الآية ١٠٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٤ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٠٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص عليهم لعائن الله فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا يقولون : راعنا .

يورون بالرعونة ، كما قال تعالى : ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) [ النساء : 46 ] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم ، بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون : السام عليكم .

والسام هو : الموت .

ولهذا أمرنا أن نرد عليهم ب " وعليكم " .

وإنما يستجاب لنا فيهم ، ولا يستجاب لهم فينا .

والغرض : أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا .

فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ) وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ، حدثنا حسان بن عطية ، عن أبي منيب الجرشي ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت بين يدي الساعة بالسيف ، حتى يعبد الله وحده لا شريك له .

وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " .

وروى أبو داود ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به " من تشبه بقوم فهو منهم " ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد ، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ، ولباسهم وأعيادهم ، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولم نقرر عليها .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مسعر ، عن معن وعون أو أحدهما أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود ، فقال : اعهد إلي .

فقال : إذا سمعت الله يقول ( ياأيها الذين آمنوا ) فأرعها سمعك ، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه .

وقال الأعمش ، عن خيثمة ، قال : ما تقرؤون في القرآن : ( ياأيها الذين آمنوا ) فإنه في التوراة : " يا أيها المساكين " .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : ( راعنا ) أي : أرعنا سمعك .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) قال : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أرعنا سمعك .

وإنما ( راعنا ) كقولك : عاطنا .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية ، وأبي مالك ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي ، وقتادة ، نحو ذلك .

وقال مجاهد : ( لا تقولوا راعنا ) لا تقولوا خلافا .

وفي رواية : لا تقولوا : اسمع منا ونسمع منك .

وقال عطاء : ( لا تقولوا راعنا ) كانت لغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها .

وقال الحسن : ( لا تقولوا راعنا ) قال : الراعن من القول السخري منه .

نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم ، وما يدعوهم إليه من الإسلام .

وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله .

وقال أبو صخر : ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين ، فيقول : أرعنا سمعك .

فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له .

وقال السدي : كان رجل من اليهود من بني قينقاع ، يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا لقيه فكلمه قال : أرعني سمعك واسمع غير مسمع .

وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا ، فكان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع : غير صاغر .

وهي كالتي في سورة النساء .

فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا : راعنا .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، بنحو من هذا .

قال ابن جرير : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم : راعنا ; لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نظير الذي ذكر عن النبي قال : " لا تقولوا للعنب الكرم ، ولكن قولوا : الحبلة .

ولا تقولوا : عبدي ، ولكن قولوا : فتاي " .

وما أشبه ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا تقولوا راعنا).

فقال بعضهم: تأويله: لا تقولوا خلافا.

* ذكر من قال ذلك: 1720 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: لا تقولوا خلافا.

1721 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن بمجاهد: (لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا خلافا.

1722 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

1723 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن رجل عن مجاهد مثله.

1724 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجاهد مثله.

* * * &; 2-460 &; وقال آخرون: تأويله: أَرْعِنَا سمعك.

أي: اسمع منا ونسمع منك.

* ذكر من قال ذلك: 1725 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: (راعنا)، أي: أَرْعِنا سمعك.

1726 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.

1727 - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (راعنا)، قال: كان الرجل من المشركين يقول: أَرْعِني سمعك.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا " راعنا ".

فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة, فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1728 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قول كانت تقوله اليهود استهزاء, فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.

1729 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: (لا تقولوا راعنا)، قال: كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك!

حتى قالها أناس من المسلمين: فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، كما قالت اليهود والنصارى.

&; 2-461 &; 1730 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك!

فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين, فقال الله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

1731 - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك!

وإنما " راعنا " كقولك، عاطنا.

1732 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) قال: " راعنا " القول الذي قاله القوم، قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [سورة النساء: 46] قال: " قال: هذا الراعن " - والراعن: الخطاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء، كما قال القوم، وقولوا: انظرنا واسمعوا.

قال: كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه، ويسمع منهم, ويسألونه ويجيبهم.

(132) * * * وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها, فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1733 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية, فنـزلت هذه الآية: (لا تقولوا راعنا) ولكن قولوا انظرنا) إلى آخر الآية.

&; 2-462 &; 1734 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم, عن عبد الملك, عن عطاء قال: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار.

1735 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.

1736 - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق, عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أَرْعِني سمعك!

فنهوا عن ذلك.

1737 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " راعنا "، قول الساخر.

فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه، يقال له: رفاعة بن زيد.

كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له, وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه, فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1738 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، كان رجل من اليهود - من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع - كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب - قال أبو جعفر: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب - كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا لقيه فكلمه قال: (133) أَرْعِني سمعك، واسمع غير مسمع = فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا, فكان &; 2-463 &; ناس منهم يقولون: " اسمع غير مسمع ", كقولك اسمع غير صاغر = وهي التي في النساء مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [سورة النساء: 46]، يقول: إنما يريد بقوله طعنا في الدين.

ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: " لا تقولوا راعنا ".

(134) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه: " راعنا " أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم, نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 1739 -" لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبَلة ".

(135) 1740 - و " لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي".

(136) وما أشبه ذلك، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب, فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.

* * * فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في " العنب " أن يقال له " كرم ", وفي" العبد " أن يقال له " عبد ", فما المعنى الذي في قوله: (راعنا) حينئذ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين &; 2-464 &; عن أن يقولوه, حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: انْظُرْنَا ؟

قيل: الذي فيه من ذلك, نظير الذي في قول القائل: " الكرم " للعنب, و " العبد " للمملوك.

وذلك أن قول القائل: " عبدي" لجميع عباد الله, فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله, وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل, فيقال: " فتاي".

وكذلك وجه نهيه في" العنب " أن يقال: " كرم " خوفا من توهم وصفه بالكرَم, وإن كانت مُسَكَّنَة, فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد.

فكره أن يتصف بذلك العنب.

فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا: " راعنا ", لما كان قول القائل: " راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك.

من قول العرب بعضهم لبعض: " رعاك الله ": بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك, من قولهم: " أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة ", بمعنى: فرغته لسماع كلامه.

كما قال الأعشى ميمون بن قيس: يُـرْعِي إلـى قـول سادات الرجال إذا أبـدوا لـه الحـزم أو ما شاءه ابتدعا (137) يعني بقوله " يرعى "، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.

وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه, حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم.

(138) &; 2-465 &; فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء, وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها, ومن المعاني أرقها.

فكان من ذلك قولهم: (راعنا) لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك, إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين, كما يقول القائل: " عاطنا، وحادثنا، وجالسنا ", بمعنى: افعل بنا ونفعل بك - (139) ومعنى: أرعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا.

فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم, وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له, ولا بالفظاظة والغلظة, تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، بقولهم له: (اسمع غير مسمع وراعنا).

يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، (140) فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه، مما يسر اليهود والمشركين.

* * * فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: (راعنا) أنه بمعنى: خلافا, فمما لا يعقل في كلام العرب.

لأن " راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى " فاعلت " من " الرِّعْية " وهي الرِّقبة والكَلاءة.

والآخر بمعنى إفراغ السمع, بمعنى " أرعيته سمعي".

وأما " راعيت " بمعنى " خالفت ", فلا وجه له مفهوم في كلام العرب.

إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ, على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد, فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ.

* * * وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه: أن قوله: (راعنا) &; 2-466 &; كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية, فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين: أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم.

ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب, وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني.

فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب, فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه، أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به.

وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك، من الوجه الذي تقوم به الحجة.

وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا, إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.

* * * وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تقولوا راعنا) بالتنوين, بمعنى: لا تقولوا قولا " راعنا ", من " الرعونة " وهي الحمق والجهل.

وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة, فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين.

ومن نون " راعنا " نونه بقوله: (لا تقولوا)، لأنه حينئذ عامل فيه.

ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي.

لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: (راعنا)، بمعنى مسألته: إما أن يرعيهم سمعه, وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه " راعنا ".

فتكون الدلالة على معنى الأمر في" راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت &; 2-467 &; تكون في" يراعيه " ويدل عليها - أعني على " الياء " الساقطة - كسرة " العين " من " راعنا ".

* * * وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: (لا تقولوا راعونا)، بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم.

فإن كان ذلك من قراءته صحيحا، وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا، كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره.

ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا انْظُرْنَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وقولوا انظرنا)، وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم: انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتعلمنا، كما: 1741 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.

1742 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.

1743 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد مثله.

* * * يقال منه: " نظرت الرجل أنظره نظرة " بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة: &; 2-468 &; وقــد نَظَــرتكمُ أَعْشـاء صـادرةٍ للخِـمس, طـال بها حَوْزي وتَنْساسي (141) ومنه قول الله عز وجل: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [سورة الحديد: 13]، يعني به: انتظرونا.

* * * وقد قرئ" أنظرنا " و " أنظرونا " بقطع " الألف " في الموضعين جميعا (142) فمن قرأ ذلك كذلك أراد: أخرنا, كما قال الله جل ثناؤه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [سورة ص: 79]، أي أخرني.

ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع.

لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه.

فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - (143) من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: (انظرنا)، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا.

* * * وقد قيل: إن معنى (أنظرنا) بقطع الألف بمعنى: أمهلنا.

حكي عن بعض &; 2-469 &; العرب سماعا: " أنظرني أكلمك "، وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه, فأخبره أنه أراد أمهلني.

فإن يكن ذلك صحيحا عنهم " فانظرنا " و " أنظرنا " - بقطع " الألف " ووصلها - متقاربا المعني.

غير أن الأمر وإن كان كذلك, فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها، قراءة من قرأ: (وقولوا انظرنا)، بوصل " الألف " بمعنى: انتظرنا, لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (واسمعوا)، واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وعُوه وافهموه، كما:- 1744 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (واسمعوا)، اسمعوا ما يقال لكم.

* * * فمعنى الآية إذًا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم: راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول.

ولكن قولوا: انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا.

واسمعوا منه ما يقول لكم، فعوه واحفظوه وافهموه.

ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته، وخالف أمره ونهيه، وكذب رسوله، العذاب الموجع في الآخرة, فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم.

يعني بقوله: " الأليم "، الموجع.

وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل، وما فيه من الآثار.

(144) --------------- الهوامش : (131) في المطبوعة : "إرجاعه إليها" سهو من ناسخ .

(132) قوله"الراعن : الخطاء" لم أجده في غيره بعد .

والذي في كتب التفسير واللغة .

وربما كانت"الخطأ" .

وقد قالوا : "راعنا : الهجر من القول" .

وقالوا اشتقوه من الرعونة : وهي الحمق والجهل والاسترخاء .

(133) في المطبوعة : "فقال" ، والفاء لا مكان لها .

(134) تقدم إليه : أمره .

(135) الحديث : 1739 - ذكره الطبري معلقا دون إسناد .

وقد رواه أحمد في المسند : 7509 ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : "ولا تسموا العنب الكرم" .

ورواه الشيخان وغيرهما ، كما بينا هناك .

ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا : 7256 .

وروى مسلم 2 : 197 ، من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه ، مرفوعا : "لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا : الحبلة ، يعني العنب" .

(136) الحديث : 1740 - وهذا معلق أيضًا .

وهو جزء من حديث طويل .

رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " .

.

ولا يقل أحدكم عبدي ، أمتي ، وليقل : فتاى ، فتاتي ، غلامي" .

انظر البخاري 5 : 128 - 131 (فتح) ، ومسلم 2 : 197 .

(137) ديوانه : 86 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 540 وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في 1 : 106 ، 2 : 94 ، وهي في هوذة بن علي كما سلف .

يقول قبله : يـا هـوذ, يا خير من يمشي على قدم بحــر المـواهب للـوراد والشـرعا وابتدع : أحدث ما شاء .

(138) اقرأ قول الله تعالى في صدر"سورة الحجرات" .

(139) قوله : "ومعنى" معطوف على قوله آنفًا : "لما فيه من احتمال معنى : ارعنا نرعاك .

.

" .

(140) وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها .

(141) ديوانه : 53 ، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا) .

من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر ، ويمدح بغيض بن عامر من شماس .

والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون) : وهو ما تتعشاه الإبل .

والصادرة : الإبل التي تصدر عن الماء .

والخمس : من أظماء الإبل ، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ، ثم ترد في الرابع .

والحوز : السوق اللين ، حاز الإبل : ساقها سوقا رويدا .

والتنساس والنس ، مصدر قولك : نس الإبل بينها : ساقها سوقا شديدا لورود الماء .

ويروى"إيتاء صادرة" .

والإيتاء مصدر آنيت الشيء : إذ أخرته .

يقول للزبرقان ، حين نزل بداره ، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء : 96 - 98) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها .

وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا ، وفي بطونها ماء كثير ، فهي تحتاج إلى بقل كثير .

يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار .

وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة ، ولقوله فيها : دع المكــارم لا ترحــل لبغيتهــا واقعـد, فـإنك أنـت الطـاعم الكاسي (142) زدت قول الله تعالى : "أنظرونا" ، من أجل اختلاف" الحرفين .

(143) في المطبوعة : "إن كان ذلك .

.

" ، ليست بشيء .

(144) انظر ما سلف 1 : 283 ، ثم هذا الجزء 2 : 140 ، 377 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليمفيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك .

وحقيقة راعنا في اللغة ارعنا ولنرعك ، لأن المفاعلة من اثنين ، فتكون من رعاك الله ، أي احفظنا ولنحفظك ، وارقبنا ولنرقبك .

ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك ، أي فرغ سمعك لكلامنا .

وفي المخاطبة بهذا جفاء ، فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها .

قال ابن عباس : كان المسلمون يقولون [ ص: 56 ] لنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا .

على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا ، وكان هذا بلسان اليهود سبا ، أي اسمع لا سمعت ، فاغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا ، فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم ، فقال لليهود : عليكم لعنة الله !

لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها ؟

فنزلت الآية ، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه .الثانية : في هذه الآية دليلان : أحدهما : على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض ، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض ، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره ، والحد مما يسقط بالشبهة .

وسيأتي في " النور " بيان هذا ، إن شاء الله تعالى .الدليل الثاني : التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه ، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة .

والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع .

أما الكتاب فهذه الآية ، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم ، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ ; لأنه ذريعة للسب ، وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك ، وقوله تعالى : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية ، فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت ، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا ، أي ظاهرة ، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد ، وكان السد ذريعة للاصطياد ، فمسخهم الله قردة وخنازير ، وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك ، وقوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة وقد تقدم .

وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة ، منها حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير [ فذكرتا ذلك ] لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال [ ص: 57 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله .

أخرجه البخاري ومسلم .

قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم ، فمضت لهم بذلك أزمان ، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك ، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد وقال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد .

وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه الحديث ، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات ، وذلك سدا للذريعة .

وقال صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن من الكبائر شتم الرجل [ ص: 58 ] والديه قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟

قال : نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه .

فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء .

وقال صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم .

وقال أبو عبيد الهروي : العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به .

قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة ، وهي أهون من الأولى ، وهو جائز عند بعضهم .

وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة ، وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره .

وروى ابن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا ، فقالت عائشة : بئس ما شريت ، وبئس ما اشتريت !

أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب .

ومثل هذا لا يقال بالرأي ; لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي ، فثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعوا الربا والريبة .

ونهى ابن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريرة .قلت : فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع ، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها .

وليس عند الشافعية كتاب الآجال ; لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة ، قالوا : وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون .

والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها ، وهذا هو الربا بعينه ، فاعلمه .الثالثة : قوله تعالى : لا تقولوا راعنا نهي يقتضي التحريم ، على ما تقدم .

وقرأ الحسن " راعنا " منونة .

وقال : أي هجرا من القول ، وهو مصدر ونصبه بالقول ، أي لا تقولوا رعونة .

وقرأ زر بن حبيش والأعمش " راعونا " ، يقال لما نتأ من الجبل : رعن ، والجبل أرعن .

[ ص: 59 ] وجيش أرعن أي متفرق .

وكذا رجل أرعن ، أي متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا ، عن النحاس .

وقال ابن فارس : رعن الرجل يرعن رعنا فهو أرعن ، أي أهوج .

والمرأة رعناء .

وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل ، قال ابن دريد ذلك ، وأنشد للفرزدق :لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ما كانت البصرة الرعناء لي وطناالرابعة : قوله تعالى : وقولوا انظرنا أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه وسلم بالإجلال ، والمعنى : أقبل علينا وانظر إلينا ، فحذف حرف التعدية ، كما قال :ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك الظباءأي إلى الأراك .

وقال مجاهد : المعنى فهمنا وبين لنا .

وقيل : المعنى انتظرنا وتأن بنا ، قال [ هو امرؤ القيس ] :فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر ينفعني لدى أم جندبوالظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال ، وهذا هو معنى راعنا ، فبدلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود .

وقرأ الأعمش وغيره " أنظرنا " بقطع الألف وكسر الظاء ، بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك ، قال الشاعر [ هو عمرو بن كلثوم ] :أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقيناالخامسة : قوله تعالى : واسمعوا لما نهى وأمر جل وعز ، حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة وأعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: { رَاعِنَا } أي: راع أحوالنا, فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا, فانتهزوا الفرصة, فصاروا يخاطبون الرسول بذلك, ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة, سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز, إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب, واستعمال الألفاظ, التي لا تحتمل إلا الحسن, وعدم الفحش, وترك الألفاظ القبيحة, أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، { وَاسْمَعُوا } لم يذكر المسموع, ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن, وسماع السنة التي هي الحكمة, لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة.

ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله، من المراعاة أي أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا، يقال: أرعى إلى الشيء، ورعاه، وراعاه، أي أصغى إليه واستمعه، وكانت هذه اللفظة (شيئاً) قبيحاً بلغة اليهود، وقيل: وكان معناها عندهم اسمع لا سمعت.

