الآية ١٠٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٦ من سورة البقرة

۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 227 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ما ننسخ من آية ) ما نبدل من آية .

وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( ما ننسخ من آية ) أي : ما نمح من آية .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ما ننسخ من آية ) قال : نثبت خطها ونبدل حكمها .

حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية ، ومحمد بن كعب القرظي ، نحو ذلك .

وقال الضحاك : ( ما ننسخ من آية ) ما ننسك .

وقال عطاء : أما ( ما ننسخ ) فما نترك من القرآن .

وقال ابن أبي حاتم : يعني : ترك فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال السدي : ( ما ننسخ من آية ) نسخها : قبضها .

وقال ابن أبي حاتم : يعني : قبضها : رفعها ، مثل قوله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة .

وقوله : " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا " .

وقال ابن جرير : ( ما ننسخ من آية ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره ، وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا ، والمحظور مباحا .

ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة .

فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ .

وأصل النسخ من نسخ الكتاب ، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها ، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره ، إنما هو تحويله ونقل عبادة إلى غيرها .

وسواء نسخ حكمها أو خطها ، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة .

وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ ، والأمر في ذلك قريب ; لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ، ولخص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر .

فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل ، وعكسه ، والنسخ لا إلى بدل .

وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فن أصول الفقه .

وقال الطبراني : حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد ، حدثنا أبي ، حدثنا العباس بن الفضل ، عن سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرءان بها ، فقاما ذات ليلة يصليان ، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها مما نسخ وأنسي ، فالهوا عنها " .

فكان الزهري يقرؤها : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) بضم النون خفيفة .

سليمان بن أرقم ضعيف .

[ وقد روى أبو بكر بن الأنباري ، عن أبيه ، عن نصر بن داود ، عن أبي عبيد ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس وعبيد وعقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعا ، ذكره القرطبي ] .

وقوله تعالى : ( أو ننسها ) فقرئ على وجهين : " ننسأها وننسها " .

فأما من قرأها : " ننسأها " بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه : نؤخرها .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ما ننسخ من آية أو ننسئها ) يقول : ما نبدل من آية ، أو نتركها لا نبدلها .

وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود : ( أو ننسئها ) نثبت خطها ونبدل حكمها .

وقال عبيد بن عمير ، ومجاهد ، وعطاء : ( أو ننسئها ) نؤخرها ونرجئها .

وقال عطية العوفي : ( أو ننسئها ) نؤخرها فلا ننسخها .

وقال السدي مثله أيضا ، وكذا [ قال ] الربيع بن أنس .

وقال الضحاك : ( ما ننسخ من آية أو ننسئها ) يعني : الناسخ من المنسوخ .

وقال أبو العالية : ( ما ننسخ من آية أو ننسئها ) أي : نؤخرها عندنا .

وقال ابن حاتم : حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي ، حدثنا خلف ، حدثنا الخفاف ، عن إسماعيل يعني ابن مسلم عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : خطبنا عمر ، رضي الله عنه ، فقال : يقول الله عز وجل : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) أي : نؤخرها .

وأما على قراءة : ( أو ننسها ) فقال عبد الرزاق ، عن قتادة في قوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) قال : كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء .

وقال ابن جرير : حدثنا سواد بن عبد الله ، حدثنا خالد بن الحارث ، حدثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : ( أو ننسها ) قال : إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ثم نسيه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا محمد بن الزبير الحراني ، عن الحجاج يعني الجزري عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار ، فأنزل الله ، عز وجل : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) قال أبو حاتم : قال لي أبو جعفر بن نفيل : ليس هو الحجاج بن أرطاة ، هو شيخ لنا جزري .

وقال عبيد بن عمير : ( أو ننسها ) نرفعها من عندكم .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن القاسم بن ربيعة قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ : " ما ننسخ من آية أو تنسها " قال : قلت له : فإن سعيد بن المسيب يقرأ : " أو تنسها " .

قال : فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب ، قال الله ، جل ثناؤه : ( سنقرئك فلا تنسى ) [ الأعلى : 6 ] ( واذكر ربك إذا نسيت ) [ الكهف : 24 ] .

وكذا رواه عبد الرزاق ، عن هشيم وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي ، عن آدم ، عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، به .

وقال : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن محمد بن كعب ، وقتادة وعكرمة ، نحو قول سعيد .

وقال الإمام أحمد : أخبرنا يحيى ، حدثنا سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر : علي أقضانا ، وأبي أقرؤنا ، وإنا لندع بعض ما يقول أبي ، وأبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فلن أدعه لشيء .

والله يقول : ( ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ) .

قال البخاري : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر : أقرؤنا أبي ، وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أبي ، وذلك أن أبيا يقول : لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد قال الله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) وقوله : ( نأت بخير منها أو مثلها ) أي : في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( نأت بخير منها ) يقول : خير لكم في المنفعة ، وأرفق بكم .

وقال أبو العالية : ( ما ننسخ من آية ) فلا نعمل بها ، ( أو ننسأها ) أي : نرجئها عندنا ، نأت بها أو نظيرها .

وقال السدي : ( نأت بخير منها أو مثلها ) يقول : نأت بخير من الذي نسخناه ، أو مثل الذي تركناه .

وقال قتادة : ( نأت بخير منها أو مثلها ) يقول : آية فيها تخفيف ، فيها رخصة ، فيها أمر ، فيها نهي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } إلَى غَيْره , فَنُبَدِّلهُ وَنُغَيِّرهُ .

وَذَلِك أَنْ يُحَوِّل الْحَلَال حَرَامًا وَالْحَرَام حَلَالًا , وَالْمُبَاح مَحْظُورًا وَالْمَحْظُور مُبَاحًا ; وَلَا يَكُون ذَلِكَ إلَّا فِي الْأَمْر وَالنَّهْي وَالْحَظْر وَالْإِطْلَاق وَالْمَنْع وَالْإِبَاحَة , فَأَمَّا الْأَخْبَار فَلَا يَكُون فِيهَا نَاسِخ وَلَا مَنْسُوخ .

وَأَصْل النَّسْخ مِنْ " نَسْخ الْكِتَاب " وَهُوَ نَقْله مِنْ نُسْخَة إلَى أُخْرَى غَيْرهَا , فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخ الْحُكْم إلَى غَيْره إنَّمَا هُوَ تَحْوِيله وَنَقْل عِبَارَته عَنْهُ إلَى غَيْره .

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى نَسْخ الْآيَة فَسَوَاء - إذَا نُسِخَ حُكْمهَا فَغُيِّرَ وَبُدِّلَ فَرْضهَا وَنُقِلَ فَرْض الْعِبَاد عَنْ اللَّازِم كَانَ لَهُمْ بِهَا - أَأُقِرُّ خَطّهَا فَتُرِكَ , أَوْ مُحِيَ أَثَرهَا , فَعُفِيَ وَنُسِيَ , إذْ هِيَ حِينَئِذٍ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَة .

وَالْحُكْم الْحَادِث الْمُبَدَّل بِهِ الْحُكْم الْأَوَّل وَالْمَنْقُول إلَيْهِ فَرْض الْعِبَاد هُوَ النَّاسِخ , يُقَال مِنْهُ : نَسَخَ اللَّه آيَة كَذَا وَكَذَا يَنْسَخهُ نَسْخًا , وَالنُّسْخَة الِاسْم .

وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَقُول .

1448 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : ثنا خَالِد بْن الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا } قَالَ : إنَّ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئ قُرْآنًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَا يَكُنْ شَيْئًا , وَمِنْ الْقُرْآن مَا قَدْ نُسِخَ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ .

اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَا نَنْسَخ } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1449 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَمَّار , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } أَمَّا نَسْخهَا فَقَبْضهَا .

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1450 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } يَقُول : مَا نُبَدِّل مِنْ آيَة .

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1451 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُمْ قَالُوا : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } نُثْبِت خَطّهَا وَنُبَدِّل حُكْمهَا .

* وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } نُثْبِت خَطّهَا , وَنُبَدِّل حُكْمهَا , حُدِّثْت بِهِ عَنْ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود .

* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْر بْن شَوْذَب , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } نُثْبِت خَطّهَا .

أَوْ نُنْسِهَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ نُنْسِهَا } .

اخْتَلَفَتْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله ذَلِكَ , فَقَرَأَهَا قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { أَوْ نُنْسِهَا } وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل , أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون تَأْوِيله : مَا نَنْسَخ يَا مُحَمَّد مِنْ آيَة فَنُغَيِّر حُكْمهَا أَوْ نُنْسِهَا .

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : { مَا نُنْسِك مِنْ آيَة أَوْ نَنْسَخهَا نَجِئْ بِمِثْلِهَا } , فَذَلِكَ تَأْوِيل النِّسْيَان .

وَبِهَذَا التَّأْوِيل قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1452 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } كَانَ يَنْسَخ الْآيَة بِالْآيَةِ بَعْدهَا , وَيَقْرَأ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ تُنْسَى وَتُرْفَع .

* حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا } قَالَ : كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره يُنْسِي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ وَيَنْسَخ مَا شَاءَ .

1453 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : { نُنْسِهَا } نَرْفَعهَا مِنْ عِنْدكُمْ .

1454 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا خَالِد بْن الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { أَوْ نُنْسِهَا } قَالَ : إنَّ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئَ قُرْآنًا , ثُمَّ نَسِيَهُ .

وَكَذَلِك كَانَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَتَأَوَّل الْآيَة إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : { أَوْ تَنْسَهَا } بِمَعْنَى الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَأَنَّهُ عَنَى أَوْ تَنْسَهَا أَنْت يَا مُحَمَّد .

ذِكْر الْأَخْبَار بِذَلِكَ : 1455 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْن عَطَاء , عَنْ الْقَاسِم , قَالَ : سَمِعْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَقُول : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ تَنْسَهَا } قُلْت لَهُ : فَإِنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقْرَؤُهَا : { أَوْ تَنْسَهَا } قَالَ : فَقَالَ سَعْد : إنَّ الْقُرْآن لَمْ يَنْزِل عَلَى الْمُسَيِّب وَلَا عَلَى آل الْمُسَيِّب , قَالَ اللَّه : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } 87 6 { وَاذْكُرْ رَبّك إذَا نَسِيت } .

18 24 * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عَطَاء , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن رَبِيعَة بْن قَانِف الثَّقَفِيّ , قَالَ : سَمِعْت ابْن أَبِي وَقَّاص يَذْكُر نَحْوه .

* حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَآدَم الْعَسْقَلَانِيّ قَالَا جَمِيعًا , عَنْ شُعْبَة , عَنْ يَعْلَى بْن عَطَاء , قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِم بْن رَبِيعَة الثَّقَفِيّ يَقُول : قُلْت لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص : إنِّي سَمِعْت ابْن الْمُسَيِّب يَقْرَأ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ تَنْسَهَا } فَقَالَ سَعْد : إنَّ اللَّه لَمْ يُنْزِل الْقُرْآن عَلَى الْمُسَيِّب وَلَا عَلَى ابْنه , إنَّمَا هِيَ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ تَنْسَهَا } يَا مُحَمَّد .

ثُمَّ قَرَأَ : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } 87 6 { وَاذْكُرْ رَبّك إذَا نَسِيت } .

18 24 1456 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا } يَقُول : نُنْسِهَا : نَرْفَعهَا ; وَكَانَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ أُمُورًا مِنْ الْقُرْآن ثُمَّ رَفَعَهَا .

وَالْوَجْه الْآخَر مِنْهُمَا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى التَّرْك , مِنْ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ } 9 67 يَعْنِي بِهِ تَرَكُوا اللَّه فَتَرَكَهُمْ .

فَيَكُون تَأْوِيل الْآيَة حِينَئِذٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة فَنُغَيِّر حُكْمهَا وَنُبَدِّل فَرْضهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْ الَّتِي نَسَخْنَاهَا أَوْ مِثْلهَا .

وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَأَوَّلَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1457 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَوْ نُنْسِهَا } يَقُول : أَوْ نَتْرُكهَا لَا نُبَدِّلهَا .

1458 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { أَوْ نُنْسِهَا } نَتْرُكهَا لَا نَنْسَخهَا .

1459 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا } قَالَ : النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ .

قَالَ : وَكَانَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 1460 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { نُنْسِهَا } نَمْحُهَا .

وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : { أَوْ نَنْسَأهَا } بِفَتْحِ النُّون وَهَمْزَة بَعْد السِّين بِمَعْنَى نُؤَخِّرهَا , مِنْ قَوْلك : نَسَأْت هَذَا الْأَمْر أَنْسَؤُهُ نَسَأَ وَنَسَاء إذَا أَخَّرْته , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : بِعْته بِنَسَاءِ , يَعْنِي بِتَأْخِيرِ .

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل طَرَفَة بْن الْعَبْد : لَعُمْرك إنَّ الْمَوْت مَا أَنْسَأَ الْفَتَى لَكَالطَّوْلِ الْمُرْخَى وَثَنَيَاهُ بِالْيَدِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَنْسَأَ : أَخَّرَ .

وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَقَرَأَهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ , وَتَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ جِمَاع مِنْ أَهْل التَّأْوِيل .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1461 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , وَيَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك .

عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نَنْسَأهَا } قَالَ : نُؤَخِّرهَا .

1462 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , قَالَ : سَمِعْت ابْن أَبِي نَجِيح , يَقُول فِي قَوْل اللَّه : { أَوْ نَنْسَأهَا } قَالَ : نُرْجِئهَا .

1463 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ نَنْسَأهَا } نُرْجِئهَا وَنُؤَخِّرهَا .

1464 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل , عَنْ عَطِيَّة : { أَوْ نَنْسَأهَا } قَالَ : نُؤَخِّرهَا فَلَا نَنْسَخهَا .

1465 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير عَنْ عُبَيْد الْأَزْدِيّ , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر { أَوْ نَنْسَأهَا } إرْجَاؤُهَا وَتَأْخِيرهَا .

هَكَذَا حَدَّثَنَا الْقَاسِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ عُبَيْد الْأَزْدِيّ .

وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ .

* حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ قَرَأَهَا : { نَنْسَأهَا } .

قَالَ : فَتَأْوِيل مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : مَا نُبَدِّل مِنْ آيَة أَنْزَلْنَاهَا إلَيْك يَا مُحَمَّد , فَنُبْطِل حُكْمهَا وَنُثْبِت خَطّهَا , أَوْ نُؤَخِّرهَا فَنُرْجِئهَا وَنُقِرّهَا فَلَا نُغَيِّرهَا وَلَا نُبْطِل حُكْمهَا ; نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا .

وَقَدْ قَرَأَ بَعْضهمْ ذَلِكَ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ تَنْسَهَا } وَتَأْوِيل هَذِهِ الْقِرَاءَة نَظِير تَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ { أَوْ نُنْسِهَا } إلَّا أَنَّ مَعْنَى { أَوْ نُنْسِهَا } أَنْت يَا مُحَمَّد .

وَقَدْ قَرَأَ بَعْضهمْ : { مَا نُنْسِخ مِنْ آيَة } بِضَمِّ النُّون وَكَسْر السِّين , بِمَعْنَى : مَا نَنْسَخَك يَا مُحَمَّد نَحْنُ مِنْ آيَة , مِنْ أَنْسَخْتُك فَأَنَا أَنْسَخُك .

وَذَلِك خَطَأ مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا لِخُرُوجِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّة مِنْ الْقِرَاءَة بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض .

وَكَذَلِك قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ { تُنْسَهَا } أَوْ { تُنْسَهَا } لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجهَا عَنْ الْقِرَاءَة الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْحُجَّة مِنْ قُرَّاء الْأُمَّة .

وَأُولَى الْقِرَاءَات فِي قَوْله : { أَوْ نُنْسِهَا } بِالصَّوَابِ مَنْ قَرَأَ : { أَوْ نُنْسِهَا } , بِمَعْنَى نَتْرُكهَا ; لِأَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَهْمَا بَدَّلَ حُكْمًا أَوْ غَيَّرَهُ أَوْ لَمْ يُبَدِّلهُ وَلَمْ يُغَيِّرهُ , فَهُوَ آتِيه بِخَيْرِ مِنْهُ أَوْ بِمِثْلِهِ .

فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ إذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا , أَنْ يَكُون إذْ قَدِمَ الْخَبَر عَمَّا هُوَ صَانِع إذَا هُوَ غَيَّرَ وَبَدَّلَ حُكْم آيَة أَنْ يُعْقِب ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَمَّا هُوَ صَانِع , إذَا هُوَ لَمْ يُبَدِّل ذَلِكَ وَلَمْ يُغَيِّر .

فَالْخَبَر الَّذِي يَجِب أَنْ يَكُون عَقِيب قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } قَوْله : أَوْ نَتْرُك نَسْخهَا , إذْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْرُوف الْجَارِي فِي كَلَام النَّاس .

مَعَ أَنَّ ذَلِكَ إذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت , فَهُوَ يَشْتَمِل عَلَى مَعْنَى الْإِنْسَاء الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّرْك , وَمَعْنَى النَّسَاء الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّأْخِير , إذْ كَانَ كُلّ مَتْرُوك فَمُؤَخَّر عَلَى حَال مَا هُوَ مَتْرُوك .

وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْم قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { أَوْ تُنْسَهَا } إذَا عُنِيَ بِهِ النِّسْيَان , وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ مِنْ الْقُرْآن شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُنْسَخ إلَّا أَنْ يَكُون نَسَى مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَهُ .

قَالُوا : وَبَعْد , فَإِنَّهُ لَوْ نَسِيَ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ قَرَءُوهُ وَحَفِظُوهُ مِنْ أَصْحَابه بِجَائِزِ عَلَى جَمِيعهمْ أَنْ يَنْسَوْهُ .

قَالُوا : وَفِي قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك } 17 86 مَا يُنْبِئ عَنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يُنْسِ نَبِيّه شَيْئًا مِمَّا آتَاهُ مِنْ الْعِلْم .

قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا قَوْل يَشْهَد عَلَى بُطُوله وَفَسَاده الْأَخْبَار الْمُتَظَاهِرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا .

1466 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك : إنَّ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَار الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَة قَرَأْنَا بِهِمْ وَفِيهِمْ كِتَابًا : " بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمنَا أَنَّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا " .

ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ رُفِعَ .

فَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ : " لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَم وَادِيَيْنِ مِنْ مَال لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا , وَلَا يَمْلَأ جَوْف ابْن آدَم إلَّا التُّرَاب , وَيَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ تَابَ " ثُمَّ رُفِعَ ; وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي يَطُول بِإِحْصَائِهَا الْكِتَاب .

وَغَيْر مُسْتَحِيل فِي فِطْرَة ذِي عَقْل صَحِيح وَلَا بِحُجَّةِ خَبَر أَنْ يُنْسِي اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْض مَا قَدْ كَانَ أَنْزَلَهُ إلَيْهِ .

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْر مُسْتَحِيل مِنْ أَحَد هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ , فَغَيْر جَائِز لِقَائِلِ أَنْ يَقُول ذَلِكَ غَيْر جَائِز .

وَأَمَّا قَوْله : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك } فَإِنَّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخْبِر أَنَّهُ لَا يَذْهَب بِشَيْءِ مِنْهُ , وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَذَهَبَ بِجَمِيعِهِ , فَلَمْ يَذْهَب بِهِ وَالْحَمْد لِلَّهِ ; بَلْ إنَّمَا ذَهَبَ بِمَا لَا حَاجَة بِهِمْ إلَيْهِ مِنْهُ , وَذَلِك أَنَّ مَا نُسِخَ مِنْهُ فَلَا حَاجَة بِالْعِبَادِ إلَيْهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إلَّا مَا شَاءَ اللَّه } 87 6 - 7 فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُنْسِي نَبِيّه مِنْهُ مَا شَاءَ , فَاَلَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ اللَّه .

فَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ التَّأْوِيل طَلَب اتِّسَاق الْكَلَام عَلَى نِظَام فِي الْمَعْنَى , لَا إنْكَار أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ كَانَ أَنْسَى نَبِيّه بَعْض مَا نُسِخَ مِنْ وَحْيه إلَيْهِ وَتَنْزِيله .

نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } .

اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1467 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } يَقُول : خَيْر لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَة وَأَرْفَق بِكُمْ .

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1468 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } يَقُول : آيَة فِيهَا تَخْفِيف , فِيهَا رَحْمَة , فِيهَا أَمْر , فِيهَا نَهْي .

وَقَالَ آخَرُونَ : نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْ الَّتِي نَسَخْنَاهَا , أَوْ بِخَيْرِ مِنْ الَّتِي تَرَكْنَاهَا فَلَمْ نَنْسَخهَا .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1469 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا } يَقُول : نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْ الَّتِي نَسَخْنَاهَا أَوْ مِثْلهَا أَوْ مِثْل الَّتِي تَرَكْنَاهَا .

فَالْهَاء وَالْأَلِف اللَّتَانِ فِي قَوْله : { مِنْهَا } عَائِدَتَانِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَة عَلَى الْآيَة فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة } وَالْهَاء وَالْأَلِف اللَّتَانِ فِي قَوْله : { أَوْ مِثْلهَا } عَائِدَتَانِ عَلَى الْهَاء وَالْأَلِف اللَّتَيْنِ فِي قَوْله : { أَوْ نُنْسِهَا } .

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1470 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : { نُنْسِهَا } نَرْفَعهَا مِنْ عِنْدكُمْ , نَأْتِ بِمِثْلِهَا أَوْ خَيْر مِنْهَا .

1471 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أَوْ نُنْسِهَا } نَرْفَعهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ بِمِثْلِهَا .

1472 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْر بْن شَوْذَب , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود , مِثْله .

وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدنَا : مَا نُبَدِّل مِنْ حُكْم آيَة فَنُغَيِّرهُ أَوْ نَتْرُك تَبْدِيله فَنُقِرّهُ بِحَالِهِ , نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا لَكُمْ مِنْ حُكْم الْآيَة الَّتِي نَسَخْنَا فَغَيَّرْنَا حُكْمهَا , إمَّا فِي الْعَاجِل لِخَفَّتِهِ عَلَيْكُمْ , مِنْ أَجْل أَنَّهُ وَضْع فَرْض كَانَ عَلَيْكُمْ فَأَسْقَطَ ثِقَله عَنْكُمْ , وَذَلِكَ كَاَلَّذِي كَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ فَرْض قِيَام اللَّيْل , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَوُضِعَ عَنْهُمْ , فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ فِي عَاجِلهمْ لِسُقُوطِ عِبْء ذَلِكَ وَثِقَل حَمْله عَنْهُمْ ; وَإِمَّا فِي الْآجِل لِعِظَمِ ثَوَابه مِنْ أَجْل مَشَقَّة حَمْله وَثِقَل عِبْئِهِ عَلَى الْأَبْدَان , كَاَلَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ صِيَام أَيَّام مَعْدُودَات فِي السَّنَة , فَنُسِخَ وَفُرِضَ عَلَيْهِمْ مَكَانه صَوْم شَهْر كَامِل فِي كُلّ حَوْل , فَكَانَ فَرْض صَوْم شَهْر كَامِل كُلّ سَنَة أَثْقَل عَلَى الْأَبْدَان مِنْ صِيَام أَيَّام مَعْدُودَات .

غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَالثَّوَاب عَلَيْهِ أَجْزَل وَالْأَجْر عَلَيْهِ أَكْثَر , لِفَضْلِ مَشَقَّته عَلَى مُكَلَّفِيهِ مِنْ صَوْم أَيَّام مَعْدُودَات , فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبْدَان أَشَقّ فَهُوَ خَيْر مِنْ الْأَوَّل فِي الْآجِل لِفَضْلِ ثَوَابه وَعِظَم أَجْره الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِثْله لِصَوْمِ الْأَيَّام الْمَعْدُودَات .

فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا } لِأَنَّهُ إمَّا بِخَيْرِ مِنْهَا فِي الْعَاجِل لِخَفَّتِهِ عَلَى مَنْ كُلِّفَهُ , أَوْ فِي الْآجِل لِعِظَمِ ثَوَابه وَكَثْرَة أَجْره .

أَوْ يَكُون مِثْلهَا فِي الْمَشَقَّة عَلَى الْبَدَن وَاسْتِوَاء الْأَجْر وَالثَّوَاب عَلَيْهِ , نَظِير نَسْخ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فَرْض الصَّلَاة شَطْر بَيْت الْمَقْدِس إلَى فَرْضهَا شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام .

فَالتَّوَجُّه شَطْر بَيْت الْمَقْدِس , وَإِنْ خَالَفَ التَّوَجُّه شَطْر الْمَسْجِد , فَكُلْفَة التَّوَجُّه شَطْر أَيّهمَا تَوَجَّهَ شَطْره وَاحِدَة ; لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُتَوَجِّه شَطْر الْبَيْت الْمُقَدَّس مِنْ مُؤْنَة تَوَجُّهه شَطْره , نَظِير الَّذِي عَلَى بَدَنه مُؤْنَة تَوَجُّهه شَطْر الْكَعْبَة سَوَاء .

فَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْمِثْل الَّذِي قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { أَوْ مِثْلهَا } .

وَإِنَّمَا عَنَى جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا } مَا نَنْسَخ مِنْ حُكْم آيَة أَوْ نُنْسِهِ .

غَيْر أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا عِنْدهمْ مَعْنَاهَا اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ ذِكْر الْآيَة مِنْ ذِكْر حُكْمهَا .

وَذَلِك نَظِير سَائِر مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِره فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , كَقَوْلِهِ : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } 2 93 بِمَعْنَى حُبّ الْعِجْل وَنَحْو ذَلِكَ .

فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : مَا نُغَيِّر مِنْ حُكْم آيَة فَنُبَدِّلهُ أَوْ نَتْرُكهُ فَلَا نُبَدِّلهُ , نَأْتِ بِخَيْرِ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنْهَا , أَوْ مِثْل حُكْمهَا فِي الْخِفَّة وَالثِّقَل وَالْأَجْر وَالثَّوَاب .

فَإِنَّ قَالَ قَائِل : فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِجْل لَا يُشْرَب فِي الْقُلُوب وَأَنَّهُ لَا يَلْتَبِس عَلَى مَنْ سَمِعَ قَوْله : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } أَنَّ مَعْنَاهُ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ حُبّ الْعِجْل , فَمَا الَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا } لِذَلِكَ نَظِير ؟

قِيلَ : الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله : { نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلهَا } وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِنْ الْقُرْآن شَيْء خَيْر مِنْ شَيْء ; لِأَنَّ جَمِيعه كَلَام اللَّه , وَلَا يَجُوز فِي صِفَات اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنْ يُقَال بَعْضهَا أَفْضَل مِنْ بَعْض وَبَعْضهَا خَيْر مِنْ بَعْض .

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } .

يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } أَلَمْ تَعْلَم يَا مُحَمَّد أَنِّي قَادِر عَلَى تَعْوِيضك مِمَّا نَسَخْت مِنْ أَحْكَامِي وَغَيَّرْته مِنْ فَرَائِضِي الَّتِي كُنْت افْتَرَضْتهَا عَلَيْك مَا أَشَاء مِمَّا هُوَ خَيْر لَك وَلِعِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَعَك وَأَنْفَع لَك وَلَهُمْ , إمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَة .

أَوْ بِأَنْ أُبَدِّل لَك وَلَهُمْ مَكَانه مِثْله فِي النَّفْع لَهُمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا وَآجِلًا فِي الْآخِرَة وَشَبِيهه فِي الْخِفَّة عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ .

فَاعْلَمْ يَا مُحَمَّد أَنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى كُلّ شَيْء قَدِير .

وَمَعْنَى قَوْله : { قَدِير } فِي هَذَا الْمَوْضِع : قَوِيّ , يُقَال مِنْهُ : " قَدْ قَدَرْت عَلَى كَذَا وَكَذَا " .

إذَا قَوِيت عَلَيْهِ " أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَقْدُرُ عَلَيْهِ قُدْرَة وَقِدْرَانًا وَمَقْدِرَة " .

وَبَنُو مُرَّة مِنْ غَطَفَانَ تَقُول : " قَدِرْت عَلَيْهِ " بِكَسْرِ الدَّال .

فَأَمَّا مِنْ التَّقْدِير مِنْ قَوْل الْقَائِل : " قَدَرْت الشَّيْء " فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ : " قَدَرْته أَقْدِرُهُ قَدْرًا وَقَدَرًا " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قديرفيه خمس عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها ننسها عطف على ننسخ وحذفت الياء للجزم .

ومن قرأ " ننسأها " حذف الضمة من الهمزة للجزم ، وسيأتي معناه .

نأت جواب الشرط ، وهذه آية عظمى في الأحكام .

وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك ، وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه ، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ، ولهذا يناقض بعضه بعضا ، فأنزل الله : وإذا بدلنا آية مكان آية وأنزل ما ننسخ من آية .الثانية : معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة ، لا يستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام .

روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس ، فقال : ما هذا ؟

قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس !

لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟

!

فقال : : لا ، قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه .

وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟

قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت !

.

ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما .الثالثة : النسخ في كلام العرب على وجهين :أحدهما : النقل ، كنقل كتاب من آخر .

وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا ، أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وهذا لا مدخل له في هذه الآية ، ومنه قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخه وإثباته .الثاني : الإبطال والإزالة ، وهو المقصود هنا ، وهو منقسم في اللغة على ضربين :[ ص: 61 ] أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها .

وفي صحيح مسلم : لم تكن نبوة قط إلا تناسخت أي تحولت من حال إلى حال ، يعني أمر الأمة .

قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب ، والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره ، كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى .

وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه ، يقال : انتسخت الشمس الظل ، والشيب الشباب .

وتناسخ الورثة : أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون .الثاني : إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه ، كقولهم : نسخت الريح الأثر ، ومن هذا المعنى قوله تعالى فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله .

وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتبقلت : ومنه ما روي عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة " الأحزاب " كانت تعدل سورة البقرة في الطول ، على ما يأتي مبينا هناك إن شاء الله تعالى .

ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها ، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها ، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها ، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله ، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها مما نسخ الله البارحة .

وفي إحدى الروايات : وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره .الرابعة : أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق علىوقوعه في الشريعة .

وأنكرته أيضا طوائف من اليهود ، وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ، ما [ ص: 62 ] خلا الدم فلا تأكلوه .

ثم حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت ، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره ، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه ، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ، ثم أمرهم برفع السيف عنهم ، وبأن نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ، ثم تعبد بها بعد ذلك ، إلى غير ذلك .

وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة ، وحكم إلى حكم ، لضرب من المصلحة ، إظهارا لحكمته وكمال مملكته .

ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور ، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه وإرادته لا تتغير ، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى .وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ، ولذلك لم يجوزوه فضلوا .

قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم ، أو كان حراما فيحلل .

وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه ، كقولك : امض إلى فلان اليوم ، ثم تقول لا تمض إليه ، فيبدو لك العدول عن القول الأول ، وهذا يلحق البشر لنقصانهم .

وكذلك إن قلت : ازرع كذا في هذه السنة ، ثم قلت : لا تفعل ، فهو البداء .الخامسة : اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا ، إذ به يقع النسخ ، كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا ، فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء ، فالمنسوخ هو المزال ، والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة ، وهو المكلف .السادسة : اختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ ، فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا ، هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر ، وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا ، فحافظا على معنى النسخ اللغوي ، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة ، وتحرزا من الحكم العقلي ، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره ، وليخرج القياس والإجماع ، إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما .

وقيدا بالتراخي ; لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا ، أو يكون آخر الكلام يرفع أوله ، كقوله : قم لا تقم .السابعة : المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله ، كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل .

[ ص: 63 ] والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة ، وأن الحسن صفة نفسية للحسن ، ومراد الله حسن ، وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم .الثامنة : اختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ ، فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي ، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى .

وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه ، كقوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا .

وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى .التاسعة : التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به ; لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ، ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا ، والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا .العاشرة : اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ، ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق ، كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان .

فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال ، لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر ، كقوله فيكشف ما تدعون إليه إن شاء .

فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك ، بل هو من باب الإطلاق والتقييد .

وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى .الحادية عشرة : قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف ، كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين .

ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل ، كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان ، على ما يأتي بيانه في آية الصيام .

وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة ، كالقبلة .

وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى .

وينسخ القرآن بالقرآن .

والسنة بالعبارة ، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي .

وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد .وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة ، وذلك موجود في قوله عليه السلام : لا [ ص: 64 ] وصية لوارث .

وهو ظاهر مسائل مالك .

وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي ، والأول أصح ، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء .

وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، ولا مسقط لذلك إلا السنة " فعل النبي صلى الله عليه وسلم " هذا بين .والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة ، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى .

وفي قوله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش .والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا ، واختلفوا هل وقع شرعا ، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء ، على ما يأتي بيانه ، وأبى ذلك قوم .

ولا يصح نسخ نص بقياس ، إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا .وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي ، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن ، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به ، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى ، كما آية عدة السنة في القرآن تتلى ، فتأمل هذا فإنه نفيس ، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ، ومثله صدقة النجوى .

وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم .

وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ومثله كثير .

والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، كما يأتي بيانه في تحويل القبلة .

والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود في قصة الذبيح ، وفي فرض [ ص: 65 ] خمسين صلاة قبل فعلها بخمس ، على ما يأتي بيانه في " الإسراء " و " الصافات " ، إن شاء الله تعالى .الثانية عشرة : لمعرفة الناسخ طرق ، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ، كقوله عليه السلام : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ونحوه .

ومنها - أن يذكر الراوي التاريخ ، مثل أن يقول : سمعت عام الخندق ، وكان المنسوخ معلوما قبله .

أو يقول : نسخ حكم كذا بكذا .

ومنها - أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ناسخه متقدم .

وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه ، نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية ، والله الموفق للهداية .الثالثة عشرة : قرأ الجمهور ما ننسخ بفتح النون ، من نسخ ، وهو الظاهر المستعمل على معنى : ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها ، كما تقدم .

ويحتمل أن يكون المعنى : ما نرفع من حكم آية وتلاوتها ، على ما ذكرناه .

وقرأ ابن عامر " ننسخ " بضم النون ، من أنسخت الكتاب ، على معنى وجدته منسوخا .

قال أبو حاتم : هو غلط : وقال الفارسي أبو علي : ليست لغة ; لأنه لا يقال : نسخ وأنسخ بمعنى ، إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا ، كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته ، بمعنى وجدته محمودا وبخيلا .

قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه ، فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ .

وقيل : ما ننسخ ما نجعل لك نسخه ، يقال : نسخت الكتاب إذا كتبته ، وانتسخته غيري إذا جعلت نسخه له .

قال مكي : ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي ; لأن المعنى يتغير ، ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد ، وإنساخه إياها إنزالها عليه ، فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، فيئول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها ، فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن ، لأنه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن .

فلما امتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع ، وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى ، لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا .الرابعة عشرة : أو ننسها قرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح النون والسين [ ص: 66 ] والهمز ، وبه قرأ عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وابن محيصن ، من التأخير ، أي نؤخر نسخ لفظها ، أي نتركه في آخر أم الكتاب فلا يكون .

وهذا قول عطاء .

وقال غير عطاء : معنى أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم ، من قولهم : نسأت هذا الأمر إذا أخرته ، ومن ذلك قولهم : بعته نسأ إذا أخرته .

قال ابن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك ، وأنسأ الله أجلك .

وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ، ونسأتهم أنا أخرتهم .

فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا .

وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر .

وقرأ الباقون ننسها بضم النون ، من النسيان الذي بمعنى الترك ، أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها ، قاله ابن عباس والسدي ، ومنه قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب .

واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارئ يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين ، قال : قرأت عليه أرنا فقال : أرنا ، فقال أبو عبيد : وأحسب الحرف الآخر " أو ننسأها " فقال : أو ننسها .

وحكى الأزهري ننسها نأمر بتركها ، يقال : أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ، ونسيته تركته ، قال الشاعر :إن علي عقبة أقضيها لست بناسيها ولا منسيهاأي ولا آمر بتركها .

وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك ، لا يقال : أنسى بمعنى ترك ، وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أو ننسها قال : نتركها لا نبدلها ، فلا يصح .

ولعل ابن عباس قال : نتركها ، فلم يضبط .

والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها ، من نسي إذا ترك ، ثم تعديه .

وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه ; لأنه بمعنى نجعلك تتركها .

وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر ، على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها ، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين : وهما النبي والهاء ، لكن اسم النبي محذوف .الخامسة عشرة : نأت بخير منها لفظة بخير هنا صفة تفضيل ، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف ، وفي آجل إن كانت أثقل ، وبمثلها إن كانت مستوية .

وقال مالك : محكمة مكان منسوخة .

وقيل ليس المراد بأخير التفضيل ; لأن كلام الله لا يتفاضل ، وإنما هو مثل قوله : من جاء بالحسنة فله خير منها [ ص: 67 ] أي فله منها خير ، أي نفع وأجر ، لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ، ويدل على القول الأول قوله : أو مثلها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

النسخ: هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع، إلى حكم آخر، أو إلى إسقاطه ، وكان اليهود ينكرون النسخ، ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر " ( 101 - النحل ) وأنزل ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) فبين وجه الحكمة من النسخ بهذه الآية .

والنسخ في اللغة شيئان أحدهما : بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ .

والثاني : يكون بمعنى الرفع يقال : نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته .

فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه ، أحدها : أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب .

وآية عدة الوفاة بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) ما نثبت خطها ونبدل حكمها ، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية الرجم ، ومنها أن ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف : أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها " وقيل : كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة ، فرفع أكثرها تلاوة وحكما ، ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه ، كما أن القبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة ، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر ، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة الاثنين ، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه ، كامتحان النساء .

والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار .

أما معنى الآية فقوله ( ما ننسخ من آية ) قراءة العامة بفتح النون وكسر السين من النسخ ، أي : نرفعها ، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من الإنساخ وله وجهان : أحدهما : أن نجعله كالمنسوخ .

والثاني : أن نجعله نسخة له [ يقال : نسخت الكتاب أي كتبته ، وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له ] ( أو ننسها ) أي ننسها على قلبك .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما ، نتركها لا ننسخها ، قال الله تعالى نسوا الله فنسيهم " ( 67 - التوبة ) أي تركوه فتركهم وقيل ( ننسها ) أي : نأمر بتركها ، يقال : أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه ، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه ، والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي نؤخرها فلا نبدلها يقال : نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله ، وفي معناه قولان : أحدهما : نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم ، والقول الثاني : قال سعيد بن المسيب وعطاء : أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة ، أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل .

( نأت بخير منها ) أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم ، لا أن آية خير من آية ؛ لأن كلام الله واحد وكله خير ( أو مثلها ) في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) من النسخ والتبديل ، لفظه استفهام ، ومعناه تقرير ، أي : إنك تعلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا إن محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً نزل: «ما» شرطية «ننسخ من أية» أي ننزل حكمها: إما مع لفظها أو لا وفي قراءة بضم النون من أنسخ: أي نأمرك أو جبريل بنسخها «أو ننسها» نؤخرها، فلا ننزل حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وفي قراءة بلا همز من النسيان أي ننسها، أي نمحها من قلبك وجواب الشرط «نأت بخير منها» أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر «أو مثلها» في التكليف والثواب «ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير» ومنه النسخ والتبديل، والاستفهام للتقرير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما نبدِّل من آية أو نُزِلها من القلوب والأذهان نأت بأنفع لكم منها، أو نأت بمثلها في التكليف والثواب، ولكلٍ حكمة.

ألم تعلم -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله قادر لا يعجزه شيء؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولم يترك القرآن الكريم تلك الشبهات التي أثارها اليهود حول شريعة الإسلام بدون جواب ، بل أنزل الله - تعالى - آيات كريمة لدحضها وإزالتها من الصدور ، ليزداد المؤمنون إيماناً ، وهذه الآيات هي قوله تعالى :( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ .

.

.

)النسخ في اللغة الإِبطال والإزالة ، يقال .

نسخت الشمس الظل تنسخه ، إذا أذهبته وأبطلته .وفي عرف الشرع : بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب لاستمر الحكم على مشروعيته ، بمقتضى النص الذي تقرر به أولا .وننسها من أنسى الشيء جعله منسياً .فمعنى نسخ الآية في قوله تعالى : ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) رفع حكها مع بقائها .ومعنى إنسائها في قوله - تعالى - : ( نُنسِهَا ) رفع الآية من نظم القرآن جملة .وسمي رفع الآية من نظم القرآن جملة إنساء ، لأن من شأن ما لا يبقى في النظم أن ينساه الناس لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به .ويصح إبقاء الإِنساء على حقيقته ، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها من الحافظة ، بعد أن يقضي الله بنسخها .وإنما قلنا بعد أن يقضي الله بنسخها ، لأن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة لشيء من القرآن ، والله يقول ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ومما يدل على نسخ الآية المنساة ، أي : انتهاء مدة التكليف بها قوله تعالى : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) أي نأت بخير من المنسية المنسوخة أو مثلها ، فيكون قوله تعالى : ( أَوْ نُنسِهَا ) معبراً عن حالة تعرض في بعض ما سيرفع من القرآن وهي أن ينساه الناس لذهابه من قلوبهم ، بعد أن يقضي الله بنسخه - كما ذكرنا- .ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص ، أن ما ينسى لعدم حضوره في الذهن لا تعرف الآيات التي تقوم مقامه ، فربما يقع في الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغني غناءه .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( نُنسِهَا ) بالهمزة ، من النساء وهو التأخير وعلى هذه القراءة يحمل النسخ في قوله تعالى : ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) على النوعين السابقين وهما : نسخ الآية حكما فقط ، ونسخها حكماً وتلاوة .ومعنى ( نُنسِهَا ) تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها ، وننزل ما يقوم مفامها في القيام بالمصلحة .والخيرية والمماثلة في قوله تعالى : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) ترجع إلى ثواب العمل بها .

فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها ، وقد يكون مماثلا له ، وإن كانت كل واحدة من الآيتين الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها ، أقوم على المصلحة من الأخرى .وبعد أن أثبت - سبحانه - أن النسخ جائز وواقع بقوله : ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) ساق جملة كريمة في صورة الاستفهام التقريري ، مخاطباً بها الأمة الإسلامية في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم لتكون دليلا على هذا الثبوت ، وهذه الجملة هي قوله تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) والمعنى أن الله - تعالى - متمكن من أن يفعل ما يشاء على الوجه الذي تقتضيه حكمته وإرادته ، ومن كان هذا شأنه فله أن يأمر في وقت بأمر ، ثم ينسخه أو يستبدل به آخر لمقتضيات الظروف والأحوال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام، فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً وغداً يرجع عنه، فنزلت هذه الآية، والكلام في الآية مرتب على مسائل: المسألة الأولى: النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال: نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت، ونسخت الشمس الظل إذا عدم، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه، وقال تعالى: ﴿ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان  ﴾ أي يزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة.

وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك.

فإن قيل: وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى، وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول: بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً بعد قرن، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً عن الأول، وقال تعالى: ﴿ هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك، والجواب عن الأول من وجهين.

أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير.

والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فهب أنه كذلك، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس، وعن الثاني: أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان.

أحدهما: أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد.

والثاني: أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلاً.

أقبروا فلاناً، أي اجعلوه ذا قبر، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ  ﴾ ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ننسأها) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير.

ومنه: ﴿ إِنَّمَا النسئ زِيَادَةٌ فِي الكفر  ﴾ ومنه سمي بيع الأجل نسيئة، وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله ونسأ في أجله، أي أخر وزاد، وقال عليه الصلاة والسلام: «من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه» والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان، ثم الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى: ﴿ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ أي فترك وقال: ﴿ فاليوم ننساهم كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا  ﴾ أي نتركهم كما تركوا، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز، لأن المنسي يكون متروكاً، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرئ ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: ما ننسك من آية أو ننسخها، وقرأ حذيفة: ما ننسخ من آية أو ننسكها.

المسألة الثالثة: ما في هذه الآية جزائية كقولك: ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله: (ننسخ) شرط وقوله: (نأت) جزاء وكلاهما مجزومان.

المسألة الرابعة: اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتاً بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً، فقولنا: طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله، والفعل المنقول عنهما، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل، لأن العقل ليس طريقاً شرعياً.

ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخاً للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقاً شرعياً ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء، لأن ذلك غير متراخ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخاً لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً.

المسألة الخامسة: النسخ عندنا جائز عقلاً واقع سمعاً خلافاً لليهود، فإن منهم من أنكره عقلاً ومنهم من جوزه عقلاً، لكنه منع منه سمعاً، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ، وأيضاً قلنا: على اليهود إلزامان.

الأول: جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك: إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان.

الثاني: كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام.

قال منكرو النسخ: لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام، لكنه لا يكون ذلك نسخاً، بل جارياً مجرى قوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل  ﴾ والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلاً بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا: قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام، وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا: إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال: إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً وإنه غير جائز على الشرع، وأيضاً، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع: هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط ألبتة، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلاً في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: ذكر اللفظ الدال على الدوام، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة؟

قلنا: هذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين، وإنه سفه وعبث.

وثانيها: على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخاً، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر، وإلا فلعل القرآن عورض، ولم تنقل معارضته ولعل محمداً صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول: لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر، ومعلوماً لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين.

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم.

فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر، وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً، بل يكون ذلك انتهاء للغاية.

وأما القسم الثالث: وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائماً أو كونه غير دائم فنقول: قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد المرة الواحدة، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخاً للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال.

واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ ، والاستدلال به أيضاً ضعيف، لأن ما هاهنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ  ﴾ وقوله: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب  ﴾ والله تعالى أعلم.

المسألة السادسة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن، وقال أبو مسلم بن بحر: إنه لم يقع، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه: الأول: أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية، الوجه الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب.

الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا، وعن الثاني: بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه، ولقائل أن يقول على الأول: لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن، بل هو عام في جميع الدلائل، وعلى الثاني: لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه.

الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً وذلك في قوله: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول  ﴾ ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا  ﴾ قال أبو مسلم: الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً، والجواب: أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلاً بالكلية.

الحجة الثالثة: أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً  ﴾ ثم نسخ ذلك، قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد.

والجواب: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ  ﴾ .

الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوٓا أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ  ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ  ﴾ .

الحجة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا  ﴾ ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام  ﴾ .

قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر.

الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخاً.

الحجة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ  ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم، فكيف كان فهو رفع ونسخ، وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل.

والجواب: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يبطله.

المسألة السابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معاً، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم وروي: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معاً، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.

ويروى أيضاً أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه.

المسألة الثامنة: اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ فمنهم من فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرئ بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معاً، فإن قيل: وقوع هذا النسيان ممنوع عقلاً وشرعاً.

أما العقل فلأن القرآن لابد من إيصاله إلى أهل التواتر، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع.

وأما النقل فلقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسياً عن الصدور، الجواب الثاني: أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام، ويروى فيه خبر: أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها، والجواب عن الثاني: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَاء الله  ﴾ وبقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  ﴾ .

القول الثاني: ما ننسخ من آية أي نبدلها، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما، أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله.

القول الثالث: ما ننسخ من آية، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

القول الرابع: ما ننسخ من آية، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معاً، أو ننسها، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة، بل هي باقية في التلاوة، فأما من قال بالقول الثاني: ما ننسخ من آية، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها، نؤخرها.

وأما قراءة ننسها فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها.

وأما قوله: ﴿ مّنْ ءايَةٍ ﴾ فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ ففيه قولان.

أحدهما: أنه الأخف، والثاني: أنه الأصلح، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه.

فإن قيل: لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به؟

قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول، والثاني بالعكس منه فزال السؤال.

واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ: المسألة الأولى: قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لابد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله، وذلك صريح في وجوب البدل.

والجواب: لم لا يجوز أن يقال: المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى البدل.

المسألة الثانية: قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ ينافي كونه أثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.

والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر.

إذا عرفت هذا فنقول: أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.

وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه: أحدها: أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه، كما إذا قال الإنسان: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وإذا ثبت أنه لابد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن.

وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿ نَأْتِى بِخَيْرٍ مّنْهَا ﴾ يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام.

وثالثها: أن قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا ﴾ يفيد أن المأتي به خير من الآية، والسنة لا تكون خيراً من القرآن.

ورابعها: أنه قال: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى.

والجواب عن الوجوه الأربعة بأسرها: أن قوله تعالى: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ، والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا لا وصية لوارث» وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.

قال الشافعي رضي الله عنه: أما الأول: فضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وأما الثاني: فضعيف أيضاً لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار.

المسألة التاسعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه، أحدها: أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين، لكن ذلك محال، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق.

وثانيها: أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض، وما كان كذلك لا يكون قديماً.

وثالثها: أن قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً، أجاب الأصحاب عنه: بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث؟

قالت المعتزلة: ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما لا ينفك عن هذه التعلقات (محدث) وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً.

أجاب الأصحاب: أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق؟

فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سيوجد، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً، لأنه لو كان قديماً لما زال، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة.

فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام.

المسألة العاشرة: احتجوا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟

فنزلت.

وقرئ: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وما نُنسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها.

وقرئ: ﴿ ننسها ﴾ و ﴿ ننسها ﴾ بالتشديد، و ﴿ تنسها ﴾ ، و ﴿ تنسها ﴾ ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقرأ عبد الله: ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ وقرأ حذيفة: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسكها ﴾ .

ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها.

ونسؤها، تأخيرها وإذهابها.

لا إلى بدل.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب.

والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ﴿ نَأْتِ ﴾ بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ.

لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ [الأعراف: 138] ، ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ، وغير ذلك ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ .

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا: شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: «أصبتما خيراً وأفلحتما» فنزلت.

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بوَدَّ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟

وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ مّنْ خَيْرٍ ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ تجدوا ثوابه عند الله ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يضيع عنده عمل عامل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ.

والنَّسْخُ في اللُّغَةِ: إزالَةُ الصُّورَةِ عَنِ الشَّيْءِ وإثْباتُها في غَيْرِهِ، كَنَسْخِ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ والنَّقْلِ، ومِنهُ التَّناسُخُ.

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما كَقَوْلِكَ: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ، ونَسَخْتُ الكِتابَ.

وَنَسْخُ الآيَةِ بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها، أوِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها، أوْ بِهِما جَمِيعًا.

وإنْساؤُها إذْهابُها عَنِ القُلُوبِ، وما شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِنَنْسَخْ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ما نُنْسِخْ مِن أنْسَخَ أيْ نَأْمُرُكَ أوْ جِبْرِيلَ بِنَسْخِها، أوْ نَجِدُها مَنسُوخَةً.

وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « نُنْسِأها» أيْ نُؤَخِّرُها مِنَ النَّسْءِ.

وقُرِئَ « نُنْسِها» أيْ نُنْسِ أحَدًا إيّاها، و « نُنْسِها» أيْ أنْتَ، و « تُنْسَها» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و « نُنْسِكَها» بِإضْمارِ المَفْعُولَيْنِ ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ﴾ أيْ بِما هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ في النَّفْعِ والثَّوابِ، ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ في الثَّوابِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى النَّسْخِ والإتْيانِ بِمِثْلِ المَنسُوخِ، أوْ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ.

والآيَةُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ النِّسْخِ وتَأْخِيرِ الإنْزالِ إذِ الأصْلُ اخْتِصاصُ أنَّ وما يَتَضَمَّنُها بِالأُمُورِ المُحْتَمَلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأحْكامَ شُرِّعَتْ، والآياتِ نَزَلَتْ لِمَصالِحِ العِبادِ وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةً، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ والأشْخاصِ، كَأسْبابِ المَعاشِ فَإنَّ النّافِعَ في عَصْرٍ قَدْ يَضُرُّ في عَصْرٍ غَيْرِهِ.

واحْتَجَّ بِها مَن مَنَعَ النَّسْخَ بِلا بَدَلٍ، أوْ بِبَدَلٍ أثْقَلَ.

ونُسِخُ الكِتابُ بِالسُّنَّةِ، فَإنَّ النّاسِخَ هو المَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا والسُّنَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ والكُلُّ ضَعِيفٌ، إذْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ الحُكْمِ أوِ الأثْقَلُ أصْلَحَ.

والنَّسْخُ قَدْ يُعْرَفُ بِغَيْرِهِ، والسُّنَّةُ مِمّا أتى بِهِ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ بِالخَيْرِ والمِثْلِ ما يَكُونُ كَذَلِكَ في اللَّفْظِ.

والمُعْتَزِلَةُ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ فَإنَّ التَّغَيُّرَ والتَّفاوُتَ مِن لَوازِمِهِ.

وأُجِيبُ: بِأنَّهُما مِن عَوارِضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَعْنى القائِمِ بِالذّاتِ القَدِيمِ.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَكُمْ ﴾ وإنَّما أفْرَدَهُ لِأنَّهُ أعْلَمَهُمْ، ومَبْدَأُ عِلْمِهِمْ.

﴿ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أوْ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ولِذَلِكَ تُرِكَ العاطِفُ.

﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ وإنَّما هو الَّذِي يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُجْرِيها عَلى ما يُصْلِحُكُمْ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ النُّصْرَةِ، والنَّصِيرُ قَدْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا عَنِ المَنصُورِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما عُمُومٌ مِن وجْهٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ما ننسخ من آية أَوْ نُنسِهَا} تفسير النسخ لغة التبديل وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان

تبديلاً في حقنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع وفيه جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه أعني اليهود ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافى النسخ من توقيت أو تأييد ثبت نصاً أو دلالة وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافاً للمعتزلة وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم والحكم دون التلاوة والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافا للشافعى رحمه الله والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب أو ننسأها مكي وأبو عمرو أي نؤخرها من نسأت أي أخرت {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي نأت بآية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب {أَوْ مِثْلِهَا} في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، ما هَذا القُرْآنُ إلّا كَلامُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وهو كَلامٌ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والنَّسْخُ في اللُّغَةِ إزالَةُ الصُّورَةِ، أوْ ما في حُكْمِها عَنِ الشَّيْءِ، وإثْباتُ مِثْلِ ذَلِكَ في غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ في الأعْراضِ، أوْ في الأعْيانِ، ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في المَجْمُوعِ التَّناسُخُ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَجازًا، وهو أوْلى مِنَ الِاشْتِراكِ، ولِذا رَغِبَ فِيهِ الرّاغِبُ، فَمِنَ الأوَّلِ نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ، أيْ أزالَتْهُ، ومِنَ الثّانِي نَسَخْتُ الكِتابَ إذا أثْبَتَ ما فِيهِ، في مَوْضِعٍ آخَرَ، ونَسْخُ الآيَةِ عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها كَآيَةِ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أوِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها كَآيَةِ ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ أوْ بِهِما جَمِيعًا كَآيَةِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، وفِيهِ رَفْعُ التَّأْيِيدِ المُسْتَفادِ مِن إطْلاقِها، ولِذا عَرَّفَهُ بَعْضُهم بِرَفْعِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَهو بَيانٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، ورَفْعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وخَرَجَ بِقَيْدِ التَّعَبُّدِ الغايَةُ فَإنَّها بَيانٌ لِانْتِهاءِ مُدَّةِ نَفْسِ الحُكْمِ، لا لِلتَّعَبُّدِ بِهِ، واخْتَصَّ التَّعْرِيفُ بِالأحْكامِ إذْ لا تَعَبُّدَ في الأخْبارِ أنْفُسِها، وإنْساؤُها إذْهابُها عَنِ القُلُوبِ، بِأنْ لا تَبْقى في الحِفْظِ، وقَدْ وقَعَ هَذا، فَإنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ أرادَ قِراءَةَ بَعْضِ ما حَفِظَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ في صَدْرِهِ، فَسَألَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(نُسِخَ البارِحَةَ مِنَ الصُّدُورِ)،» ورَوى مُسْلِمٌ، عَنَ أبِي مُوسى: إنّا كُنّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُها في الطُّولِ والشِّدَّةِ بِبَراءَةٌ، فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى وادِيًا ثالِثًا، وما يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ) وكُنّا نَقْرَأُ بِسُورَةٍ نُشَبِّهُها بِإحْدى المُسَبِّحاتِ فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها (يا أيُّها الَّذِينُ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبَ شَهادَةً في أعْناقِكم فَتُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ)، وهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما كانَ لِغَيْرِهِ أوْ لا؟

فِيهِ خِلافٌ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ، واسْتَدَلَّ الذّاهِبُونَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَشاءُ أنْ يَذْهَبَ بِما أوْحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ لِجَوازِ حَمْلِ (الَّذِي) عَلى ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الوَحْيِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المُرادُ لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يُنافِي الِاسْتِثْناءَ، وسُبْحانَ مَن لا يَنْسى، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّسْخَ بِإزالَةِ الحُكْمِ سَواءٌ ثَبَتَ اللَّفْظُ، أوْ لا، والإنْساءَ بِإزالَةِ اللَّفْظِ ثَبَتَ حُكْمُهُ أوْ لا، وفَسَّرَ بَعْضٌ آخَرُ الأوَّلَ بِالإذْهابِ إلى بَدَلٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ، والثّانِيَ بِالإذْهابِ لا إلى بَدَلٍ، وأُورِدَ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّسْخِ بِهَذا المَعْنى مُخالِفٌ لِلُّغَةِ، والِاصْطِلاحِ، وأنَّ النَّساءَ حَقِيقَةٌ في الإذْهابِ عَنِ القُلُوبِ، والحَمْلُ عَلى المَجازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ تَعَسُّفٌ، ولَعَلَّ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ لِصِحَّةِ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ لَمْ يَثْبُتْ، (وما) شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ (لِنَنْسَخْ) مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ كَوْنِها عامِلَةً ومَعْمُولَةً لِاخْتِلافِ الجِهَةِ، فَبِتَضَمُّنِها الشَّرْطَ عامِلَةٌ، وبِكَوْنِها اسْمًا مَعْمُولَةٌ، ويُقَدَّرُ لِنَفْسِها جازِمٌ، وإلّا لَزِمَ تَوارُدُ العامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، وتَدُلُّ عَلى جَوازِ وُقُوعِ ما بَعْدَها، إذِ الأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى الأُمُورِ المُحْتَمَلَةِ، واتَّفَقَتْ أهْلُ الشَّرائِعِ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ووُقُوعِهِ، وخالَفَتِ اليَهُودُ غَيْرَ العِيسَوِيَّةِ في جَوازِهِ، وقالُوا: يَمْتَنِعُ عَقْلًا، وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في وُقُوعِهِ فَقالَ: إنَّهُ وإنْ جازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ، (ومِن آيَةٍ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ، والمُمَيَّزُ (ما) أيْ أيُّ شَيْءٍ، ﴿ نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ واحْتِمالُ زِيادَةِ (مِن)، وجَعْلِ آيَةٍ حالًا لَيْسَ بِشَيْءٍ كاحْتِمالِ كَوْنِ (ما) مَصْدَرِيَّةً شَرْطِيَّةً، وآيَةٍ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ أيُّ نَسْخٍ نَنْسَخْ آيَةً، بَلْ هَذا الِاحْتِمالُ أدْهى وأمَرُّ، كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى آيَةٍ عَلى حَدِّ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، لِأنَّ المَنسُوخَ غَيْرُ المَنسِيِّ، وتَخْصِيصُ الآيَةِ بِالذِّكْرِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وإلّا فالحُكْمُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، بَلْ جارٍ فِيما دُونَها أيْضًا، عَلى ما قِيلَ، وقَرَأ طائِفَةٌ وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ (نُنْسِخْ) مِن بابِ الإفْعالِ، والهَمْزَةُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِلْوِجْدانِ عَلى صِفَةٍ نَحْوَ أحْمَدْتُهُ، أيْ وجَدَتْهُ مَحْمُودًا، فالمَعْنى ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، ولَيْسَ نَجِدُهُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ نَنْسَخَهُ، فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفا في اللَّفْظِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ، فالفِعْلُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ ما نُنْسِخُكَ مِن آيَةٍ أيْ ما نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى أباحَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْكَها بِذَلِكَ النَّسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإنْساخَ عِبارَةً عَنِ الأمْرِ بِالنَّسْخِ، والمَأْمُورُ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ مِن نَسْخِ الكِتابِ أيْ ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ، والضَّمِيرانِ الآتِيانِ بَعْدَ عائِدانِ عَلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ نُنْسِها، ناشِئٌ عَنِ الذُّهُولِ عَنْ قاعِدَةِ أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ في جَوابِهِ مِن عائِدٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ (نَنْسَأْها) بِفَتْحِ نُونِ المُضارَعَةِ والسِّينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ، وطائِفَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالألِفِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ولَمْ يَحْذِفْها لِلْجازِمِ لِأنَّ أصْلَها الهَمْزَةُ مِن نَسَأ بِمَعْنى أخَّرَ، والمَعْنى في المَشْهُورِ: نُؤَخِّرُها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا نُنْزِلُها، أوْ نُبْعِدُها عَنِ الذِّهْنِ بِحَيْثُ لا يُتَذَكَّرُ مَعْناها ولا لَفْظُها، وهو مَعْنى نُنْسِها فَتَتَّحِدُ القِراءَتانِ، وقِيلَ: ولَعَلَّهُ ألْطَفُ، إنَّ المَعْنى: نُؤَخِّرُ إنْزالَها، وهو في شَأْنِ النّاسِخَةِ حَيْثُ أخَّرَ ذَلِكَ مُدَّةَ بَقاءِ المَنسُوخَةِ، فالمَأْتِيَّةُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنِ المَنسُوخَةِ، كَما أنَّهُ حِينَ النَّسْخِ عِبارَةٌ عَنِ النّاسِخَةِ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّ رَفْعَ المَنسُوخَةِ بِإنْزالِ النّاسِخَةِ وتَأْخِيرَ النّاسِخَةِ بِإنْزالِ المَنسُوخَةِ كُلٌّ مِنهُما يَتَضَمَّنُ المَصْلَحَةَ في وقْتِهِ، وقَرَأالضَّحّاكُ، وأبُو الرَّجاءِ (نُنْسِها) عَلى صِيغَةِ المَعْلُومِ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ مِنَ التَّنْسِيَةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ يُقالُ: أنْسانِيهِ اللَّهُ تَعالى، ونَسّانِيهِ تَنْسِيَةً بِمَعْنًى، أيْ نُنْسِ أحَدًا إيّاها، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ (تَنْسَها) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ النِّسْيانِ، ونَسِيتَ إلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم هَمَزُوا، وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإنْساءِ، وقَرَأ مَعْبَدُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَهْمِزْ، وقَرَأ أُبَيٌّ (نُنْسِكَ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِكافِ الخِطابِ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ (نُنْسِكَها) بِإظْهارِ المَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِئْ بِمِثْلِها)، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ فِيهِ ما هو مِن قَبِيلِ النَّسْخِ، حَيْثُ أُقِرَّ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُدَّةً عَلى قَوْلِ راعِنا، وإقْرارُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الشَّيْءِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِهِ، والإذْنِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَكانَ مَظِنَّةً لِما يُحاكِي ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ كادَ تَرْفَعُ الطَّغامُ رُؤُوسَها، وتَقُولُ: إنَّ مِنَ الفَضْلِ عَدَمَ النَّسْخِ لِأنَّ النُّفُوسَ إذا داوَمَتْ عَلى شَيْءٍ سَهُلَ عَلَيْها، فَأتى سُبْحانَهُ بِما يُنَكِّسُ رُؤُوسَهُمْ، ويَكْسِرُ نامُوسَهُمْ، ويُشِيرُ إلى أنَّ النَّسْخَ مِن جُمْلَةِ فَضْلِهِ العَظِيمِ وجُودِهِ العَمِيمِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أشارَ إلى حَقِّيَّةِ الوَحْيِ، ورَدَّ كَلامَ الكارِهِينَ لَهُ رَأْسًا، عَقَّبَهُ بِما يُبَيِّنُ سِرَّ النَّسْخِ الَّذِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ تَنْزِيلِ الوَحْيِ، وإبْطالُ مَقالَةِ الطّاعِنِينَ فِيهِ فَلْيُتَدَبَّرْ.

﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ﴾ أيْ بِشَيْءٍ هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ مِنها، ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ حُكْمًا كانَ ذَلِكَ أوْ عَدَمَهُ وحْيًا مَتْلُوًّا، أوْ غَيْرَهُ، والخَيْرِيَّةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في النَّفْعِ فَقَطْ، أوْ في الثَّوابِ فَقَطْ، أوْ في كِلَيْهِما، والمِثْلِيَّةُ خاصَّةٌ بِالثَّوابِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفَصَّلَهُ بِأنَّ النّاسِخَ إذا كانَ ناسِخًا لِلْحُكْمِ سَواءٌ كانَ ناسِخًا لِلتِّلاوَةِ أوْ لا، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلى مَصْلَحَةٍ خَلا عَنْها الحُكْمُ السّابِقُ لِما أنَّ الأحْكامَ إنَّما تَنَوَّعَتْ لِلْمَصالِحِ، وتَبَدُّلُها مَنُوطٌ بِتَبَدُّلِها بِحَسَبِ الأوْقاتِ، فَيَكُونُ النّاسِخُ خَيْرًا مِنهُ في النَّفْعِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا مِنهُ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلًا لَهُ، أوْ لا ثَوابَ فِيهِ أصْلًا، كَما إذا كانَ النّاسِخُ مُشْتَمِلًا عَلى الإباحَةِ، أوْ عَدَمِ الحُكْمِ، وإذا كانَ ناسِخًا لِلتِّلاوَةِ فَقَطْ، لا يُتَصَوَّرُ الخَيْرِيَّةُ في النَّفْعِ لِعَدَمِ تَبَدُّلِ الحُكْمِ السّابِقِ، والمَصْلَحَةِ، فَهو إمّا خَيْرٌ مِنهُ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلٌ لَهُ، وكَذا الحالُ في الإنْساءِ، فَإنَّ المَنسِيَّ إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى حُكْمٍ يَكُونُ المَأْتِيُّ بِهِ خَيْرًا في النَّفْعِ سَواءٌ كانَ النَّفْعُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الحُكْمِ مُطْلَقًا، أوْ لِخُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ الحُكْمِ، واشْتِمالِهِ عَلى حُكْمٍ يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً خَلا عَنْها الحُكْمُ المَنسِيُّ مَعَ جَوازِ خَيْرِيَّتِهِ في الثَّوابِ، ومُماثَلَتِهِ أيّامَ خُلُوِّهُ عَنْهُ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُشْتَمِلًا عَلى حُكْمٍ فالمَأْتِيُّ بِهِ بَعْدَهُ إمّا خَيْرٌ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلٌ لَهُ، والحاصِلُ أنَّ المُماثَلَةَ في النَّفْعِ لا تُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَبَدُّلِ الحُكْمِ تَتَبَدَّلُ المَصْلَحَةُ، فَيَكُونُ خَيْرًا مِنهُ، وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَبَدُّلِهِ، المَصْلَحَةُ الأُولى باقِيَةٌ عَلى حالِها انْتَهى، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْمِيمِ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ، وجَوازُ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ وهو المَذْهَبُ المَنصُورُ، ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ، ومَنَعَ النَّسْخَ بِبَدَلٍ أثْقَلَ أيْضًا، واحْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ المَأْتِيِّ بِهِ خَيْرًا أوْ مِثْلًا إلّا في بَدَلٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ النّاسِخَ هو المَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا، وهو خَيْرٌ أوْ مِثْلٌ، ويَكُونُ الآتِي بِهِ هو اللَّهُ تَعالى، والسُّنَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا ولا مِثْلَ القُرْآنِ، ولا مِمّا أتى بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا عَلى الثّالِثِ فَلِأنَّ الأثْقَلَ لَيْسَ بِخَيْرٍ مِنَ الأخَفِّ، ولا مِثْلًا لَهُ، ورُدَّ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَ المَأْتِيِّ بِهِ خَيْرًا أوْ مِثْلًا لا يُتَصَوَّرُ إلّا في بَدَلٍ، وأنَّ الأثْقَلَ لا يَكُونُ خَيْرًا مِنَ الأخَفِّ، إذِ الأحْكامُ إنَّما شُرِعَتْ، والآياتُ إنَّما نَزَلَتْ لِمَصالِحِ العِبادِ، وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ فَضْلًا مِنهُ تَعالى ورَحْمَةً، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ والأشْخاصِ كالدَّواءِ الَّذِي تُعالَجُ بِهِ الأدْواءُ، فَإنَّ النّافِعَ في عَصْرٍ قَدْ يَضُرُّ في غَيْرِهِ، والمُزِيلُ عِلَّةَ شَخْصٍ قَدْ يُزِيلُ عِلَّةَ سِواهُ، فَإذَنْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ الحُكْمِ أوِ الأثْقَلُ أصْلَحَ في انْتِظامِ المَعاشِ، وأنْظَمَ في إصْلاحِ المَعادِ، واللَّهُ تَعالى لَطِيفٌ حَكِيمٌ، ولا يَرُدُّ أنَّ المُتَبادِرَ مِن ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها ﴾ بِآيَةٍ خَيْرٍ مِنها، وإنَّ عَدَمَ الحُكْمِ لَيْسَ بِمَأْتِيٍّ بِهِ لِما أنَّ الخِلافَ في جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ لَيْسَ في إتْيانِ اللَّفْظِ بَدَلَ الآيَةِ الأُولى، بَلْ في الحُكْمِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الأُصُولَ، وأمّا الثّانِي فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ حَصْرَ النّاسِخِ بِما ذُكِرَ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُعْرَفَ النَّسْخُ بِغَيْرِ المَأْتِيِّ بِهِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ لَيْسَ إلّا أنَّ نَسْخَ الآيَةِ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِما هو خَيْرٌ مِنها، أوْ مِثْلٌ لَها، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو النّاسِخُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا مُغايِرًا يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ، وإذا جازَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّاسِخُ سُنَّةً، والمَأْتِيُّ بِهِ الَّذِي هو خَيْرٌ، أوْ مِثْلٌ آيَةً أُخْرى، وأيْضًا السُّنَّةُ مِمّا أتى بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ والمُماثَلَةِ في اللَّفْظِ حَتّى لا تَكُونَ السُّنَّةُ كَذَلِكَ، بَلْ في النَّفْعِ والثَّوابِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ خَيْرًا في ذَلِكَ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ فَإنَّ التَّغَيُّرَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّسْخِ، والتَّفاوُتَ المُسْتَفادَ مِنَ الخَيْرِيَّةِ في وقْتٍ دُونَ آخَرَ مِن رَوادِفِ الحَدَثِ وتَوابِعِهِ، فَلا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّغَيُّرَ والتَّفاوُتَ مِن عَوارِضِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الكَلامُ النَّفْسِيُّ القَدِيمُ، وهي الأفْعالُ في الأمْرِ والنَّهْيِ، والنِّسَبُ الخَبَرِيَّةُ في الخَبَرِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِيهِما في تَعَلُّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وأجابَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِما الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، والقَدِيمُ عِنْدَنا الكَلامُ النَّفْسِيُّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ آراءُ الأشاعِرَةِ مِن أنَّ الحُكْمَ قَدِيمٌ، والنَّسْخَ لا يَجْرِي إلّا في الأحْكامِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ناتِ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ الِاسْتِفْهامُ قِيلَ: لِلتَّقْرِيرِ وقِيلَ: لِلْإنْكارِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ هو وأُمَّتُهُ المُسْلِمُونَ، وإنَّما أفْرَدَهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْلَمُهُمْ، ومَبْدَأُ عِلْمِهِمْ، ولِإفادَةِ المُبالَغَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، وقِيلَ: لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ عَلى حَدِّ: «(بَشِّرِ المَشّائِينَ)» وقِيلَ: لِمُنْكِرِي النَّسْخِ، والمُرادُ الِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِ المُخاطَبِ بِما ذُكِرَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى النَّسْخِ، وعَلى الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ أوْ مُماثِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْهُورَةِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، فَمِن عِلْمِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ عِلْمُ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ قَطْعًا، والِالتِفاتُ بِوَضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ولِأنَّهُ الِاسْمُ العَلَمُ الجامِعُ لِسائِرِ الصِّفاتِ، فَفي ضِمْنِهِ صِفَةُ القُدْرَةِ فَهو أبْلَغُ في نِسْبَةِ القُدْرَةِ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، قرأ ابن عامر مَا نَنْسَخْ برفع النون وكسر السين، وقرأ الباقون مَا نَنْسَخْ بالنصب ومعناهما واحد.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير أَوْ ننسأها بنصب النون والسين والهمزة، وقرأ الباقون أَوْ نُنْسِها برفع النون وكسر السين بغير همز.

فمن قرأ نَنْسَأهَا أي نؤخرها، ومنه النسيئة في البيع وهو التأخير.

ومن قرأ نُنْسِها أي نتركها مثل قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] أي تركهم في النار، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح في قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ما ننسخ من آية فلا نعمل بها أَوْ نُنْسِها ندعها غير منسوخة والنسخ رفع الشيء وإقامة غيره مقامه، وفي الشرع رفع كل حكم قبل فعله أو بعده إذا كان مؤقتاً.

ثم قال تعالى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، يعني أهون وألين منها على الناس أَوْ مِثْلِها في المنفعة.

وقال الزجاج: النسخ في اللغة، هو إبطال شيء وإقامة شيء آخر مقامه، والعرب تقول: نسخت الشمس الظل إذا أزالته.

أَوْ نُنْسِها أي نتركها، معناه أي نأمركم بتركها.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: النسخ له ثلاثة مواضع ولكل منها شواهد ودلائل، فأحدها: ما روي عن ابن عباس-  ما- أنه قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي نبدلها ونوضحها، وما روي عن مجاهد أنه قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها.

فهذا هو المعروف عند الناس.

الثاني: أن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها ولهذا دلائل جاءت فيه، من ذلك ما روي عن النبي  أنه صلى ذات يوم صلاة الغداة، فترك آية، فلما فرغ من صلاته قال: «هَلْ فِيكُمْ أُبَيٌّ» ؟

قالوا: نعم.

قال: «هَلْ تَرَكْتُ مِنْ آيَة» ؟

قالوا: نعم تركت آية كذا، أنسخت أم نسيت قال: «لا، ولكن نَسِيتُ» .

وجاءت الآثار في نحو هذا، لأن الآية قد تنسخ بعد نزولها وترفع.

والنسخ الثالث: تحويله من كتاب إلى كتاب، وهو ما نسخ من أم الكتاب، فأنزل على محمد  أَوْ نُنْسِها أي نتركها في اللوح المحفوظ.

وقال بعضهم: لا يجوز النسخ فيما يرفع كله بعد نزوله، لأن الله تعالى قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] وقال: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة: 17] ولكن أكثر أهل العلم قالوا: يجوز ذلك.

والنسخ يجوز في الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا يجوز في القصص والأخبار، لأنه لو جاز ذلك يكون كذباً، والكذب في القرآن لا يجوز.

ثم قال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الناسخ والمنسوخ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...

الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن.

وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ...

الآية: النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين:

أحدهما: النَّقْل كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] .

الثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ:

أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ.

والآخر: لا يثبت كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ.

وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة:

الْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً، مع تراخيه عنه.

ت: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر «١» .

انتهى من «مختصره الكبير» .

والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلاً لأنه لا يلزم عنه محالٌ «١» ، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالى/، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا ٣١ ب النسخ لطروء علْم، بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا.

والمنسوخُ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنّ الأوامر مرادة، وأن

الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ «١» ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا

ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس «١» به لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار «٢» ، وإِنما هو

مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله- عليه السلام- «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «١» ، وهو ظاهر مسائل مالك.

ت: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيّ، وقد أشار إلى أن هذا

الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: ١٨٠] ،

واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا» بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ: «نُنْسِهَا» من النسيان «١» ، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلاَّ أنها همزت بعد السين «٢» ، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ/ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لها، فإنّا ٣٢ أنأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، انظرها، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار.

ع «٣» : والصحيح أن نسيان النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً- جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البشر لأنه صلّى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة ومنه الحديثُ، حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟

قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟

قَالَ:

حَسِبْتُ أنّها رفعت فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا» «٤» .

وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ: معناه: التقرير، ومعنى الآية، أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجود، وقَدِيرٌ: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ «٥» : وإِن من علم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لَمّا نُسِخَتِ القِبْلَةُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَحِلُّ لِأصْحابِهِ إذا شاءَ، ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: النَّسْخُ في اللُّغَةِ: إبْطالُ شَيْءٍ وإقامَةُ آَخَرَ مَقامِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: إذا أذْهَبَتْهُ، وحَلَّتْ مَحَلَّهُ، وفي المُرادِ بِهَذا النَّسْخِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَفْعُ اللَّفْظِ والحُكْمِ.

والثّانِي: تَبْدِيلُ الآَيَةِ بِغَيْرِها، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قَوْلُ السُّدِّيُّ، .

والثّانِي: قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّالِثُ: رَفْعُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ اللَّفْظِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنْ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ما نَنْسَخُ) بِضَمِّ النُّونِ، وكَسْرِ السِّينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: أيْ: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا كَقَوْلِكَ: أحَمَدْتُ فُلانًا، أيْ: وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، وإنَّما يَجِدُهُ مَنسُوخًا بِنَسْخِهِ إيّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (نَنَسْأها) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ الهَمْزَةُ، والمَعْنى نُؤَخِّرُها.

قالَ أبُو زَيْدٍ: نَسَأتِ الإبِلِ عَنِ الحَوْضِ، فَإنْ أنْسَأها: إذا أخَّرَتْها، ومِنهُ: النَّسِيئَةُ في البَيْعِ.

وفي مَعْنى نُؤَخِّرُها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُؤَخِّرُها عَنِ النَّسْخِ فَلا نَنْسَخُها، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: نُؤَخِّرُ إنْزالها، فَلا نَنْزِلُها البَتَّةَ.

والثّالِثُ: نُؤَخِّرُها عَنِ العَمَلِ بِها بِنَسْخِنا إيّاها، حَكاهُما أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (تَنْسَها) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ونُونٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والضَّحّاكُ: (تَنْسَها) بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ: (أوَنُنْسُها) بِنُونَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانَيَةُ ساكِنَةٌ.

أرادَ: أوْ نُنْسِكَها، مِنَ النِّسْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاللِّينِ مِنها، وأيْسَرَ عَلى النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ أيْ: في الثَّوابِ والمَنفَعَةِ، فَتَكُونُ الحِكْمَةُ في تَبْدِيلِها بِمِثْلِها الِاخْتِبارَ.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْقِيفُ والتَّقْرِيرُ.

والمُلْكُ في اللُّغَةِ: تَمامُ القُدْرَةِ واسْتِحْكامُها، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَحْكُمُ بِما يَشاءُ عَلى عِبادِهِ، وبِغَيْرِ ما يَشاءُ مِن أحْكامٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ التَقْدِيرُ: ولا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ أجْناسَهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى وعَبَدَةِ الأوثانِ، لِيَبِينَ في الألِفِ واللامِ في "الَّذِينَ" أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما أمَرْناكم بِهِ مِن أنْ تُعَظِّمُوا نَبِيَّكم خَيْرٌ مِنَ اللهِ مَنحُكم إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَوَدُّهُ الكُفّارُ، ثُمَّ يَتَناوَلُ اللَفْظُ كُلَّ خَيْرٍ غَيْرَ هَذا، و"أنْ" مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، و"مِن" زائِدَةٌ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، ولَمّا كانَ وُدُّ نُزُولِ الخَيْرِ مُنْتَفِيًا قامَ ذَلِكَ مَقامَ الجَحْدِ الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الزائِدَةُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وأمّا الأخْفَشُ فَيُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ.

وقالَ قَوْمٌ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، ولَوْ زالَ مَعْنى التَبْعِيضِ لَساغَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُرِيدُ ألّا يُنَزَّلَ خَيْرٌ كامِلٌ، ولا نَكْرَهُ أنْ يَنَزَّلَ بَعْضٌ، فَإذا نُفِيَ وُدُّ نُزُولِ البَعْضِ فَذَلِكَ أحْرى في نُزُولِ خَيْرٍ كامِلٍ.

والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عامَّةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِها الَّتِي قَدْ مَنَحَها اللهُ عِبادَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقالَ قَوْمٌ: الرَحْمَةُ هي القُرْآنُ، وقالَ قَوْمٌ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ  ، وهَذِهِ أجْزاءُ الرَحْمَةِ العامَّةِ الَّتِي في لَفْظِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها ﴾ الآيَةُ، النَسْخُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما النَقْلُ، كَنَقْلِ كِتابٍ مِن آخَرَ، والثانِي الإزالَةُ، فَأمّا الأوَّلُ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، وأمّا الثانِي الَّذِي هو الإزالَةُ فَهو الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مُنْقَسِمٌ في اللُغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما يُثْبِتُ الناسِخَ بَعْدَ المَنسُوخِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، والآخَرُ لا يُثْبِتُ كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الرِيحُ الأثَرَ.

وَوَرَدَ النُسَخُ في الشَرْعِ حَسَبَ هَذَيْنَ الضَرْبَيْنِ.

والناسِخُ حَقِيقَةٌ هو اللهُ تَعالى، ويُسَمّى الخِطابُ الشَرْعِيُّ ناسِخًا إذْ بِهِ يَقَعُ النَسْخُ.

وحَدُّ الناسِخِ عِنْدَ حُذّاقِ أهْلِ السُنَّةِ الخِطابُ الدالُّ عَلى ارْتِفاعِ الحُكْمِ الثابِتِ بِالخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا مَعَ تَراخِيهِ عنهُ.

والنَسْخُ جائِزٌ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ عنهُ مُحالٌ، ولا تَغْيِيرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، ولَيْسَتِ الأوامِرُ مُتَعَلِّقَةً بِالإرادَةِ فَيَلْزَمُ مِنَ النَسْخِ أنَّ الإرادَةَ تَغَيَّرَتْ، ولا النَسْخَ لِطُرُوِّ عِلْمٍ، بَلِ اللهُ تَعالى يَعْلَمُ إلى أيِّ وقْتٍ يَنْتَهِي أمْرُهُ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، ويَعْلَمُ نَسْخَهُ بِالثانِي.

والبَداءُ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِطُرُوِّ عِلْمٍ أو لِتَغَيُّرِ إرادَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ في جِهَةِ اللهِ تَعالى.

وجَعَلَتِ اليَهُودُ النَسْخَ والبَداءَ واحِدًا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوهُ فَضَلُّوا.

والمَنسُوخُ عِنْدَ أئِمَّتِنا: الحُكْمُ الثابِتُ نَفْسُهُ، لا ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ مِثْلُ الحُكْمِ الثابِتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، والَّذِي قادَهم إلى ذَلِكَ مَذْهَبُهم في أنَّ الأوامِرَ مُرادَةٌ، وأنَّ الحَسَنَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْحُسْنِ، ومُرادُ اللهِ تَعالى حَسَنٌ، وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ الأوامِرَ لا تَرْتَبِطُ بِالإرادَةِ، وعَلى أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأحْكامِ إنَّما هو مِن جِهَةِ الشَرْعِ لا بِصِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ.

والتَخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ يُوهِمُ أنَّهُ نَسْخٌ ولَيْسَ بِهِ، لِأنَّ المُخَصَّصَ لَمْ يَتَناوَلْهُ العُمُومُ قَطُّ، ولَوْ ثَبَتَ قَطْعًا تَناوُلُ العُمُومِ لِشَيْءٍ ما ثُمَّ أُخْرِجَ ذَلِكَ الشَيْءُ عَنِ العُمُومِ لَكانَ نَسْخًا لا تَخْصِيصًا، والنَسْخُ لا يَجُوزُ في الإخْبارِ، وإنَّما هو مُخْتَصٌّ بِالأوامِرِ والنَواهِي، ورَدَّ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ الأمْرَ خَبَرًا بِأنْ قالَ: ألَيْسَ مَعْناهُ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا كَذا؟

فَهَذا خَبَرٌ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ في ضِمْنِ المَعْنى إلّا أنْ أنْسَخَهُ عنكم وأرْفَعَهُ، فَكَما تَضَمَّنَ لَفْظُ الأمْرِ ذَلِكَ الإخْبارَ، كَذَلِكَ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِثْناءَ.

وصُوَرُ النُسَخِ تَخْتَلِفُ: وقَدْ يُنْسَخُ الأثْقَلُ إلى الأخَفِّ، كَنَسْخِ الثُبُوتِ لِعَشَرَةٍ بِالثُبُوتِ لِاثْنَيْنِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الأخَفُّ إلى الأثْقَلِ كَنَسْخِ يَوْمِ عاشُوراءَ والأيّامِ المَعْدُودَةِ بِرَمَضانَ.

وقَدْ يُنْسَخُ المَثَلُ بِمِثْلِهِ ثِقَلًا وخِفَّةً، كالقُبْلَةِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الشَيْءُ لا إلى بَدَلٍ، كَصَدَقَةِ النَجْوى.

والنَسْخُ التامُّ أنْ تُنْسَخَ التِلاوَةُ والحُكْمُ، وذَلِكَ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُنّا نَقْرَأُ "لا تَرْغَبُوا عن آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ.

وَقَدْ تُنْسَخُ التِلاوَةُ دُونَ الحُكْمِ، كَآيَةِ الرَجْمِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الحُكْمُ دُونَ التِلاوَةِ، كَصَدَقَةِ النَجْوى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا  ﴾ ، والتِلاوَةُ والحُكْمُ حُكْمانِ، فَجائِزٌ نَسْخُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، ويُنْسَخُ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ، والسُنَّةُ بِالسُنَّةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ يُرادُ بِها الخَبَرُ المُتَواتِرُ القَطْعِيُّ، ويُنْسَخُ خَبَرُ الواحِدِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وحُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُنَّةِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ  : «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وهو ظاهِرُ مَسائِلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وأبى ذَلِكَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ إسْقاطُهُ الجَلْدَ في حَدِّ الزِنى عَنِ الثَيِّبِ الَّذِي يُرْجَمُ، فَإنَّهُ لا مَسْقَطَ لِذَلِكَ إلّا السُنَّةُ، فِعْلُ النَبِيِّ  .

وكَذَلِكَ حُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ السُنَّةَ تُنْسَخُ بِالقُرْآنِ.

وذَلِكَ مَوْجُودٌ في القِبْلَةِ، فَإنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ لَمْ تَكُنْ قَطُّ في كِتابِ اللهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ  ﴾ فَإنَّ رُجُوعَهُنَّ إنَّما كانَ بِصُلْحِ النَبِيِّ  لِقُرَيْشٍ.

والحُذّاقُ عَلى تَجْوِيزِ نَسْخِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ عَقْلًا، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ شَرْعًا؟

فَذَهَبَ أبُو المَعالِي، وغَيْرُهُ إلى وُقُوعِهِ في نازِلَةِ مَسْجِدِ قِباءٍ، في التَحَوُّلِ إلى القِبْلَةِ، وأبى ذَلِكَ قَوْمٌ.

وَلا يَصِحُّ نَسْخُ نَصٍّ بِقِياسٍ، إذْ مِن شُرُوطِ القِياسِ ألّا يُخالِفَ نَصًّا، وهَذا كُلُّهُ في مُدَّةِ النَبِيِّ  .

وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ واسْتِقْرارِ الشَرْعِ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ أنَّهُ لا نَسْخَ، ولِهَذا كانَ الإجْماعُ لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ، لِأنَّهُ إنَّما يَنْعَقِدُ بَعْدَ النَبِيِّ  ، فَإذا وجَدْنا إجْماعًا يُخالِفُ نَصًّا فَنَعْلَمُ أنَّ الإجْماعَ اسْتَنَدَ إلى نَصٍّ ناسِخٍ لا نَعْلَمُهُ نَحْنُ.

وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: النَسْخُ الثابِتُ مُتَقَرِّرٌ في جِهَةِ كُلِّ أحَدٍ، عَلِمَ الناسِخَ أو لَمْ يَعْلَمْهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الحُذّاقُ أنَّهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الناسِخُ فَهو مُتَعَبِّدٌ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، فَإذا بَلَغَهُ الناسِخُ طَرَأ عَلَيْهِ حُكَمُ النَسْخِ.

والحُذّاقُ عَلى جَوازِ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وهو مَوْجُودٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَبِيحِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما نَنْسَخُ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن نَسَخَ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "نُنْسِخُ"، بِضَمِّ النُونِ مِن أنْسَخَ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ لُغَةً لِأنَّهُ لا يُقالُ: نُسِخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما نَكْتُبُ مِن آيَةٍ، أيْ ما نَنْزِلُ فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما تَقُولُ: أحَمَدْتَ الرَجُلَ وأبْخَلَتَهُ بِمَعْنى وجَدْتَهُ مَحْمُودًا أو بَخِيلًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ نَنْسَخْهُ فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَتا في اللَفْظِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ خَرَّجَ قِرَأةُ هَذِهِ القِراءَةِ المَعْنى عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أو ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ أيْ ذَلِكَ فِعْلُنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ أو بِمِثْلِهِ، فَيَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدِينَ عَلى الضَمِيرِ في "نَنْسَأْها".

والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يَكُونَ نَنْسَخُ مِنَ النَسْخِ بِمَعْنى الإزالَةِ، ويَكُونَ التَقْدِيرُ: ما نَنْسَخُكَ أيْ نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا.

و"ما" شَرْطِيَّةٌ، وهي مُفَعُولَةٌ بـِ "نَنْسَخْ"، و"نَنْسَخْ" جُزِمَ بِالشَرْطِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: "نُنْسِها" فَقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجُمْهُورُ مِنَ الناسِ "نَنْسَها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وكَسْرِ السِينِ، وتَرْكِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ مِن أنْسى المَنقُولِ مِن نَسِيَ، وقَرَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِينِ، فَهَذِهِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأْتُ الدَيْنَ وغَيْرَهُ أنُسْؤُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتُهُ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "أو نَنْسَها" بِفَتْحِ النُونِ الأولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وفَتْحِ السِينِ، وهَذِهِ بِمَعْنى التَرْكِ، ذَكَرَها مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْها، وذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ "اللَآلِي" عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهم.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ "أو تَنْسَها" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ  ، ونُونٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ، وفَتْحِ السِينِ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ، فَقِيلَ لِسَعْدٍ: إنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبَ يَقْرَؤُها بِنُونٍ أُولى مَضْمُومَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، فَقالَ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى المُسَيِّبِ ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ، وتَلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى  ﴾ ، ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ  ﴾ .

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ - فِيما ذَكَرَ عنهُ أيْضًا - "أو تُنْسَها" بِضَمِّ التاءِ أوَّلًا وفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ النُونِ بَيْنَهُما، وهَذِهِ مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وأبُو رَجاءٍ "نُنَسِّها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ أيْضًا مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "نَنْسَأْها" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وأُخْرى بَعْدَها ساكِنَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وألِفٍ بَعْدَها مَهْمُوزَةٍ، وهَذِهِ مِنَ التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنُسَؤُها نَسْأً، أيْ أخَّرْتُها، وكَذَلِكَ يُقالُ: أنْسَأ الإبِلَ إذا زادَ في ظَمَئِها يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ أو أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، بِمَعْنى أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا أنَّها بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلًا عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ  وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ أوَّلًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "أو نُنْسِكَ" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ وكافٍ مُخاطَبَةٍ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ "أو نُنْسِكَها" مِثْلَ قِراءَةِ أُبَيٍّ إلّا أنَّهُ زادَ ضَمِيرَ الآيَةِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أو نَنْسَخْها نَجِيءُ بِمِثْلِها"، وهَكَذا ثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءاتُ لا تَخْلُو كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أنْ تَكُونَ مِنَ النَسْءِ أوِ الإنْساءِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، أو تَكُونُ مِنَ النِسْيانِ.

والنِسْيانُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ في الأغْلَبِ ضِدَّ الذِكْرِ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى التَرْكِ، فالمَعانِي الثَلاثَةُ مَقُولَةٌ في هَذِهِ القِراءاتِ، فَما كانَ مِنها يَتَرَتَّبُ في لَفْظَةِ النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ.

فَمَعْنى الآيَةِ: ما نَنْسَخُ مِن آيَةٍ أو نُقَدِّرُ نِسْيانَكَ لَها فَتَنْساها حَتّى تَرْتَفِعَ جُمْلَةً وتَذْهَبَ، فَإنّا نَأْتِي بِما هو خَيْرٌ مِنها لَكم أو مِثْلِهِ في المَنفَعَةِ.

وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَرْكِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها أرْبَعَةُ مَعانٍ: أحَدُها: ما نَنْسَخُ -عَلى وُجُوهِ النُسَخِ- أو نَتْرُكُ غَيْرَ مُنَزَّلٍ عَلَيْكَ فَإنّا لا بُدَّ أنْ نَنْزِلَ -رِفْقًا بِكُمْ- خَيْرًا مِن ذَلِكَ أو مِثْلَهُ، حَتّى لا يَنْقُصَ الدِينُ عن حَدِّ كَمالِهِ.

والمَعْنى الثانِي: أو نَتْرُكَ تِلاوَتَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا حُكْمَهُ- فَيَجِيءُ النَسْخُ عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ.

والمَعْنى الثالِثُ: أو نَتْرُكُ حُكْمَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا تِلاوَتَهُ- فالنُسَخُ أيْضًا عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والمَعْنى الرابِعُ: أو نَتْرُكُها غَيْرَ مَنسُوخَةِ الحُكْمِ ولا التِلاوَةِ، فالنَسْخُ عَلى هَذا المَعْنى هو عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

ويَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدَيْنَ عَلى المَنسُوخَةِ فَقَطْ، وكَأنَّ الكَلامَ: إنْ نَسَخْنا أو أبْقَيْنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخَةِ أو مِثْلِها، وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَأْخِيرِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها المَعانِي الأرْبَعَةُ الَّتِي في التَرْكِ أوَّلُها: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُ إنْزالَهُ.

والثانِي: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ حُكْمَهُ وإنْ أبْقَيْنا تِلاوَتَهُ.

والثالِثُ: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ تِلاوَتَهُ وإنْ أبْقَيْنا حُكْمَهُ.

والرابِعُ: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُهُ مُثْبَتًا لا نَنْسَخُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرانِ كَما ذَكَرْنا في التَرْكِ.

وبَعْضُ هَذِهِ المَعانِي أقْوى مِن بَعْضٍ، لَكِنْ ذَكَرْنا جَمِيعَها لِأنَّها تُحْتَمَلُ، وقَدْ قالَ جَمِيعَها العُلَماءُ، إمّا نَصًّا، وإمّا إشارَةً فَكَمَّلْناها.

وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ القِراءَةَ "أو نُنْسَها" بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الثانِيَةِ وكَسْرِ السِينِ لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَرْكِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: أنْسى بِمَعْنى تَرَكَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجَهٌ، لِأنَّهُ بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ  ، ولا نَسِيَ قُرْآنًا.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ، أو بِتَنْسِئَةٍ، واحْتَجَّ الزَجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ  ﴾ أيْ لَمْ نَفْعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى إزالَةِ النِعْمَةِ كَما تَوَعَّدَ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ القَوْلَ عن أقْدَمَ مِنَ الزَجّاجِ ورَدَ عَلَيْهِ، والصَحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَبِيِّ  لِما أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْساهُ -وَلَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَ قُرْآنًا- جائِزٌ.

فَأمّا النِسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ فالنَبِيُّ  مَعْصُومٌ مِنهُ قَبْلَ التَبْلِيغِ وبَعْدَ التَبْلِيغِ ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصِحابِهِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يَحْفَظَ فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَلاةِ قالَ: أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟

قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟

قالَ: حَسِبْتُ أنَّها رُفِعَتْ.

فَقالَ النَبِيُّ  : لَمْ تُرْفَعْ، ولَكِنِّي نَسِيتُها» " ولَفْظَةُ خَيْرٍ في الآيَةِ صِفَةٌ تَفْضِيلٍ، والمَعْنى: بِأنْفَعَ لَكم أيُّها الناسُ في عاجِلٍ إنْ كانَتِ الناسِخَةُ أخَفَّ، وفي آجِلٍ إنْ كانَتْ أثْقَلَ، وبِمِثْلِها إنْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً، وقالَ قَوْمٌ: "خَيْرٌ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ، و"مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا القَوْلُ لِقَوْلُهُ تَعالى: "أو مِثْلِها"، إلّا أنْ يُعْطَفَ المِثْلُ عَلى الضَمِيرِ في مِنها دُونَ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ ﴾ ، ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَقْرِيرُ، والتَقْرِيرُ مُحْتاجٌ إلى مُعادِلٍ كالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ  ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: "أمْ هُنا" مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَبِيِّ  مُخاطَبَةَ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبُ وحْدَهُ فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ.

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يَنْسَخُ ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ في أحْكامِهِ ما يَشاءُ، هو قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ.

وهَذا لِإنْكارِ اليَهُودِ النُسَخُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ إذْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الصِفاتُ القَدِيمَةُ بِدَلالَةِ العَقْلِ ولا المُحالاتُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأشْياءَ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْجُودِ و"قَدِيرٌ" اسْمُ فاعِلٍ عَلى المُبالَغَةِ مِن "قَدَرَ" بِفَتْحِ العَيْنِ "يَقْدِرُ" بِكَسْرِها، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: قَدِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَقْدَرُ بِفَتْحِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .

مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم بقولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره، وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن محمداً وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقاً لها فكيف يكون شرعه مبطلاً للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل شريعة بشريعة.

وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله: ﴿ قل فلم يقتلون أنبئاء الله من قبل ﴾ [البقرة: 91] وقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ [البقرة: 94] إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ذو الفضل العظيم ﴾ [البقرة: 105] المنبئ أن العلة هي الحسد، فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ.

والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلاً من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة.

ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم.

ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله: ﴿ ألم تعلم ﴾ وعطفه عليه بقوله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ [البقرة: 108] ولقوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾ ولم يقل من شريعة.

وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع.

وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول، ففي «الكشاف» و«المعالم»: نزلت لما قال اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، وفي «تفسير القرطبي» أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن محمداً يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضاً.

وقرأ الجمهور (ننسخ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ، وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزاً بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية.

و (ما) شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسماً للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضاً توجب إبهاماً في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهماً فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به.

و (من آية) بيان لما.

والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر.

قال الحرث بن حلزة: مَن لنا عنده مِن الخير آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلِّهن القضاءُ ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آييّ أو آوي.

ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ [الإسراء: 59].

وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [النحل: 101] ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبراً مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيراً في بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول: قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيساً.

وقال سحيم العبد: ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتى *** بآية ما جاءت إلينا تَهاديا ولذا أيضاً سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفاً.

والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن.

والنسخ إزالة الشي بشيء آخر قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحاً في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتاً محضاً لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ [الجاثية: 29] وقال: ﴿ وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ [الأعراف: 154] وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز.

ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير.

والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف.

إذ البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات.

فالأول نحو قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ [البقرة: 198] في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي.

ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ [النساء: 24] بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ [البقرة: 187] لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار.

وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتاً لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيّى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار.

وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام كما قالوا ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وهو أحوال: الأول مجيء شريعة لقوم مجيئاً مؤقتاً لمدة حياة الرسول المرسل بها فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف وشريعة شعيب قال تعالى: ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ [غافر: 34] وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما إذا كانت عَبْس مثلاً يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه.

الثاني أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع موسى ثم تجيء بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت بعضاً كشريعة عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضاً وتفسر بعضاً، فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل مثل أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ولا يخالف هذا النوع نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان.

الثالث مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالاً عاماً بحيث تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتلقى شيئاً من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلارم فيه بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام، وقد اختلف في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لكن ذلك الخلاف ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ [الأنعام: 90].

وقوله: ﴿ أو ننسها ﴾ قرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخلف (ننسها) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها فكنى عنه بالنسء وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى الناس العمل به فيكون ذلك إبطالاً للحكم لأنه لو كان قائماً لما سكت الرسول عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالاً في القرآن ونظيره في السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره» عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول أبي هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم.

ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة.

أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها.

وقوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ جواب الشرط وجعله جواباً مشعر بأن هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع النسخ هو الناسخ من شريعة أو حكم والمأتي به مع الإنساء من النسيان هو الناسخ أيضاً من شريعة أو حكم أو هو ما يجيء من الأحكام غير ناسخ ولكنه حكم مخالف ينزل بعد الآخر والمأتي به مع النسء أي التأخير هو ما يقارن الحكم الباقي من الأحكام النازلة في مدة عدم النسخ.

وقد أجملت جهة الخيرية والمثلية لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فتجده مراداً إذ الخيرية تكون من حيث الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس، أوما يدفع عنهم مضرة، أو ما فيه جلب عواقب حميدة، أو ما فيه ثواب جزيل، أوما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وإن كان حملهم على الشدة قد يكون أكثر مصلحة.

وليس المراد أن كل صورة من الصور المفروضة في حالات النسخ والإنساء أو النسء هي مشتملة على الخير والمثل معاً وإنما المراد أن كل صورة منهما لا تخلو من الاشتمال على الخير منها أو المثل لها فلذلك جيء بأو في قوله: ﴿ بخير منها أو مثلها ﴾ فهي مفيدة لأحد الشيئين مع جواز الجمع.

وتحقيق هاته الصور بأيديكم، ولنضرب لذلك أمثالاً ترشد إلى المقصود وتغني عن البقية مع عدم التزام الدرج على القول الأصح فنقول: (1) نسخ شريعة مع الإتيان بخير منها كنسخ التوراة والإنجيل بالإسلام.

(2) نسخ شريعة مع الإتيان بمثلها كنسخ شريعة هود بشريعة صالح فإن لكل فائدة مماثلة للأخرى في تحديد أحوال أمتين متقاربتي العوائد والأخلاق فهود نهاهم أن يبنوا بكل ريع آية يعبثون وصالح لم ينه عن ذلك ونهى عن التعرض للناقة بسوء.

(3) نسخ حكم في شريعة بخير منه مثل نسخ كراهة الخمر الثابتة بقوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع ﴾ [البقرة: 219] بتحريمها بتاتاً فهذه الناسخة خير من جهة المصلحة دون الرفق وقد يكون الناسخ خيراً في الرفق كنسخ تحريم الأكل والشرب وقربان النساء في ليل رمضان بعد وقت الإفطار عند الغروب إذا نام الصائم قبل أن يتعشى بقوله تعالى: ﴿ من الفجر ﴾ [البقرة: 187] قال في الحديث في «صحيح البخاري» ففرح المسلمون بنزولها.

(4) نسخ حكم في الشريعة بحكم مثله كنسخ الوصية للوالدين والأقربين بتعيين الفرائض والكل نافع للكل في إعطائه مالاً، وكنسخ فرض خمسين صلاة بخمس صلوات مع جعل ثواب الخمسين للخمس فقد تماثلتا من جهة الثواب، وكنسخ آية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين ﴾ [البقرة: 184] بقوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ [البقرة: 185] إلى قوله: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة: 184] فأثبت كون الصوم خيراً من الفدية.

(5) إنساء بمعنى التأخير لشريعة مع مجيء خير منها، تأخير ظهور دين الإسلام في حين الإتيان بشرائع سبقته كل واحدة منها هي خير بالنسبة للأمة التي شرعت لها والعصر الذي شرعت فيه فإن الشرائع تأتي للناس بما يناسب أحوالهم حتى يتهيأ البشر كلهم لقبول الشريعة الخاتمة التي هي الدين عند الله فالخيرية هنا ببعض معانيها وهي نسبية.

(6) إنساء شريعة بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوعه بعد حين ومع الإتيان بمثلها كتأخير شريعة عيسى في وقت الإتيان بشريعة موسى وهي خير منها من حيث الاشتمال على معظم المصالح وما تحتاج إليه الأمة.

(7) إنساء بمعنى تأخير الحكم المراد مع الإتيان بخير منه كتأخير تحريم الخمر وهو مراد مع الإتيان بكراهته أو تحريمه في أوقات الصلوات فقط فإن المأتي به خير من التحريم من حيث الرفق بالناس في حملهم على مفارقة شيء افتتنوا بمحبته.

(8) إنساء شريعة بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها أي أوسع وأعم مصلحة وأكثر ثواباً لكن في أمة أخرى أو بمثلها كذلك.

(9) إنساء آية من القرآن بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها في باب آخر أي أعم مصلحة أو بمثلها في باب آخر أي مثلها مصلحة أو ثواباً مثل تحريم الخمر في وقت الصلوات وينزل في تلك المدة تحريم البيع في وقت صلاة الجمعة.

(10) نسيان شريعة بمعنى اضمحلالها كشريعة آدم ونوح مع مجيء شريعة موسى وهي أفضل وأوسع وشريعة إدريس مثلاً وهي مثل شريعة نوح.

(11) نسيان حكم شريعة مع مجيء خير منه أو مثله، كان فيما نزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ثم نسيا معاً وجاءت آية ﴿ وأخواتكم من الرضاعة ﴾ [النساء: 23] على الإطلاق والكل متماثل في إثبات الرضاعة ولا مشقة على المكلفين في رضعة أوعشر لقرب المقدار.

وقيل: المراد من النسيان الترك وهو حينئذ يرجع معناه وصوره إلى معنى وصور الإنساء بمعنى التأخير.

والمقصد من قوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعاً أو حكماً ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال، وما أخر حكماً في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم، وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة، ومراد الله تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقال أيضاً: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ [الشورى: 13] الآية.

والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر.

فقوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز.

وتوزيع هذا الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز.

والمعنى أنا لم نترك الخلق في وقت سدى، وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه البداء.

وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصوراً تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها.

ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ ننسها ﴾ أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة، أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبيء صلى الله عليه وسلم إياها فيكون نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلاً على النسخ واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال «قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فغديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال لهما: " إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها " قال ابن كثير هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف وقال ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به الطبراني وكيف خفي مثله على أئمة الحديث.

والصحيح أن نسيان النبيء ما أراد الله نسخه ولم يرد أن يثبته قرآناً جائز، أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبيء معصوم عنه قبل التبليغ، وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز وقد روي أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال لأبيّ لم لم تذكرني قال حسبت أنها رفعت قال: لا ولكني نسيتها اه.

والحق عندي أن النسيان العارض الذي يُتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية لمنافاته لظاهر قوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ وأما النسيان المستمر للقرآن فأحسب أنه لا يجوز.

وقوله تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [الأعلى: 6] دليل عليه وقوله: ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ [الأعلى: 7] هو من باب التوسعة في الوعد وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى.

وأما ما ورد في «صحيح مسلم» عن أنس قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول ببراءة فانسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاً وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب اه.

فهو غريب وتأويله أن هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها، ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اه.

وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع، وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل: إن خلافه لفظي وتفصيل الأدلة في كتب أصول الفقه.

وقد قسموا نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام: نسخ التلاوة والحكم معاً وهو الأصل ومثلوه بما روى عن أبي بكر كان فيما أنزل لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بقاء الإعجاز ببلاغة الآية ومثاله آية: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ [الأنفال: 65] إلى آخر الآيات.

ونسخ التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روي عن عمر: كان فيما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد تأولوا قول عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيراً بحكمه.

وقد كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ففي البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ﴾ [البقرة: 234] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.

﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ لله للهأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض؟

وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ.

ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال.

ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم.

ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله: ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ﴾ [المائدة: 91] الآية بعد قوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43] الآية ونحو ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ [الأنفال: 66] الآية.

ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع.

ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور.

ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها.

والخطاب في ﴿ تعلم ﴾ ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح «الكشاف» وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره.

وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود.

وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير.

والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله: ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 33] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء.

وقد أشار في «الكشاف» إلى أنه تقريري وصرح به القطب في «شرحه» ولم يسمع في كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير.

وقوله: ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ﴾ قال البيضاوي: هو متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات والأرض لا جرم أن يكون قديراً على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي قبلها.

وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به التقرير والإنكار تعديداً على المخاطب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ في (مَعْنى) نَسْخِها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَبْضُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إثْباتُ خَطِّها وتَبْدِيلُ حُكْمِها، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

( أوْ نُنْسِها ) فِيهِ قِراءَتانِ: أحَدُهُما: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ( أوْ نَنْسَأها ) فَمَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَها ) فَفي تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى أوْ نُمْسِكُها، وقَدْ ذُكِرَ أنَّها كانَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ما نُمْسِكُ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِيءُ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ  ، كانَ يَقْرَأُ الآيَةَ، ثُمَّ يَنْسى وتُرْفَعُ،» وكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ يَقْرَأُ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ ، بِمَعْنى الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: أوْ تَنْسى أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وقالَ القاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: فَإنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ يَقْرَأُ: ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ ، فَقالَ سَعْدٌ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى  ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ  ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى التَّرْكِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ، أيْ تَرَكُوهُ فَتَرَكَهُمْ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ يَعْنِي نَرْفَعُها ونُبَدِّلُها، ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ أيْ نَتْرُكُها ولا نُبَدِّلُها ولا نَنْسَخُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ قالَ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى نُنْسِها أيْ نَمْحُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَأمّا مَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَأُها ) فَمَعْناهُ نُؤَخِّرُها، مِن قَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ هَذا الأمْرَ، إذا أخَّرْتَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلِهِمْ: بِعْتُ بِنَساءٍ أيْ بِتَأْخِيرٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ خَيْرٍ لَكم في المَنفَعَةِ، وأرْفَقَ بِكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: والثّانِي: أنَّ مَعْنى (خَيْرٍ) مِنها، أيْ أخَفَّ مِنها، بِالتَّرْخِيصِ فِيها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ، ما نُغَيِّرُ مِن حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلُهُ، أوْ نَتْرُكُهُ فَلا نُبَدِّلُهُ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنها، إمّا بِالتَّخْفِيفِ في العاجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ قِيامِ اللَّيْلِ تَخْفِيفًا، وإمّا بِالنَّفْعِ بِكَثْرَةِ الثَّوابِ في الآجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ صِيامِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ بِشَهْرِ رَمَضانَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ يَعْنِي مِثْلَ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ والثَّوابِ والأجْرِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ مِثْلُهُ في المَشَقَّةِ والثَّوابِ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: أوَكانَ النَّبِيُّ  غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ؟

قِيلَ: عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (ألَمْ تَعْلَمْ) بِمَعْنى أعَلِمْتَ.

والثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ، لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ  ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال: «كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ .

وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها مما نسخ أو نسي فالهوا عنه، فكان الزهري يقرأها ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾ بضم النون خفيفة» .

وأخرج البخاري والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال عمر: اقرأنا أبي، واقضانا علي، وإنا لندع شيئاً من قراءة أبي، وذلك أن أبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص أنه قرأ ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ ﴿ ننسها ﴾ قال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب، قال الله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [ الأعلى: 6] .

﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ [ الكهف: 24] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: يقول الله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ أي نؤخرها.

وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد، أنه قرأ ﴿ أو ننساها ﴾ .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن مجاهد قال في قراءة أبي ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسك ﴾ .

وأخرج آدم بن أبي أياس وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ قال: نثبت خطها ونبدل حكمها ﴿ أو ننساها ﴾ قال: نؤخرها عندنا.

وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي عن عبيد بن عمير الليثي في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ يقول: أو نتركها، نرفعها من عندهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة ثم ترفع فينسيها الله نبيه، فقال الله يقص على نبيه ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم قال: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ [ النحل: 101] وقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ [ الرعد: 39] .

وأخرج أبو داود وابن جرير عن أبي العالية قال: يقولون ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ كان الله أنزل أموراً من القرآن ثم رفعها.

فقال: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ أو ننسها ﴾ قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآناً ثم أنسيه، فلم يكن شيئاً ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف «إن رجلاً كانت معه سورة فقام من الليل فقام بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا عنده فأخبروه، فقال: إنها نسخت البارحة» .

وأخرج أبو داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي أمامة «أن رهطاً من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أن رجلاً قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا بسم الله الرحمن الرحيم، ووقع ذلك لناس من أصحابه، فأصبحوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السورة، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئاً ثم قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.

وأخرج مسلم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه إلا التراب.

وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، أولها سبح لله ما في السموات فأنسيناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.

فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت، وحفظت منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم.

وأخرج ابن الضريس: ليؤيدن الله هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من خلاق، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، إلا من تاب فيتوب الله عليه والله غفور رحيم.

وأخرج أبو عبيد وأحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي واقد الليثي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا ما أوحي إليه، قال: فجئته ذات يوم فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإِقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم وادياً لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج أبو داود وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج أبو عبيد وأحمد عن جابر بن عبدالله قال: كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

وأخرج أبو عبيد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا» .

وأخرج البزار وابن الضريس عن بريدة «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: لو ان لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً لابتغى ثالثاً، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي ذر قال: في قراءة أبي بن كعب: ابن آدم لو أعطي وادياً من مال لابتغى ثانياً ولالتمس ثالثاً، ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، وإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر بن الخطاب قال: «إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» .

وأخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر بن الخطاب قال: كنا نقرأ فيما نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك يا زيد؟

قال: نعم.

وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن أبيه عن جده عمير بن قزوة.

أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: إن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم؟

فقال: بلى.

ثم قال: أو ليس كنا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

فيما فقدنا من كتاب الله؟

فقال أبي: بلى.

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة.

فإنا لا نجدها؟

قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن.

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله، ما يدريه ما كله؟

قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل: قد أخذت ما ظهر منه.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن الأنباري والبيهقي في الدلائل عن عبيدة السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هذه القراءة التي يقرأها الناس، التي جمع عثمان الناس عليها.

وأخرج ابن الأنباري وابن اشتة في المصاحف عن ابن سيرين قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.

وأخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟

قلنا: قراءة عبدالله وقراءتنا هي الأخيرة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان، وأنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فشهد منه عبدالله ما نسخ وما بدل» .

وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟

قلنا: قراءة عبدالله.

قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل مرة، وإنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فقراءة عبدالله آخرهن.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضه بالقرآن في آخر سنة مرتين، فأخذته من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العام.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: لو أعلم أحداً أحدث بالعرضة الأخيرة مني لرحلت إليه.

وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة قال: عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة.

وأخرج أبو جعفر النحاس في ناسخه عن أبي البختري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد فإذا رجل يخوّف فقال: ما هذا؟!

فقالوا: رجل يذكر الناس.

فقال: ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟

فقال: لا.

قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه.

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ والمنسوخ والبيهقي في سننه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: مر علي بن أبي طالب برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟

قال: لا.

قال: هلكت وأهلكت.

وأخرج النحاس والطبراني عن الضحاك بن مزاحم قال: مر ابن عباس بقاص يقص فركله برجله وقال: أتدري الناسخ والمنسوخ؟

قال: لا.

قال: هلكت وأهلكت.

وأخرج الدارمي في مسنده والنحاس عن حذيفة قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن من منسوخه وذلك عمر، ورجل قاض لا يجد من القضاء بداً، ورجل أحمق متكلف، فلست بالرجلين الماضيين، فأكره أن أكون الثالث.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ﴾ الآية، قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه.

والعرب تقول: نسخت الشمسُ الظل، والمعنى: أذهبت الظلّ وحلّت محلّه (١) وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن: هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محلّه.

ثعلب عن ابن الأعرابي: النسخ: تبديل الشيء من الشيء، وهو غيره، والنسخ: نقل شيء من مكان إلى مكان، وهو هو (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال العلماء من أهل اللغة والتفسير (٧) أحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى (٨) ثم (٩) ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ  ﴾ ، أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته.

وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة.

فعلى هذا المعنى: القرآن كله منسوخ، لأنه نُسِخَ للنبي  من أمِّ الكتاب فأُنزل عليه.

والثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل.

فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، والشمس تكون بدلًا عنه (١٠) والذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها.

وهذا المعنى هو المراد بالآية (١١) ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها: ما يكون حكمه مرفوعًا، وخطُّه مثبت يتلى ويقرأ، ولا يعمل به، وهذا هو المعروف من النسخ؛ أن تكون الآية الناسخةُ والمنسوخةُ جميعًا ثابتتين في التلاوة وفي خط المصحف، إلا أن المنسوخة منهما غيرُ معمولٍ بها ثابت، فينسخ التلاوة بثابت التلاوة (١٢) عِدّة المتوفى عنها زوجها، كانت سنّةً لقوله: ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ  ﴾ ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لقوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا  ﴾ (١٣) ومثل هذا أيضا قوله: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ  ﴾ الآية، ثم نسخت بقوله: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ  ﴾ .

ومنها: أن ترفع تلاوتها وحكمها، كنحو ما يُرْوَى عن أبي بكر  أنه قال: كنا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر) (١٤) ومنها: أن ينسخ تلاوته ولا تنسخ حكمه، كآية الرجم، فإنها منسوخة تلاوة، ثابتة حكمًا (١٥) ومنها: أن يُنْسخ ما ليس بثابت التلاوة (بما ليس بثابت التلاوة) (١٦)  ا.

قالت: إنا كنا نقرأ: "عشر رضعات معلومات يُحَرّمن"، فنسخن بخمس (١٧) وقد ينسخ أيضا ما ليس بثابت التلاوة بما هو ثابت التلاوة والمراد بالمنسوخ: الحكم، مثل: نسخ تحليل الخمر، وكتحريم الزنا، وهذا كثير.

ويجوز أيضا نسخ ما هو ثابت التلاوة بما (١٨) (١٩)  (٢٠) وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى؛ وذلك أن الله عز وجل أعلم بمصالحنا، وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا تعلّق العمل بهذا الوجه.

قال أبو إسحاق: إن قيل: ما الفصل (٢١) فالجواب في ذلك: أن النسخ أن يأتي في الكتاب نسخ آية بآية، فتبطِلَ الثانيةُ العمل بالأولى.

ومعنى الترك: أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تنزل ناسخةً للتي قبلها، نحو قوله: ﴿ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ  ﴾ ، ثم أُمر المسلمون بعد بترك المحنة، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ (٢٢) فأبو إسحاق فصل بين النسخ والترك كما ترى، وجعلهما قسمين.

قال أبو علي (٢٣) (٢٤) ومما (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو علي: ولم يثبت بتسمية النسخ ومعناه رواية نعلمها عن العرب، ولا سماع، ولا قياس، وإن المفسرين قالوا فيه على طريق التقريب.

الذي يدل على هذا: أن الفراء قال: النسخ: أن يعمل بالآية ثم تنزل أخرى فيعمل بها، وتترك (٢٩) والقراءة الصحيحة: ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ وقرأ ابن عامر (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) أحدها (٣٦) (٣٧) (٣٨) الوجه الثاني: أن تكون الهمزة للنقل، كقوله: قام وأقمته، وضرب وأضربته (٣٩) (٤٠) (٤١) الوجه الثالث: أن يكون المعنى في أنسخت الآية: وجدتها منسوخة، كقولهم: أَجَدْتُ الرجل، وأَجْبَنْتُه، وأكذَبْتُهُ، وأَبْخَلْتُه، أي: أصبتُه على هذه الأحوال، فيكون معنى قوله (نُنسخْ): نجده منسوخًا، وإنما (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ نُنْسِهَا ﴾ قرأ ابن كثير (٤٤) (٤٥) قال أبو زيد: نسأتُ الإبل عن الحوض، فأنا أنسؤها نَسْأً، إذا أخَّرْتَها عنه، ونسأت الإبل: إذا زدتَ في ظمئها يومًا أو يومين أو أكثر، وتقول: انتسأتُ عنك انتساء: إذا تباعدتَ (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) إذا أَنْسَؤُوا فوتَ الرماح أتَتْهُمُ ...

عوائرُ نَبْلٍ كالجرادِ نُطِيرُها (٥٠) وأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه.

واسم ذلك: النسيئة، فمعنى قوله: (ننسأها) أي: نؤخرها (٥١) أحدها: أن يؤخر التنزيل (٥٢) (٥٣) (٥٤) الوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع (٥٥) (٥٦)  ومثل ما روي عن زر أن أُبَيًّا قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟

قلت: بضعًا وسبعين آية، قال: قد قرأتها ونحن مع رسول الله  أطول من سورة البقرة (٥٧) والوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) ولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها.

وذُكر وجه رابع، هو أقوى هذه الأوجه، وهو: أن يكون المعنى: نؤخرها إلى وقت ثانٍ، فنأتي بدلًا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها، فعلى هذا يتوجّه معنى التأخير (٦٢) وأما من قرأ: (نُنسها) فهو منقول من نسي، والنسيان له معنيان: أحدهما: الترك كقوله: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم.

والثاني: الذي هو ضد الذكر (٦٣) والذي في هذه الآية منقول من: نسيتُ الشيء إذا لم تذكره، ومعناه: أنَّا إذا رفعنا آية من جهة النسخ أو الإنساء لها أتينا بخير من الذي نرفع بأحد هذين الوجهين وهما النسخ والإنساء (٦٤) (٦٥)  فقال بعضهم: يا رسول الله، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله، ما جئت إلا لذلك (٦٦)  : "إنها نسخت البارحة" [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" برقم [17]، من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عُقَيل ويونس عن ابن شهاب، ورواه الثعلبي في "تفسيره" من طريقه 1/ 1097 وأخرجه الطحاوي في "مشكل الأثار" 2/ 273 والواحدي في "الوسيط" 1/ 189 وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 23 من طريق شعيب بن أبي حمزة الحمصي عن الزهري، به نحوه.

وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 197 - 198 وعزاه لأبي داود في "ناسخه" وابن المنذر، وابن الأنباري في "المصاحف"، وأبي ذر الهروي في "فضائله"، والبيهقي في "الدلائل".

وله شاهد عن ابن عمر بنحوه قال فيه ابن كثير في تفسيره فيه سليمان بن أرقم: ضعيف رواه الطبراني في "الأوسط" 7/ 156 وفي "الكبير" 12/ 288 ورواه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 263، وينظر، "مشكل الأثار" 2/ 273، وقد حسنه د.

خالد العنزي في تعليقه على الثعلبي 1/ 1099 وهو من مراسيل الصحابة، وهي حجة، ينظر: "تدريب الراوي" 1/ 207.]].

ومعنى قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ﴾ أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله عز وجل واحد، وكله خيرٌ (٦٧) ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة والمثوبة، بأن يكون ثوابها كثواب التي قبلها (٦٨) والفائدة في ذلك: أن يكون الناسخُ أسهلَ في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به والناس إليه أسرع، نحو القبلة التي كانت على جهة ثم حولت إلى الكعبة، فهذا وإن كان السجود إلى سائر النواحي متساويًا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام.

واعلم أن هذه الآية قد اضطرب فيها المفسرون وأصحاب المعاني والقراء، واختلفت أقوالهم وقراءاتهم.

وكثرة الاختلاف تدل على الإشكال وخفاء المغزى، وقلَّ من أصاب الشاكلة منهم (٦٩) أحدهما: على الترك، يتركها ولا ينسخها (٧٠) (٧١) قال الزجاج: وهو فاسد من جهة اللفظ، وذلك النسيان يكون بمعنى الترك، وفي الآية (ننسها) من الإنساء لا من النسيان، فالإنساء لا يكون بمعنى الترك (٧٢) (٧٣)  من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي  من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه (٧٤) (٧٥) وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: من النسخ والتبديل وغيرهما (٧٦) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189.

(٢) ساقطة من (أ)، (م).

(٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3558، "اللسان" 7/ 4407، (مادة: نسخ).

(٤) لغوي من خراسان، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، وله كتاب الاعتقاب.

ينظر: "إنباه الرواة" 4/ 102.

(٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3558، (مادة: نسخ)، وعنه أيضًا في "اللسان" 7/ 4407، "تفسيرالثعلبي" 1/ 1093.

(٦) ينظر في معاني النسخ: "تفسير الطبري" 1/ 475 - 476، "تفسير القرطبي" 2/ 62، "تهذيب اللغة" 4/ 3558، (مادة: نسخ)، "اللسان" 7/ 2407، والإتقان 3/ 59، وقال صاحب "المفردات" ص 492: النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران.

(٧) ينظر في ذلك: "المستصفى" للغزالي 1/ 107، و"المحرر الوجيز" 1/ 428 - 431، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 226، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي 2/ 251، و"الإتقان" 3/ 59، و"إرشاد الفحول" ص183.

(٨) ساقطة من (أ)، (ش).

(٩) ساقطة من (أ).

(١٠) ساقطة من (ش).

(١١) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 14، "تفسير الطبري" 1/ 475، "المحرر الوجيز" 428 - 431، "تفسير القرطبي" 2/ 55 - 61.

(١٢) (بثابت التلاوة) ساقطة من (ش).

(١٣) سيأتي بيان حقيقة النسخ في هذه الآية عند "تفسيره".

(١٤) الحديث أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 193، وأبو داود الطيالسي ص 12 عن عمر بن الخطاب، ونقله السيوطي عنه في "الإتقان" 3/ 74، وانظر: "كنز العمال" 2/ 285، وذكره في "الحجة" 2/ 180، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 55 - 56، وأخرجه ابن الضريس عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" 1/ 197 - 198.

(١٥) ساقطة من (أ)، (م).

(١٦) ساقطة من (ش).

(١٧) أخرجه مسلم (1452) كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.

(١٨) (بما هو ليس) في (م).

(١٩) في (ش): (قد).

(٢٠) ينظر حديث عمر في آية الرجم المنسوخة لفظًا عن ابن عباس عند البخاري (6830) كتاب الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ومسلم (191) كتاب الحدوث، باب: رجم الثيب في الزنا.

ينظر: "الإتقان" 3/ 73.

(٢١) في "معاني القرآن" للزجاج: ما الفرق.

(٢٢) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 190.

(٢٣) أي: في "الحجة" 2/ 201 وما بعدها.

(٢٤) ساقطة من (أ)، (م).

(٢٥) في (أ)، (م): (وما).

(٢٦) بئر معونة: وقعة في صفر من السنة الرابعة، قتل فيها أربعون من خيار أصحاب رسول الله  ، بعثهم رسول الله  دعاة إلى الله فغدرت بهم قبائل رِعل وذكوان وعصية عند بئر معونة.

ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 184 - 190 تحقيق: همام سعيد.

(٢٧) حديث عائشة.

وجاء هذا أيضًا من رواية أنس رواه البخاري (4090) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، ومسلم (677) كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة.

(٢٨) من "الحجة" 2/ 201.

(٢٩) من "الحجة" 2/ 201.

(٣٠) هو: أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القرآن، وأحد القراء السبعة، أخذ القراءة من المغيرة بن أبي شهاب اليحصبي عن عثمان بن عفان -  -، توفي سنة 118هـ.

ينظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 82، و"السبعة" ص 85.

(٣١) قرأ ابن عامر من غير طريق الداجوني عن هشام: (ما نُنْسِخ) بضم النون، والباقون بالفتح.

ينظر: "السبعة" 168، "النشر" 2/ 219 - 220، و"معاني القراءات" للأزهري ص 60، "الحجة في القراءات السبعة" 86 تحقيق: عبد العال سالم مكرم.

(٣٢) هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني، من أئمة القراءة واللغة، تقدمت ترجمته.

(٣٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1102، "تفسير القرطبي" 2/ 55، "الدر المصون" 1/ 334.

(٣٤) قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 334: وهذا جراءة منه على عادته.

(٣٥) في (ش): (لا يخلو هذه أوجه).

(٣٦) في (ش): (أحدهما).

(٣٧) في "الحجة" أن تكون (أفعل) لغة في هذا الحرف.

(٣٨) ساقطة من (م).

(٣٩) في (ش): (وضربته).

(٤٠) في (ش): (فجعل).

(٤١) عبارة أبي علي في "الحجة" 2/ 185 هكذا: وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، ويكون معنى الإنساخ أنه منسوخ من اللوح المحفوظ أو من الذكر، وهو، الكتاب الذي نسخت الكتب المنزلة منه، وإذا كان كذلك فالمعنى: ما ننزل من آية، أو ما ننسخك من آية أو ننسها؛ لأن ابن عامر يقرأ: (أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها) وليس هذا المراد ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أتي بآية أذهب منها في المصلحة فإذا كان تأويلها هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح، وإذا لم يصح ذلك ولا الوجه الذي ذكرناه قبله، ثبت أن وجه قراءته على القسم الثالث.

(٤٢) في (ش): (وأما).

(٤٣) انتهى كلام أبي علي ملخصًا من "الحجة" 2/ 184 - 186، وينظر: "المحرر الوجيز" 1/ 428 - 429، ونقله القرطبي 2/ 54 - 56، قال أبو حيان في "البحر" 1/ 342 معلقا على كلام أبي علي: فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب، وجعل الزمخشري الهمزة فيه للتعدية، قال: وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها وقال ابن عطية: التقدير: ما ننسخك من آية، أي: ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخا (فالهمزة عنده للتعدية).

وخرج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر، وهو أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضًا، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله الخ وتعقبه أبو حيان.

انتهى ملخصًا من "البحر المحيط".

(٤٤) هو: أبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، أحد القراء السبعة المشهورين، تقدمت ترجمته 2/ 41 - 42.

(٤٥) ينظر: "السبعة" ص 168، "النشر" 2/ 220.

(٤٦) في (ش): (أخرتها).

(٤٧) نقله عنه في "الحجة" لأبي علي 2/ 187.

(٤٨) ذكره ابن الأثير في "النهاية" بلفظ: "ارموا فإن الرمي جلادة، وإذا رميتم فانتسوا عن البيوت" أي: تأخروا وصوب: انتسئوا، وعزاه للهروي.

ينظر: "النهاية" 5/ 45، "اللسان" 1/ 392 - 393 ومعنى تناضلتم: تراميتم للسبق.

(٤٩) هو: مالك بن زغبة، من بني قتيبة بن معن، من باهلة، حدثت معركة قبلية جاهلية ضد بني الحارث بن كعب وبني نهد وبني جرم، نظم فيها أبياتا.

ينظر: "خزانة الأدب" 8/ 132، و"البرصان والعرجان" ص 459.

(٥٠) ينظر: "لسان العرب" 5/ 3617، (مادة: عور)، 5/ 3187، (مادة: عير)، 7/ 4404، (مادة: نسأ)، "المعجم المفصل" 3/ 371.

(٥١) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 187، "تهذيب اللغة" 4/ 3556، "اللسان" 7/ 4403.

(٥٢) في (ش): (المنزل).

(٥٣) في (ش): (يؤخر).

(٥٤) في (ش): (فلا ينزلها).

(٥٥) في (ش): (فترفع).

(٥٦) تقدم تخريجه.

(٥٧) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في: "زوائد المسند" 5/ 132، والنسائي في "السنن الكبرى" (7150)، وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 190، ونقله عن أبي عبيد: السيوطي في "الإتقان" 3/ 72، وذكره القرطبي 2/ 56، وقال ابن كثير في "تفسيره" ص 1350: وهذا إسناد حسن.

(٥٨) في "الحجة": وتلاوته قرآن يتلى.

(٥٩) في (م): (ثبت).

(٦٠) رواه الطبري في تفسيره عن مجاهد 1/ 475 وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 187 وينظر في هذه القراءة وغيرها: "تفسير الثعلبي" 1/ 1104، وما بعدها، و"المحتسب" 1/ 103، و"المختصر" لابن خالويه ص 9، و"تفسير ابن عطية" 1/ 428 - 429، و"البحر المحيط" 1/ 343.

(٦١) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 187 - 188 بمعناه.

(٦٢) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 428 - 429: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان.

والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك،== فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر، فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب، فإنا نأتي بما هو خير منها لكم، أو مثله في المنفعة.

وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لابد أن ننزل رفقاً بكم خيرًا من ذلك أو مثله، حتى لا ينقص الدين عن حد كماله.

والمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا: رفع التلاوة والحكم.

والمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته، فالنسخ أيضا على هذا: رفع التلاوة والحكم.

والمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم والتلاوة، فالنسخ على هذا المعنى: هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في منها، أو مثلها، عائدين على المنسوخة فقط، وكأن الكلام: إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها.

وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير، فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك: أولها: ما ننسخ أو نؤخر إنزاله.

والثاني: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته.

والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه.

والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال جميعها العلماء، إما نصًا، وإما إشارةً، فكملناها.

(٦٣) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 188 بمعناه.

(٦٤) بمعناه من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 192،193.

(٦٥) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنَيف، وقيل: سعد بن سهل الأنصاري: معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي  ، مات سنة 100 ينظر: "الاستيعاب" 1/ 176 و"التقريب" 104 (402).

(٦٦) في (ش): (كذلك).

(٦٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109.

(٦٨) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109.

(٦٩) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 475، و"المحرر الوجيز" 1/ 428 - 441، و"التفسير الكبير" 3/ 231، و"البحر المحيط" 1/ 344.

(٧٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 64 - 65 قال: والوجه الآخر من النسيان الذي ينسى، كما قال الله: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ وكان بعضهم يقرأ (أو ننسأها)، بهمز، يريد: نؤخرها من النسيئة، وكل حسن.

(٧١) ينظر هذا التعقب عند أبي علي في "الحجة" 2/ 192.

(٧٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189 - 190.

(٧٣) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 192 - 252.

(٧٤) في (ش): (فأنزلت عليه)، وهذا ظاهر الإحالة، وهو تكرار.

(٧٥) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لابي عبيد ص 7، "تفسير الطبري" 1/ 477 - 478، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 200 - 201، "تفسير القرطبي" 1/ 54 - 56.

(٧٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1109.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ نزل حكمه ولفظه أو أحدهما، وقرئ بضم النون أن نأمر بنسخه ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ من النسيان، وهو ضدّ الذكر: أي ينساها النبي صلى الله عليه وسلم بإذن الله كقوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ [الأعلى: 6] أو بمعنى الترك: أي نتركها غير منزلة: أي غير منسوخة، وقرئ بالهمز بمعنى التأخير: أي نؤخر إنزالها أو نسخها ﴿ بِخَيْرٍ ﴾ في خفة العمل، أو في الثواب ﴿ قَدِيرٌ ﴾ استدلال على جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافاً لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوا على الله.

وهو جائز عقلاً، وواقع شرعاً فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله  : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.

الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).

التفسير: لما شرح الله  قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله  وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه  لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة  ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه  يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه  يقرّبهم منه في دار السلام.

وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.

فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.

ولكن جمهور المفسرين على أنه  إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.

ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله  إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا  ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .

روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله  لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟

فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.

وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً  ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.

وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.

فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.

وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ أمرهم الله  أن يسألوه  الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.

وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.

وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.

وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.

﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله  وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.

"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.

كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.

والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً  ﴾ .

قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.

روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد  يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.

وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.

والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.

فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.

وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.

ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.

ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.

ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.

وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟

وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.

وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.

وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.

ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله  ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.

المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.

لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له  أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.

وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد  ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.

ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.

حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له  لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله  ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.

والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى  ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا  ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.

وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه  بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.

فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.

والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله  ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه  فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.

وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.

المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.

وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.

وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.

وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول  ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.

ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.

وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة  ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.

ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي  ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم  ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين  ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.

قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.

ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.

وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية  ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.

وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.

حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.

المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.

ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.

ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له  كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.

قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلا ما شاء الله  ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.

وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.

وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.

ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.

وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.

فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.

قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.

وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.

ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.

سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.

سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.

الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.

وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.

وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.

وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.

الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.

وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.

وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.

وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله  .

وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.

قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.

ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.

أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله  "الشيخ والشيخة" الخ.

﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.

والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي  فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.

ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.

وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.

والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.

والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .

﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.

فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل  لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.

وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله  في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.

فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً  أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.

فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.

وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.

وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟

ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.

فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه  أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.

قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.

ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.

أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.

ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.

وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.

وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ .

قال بعض أهل الكلام: ﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ : نَدعُها في اللوح.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فنرفع حكمها، والعملَ بها، ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.

فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد.

ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.

والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.

والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ  ﴾ .

ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر -  - أنه قال: "كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" وأَما قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .

فاختلف فيه: قيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ  ﴾ ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره.

وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في الثواب في العاقبة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في المنفعة ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع.

والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.

وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير.

وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.

فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.

ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: "خذوا عني، خذوا عني".

ويحتمل قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.

ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ على هذا الوزن، أي: نأْت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة.

فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟

وما وجهُه؟

قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أَي وقت شاء: يأْمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأْمر بآخر.

وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيماً يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له -  - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ .

إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاصِ بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض.

ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن الله على كل شىء قدير، وهو كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

على حقيقة العلم له.

ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: من كان يملك ملك السماوات والأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، والله أعلم.

ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكيناً له.

ومعنى تخصيص السَّماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر.

وقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .

سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك - تعنتاً - حتى نرى الله جهرة.

وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول الله  كما سأَل قوم موسى موسى.

وقيل: سأَلوا رسول الله  أَن يجعل الصفا - لهم - ذهباً إن كان ما يقوله حقّاً.

وقيل: سؤالهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ ، وكانوا يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء.

وقوله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .

قيل: اختار الكفر بالإيمان.

وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ومن يشتر الكفر بالإيمان" وذلك كله واحد.

وقوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

قيل: عدل عن الطريق.

وقيل: عدل عن قصد الطريق.

وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد.

وقوله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ .

إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب محمد  عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله  : ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 149].

وذلك - والله أعلم - لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودُّوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم.

ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله  : ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم بقوله: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأَقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى الله  فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء.

فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى الله  .

ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن كانت العلة في الذي لا يكون مخلوقاً، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء.

ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أَحبوا أَن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أَن يكون من عنده سعَةٌ؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم.

قوله: ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أى: من قِبَلِها، لا أَن الله -  - أَمرهم.

وليس يضاف إلى الله -  - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم.

أَلاَ ترى أَن الأَنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى الله -  - بمعنى أنه مِن عنده؟

كذلك ما ذكر من الحسد.

على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِن دون الله خَلْقاً فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى الله  ؛ فعلى ذلك ورد العقاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: بين لهم في التوراة أن محمداً  نبي، وأَن دينه الإسلام؛ كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ .

يحتمل: النهي عن مكافأَة ما يؤذونه في الدُّنيا، ثم لم ينسخ.

وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتي أَمر الله في ذلك، ثم جاءَ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من التعذيب والانتقام، وبكل شيء.

ولم ينسخ هذا.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

كرر الله - عز وجل - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكراراً كثيراً، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها - في غير موضع - وذلك لعظم شأْنهما، وأَمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما.

وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم.

أَلا ترى إلى قول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي  ﴾ .

وقوله لموسى وهارون: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ  ﴾ .

وقول عيسى: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ  ﴾ .

وذلك - والله أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحداً ممن خلص دينه لله لو أُعطى ما في الدنيا على أَن يعفِّر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق.

والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.

لذلك عظَّم الله شَأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوّة بهما بقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ .

ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع - على ما ذكرنا - وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع.

وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها؟

قيل: إظهار ما أَنعم الله [على العبد]، من الأَموال والسَّعة فيها، وما أَعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟

قيل: لأَن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، والله أعلم.

ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن الله -  - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من استحقاق منهم شيئاً من ذلك - لزمهم الشكر عليها.

ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها شكراً له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله أعلم.

وكذلك بالأموال فضلوا - في هذه الدنيا - واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإِخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض - بما فيها - لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم الله لهم فى ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

الآية تخرج على خلاف قول المتعزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم خيراتٍ كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئاً، ولكن يجد ما قدم من شر.

وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، وبالله العصمة والتوفيق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يبين الله تعالى أنَّه حين يرفع حكم آية من القرآن أو يرفع لفظها فبنساها الناس، فإنه سبحانه يأتي بما هو أنفع منها في العاجل والآجل، أو بما هو مماثل لها، وذلك بعلم الله وحكمته، وأنت تعلم -أيها النبي- أن الله على كل شيء قدير، فيفعل ما يشاء، وَيحْكُمُ ما يريد.

<div class="verse-tafsir" id="91.EqAdk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال أئمة اللغة إن أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى.

وورد: نسخت الريح الأثر: إزالته.

وأصل النسيان الترك أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى ﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى  ﴾ أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب فاحفظ المعنى اللغوي.

وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما أنها على حد قوله تعالى ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ  ﴾ فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلًا من آية فإننا نجعل هذا البدل خيرًا من المبدل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة، وقالوا إن المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرة...

وهذا بمعنى التبديل فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟

وهل هو إلا تكرار يجل كلام الله عنه؟.

وثانيهما أن المراد نسخ حكم الآية، وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه إنه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه وإنما الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه ثم زالت الحاجة في وقت آخر فمن الحكمة أن ينسخ الحكم ويبدل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيرًا من الأول أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به.

وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي  ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله، فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حتى أن السيوطي روى في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبي  ، ليلًا فينساها نهارًا فحزن لذلك فنزلت الآية.

ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

وقد قال المحدثون والأصوليون إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليًا كان أو نقليًا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.

وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ إنه ورد مورد الاستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه أي أنه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود لأنه مما تناله قدرته ثم استدل على ذلك بقوله ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ الآية.

والخطاب في ﴿ تَعْلَمْ  ﴾ للنبي  والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها، ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجبه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين، ولذلك قال بعض العلماء: نزل القرآن على طريق قولهم "إياك أعني واسمعي يا جاره".

وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكمًا من الأحكام.

ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الأفراد إلى الجمع بقوله ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ  ﴾ أي أن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتكم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم.

وإذا أراد الله بكم سوءًا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.

ثم قال تعالى ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ ؟

وهذا كلام جديد منقطع عما قبله وقالوا إن ﴿ أَمْ  ﴾ هنا للاستفهام لا للإضراب لأن ﴿ أَمْ  ﴾ التي تستعمل بمعنى (بل) يقصد بها الإضراب عن الكلام السابق ولا يظهر الإضراب هنا.

واستشهدوا لأم الاستفهامية بقول الشاعر: فوالله لا أدري أهند تقولت أم القوم أم كل إلي حبيب وأنا مع القائلين بأنها للاستفهام: وبعض المفسرين يقولون إن ﴿ أَمْ  ﴾ هذه منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم، فهي تتضمن الإضراب والاستفهام معًا، وتجد الجلالين يقدران ذلك في تفسيرهما وقد قدرا فيه بعض هنا"بل أتريدون".

والحاصل أن المعنى هنا أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل موسى قومه تبرمًا وإعناتًا؟

يحذر المسلمين ما فعل أولئك، وقد أتبع التحذير بالوعيد فقال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ أي أن ترك الآيات الموجودة والإعراض عنها لإعنات النبي  بسؤال غيرها لتكون بدلًا منها هو من اختيار الكفر على الإيمان واستحباب العمى على الهدى.

وبدل وتبدل واستبدل يدل على جعل شيء في موضع آخر بدلًا منه، والباء تقرن بالمبدل منه لا بالبدل كما أشرنا إليه في تفسير ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ  ﴾ .

هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات.

وإذا وازنا بين سياق آية ﴿ مَا نَنْسَخْ  ﴾ وآية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ  ﴾ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ والثانية بقوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ  ﴾ ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات.

فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يراد بالآيات فيها آيات الأحكام.

وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة فلو قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة.

وقد تحير العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ﴿ نُنسِهَا  ﴾ نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم، إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.

والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ  ﴾ نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.

ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أبنائه.

والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله  ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام.

ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته  بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل، وقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى  ﴾ أي من الآيات؟

فرد الله تعالى عليهم في مواضع منها قوله  بعد حكاية قولهم هذا ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ إلخ ومنها هذه الآية والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول إن قدرة الله تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه هداية الرسالة، كلا إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًا ونصيرًا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.

انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا حيث هي دالة على النبوة.

ويزيد هذا سفورًا ووضوحًا قوله عقبه ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ ؟

فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا.

قوله تعالى: ﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى  ﴾ يشمل كل ذلك.

قد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الإذعان لما يجيء به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معارضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ  ﴾ والمراد الآيات المقترحة بدليل السياق وهو اتفاق بين المفسرين.

ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه، وقوله تعالى ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ معناه أنه أخطاء وسط الجادة ومال أحد الجانبين، ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السيرة فيهلك دون الوصول إلى المقصد.

والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السيرة في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ  ﴾ .

هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته "كالإنساء" و "القدرة" و "الملك" وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام - مع ما علمت من التكلف - إلى القول بجواز نسيان الوحي، وطفقوا يتلمسون الدلائل على ذلك حتى أوردوا قوله  ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  ﴾ وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي  وإنما جاء على طريق الحكاية، وأما قوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى  إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ فهو يؤكد عدم النسيان لأن الأستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  ﴾ أي غير مقطوع.

وقوله ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه.

فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبًا عقليًا أو طبيعيًا وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أو ننسأها" أي نؤخرها ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآيات جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله