الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤٩ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ) كما قال : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) [ الرعد : 15 ] وقوله : ( والملائكة وهم لا يستكبرون ) أي : تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته ،
يقول تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابَّة يدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون.
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: اجتزئ بذكر الواحد من الدوابّ عن ذكر الجميع.
وإنما معنى الكلام: ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من الدوابّ والملائكة، كما يقال: ما أتاني من رجل، بمعنى: ما أتاني من الرجال.
وكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: إنما قيل: من دابة، لأن " ما " وإن كانت قد تكون على مذهب الذي، فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة، فيقال: من ضربه من رجل فاضربوه، ولا تسقط " من " من هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالا لمن و ما ، فجعلوه بمن ليدلّ على أنه تفسير لما ومن لأنهما غير مؤقتتين، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما، وكان دخول من أدلّ على ما لم يوقت من من وما، فلذلك لم تلغيا.
قوله تعالى : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرونقوله تعالى : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة أي من كل ما يدب على الأرض .والملائكة يعني الملائكة الذين في الأرض ، وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة ، فميزهم من صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها ; كقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان .
وقيل : لخروجهم من جملة ما يدب لما جعل الله لهم من الأجنحة ، فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا .
وقيل : أراد ولله يسجد من في السماوات من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب ، وما في الأرض من دابة وتسجد ملائكة الأرض .وهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم .
وهذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله .
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ْ} من الحيوانات الناطقة والصامتة، { وَالْمَلَائِكَةِ ْ} الكرام خصهم بعد العموم لفضلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم ولهذا قال: { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ْ} أي: عن عبادته على كثرتهم وعظمة أخلاقهم وقوتهم كما قال تعالى: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ْ}
( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ) إنما أخبر ب " ما " لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد ، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث ، ( من دابة ) أراد من كل حيوان يدب .
ويقال : السجود : الطاعة ، والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل من حيوان وجماد ، قال الله تعالى : " قالتا أتينا طائعين " ( فصلت - 11 ) .
وقيل : سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخرت له .
وقيل : سجود الجمادات وما لا يعقل : ظهور أثر الصنع فيه ، على معنى أنه يدعو الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه ، قال الله تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق " ( فصلت - 53 ) .
( والملائكة ) خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السموات والأرض تشريفا ورفعا لشأنهم .
وقيل : لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها .
وقيل : أراد : ولله يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة ، وتسجد الملائكة .
( وهم لا يستكبرون )
«ولله يسجد ما في السماوات وما في والأرض من دابة» أي نسمة تدب عليها أي تخضع له بما يراد منها، وغلب في الإتيان بما لا يعقل لكثرته «والملائكة» خصهم بالذكر تفضيلاً «وهم لا يستكبرون» يتكبرون عن عبادته.
ولله وحده يسجد كل ما في السموات وما في الأرض مِن دابة، والملائكة يسجدون لله، وهم لا يستكبرون عن عبادته.
وخصَّهم بالذكر بعد العموم لفَضْلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة.
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ ﴾ بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات، وأيضاً أن ما قبله غيبة وهو قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ فكذا قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ ﴾ وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿ تتفيؤ ﴾ بالتاء والباقون بالياء، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله ﴾ لما كانت الرؤية هاهنا بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله، وقوله: ﴿ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْء ﴾ قال أهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد، لأن قوله: ﴿ مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض.
وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله ﴾ إخبار عن قوله: ﴿ شَيْء ﴾ وليس بوصف له، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال: فاء الظل يفيء فيئاً إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس، وأصل الفيء الرجوع، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ فَإِن فاؤا فإن الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ وأصل هذا كله من الرجوع.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين.
أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله: ﴿ مَّا أَفَاء الله ﴾ وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ.
قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل، ومنهم من أنكر ذلك، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: فسلام الإله يغدو عليهم *** وفيوء الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون، وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله، إلا أنه كثير في المعنى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ﴾ فأضاف الظهور وهو جمع، إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله: ﴿ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن.
أما قوله: ﴿ عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان: القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله.
إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.
القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس.
هذا ما حصلته في هذا الباب، وكلام المفسرين فيه غير ملخص.
البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد، والشمائل بصيغة الجمع؟
وأجيب عنه بأشياء: أحدها: أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ .
وثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها، وذلك لأن قوله: ﴿ مَا خَلَقَ الله مِن شَيء ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين.
وثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ وقوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ .
ورابعها: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة.
وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع، والله أعلم.
المسألة الرابعة: أما قوله: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: أسجد لقرد السوء في زمانه، أي أخضع له قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** أي متواضعة، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى دبر النيرات الفلكية، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة.
ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعاً وارتفاعاً، ازدادت تلك الأظلال تقلصاً وانتقاصاً إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، وكلما ازدادت الشمس انحداراً ازدادت الأظلال تمدداً وتزايداً في الجانب الشرقي.
وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره؟
قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لابد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.
إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع، ونظيره قوله: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ وقوله: ﴿ وظلالهم بالغدو والأصال ﴾ قد مر بيانه وشرحه.
والقول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد.
قال أبو العلاء المعري في صفة واد: بحرف يطيل الجنح فيه سجوده *** وللأرض زي الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا.
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة.
المسألة الخامسة: وقوله: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حال من الظلال وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخوراً، أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ حال أيضاً من الظلال.
فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟
قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح.
إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال: المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات، ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معاً، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى، وهذا القول ضعيف، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معاً غير جائز.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن دَابَّةٍ ﴾ قال الأخفش: يريد من الدواب وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟
فنقول فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.
والوجه الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ ، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب، لأن قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وأما قوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ فهذا أيضاً يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب.
فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟
قلنا: لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه، وحينئذ يدخل في اللفظ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة.
والوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ثم قال لإبليس: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين ﴾ وقال أيضاً له: ﴿ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله أعلم.
واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف.
والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ وهم لهذا الخوف يتركون الذنب.
والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء، والله أعلم.
المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات.
واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ والذي نزيده هاهنا أن قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف.
إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة.
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر.
المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى.
الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وأما البشر فليسوا كذلك.
ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، وأما الخبر فقوله عليه السلام: «ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا» ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها.
الوجه الثالث: أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» فضل الشيخ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم.
الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن دَابَّةٍ ﴾ يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أنّ في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الملائكة وكرّر ذكرهم على معنى: والملائكة خصوصاً من بين الساجدين؛ لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم.
ويجوز أن يراد بما في السموات: ملائكتهنّ.
وبقوله والملائكة: ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، فإن قلت: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟
قلت: المراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقياده لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليها، وكلا السجودين يجمعها معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد.
فإن قلت: فهلا جيء بمن دون (ما) تغليبا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟
قلت: لأنه لوجيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب، فكان متناولاً للعقلاء خاصة، فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم، إرادة العموم ﴿ يَخَافُونَ ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي: لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بياناً لنفي الاستكبار وتأكيداً له، لأنّ من خاف الله لم يستبكر عن عبادته ﴿ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ إن علقته بيخافون، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عالياً لهم قاهراً، كقوله ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18، 61]، ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ [الأعراف: 127] وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ يَنْقادُ انْقِيادًا يَعُمُّ الِانْقِيادَ لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِهِ طَبْعًا والِانْقِيادَ لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَوْلِهِ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيانٌ لَهُما لِأنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَتْ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ.
﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ عُطِفَ عَلى المُبَيَّنِ بِهِ عُطِفَ جِبْرِيلُ عَلى المَلائِكَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ عُطِفَ المُجَرَّداتُ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وبِهِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّ المَلائِكَةَ أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ أوْ بَيانٌ لِما في الأرْضِ والمَلائِكَةُ تَكْرِيرٌ لِما في السَّمَواتِ وتَعْيِينٌ لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، أوِ المُرادُ بِها مَلائِكَتُها مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ ما ﴾ لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مِن تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ.
﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ.
﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ يَخافُونَهُ أنْ يُرْسِلَ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَخافُونَهُ وهو فَوْقَهم بِالقَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ .
والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أوْ بَيانٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ مِنَ الطّاعَةِ والتَّدْبِيرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مِن دَآبَّةٍ} من بيان لما في السموات وما في الأرض جميعاً على أن في السموات خلقاً يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض أو بيان لما في الأرض وحده والمراد بما في السموات ملائكتهن وبقوله {والملائكة} ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم قيل المراد
بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقيادهم لإرادة الله ومعنى الانقياد يجمعهما فلم يختلفا فلذا أجاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد وجىء بما إذ هو صالح للعقلاء وغيرهم ولو جيء بمن لتناول العقلاء خاصة {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما ذَكَرَ أرْدَفَهُ بِما يُفِيدُهُ تَأْكِيدًا مَعَ زِيادَةِ سُجُودِ ما لا ظِلَّ لَهُ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ما بَيَّنَ سُجُودَ الظِّلالِ وذَوِيها مِنَ الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ الثّابِتَةِ في أحْيازِها ودُخُورِها لَهُ سُبْحانَهُ شَرَعَ في شَأْنِ سُجُودِ المَخْلُوقاتِ المُتَحَرِّكَةِ بِالإرادَةِ سَواءٌ كانَتْ لَها ظِلالٌ أمْ لا؟
فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ما قالَ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ الِانْقِيادُ سَواءٌ كانَ انْقِيادًا لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِها طَبْعًا أوِ انْقِيادًا لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن غَيْرِ جَمْعٍ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ ولِكَوْنِ الآيَةِ آيَةَ سَجْدَةٍ لا بُدَّ مِن دَلالَتِها عَلى السُّجُودِ المُتَعارَفِ ولَوْ ضِمْنًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُتَعَلِّقٌ- بِـ يَسْجُدُ- والتَّقْدِيرُ لِإفادَةِ القَصْرِ وهو يَنْتَظِمُ القَلْبَ والإفْرادَ إلّا أنَّ الأنْسَبَ بِحالِ المُخاطَبِينَ قَصْرُ الأفْرادِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ لَهُ تَعالى وحْدَهُ يَنْقادُ ويَخْضَعُ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيانٌ لِما فِيهِما بِناءً عَلى أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ، والمَلائِكَةُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مُجَرَّدَةٍ وتَقْيِيدُ الدَّبِيبِ بِكَوْنِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ لِظُهُورِهِ أوْ لِأنَّهُ أصْلُ مَعْناهُ وهو عامٌّ هُنا بِقَرِينَةِ المُبَيَّنِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الدّابَّةِ المُبَيَّنِ بِهِ وهو الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّ ( مِن ) البَيانِيَّةَ لا تَكُونُ ظَرْفًا لَغْوًا وهو مَن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إفادَةً لِعِظَمِ شَأْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُبايِنِ بِناءً عَلى أنْ يُرادَ بِما في السَّماواتِ الجُسْمانِيّاتِ ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِتَجَرُّدِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ فِيما في السَّماواتِ لِأنَّ المُجَرَّداتِ لَيْسَتْ في حَيِّزِ وُجْهَةٍ وبَعْضُهُمُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى تَجَرُّدِ المَلائِكَةِ بِناءً عَلى أنَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ بَيْنَ أحَدِهِما بِالدّابَّةِ والآخَرِ بِالمَلائِكَةِ والأصْلُ في التَّقابُلِ التَّغايُرُ، والدّابَّةُ المُتَحَرِّكَةُ حَرَكَةٌ جُسْمانِيَّةٌ فَلا يَكُونُ مُقابِلُها مِنَ الأجْسامِ وأنَّ الجِسْمَ لا بُدَّ فِيهِ مِن حَرَكَةٍ جُسْمانِيَّةٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ إذْ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا أوْ هو بَيانٌ لِما في الأرْضِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ ( والمَلائِكَةُ ) عَطْفٌ عَلى ما في السَّماواتِ وهو تَكْرِيرٌ لَهُ وتَعْيِينٌ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِذَلِكَ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِمّا في السَّماواتِ الخَلْقُ الَّذِينَ يُقالُ لَهُمُ الرُّوحُ ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّهم غَيْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُبايِنِ أوْ هُما بَيانٌ لِما في الأرْضِ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ فِيها كالحَفَظَةِ والكِرامِ الكاتِبِينَ ولا يُرادُ بِالدّابَّةِ ما يَشْمَلُهُمْ، و«ما» إذا قُلْنا: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ العُقَلاءِ كَما يَشْهَدُ لَهُ خَبَرُ ابْنِ الزِّبَعْرى فاسْتِعْمالُها هُنا في العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ لِلتَّغْلِيبِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ وضْعَها لِأنَّ تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العُقَلاءِ وفِيما يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم كالشَّبَحِ المَرْئِيِّ الَّذِي لا يَعْرِفُ أنَّهُ عاقِلٌ أوَّلًا فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما حَقِيقَةٌ فالأمْرُ عَلى ما قِيلَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى تَغْلِيبٍ، وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ إنَّ (ما) لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مَن تَغْلِيبًا، وفي الكَشّافِ أنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ وهو جَوابٌ عَنْ سَبَبِ اخْتِيارِ ما عَلى مَن، وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ مَن لِلْعُقَلاءِ والتَّغْلِيبُ مَجازٌ فَلَوْ جِيءَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ تَعَيَّنَ الحَقِيقَةُ والمَقامُ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ فَجِيءَ بِما يَعُمُّ وهو ما، وأرادَ أنْ لا دَلِيلَ في اللَّفْظِ، وقَرِينَةُ العُمُومِ في السّابِقِ لا تَكْفِي لِجَوازِ تَخْصِيصِهِمْ مِنَ البَيْنِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى أنَّ اقْتِضاءَ المَقامِ العُمُومَ وما في التَّغْلِيبِ مِنَ الخُصُوصِ كافٍ في العُدُولِ انْتَهى.
وقِيلَ بِناءً عَلى أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ العُقَلاءِ ومَن مُخْتَصَّةٌ بِالعُقَلاءِ: إنَّ الإتْيانَ بِما وارْتِكابَ التَّغْلِيبِ أوْفَقُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإتْيانِ بِمَن وارْتِكابِ ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ ﴿ وهُمْ ﴾ أيِ المَلائِكَةُ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ لا ( يَسْتَكْبِرُونَ ) عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ والسُّجُودِ لَهُ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لَيْسَ لِلْقَصْرِ، والسِّينُ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ وقِيلَ: لَهُ عَلى مَعْنى لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ فِعْلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ.
وإذا قُلْنا إنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ فالمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ.
والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( يَسْجُدُ ) مُسْنَدًا إلى المَلائِكَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ عَنْهُمْ، بِذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ- لِما- لِاخْتِصاصِهِ بِأُولِي العِلْمِ ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ التَّغْلِيبِ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ لَها وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي تَرَوْاْ بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون: بالياء على معنى المغايبة يعني: أو لم يعتبروا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عند طلوع الشمس وعند غروبها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ يعني: يدور ظلاله عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ قال القتبي: أصل الفيء الرجوع، وتفيؤ الظلال: رجوعها من جانب إلى جانب سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ أي: صاغرون ويقال: وهم مطيعون.
وأصل السجود التطأطؤ والميل.
يقال: سجد البعير إذا تطأطأ، وسجدت النخلة إذا مالت، ثم قد يستعار السجود ويوضع موضع الاستسلام والطاعة، ودوران الظل من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم، منقاد، مطيع.
فذلك قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ.
ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ أي: يستسلم مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي: يسجد لله جميع ما في الارض من دآبة وَالْمَلائِكَةُ يعني: وما على الأرض من الملائكة.
ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ما في السموات من الملائكة، وَمَا فِى الارض من دابة.
ويقال: معناه يسجد له جميع ما في السَّموات وما في الارض يعني: الدواب، والملائكة يعني: الذين هم في السموات والأرض.
وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يتعظمون عن السجود لله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون الله تعالى.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إن لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السّابعة سجودا مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا: ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون خوفا، معظمين، مجلّين.
ويقال: خوفهم بالقهر والغلبة والسلطان.
ويقال: معناه يخافون ربهم الذي على العرش كما وصف نفسه، والطريق الأول أصحّ كقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10] أي: بالقهر والغلبة والسلطان وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين.
قرأ أبو عمرو: يَتَفَيَّؤُا بالتاء بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون: بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث.
<div class="verse-tafsir"
تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ ...
بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ «١»
وهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين:
أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ «٢» .
وقالت فرقة: «التخُّوف» هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم/ يعذّبهم به.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ...
الآية: قوله: مِنْ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية:
الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيّات بالعين، وعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ «٣» الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر «٤» ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقت.
قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أربع
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " أوْلَمَ يَرَوْا " بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَرَوْا " بِالتّاءِ، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ، مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ جِسْمٍ قائِمٍ " يَتَفَيَّأُ " قَرَأ الجَماعَةُ بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ " ظِلالُهُ " وهو جَمْعُ ظِلٍّ، وإنَّما جُمِعَ وهو مُضافٌ إلى واحِدٍ، لِأنَّهُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ: يَدُورُ ويَرْجِعُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والفَيْءُ: الرُّجُوعُ، ومِنهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بِالعَشِيِّ: فَيْءٌ، لِأنَّهُ فاءَ عَنِ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ، كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَنْ يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، وإذا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ كانَ عَلى يَسارِكَ، وإنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، والمُرادُ بِهِ: الجَمْعُ، إيجازًا في اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ، ودَلَّتِ " الشَّمائِلُ " عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجَمِيعُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، وجَمَعَ الشَّمائِلَ، ولَمْ يَقُلِ الشِّمالَ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، وأنْشَدَ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذَرى سَبَإٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وَلَمْ يَقُلْ: جُلُودُ، ومِثْلُهُ: كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ وَإنَّما جازَ التَّوْحِيدُ، لِأنَّ أكْثَرَ الكَلامِ يُواجَهُ بِهِ الواحِدُ.
وَقالَ غَيْرُهُ: اليَمِينُ راجِعَةٌ إلى لَفْظِ ما، وهو واحِدٌ، والشَّمائِلُ راجِعَةٌ إلى المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُسْتَسْلِمَةً، مُنْقادَةً، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: والكُفّارُ صاغِرُونَ.
والثّانِي: وهَذِهِ الأشْياءُ داخِرَةٌ مَجْبُولَةٌ عَلى الطّاعَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: إنَّما ذَكَّرَ مَن لَيْسَ مِنَ الإنْسِ، لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ أشْبَهُوا الإنْسَ في الفِعْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ.
.
.
.
﴾ الآيَةُ.
السّاجِدُونَ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: مَن يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ عِبادَةٌ.
والثّانِي: مَن لا يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ بَيانُ أثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِ، والخُضُوعُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: بِجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَجَراتُهُ، أيْ: جَوانِبُهُ، يُرِيدُ أنَّ حَوافِرَ الخَيْلِ قَدْ قَلَعَتِ الأُكْمَ ووَطِئَتْها حَتّى خَشَعَتْ وانْخَفَضَتْ.
فَأمّا الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، فَألْحَقَها جَماعَةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: سُجُودُها حَقِيقَةٌ، ما مِنها غارِبٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ لا يَنْصَرِفُ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، ويَشْهَدُ لِقَوْلِ أبِي العالِيَةِ، حَدِيثُ أبِي ذَرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في المَسْجِدِ حِينَ وجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: " يا أبا ذَرٍّ !
تَدْرِي أيْنَ ذَهَبَتِ الشَّمْسُ " قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: " فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها عَزَّ وجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها، فَكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ إلى مَطْلَعِها فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ "» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وأمّا النَّباتُ والشَّجَرُ، فَلا يَخْلُو سُجُودُهُ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سُجُودًا لا نَعْلَمُهُ، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ يُودِعُهُ فَهْمًا.
والثّانِي: أنَّهُ تَفَيُّؤُ ظِلالِهِ.
والثّالِثُ: بَيانُ الصَّنْعَةِ فِيهِ.
والرّابِعُ: الِانْقِيادُ لِما سُخِّرَ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ إنَّما أخْرَجَ المَلائِكَةَ مِنَ الدَّوابِّ، لِخُرُوجِهِمْ بِالأجْنِحَةِ عَنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا رَفِيعًا عَظِيمًا.
والثّانِي: أنَّهُ حالٌ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مُعَظِّمِينَ لَهُ عالِمِينَ بِعَظِيمِ سُلْطانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقَعَتْ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ لِما يَعْقِلُ، قالَ الزَجاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ ﴾ يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماءِ وما في السَحابِ وما في الجَوِّ مِن حَيَوانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَلائِكَةَ الأرْضِ في قَوْلِهِ: "والمَلائِكَةُ".
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "والمَلائِكَةُ" هو الَّذِي يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماواتِ والأرْضِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَلَكٌ، إنَّما هو الحَيَوانُ أجْمَعُ.
وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الفَوْقِيَّةٌ الَّتِي يُوصَفُ بِها اللهُ تَعالى، فَهي فَوْقِيَّةُ القَدَرِ والعَظْمَةِ والقَهْرِ والسُلْطانِ، والآخَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ بِقَوْلِهِ: "يَخافُونَ"، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ عادَةَ عَذابِ اللهِ لِلْأُمَمِ إنَّما أتى مِن جِهَةِ فَوْقٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسَبِ الشَرْعِ والطاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ومَعْناها: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا بِما يَنِصُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا" قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ" وقَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ بِالعَدَدِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، أنْ يُبَيِّنَ المَعْدُودَ بِذِكْرِ عَدَدِهِ تَأْكِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، لِأنَّ لَفْظَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي الِانْفِرادَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ: المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْرَدًا، أو مَعْبُودًا، أو مُطاعًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ"، والثانِي قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ"، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى اعْتِذارٍ بِالتَأْكِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ -عَلى بَعْضِ الأقْوالِ- تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "تَتَّخِذُوا"، وقَوْلُهُ: "فَإيّايَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، لِأنَّهُ قَدْ عَمِلَ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ ﴾ الآيَةُ، الواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَهُ" عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، و"ما" عامَّةُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يَعْقِلُ ومِمّا لا يَعْقِلُ، والسَماواتُ هُنا كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الخَلْقِ في جِهَةِ فَوْقٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، و"الدِينُ": الطاعَةُ والمُلْكُ كَما قالَ زُهَيْرٌ: في دِينِ عَمْرُو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ.
فِي طاعَتِهِ ومُلْكِهِ.
و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحاكُ، وقالَ الشاعِرُ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَهْرِ أجْمَعَ واصِبًا وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: غَيَّرَتْهُ الرِيَحُ تَسْفِي بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ الوَصْبِ وهو التَعَبُ: أيْ: ولَهُ الدِينُ عَلى تَعَبِهِ ومَشَقَّتِهِ.
فَـ "واصِبٌ" -عَلى هَذا- جارٍ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنا وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الواصِبُ: الواجِبُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: الواصِبُ: الدائِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ ولَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ونَصَبَ "غَيْرُ" بِـ "تَتَّقُونَ"، لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَعْمَلْ في سِوى "غَيْرِ" المَذْكُورَةِ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بِكُمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ ويَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ، كَأنَّهُ يَقُولُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: أتُتَّقَوْنَ غَيْرَ اللهِ ولا مُنْعِمَ عَلَيْكم سِواهُ؟
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وما نَزَلَ أو ألَمَّ، ونَحْوَ هَذا، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمِنَ اللهِ ﴾ دَخَلَتْ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "ما" الَّتِي هي بِمَعْنى "الَّذِي"، فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، ومَعْنى الآيَةِ التَذْكِيرُ بِأنَّ الإنْسانَ في جَلِيلِ أمْرِهِ ودَقِيقِهِ إنَّما هو في نِعْمَةِ اللهِ وَأفْضالِهِ، إيجادُهُ داخِلٌ في ذَلِكَ فَما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأوقاتِ المَرَضِ لِكَوْنِ الإنْسانِ الجاهِلِ يُحِسُّ فِيها قَدْرَ الحاجَةِ إلى لُطْفِ اللهِ تَعالى، و"الضُرُّ -وَإنْ كانَ يَعُمُّ كُلَّ مَكْرُوهِ- فَأكْثَرُ ما يَجِيءُ عِبارَةً عن أرْزاءِ البَدَنِ.
و"تَجْأرُونَ" مَعْناهُ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِاسْتِغاثَةٍ وتَضَرُّعٍ، وأصْلُهُ في جُؤارِ الثَوْرِ والبَقَرَةِ وصِياحِهِما، وهو عِنْدُ جُهْدٍ يَلْحَقُها، أو في أثَرِ دَمٍ يَكُونُ مِن بَقَرٍ تُذْبَحُ، فَذَلِكَ الصُراخُ يُشَبِّهُ بِهِ انْتِحابَ الداعِي المُسْتَغِيثِ بِاللهِ إذْ رَفَعَ صَوْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِأبِيلٍ كُلَّما صَلّى جَأرْ والأصْواتُ تَأْتِي غالِبًا عَلى فِعالٍ أو فَعَيْلٍ.
وقَرَأ الزَهْرِيُّ "تَجَرُونَ" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، حُذِفَتْ وأُلْقِيَتْ حَرَكُتُها عَلى الجِيمِ، كَما خُفِّفَ تَسَلُونَ مَن تَسْألُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكُمْ ﴾ ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "كَشَفَ"، وقَرَأ قَتادَةٌ: "كاشِفٌ"، ووَجْهُها أنَّها فاعِلٌ مِن واحِدٍ بِمَعْنى "كَشَفَ"، وهي ضَعِيفَةٌ.
و"الفَرِيقُ" هُنا يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ لِلْأصْنامِ أفْعالًا مِن شِفاءِ المَرَضى وجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُرِّ، فَهم إذا شَفاهُمُ اللهُ عَظَّمُوا أصْنامَهُمْ، وأضافُوا ذَلِكَ الشِفاءَ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَكْفُرُوا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: فَصارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا، وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ عَلى مَعْنى التَهْدِيدِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، والكُفْرُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرَ الجُحْدِ بِاللهِ والشِرْكِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ النِعْمَةِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما ﴾ ، أيْ: بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ورَوى أبُو رافِعٍ «عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ "» بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةً، و"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في الرُومِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَمَتَّعُوا" كالجَماعَةِ عَلى الأمْرِ "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، كَقِراءَةِ أبِي رافِعٍ، فَيَكُونُ "يُمَتِّعُوا" في قِراءَةِ أبِي رافِعٍ في مَوْضِعٍ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "يَكْفُرُوا" إنْ كانَتِ اللامُ لامَ "كَيْ"، ونُصْبًا بِالفاءِ في جَوابِ الأمْرِ إنَّ كانَتِ اللامُ لامَ أمْرٍ، ومَعْنى "التَمَتُّعِ" في هَذِهِ الآيَةِ: بِالحَياةِ الدُنْيا الَّتِي مَصِيرُها إلى الفَناءِ والزَوالِ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذُكر في الآية السابقة السجود القسري ذُكر بعده هنا سجود آخر بعضه اختيار وفي بعضه شبه اختيار.
وتقديم المجرور على فعله مؤذن بالحصْر، أي سجد لله لا لغيره ما في السماوات وما في الأرض، وهو تعريض بالمشركين إذ يسجدون للأصنام.
وأوثرت ﴿ ما ﴾ الموصولة دون (من) تغليباً لكثرة غير العقلاء.
و ﴿ من دابة ﴾ بيان ل ﴿ ما في الأرض ﴾ ، إذ الدابة ما يدبّ على الأرض غير الإنسان.
ومعنى سجود الدواب لله أن الله جعل في تفكيرها الإلهامي التذاذها بوجودها وبما هي فيه من المرح والأكل والشرب، وتطلب الدفع عن نفسها من المتغلّب ومن العوارض بالمدافعة أو بالتوقّي، ونحو ذلك من الملائمات.
فحالها بذلك كحال شاكر تتيسر تلك الملائمات لها، وإنما تيسيرها لها ممن فطرها.
وقد تصحب أحوال تنعّمها حركاتٌ تشبه إيماء الشاكر المقارب للسجود، ولعلّ من حركاتها ما لا يشعر به الناس لخفائه وجهلهم بأوقاته، وإطلاقُ السجود على هذا مجاز.
ويشمل ﴿ ما في السموات ﴾ مخلوقاتتٍ غير الملائكة، مثل الأرواح، أو يراد بالسماوات الأجواء فيراد بما فيها الطيُور والفراش.
وفي ذكر أشرف المخلوقات وأقلّها تعريض بذمّ من نزل من البشر عن مرتبة الدواب في كفران الخالق، وبمدح من شابَه من البشر حال الملائكة.
وفي جعل الدوابّ والملائكة معمولين ل ﴿ يسجد ﴾ استعمال للفظ في حقيقته ومجازه.
ووصف الملائكة بأنهم ﴿ لا يستكبرون ﴾ تعريض ببعد المشركين عن أوج تلك المرتبة الملكية.
والجملة حال من ﴿ الملائكة ﴾ .
وجملة ﴿ يخافون ربهم ﴾ بيان لجملة ﴿ وهم لا يستكبرون ﴾ .
والفوقية في قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ فوقية تصرف ومِلك وشرف كقوله تعالى: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ [سورة الأنعام: 18] وقوله ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ [سورة الأعراف: 127].
وقوله تعالى: ويفعلون ما يؤمرون}، أي يطيعون ولا تصدر منهم مخالفة.
وهنا موضع سجود للقارئ بالاتّفاق.
وحكمته هنا إظهار المؤمن أنه من الفريق الممدوح بأنه مشابه للملائكة في السجود لله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُ ظِلالُهُ؛ لِأنَّ الفَيْءَ الرُّجُوعُ؛ ولِذَلِكَ كانَ اسْمًا لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ لِرُجُوعِهِ.
الثّانِي: مَعْناهُ تَمِيلُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: تَدُورُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: تَتَحَوَّلُ ظِلالُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تارَةً إلى جِهَةِ اليَمِينِ، وتارَةً إلى جِهَةِ الشِّمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُ الشَّمْسَ حَيْثُ دارَتْ.
الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ النَّهارِ، والشِّمالَ آخِرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.
﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ سُجُودُ أشْخاصِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ كَسُجُودِ الأشْخاصِ تَسْجُدُ لِلَّهِ خاضِعَةً، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
وَقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لِلَّهِ، فَبِئْسَ واللَّهِ ما صَنَعْتَ.
﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ أيْ صاغِرُونَ خاضِعُونَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْحَجِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ حُجَّرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ ﴾ أمّا سُجُودُ ما في السَّماواتِ فَسُجُودُ خُضُوعٍ وتَعَبُّدٍ، وأمّا سُجُودُ ما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ سُجُودَهُ خُضُوعُهُ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ ما فِيهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ يُوجِبُ عَلى العِبادِ السُّجُودَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
وَفِي تَخْصِيصِ المَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ، وإنْ دَخَلُوا في جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِشَرَفِ المَنزِلَةِ فَمَيَّزَهم مِنَ الجُمْلَةِ بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلُوا فِيها.
الثّانِي: لِخُرُوجِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَدِبُّ، لِما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأجْنِحَةِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في الجُمْلَةِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا.
وَجَوابٌ ثالِثٌ: أنَّ في الأرْضِ مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أعْمالَ العِبادِ لَمْ يَدْخُلُوا في جُمْلَةِ مَلائِكَةِ السَّماءِ فَلِذَلِكَ أفْرَدَهم بِالذِّكْرِ.
﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الخُضُوعِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ.
﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.
الثّانِي: يَخافُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّتِي هي فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ وهي في جَمِيعِ الجِهاتِ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ قال: مخافة الإجلال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له: يا سعد، أحد أحد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه، ضربوا إحداهما وقالوا: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: إن الله يحب أن يدعى هكذا، وأشارت بأصبع واحدة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: هو الإخلاص، يعني الدعاء بالاصبع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الدعاء هكذا- وأشار بأصبع واحدة- مقمعة الشيطان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا.
وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه.
وللاستخارة هكذا، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: ﴿ الدين ﴾ الإخلاص ﴿ واصباً ﴾ دائماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: لا إله إلا الله.
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: دائماً.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: واجباً.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ ما الواصب؟
قال: الدائم.
قال فيه أمية بن أبي الصلت: وله الدين واصباً وله ** الملك وحمد له على كل حال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: إن هذا الدين دين واصب...
شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ قال: تتضرعون دعاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ يقول: تضجون بالدعاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم...
﴾ الآية، قال: الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال: هو وعيد.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً ﴾ قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.
قد ذكرنا السجود يكون على نوعين: سجود هو عبادة؛ كسجود المسلمين لله، وسجود هو خضوع واستكانة؛ وهو سجود ما [لا] (١) ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ لأن (ما) و (من) يتعاقبان، و (ما) أعمّ من (من) ألا ترى أنه قد قال في أخرى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ قال الفراء: دخل (من) هاهنا؛ لأن (ما) مُبْهم، فلو أسقطت (من) لأشبه أن تكون الدابة حالاً لها، فأدخل (من) ليدُلّ (٢) (٣) ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ ﴾ ، وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ لم يقل في شيء منه بطرح (مِنْ)؛ لما ذكرنا من أنّ (ما) و (مِنْ) غير مؤقّتتين (٤) (٥) وقال آخر: عُمْرًا حَييت ومَن يشناك من أحد ...
يَلْق الهوان ويلق الذُلَّ والغِيَرا (٦) فدلّ مجيء (من) على أنه لم يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالاً للأسماء التي قبلها، ودلَّ على أنه مُترجِم على معنى (مَن) و (مَا)، ومثل هذا قوله: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء ﴾ ؛ لأن الشيء لا يكون حالاً، ولكنه مترجم، فأمَّا قولهم: لله دَرُّه رجلاً (٧) (٨) (٩) ﴿ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ يريد: (من الدواب، واجتزأ بالواحد؛ كما تقول: ما أتاني من رجل مثله (١٠) ﴿ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ ) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾ أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلاً؛ كقوله: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ (١٤) ﴿ لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله (١٩) ﴿ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ من صفة الملائكة خاصة (٢٠) (١) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ويؤيده ثبوتها في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 400.
(٢) في (أ)، (د): (البدل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصواب، يستقيم به المعنى، ويؤيده المصدر.
(٣) في (ش)، (ع): (لها).
(٤) أي: غير محددتين.
(٥) ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103 بخلاف في رواية الصدر: حاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ (٦) ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103.
(٧) ورد في "جمهرة الأمثال" 2/ 210، وانظر: "مجمع الأمثال" 2/ 190، و"اللسان" (عجب) 5/ 2812، (درر) 3/ 1356، وورد برواية: (لله درُّك)، والأصل فيه أن الرجل إذا كَثُر خيرُه وعطاؤهُ قيل له ذلك، إشادةً وتعجبًا، ثم قيل لكل مُتَعَجبٌ منه.
(٨) أي في المثل؛ لأن أصله أن يقال: لله درُّه من رجل.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 103 - 104، نقل طويل تصرف فيه بالتقديم والتأخير، والاختصار والتهذيب، والتمثيل والتوضح.
(١٠) أي: ما أتاني من الرجال مثله، فأفاد الإفراد معنى الجمع.
"معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه.
(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(١٢) في جميع النسخ: كلما، وهو تصحيف ظاهر.
(١٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 44، وأبي حيان 5/ 498، و"تفسير القرطبي" 10/ 112، بلا نسبة.
(١٤) يقصد ذكر الخاص بعد العام؛ فذكر الفاكهة عمومًا، ثم فصل في أنواعها وخص من الأنواع النخل والرمان.
(١٥) وهنا كذلك، أجمل الملائكة، ثم فصَّلهم وخصّ منهم جبريل وميكال بالذكر.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.
(١٧) لقوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وغيرها من الأدلة.
(١٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 192، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 23، وابن الجوزي 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113.
(١٩) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 113، وابن كثير 2/ 630، وأبي السعود 5/ 119 ، و"الشوكاني" 3/ 238، و"تفسير الألوسي" 14/ 158، كلها بلا نسبة.
(٢٠) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وهود الهواري 2/ 373، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 454، و"الشوكاني" 3/ 238.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ ﴾ يحتمل أن يكون من دابة بيان لما في السموات وما في الأرض معاً، لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بياناً لما في الأرض خاصة وإنما قال: ما في السموات وما في الأرض ليعم العقلاء وغيرهم، ولو قال.
من في السموات لم يدخل في ذلك غير العقلاء قال الزمخشري ﴿ والملائكة ﴾ إن كان قوله من دابة بياناً لما في السموات والأرض، فقد دخل الملائكة في ذلك، وكرر ذكرهم تخصيصاً لهم بالذكر وتشريفاً، وإن كان من دابة لما في الأرض خاصة فلم تدخل الملائكة في ذلك فعطفهم على ما قبلهم ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ هذا إخبار عن الملائكة، وهو بيان نفي الاستكبار، ويحتمل أن يريد فوقية القدرة والعظمة أو يكون من المشكلات التي يمسك عن تأويلها، وقيل: معناه يخافون أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.
الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه { } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و { } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.
﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.
وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.
قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.
وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.
واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.
وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.
أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.
ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.
ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.
وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.
قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.
وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.
وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.
وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.
وأهل الذكر أهل التوراة.
كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ يعني التوراة.
وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.
ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.
وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.
وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.
قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.
ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.
قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.
ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.
ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.
والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].
﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.
عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟
فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟
قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.
قالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ .
ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.
ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.
وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.
فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.
وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.
وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.
قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.
وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.
ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.
وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.
ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.
أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.
وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.
وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.
وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله .
وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.
والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.
وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.
ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.
قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.
وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.
ثم شرع في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.
وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.
وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟
والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.
وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.
وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.
وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ وقال : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.
وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.
وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.
ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟
وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.
ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.
ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.
وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.
ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.
ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.
ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.
وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.
قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق ، فإن طاعته واجبة أبداً.
ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.
وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.
وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.
ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.
وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.
وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.
والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.
ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.
والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.
والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.
ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا ﴾ بالعطف على القياس.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.
وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.
والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.
ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.
ومتى يكون هذا السؤال؟
قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.
والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ في الأمم عامة.
قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.
قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.
{ } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.
ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.
وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.
فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".
ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.
قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.
والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.
وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.
والدس إخفاء الشيء في الشيء.
وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.
كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.
وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.
روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.
فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.
فقال : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.
ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.
قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.
وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.
ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.
أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.
التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.
ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.
وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع له، فقال ذلك لهم على العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ولم يجعل فيه الفهم والسمع يخضع لله ويسبح له، فأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول وجعل فيكم الأفهام وغيرها.
والثاني: على الأمر؛ أي: اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع، وقد أقام عليهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح، وإلا ظاهر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ أن يقولوا: لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل، لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما، ويشبه أن يكون ذكر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا، فقال لذلك: أولم يروا إلى كذا.
وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ .
قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص، كما يقال: رأيت ظل فلان؛ أي: شخصه.
وقال بعضهم: أراد بالظل الظلَّ نفسه، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر.
وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعاً وسجوداً.
ثم معنى سجود: هذه الأشياء الموات وخضوعهن، من نحو قوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
ومن نحو قوله: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ وقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ وأمثاله.
يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يجعل الله - عز وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله.
وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
أخبر أنها تشهد وتنطق، ولو [لا] أنها تفهم وتعلم الخطاب؛ وإلا ما خوطبت، وإن كانت مواتاً فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سرية هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح وتفهمه.
والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير، جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك.
والثالث: أنه جعل [خلقة] هذه الأشياء دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، فهن مسبحات لله وساجدات وخاضعات له؛ بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، هذا - والله أعلم - معنى سجودهن وخضوعهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ .
وقوله - صاغرون ذليلون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - أنه يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم وهم الملائكة، ويسجد له أشد الخلق وأصلبه وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضاً ويخضع أسفه الخلق وأجهله وهو الدواب وغيرها، وأنتم أبيتم [السجود له] والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون، يخبر عن سفه أولئك في إبائهم السجود له والخضوع، واستكبارهم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله لا خوف نزول شيء من نقمته عليهم، وخوف غيرهم من البشر خوف نزول شيء يضر بهم، وكذلك رجاؤهم وطمعهم رجاء نفع يصل إليهم، ورجاء الملائكة والرسل، وطمعهم رجاء رضاء الله عنهم لا رجاء نفع يصل إليهم.
وقال بعضهم: يخافون خوف العقوبة والانتقام؛ لأنهم ممتحنون، وكل ممتحن يخاف عذاب الله ونقمته، ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد وقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29] وقال إبراهيم : ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ خاف عبادة غير الله، ومن خاف ذلك يخاف وعيده وعذابه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
الفوق، والتحت، والأسفل، ونحوه في الأمكنة والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ومرتبة؛ لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان والمجلس تحته وأسفل منه؛ فلا يزداد لهذا بما صار فوقه عز وشرف ومرتبة، ولا لهذا بما كان تحته ذل، وهوان؛ لأنه لا يفهم من فوقه: فوق المكان ولا تحته؛ لأن من صعد الجبال والأمكنة المرتفعة لا يوصف بالعلو والعظمة، وإذا قيل: فلان أمير على العراق أو على خراسان كان في ذلك تعظيم؛ لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم، أو اطلاعه على جميع ما يسرّون [ويضمرون، ويعلنون] ويظهرون، وعلمه على جميع أفعالهم على هذا يجوز أن يتناول الفوق، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .
وصفهم الله - عز وجل - بفضل خضوعهم له وطاعتهم إياه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، ومثله.
<div class="verse-tafsir"
ولله وحده يسجد جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض من دابة، وله وحده يسجد الملائكة، وهم لا يستكبرون عن عبادة الله وطاعته.
<div class="verse-tafsir" id="91.6JYLr"