وقيل: هي من الرعونة إذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا له: راعنا بمعنى يا أحمق فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمداً سراً، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها من أحدكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أو لستم تقولونها؟

فأنزل الله تعالى: {لا تقولوا راعنا} كيلا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{وقولوا انظرنا} أي انظر إلينا، وقيل: انتظرنا وتأن بنا، يقال: نظرت فلاناً وانتظرته، ومنه قوله تعالى: {انظرونا نقتبس من نوركم} [13-الحديد]، قال مجاهد: "معناها فهمناه".

{واسمعوا} ما تؤمرون به وأطيعوا.

{وللكافرين} يعني اليهود.

{عذاب أليم}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا» للنبي «راعنا» أمر من المراعاة وكانوا يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبي فنُهى المؤمنون عنها «وقولوا» بدلها «انظرنا» أي انظر إلينا «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «وللكافرين عذاب أليم» مؤلم هو النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم: راعنا، أي: راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا؛ لأن اليهود كانوا يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم يلوون ألسنتهم بها، يقصدون سبَّه ونسبته إلى الرعونة، وقولوا- أيها المؤمنون- بدلا منها: انظرنا، أي انظر إلينا وتعهَّدْنا، وهي تؤدي المعنى المطلوب نفسه واسمعوا ما يتلى عليكم من كتاب ربكم وافهموه.

وللجاحدين عذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإِساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :( يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ .

.

.

)( رَاعِنَا ) من المراعاة ، وهي المبالغة في الرعي بمعنى حفظ الغير ، وإمهاله ، وتدبير أموره ، وتدارك مصالحه ، وكان المؤمنون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول الله ، أي : راقبنا وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه ، فتلقف اليهود هذه الكلمة لموافقتها كلمة سيئة عندهم ، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم ، ويقولن ( رَاعِنَا ) يا أبا القاسم ، يظهرون أنهم يريدون طلب المراعاة والإِنتظار ، وهم يريدون في الحقيقة الإِساءة إليه - صلى الله عليه وسلم إذ أن هذه الكلمة عبرية كانوا يتسابون بها يقصدون جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة التي هي الحمق والخفة ، فنهى الله - تعالى - المسلمين عن استعمال هذه الكلمة حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والتنقيص من شأنه .قال قتادة : " كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا سمعك ، يستهزئون بذلك وكانت - هذه الكلمة - في اليهود قبيحة " .وقال الإِمام ابن كثير : " نهى الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيثه تورية لما يقصدونه من التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا ، يقولوا راعنا يورون بالرعونة كما قال تعالى :( مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا ، إنما يقولون السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بقولنا وعليكم ، وأنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا ، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا " .وقال الإِمام ابن تيمية : " كان المسلمون يقولن راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك ، يعنون المراعاة ، وكانت هذه اللفظة سباً قبيحاً بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموهها وقالوا فيما بينهم : كنا نسب محمداً سراً فأعلنوا له الآن بالشتم ، وكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها " سعد بن معاذ " ففطن لهم ، - وكان يعرف لغتهم - فقال لليهود : عليكم لعنة الله ، والذي والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضر بن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها ، فأنزل الله - تعالى - ( يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ) لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم .ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال تعالى : ( وَقُولُواْ انظرنا ) أي : لا تقولوا تلك الكلمة - وهي ( رَاعِنَا ) أيها المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة لسب نبيكم صلى الله عليه وسلم وقولوا مكانها ( انظرنا ) أي : انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم عنك ، من نظر بمعنى انتظر تقول نظرت الرجل انظره إذا انتظرته وارتقبته ، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى ( انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) أي : انتظرونا نقتبس من نوركم .فالآية الكريمة تنبيه وإرشاد إلى الأدب الجميل ، وهو أن يتجنوب الإِنسان في مخاطباته الألفاظ التي توهم جفاء أو تنقيصاً في مقام يقتضي إظههار مودة أو تعظيم تم بين - سبحانه - مصير اليهود المؤمل جزاء تعديهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سفقال : ( وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي : لهؤلاء اليهود الذين اتخذوا كلمة ( رَاعِنَا ) وسيلة إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم عذاب أليم جزاء كفرهم وتطاولم وسفاهتهم .هذا ، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود كانوا يحييون رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام محرف لا يفطن له أكثر الناس يقصدون به الدعاء عليه بالموت ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بما يكبتهم ويخزيهم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك قال :" 1 - مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعليك " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه - أتدرون ما يقول؟

قالوا : لا ، قال يقول " السام عليك " قالوا يا رسول الله ألا نقتله .

قال : " لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " " .2 - وأخرج الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت :" دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :السام عليك قالت عائشة : ففهمتها ، فقلت : عليكم السام واللعنة ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله " فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟قال " لقد قلت وعليكم " " .3 - وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال : " سلم ناس من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال : " وعليكم " فقالت عائشة وغضبت : ألم تسمع ما قالوا : قال بلى قد سمعت فرددت عليهم ، وإنما نجاب ولا يجابون علينا " .وإذن فالآية الكريمة وهي قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ) إلخ ، وهذه الأحاديث الشريفة تثبت أن اليهود كانوا يستعملون من بين مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية القول الملتوي القبيح ، والخطاب المحرف السيء ، ولكن الله - تعالى - أحبط خطتهم ، ونهى المؤمنين عن استعمال الألفاظ التي كان يتخذها اليهود ذريعة لبلوغ مآربهم ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم ، وبذلك ذهبت مكايد اليهود أدراج الرياح وأيد الله - تعالى - رسوله والمؤمنين بقوته ونصره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من هاهنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة  ﴾ ، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات.

المسألة الثانية: أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله: ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قوله: ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: ﴿ راعنا ﴾ لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي راعينا ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: ﴿ انظرنا ﴾ ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين  ﴾ ، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟

فنزلت هذه الآية.

وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها.

وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها.

ورابعها: أن قوله: راعنا مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لابد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً  ﴾ .

وخامسها: أن قوله: راعنا خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في انظرنا إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه.

وسادسها: أن قوله: راعنا على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر.

كقولهم: عياذاً بك، أي أعوذ عياذاً بك، فقولهم: راعنا: أي فعلت رعونة.

ويحتمل أنهم أرادوا به: صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة.

وسابعها: أن يكون المراد لا تقولوا قولاً: راعنا أي: قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن: كتامر ولابن.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ انظرنا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه من نظره أي انظره، قال تعالى: ﴿ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ  ﴾ فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة.

فإن قيل: أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتى يقولون هذا؟

فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه: اسمع أو سمعت.

الثاني: أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوحي وأخذ القرآن، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام.

وثانيها: انظرنا معناه انظر إلينا إلا أنه حذف حرف إلى كما في قوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ  ﴾ والمعنى من قومه، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى.

وثالثها: قرأ أبي بن كعب أنظرنا من النظرة أي أمهلنا.

أما قوله تعالى: ﴿ واسمعوا ﴾ فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة، أحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة.

وثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا.

وثالثها: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول، ومعنى العذاب الأليم قد تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ ﴾ برسول الله والقرآن ﴿ واتقوا ﴾ الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ﴾ .

وقرئ: ﴿ لَمَثْوَبَةٌ ﴾ ، كمشورة ومشورة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم.

فإن قلت: كيف أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية في جواب لو؟

قلت: لما في ذلك من الدلالة على اثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك، فإن قلت: فهلا قيل لمثوبة الله خير؟

قلت: لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ﴾ تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا.

ثم ابتدئ لمثوبة من عند الله خير.

كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه.

وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي (راعينا) فلما سمعوا بقول المؤمنين: راعنا.

افترصوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأُمروا بما هو في معناها وهو ﴿ انظرنا ﴾ من نظره إذا انتظره.

وقرأ أُبيّ: ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ راعونا ﴾ ، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير: وقرأ الحسن: ﴿ راعناً ﴾ ، بالتنوين من الرعن وهو الهوج، أي لا تقولوا قولاً راعنا منسوباً إلى الرعن رعينّاً، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سبباً في السب اتصف بالرعن ﴿ واسمعوا ﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة.

وروي: أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه.

فقالوا: أولستم تقولونها فنزلت.

﴿ وللكافرين ﴾ ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ من الأولى للبيان لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون؛ كقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ [البينة: 1] والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية.

والخير الوحي، وكذلك الرحمة كقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ ر بِكَ ﴾ [الزخرف: 32] والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي ﴿ والله ﴾ يختصّ بالنبوة ﴿ مَن يَشَآء ﴾ ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ إشعار بأنّ إيتاء النبوّة من الفضل العظيم كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 87] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا ﴾ الرَّعْيُ حِفْظُ الغَيْرِ لِمَصْلَحَتِهِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راعِنا أيْ راقِبْنا وتَأنَّ بِنا فِيما تُلَقِّنُنا حَتّى نَفْهَمَهُ، وسَمِعَ اليَهُودُ فافْتَرَصُوهُ وخاطَبُوهُ بِهِ مُرِيدِينَ نِسْبَتَهُ إلى الرَّعْنِ، أوْ سَبُّهُ بِالكَلِمَةِ العِبْرانِيَّةِ الَّتِي كانُوا يَتَسابُّونَ بِها وهي راعِينا، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها وأُمِرُوا بِما يُفِيدُ تِلْكَ الفائِدَةَ ولا يَقْبَلُ التَّلْبِيسَ، وهو انْظُرْنا بِمَعْنى انْظُرْ إلَيْنا.

أوِ انْتَظِرْنا مِن نَظَرَهُ إذا انْتَظَرَهُ.

وَقُرِئَ « أنْظِرْنا» مِنَ الإنْظارِ أيْ أمْهِلْنا لِنَحْفَظَ.

وقُرِئَ « راعُونا» عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّوْقِيرِ، وراعِنًا بِالتَّنْوِينِ أيْ قَوْلًا ذا رَعْنٍ نِسْبَةً إلى الرَّعَنِ وهو الهَوَجُ، لَمّا شابَهَ قَوْلُهم راعِينا وتَسَبَّبَ لِلسَّبِّ.

واسْمَعُوا وأحْسِنُوا الِاسْتِماعَ حَتّى لا تَفْتَقِرُوا إلى طَلَبِ المُراعاةِ، أوْ واسْمَعُوا سَماعَ قَبُولٍ لا كَسَماعِ اليَهُودِ، أوْ واسْمَعُوا ما أمَرْتُمْ بِهِ بِجِدٍّ حَتّى لا تَعُودُوا إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ.

﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ تَهاوَنُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَبُّوهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا} كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه وكانت لليهود كلمة يتسابون بها

عبرانية أو سريانية وهى راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون

البقرة (١٠٤ _ ١٠٧)

به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو انظرنا من نظره إذا انتظره {واسمعوا} وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا {وللكافرين} ولليهود الذين سبو رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ﴾ الرَّعْيُ حِفْظُ الغَيْرِ لِمَصْلَحَتِهِ سَواءٌ كانَ الغَيْرُ عاقِلًا أوْ لا، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ كَما أخَرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو سَبٌّ قَبِيحٌ بِلِسانِهِمْ، فَلَمّا سَمِعُوا أصْحابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُونَ: أعْلَنُوا بِها فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، ويَضْحَكُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَها مِنهُمْ، فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأضْرَبَنَّ عُنُقَهُ، قالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ونُهِيَ المُؤْمِنُونَ سَدًّا لِلْبابِ، وقَطْعًا لِلْألْسِنَةِ وإبْعادًا عَنِ المُشابَهَةِ، وأخْرَجَ عُبَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَتْ راعِنا لُغَةَ الأنْصارِ في الجاهِلِيَّةِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها في الإسْلامِ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّهم يُكْثِرُونَها في كَلامِهِمْ واسْتَعْمَلَها اليَهُودُ سَبًّا، فَنُهُوا عَنْها، وأمّا دَعْوى أنَّها لُغَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّها مَحْفُوظَةٌ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ، مُنْذُ كانُوا، وقِيلَ: ومَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، وقِيلَ: أرادُوا نِسْبَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحاشاهُ إلى الرَّعَنِ، فَجَعَلُوهُ مُشْتَقًّا مِنَ الرُّعُونَةِ، وهي الجَهْلُ، والحُمْقُ، وكانُوا إذا أرادُوا أنْ يُحَمِّقُوا إنْسانًا قالُوا: راعِنا، أيْ يا أحْمَقُ فالألِفُ حِينَئِذٍ لِمَدِّ الصَّوْتِ، وحَرْفُ النِّداءِ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ أصْلَ يا زَيْدُ، يا زَيْدا، بِالألِفِ لِيَكُونَ المُنادى بَيْنَ صَوْتَيْنِ، ثُمَّ اكْتُفِيَ بِيا ونُوِيَ الألِفُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ المَصْدَرَ، أيْ رَعَنْتَ رُعُونَةً، أوْ أرادُوا صِرْتَ راعِنا، وإسْقاطُ التَّنْوِينِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ، وجَعَلَهُ الكَثِيرُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا: راعِنا، وصِيغَةُ فاعِلٍ حِينَئِذٍ لِلنِّسْبَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، ووُصِفَ القَوْلُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ حَمْقاءُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ (راعَوْنا) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَمْعِ، لِلتَّوْقِيرِ، كَما أثْبَتَهُ الفارِسِيُّ، وذُكِرَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (ارْعَوْنا)، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أنَّ لَفْظَ المُفاعَلَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في الغالِبِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلَيْهِ لِيَقَعَ مِنكَ رَعى لَنا، ومِنّا رَعى لَكَ وهو مُخِلٌّ بِتَعْظِيمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ بِمَراحِلَ، ﴿ وقُولُوا انْظُرْنا ﴾ أيِ انْتَظِرْنا، وتَأنَّ عَلَيْنا، أوِ انْظُرْ إلَيْنا لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في الإفْهامِ والتَّعْرِيفِ، وكانَ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ بِإلى، لَكِنَّهُ تُوُسِّعَ فِيهِ فَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ نَ كَما يَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ وقِيلَ: هو مِن نَظَرِ البَصِيرَةِ، والمُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ والتَّدَبُّرُ فِيما يُصْلِحُ حالَ المَنظُورِ في أمْرِهِ، والمَعْنى: تَفَكَّرْ في أمْرِنا وخَيْرُ الأُمُورِ عِنْدِي أوْسَطُها، إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ نَظَرَ العَيْنِ بِالمُقْتَرِنِ بِتَدْبِيرِ الحالِ لِتَقُومَ هَذِهِ الكَلِمَةُ مَقامَ الأُولى خالِيَةً مِنَ التَّدْلِيسِ، وبَدَأ بِالنَّهْيِ لِأنَّهُ مِن بابِ التُّرُوكِ، فَهو أسْهَلُ، ثُمَّ أتى بِالأمْرِ بَعْدَهُ الَّذِي هو أشَقُّ لِحُصُولِ الِاسْتِئْناسِ قَبْلُ بِالنَّهْيِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ (أنْظِرْنا) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الظّاءِ مِنَ الإنْظارِ، ومَعْناهُ أمْهِلْنا حَتّى نَتَلَقّى عَنْكَ ونَحْفَظَ ما نَسْمَعُهُ مِنكَ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَشْهَدُ لِلْمَعْنى الأوَّلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، إلّا أنَّها عَلى شُذُوذِها لا تَأْبى ما اخَتَرْناهُ، ﴿ واسْمَعُوا ﴾ أيْ ما أمَرْتُكم بِهِ، ونَهَيْتُكم عَنْهُ بِجِدٍّ حَتّى لا تَعُودُوا إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، ولا تَتْرُكُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، أوْ هو أمْرٌ بِحُسْنِ الِاسْتِماعِ بِأنْ يَكُونَ بِإحْضارِ القَلْبِ وتَفْرِيغِهِ عَنِ الشَّواغِلِ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى طَلَبٍ صَرِيحِ المُراعاةِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى التَّقْصِيرِ في السَّماعِ حَتّى ارْتَكَبُوا ما تَسَبَّبَ لِلْمَحْذُورِ، والمُرادُ سَماعُ القَبُولِ، والطّاعَةِ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا، وإذا كانَ المُرادُ سَماعَ هَذا الأمْرِ، والنَّهْيِ، يَكُونُ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ.

﴿ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اللّامُ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا ما قالُوا، تَهاوُنًا بِالرَّسُولِ  المَعْلُومِ مِمّا سَبَقَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ التَّهاوُنَ بِرَسُولِ اللَّهِ  كُفْرٌ يُوجِبُ ألِيمَ العَذابِ، وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ النَّهْيِ ما فِيهِ، وجَعْلُها لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ اليَهُودُ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ لَيْسَ بِظاهِرٍ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا، يعني اليهود لو صدقوا بثواب الله واتقوا السحر، لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ يعني كان ثواب الله تعالى خيراً لهم من السحر والمثوبة والثواب بمعنى واحد وهو الجزاء على العمل وكذلك الأجر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فهذا نداء المدح، يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.

صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد، لاَ تَقُولُوا راعِنا.

وذلك أن المسلمين كانوا يأتون رسول الله-  - ويقولون: يا رسول الله راعنا، وهو بلغة العرب: أرعني سمعك.

وأصله في اللغة: راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله.

وكان هذا اللفظ بلغة اليهود سباً بالرعونة، فلما سمعت اليهود ذلك من المسلمين، أعجبهم ذلك وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمد سراً فالآن نسبه علانية، فكانوا يأتونه ويقولون له: راعنا يا محمد، ويريدون به السب.

وقال بعضهم: كان في لغتهم معناه اسمع لا سمعت، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا.

نهى المسلمين أن لا يقولوا بهذا اللفظ، وأمرهم أن يقولوا بلفظ أحسن منه.

قال الله تعالى: وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به.

ثم ذكر الوعيد للكفار فقال تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ، يعني اليهود.

وقرأ الحسن راعِنا بالتنوين.

وقال القتبي: من قرأ راعِنا بالتنوين جعله اسماً منه، مثاله: أن تقول: لا تقولوا حمقا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.

ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.

انتهى.

وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .

وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.

وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...

الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.

وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...

الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.

وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.

وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...

الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.

وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.

والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.

قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:

«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.

ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

هَارُوت ومَارُوت.

وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.

انتهى.

انظره.

وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...

الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...

وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»

وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.

٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.

انتهى.

ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:

اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.

م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.

انتهى.

وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.

وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ، والمَثُوبَةُ: الثَّوابُ.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يُعَلِّمُونَ بِعِلْمِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِلا تَنْوِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ، "وَراعِنا" بِلا تَنْوِينٍ مِن راعَيْتُ، وبِالتَّنْوِينِ مِنَ الرُّعُونَةِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: راعِنا بِالتَّنْوِينِ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ [الرَّعْنِ ] والرُّعُونَةِ، أرادَ: لا تَقُولُوا جَهْلًا ولا حُمْقًا.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ اسْتِنْصاتَ صاحِبِهِ، قالَ: أرْعِنِي سَمْعَكَ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: راعِنا، يُرِيدُونَ: أنْتَ أرْعَنُ.

وقَوْلُهُ: (انْظُرْنا) بِمَعْنى: انْتَظِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ: انْظُرْنا: اسْمَعْ مِنّا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُعَجِّلْ عَلَيْنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في الياقُوتَةِ أنَّ "يُعَلِّمانِ" بِمَعْنى يَعْلَمانِ ويَشْعُرانِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: تَعَلَّمْ رَسُولَ اللهِ أنَّكَ مُدْرِكِي وأنَّ وعِيدًا مِنكَ كالأخْذِ بِاليَدِ وحَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما نَزَلا يُعَلِّمانِ الناسَ بِالسِحْرِ ويَنْهَيانِ عنهُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: بَلِ التَعْلِيمُ عَلى عُرْفِهِ.

و"لا تَكْفُرُ": قالَتْ فِرْقَةٌ: بِتَعَلُّمِ السِحْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِاسْتِعْمالِهِ، وحَكىالمَهْدَوِيُّ أنَّ قَوْلَهُما: ﴿ إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  ﴾ اسْتِهْزاءً، لِأنَّهُما إنَّما يَقُولانِهِ لِمَن قَدْ تَحَقَّقا ضَلالَهُ.

و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن أحَدٍ  ﴾ زائِدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيَتَعَلَّمُونَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ يُعَلِّمُونَ الناسَ  ﴾ ومَنَعَهُ الزَجّاجُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ( ما يُعَلِّمانِ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما يُعَلِّمانِ  ﴾ وإنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ما النافِيَةُ فَمُضَمِّنُهُ الإيجابُ في التَعْلِيمِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ، واخْتارَهُ الزَجّاجُ.

والضَمِيرُ في "يُعَلِّمانِ" هو لِهارُوتَ ومارُوتَ المَلَكَيْنِ أوِ المَلَكَيْنِ العِلْجَيْنِ عَلى ما تَقَدَّمَ.

والضَمِيرُ في "مِنهُما" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلَيْهِما، وقِيلَ: عَلى السِحْرِ، وعَلى الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

و"يُفَرِّقُونَ" مَعْناهُ فِرْقَةُ العِصْمَةِ وقِيلَ مَعْناهُ يُؤَخِّذُونَ الرَجُلَ عَنِ المَرْأةِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى وطْئِها، فَهي أيْضًا فِرْقَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ "المُرُّ" بَراءٍ مَكْسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ تَشْدِيدُ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ "المَرْءُ" بِضَمِّ المِيمِ وهَمْزَةٍ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ.

وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ "المِرْءُ" بِكَسْرِ المِيمِ وهَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "المَرْءَ" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ.

والزَوْجُ هُنا امْرَأةُ الرَجُلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ: زَوْجَةٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أسَدِ الشَرى يَسْتَبِيلُها وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِضارِّينَ".

وقَرَأ الأعْمَشُ "بِضارِي بِهِ مِن أحَدٍ" فَقِيلَ: حُذِفَتِ النُونُ تَخْفِيفًا، وقِيلَ: حُذِفَتْ لِلْإضافَةِ إلى أحَدٍ، وحِيلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَجْرُورِ.

و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ، و"يَضُرُّهُمْ" مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، "وَلا يَنْفَعُهُمْ" فِيها أيْضًا وإنْ نَفَعَ في الدُنْيا بِالمَكاسِبِ، فالمُراعى إنَّما هو أمْرُ الآخِرَةِ.

والضَمِيرُ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَسَبَ الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: عَلى "الشَياطِينُ" وقِيلَ: عَلى "المَلَكَيْنِ" وهُما جَمْعٌ، وقالَ: "اشْتَراهُ لِأنَّهم كانُوا يُعْطُونَ الأُجْرَةَ عَلى أنْ يَعْلَمُوا، والخَلاقُ: النَصِيبُ والحَظُّ، وهو هُنا بِمَعْنى الجاهِ والقَدْرِ.

واللامُ في قَوْلِهِ "لَمَنِ" المُتَقَدِّمَةُ لِلْقَسَمِ، المُؤْذِنَةُ بِأنَّ الكَلامَ قَسَمٌ لا شَرْطٌ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "بِئْسَما"، و"شَرَوْا" مَعْناهُ: باعُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، والضَمِيرُ في "يُعَلِّمُونَ" عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِاتِّفاقٍ، ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلَيْهِمْ خَرَجَ هَذا الثانِي عَلى المَجازِ، أيْ لَمّا عَمِلُوا عَمَلَ مَن لا يَعْلَمُ، كانُوا كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلى "الشَياطِينُ" أو عَلى "المَلَكَيْنِ" قالَ: إنَّ أُولَئِكَ عَلِمُوا ألّا خَلاقَ لِمَنِ اشْتَراهُ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَعْلَمُوا، فَهو عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ مَكِّيُّ: الضَمِيرُ في "عَلِمُوا" لِعُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ لِلْمُتَعَلِّمِينَ مِنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ مَوْضِعُ أنَّ رَفْعٌ، المَعْنى: لَوْ وقَعَ إيمانُهُمْ، ويَعْنِي الَّذِينَ اشْتَرَوُا السِحْرَ، و"لَوَ" تَقْتَضِي جَوابًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُها "لَمَثُوبَةٌ" لِأنَّها مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْمُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، وجَوابُ "لَوَ" لا يَكُونُ إلّا ماضِيًا أو بِمَعْناهُ، وقالَ الأخْفَشُ: لا جَوابَ لِـ "لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَظْهَرًا ولَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوْ آمَنُوا لَأُثِيبُوا.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو السِمّالِ، وابْنُ بُرَيْدَةَ "لَمَثْوَبَةٌ" بِسُكُونِ الثاءِ، وفَتْحِ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ أيْضًا كَمَشُورَةٍ ومَشْوَرَةٍ.

و"مَثُوبَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "أنَّ".

والمَثُوبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الناسِ بِمَعْنى الثَوابِ والأجْرِ، وهَذا هو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: الرَجْعَةُ إلى اللهِ، مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، واللامُ فِيها لامُ القَسَمِ، لِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ مُسْتَغْنًى عنها، وهَذِهِ لا غِنى عنها.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ يُحْتَمَلُ نَفْيُ العِلْمِ عنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَنْفَعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "راعِنا" مِنَ المُراعاةِ بِمَعْنى فاعِلْنا، أيِ ارْعَنا نَرْعَكَ، وفي هَذا جَفاءٌ أنْ يُخاطَبَ بِهِ أحَدٌ نَبِيَّهُ، وقَدْ حَضَّ اللهُ تَعالى عَلى خَفْضِ الصَوْتِ عِنْدَهُ، وتَعْزِيرِهِ، وتَوْقِيرِهِ.

فَقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى: إنَّ اللهَ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عنهُ لِهَذِهِ العِلَّةِ، ولا مَدْخَلَ لِلْيَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، بَلْ هو نَهْيٌ عن كُلِّ مُخاطَبَةٍ فِيها اسْتِواءٌ مَعَ النَبِيِّ  .

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي لُغَةٌ كانَتِ الأنْصارُ تَقُولُها، فَقالَها رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ لِلنَّبِيِّ  لَيًّا بِلِسانِهِ وطَعْنًا، كَما كانَ يُقالُ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ تُقالَ هَذِهِ اللَفْظَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقْفُ هَذِهِ اللُغَةِ عَلى الأنْصارِ تَقْصِيرٌ، بَلْ هي لُغَةُ جَمِيعِ العَرَبِ، فاعِلٌ مِنَ المُراعاةِ، فَكانَتِ اليَهُودُ تَصْرِفُها إلى الرُعُونَةِ، يُظْهِرُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ المُراعاةَ، ويُبْطِنُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ الرُعُونَةَ الَّتِي هي الجَهْلُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ناسِخَةٌ لِفِعْلٍ قَدْ كانَ مُباحًا، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ شُرُوطُ النَسْخِ، لِأنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا مُتَقَرِّرًا.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "راعِنًا" بِالتَنْوِينِ وهَذِهِ مِن مَعْنى الجَهْلِ، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُهُ، فَنَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ القَوْلِ المُباحِ سَدَّ ذَرِيعَةٍ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ مِنهُ اليَهُودُ إلى المَحْظُورِ، إذِ المُؤْمِنُونَ إنَّما كانُوا يَقُولُونَ "راعِنا" دُونَ تَنْوِينٍ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "راعَوْنا"، وهي شاذَّةٌ، ووَجْهُها أنَّهم كانُوا يُخاطِبُونَ النَبِيَّ  كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ، يُظْهِرُونَ بِذَلِكَ إكْبارَهُ، وهم يُرِيدُونَ في الباطِنِ فاعُولًا مِنَ الرُعُونَةِ، و"انْظُرْنا" مَضْمُومَةُ الألْفِ والظاءِ مَعْناها: انْتَظِرْنا وأمْهِلْ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَفْقِدُنا، مِنَ النَظَرِ، وهَذِهِ لَفْظَةٌ مُخْلِصَةٌ لِتَعْظِيمِ النَبِيِّ  عَلى المَعْنَيَيْنِ.

والظاهِرُ عِنْدِي اسْتِدْعاءُ نَظَرِ العَيْنِ المُقْتَرِنِ بِتَدَبُّرِ الحالِ، وهَذا هو مَعْنى "راعِنا"، فَبُدِّلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ اللَفْظَةُ لِيَزُولَ تَعَلُّقُ اليَهُودِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وغَيْرُهُ "أنْظِرْنا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ، بِمَعْنى أخِّرْنا وأمْهِلْنا حَتّى نَفْهَمَ عنكَ ونَتَلَقّى مِنكَ.

ولَمّا نَهى اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأمِرَ، حَضَّ بَعْدُ عَلى السَمْعِ الَّذِي في ضِمْنِهِ الطاعَةُ، واعْلَمْ أنَّ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ فَكَفَرَ عَذابًا ألِيمًا، وهو المُؤْلِمُ، و"اسْمَعُوا" مَعْطُوفٌ عَلى "قُولُوا" لا عَلى مَعْمُولِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يتعين في مثل هذه الآية تطلب سبب نزولها ليظهر موقعها ووجه معناها، فإن النهي عن أن يقول المؤمنون كلمة لا ذم فيها ولا سخف لا بد أن يكون لسبب، وقد ذكروا في سبب نزولها أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبيء صلى الله عليه وسلم الشريعة والقرآن يتطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى يفهموه ويعوه فكانوا يقولون له راعنا يا رسول الله أي لا تتحرج منا وارفق وكان المنافقون من اليهود يشتمون النبيء صلى الله عليه وسلم في خلواتهم سراً وكانت لهم كلمة بالعبرانية تشبه كلمة راعنا بالعربية ومعناها في العبرانية سب، وقيل معناها لا سمعت، دعاء فقال بعضهم لبعض: كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن أو قالوا هذا وأرادوا به اسم فاعل من رعن إذا اتصف بالرعونة وسيأتي، فكانوا يقولون هاته الكلمة مع المسلمين ناوين بها السب فكشفهم الله وأبطل عملهم بنهي المسلمين عن قول هاته الكلمة حتى ينتهي المنافقون عنها ويعلموا أن الله أطلع نبيه على سرهم.

ومناسبة نزول هاته الآية عقب الآيات المتقدمة في السحر وما نشأ عن ذمه، أن السحر كما قدمنا راجع إلى التمويه، وأن من ضروب السحر ما هو تمويه ألفاظ وما مبناه على اعتقاد تأثير الألفاظ في المسحور بحسب نية الساحر وتوجهه النفسي إلى المسحور، وقد تأصل هذا عند اليهود واقتنعوا به في مقاومة أعدائهم.

ولما كان أذى الشخص بقول أو فعل لا يعلم مغزاهما كخطابه بلفظ يفيد معنى ومقصود المتكلم منه أذى، أو كإهانة صورته أو الوطء على ظله، كل ذلك راجعاً إلى الاكتفاء بالنية والتوجه في حصول الأذى، كان هذا شبيهاً ببعض ضروب السحر ولذلك كان من شعار من استهواهم السحر واشتروه ناسب ذكر هاته الحالة من أحوالهم عقب الكلام على افتتانهم بالسحر وحبه دون بقية ما تقدم من أحوالهم وهاته المناسبة هي موجب التعقيب في الذكر.

وإنما فصلت هذه الآية عما قبلها لاختلاف الغرضين لأن هذه في تأديب المؤمنين ثم يحصل منه التعريض باليهود في نفاقهم وأذاهم والإشعار لهم بأن كيدهم قد أطلع الله عليه نبيه.

وقد كانوا يعدون تفطن المسحور للسحر يبطل أثره فأشبهه التفطن للنوايا الخبيثة وصريح الآيات قبلها في أحوالهم الدينية المنافية لأصول دينهم ولأن الكلام المفتتح بالنداء والتنبيه ونحوه نحو ﴿ يا أيها الناس ﴾ ويا زيد وألا ونحوها لا يناسب عطفه على ما قبله وينبغي أن يعتبر افتتاح كلام بحيث لا يعطف إلا بالفاء إذا كان مترتباً عما قبله لأن العطف بالفاء بعيد عن العطف بالواو وأوسع من جهة التناسب.

و ﴿ راعنا ﴾ أمر من راعاه يراعيه وهو مبالغة في رعاه يرعاه إذا حرسه بنظره من الهلاك والتلف وراعى مثل رعى قال طرفة: خذول تراعى ربربا بخميلة *** وأطلق مجازاً على حفظ مصلحة الشخص والرفق به ومراقبة نفعه وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية ومنه رعاك الله ورعى ذمامه، فقول المسلمين للنبيء صلى الله عليه وسلم (راعنا) هو فعل طلب من الرعي بالمعنى المجازي أي الرفق والمراقبة أي لا تتحرج من طلبنا وارفق بنا.

وقوله: ﴿ وقولوا انظرنا ﴾ أبدلهم بقولهم: ﴿ راعنا ﴾ كلمة تساويها في الحقيقة والمجاز وعدد الحروف والمقصود من غير أن يتذرع بها الكفار لأذى النبيء صلى الله عليه وسلم وهذا من أبدع البلاغة فإنَّ نَظَرَ في الحقيقة بمعنى حَرَسَ وصار مجازاً على تدبير المصالح، ومنه قول الفقهاء هذا من النظر، والمقصود منه الرفق والمراقبة في التيسير فيتعين أن قوله: ﴿ انظرنا ﴾ بضم همزة الوصل وضم الظاء وأنه من النظر لا من الانتظار.

وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه وهو من أصول المذهب المالكي يلقب بسد الذرائع وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور.

وقوله تعالى: ﴿ واسمعوا ﴾ أريد به سماع خاص وهو الوعي ومزيد التلقي حتى لا يحتاجوا إلى طلب المراعاة أوالنظر وقيل: أراد من (اسمعوا) امتثلوا لأوامر الرسول قاله ابن عطية وهو أظهر.

وقوله: ﴿ وللكافرين عذاب أليم ﴾ التعريف للعهد.

والمراد بالكافرين اليهود خاصة أي تأدبوا أنتم مع الرسول ولا تتأسوا باليهود في أقوالهم: فلهم عذاب أليم، والتعبير بالكافرين دون اليهود زيادة في ذمهم.

وليس هنا من التذييل لأن الكلام السابق مع المؤمنين فلا يصلح ما بعده من تعميم حكم الكافرين لتذييل ما قبله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَقُولُوا.

..

وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أرْعِنا سَمْعَكَ، أيِ اسْمَعْ مِنّا ونَسْمَعُ مِنكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

واخْتَلَفُوا لِمَ نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ؟

عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كَلِمَةٌ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ  عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ والسَّبِّ; كَما قالُوا: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ القائِلَ لَها، كانَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ دُونَ غَيْرِهِ، يُقالُ لَهُ: رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ، كانَتِ الأنْصارُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ في الإسْلامِ عَنْها.

﴿ وَقُولُوا انْظُرْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أفْهِمْنا وبَيِّنْ لَنا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ أمْهِلْنا.

والثّالِثُ: مَعْناهُ أقْبِلْ عَلَيْنا وانْظُرْ إلَيْنا.

﴿ واسْمَعُوا ﴾ يَعْنِي ما تُؤْمَرُونَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك في الزهد وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور في سننه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس.

أن رجلاً أتاه فقال: اعهد إلي.

فقال: إذا سمعت الله يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن خيثمة قال: ما تقرأون في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فإنه في التوراة يا أيها المساكين.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن خيثمة قال: ما كان في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فهو في التوراة والإِنجيل يا أيها المساكين.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ﴿ راعنا ﴾ بلسان اليهود السب القبيح، فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سراً، فلما سمعوا أصحابه يقولون أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله الآية.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ وذلك أنها سبة بلغة اليهود.

فقال تعالى ﴿ قولوا انظرنا ﴾ يريد اسمعنا، فقال المؤمنون بعدها: من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه، فانتهت اليهود بعد ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ارعنا سمعك، وإنما راعنا كقولك اعطنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال: «كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا له وهما يكلمانه: راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا: ارعنا سمعك فاعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا انظرنا ليعزروا رسوله ويوقروه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال: قولا كانت اليهود تقوله استهزاء فكرهه الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم.

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عطية في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال: كان أناس من اليهود يقولون: راعنا سمعك حتى قالها أناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود.

وأخرج ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ أي ارعنا سمعك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال: خلافاً.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك ﴿ وقولوا انظرنا ﴾ أفهمنا، بين لنا.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه: ارعني سمعك.

فنهوا عن ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن عطاء في قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية ونهاهم الله أن يقولوها، وقال: ﴿ قولوا انظرنا واسمعوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ: راعناً، وقال: الراعن من يقول السخري منه.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ واسمعوا ﴾ قال: اسمعوا ما يقال لكم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله آية فيها ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إلا وعليّ رأسها وأميرها.

قال أبو نعيم: لم نكتبه مرفوعاً إلا من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رأوه موقوفاً» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾ يقال: أرعى إلى الشيء، وراعاه: إذا أصغى إليه، مثل: عافاه وأعفاه.

قال الفراء: هو من الإرعاء والمراعاة (١) وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: راعِنا سمعَك، أي: اسمع منّا حتى نفهمَك وتفهمَ عنّا، والعرب تقول: أرْعِنا سمعَك، وراعِنا سمعَك بمعنى واحد (٢) (٣) (٤) قال الكلبي: عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي  : راعِنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا قبيحًا، فلما سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله  أعجبتهم، وكانوا يأتونه ويقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (٥)  (٦) (٧) (٨) وهذا النهي اختص بذلك الوقت؛ لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذه اللفظة الآن.

وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ أي: انتظرنا والعرب تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، قال الحطيئة: وقد نَظَرْتُكُمُ إبناءَ صَادِرةٍ (٩) ومعنى (انظرنا) هاهنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون (انظرنا) أي: انظر إلينا، فحذف حرف الصفة، كقول قيس بن الخطيم (١٠) ظاهراتُ الجَمال والحُسْنِ ينظُرنَ ...

كما ينظرُ الأراكَ الظباءُ (١١) (١٢) ونذكر معاني النظر عند قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ  ﴾ إن شاء الله.

قال: المفسرون أمروا أن يقولوا: انظرنا، بدل راعنا.

وقوله تعالى: ﴿ وَاسْمَعُوا ﴾ أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع (١٣) (١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 69.

(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1430، (مادة: رعن).

(٣) ذكر الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 188 أن في (راعنا) ثلاثة أقوال: أحدها: راعنا، من أرعنا سمعك.

والثاني: من المراعاة والمكافأة، فقيل لهم: لا تقولوا: راعنا، أي: كافئنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، وقولوا أنظِرنا، أي: أمهلنا، واسمعوا، كأنه قيل لهم استمعوا.

والثالث: راعنا، كلمة تجري على الهزء والسخرية، فنهي المسلمون أن يتلفظوا بها بحضرة النبي  .

(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1430، "المفردات" للراغب204، "مقاييس اللغة" 2/ 407، "البحر المحيط" 1/ 336، "تاج العروس" 18/ 238 (رعن).

(٥) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس، شهد بدرًا، واستشهد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة.

ينظر: "تقريب التهذيب" ص 230 (2255) ط.

دار الرسالة.

(٦) من قوله: أعجبتهم ...

ساقطة من (ش).

(٧) ساقطة من (ش).

(٨) أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 47 من طريق عبد الغني بن سعيد عن موسى ابن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، والإسنادان ضعيفان كما ذكرت في الدراسة.

وذكر الثعلبي القصة ولم يسندها لأحد 1/ 1087 وكذا قال مقاتل في "تفسيره".

وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 36، عن عطاء عن ابن عباس، والسيوطي في "لباب النقول" ص 19 وفي "الدر" 1/ 195 - 196 وعزاه لأبي نعيم في "الدلائل".

ويشهد له ما أخرجه الطبري 1/ 469 عن قتادة بمعناه، وذكره ابن حجر في "العجاب" 1/ 344، وفي "فتح الباري" 8/ 163 وقال: وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف جداً عن ابن عباس.

والصحابي الذي ذكره الواحدي في "أسباب النزول" هو سعد بن عبادة، وكذا هو عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 59.

وهناك أسباب أخرى وردت في نزول الآية، ذكرها الطبري 1/ 470، وابن أبي حاتم 1/ 196، والسيوطي في "الدر" 1/ 195 - 196.

(٩) عجز البيت: للخمس طال بها حَوْزي وتنساسي في "ديوانه" ص 106، "تفسير الطبري" 1/ 473، "لسان العرب" 7/ 4466، "المعجم المفصل" 4/ 71، وفي رواية: للورد بدل للخمس والشطر الأول عند الطبري إعشاء: بدل إيناء.

وهذه قصيدة مدح بها الحطيئة بغيض بن عامر بن شمّاس ويهجو الزبرقان بن بدر.

والإيناء: مصدر آنيت الشيء: إذا أخرته.

والصادرة: الإبل التي تصدر على الماء والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ثم ترد في الرابع، والحوز: السوق اللين، والتنساس: السوق الشديد لورود الماء، والشاعر يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار.

(١٠) هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، اشتهر عنه تتبعه قاتلي أبيه وجده حتى قتلهما، أدرك الإسلام لكنه لم يسلم، قتل سنة 2 ق هـ.

ينظر "جمهرة أشعار العرب" 123، و"الأعلام" 5/ 205.

(١١) نسب هذا البيت لقيس بن الخطيم كما في إحدى نسخ الثعلبي الخطية وفي بعضها بلا نسبة.

"تفسير الثعلبي" 1/ 1090.

وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" ص 454.

ونسب لعبد الله بن قيس الرقيّات وهو في "ديوانه" ص 88، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 339، و"الدر المصون" 1/ 332.

(١٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 70، "تفسير الطبري" 1/ 473، "المفردات" 490 - 500، "اللسان" 7/ 4464، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 473 - 474: أن معناها: انظرنا وارقبنا، نفهم ما تقول لنا وتعلمنا، قال: وقد قرئ (أنظِرنا)، أي: أخرنا، ولا وجه له في هذا الموضع؛ لأن الصحابة أمروا بالدنو من رسول الله  والاستماع له لا بالتأخر عنه، قال: وقد قيل: إن معناها: أمهلنا، وبيَّنَ أنها قريبة المعنى مما ذكر لكن لا يقرأ بها.

انتهى ملخصًا.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 3/ 1091، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 225.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ﴾ كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله راعنا، وذلك من المراعاة أي: راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها: ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي صلى الله عليه وسلم، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن هذه الكلمة؛ لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، فالنهي سدَّا للذريعة، وأمروا أن يقولوا؛ انظرنا، لخلوّه عن ذلك الاحتمال المذموم، فهو من النظر والانتظار، وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير ﴿ واسمعوا ﴾ عطف على قولوا، لا على معمولها.

ولا معنى: الأمر بالطاعة والانقياد ﴿ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ جنس يعم نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب، ولذلك فسره بهما، ومعنى الآية أنهم: لا يحبون أن ينزل الله خيراً على المسلمين ﴿ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ من للتبعيض، وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: ما يودّ ﴿ بِرَحْمَتِهِ ﴾ قيل: القرآن وقيل: النبوة وللعموم أولى، ومعنى الآية: الردّ على من كره الخير للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله  : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.

الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).

التفسير: لما شرح الله  قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله  وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه  لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة  ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه  يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه  يقرّبهم منه في دار السلام.

وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.

فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.

ولكن جمهور المفسرين على أنه  إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.

ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله  إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا  ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .

روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله  لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟

فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.

وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً  ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.

وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.

فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.

وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ أمرهم الله  أن يسألوه  الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.

وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.

وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.

وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.

﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله  وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.

"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.

كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.

والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً  ﴾ .

قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.

روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد  يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.

وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.

والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.

فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.

وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.

ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.

ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.

ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.

وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟

وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.

وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.

وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.

ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله  ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.

المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.

لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له  أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.

وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد  ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.

ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.

حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له  لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله  ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.

والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى  ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا  ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.

وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه  بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.

فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.

والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله  ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه  فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.

وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.

المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.

وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.

وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.

وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول  ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.

ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.

وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة  ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.

ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي  ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم  ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين  ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.

قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.

ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.

وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية  ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.

وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.

حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.

المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.

ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.

ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له  كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.

قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلا ما شاء الله  ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.

وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.

وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.

ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.

وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.

فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.

قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.

وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.

ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.

سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.

سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.

الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.

وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.

وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.

وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.

الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.

وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.

وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.

وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله  .

وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.

قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.

ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.

أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله  "الشيخ والشيخة" الخ.

﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.

والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي  فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.

ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.

وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.

والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.

والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .

﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.

فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل  لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.

وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله  في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.

فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً  أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.

فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.

وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.

وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟

ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.

فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه  أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.

قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.

ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.

أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.

ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.

وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.

وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

قيل: كانت الأَنصار في الجاهلية يقولون هذا لرسول الله -  - فنهاهم الله -  - أَن يقولوها.

وقيل: كانت اليهود تقول للنبي  : راعنا من الرعونة؛ من قولك للرجل: يا أَرعن، وللمرأَة يا: رعناء.

وكان الحسن يقرؤها: (راعناً) بالتنوين.

وقال الكلبيُّ: كان في كلام اليهود ﴿ رَاعِنَا ﴾ سبّاً قبيحاً؛ يسب بعضهم بعضاً، وكانوا يأْتون محمداً  ؛ فيقولون: راعنا، ويضحكون، فنهى المؤمنين عن ذلك خلافاً لهم.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا ﴾ .

قيل: فهمنا بقولٍ بيِّنٍ لنا.

وقال مقاتل: أَي اقصدنا.

وقيل: إن الأَمر بالإنظار يقع موقع التشفع في النظرة لوجهين: بالصحبة مرةً، وبالخطاب ثانياً فقولهم: ﴿ ٱنْظُرْنَا ﴾ لما لا يبلغ أفهامنا القدر الذي يعني ما يخاطبنا به.

والثاني: على قصور عقولهم عما يستحقه من الصحبة والإيجاب له  .

فأَما الأَمر بـ"راعنا"، فهو استعمال في الظاهر بالمراعاة، وذلك يخرج على التكبر عليه، وترك التواضع له، والخضوع.

وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ .

أَي: أَجيبوا له.

وقيل: أَطيعوا له.

وقيل: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ أَي: اسمعوا وَعُوا.

وقوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ أي: ما يريد وما يتمنى ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما يود هؤلاء ﴿ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أَنهم كانوا يَهوون ويحبون أَن يبعث الرسول من أَولاد إِسرائيل وهم كانوا من نسله.

فلما بعث من أَولاد إسماعيل -  - على خلاف ما أَحبوا وهَووا، لم تطب أَنفسُهم بذلك، بل كرهت، وأَبت أَشدَّ الإِباءِ والكراهية.

والثاني: لم يُحبُّوا ذلك؛ لما كانت تذهب منَافعُهم التي كانت لهم، والرياسةُ بخروجه  ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ .

قيل: الخير؛ النبوة.

وقيل: الخير؛ الإسلام.

وقيل: الخير؛ الرسول هاهنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

تنقض على المعتزلة قولَهم؛ لأَنهم يقولون: إن على الله أَن يعطيَ لكلٍّ الأَصلحَ في الدين، في كل وقتٍ، وكل زمانٍ.

فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى، ولا وجه.

والثاني: قال: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ والمفضل عند الخلق هو الذى يُعطِي ويَبْذُل ما ليس عليه، لا ما عليه، لأَن من عليه شيء فأَعطاه، أَو قضى ما عليه من الدَّيْن، لا يوصف بالإفضال؛ فدل أَنه استوجب ذلك الاختصاص، وذلك الفضل، لما لم يكن عليه ذلك، ولو كان عليه لكان يقول: ذو العدل، لا ذو الفضل، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوجه الله تعالى المؤمنين إلى حسن اختيار الألفاظ قائلًا لهم: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا كلمة: ﴿ رَاعِنَا ﴾ ؛ أي: راع أحوالنا؛ لأن اليهود يحرفونها ويخاطبون بها النبي  ، يقصدون بها معنًى فاسدًا وهو الرعونة، فنهى الله عن هذه الكلمة سدًّا لهذا الباب، وأمر عباده أن يقولوا بدلًا عنها: ﴿ انْظُرْنَا ﴾ ؛ أي: انتظرنا نفهم عنك ما تقول، وهي كلمة تؤدي المعنى بلا محذور.

وللكافرين بالله عذاب مؤلم موجع.

<div class="verse-tafsir" id="91.MxQ2Y"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن هذا النهي له صلة وارتباط بشأن اليهود لا محالة، لأن الكلام لا يزال في شؤونهم مع النبي  والمؤمنين، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون سبب النهي هو كون الكلمة تستعمل للشتم في العبرانية، ولا أقول بهذا إلا بنقل صحيح عمن يعرف هذه اللغة، وللمفسرين وجوه أخرى في تعليل النهي، فعن مجاهد وغيره أن معنى الكلمة (خلاف) والمراد لا تخالفوه كما يفعل أهل الكتاب، ولكن اعترض على هذا الوجه بأن ليس له شاهد من اللغة.

والمعروف في اللغة أن ﴿ رَاعِنَا  ﴾ من المراعاة وهي تقتضي المشاركة في الرعاية أي ارعنا نرعك، وفي خطاب النبي بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر، فالنهي عنه تأديب كقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  ﴾ كأنه يقول لا تكونوا كهؤلاء الغلاظ القلوب الذين قصصنا عليكم خبرهم أو الذين عرفتم سوء أدبهم الأنبياء بل اجمعوا بين الطاعة والأدب.

..

وههنا وجه آخر وهو أنه يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر إذا رعى معها، فيجوز أن اليهود كانوا يحرفون الكلمة بصرفها إلى هذا المعنى فنهى الله المسلمين عن هذه الكلمة وشنع على اليهود بإظهار سوء قصدهم فيها.

وقد رضوا بصرف اللفظ إلى هذا المعنى وإن كان يتضمن أنهم حمر لأن السَّبَّاب يسب نفسه كما يسب غيره فهو على حد قول القائل: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا  ﴾ نهاهم تعالى عن كلمة كانوا يقولونها وأمرهم بكلمة خير منها تفيد ما كانوا يريدونه منها.

فكلمة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ تفيد معنى كلمة ﴿ رَاعِنَا  ﴾ فإن فيها معنى الإنظار والإمهال ويؤيد هذا المعنى قراءة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ من الأنظار وفيها معنى المراقبة وهو ما يستفاد من النظر بالعين.

تقول: نظرت الشيء ونظرت إليه، إذا وجهت إليه بصرك ورأيته وتقول نظرته بمعنى انتظرته ومنه ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

أذن الله تعالى لهم بهذه الكلمة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ وأمرهم بالسماع للنبي ليعوا عنه ما يقول من الدين.

وهو أمر يتضمن الطاعة والاستجابة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ لبيان أن ما صدر عن اليهود من سوء الأدب في خطاب الرسول هو أثر من آثار الكفر الذي يعذبون عليه العذاب الموجع أشد الإيجاع، وللتنبيه على أن التقصير في الأدب معه  ذنب مجاور للكفر يوشك أن يجر إليه فيجب الاحتراس منه بترك الألفاظ الموهمة للمساواة، بله الألفاظ المنافية للآداب.

وإنما كان عدم الإصغاء لما يقول الرسول  وخطابه خطاب الأكفاء والنظراء مجاورًا للكفر لأنه يتكلم على الله  لسعادة من يسمع ويعقل ويأخذ ما يؤمر به بالأدب ويسأل عما لا يفهمه بالأدب، ومن فاتته هذه السعادة فهو الشقي الذي لا يعدل بشقائه شقاء.

ومعنى هذه المجاورة أن سوء الأدب بنحو ما حكي عن اليهود في سورة النساء هو من الكفر الصريح ولذلك قال بعده ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا  ﴾ فالألفاظ التي تحاكي الألفاظ التي تُوُعَّدوا عليها بهذا الوعيد على أنها كفر إذا صدرت من المؤمن غير محرفة ولا مقصودًا بها ما كانوا يقصدون تسمى مجاورة لألفاظ الكفر لأنها موهمة وخارجة عن حدود الأدب اللائق بالمؤمنين.

وإن لمن جاء بعد الرسول حظًا من هذا التأديب وليس هو خاصًا بمن كان في عصره من المؤمنين، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم وكان يجب الاستماع له والإنصات لأجل تدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيء، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته والاهتداء بهديه، فيا هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون؟

إنهم يلغطون في مجلس القرآن فلا يستمعون ولا ينصتون، ومن أنصت فإنما ينصت طربًا بالصوت واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولونه في مجالس الغناء، ويهتزون للتلاوة ويصوتون بأصوات مخصوصة كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيء من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف  مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ولا سيما العفة والأمانة.

أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها، وتتوعد على تركه بجعله مجاورًا للكفر الذي يسوق صاحبه إلى العذاب الأليم ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ  أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ يقول تعالى للمؤمنين إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة لا بلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعداوتهم، ولا يضركم كفرهم وعنادهم، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، والقرآن أعظم الخيرات لأنه النظام الكامل، والفضل الشامل، والهداية العظمى، والآية الكبرى، جمع به شملكم، ووصل حبلكم، ووحد شعوبكم وقبائلكم، وطهر عقولكم من نزعات الوثنية، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية، وأقامكم على سنن الفطرة وشرع لكم الحنيفية السمحة، فكيف لا بحرق الحسد عليه أكبادهم، ويخرق أضغانهم عليكم وأحقادهم؟.

و ﴿ مَنْ  ﴾ الأولى من الصلة كالتي تقدمت.

وإنما جعلت للاستغراق لأنها تدل على البعضية وزيادة لوقوعها في خبر النفي فهي هنا بمعنى: أي شيء من الخير، أي فما بالكم بهذا الخير العظيم، أليس هو أولى بأن يكون أكبر مثير لحسدهم، ومغر بعنادهم؟

ثم إن الله تعالى رد عليهم بما بين جهلهم وجهل جميع الحاسدين فقال ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  ﴾ أي أن الحاسد لغباوته وفساد طويته يكون ساخطًا على الله تعالى ومعترضًا عليه أن أنعم على المحسود بما أنعم، ولا يضر الله تعالى سخط الساخطين، ولا يحول مجاري نعمه حسد الحاسدين، فالله يختص برحمته من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

أسند كلا من هذين الأمرين إلى اسم الذات الأعظم البيان أنهما حقه لذاته فليس لأحد من عبيده أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله