الآية ٩٣ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩٣ من سورة النحل

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم ) أيها الناس ( أمة واحدة ) ، كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] أي : لوفق بينكم .

ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [ هود : 118 ، 119 ] وهكذا قال هاهنا : ( ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم ، فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفية من عنده، فصرتم جميعًا جماعة واحدة ، وأهل ملة واحدة لا تختلفون ولا تفترقون ، ولكنه تعالى ذكره خالف بينكم ، فجعلكم أهل ملل شتى، بأن وفَّق هؤلاء للإيمان به ، والعمل بطاعته ، فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء فحَرَمهم توفيقه فكانوا كافرين، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم، ثم ليجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته ، والعاصي له بمعصيته.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) البخت: هي الإبل الخراسانية، وهي جمال طوال الأعناق، الواحد حتى (اللسان).

(2) (البيت في اللسان: قسب) قال: القسب: التمر اليابس.

يتفتت في الفم، صلب النواة قال الشاعر يصف رمحا: "وأسمر خطيا ...

إلى آخر البيت" ...

قال ابن بري: هذا البيت يذكر أنه لحاتم الطائي، ولم أجده في شعره.

وأربى وأرمى: لغتان.

ونوى القسب أصلب النوى.

والخطى نسبة إلى الخط: بلد عند البحرين، مشهور بصنع الرماح.

واستشهد المؤلف هنا بالبيت على أن معنى أربى: أكثر.

وكذلك قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (1: 367).

(3) أي مثله، وكثيراً ما يأتي بالسند ويترك المتن إذا تقدم، ولا يأتي بلفظ نحوه أو مثله، وتقدمت الإشارة إلى بعض ذلك في مواضعه.

(4) في الأصل: هو، ولعله تحريف من الناسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة أي على ملة واحدة .ولكن يضل من يشاء بخذلانه إياهم ; عدلا منه فيهم .ويهدي من يشاء بتوفيقه إياهم ; فضلا منه عليهم ، ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم .

والآية ترد على أهل القدر كما تقدم .واللام في وليبينن ولتسئلن مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر ، أي والله ليبينن لكم ولتسئلن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { لَوْ شَاءَ اللَّهُ } لجمع الناس على الهدى وجعلهم { أُمَّةً وَاحِدَةً } ولكنه تعالى المنفرد بالهداية والإضلال، وهدايته وإضلاله من أفعاله التابعة لعلمه وحكمته، يعطي الهداية من يستحقها فضلا، ويمنعها من لا يستحقها عدلا.

{ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر فيجازيكم عليها أتم الجزاء وأعدله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) على ملة واحدة ، وهي الإسلام ، ( ولكن يضل من يشاء ) بخذلانه إياهم ، عدلا منه ، ( ويهدي من يشاء ) بتوفيقه إياهم ، فضلا منه ، ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» أهل دين واحد «ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألُن» يوم القيامة سؤال تبكيت «عما كنتم تعملون» لتجازوا عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو شاء الله لوفَّقكم كلكم، فجعلكم على ملة واحدة، وهي الإسلام والإيمان، وألزمكم به، ولكنه سبحانه يُضلُّ مَن يشاء ممن علم منه إيثار الضلال، فلا يهديه عدلا منه، ويهدي مَن يشاء مِمَّن علم منه إيثار الحق، فيوفقه فضلا منه، وليسألنَّكم الله جميعًا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وسيجازيكم على ذلك.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

أما المعتزلة: فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر لقدر عليه، إلا أن ذلك يبطل التكليف، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر، وهذه المناظرة قد تكررت مراراً كثيرة، وروى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثانياً: فقال: أعرض عن هذا، فأعاده ثالثاً، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة.

قالت المعتزلة: ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الإلجاء، أنه تعالى قال بعده: ﴿ ولتسألن عما كنتم تعملون ﴾ فلو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثاً، والجواب عنه قد سبق مراراً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة ﴾ حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك ﴿ ولكن ﴾ الحكمة اقتضت أن يضلّ ﴿ مَن يَشَآء ﴾ وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه ﴿ وَيَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان.

يعني: أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله: ﴿ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملا يسئلون عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ.

﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ بِالخِذْلانِ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ وَلَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ سُؤالَ تَبْكِيتٍ ومُجازاةٍ.

﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ التَّضْمِينِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ.

﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ أيْ عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ.

﴿ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ عَلَيْها والمُرادُ أقْدامُهم، وإنَّما وحَّدَ ونَكَّرَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ عَظِيمٌ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ.

﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ العَذابَ في الدُّنْيا.

﴿ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِصَدِّكم عَنِ الوَفاءِ أوْ صَدِّكم غَيْرَكم عَنْهُ، فَإنَّ مَن نَقَضَ البَيْعَةَ وارْتَدَّ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً لِغَيْرِهِ.

﴿ وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} حنيفة مسلمة {ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} من علم منه اختيار الضلالة {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} من علم منه اختيار الهداية {ولتسألن عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يوم القيامة فتجزون به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَّفِقَةً عَلى الإسْلامِ ﴿ ولَكِنْ ﴾ لا يَشاءُ ذَلِكَ رِعايَةً لِلْحِكْمَةِ بَلْ ﴿ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالُهُ بِأنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ التّابِعَ لِاسْتِعْدادِهِ لَهُ ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتُهُ حَسْبَما يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ التّابِعَ لِاسْتِعْدادِهِ لِتَحْصِيلِها ﴿ ولَتُسْألُنَّ ﴾ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ سُؤالَ مُحاسَبَةٍ ومُجازاةٍ لا سُؤالَ اسْتِفْسارٍ وتَفَهُّمٍ ﴿ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عَمَلِهِ في الدُّنْيا بِقِدْرِكُمُ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لِإسْلامٍ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ما وقَعَتْ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما شاءَ مِنهُمُ الِافْتِراقَ والِاخْتِلافَ، فَإيمانٌ وكُفْرٌ وتَصْدِيقٌ وتَكْذِيبٌ ووَقَعَ الأمْرُ كَما شاءَ جَلَّ وعَلا، والمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ كَوْنَ الضَّلالِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما شاءَ مِنَ الجَمِيعِ الإيمانَ ووَقَعَ خِلافُ ما شاءَ عَزَّ شَأْنُهُ وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الآيَةِ بِأنَّ المَعْنى لَوْ شاءَ عَلى طَرِيقَةِ الإلْجاءِ والقَسْرِ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً مُسْلِمَةً فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ لَكِنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَضِلَّ ويَخْذُلَ مَن يَشاءُ مِمَّنْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمُ عَلَيْهِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِأنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ وعَلى ما يُسْتَحَقُّ بِهِ اللُّطْفُ والخُذْلانُ والثَّوابُ والعِقابُ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ ولَوْ كانَ العَبِيدُ مُضْطَرِّينَ لِلْهِدايَةِ والضَّلالِ لَما أثْبَتَ سُبْحانَهُ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ اه، ولِلْعَسْكَرِيِّ نَحْوُهُ، وقَدْ قَدَّمَنا لَكَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ المَذْهَبَ الحَقَّ عَلى ما بَيَّنَهُ عَلّامَةُ المُتَأخِّرِينَ الكُورانِيُّ وألَّفَ فِيهِ عِدَّةَ رَسائِلَ أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا إنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ أصْلًا كَما يَقُولُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُقارَنَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً وإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لِلَّهِ تَعالى كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ وإنَّ لَهُ اخْتِيارًا أُعْطِيَهُ بَعْدَ طَلَبِ اسْتِعْدادِهِ الثّابِتِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَهُ فَلِلْعَبْدِ في هَذا المَذْهَبِ اخْتِيارٌ والعَبْدُ مَجْبُورٌ فِيهِ بِمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ لِأنَّ اسْتِعْدادَهُ الأزَلِيَّ الغَيْرَ المَجْعُولِ قَدْ طَلَبَهُ مِنَ الجَوادِ المُطْلَقِ والحَكِيمِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في مَواضِعِها والإثابَةُ والتَّعْذِيبُ إنَّما يَتَرَتَّبانِ عَلى الِاسْتِعْدادِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ، والخَيْرُ والشَّرُّ يَدُلّانِ عَلى ذَلِكَ نَحْوَ دَلالَةِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرَةِ والغايَةِ عَلى ذِي الغايَةِ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسُهم يَظْلِمُونَ ومَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ أهْلَ السُّنَّةِ عَنِ الإجْبارِ بِمَعْزَلٍ لِأنَّهم يَثْبُتُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً واخْتِيارًا وأفْعالًا وهم مَعَ ذَلِكَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى حَقَّ تَوْحِيدِهِ فَيَجْعَلُونَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ هي المُوجِدَةُ والمُؤَثِّرَةُ وقُدْرَةَ العَبْدِ مُقارَنَةً فَحَسْبُ وبِذَلِكَ يُمَيَّزُ بَيْنَ الِاخْتِيارِيِّ والقَسْرِيِّ وتَقُومُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ اه وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشْعَرِيَّةِ وهو كَما تَرى، وسَيَأْتِي إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ وما فِيهِ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ يقول: إذا حلفتم بالله فأتموا له بالفعل.

ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي: العهود التي بينكم وبين الله تعالى، والعهود التي بينكم وبين الناس.

ثم قال: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي: لا تنكثوا العهود بَعْدَ تغليظها، وتشديدها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: شهيداً على إتمام العهود والوفاء بها.

ويقال: حفيظاً على ما قال الفريقان إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ في وفاء العهد والنقض.

ثم ضرب الله تعالى مثلا آخر فقال: وَلا تَكُونُوا في نقض العهد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها وهي ريطة الحمقاء بنت عمرو بن كعب بن سعد وهي أم الأخنس بن شريف الزهري مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً أي: من بعد ما أبرمته وأحكمته، كانت إذا غزلت الشعر والكتان نقضته، ثم غزلته.

فقال: ولا تنقضوا العهد بعد توكيده، كما نقضت المرأة غزلها، وقال القتبي: أي لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثاً، والأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها نكث.

ثم قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: دغلاً وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أي: فريقا منكم هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي: هي أكثر وأغنى من أمة.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كندة ومراد، وذلك أنه كان بينهم قتال حتى كَلَّ الظهر، ثم تواعدوا لستة أشهر حتى يصلح الظهر أي: الدواب، ولحم الخيل.

فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معد يكرب بالجهاد إليهم، فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء الأجل، فقتلوه وهزموا قومه، فذلك قوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ [النحل: 94] أي: عهودكم بالله دَخَلًا أي: مكراً وخديعة بينكم أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني: أن تكون أمة أكثر من أمة، فينقضون العهد لأجل كثرتهم، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني: إنما يبتليكم الله بالكثرة، لنقض العهد والوفاء.

وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا وحالفوا الأعز، فنزل إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي: يختبركم بنقض العهود وبالكثرة وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم ما نقضتم من العهود، ويجازيكم به.

قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي: على ملة واحدة وهي الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: يكرم بالإِسلام من هو أهل لذلك وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه اللام لام القسم والتأكيد، أي: يسألكم عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الوفاء، والنقض بالعهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فانهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهداً عليه يَوْمَ القيامة.

وقوله سبحانه: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ الإشارة ب «هؤلاء» إلى هذه الأمَّة.

وقوله عزَّ وجلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ...

الآية: قال ابن مسعود رضي الله عنه: أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية «١» ، وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: يا آل غالب، اتّبعوه تفلحوا فو الله، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ «٢» .

قال ع «٣» : والعدل فعل كلّ مفروض، والْإِحْسانِ فعل كلّ مندوب إليه، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، والْفَحْشاءِ الزنا قاله ابن عبَّاس «٤» ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة، وَالْمُنْكَرِ أعمُّ منه لأنه يعمُّ جميع المعاصى والرذائلِ، والإذاءات على اختلاف أنواعها، والْبَغْيِ هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه، وكَفِيلًا معناه: متكفّلا بوفائكم، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ...

الآية: شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكماً، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إبرامه، وأَنْكاثاً نصب على الحال، و «النّكث» النقض، والعربُ تقولُ انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و «الدَّخَلُ» الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدع والغدر،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في كَلامِ العَرَبِ: الإنْصافُ، وأعْظَمُ الإنْصافِ: الِاعْتِرافُ لِلْمُنْعِمِ بِنِعْمَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالإحْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، رَواهُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَفْوُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الإخْلاصُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنْ تَكُونَ السَّرِيرَةُ أحْسَنَ مِنَ العَلانِيَةِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ فالمُرادُ بِهِ: صِلَةُ الأرْحامِ.

وفي الفَحْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي " المُنْكَرِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، ذَكَرَهُما ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: أنْ تَكُونَ عَلانِيَةُ الإنْسانِ أحْسَنَ مِن سَرِيرَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا " البَغْيُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الظُّلْمُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في مَواضِعَ [البَقَرَةِ:١٧٣، والأعْرافِ:٣٣، ويُونُسَ:٢٣،٩٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤَدِّبُكم، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الوَعْظِ في (سُورَةِ النِّساءِ:٥٨) .

و " تَذَكَّرُونَ " بِمَعْنى: " تَتَّعِظُونَ " قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الآيَةُ أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ.

وقالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما تَرَكَ العَدْلُ والإحْسانُ شَيْئًا مِن طاعَةِ [اللَّهِ] إلّا جَمَعاهُ، ولا تَرَكَتِ الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ شَيْئًا مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا جَمَعُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في حِلْفِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  .

قالَ المُفَسِّرُونَ: العَهْدُ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، هو الَّذِي يَحْسُنُ فِعْلُهُ، فَإذا عاهَدَ العَبْدُ عَلَيْهِ، وجَبَ الوَفاءُ بِهِ، والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ أيْ: بَعْدَ تَغْلِيظِها وتَشْدِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ عَلى اليَمِينِ، بِخِلاف لَغْوِ اليَمِينِ، ووَكَّدْتُ الشَّيْءَ تَوْكِيدًا، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

فَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: أكَّدْتُهُ تَأْكِيدًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وكَّدْتُ الأمْرَ، وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا ﴾ أيْ: بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ أكْفَلَ اللَّهَ بِالوَفاءِ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى " كَفِيلًا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهِيدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: وكِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: حَفِيظًا مُراعِيًا لِعَقْدِكم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ حَبْلَها، ثُمَّ تَنْفُشُهُ، ثُمَّ تَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ تُسَمّى " رَيْطَةَ " بِنْتَ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ إذا غَزَلَتْ، نَقَضَتْهُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اسْمُها " رائِطَةُ " وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْمُها " رَيْطَةُ " بِنْتُ عَمْرٍو المَرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَعْراءُ، وهي مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَعَرَفُوها بِوَصْفِها، ولَمْ يَكُنْ لَها نَظِيرٌ في فِعْلِها ذَلِكَ، كانَتْ مُتَناهِيَةَ الحُمْقَ، تَغْزِلُ الغَزْلَ مِنَ القُطْنِ أوِ الصُّوفِ فَتُحْكِمُهُ، ثُمَّ تَأْمُرُ جارِيَتها بِتَقْطِيعِهِ.

وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ أنْ يَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ، فَضَرْبَها اللَّهُ مَثَلًا لِناقِضِي العَهْدِ.

و " نَقَضَتْ " بِمَعْنى: تَنْقُضُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ بِمَعْنى: ويُنادِي.

وَفِي المُرادِ بِالغَزْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَزْلُ المَعْرُوفُ، سَواءٌ كانَ مِن قُطْنٍ أوْ صُوفٍ أوْ شَعَرٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَبْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن بَعْدِ إبْرامٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْكاثًا ﴾ أيْ: أنْقاضًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْكاثُ: ما نُقِضَ مِن غَزْلِ الشَّعْرِ وغَيْرِهِ.

وواحِدُها نِكْثٌ.

يَقُولُ: لا تُؤَكِّدُوا عَلى أنْفُسِكُمُ الأيْمانَ والعُهُودَ، ثُمَّ تَنْقُضُوا ذَلِكَ وتَحْنَثُوا فِيهِ، فَتَكُونُوا كامْرَأةٍ غَزَلَتْ ونَسَجَتْ، ثُمَّ نَقَضَتْ ذَلِكَ النَّسْجَ، فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ: دَغَلًا، ومَكْرًا، وخَدِيعَةً، وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَهُ عَيْبٌ، فَهو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ، ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ أيْ: هي أغْنى ﴿ مِن أُمَّةٍ ﴾ .

وقالَ [الزَّجّاجُ]: المَعْنى: بِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أكْثَرُ، يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا كَثُرَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: " أرْبى ": أزْيَدُ عَدَدًا.

قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنهم وأعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حَلِفَ هَؤُلاءِ ويُحالِفُونَ أُولَئِكَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم، أوْ قِلَّتِكم وكَثْرَتِهِمْ وقَدْ غَرَّرْتُمُوهم بِالأيْمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَثْرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ بِالكَثْرَةِ، فَإذا كانَ بَيْنَ قَوْمَيْنِ عَهْدٌ، فَكَثُرَ أحَدُهُما، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْسَخَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الأقَلِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كَنّى عَنِ الكَثْرَةِ، فَهَلّا قِيلَ بِها ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، بِأنَّ الكَثْرَةَ لَيْسَ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا، فَحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى مَعْنى الصِّياحِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَهْدِ، فَإنَّهُ لِدَلالَةِ الأيْمانِ عَلَيْهِ، يَجْرِي مَجْرى المُظْهَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالوَفاءِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في آخِرِ (هُودٍ:١١٨) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِ القَدَرِيَّةِ، حَيْثُ أضافَ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ، وعَلَّقَهُما بِمَشِيئَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٌ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ شَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّذِي يَحْلِفُ أو يُعاهِدُ أو يُبْرِمُ عَقْدَهُ بِالمَرْأةِ الَّتِي تَغْزِلُ غَزْلَها وتَفْتِلُهُ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ الَّذِي يَنْقَضُ عَهْدَهُ بَعْدَ الإحْكامِ بِتِلْكَ الغازِلَةِ إذا نَقَضَتْ قَوِيَّ ذَلِكَ الغَزَلِ فَحَلَّتْهُ بَعْدَ إبْرامِهِ، ويُرْوى أنَّ امْرَأةً حَمْقاءَ كانَتْ بِمَكَّةَ تُسَمّى رَيْطَةَ بِنْتِ سَعْدٍ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِها وقَعَ التَشْبِيهُ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُدِّيُّ، ولَمْ يُسَمِّيا المَرْأةَ، وقِيلَ: كانَتِ امْرَأةٌ مُوَسْوِسَةٌ تُسَمّى خَطِّيَّةَ تَغْزِلُ عِنْدَ الحِجْرِ وتَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لا عَلى امْرَأةٍ مُعَيَّنَةٍ.

و"أنْكاثًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والنَكْثُ: النَقْضُ، و"القُوَّةُ" في اللُغَةِ واحِدَةُ قُوى الغَزْلِ والحَبْلِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُضَفَّرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ الراجِزِ: حَبْلَ عَجُوزٍ فَتَلَتْ سَبْعُ قُوى ويُظْهِرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالقُوَّةِ في الآيَةِ الشِدَّةُ الَّتِي تَحْدَثُ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ، ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ يَكُنْ مَعَها ما يُنْتَقَضُ أنْكاثًا، والعَرَبُ تَقُولُ: انْتَكَثَ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ، أمّا إنْ عُرِّفَ الغَزْلُ أنَّهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَكِنْ لَها أجْزاءٌ كَأنَّها قُوَّةٌ كَثِيرَةٌ لَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةٍ.

و"الدَخَلُ": الدَغَلُ بِعَيْنِهِ، وهي الذَرائِعُ إلى الخُدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌ فَيَتَمَكَّنُ الحالِفُ مِن ضَرِّهِ بِما يُرِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في العَرَبِ الَّذِينَ كانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم إذا حالَفَتِ الأُخْرى، ثُمَّ جاءَتْ إحْداهُما قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ قَوِيَّةٌ فَداخَلَتْها غَدَرَتِ الأُولى ونَقَضَتْ مَعَها ورَجَعَتْ إلى هَذِهِ الكُبْرى، فَقالَ اللهُ تَعالى: لا تَنْقُضُوا العُهُودَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونَ قَبِيلَةٌ أزِيدَ مِن قَبِيلَةٍ في العَدَدِ والعِدَّةِ، و"الرِبا": الزِيادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَعْناهُ: لا تَنْقُضُوا الأيْمانَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونُوا أرَبى مَن غَيْرِكُمْ، أيْ: أزْيَدَ خَيْرًا، فَمَعْناهُ: لا تَطْلُبُوا الزِيادَةَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِنَقْضِ العُهُودَ.

و"يَبْلُوكُمُ" مَعْناهُ: يَخْتَبِرُكُمْ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الوَفاءِ الَّذِي أمَرَ اللهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرِبا، أيْ أنَّ اللهَ ابْتَلى عِبادَهُ بِالتَحاسُدِ وطَلَبِ بَعْضِهِمُ الظُهُورَ عَلى بَعْضٍ، واخْتَبَرَهم بِذَلِكَ لِيَرى مَن يُجاهِدُ نَفْسَهُ مِمَّنْ يُتْبِعُها هَواها، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ ، مَوْضِعُ "أرْبى" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَفْعٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَصْبٌ، و"هِيَ" عِمادٌ، ولا يَجُوزُ العِمادُ هُنا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لَأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ النَكِرَةِ، و"أُمَّةٌ" نَكِرَةٌ، وحُجَّةُ الكُوفِيِّينَ أنَّ "أُمَّةٌ" وما جَرى مَجْراها مِن أسْماءِ الأجْناسِ تَنْكِيرُها قَرِيبٌ مِنَ التَعْرِيفِ، ألّا تَرى أنَّ إدْخالَ الألِفِ واللامِ عَلَيْها لا يُخَصِّصُها كَبِيرُ تَخْصِيصٍ؟

وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ بِالأوامِرِ والنَواهِي لِيَذْهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ مِنهُ تَعالى بِحَقِّ المُلْكِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ولَوْ شاءَ لَكانَ الناسُ كُلُّهم في طَرِيقٍ واحِدٍ، إمّا في هُدًى وإمّا في ضَلالَةٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى شاءَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، ويَخُصَّ قَوْمًا بِالسَعادَةِ وقَوْمًا بِالشَقاوَةِ.

و"يُضِلُّ" و"يَهْدِي" مَعْناهُ: "يَخْلُقُ ذَلِكَ في القُلُوبِ" خِلافًا لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ في آخِرِ الآيَةِ بِسُؤالِ كُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ عن عَمَلِهِ، وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ، ولَيْسَ ثُمَّ سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وذَلِكَ هو المَنفِيُّ في آياتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أحال البيان إلى يوم القيامة زادهم إعلاماً بحكمة هذا التأخير فأعلمهم أنه قادر على أن يبيّن لهم الحقّ من هذه الدار فيجعلهم أمّة واحدة.

ولكنه أضلّ من شاء، أي خلق فيه داعية الضلال، وهدى من شاء، أي خلق فيه داعية الهُدى.

وأحال الأمر هنا على المشيئة إجمالاً، لتعذّر نشر مطاوي الحكمة من ذلك.

ومرجعها إلى مشيئة الله تعالى أن يخلق الناس على هذا الاختلاف الناشئ عن اختلاف أحوال التفكير ومراتب المدارك والعقول، وذلك يتولّد من تطوّرات عظيمة تعرض للإنسان في تناسله وحضارته وغير ذلك مما أجمله قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ﴾ [سورة الانشقاق: 25].

وهذه المشيئة لا يطّلع على كنهها إلا الله تعالى وتظهر آثارها في فرقة المهتدين وفرقة الضالين.

ولما كان قوله: ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء } قد يغترّ به قصّار الأنظار فيحسبون أن الضالين والمهتدين سواء عند الله وأن الضالين معذورون في ضلالهم إذ كان من أثر مشيئة الله فعقّب ذلك بقوله: ﴿ ولتسألن عما كنتم تعملون ﴾ مؤكّداً بتأكيدين كما تقدم نظيره آنفاً، أي عما تعملون من عللِ ضلالٍ أو عمل هدى.

والسؤال: كنية عن المحاسبة، لأنه سؤال حكيم تترتّب عليه الإنارة وليس سؤال استطلاع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ.

الثّانِي: أنَّ طاعَتَكم تَفْنى وثَوابَها يَبْقى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: يا عطاء، ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟

فأراني حبشية صفراء، فقال: «هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن بي هذه الموتة- يعني الجنون- فادع الله أن يعافيني.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت دعوت الله فعافاك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة، فاختارت الصبر والجنة» قال: وهذه المجنونة سعيدة الأسدية، وكانت تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: خرقاء كانت بمكة تنقضه بعدما تبرمه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: كانت امرأة بمكة، كانت تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها تنقضه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه...

!

وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده.

وفي قوله: ﴿ تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ قال: خيانة وغدراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: ناس أكثر من ناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: ولا تكونوا في نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، يعني بعد ما أبرمته ﴿ تتخذون أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم ﴾ يعني بين أهل العهد، يعني مكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ يعني أكثر ﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ يعني بالكثرة ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ يعني المسلمة والمشركة ﴿ أمة واحدة ﴾ يعني ملة الإسلام وحدها ﴿ ولكن يضل من يشاء ﴾ يعني عن دينه، وهم المشركون ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ يعني المسلمين ﴿ ولتسألن ﴾ يوم القيامة ﴿ عما كنتم تعملون ﴾ ثم ضرب مثلاً آخر للناقض العهد فقال: ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ يقول: إن ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة ﴿ وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ﴾ يعني العقوبة ﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً ﴾ يعني عرضاً من الدنيا يسيراً ﴿ إنما عند الله ﴾ يعني الثواب ﴿ هو خير لكم ﴾ يعني أفضل لكم من العاجل ﴿ ما عندكم ينفد ﴾ يعني ما عندكم من الأموال يفنى ﴿ وما عند الله باق ﴾ يعني وما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله، وليجزين ﴿ الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: إياكم وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت، ولا تقيسوا الشيء بالشيء ﴿ فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قال ابن عباس: يريد على ملة وعلى دين واحد (١) ﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال: يريد الضلالة بعينها والهدى بعينه، ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قال: يريد في الدنيا، وهذه الآية صريحة (٢) ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ وقد قال نوف البكالي: قال [عُزير] (٣) (٤) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 292، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 168، والسمرقندي 2/ 248، والثعلبي 2/ 162ب، والبغوي 5/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 172، والخازن 3/ 132.

(٢) في جميع النسخ: (صريح)، ومما أثبته هو الصواب؛ لكون الآية مؤنثة، والخبر يتبع المبتدأ في التذكير والتأنيث.

(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من جميع النسخ، وقد ذكرها الفخر الرازي نقلاً عن الواحدي.

(٤) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 109، بنصه وعزاه للواحدي، وليس لهذه الرواية سند، ويبدو أنها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان ﴾ هذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير منه، كما جاء في الحديث، أو تكون الأيمان هنا ما يحلفه الإنسان في حق غيره، أو معاهدة لغيره ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ أي رقيباً ومتكفلاً بوفائكم بالعهد، وقيل: إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: فيما كان بين العرب من حلف في الجاهلية ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ﴾ شبّه الله من يحلف ولم يفِ بيمينه بالمرأة التي تغزل غزلاً قوياً ثم تنقضه.

ورُوي أنه كان بمكة امرأة حمقاء تسمى ريطة بنت سعد، كانت تفعل ذلك وبها وقع التشبيه، وقيل إنما شبه بامرأة غير معينة ﴿ أنكاثا ﴾ جمع نكث، وهو ما ينكث أن ينقض، وانتصابه على الحال ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ الدخل الدغل، وهو قصد الخديعة ﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أن في موضع المفعول من أجله: أي بسبب أن تكون أمة، ومعنى أربى: أكثر عدداً أو أقوى، ونزلت الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها وغدرت بالأولى وحالفت الثانية، وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفّار قريش؛ إذ كانوا حينئذٍ أكثر من المسلمين.

﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ ﴾ الضمير للأمر بالوفاء، أو لكون أمة أربى من أمة، فإن ذلك يظهر من يحافظ على الوفاء أولاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال الحسن: قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

صلة القرابة والأرحام.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : بالتوحيد، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.

وقال مقاتل: قوله: ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ : صلة الأرحام، ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ ، أي: الزنى، ﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، أي: السكر، ﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ مظالم الناس.

وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن.

ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟

فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.

وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي  : "إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟

فقال: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" .

ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.

والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه.

فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وليس [في القتال] في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمةٌ، حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة.

وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا صبر عليها، ورأى ذلك منه حقّاً وعدلاً، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأمّا في ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحدٍ، فصبر عليهِ كان في ذلك خصال أربعة: أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي.

والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه.

والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم.

والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ [لأنه بالشدة] يعرف النعم.

وأمّا الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها.

وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ .

هو ما يكبر ويفحش من الشيء.

﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ؛ سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريباً؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم [منكر].

﴿ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .

ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم.

﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله، وقد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .

يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يُعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطاً أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازماً لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، كقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 72]، أي: أبي خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [بحيث] تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها، حيث قال: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [يؤمر] بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ هو حَلِفُهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ : يقول: جهد أيمانهم هو قسمهم بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ .

قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلاً عليهم، وقيل: الكفيل: هو الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ .

من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ .

اختلف في تأويل الآية: قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضاً، وهو أن يرث بعضهم بعضاً، وينصر ويعين بعضهم بعضاً، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك - أي: في نصر بعضهم بعضاً [وإعانة بعضهم بعضا] - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ فنهوا عن ذلك.

وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه يكون خوارج وأهل اختلاف في الدّين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ .

وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام.

وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 56] كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، والعون لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ...

﴾ أي: لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز أن يكون غير هذا.

يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث يكون في القبح ما ذكر.

ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة أنكاثاً؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه.

يقول: فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفي به، ولا هو ترك [العهد] فلم يعطه ونحوه.

ثم اختلف في تلك المرأة: قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته.

وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!!

فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصحّ ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: غير صحيح.

وقال غيره: ﴿ دَخَلاً ﴾ ، أي: خديعة ومكراً يخدع بعضكم بعضاً، وهو قول أبي عوسجة أيضاً.

وقال القتبي: ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: خيانة ودغلاً بينكم.

﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ .

أي: فريق.

﴿ أَرْبَىٰ ﴾ .

من فريق.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَنكَاثاً ﴾ : هي جمع "نِكْثٍ"، والنكث - من الحبل - خيوط تنكث ثم تطرق وتصير صوفاً، ثم من بعد ذلك تفتل.

قال: والمِطْرَق: قضيب يضرب به الصوف حتى ينفش ويلين كما يُنْدَف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقاً - أي: ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشاً - أي: فرقت بينه فتفرق، ومنه قوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

ويقال: حبل مَثْنِي: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ومخموس ومسدوس [ومسبوع] ومثمون ومتسوع، ومعشور.

وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث.

يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً.

فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.

وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ : أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.

ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له، ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.

والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم -  - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .

على قول الحسن: على الحكم لذلك.

وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر.

لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.

فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

هو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .

قال أبو بكر: دلّ قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام.

وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ بالخوف، ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أي: بعدما كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون، فيكون قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ كناية عن الخوف، والثبوت كناية عن الأمن، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين [بها]، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في الآخرة؛ بما صدّوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.

﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: عهد الله: دين الله.

وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم.

ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ إنما عند الله هو خير لكم دائم باقٍ، وهذا زائِل فانٍ، أو ما يجزي بوفاء ما عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من غيره، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ﴾ .

أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد باقٍ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ صَبَرُوۤاْ ﴾ على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِ ﴾ ، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصّبر أحسن من وفاء العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقوْله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .

اختلف أهل التأويل [في قوله]: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الآخرة، وهي الجنة.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا.

فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنّة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ إنما هو على عمل واحد، وكذلك قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ : ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فيفعل ما ذكر.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ ، أي: ما تؤتينا في الدنيا آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا.

وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته.

وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في الدنيا العمل الصالح فلنحيينّه حياة [طيبة]، أي: نوفقه ونيسّره الخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: "كُلُّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيّبة في الدنيا؛ حيث يسّر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ ، أي: قنع في الدنيا بما قسم الله له ورزقه، ورضي به، ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ مما أزال عنه هم طلب الفضل، وغمهُ، وذلّه وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيّبة لما عصم من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾ .

أي: في الآخرة.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

على تأويل من قال: الحياة الطيّبة في الدّنيا.

وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : في الدنيا، ما ذكر هؤلاء.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ الرزق الحلال.

وقوله: ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : وقد ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة متفقين على الحق، ولكنه سبحانه يضل من يشاء بخذلانه عن الحق وعن الوفاء بالعهود بعدله، ويوفق من يشاء بفضله لذلك، ولتُسْألنّ يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا.

من فوائد الآيات للكفار الذين يصدون عن سبيل الله عذاب مضاعف بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية.

لا تخلو الأرض من أهل الصلاح والعلم، وهم أئمة الهدى خلفاء الأنبياء، والعلماء حفظة شرائع الأنبياء.

حدَّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصة والعامة للفرد والجماعة والدولة.

النهي عن الرشوة وأخذ الأموال على نقض العهد.

<div class="verse-tafsir" id="91.JZrPp"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله