الآية ٩٤ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩٤ من سورة النحل

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٩٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٤ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا ؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها : مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى ، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله ؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام ; ولهذا قال : ( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولا تتخذوا أيمانكم بينكم دَخَلا وخديعة بينكم، تغزون بها الناس ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ) يقول: فتهلكوا بعد أن كنتم من الهلاك آمنين.

وإنما هذا مثل لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقطٍ في ورطة بعد سلامة، وما أشبه ذلك: (زلَّت قدمه)، كما قال الشاعر: سـيَمْنَعُ مِنْـكَ السَّـبْقُ إنْ كُـنْتَ سابِقا وتُلْطَــعُ إنْ زَلَّــتْ بـكَ النَّعْـلانِ (1) وقوله ( وَتَذُوقُوا السُّوءَ ) يقول: وتذوقوا أنتم السوء وذلك السوء: هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه في الدنيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر ( بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: بما فَتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان ( وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) في الآخرة، وذلك نار جهنم ، وهذه الآية تدلّ على أن تأويل بُرَيْدة الذي ذكرنا عنه ، في قوله وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ والآيات التي بعدها، أنه عُنِيَ بذلك : الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، عن (2) مفارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو الصواب، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به، لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم ، صدّ عن سبيل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالى ذكره في هذه الآية فاعِلِي ذلك ، أنهم باتخاذهم الأيمان دَخَلا بينهم ، ونقضهم الأيمان بعد توكيدها، صادّون عن سبيل الله، وأنهم أهل ضلال في التي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بالله لا صفة أهل النُّقْلة بالحلف عن قوم إلى قوم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيمقوله تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم كرر ذلك تأكيدا .فتزل قدم بعد ثبوتها مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس ; أي لا تعقدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها ، أي عن الأيمان بعد المعرفة [ ص: 157 ] بالله .

وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه ; لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ; ومن هذا المعنى قول كثير :فلما توافينا ثبت وزلتوالعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة : زلت قدمه ; كقول الشاعر :سيمنع منك السبق إن كنت سابقا وتقتل إن زلت بك القدمانويقال لمن أخطأ في شيء : زل فيه .ثم توعد - تعالى - بعد بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة .

وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فإن من عاهده ثم نقض عهده خرج من الإيمان ، ولهذا قال : وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله أي بصدكم .

وذوق السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ } وعهودكم ومواثيقكم تبعا لأهوائكم متى شئتم وفيتم بها، ومتى شئتم نقضتموها، فإنكم إذا فعلتم ذلك تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم، { وَتَذُوقُوا السُّوءَ } أي: العذاب الذي يسوءكم ويحزنكم { بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } حيث ضللتم وأضللتم غيركم { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } مضاعف.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ) خديعة وفسادا ، ( بينكم ) فتغرون بها الناس ، فيسكنون إلى أيمانكم ، ويأمنون ، ثم تنقضونها ، ( فتزل قدم بعد ثبوتها ) فتهلكوا بعدما كنتم آمنين والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية ، أو ساقط في ورطة بعد سلامة : زلت قدمه ، ( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ) قيل : معناه : سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد ، ( ولكم عذاب عظيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم» كرره تأكدا «فتزل قدم» أي أقدامكم عن محجة الإسلام «بعد ثبوتها» استقامتها عليها «وتذوقوا السوء» أي العذاب «بما صددتم عن سبيل الله» أي بصدكم عن الوفاء بالعهد أو بصدكم غيركم عنه لأنه يستن بكم «ولكم عذاب عظيم» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تجعلوا من الأيمان التي تحلفونها خديعة لمن حلفتم لهم، فتهلكوا بعد أن كنتم آمنين، كمن زلقت قدمه بعد ثبوتها، وتذوقوا ما يسوؤكم من العذاب في الدنيا؛ بما تسببتم فيه مِن مَنْع غيركم عن هذا الدين لما رأوه منكم من الغدر، ولكم في الآخرة عذاب عظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقوله - سبحانه - ( وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) تصريح بالنهى عن اتخاذ الإِيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهى عن نقض العهود بصفة عامة .

أى : ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى - ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإِفساد ما بينكم وبينهم من مودة .ثم رتب - سبحانه - على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال : ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ) وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم .

يقال : زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أى : لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإِفساد بين الناس ، فتزل أقدامكم عن طريق الإِسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا : والجملة الكريمة مثل يُضْرَب لكل من وقع فى بلية ومحنة ، بعد أن كان فى عافية ونعمة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحدت القدم ونكرت؟

قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق .

بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة؟

.وقوله ( وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله ) بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم .

أى : وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوى من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول فى دين الله ، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم .والتعبير بتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوى الذى سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ، كما يحس الشارب للشئ المر مرارته ، ويتذوق آلامه .قال ابن كثير : حذر الله - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أى : خديعة ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها؛ مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله ، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول فى الإِسلام .وقوله : ( وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله - عز وجل - فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب حالة الإِنسان من الخير إلى الشر ، ونزول العذاب الدنيوى والأخروى به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حذر في الآية الأولى عن نقض العهود والإيمان على الإطلاق، حذر في هذه الآية فقال: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الإيمان، وإلا لزم التكرير الخالي عن الفائدة في موضع واحد، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها، فلهذا المعنى قال المفسرون: المراد من هذه الآية نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض عهده، لأن هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وشرائعه.

وقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية، ومحنة بعد نعمة، فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات العالية ووقع في مثل هذه الضلالة، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَتَذُوقُواْ السوء ﴾ أي العذاب: ﴿ بِمَا صَدَدتُّمْ ﴾ أي بصدكم: ﴿ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ أي ذلك السوء الذي تذوقونه سوء عظيم وعقاب شديد، ثم أكد هذا التحذير فقال: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ يريد عرض الدنيا وإن كان كثيراً، إلا أن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون، يعني أنكم وإن وجدتم على نقض عهد الإسلام خيراً من خيرات الدنيا، فلا تلتفتوا إليه، لأن الذي أعده الله تعالى على البقاء على الإسلام خير وأفضل وأكمل مما يجدونه في الدنيا على نقض عهد الإسلام إن كنتم تعلمون التفاوت بين خيرات الدنيا وبين خيرات الآخرة، ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند الله خير مما يجدونه من طيبات الدنيا فقال: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: الحس شاهد بأن خيرات الدنيا منقطعة، والعقل دل على أن خيرات الآخرة باقية، والباقي خير من المنقطع، والدليل عليه أن هذا المنقطع إما أن يقال: إنه كان خيراً عالياً شريفاً أو كان خيراً دنياً خسيساً، فإن قلنا: إنه كان خيراً عالياً شريفاً فالعلم بأنه سينقطع يجعله منغصاً حال حصوله، وأما حال حصول ذلك الانقطاع فإنها تعظم الحسرة والحزن، وكون تلك النعمة العالية الشريفة كذلك ينغص فيها ويقلل مرتبتها وتفتر الرغبة فيها، وأما إن قلنا: إن تلك النعمة المنقطعة كانت من الخيرات الخسيسة فهمنا من الظاهر أن ذلك الخير الدائم وجب أن يكون أفضل من ذلك الخير المنقطع، فثبت بهذا أن قوله تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ﴾ برهان قاطع على أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا.

البحث الثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ﴾ يدل على أن نعيم أهل الجنة باق لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه.

واعلم أن المؤمن إذا آمن بالله فقد التزم شرائع الإسلام والإيمان، وحينئذ يجب عليه أمران: أحدهما: أن يصبر على ذلك الإلتزام وأن لا يرجع عنه وأن لا ينقضه بعد ثبوته.

والثاني: أن يأتي بكل ما هو من شرائع الإسلام ولوازمه.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر على ما التزموه، فقال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ ﴾ أي على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي يجزيهم على أحسن أعمالهم، وذلك لأن المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أنه على فعل المندوبات والواجبات يثاب لا على فعل المباحثات، فلهذا قال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لفظة من في قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا ﴾ تفيد العموم فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى؟

والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتاً للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص.

السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح؟

والجواب: نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح موجباً للثواب.

وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

السؤال الثالث: ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان، فظاهر قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه.

والجواب: أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان.

السؤال الرابع: هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة.

والجواب فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة.

ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم فهذا لا امتناع فيه.

فإن قيل: بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي؟

والجواب: ذكروا فيه وجوهاً قيل: هو الرزق الحلال الطيب.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال، وقيل: القناعة، وقيل: رزق يوم بيوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: قنعني بما رزقتني وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً قال الواحدي وقول من يقول: إن القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه يكون أبداً في الكد والعناء.

واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه: الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً بكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبداً في الحزن والشقاء.

وثانيها: أن المؤمن أبداً يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير وقوعها يرضى بها، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلاً عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه.

وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى، والقلب إذا كان مملوءاً من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم يصير مملوءاً من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.

ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها.

وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه.

واعلم أن ما كان واجب التغير فإنه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدل ماهيته، فعند وصوله إليه يكون أيضاً واجب التغير، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزناً بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلاً عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده، فهذه وجوه كافية في بيان أن عيش المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر هذا كله إذا فسرنا الحياة الطيبة بأنها في الدنيا.

والقول الثاني: وهو قول السدي إن هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر.

والقول الثالث: وهو قول الحسن وسعيد بن جبير إن هذه الحياة الطيبة لا تحصل إلا في الآخرة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحاً فملاقيه  ﴾ فبين أن هذا الكدح باقٍ إلى أن يصل إلى ربه وذلك ما قلناه، وأما بيان أن الحياة الطيبة في الجنة فلأنها حياة بلا موت وغنى بلا فقر، وصحة بلا مرض، وملك بلا زوال، وسعادة بلا شقاء، فثبت أن الحياة الطيبة ليست إلا تلك الحياة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ وَلنَجْزِيَنَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وقد سبق تفسيره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيداً عليهم وإظهاراً لعظم ما يركب منه ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ فتزلّ أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها ﴿ وَتَذُوقُواْ السوء ﴾ في الدنيا بصدودكم ﴿ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وخروجكم من الدين.

أو بصدّكم غيركم؛ لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا، لا تخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها ﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ.

﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ بِالخِذْلانِ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ وَلَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ سُؤالَ تَبْكِيتٍ ومُجازاةٍ.

﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ التَّضْمِينِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ.

﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ أيْ عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ.

﴿ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ عَلَيْها والمُرادُ أقْدامُهم، وإنَّما وحَّدَ ونَكَّرَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ عَظِيمٌ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ.

﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ العَذابَ في الدُّنْيا.

﴿ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِصَدِّكم عَنِ الوَفاءِ أوْ صَدِّكم غَيْرَكم عَنْهُ، فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ.

﴿ وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً بينهم تأكيداً عليهم واظهار العظمة {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها وإنما وحدت القدم ونكرت الاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن تثبت عليه فكيف بأقدام كثيرة {وَتَذُوقُواْ السوء} في الدنيا {بِمَا صَدَدتُّمْ} بصدودكم {عَن سَبِيلِ الله} وخروجكم عن الدين أو بصدكم غيركم لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لا تخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ قالُوا: هو تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بَعْدَ التَّضْمِينِ لِأنَّ الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ فِيما سَبَقَ وقَعَ قَيْدًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ فَكانَ مَنهِيًّا عَنْهُ ضِمْنًا تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ عَلَيْها ورُسُوخِها فِيها بِالإيمانِ، وقِيلَ ما تَقَدَّمَ كانَ نَهْيًا عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ وما هُنا نَهْيٌ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ الحُقُوقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى قَطْعِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ فَإنَّ ما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ وهو أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ وجاءَ النَّهْيُ المُسْتَأْنَفُ الإنْشائِيُّ عَنِ اتِّخاذِ الإيمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحَلِفِ في المُبايَعَةِ وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ورُدَّ بِأنَّ قَيْدَ المَنهِيِّ عَنْهُ فَلَيْسَ إخْبارًا صِرْفًا ولا عُمُومَ في الثّانِي لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتَزِلَّ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى العِلَّةِ السّابِقَةِ إجْمالًا عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ إنَّ الخاصَّ مَذْكُورٌ في ضِمْنِ العامِّ أيْضًا فَلا مَحِيصَ عَنِ التَّكْرارِ أيْضًا ولَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرَهُ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ- تَزِلَّ- بِأنْ مُضْمَرَةٍ في جَوابِ النَّهْيِ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ، قالَ في البَحْرِ: وهو اسْتِعارَةٌ لِلْوُقُوعِ في أمْرٍ عَظِيمٍ لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتِ انْقَلَبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالٍ شَرٍّ، وتَوْحِيدُ القَدَمِ وتَنْكِيرُها- كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ أيَّ قَدَمٍ كانَتْ عَزَّتْ أوْ هانَتْ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الجَمْعَ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ وفي الأوَّلِ يَكُونُ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا فِيهِ الجَمْعِيَّةُ وفي الثّانِي يَكُونُ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا فَيُجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ فَأُفْرِدَ المُتَّكَأُ لِما لُوحِظَ في ( لَهُنَّ ) كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةَ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لَجُمِعَ وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرِينَ مَتاعَهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا أيْ كُلَّ ضامِرٍ، ولِذا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في يَمُوتُ ويَفْنى، ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم جاءَ ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ وتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ (قَدَمٌ) وجَمْعِ الضَّمِيرِ في ﴿ وتَذُوقُوا ﴾ .

وتُعِقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ نُكْتَةً سِرِّيَّةً وهَذا تَوْجِيهٌ لِلْأفْرادِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ فَلا يُنافِي النُّكْتَةَ المَذْكُورَةَ، والمُرادُ مِنَ السُّوءِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والجَلاءُ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ ولا يَخْفى ما في (تَذُوقُوا) مِنَ الِاسْتِعارَةِ ﴿ بِما صَدَدْتُمْ ﴾ بِسَبَبِ صُدُودِكم وإعْراضِكم أوْ صَدِّ غَيْرِكم ومَنعِهِ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الَّذِي يَنْتَظِمُ الوَفاءَ بِالعُهُودِ والأيْمانِ فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ يَتْبَعُهُ فِيها مَن بَعْدَهُ مِن أهْلِ الشَّقاءِ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ فَيَكُونُ صادًّا عَنِ السَّبِيلِ.

وجَعَلَ هَذِهِ بَعْضُهم دَلِيلًا أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو كَما تَرى ﴿ ولَكُمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يَعْلَمُ عِظَمَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أي: إنّ ناقض العهد يزل عن الطاعة، كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي: تتجرعوا العقوبة بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفتم الناس عن دين الله وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي: شديد في الآخرة.

وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي: لا تختاروا على عهد الله، والحلف به عرضاً يسيراً من الدنيا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ في الآخرة من الثواب الدائم هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي: ثواب الجنة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: إن كنتم تصدقون بثوابه.

قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من حضر موت يقال له: عبدان بن الأشوع.

قال: يا رسول الله إنّ امرأ القيس الكندي جاورني في الأرض، فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني عليها، فقال له رسول الله  : «أَيَشْهَدُ لَكَ أَحَدٌ عَلَى ما تَقُولُ» ؟

قال: يا رسول الله إِنَّ القوم كلهم يعلمون أنِّي صادق فيما أقول، ولكنه أكرم عليهم مني عليهم، فقال رسول الله  لامرئ القيس «مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ» ؟

قال: الباطل والكذب.

فأمره رسول الله  بأن يحلف.

فقال عبدان: إنه لفاجر وما يبالي أن يحلف.

فقال له رسول الله  : «إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ شهود فخذ يمينه س فقال عبدان: وما لِي يا رسول الله ألا يمينه؟

فقال: «لا» فأمره رسول الله  أن يحلف.

فلما قام ليحلف، أخره رسول الله  وقال له: «انْصَرِفْ» ، فانصرف من عنده.

فنزلت هذه الآية وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إلى قوله: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ أي: ما عندكم من أمر الدنيا يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ أي: ثواب الله في الجنة دائم لأَهلها وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا عن اليمين وأقروا بالحق.

ويقال: الذين صبروا على الإيمان، وأقروا بالحق أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بالإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا.

ويقال: يجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى سائر الأعمال فضلاً.

قال الكلبي: فلما نزلت هاتان الآيتان، قال امرؤ القيس: أَمَّا ما عندي فينفد، وأمَّا صاحبي فيجزى بأَحسن ما كان يعمل.

اللَّهم إنه صادق فيما قال، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري كم هي، ولكنه يأخذ ما يشاء من أرضي ومثلها معها بما أكلت من ثمارها، فنزلت: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي: لا يقبل العمل منه ما لم يكن مؤمناً، فإذا كان مؤمناً وعمل صالحا، يقبل منه.

وقال: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الجنة.

ويقال: يجعل حياته في طاعة الله.

ويقال: فلنقنعنّه باليسير من الدنيا.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «الكسب الطيب، والعمل الصالح» .

وعن عليّ قال: «القناعة» .

وقال الحسن: «لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة» .

وقال الضحاك: «الرزق الحلال، وعبادة الله تعالى» .

ثم قال: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ أي: ثوابهم بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ أي: ليثيبهم بإحسانهم، ويعفو عن سيئاتهم.

قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر في إحدى الروايتين وَلَنَجْزِيَنَّ بالنون.

وقرأ الباقون: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وذلك أن المحلوُفَ له مطمئنٌّ، فيتمكنُ الحالفُ مِنْ ضَرَره بما يريدُ.

وقوله سبحانه: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ المعنى: لا تنقضوا الأيمان مِنْ أجْل أنْ تكونَ قبيلةٌ أزَيدَ من قبيلةٍ في العَدَد والعزَّة والقوّة، ويَبْلُوكُمُ أي: يختبركم، والضميرُ في «به» يحتمل أنْ يعود على «الرِّبَا» ، أي: أنَّ اللَّه ابتلى عباده بالربا، وطَلَبِ بعضهم الظُّهُورَ على بعضٍ، واختبرهم بذلك ليرى مَنْ يجاهد بنفسِهِ، ممَّن يتَّبِعُ هواها، وباقي الآية وعيدٌ بيوم القيامة.

وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)

وقوله سبحانه: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ...

الآية: «الدَّخَل» كما تقدَّم:

الغوائلُ والخدائعُ، وكرَّر مبالغةً، قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدة: كلُّ أمْرٍ لم يكنْ صحيحاً فهو دَخَل انتهى.

وقوله: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها استعارةٌ للمستقيم الحال يقع في شرٍّ عظيم.

وقوله سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ...

الآية: هذه آية نهي عن الرُّشَا «١» ، وأخْذِ الأموال، ثم أخبر تعالى أنَّ ما عنده مِنْ نعيمِ الجنَّة، ومواهب الآخرة خَيْرٌ لمن اتقى وعَلِمَ واهتدى، ثم بيَّن سبحانه/ الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأنَّ هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عَنْها، ومِنَنْ الآخرة باقية دائمة، وصَبَرُوا معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعاتِ، وهذه إشارةٌ إلى الصبر عن شَهْوَةِ كَسْب المال بالوجوهِ المكْرُوهة.

واختلف النَّاسُ في معنى «الحياة الطَّيِّبة» فقال ابن عباس: هو الرزق الحلال «٢» وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أيْمانِ الخَدِيعَةِ.

﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مَثَلٌ يُقالُ لِكُلِّ مُبْتَلًى بَعْدَ عافِيَةٍ، أوْ ساقِطٍ في ورْطَةٍ بَعْدَ سَلامَةٍ: زَلَّتْ بِهِ قَدَمُهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ناقِضُ العَهْدِ يَزِلُّ في دِينِهِ كَما تَزِلُّ قَدَمُ الرَّجُلِ بَعْدَ الِاسْتِقامَةِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَهْيٌ لِلَّذِينِ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى الإسْلامِ ونُصْرَةِ الدِّينِ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ يَعْنِي: العُقُوبَةَ " بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " يُرِيدُ أنَّهم إذا نَقَضُوا عَهْدَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ، فاسْتَحَقُّوا العَذابَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ  في أرْضٍ، يُقالُ لِأحَدِهِما: " عِيدانُ بْنُ أشْوَعَ " وهو صاحِبُ الأرْضِ، ولِلْآخَرِ: " امْرُؤُ القَيْسِ " وهو المُدَّعى عَلَيْهِ، فَهَمَّ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَأخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ أنَّ اسْمَ صاحِبِ الأرْضِ ": رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدانَ " وقِيلَ: " عَيدانُ "، بِفَتْحِ العَيْنِ وياءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ.

ومَعْنى الآيَةِ:لا تَنْقُضُوا عُهُودَكم، تَطْلُبُونَ بِنَقْضِها عَرَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيا، إنَّ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ هو خَيْرٌ لَكم مِنَ العاجِلِ.

﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ ﴾ أيْ: يَفْنى ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ باقٍ ﴾ وقَفَ بِالياءِ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ولا خِلافَ في حَذْفِها في الوَصْلِ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ولَيَجْزِيَنَّ " بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ: " ولَنَجْزِيَنَّ " بِالنُّونِ.

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في " ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم " أنَّها بِالنُّونِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى أمْرِهِ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدُّنْيا، ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُوءَ بِما صَدَدْتُمْ عن سَبِيلِ اللهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا إنَّما عِنْدَ اللهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ كَرَّرَ النَهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَهْيِ عنهُ لِعَظْمِ مُوَقِعِهِ مِنَ الدِينِ، وتَرَدُّدِهِ في مُعاشِراتِ الناسِ، و"الدَخَلُ" -كَما قُلْنا- الغَوائِلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلْمُسْتَقِيمِ الحالِ يَقَعُ في شَرٍّ عَظِيمٍ ويَسْقُطُ فِيهِ؛ لَأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ نَقَلَتِ الإنْسانَ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالٍ شَرٍّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ كُثَيِّرٍ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ أيْ: تَنَقَّلَتُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فاسْتَعارَ لَها الزَلَلَ، ومِنهُ يُقالُ لِمَن أخْطَأ في الشَيْءِ: زَلَّ فِيهِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ بَعْدُ بِعَذابٍ في الدُنْيا وعَذابٍ عَظِيمٍ في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما صَدَدْتُمْ عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى فِعْلِ ما يَجِبُ عَلى الآخْذِ تَرْكُهُ، أو تَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللهُ إلى عِبادِهِ فِيها، فَمَن أخَذَ عَلى ذَلِكَ مالًا فَقَدْ أعْطى عَهْدَ اللهِ وأخَذَ قَلِيلًا مِنَ الدُنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ ومَواهِبِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وعَلِمَ واهْتَدى، ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُنْيا وحالِ الآخِرَةِ بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ أو يَنْقَضِي عنها، وأنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٍ: "وَلَنَجْزِيَنَّ" بِنُونٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلَيَجْزِيَنَ" بِالياءِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: "وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ" أنَّهُ بِالنُونِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ نافِعًا رُوِيَ عنهُ: "وَلِيَجْزِيَنَّهُمْ" بِالياءِ.

و"صَبَرُوا" مَعْناهُ: عَنِ الشَهَواتِ وعَلى مَكارِهِ الطاعَةِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَبْرِ عن شَهْوَةِ كَسْبِ المالِ بِالوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِ" أيْ: بِقَدْرٍ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ أعْمالِ الطاعَةِ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالإيمانِ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَياةِ الطَيِّبَةِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو الرِزْقُ الحَلّالُ، وقالَ الحَسَنُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي القَناعَةُ، وهَذا أطْيَبُ عَيْشِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أيْضًا: هي السَعادَةُ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: الحَياةُ الطَيِّبَةُ هي حَياةُ الآخِرَةِ ونَعِيمُ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُناكَ هو الطَيِّبُ عَلى الإطْلاقِ، ولَكِنَّ ظاهَرَ هَذا الوَعْدِ أنَّهُ في الدُنْيا، والَّذِي أقُولُ: إنَّ طَيِّبَ الحَياةِ اللازِمَ لِلصّالِحِينَ إنَّما هو بِنَشاطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، فَبِهَذا تَطِيبُ حَياتُهُمْ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عنهُمْ، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ، أو قَناعَةٌ فَذَلِكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَيِّبُ فِيما ذَكَرْناهُ راتِبٌ، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾ عَلى لَفْظِ "مَن"، وجاءَ قَوْلُهُ: "وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ" عَلى مَعْناها، وهَذا وعَدَ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ المِلَلِ تَفاخَرُوا، وقالَ كُلٌّ مِنهُمْ: مِلَّتِي أفْضَلُ، فَعَرَّفَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أفْضَلَ المِلَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما حذّرهم من النّقض الذي يؤول إلى اتخاذ أيمانهم دخلاً فيهم، وأشار بالإجمال إلى ما في ذلك من الفساد فيهم، أعاد الكرّة إلى بيان عاقبة ذلك الصنيع إعادة تفيد التصريح بالنهي عن ذلك، وتأكيد التحذير، وتفصيل الفساد في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة، فكان قوله تعالى: ﴿ ولا تتخذوا ﴾ تصريحاً بالنهي، وقوله تعالى: ﴿ تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ تأكيداً لقوله قبله: ﴿ تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ [سورة النحل: 92]، وكان تفريع قوله تعالى: ﴿ فتزل قدم ﴾ إلى قوله: ﴿ عن سبيل الله ﴾ تفصيلاً لما أجمل في معنى الدَخَل.

وقوله تعالى: ﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ المعطوف على التفريع وعيد بعقاب الآخرة.

وبهذا التّصدير وهذا التّفريع الناشئ عن جملة ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ فارقت هذه نظيرتَها السابقة بالتفصيل والزيادة فحقّ أن تعطف عليها لهذه المغايرة وإن كان شأن الجملة المؤكدة أن لا تعطف.

والزّلل: تزلّق الرّجل وتنقّلها من موضعها دون إرادة صاحبها بسبب ملاسة الأرض من طين رطب أو تخلخل حصى أو حجر من تحت القدم فيسقط الماشي على الأرض.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأزّلهما الشيطان عنها ﴾ في سورة البقرة (36).

وزلل القدم تمثيل لاختلال الحال والتعرّض للضرّ، لأنه يترتّب عليه السقوط أو الكسر، كما أن ثبوت القدم تمكّن الرّجل من الأرض، وهو تمثيل لاستقامة الحال ودوام السير.

ولما كان المقصود تمثيل ما يجرّه نقض الأيْمان من الدخل شبّهت حالهم بحال الماشي في طريق بينما كانت قدمه ثابتة إذا هي قد زلّت به فصرع.

فالمشبه بها حال رجل واحد، ولذلك نكرت قدم} وأفردت، إذ ليس المقصود قدماً معيّنة ولا عدداً من الأقدام، فإنك تقول لجماعة يترددون في أمر: أراكم تقدّمون رجلاً وتؤخّرون أخرى.

تمثيلاً لحالهم بحال الشخص المتردّد في المشي إلى الشيء.

وزيادة ﴿ بعد ثبوتها ﴾ مع أن الزّلل لا يتصوّر إلا بعد الثبوت لتصوير اختلاف الحالين، وأنه انحطاط من حال سعادة إلى حال شقاء ومن حال سلامة إلى حال محنة.

والثبوت: مصدر ثبت كالثّبات، وهو الرسوخ وعدم التنقّل، وخصّ المتأخرون من الكتاب الثبوت الذي بالواو بالمعنى المجازي وهو التحقّق مثل ثبوت عدالة الشاهد لدى القاضي، وخصّوا الثبات الذي بالألف بالمعنى الحقيقي وهي تفرقة حسنة.

والذّوق: مستعار للإحساس القويّ كقوله تعالى: ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وتقدم في سورة العقود (95).

والسّوء: ما يؤلم.

والمراد به: ذوق السوء في الدنيا من معاملتهم معاملة الناكثين عن الدين أو الخائنين عهودهم.

و ﴿ صددتم ﴾ هنا قاصر، أي بكونكم معرضين عن سبيل الله.

وتقدّم آنفاً.

ذلك أن الآيات جاءت في الحفاظ على العهد الذي يعاهدون الله عليه، أي على التمسّك بالإسلام.

فسبيل الله: هو دين الإسلام.

وقوله تعالى: ﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ هو عذاب الآخرة على الرجوع إلى الكفر أو على معصية غدْر العهد.

وقد عصم الله المسلمين من الارتداد مدة مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة.

وما ارتدّ أحد إلا بعد الهجرة حين ظهر النفاق، فكانت فلتة عبد الله بن سعد بن أبي سرح واحدة في المهاجرين وقد تاب وقبل توبته النبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ.

الثّانِي: أنَّ طاعَتَكم تَفْنى وثَوابَها يَبْقى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: يا عطاء، ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟

فأراني حبشية صفراء، فقال: «هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن بي هذه الموتة- يعني الجنون- فادع الله أن يعافيني.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت دعوت الله فعافاك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة، فاختارت الصبر والجنة» قال: وهذه المجنونة سعيدة الأسدية، وكانت تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: خرقاء كانت بمكة تنقضه بعدما تبرمه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: كانت امرأة بمكة، كانت تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها تنقضه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه...

!

وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده.

وفي قوله: ﴿ تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ قال: خيانة وغدراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: ناس أكثر من ناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: ولا تكونوا في نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، يعني بعد ما أبرمته ﴿ تتخذون أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم ﴾ يعني بين أهل العهد، يعني مكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ يعني أكثر ﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ يعني بالكثرة ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ يعني المسلمة والمشركة ﴿ أمة واحدة ﴾ يعني ملة الإسلام وحدها ﴿ ولكن يضل من يشاء ﴾ يعني عن دينه، وهم المشركون ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ يعني المسلمين ﴿ ولتسألن ﴾ يوم القيامة ﴿ عما كنتم تعملون ﴾ ثم ضرب مثلاً آخر للناقض العهد فقال: ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ يقول: إن ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة ﴿ وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ﴾ يعني العقوبة ﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً ﴾ يعني عرضاً من الدنيا يسيراً ﴿ إنما عند الله ﴾ يعني الثواب ﴿ هو خير لكم ﴾ يعني أفضل لكم من العاجل ﴿ ما عندكم ينفد ﴾ يعني ما عندكم من الأموال يفنى ﴿ وما عند الله باق ﴾ يعني وما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله، وليجزين ﴿ الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: إياكم وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت، ولا تقيسوا الشيء بالشيء ﴿ فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ﴾ الآية.

استأنف نهيًا عن أيمان الخديعة والمكر، توكيدًا للمنع عنها، ولِمَا ذكر من الوعيد بعدها؛ وهو قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ قال ابن عباس: يريد تزل عن الإيمان بعد المعرفة بالله، قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة (١) سَيَمْنَعُ منكَ السَّبْقُ إن كُنْتَ سابِقًا ...

وتُقْتَلُ إن زَلَّتْ بِكَ القدمان (٢) لم يُرد حقيقة زلَّة القدم، ولكن أراد إن تأخر فرسُك عن غاية السباق وقعت في ورطة التأخر، وهذا البيت في قصة رهان داحس (٣)  - عن نقض عهده (٤)  - لا (٥)  -) (٦) ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ أي العذاب، ﴿ بِمَا صَدَدْتُمْ ﴾ أي بصدكم عن سبيل الله، (يريد أنهم إذا نقضوا العهد مع النبي -  -) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة (٨) ﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ إن اتخذتم أيمانكم دخلًا، ودلَّ ما تَقَدَّم من النهي على هذا المحذوف، ثم زاد توكيدًا، فقال: (١) "مجاز القرآن" 1/ 367، بنصه تقريبًا.

(٢) "تفسير الطبري" 14/ 169، برواية: (تُلْطَعُ) بدل (تُقتل)، و (النَّعْلان) بدل (القدمان)، وورد في: "تفسير الثعلبي" 2/ 162ب، برواية: (تُلْطَمُ)، و"تفسير القرطبي" 10/ 172.

(٣) يوم داحس والغبراء من أيام العرب المشهورة، بدايتها حرب وقعت بين قبيلتي عبس وذبيان، بسبب خلاف على سباق خيل بين أفراس لحذيفة سيد ذبيان، == وأخرى لقيس بن زهير سيد عبس، لكنها شملت قبائل أخرى هي شيبان وضبة وأسد وقبائل أخرى، واستمرت فترة طويلة، وامتدت حتى بزوغ فجر الإسلام، وكثرت وقائعها، واقترن بها شهرة بعض الأبطال، كعنترة بن شداد، وقيل فيها شعر كثير.

انظر: أحداث الحرب وأسبابها وملابساتها بالتفصيل في "الأغاني" 17/ 191 - 210، و"الكامل في التاريخ" 1/ 343 - 355، و"تاريخ العرب القديم" ص 216.

(٤) ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 169، وهود الهواري 2/ 423، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 487، والفخر الرازي 20/ 110، و"تفسير القرطبي" 10/ 172، والخازن 3/ 133.

(٥) (لا) ساقط من (أ)، (د).

(٦) ما بين التنصيص ساقط من (د).

(٧) ما بين التنصيص كتب على هامش لوحة 259 أ، من نسخة (ع).

(٨) انظر: "تنوير المقباس" ص292، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 169، والسمرقندي 2/ 249، والزمخشري 2/ 343، وابن الجوزي 4/ 487، و"تفسير الألوسي" 14/ 224.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ استعارة في الرجوع عن الخير إلى الشر، وإنما أفرد القدم ونكّرها: لاستعظام الزلل في قدم واحدة فكيف في أقدام كثيرة ﴿ وَتَذُوقُواْ السواء ﴾ يعني في الدنيا ﴿ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ يدل على أن الآية فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال الحسن: قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

صلة القرابة والأرحام.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : بالتوحيد، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.

وقال مقاتل: قوله: ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ : صلة الأرحام، ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ ، أي: الزنى، ﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، أي: السكر، ﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ مظالم الناس.

وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن.

ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟

فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.

وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي  : "إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟

فقال: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" .

ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.

والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه.

فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وليس [في القتال] في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمةٌ، حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة.

وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا صبر عليها، ورأى ذلك منه حقّاً وعدلاً، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأمّا في ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحدٍ، فصبر عليهِ كان في ذلك خصال أربعة: أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي.

والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه.

والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم.

والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ [لأنه بالشدة] يعرف النعم.

وأمّا الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها.

وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ .

هو ما يكبر ويفحش من الشيء.

﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ؛ سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريباً؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم [منكر].

﴿ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .

ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم.

﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله، وقد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .

يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يُعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطاً أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازماً لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، كقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 72]، أي: أبي خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [بحيث] تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها، حيث قال: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [يؤمر] بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ هو حَلِفُهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ : يقول: جهد أيمانهم هو قسمهم بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ .

قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلاً عليهم، وقيل: الكفيل: هو الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ .

من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ .

اختلف في تأويل الآية: قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضاً، وهو أن يرث بعضهم بعضاً، وينصر ويعين بعضهم بعضاً، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك - أي: في نصر بعضهم بعضاً [وإعانة بعضهم بعضا] - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ فنهوا عن ذلك.

وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه يكون خوارج وأهل اختلاف في الدّين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ .

وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام.

وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 56] كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، والعون لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ...

﴾ أي: لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز أن يكون غير هذا.

يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث يكون في القبح ما ذكر.

ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة أنكاثاً؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه.

يقول: فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفي به، ولا هو ترك [العهد] فلم يعطه ونحوه.

ثم اختلف في تلك المرأة: قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته.

وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!!

فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصحّ ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: غير صحيح.

وقال غيره: ﴿ دَخَلاً ﴾ ، أي: خديعة ومكراً يخدع بعضكم بعضاً، وهو قول أبي عوسجة أيضاً.

وقال القتبي: ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: خيانة ودغلاً بينكم.

﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ .

أي: فريق.

﴿ أَرْبَىٰ ﴾ .

من فريق.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَنكَاثاً ﴾ : هي جمع "نِكْثٍ"، والنكث - من الحبل - خيوط تنكث ثم تطرق وتصير صوفاً، ثم من بعد ذلك تفتل.

قال: والمِطْرَق: قضيب يضرب به الصوف حتى ينفش ويلين كما يُنْدَف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقاً - أي: ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشاً - أي: فرقت بينه فتفرق، ومنه قوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

ويقال: حبل مَثْنِي: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ومخموس ومسدوس [ومسبوع] ومثمون ومتسوع، ومعشور.

وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث.

يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً.

فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.

وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ : أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.

ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له، ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.

والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم -  - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .

على قول الحسن: على الحكم لذلك.

وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر.

لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.

فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

هو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .

قال أبو بكر: دلّ قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام.

وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ بالخوف، ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أي: بعدما كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون، فيكون قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ كناية عن الخوف، والثبوت كناية عن الأمن، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين [بها]، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في الآخرة؛ بما صدّوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.

﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: عهد الله: دين الله.

وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم.

ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ إنما عند الله هو خير لكم دائم باقٍ، وهذا زائِل فانٍ، أو ما يجزي بوفاء ما عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من غيره، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ﴾ .

أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد باقٍ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ صَبَرُوۤاْ ﴾ على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِ ﴾ ، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصّبر أحسن من وفاء العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقوْله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .

اختلف أهل التأويل [في قوله]: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الآخرة، وهي الجنة.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا.

فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنّة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ إنما هو على عمل واحد، وكذلك قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ : ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فيفعل ما ذكر.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ ، أي: ما تؤتينا في الدنيا آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا.

وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته.

وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في الدنيا العمل الصالح فلنحيينّه حياة [طيبة]، أي: نوفقه ونيسّره الخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: "كُلُّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيّبة في الدنيا؛ حيث يسّر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ ، أي: قنع في الدنيا بما قسم الله له ورزقه، ورضي به، ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ مما أزال عنه هم طلب الفضل، وغمهُ، وذلّه وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيّبة لما عصم من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾ .

أي: في الآخرة.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

على تأويل من قال: الحياة الطيّبة في الدّنيا.

وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : في الدنيا، ما ذكر هؤلاء.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ الرزق الحلال.

وقوله: ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : وقد ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تُصَيِّروا أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها، تتبعون فيها أهواءكم، فتنقضونها متى شئتم، وتفون بها متى شئتم، فإنكم إن فعلتم ذلك زَلّت أقدامكم عن الصراط المستقيم بعد أن كانت ثابتة عليه، وذقتم العذاب بسبب ضلالكم عن سبيل الله، وإضلالكم غيركم عنها، ولكم عذاب مضاعف.

<div class="verse-tafsir" id="91.q1oD4"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله