَ: المَعْنى: إنَّ أصْلَ ابْنِكَ الَّذِي تَظُنُّ أنَّهُ ابْنُكَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
ومَن قالَ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَ: حَذَفَ المُضافَ، وأقامَ العَمَلَ مَقامَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ إقْبالٌ وإدْبارٌ، أيْ: صاحِبُ إقْبالٍ وإدْبارٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: " عَمِلَ " بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ " غَيْرَ صالِحٍ " بِفَتْحِ الرّاءِ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ مُشْرِكٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " فَلا تَسْألَنَّ " بِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ، غَيْرَ أنْ نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، كَسَرا النُّونَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وحَذَفُوا الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو، وَأبا جَعْفَرٍ، أثْبَتا الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ، ووَقَفَ عَلَيْها يَعْقُوبُ بِالياءِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ النُّونَ، فَقَدْ عَدّى السُّؤالَ إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: اسْمُ المُتَكَلِّمِ، والآخَرُ: الِاسْمُ المَوْصُولُ، وحُذِفَتِ النُّونُ المُتَّصِلَةُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ.
وأمّا إثْباتُ الياءِ في الوَصْلِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها أخَفُّ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، وتُعْلِمُ أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ في المَعْنى.
ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، ولَيْسَ مِنهُ.
والثّانِي: في إدْخالِهِ إيّاهُ في جُمْلَةِ أهْلِهِ الَّذِينَ وعَدَهُ نَجاتَهم.
والثّالِثُ: سُؤالُهُ في إنْجاءِ كافِرٍ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ في سُؤالِكَ مَن لَيْسَ مِن حِزْبِكَ.
والثّانِي: مِنَ الجاهِلِينَ بِوَعْدِي، لِأنِّي وعَدْتُ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ.
والثّالِثُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِنَسَبِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَن أهْلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا عاصِمَ ﴾ ، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ.
فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى.
وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ: إلّا الأُوارِيَّ.............
∗∗∗.....................
ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ ، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ.
و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ: .........................
∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ: بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ.
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ مِن عَيْنِ ورْدَةَ بِالشامِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: في العاشِرِ مِنهُ، وقِيلَ: في الخامِسَ عَشَرَ، وقِيلَ: في السابِعَ عَشَرَ، واسْتَوَتِ السَفِينَةُ في ذِي الحِجَّةِ، وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وقِيلَ: لَهُ: اهْبِطْ في يَوْمِ عاشُوراءَ فَصامَهُ وصامَهُ مَن مَعَهُ مِن ناسٍ ووُحُوشٍ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ أقامَ عَلى الماءِ نَحْوَ السَنَةِ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ : « "أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَهْرَ أجْمَعَ، وجَرَتْ بِهِمُ السَفِينَةُ إلى يَوْمِ عاشُوراءَ، فَفِيهِ أرْسَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومَن مَعَهُ"».
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا لَمّا طالَ مُقامُهُ عَلى الماءِ بَعَثَ الغُرابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ فَوَجَدَ جِيفَةً طافِيَةً فَبَقِيَ عَلَيْها فَلَمْ يَرْجِعْ بِخَبَرٍ، فَدَعا عَلَيْهِ نُوحٌ فاسْوَدَّ لَوْنُهُ وخُوِّفَ مِنَ الناسِ، فَهو لِذَلِكَ مُسْتَوْحَشٌ، ثُمَّ بَعَثَ نُوحٌ الحَمامَ فَجاءَتْهُ بِوَرَقِ زَيْتُونَةٍ في فَمِها ولَمْ تَجِدْ تُرابًا تَضَعُ رِجْلَيْها عَلَيْهِ، فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ بَعَثَها فَوَجَدَتِ الماءَ قَدِ انْحَسَرَ عن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ، وهي أوَّلُ بُقْعَةٍ انْحَسَرَ الماءُ عنها، فَمَسَّتِ الطِينَ بِرِجْلَيْها وجاءَتْهُ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ أخَذَ في النُضُوبِ، ودَعا لَها فَطُوِّقَتْ وأنْسِتْ.
فَهي لِذَلِكَ تَأْلَفُ الناسَ ثُمَّ أوحى اللهُ إلى الجِبالِ أنَّ السَفِينَةَ تَرْسِي عَلى واحِدٍ مِنها فَتَطاوَلَتْ كُلُّها وبَقِيَ الجُودِيُّ- وهو جَبَلٌ بِالمُوصِلِ في ناحِيَةِ الجَزِيرَةِ- لَمْ يَتَطاوَلْ تَواضُعًا لِلَّهِ، فاسْتَوَتِ السَفِينَةُ بِأمْرِ اللهِ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ عَلَيْهِ أعْوادُها، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ قالَ: "لَقَدْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ أدْرَكَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ"».
وقالَ الزَجّاجُ: الجُودِيُّ هو بِناحِيَةِ آمِدَ.
وقالَ قَوْمٌ: هو عِنْدَ باقِرْدى.
ورُوِيَ أنَّ السَفِينَةَ لَمّا اسْتَقَلَّتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ جَرَتْ حَتّى جاءَتِ الكَعْبَةَ فَوَجَدْتَها قَدْ نَشَزَتْ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَنَلْها غَرَقٌ فَطافَتْ بِها أُسْبُوعًا ثُمَّ مَضَتْ إلى اليَمَنِ ورَجَعَتْ إلى الجُودِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَصَصُ في هَذِهِ المَعانِي كَثِيرٌ صَعْبٌ أنْ يُسْتَوْفى، فَأشَرْتُ مِنهُ إلى نُبَذٍ ويَدْخُلُهُ الِاخْتِلافُ كَما تَرى في أمْرِ الكَعْبَةِ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ.
واسْتَوَتْ مَعْناهُ: تَمَكَّنَتْ واسْتَقَرَّتْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى الجُودِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "عَلى الجُودِي" بِسُكُونِ الياءِ، وهُما لُغَتانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى عَطْفًا عَلى "وَقِيلَ" الأوَّلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ.
<div class="verse-tafsir"
لما أفاد قوله: ﴿ فكان من المغرقين ﴾ [هود: 43] وقوعَ الغرق الموعود به على وجه الإيجاز كما علمتَ انتقل الكلام إلى انتهاء الطوفان.
وبناء فعل ﴿ قيل ﴾ للمفعول هنا اختصار لظهور فاعل القول، لأن مثله لا يصدر إلاّ من الله.
والقول هنا أمر التكوين.
وخطاب الأرض والسماء بطريقة النداء وبالأمر استعارة لتعلّق أمر التكوين بكيفيات أفعال في ذاتيهما وانفعالهما بذلك كما يخاطَب العاقل بعمل يعمله فيقبله امتثالاً وخشية.
فالاستعارة هنا في حرف النداء وهي تبعيّة.
والبلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم.
وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة، ومعنى بلع الأرض ماءها: دُخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل.
وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفاً انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح الأرض.
وإضافة ﴿ الماء ﴾ إلى (الأرض) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها.
وإقلاع السماء مستعار لكفّ نزول المطر منها لأنه إذا كَفّ نزولُ المطر لم يُخلف الماء الذي غار في الأرض، ولذلك قدّم الأمر بالبلْع لأنّه السبب الأعظم لغيض الماء.
وفي قران الأرض والسماء محسّن الطباق، وفي مقابلة (ابلعي) ب ﴿ أقلعي ﴾ محسّن الجناس.
و ﴿ غيض الماء ﴾ مغن عن التعرُّض إلى كون السماء أقلعت والأرض بَلعت، وبنيَ فعل ﴿ غيض الماء ﴾ للنائب لمثل ما بني فعل ﴿ وقِيل ﴾ باعتبار سبب الغيض، أو لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغَيْض: نضوبه في الأرض.
والمراد: الماء الذي نشأ بالطوفان زائداً على بحار الأرض وأوديتها.
وقضاء الأمر: إتمامه.
وبناء الفعل للنائب للعلم بأنّ فاعله ليس غير الله تعالى.
والاستواء: الاستقرار.
والجوديّ: اسم جبل بين العراق وأرمينا، يقال له اليوم (أرَارَاط).
وحكمة إرسائها على جبل أنّ جانب الجبل أمكَن لاستقرار السفينة عند نزول الرّاكبين لأنّها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى حانب الجبل.
و ﴿ بعداً ﴾ مصدر (بعدَ) على مثال كَرُم وفَرح، منصوب على المفعولية المطلقة.
وهو نائب عن الفعل كما هو الاستعمال في مقام الدعاء ونحوه، كالمدح والذم مثل: تَبّاً له، وسحقاً، وسَقْياً، ورَعْياً، وشكْراً.
والبعد كناية عن التحقير بلازم كراهية الشيء، فلذلك يقال: بَعِد أو نحوه لمن فُقِدَ، إذا كان مكروهاً كما هنا.
ويقال: نفي البعد للمرغوب فيه وإن كان قد بعد، فَيقَالُ للميّت العزيز كما قال مالك بن الرّيْب: يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفِنوني *** وأيْنَ مكانُ البعد إلاّ مَكانِيا وقالت فاطمة بنت الأَحْجَم: إخْوَتِي لا تَبْعَدُوا أبداً *** وبَلى والله قد بَعِدوا والأكثر أن يقال (بعِد) بكسر العين في البعد المجازي بمعنى الهلاك والموت، و(بعُد) المضموم العين في البعد الحقيقي.
والقوم الظالمون هم الذين كفروا فغرقوا.
والقائل (بعداً) قد يكون من قول الله جرياً على طريقة قوله: ﴿ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ﴾ ويجوز أن يقوله المؤمنون تحقيراً للكفّار وتشفّياً منهم واستراحة، فبنِيَ فعل ﴿ وقيل ﴾ إلى المجهول لعدم الحاجة إلى معرفة قائله.
قال في «الكشاف» بعد أن ذكر نكتاً ممّا أتينا على أكثره «ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم لا لتجانس الكلمتين ﴿ ابلَعي ﴾ و ﴿ اقلعي ﴾ وإن كان لا يُخلِي الكلامَ من حسن فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللّب وما عداها قشور» اه.
وقد تصدّى السكاكي في «المفتاح» في بحث البلاغة والفصاحة لبيان بعض خصائص البلاغة في هذه الآية، تقفية على كلام «الكشاف» فيما نرى فقال: «والنّظر في هذه الآية من أربع جهات، من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني...
ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية.
أما النظر فيها من جهة علم البيان...
فنقول: إنه عزّ وجلّ لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نَرُدّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها..
وأن نقطع طوفان السماء..
وأن نغيض الماءَ..
وأن نقضيَ أمر نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه..
وأن نسوي السّفينة على الجوديّ..
وأبقينا الظّلَمةَ غَرْقى بُنِيَ الكلام على تشبيه المراد بالمأمور...
وتشبيه تكوين المراد بالأمر..
وأن السماوات والأرض...
تابعة لإرادته...
كأنها عقلاء مميّزون...
ثم بنى على تشبيهه هذا نَظْمَ الكلام فقال جلّ وعلا: ﴿ قيل ﴾ على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجَعل قرينة المجاز الخطاب للجماد...
فقال: ﴿ يا أرض ويا سماء ﴾ ...
ثم استعار لغور الماء في الأرض البلعَ..
للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيهاً له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات...
تقويَ الآكِل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي)...
ثم أمَرَ على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره، وخاطَب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء، ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتصال المِلْك بالمالك واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح.
ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان، ثم أمَر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً ﴿ أقلعي ﴾ لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ ، ثم قال: ﴿ وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ ﴾ .
﴿ وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بمن غَاض الماءَ، ولا بمن قَضَى الأمر وسوّى السفينة وقال ﴿ بعداً ﴾ ، كما لم يصرح بقائل ﴿ يا أرض ﴾ و ﴿ يا سماء ﴾ في صدر الآية، سلوكاً في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة لا يُكتنه قهار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلاً ﴿ يا أرض ﴾ و ﴿ يا سماء ﴾ ، ولا غائضاً ما غاض، ولا قاضياً مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره.
ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم لا غير خَتْمَ إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة إنّما كانت لظلمهم.
وأما النظر فيها من حيث علم المعاني، وهو النّظر في إفادة كل كلمة فيها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، لذلك أنه اختير ﴿ يا ﴾ دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادَى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة..
وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به...
واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ابتلعي لكونه أخصر، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوْفَر.
وقيل ﴿ ماءَك ﴾ بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأتي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت..
وإنما لم يقل ﴿ ابلعي ﴾ بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهنّ نظراً إلى مقام ولأرود أمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء.
ثم إذ بَيّن المرادَ اختصر الكلام مع ﴿ اقلعي ﴾ احترازاً عن الحشْو المستغنى عنه، وهو الوجه في أن لم يقل: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلَعَت، ويا سماء أقلعي فأقلعت..
وكذا الأمر دون أن يقال: أمرُ نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً عليه السّلام من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك.
ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم الظالمين ﴾ دون أن يقال: ليبعَد القومُ، طلباً للتأكيد مع الاختصار وهو نزول ﴿ بعداً ﴾ منزلة ليبعَدُوا بعداً، مع فائدة أخرى وهي استعمال اللاّم مع (بعداً) الدّال على معنى أن البعد يحقّ لهم.
ثم أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل.
وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل: ﴿ يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي ﴾ دون أن يقال: ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء، جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادَى قصداً بذلك لمعنى الترشيح.
ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدئ به لابتداء الطوفان منها، ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أوْلى، ثم أتْبَعَهَا قوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ لاتّصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها، ألاَ ترى أصل الكلام: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله، وغيض الماء النازل من السماء فغاض، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله تعالى: ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود.
.
ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله: ﴿ واستوت على الجوديّ ﴾ ، ثم ختمت القصة بما ختمت...
وأمّا النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظمٌ للمعاني لطيفٌ وتأديةٌ لها ملخّصةٌ مبيّنة، لا تعقيد يعثّر الفكر في طلب المراد.
ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التّنَافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات...».
هذه نهاية كلام المفتاح.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ جَعَلَ نُزُولَ الماءِ فِيها بِمَنزِلَةِ البَلْعِ، ومَعْناهُ ابْلَعِي الماءَ الَّذِي عَلَيْكِ، فَرَوى الحَسَنُ والحُسَيْنُ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ بَعْضَ البِقاعِ امْتَنَعَ أنْ يَبْلَعَ ماءَهُ فَصارَ ماؤُهُ مُرًّا وتُرابُهُ سَبْخًا.
﴿ وَيا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ أيْ لا تُمْطِرِي، مِن قَوْلِهِمْ أقْلَعَ عَنِ الشَّيْءِ إذا تَرَكَهُ.
﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ أيْ نَقَصَ حَتّى ذَهَبَتْ زِيادَتُهُ عَنِ الأرْضِ.
﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِ مَن غَرِقَ مِن قَوْمِ نُوحٍ.
﴿ واسْتَوَتْ ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ.
﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ قَتادَةُ.
هو بِباقَرَدِي مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الجُودِيَّ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ؎ سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا يَعُودُ لَهُ وقَبْلُنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمْدُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للملك يوم ولد نوح اثنان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينتهي عن منكر، فبعث الله نوحاً إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسمية بام وأم هؤلاء واحدة، وبجل فود نجر نوح السفينة، ومن ثم بدا الطوفان، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء ونساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون من بني شيث ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه من كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً، وخرج منها من الماء ستة أذرع وكانت مطبقة، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، فأرسل الله المطر أربعين يوماً فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له، فحمل منها كما أمره الله من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم عليه السلام، فجعل حاجزاً بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض، فذلك قول الله: ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ [ القمر: 11] يقول: مُنْصَبٍّ ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ [ القمر: 12] يقول: شققنا الأرض فالتقى الماء ﴿ على أمر قد قدر ﴾ [ القمر: 12] وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً، فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق، وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبي قبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي، وهو جبل بالحضين من أرض الموصل، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة أشهر: بعداً للقوم الظالمين، فلما استوت على الجودي قيل: ﴿ يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ﴾ يقول: احبسي ماءك ﴿ وغيض الماء ﴾ نشفته الأرض فصار ما نزل من السماء هذه البخور التي ترون في الأرض، فآخر ماء بقي في الأرض من الطوفان ماء يحسى بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب فهبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإِسلام، ودعا نوح على الأسد أن يلقى عليه الحمى، وللحمامة بالانس، وللغراب بشقاء المعيشة، وتزوّج نوح امرأة من بني قابيل فولدت له غلاماً سماه يوناطن، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوها وهي بين الفرات والصراة، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإِسلام، ولما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس.
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: بعث نوح عليه السلام الحمامة فجاءت بورق الزيتون، فأعطيت الطوق الذي في عنقها وخضاب رجليها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد رضي الله عنه قال خرجت أريد أن أشرب ماء المر قال: لا تشرب ماء المر فإنه لما كان زمن الطوفان أمر الله الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع، فاستعصى عليه بعض البقاع فلعنه فصار ماؤه مراً، وترابه سبخاً لا ينبت شيئاً.
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: لما أمرت الأرض أن تغيض الماء غاضت الأرض ما خلا أرض الكوفة فلعنت، فسائر الأرض تكون على نورين وأرض الكوفة على أربع.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ يا أرض ابلعي ﴾ قال: هو بالحبشة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه ﴿ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ﴾ بالحبشية قال: ازرديه.
وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءك ﴾ قال: اشربي بلغة الهند.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويا سماء أقلعي ﴾ قال: أمسكي ﴿ وغيض الماء ﴾ قال: ذهب.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ قال: نغض ﴿ وقضي الأمر ﴾ قال: هلاك قوم نوح.
أما قوله تعالى: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ .
أخرج أحمد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: «ما هذا الصوم؟
فقالوا: هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق وأغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله.
فقال صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فصامه وأمر أصحابه بالصوم» .
وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكراً لله تعالى» .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يوم عاشوراء اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، واليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي، واليوم الذي فرق الله فيه البحر لبني إسرائيل، واليوم الذي ولد فيه عيسى، صيامه يعدل سنة مبرورة.
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما استقرت السفينة على الجودي لبث ما شاء الله، ثم إنه أذن له فهبط على الجبل، فدعا الغراب فقال: ائتني بخبر الأرض فانحدر الغراب وفيها الغرقى من قوم نوح فابطأ عليه فلعنه، ودعا الحمامة فوقع على كف نوح فقال: اهبطي فائتيني بخبر الأرض، فانحدر فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء ينفض ريشه في منقاره فقال: اهبط فقد أبينت الأرض.
قال نوح: بارك الله فيك وفي بيت يؤويك وحببك إلى الناس، لولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أن يجعل رأسك من ذهب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق، وأرسلت عليه سفينة نوح.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء قال: بلغني أن الجبل تشامخ في السماء إلا الجودي، فعرف أن أمر الله سيدركه فسكن.
قال: وبلغني أن الله تعالى استخبا أبا قبيس الركن الأسود.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: الجودي جبل بالموصل.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: أبقاها الله بالجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، كم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ ﴾ بعد ما تناهي أمر الطوفان: ﴿ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ ، يقال: بلع الماء يبلعه بلعًا: إذا شرب، وابتلع الطعام ابتلاعًا: إذا لم يمضغه.
وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها، ونحو ذلك روى أبو عبيد (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ﴾ ، يقال: أقلع الرجل عن عمله: إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما أمطرت إذا أمسكت.
قال ابن الأنباري (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ ﴾ ، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا ومغاضًا: إذا نقص، وغضته أنا، وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا، ومثله جبر العظم وجبرته، وفغر الفم وفغرته، ودلغ اللسان ودلغته، ومد النهر ومده نهر آخر، وسرح المال إلى المرعى وسرحته، ونقص الشيء ونقصته، قال المفسرون: ونقص الماء، وما بقي مما نزل من السماء فهي هذه البحار المالحة.
وقوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ ، قال أبو بكر (٤) (٥) قال مجاهد (٦) ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ : أهلك قوم نوح، قال كثير من المفسرين (٧) وقال ابن جرير (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾ ، قال ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس (١٦) (١٧) (١) "تهذيب اللغة" 1/ 386 (بلع).
(٢) "معاني القرآن" 2/ 17.
(٣) "زاد الضمير" 4/ 111.
(٤) "زاد المسير" 4/ 112، "البحر المحيط" 5/ 228.
(٥) ساقط من (ي).
(٦) الطبري 12/ 47، "زاد المسير" 4/ 111، ابن أبي حاتم 6/ 2037، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 605.
(٧) الرازي 17/ 235، القرطبي 9/ 41.
(٨) رواه الطبرى 12/ 49 عن الضحاك.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(١٠) ساقط من (ي).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2036 من حديث عائشة عن النبي .
والطبري 12/ 35، والحاكم في "المستدرك" 2/ 342 وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي في التلخيص، وقال: إسناده مظلم بسبب موسى بن يعقوب الزمعي وليس بذاك، قال فيه ابن المديني: ضعيف منكر الحديث.
انظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 192.
(١٢) الطبري 12/ 48.
(١٣) أخرجه الطبري 12/ 48 عن مجاهد وسفيان وقتادة والضحاك.
وانظر: البغوي 4/ 179، "زاد المسير" 4/ 112، ابن أبي حاتم 6/ 2037.
(١٤) "زاد المسير" 4/ 112.
(١٥) أخرجه الطبري 12/ 47 عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعًا، وقد علق عليه أحمد شاكر بقوله: (وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا وقال: وأما عبد العزيز ابن عبد الغفور، فهذا اسم مقلوب، وإنما هو (عبد الغفور بن عبد العزيز) ويقال: عبد الغفار، ويروي عنه عثمان بن مطر وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث.
انظر: "تعليقه على الطبري" 15/ 335.
(١٦) "زاد المسير" 4/ 112.
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ ابلعي مَآءَكِ ﴾ عبارة عن جفوف الأرض من الماء ﴿ أَقْلِعِي ﴾ أي أمسكي عن المطر ورُوي أنها أمطرت من كل موضع منها ﴿ وَغِيضَ المآء ﴾ أي نقص ﴿ وَقُضِيَ الأمر ﴾ أي تمّ وكمل ﴿ واستوت عَلَى الجودي ﴾ أي استقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً ﴾ أي هلاكاً، وانتصب على المصدر ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق، فيكون العطف من غير ترتيب، أو يكون بعده ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ﴾ أي: وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر، ولقوله: ونادى نوح ابنه ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها: أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه، والثاني: أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره: إنه ذو عمل غير صالح، والثالث: ان يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة كقولك: رجل صوم، وقرأ الكسائي ﴿ عمل ﴾ بفعل ماض ﴿ غير صالح ﴾ بالنصب، والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لم سمي نداءه سؤالاً، ولا سؤال فيه؟
فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرح به ﴿ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ أن في موضع مفعول من أجله تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام ﴿ اهبط بسلام مِّنَّا ﴾ أي اهبط من السفينة بسلامة ﴿ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ أي ممن معك في السفينة، واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية من معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لابتداء الغاية، والتقدير على أمم ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ يعني نمتعهم متاع الدنيا وهم الكفار إلى يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.
والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.
﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.
حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.
حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.
والباقون بالضم مفخماً.
﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.
﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.
﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.
التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.
ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.
و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.
ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.
وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.
ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.
الأولى أنه بشر مثلهم.
الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.
والأراذل جمع أرذل.
وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.
ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.
وهذا تفسير من قرأ بغير همز.
وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.
الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.
ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.
والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.
ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.
وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.
ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.
ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.
سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟
الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.
احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.
وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.
ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.
ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.
وفي قوله ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.
أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.
ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.
لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.
وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.
ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.
وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.
ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.
واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.
وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.
ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.
ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.
﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.
وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.
وعن مقاتل أنها من قصة محمد وقعت في أثناء قصة نوح.
قوله : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.
وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.
قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.
وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.
ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.
ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.
والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.
وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.
والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.
والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.
عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.
وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.
ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.
وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.
وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.
وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.
ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟
ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.
وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.
وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.
وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.
والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.
وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.
و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".
روي أن نوحاً اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.
وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.
وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.
قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.
﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.
والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.
وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.
عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.
وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.
وعن علي أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.
وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.
وقيل: بالهند.
روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.
ويروى عن علي أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.
وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.
والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.
فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.
فالمراد حمل من كل شيء زوجين.
واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.
ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.
وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.
فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.
وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.
قوله وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.
فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.
فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟
قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.
الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.
وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.
وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.
وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.
يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.
ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.
يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.
ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.
البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟
والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.
وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.
قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.
واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.
وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله ﴿ فخانتاهما ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.
وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.
وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.
وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.
وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.
ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟
وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.
وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.
وقوله : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.
مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.
أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.
فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.
وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.
وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.
ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.
واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.
ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.
ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.
وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.
واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.
وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.
ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.
ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.
وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.
واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.
ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.
وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.
ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.
وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.
ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.
ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.
قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟
وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.
وقد روى جمع من المفسرين أنه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.
وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.
والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.
وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.
وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله أعلم بمراده من كلامه.
﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.
﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.
ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.
وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.
ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.
ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.
﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا ﴾ الآية.
فلذلك عفى عنه.
﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.
وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.
والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ فنوح آدم الأصغر.
وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.
وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.
وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.
وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.
والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.
ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .
التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.
وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.
﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.
﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟
فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.
وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.
﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.
فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.
﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.
والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.
وفي قوله : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.
فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ : قال بعضهم: عاد كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها.
وقال بعضهم: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ ليس على القول لهم، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه.
ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا.
﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ﴾ أي: غار الماء في الأرض.
﴿ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر ﴿ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ﴾ أي: استقرت على الجودي وهو جبل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله.
وقال القتبي: مرساها أي تقف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : يمنعني من الماء، وقال: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال القتبي: لا معصوم اليوم من عذاب الله؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ولا دافع لهم منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ...
﴾ الآية، فقال: ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابنييمن أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو لذلك خرج سؤاله فقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح.
روي عن رسول الله أنه كان يقرأ: (عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ) بغير تنوين.
وعن ابن مسعود - - أنه قرأه: ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ بالتنوين.
فمن قرأ بالنصب: (عَمِلَ غيرَ صالحٍ) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: ﴿ عَمَلٌ ﴾ يكون معناه - والله أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، و ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ : هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل وإن وعدك بإغراق الظلمة حق.
والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : يحتمل هذا نهياً عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئاً إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتاباً لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول الله : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ ، وقد كان له الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ : هو كما نهى رسول الله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل.
وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ أي: إن لم ترحمني بالعصمة من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة الله وفضله، على ما روي عن رسول الله أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله : ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو طلب المغفرة بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألاَّ يملك أحد ذلك، وليس في قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال آدم وحواء المغفرة حيث قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 23]، هو سؤال بالكناية فهو أبلغ في السؤال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ ﴾ : قال بعضهم: أي: انزل من الجودي إلى قرار الأرض، وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱهْبِطْ ﴾ \[أي\]: انزل وأقم على المقام والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : السلام هو أن يسلم عن الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبرّ على غير تبعة، ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم على كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل [معصية وشر]؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضاً في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس [لله] خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما [لله ] أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له.
هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد.
ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ﴾ : جائز أن يكون جواب قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة.
والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : يحتمل أن يكون جواب قوله: ﴿ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ \[المؤمنون: 29\]، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.
ثم قوله: ﴿ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ ، على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع.
وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعاً في الآخرة.
ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وبقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ ثم قال: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعل [للمؤمنين خالصة] يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضاً في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ : ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كانوا معه نفراً، لكنه أراد - والله أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعاً دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعاً على دينه وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...
﴾ الآية [نوح: 28]، دعاء بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي: قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، إن كان المراد من قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ قصة نوح خاصة وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء.
ويحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء الغيب، غابت عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول الله .
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنه أخبرهم على ما أخبر أولئك الذين عرفوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك [بالله إذ تلك] الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ على تكذيبهم إياك، وعلى أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو في العقد أشبه.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ ﴾ من السفينة بسلام منا، فسلمه الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة.
وعن ابن عباس - - في قوله: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ ممن سبق له في علم الله البركات والسعادة من النبيين وغيرهم.
<div class="verse-tafsir"
وقال الله للأرض بعد نهاية الطوفان: يا أرض، اشربي ما عليك من ماء الطوفان، وقال للسماء: يا سماء أمسكي ولا ترسلي المطر، ونَقَصَ الماء حتَّى جفت الأرض، وأهلك الله الكافرين، ووقفت السفينة على جبل الجودي، وقيل: بُعْدًا وهلاكًا للقوم المتجاوزين لحدود الله بالكفر.
<div class="verse-tafsir" id="91.KjwR9"