الآية ١٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦ من سورة البقرة

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) قال : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى .

وقال [ محمد ] بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي : الكفر بالإيمان .

وقال مجاهد : آمنوا ثم كفروا .

وقال قتادة : استحبوا الضلالة على الهدى [ أي : الكفر بالإيمان ] .

وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) [ فصلت : 17 ] .

وحاصل قول المفسرين فيما تقدم : أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال ، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة ، وهو معنى قوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة ، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر ، كما قال تعالى فيهم : ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) [ المنافقون : 3 ] ، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى ، كما يكون حال فريق آخر منهم ، فإنهم أنواع وأقسام ؛ ولهذا قال تعالى : ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) أي : ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ، ( وما كانوا مهتدين ) أي : راشدين في صنيعهم ذلك .

قال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) قد - والله - رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، بمثله سواء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى, وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقَهم إيمانٌ فيقال فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم حتى استبدلوها منه؟

وقد علمتَ أن معنى الشراء المفهوم: اعتياضُ شيء ببذل شيء مكانه عِوَضًا منه, والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، لم يكونوا قط على هُدًى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟

قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فنذكر ما قالوا فيه, ثم نبين الصحيحَ من التأويل في ذلك إن شاء الله: 380- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، أي الكفرَ بالإيمان.

381- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، يقول: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

382- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، استحبوا الضلالة على الهدى.

383- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، آمنوا ثم كفروا.

384- حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو حُذَيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد مثله (118) .

قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى " - وجَّهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشترَى مكانَ الثمن المشترَى به, فقالوا: كذلك المنافق والكافر، قد أخذَا مكان الإيمان الكفرَ, فكان ذلك منهما شراءً &; 1-313 &; للكفر والضلالة اللذَيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى, وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضًا من الضلالة التي أخذاها.

وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله " اشْتَرَوْا ": " استحبُّوا ", فإنهم لما وَجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفّار في موضع آخر، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرَ على الهدى, فقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [سورة فصلت: 17]، صرفوا قوله: ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) إلى ذلك.

وقالوا: قد تدخل " الباء " مكان " على ", و " على " مكان " الباء ", كما يقال: مررت بفلان، ومررت على فلان، بمعنى واحد, وكقول الله جل ثناؤه: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [سورة آل عمران: 75]، أي على قنطار.

فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى.

وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه " اشْتَرَوا " إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا, واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه.

ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (119) فَقَــدْ أُخْــرِجُ الكَــاعِبَ الْمُسْـتَرَا ةَ مِــنْ خِدْرِهَــا وَأُشِــيعَ الْقِمَـارَ (120) يعني بالمستراة: المختارة.

وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار: يَـذُبُّ الْقَصَايَـا عَـنْ شَـرَاةٍ كَأَنَّهَـا جَمَـاهِيرُ تَحْـتَ الْمُدْجِنَـاتِ الْهَوَاضِبِ (121) يعني بالشَّراة: المختارة.

وقال آخر في مثل ذلك: إِنَّ الشَّـــرَاةَ رُوقَـــةُ الأَمْــوَالِ وَحَــزْرَةُ الْقَلْــبِ خِيَــارُ الْمَـالِ (122) قال أبو جعفر: وهذا، وإن كان وجهًا من التأويل، فلستُ له بمختار.

لأن الله جل ثناؤه قال: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ، فدل بذلك على أن معنى قوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ &; 1-315 &; اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض.

وأما الذين قالوا: إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا, فإنه لا مؤونة عليهم، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم.

لأن الأمر إذا كان كذلك، فقد تركوا الإيمان, واستبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى.

وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع, ولكن دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها، دالّةٌ على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان، ولا دخلوا في ملّة الإسلام, أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لَدُنِ ابتدأ في نعتهم، إلى أن أتى على صفتهم، إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم: بدعواهم التصديق بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم، واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين, وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون.

يقول الله جل جلاله (123) : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ؟

فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا؟

فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله: " أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى " هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر, فلذلك قيل لهم " اشتروا " - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له, إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذَ شيء بتركِ آخرَ غيره, وقد يكون بمعنى الاختيار، وبغير ذلك من المعاني.

والكلمة إذا احتملت وجوهًا، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعضٍ وجوهها دون بعضٍ، إلا بحجة يجب التسليم لها.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى عندي بتأويل الآية، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به.

أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [سورة البقرة: 108]؟

وذلك هو معنى الشراء, لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه.

فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق , فأضلهما الله، وسلبهما نورَ الهدى، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون.

القول في تأويل قوله : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ قال أبو جعفر: وتأويل ذلك أن المنافقين -بشرائهم الضلالةَ بالهدى- خسروا ولم يربحوا, لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه &; 1-316 &; بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به.

فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به (124) ، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ.

فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن, واستبدلا في العاجل: بالرَّشاد الحيرة, وبالهُدى الضلالةَ, وبالحفظ الخوفَ, وبالأمن الرعبَ - مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب, فخابا وخَسِرا, ذلك هو الخسران المبين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول.

385- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة, ومن الجماعة إلى الفُرقة, ومن الأمن إلى الخوف, ومن السُّنة إلى البدعة (125) .

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله: ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ؟

وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس، فيقال: رَبِحت أو وُضِعَت (126) ؟

قيل: إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ.

وإنما معنى ذلك: فما ربحوا في تجارتهم - لا فيما اشترَوْا، ولا فيما شرَوْا.

ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عَرَبًا فسَلَك في خطابه إياهم وبيانه لهم، مَسلكَ خطاب بعضهم بعضًا، وبيانهم المستعمل بينهم (127) .

فلما كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر: خاب سعيُك، ونام ليلُك, وخسِر بيعُك, ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام، فقال: ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة، كما النومُ في الليل.

فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك، عن أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم, وإنْ كان ذلك معناه, كما قال الشاعر: وشَــرُّ الْمَنَايَـا مَيِّـتٌ وَسْـطَ أَهْلِـهِ كَـهُلْكِ الْفَتَـاةِ أَسْـلَمَ الْحَـيَّ حَـاضِرُهُ (128) يعني بذلك: وشر المنايا منيَّة ميت وَسط أهله، فاكتفى بفهم سامع قِيلِه مرادَه من ذلك، عن إظهار ما ترك إظهارَه، وكما قال رؤبة بن العَجَّاج: حَـارِثُ!

قَـدْ فَرَّجْـتَ عَنِّـي هَمِّـي فَنَـــامَ لَيْــلِي وَتَجَــلَّى غَمِّــي (129) فوَصف بالنوم الليل, ومعناه أنه هو الذي نام، وكما قال جرير بن الخَطَفَى: وَأَعْــوَرَ مـن نَبْهَـانَ أَمَّـا نَهَـارُهُ فَــأَعْمَى, وَأَمَّــا لَيْلُــهُ فَبَصِــيرُ (130) فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار, ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك.

القول في تأويل قوله: وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) يعني بقوله جل ثناؤه ( وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى, واستبدالهم الكفرَ بالإيمان, واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار.

--------------- الهوامش : (118) الأخبار : 380 - 384 : ساقها ابن كثير في تفسيره 1 : 95 ، 96 ، والسيوطي 1 : 31 ، 32 ، والشوكاني 1 : 33 ، 34 .

(119) في المطبوعة"الاشتراء" بالشين المعجمة ، وهو خطأ ، صوابه بالسين المهملة .

(120) ديوانه : 35 ، وطبقات فحول الشعراء : 36 ، واللسان (سرا) .

وفي المطبوعة : "المشتراة" في الموضعين ، والصواب ما أثبتناه .

والكاعب : التي كعب ثديها ، أي نهد ، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة .

وخدر الجارية : سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ ، وأشاع المال بين القوم : فرقه فيهم .

وأراد بالقمار : لعب الميسر ، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور ، يفرقه في الناس من كرمه .

(121) ديوانه : 62 .

والضمير في قوله"يذب" لفحل الإبل .

ويذب : يدفع ويطرد .

والقصايا ، جمع قصية : وهي من الإبل رذالتها ، ضعفت فتخلفت .

وجماهير ، جمع جمهور : وهو رملة مشرفة على ما حولها ، تراكم رملها وتعقد .

والمدجنات ، من قولهم"سحابة داجنة ومدجنة" ، وهي : المطبقة الكثيفة المطر .

والهواضب : التي دام مطرها وعظم قطرها .

شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد (122) البيت الثاني في اللسان (حزر) .

وروقة الناس : خيارهم وأبهاهم منظرًا .

ويقال : هذا الشيء حزرة نفسي وقلبي : أي خير ما عندي ، وما يتعلق به القلب لنفاسته .

(123) في المطبوعة : "لقول الله .

.

.

" .

(124) في المطبوعة : "يبتاعها" .

(125) الأثر 385- في ابن كثير 1 : 96 ، والسيوطي 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 34 .

(126) وضع في تجارته يوضع وضيعة : غبن فيها وخسر ، ومثله : وكس .

(127) في المخطوطة : "المستعلم بينهم" ، ولعلها سبق قلم .

(128) هو للحطيئة ، من أبيات ليست في ديوانه ، بل في طبقات فحول الشعراء : 95 ، وسيبويه 1 : 109 وأمالي الشريف المرتضى 1 : 38 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبقات أجودهن .

"أيقظ الحي" ، يعني أيقظ الحي حاضر الموت ، فقامت البواكي ترن وتندب ، وكأن رواية من روى"أسلم الحي" ، تعني أسلمهم للبكاء .

(129) ديوانه : 142 ، يمدح الحارث بن سليم ، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة .

(130) ديوانه : 206 ، والنقائض : 35 ، والمؤتلف والمختلف : 39 ، 161 ، ومعجم الشعراء 253 ، من شعر في هجاء الأعور النبهاني ، وكان هجا جريرًا ، فأكله جرير .

قال أبو عبيدة : "أي هو أعور النهار عن الخيرات ، بصير الليل بالسوءات ، يسرق ويزني" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدينقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى قال سيبويه : ضمت الواو في " اشتروا " فرقا بينها وبين الواو الأصلية ، نحو : وأن لو استقاموا على الطريقة .

وقال ابن كيسان : الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها .

وقال الزجاج : حركت بالضم كما فعل في نحن .

وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين .

وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحا .

وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر .

واشتروا : من الشراء .

والشراء هنا مستعار .

والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان ، كما قال : فاستحبوا العمى على الهدى فعبر عنه بالشراء ; لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه .

فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا ; لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم .

وقال ابن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى .

ومعناه استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان .

وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا ; لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال ، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء .

قالأبو ذؤيب :فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهلوأصل الضلالة : الحيرة .

ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة ، قال جل وعز : [ ص: 204 ] فعلتها إذا وأنا من الضالين أي الناسين .

ويسمى الهلاك ضلالة ، كما قال عز وجل : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض .قوله تعالى : فما ربحت تجارتهم أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك ، وخسرت صفقتك ، وقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم ، والمعنى : ربحت وخسرت في بيعك ، وقمت في ليلك وصمت في نهارك ، أي فما ربحوا في تجارتهم .

وقال الشاعر :نهارك هائم وليلك نائم كذلك في الدنيا تعيش البهائمابن كيسان : ويجوز تجارة وتجائر ، وضلالة وضلائل .قوله تعالى : وما كانوا مهتدين في اشترائهم الضلالة .

وقيل : في سابق علم الله .

والاهتداء ضد الضلال ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أولئك, أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات { الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى } أي: رغبوا في الضلالة, رغبة المشتري بالسلعة, التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة.

وهذا من أحسن الأمثلة, فإنه جعل الضلالة, التي هي غاية الشر, كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم, فبئس التجارة, وبئس الصفقة صفقتهم وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا, فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟\" فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة, واختار الشقاء على السعادة, ورغب في سافل الأمور عن عاليها ؟\" فما ربحت تجارته, بل خسر فيها أعظم خسارة.

{ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } وقوله: { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } تحقيق لضلالهم, وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء, فهذه أوصافهم القبيحة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}: أي استبدلوا الكفر بالإيمان.

{فما ربحت تجارتهم}: أي ما ربحوا في تجارتهم.

أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها، كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك.

{وما كانوا مهتدين}: من الضلالة، وقيل: مصيبين في تجارتهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى» أي استبدلوها به «فما ربحت تجارتهم» أي ما ربحوا فيها بل خسروا لمصيرهم إلي النار المؤبدة عليهم «وما كانوا مهتدين» فيما فعلوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة، فأخذوا الكفر، وتركوا الإيمان، فما كسبوا شيئًا، بل خَسِروا الهداية.

وهذا هو الخسران المبين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) .الاشتراء : أخذ السلعة بالثمن .

والمراد : أنهم استبدلوا ما كره الله من الضلالة بما أحبه من الهدى قال ابن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى .والمشار إليه ب " أولئك " هم المنافقون : الموصوفون في الآيات السابقة بالكذب والمخادعة ، والإِفساد في الأرض ، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم .والسر في الإِشارة والتعبير عنهم بأولئك تمييزهم وتوضيحهم بأكمل صورة وأجلى بيان إذ من المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإِشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات ، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها في أذهان المخاطبي .

فتكون تلك الصفات ، وهي هنا الكذب والمخادعة وما عطف عليها ، كأنها ذكرت في هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوادر بعد اسم الإِشارة ، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى .

أي : اختيارها .

واستبدالها به .وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم في الضلالة ، وزهدهم في الهدى ، فإن المشتري في العادة يكون شديد الرغبة فيما يشتري ، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن .

فهم راغبون في الضلالة ، زاهدون في الهدى .وقوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) لا يقتضي أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه ، بل يكفي فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى لقيام أدلته .

بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل .ثم بين سبحانه نتيجة أخذه الضلالة وتركهم الهدى فقال :( فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ) أي : أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى على الربح ، وإذا كانت التجارة الحقيقة قد يفوت صاحبها الربح ، ولكنه لا يقع في خسارة بأن يبقى له رأس ماله محفوظاً ، فإن التجارة المقصودة من الآية هي استبدال الضلالة بالهدى ، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران ، فإذا نفى عنها الربح فذلك يعني أنها تجارة خاسرة .ثم قال - تعالى - : ( وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) أي : وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق ، وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة ، فهم أولا لم يربحوا في تجارتهم بل خسروها ، وهم ثانياً ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا في ظلمة الضلال .وما أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه ، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ينقطع عن غايته ، وأن يكون في ظلمة تعوقه عن التبصر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به، فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين، أما قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم ﴾ فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم، وفيه سؤالان: السؤال الأول: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟

الجواب: هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري.

السؤال الثاني: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب: هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه كما قال الشاعر: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر فكذا هاهنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه، تمثيلاً لخسارتهم وتصويراً لحقيقته.

أما قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ فالمعنى أن الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران: سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب العقائد الحقة.

وقال قتادة: انتقلوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ معطوف على يكذبون.

ويجوز أن يعطف على (يقول آمنا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه؛ الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة.

والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205] ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ [البقرة: 30] .

ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد.

وكان فساد المنافقين في الأرض.

أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدياً إلى الفساد قيل لهم: ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.

و ﴿ إِنَّمَا ﴾ لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب.

ومعنى ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد.

و ﴿ ألآ ﴾ مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ﴾ [القيامة: 40] ؟

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي (أما) من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ** أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا.

وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل.

وقوله: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة.

والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي جهلهم.

وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.

فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، ﴿ وآمنوا ﴾ وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟

قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام.

فهو نحو قولك: (ألف) ضرب من ثلاثة أحرف.

ومنه: (زعموا مطية الكذب).

و (ما) في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في (ربما)، ومصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] .

واللام في ﴿ الناس ﴾ للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.

أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية.

أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ في معنى الإنكار.

واللام في ﴿ السفهاء ﴾ مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه.

ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه.

فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟

قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً؛ ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم.

أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضادهم.

قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم.

فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والتي قبلها ب ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؟

قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة.

وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دينويّ مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.

وروي: أن عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟

فأثنوا عليه خيراً، فنزلت.

ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وهو جاري ملاقيّ ومراوقي.

وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.

وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه.

ويجوز أن يكون من (خلا) بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك.

ومنه: القرون الخالية، ومن (خلوت به) إذا سخرت منه.

وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.

ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها.

كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك.

وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم.

وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة.

والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من (شطن) إذا بعد؛ لبعده من الصلاح والخير.

ومن (شاط) إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة.

ومن أسمائه الباطل.

﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.

فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟

قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد.

وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة.

وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل.

ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا ﴾ [آل عمران: 16] .

وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد.

فإن قلت: أنى تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ قلت: هو توكيد له، لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على اليهودية.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر.

أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون.

والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان.

عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني.

وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف.

فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [البقرة: 67] ، فما معنى استهزائه بهم؟

قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك.

وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة.

والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون.

ويجوز أن يراد به ما مر في ﴿ يخادعون ﴾ من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194] .

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام قبله.

قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة.

وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل.

وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقاً لقوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ قلت: لأن ﴿ يَسْتَهْزِئُ ﴾ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ [التوبة: 126] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] .

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم ﴾ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره.

وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها.

ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد.

ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكاً فيه.

فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟

قلت: كفاك دليلاً على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: ﴿ ويمدّهم ﴾ ، وقراءة نافع: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له.

فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مدداً في الطغيان وهو فعل الشياطين؟

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً.

وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.

فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟

قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.

ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليماً من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل.

ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع.

والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: ﴿ فِي طغيانهم ﴾ بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان.

فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟

قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا، ونفياً لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته.

ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] .

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدري أين يتوجه.

ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق.

وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها.

ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.

ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ** وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ** كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» .

فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟

قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.

(والضلالة) الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

يقال: ضلّ منزله، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي: الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله.

ولهذا على هذا شف.

والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح.

وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ تجاراتهم ﴾ .

فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟

قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين.

فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟

قلت: نعم إذا دلت الحال.

وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح.

فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟

كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقاً، وهو المجاز المرشح.

وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاً، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ** وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ** بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ** تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم.

يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها.

استعار التقصيع أوّلاً، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام.

فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته.

فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة.

وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح.

وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ اخْتارُوها عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوها بِهِ، وأصْلُهُ بَذْلُ الثَّمَنِ لِتَحْصِيلِ ما يُطْلَبُ مِنَ الأعْيانِ، فَإنْ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ ناضًّا تَعَيَّنَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَطْلُبُ لِعَيْنِهِ أنْ يَكُونَ ثَمَنًا وبَذْلُهُ اشْتِراءٌ، وإلّا فَأيُّ العِوَضَيْنِ تَصَوَّرْتَهُ بِصُورَةِ الثَّمَنِ فَباذِلُهُ مُشْتَرٍ وآخِذُهُ بائِعٌ، ولِذَلِكَ عُدَّتِ الكَلِمَتانِ مِنَ الأضْدادِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْإعْراضِ عَمّا في يَدِهِ مُحَصِّلًا بِهِ غَيْرَهُ، سَواءٌ كانَ مِنَ المَعانِي أوِ الأعْيانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أخَذْتُ بِالجُمْلَةِ رَأْسًا أزْعَرا...

وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدَّرْدَرا وبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا جَيْدَرا...

∗∗∗ كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ لِلرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ طَمَعًا في غَيْرِهِ، والمَعْنى أنَّهم أخَلُّوا بِالهُدى الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم بِالفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مُحَصِّلِينَ الضَّلالَةَ الَّتِي ذَهَبُوا إلَيْها.

أوِ اخْتارُوا الضَّلالَةَ واسْتَحَبُّوها عَلى الهُدى.

﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ .

تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ، لَمّا اسْتَعْمَلَ الِاشْتِراءَ في مُعامَلَتِهِمْ أتْبَعَهُ ما يُشاكِلُهُ تَمْثِيلًا لِخَسارَتِهِمْ، ونَحْوُهُ: ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ...

∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي والتِّجارَةُ: طَلَبُ الرِّبْحِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.

والرِّبْحُ: الفَضْلُ عَلى رَأْسِ المالِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ شَفًّا، وإسْنادَهُ إلى التِّجارَةِ وهو لِأرْبابِها عَلى الِاتِّساعِ لِتَلَبُّسِها بِالفاعِلِ، أوْ لِمُشابَهَتِها إيّاهُ مِن حَيْثُ إنَّها سَبَبُ الرِّبْحِ والخُسْرانِ.

﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ لِطُرُقِ التِّجارَةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوا الطِّلْبَتَيْنِ لِأنَّ رَأْسَ مالِهِمْ كانَ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، والعَقْلَ الصِّرْفَ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ بَطَلَ اسْتِعْدادُهُمْ، واخْتَلَّ عَقْلُهم ولَمْ يَبْقَ لَهم رَأْسُ مالٍ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى دَرَكِ الحَقِّ، ونَيْلِ الكَمالِ، فَبَقُوا خاسِرِينَ آيِسِينَ مِنَ الرِّبْحِ فاقِدِينَ لِلْأصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أولئك} مبتدأ خبره {الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أى استبدلوها به واختاروها

البقرة (١٦ _ ١٧)

عليه وإنما قال اشتروا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم آمنوا ثم كفروا أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم كفروا به أو جعلوا لتمكنهم منه كأن الهدى قائم فيهم فتركوه بالضلالة وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً لأنهم لم يتلفظوا بلفظ الشرا ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيارهم وسمي ذلك

شراء فصار دليلاً لنا على أن من أخذ شيا من غيره وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين {فَمَا رَبِحَت تجارتهم} الربح الفضل على رأس المال والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجازي ومعناه فما ربحوا في تجارتهم إذ التجارة لا تربح ولما وقع شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ذكر الربح والتجارة ترشيحاً له كقوله ...

ولما رأيت النسر عز ابن دأية ...

وعشش في وكريه جاش له صدري ...

لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوهما فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح وقيل الذين صفة أولئك وفما ربحت تجارتهم إلى آخر الآية في محل الرفع خبر أولئك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ الجامِعِينَ لِلْأوْصافِ الذَّمِيمَةِ مِن دَعْوى الصَّلاحِ، وهُمُ المُفْسِدُونَ، ونِسْبَةِ السَّفَهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهُمُ السُّفَهاءُ، والِاسْتِهْزاءِ وهُمُ المُسْتَهْزَأُ بِهِمْ، ولِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ وسُوءِ الحالِ أشارَ إلَيْهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، والكَلامُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ فَإنَّ السّامِعَ بَعْدَ سَماعِ ذِكْرِهِمْ وإجْراءِ تِلْكَ الأوْصافِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ يَسْألُ: مِن أيْنَ دَخَلَ عَلى هَؤُلاءِ هَذِهِ الهَيْئاتُ؟

فَيُجابُ بِأنَّ أُولَئِكَ المُسْتَبْعَدِينَ إنَّما جَسَرُوا عَلَيْها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى حَتّى خَسِرَتْ صَفْقَتُهُمْ، وفَقَدُوا الِاهْتِداءَ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، ووَقَعُوا في تِيهِ الحَيْرَةِ والضَّلالِ، وقِيلَ: هو فَذْلَكَةٌ وإجْمالٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ، والمَدَّ في الطُّغْيانِ، أوْ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وفِيهِ حَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، لِكَوْنِ تَعْرِيفِ المَوْصُولِ لِلْجِنْسِ بِمَنزِلَةِ تَعْرِيفِ اللّامِ الجِنْسِيِّ، وهو ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ الِاشْتِراءِ وإنْ كانَ الكُفّارُ الآخَرُونَ مُشارِكِينَ لَهم في ذَلِكَ لِجَمْعِهِمْ هاتِيكَ المَساوِيَ الشَّنِيعَةَ والخِلالَ الفَظِيعَةَ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ صَحَّ تَخْصِيصُهم بِذَلِكَ، والضَّلالَةُ الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ، والهُدى التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، ويُطْلَقانِ عَلى العُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، والِاشْتِراءُ كالشِّراءِ اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ أخْذُها بِهِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ مِنَ الأضْدادِ، لِأنَّ المُتَبايِعَيْنِ تَبايَعا الثَّمَنَ والمُثَمَّنَ، فَكُلٌّ مِنَ العِوَضَيْنِ مُشْتَرًى مِن جانِبٍ مَبِيعٌ مِن جانِبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى أخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما، أوْ مَعْنًى، وهَذا يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي مَجْرى الثَّمَنِ وهو الهُدى حاصِلًا لِهَؤُلاءِ قَبْلُ، ولا رَيْبَ أنَّهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاشْتِراءَ مَجازٌ عَنِ الأخْيارِ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لِلشَّيْءِ مُخْتارٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، ولِكَوْنِ الِاسْتِبْدالِ مَلْحُوظًا جِيءَ بِالباءِ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ التَّوافُقَ مَعْنًى لا يَقْتَضِي التَّوافُقَ مُتَعَلِّقًا، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا الحَمْلِ كَوْنُهُ مُخِلًّا بِالتَّرْشِيحِ الآتِي كَما زَعَمَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِأنَّ التَّرْشِيحَ المَذْكُورَ يَكْفِي لَهُ وُجُودُ لَفْظِ الِاشْتِراءِ، وإنْ كانَ المَعْنى المَقْصُودُ غَيْرَ مُرَشَّحٍ كَما هو العادَةُ في أمْثالِهِ، أوْ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى، بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ، بِتَعاضُدِ الأسْبابِ، وبِأخْذِ المُقَدِّماتِ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى، ولا مِرْيَةَ في أنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، والإرْشادِ العَظِيمِ والنُّصْحِ والتَّعْلِيمِ، لَكِنَّهم نَبَذُوا ذَلِكَ، فَوَقَعُوا في مَهاوِي المَهالِكِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ بِالهُدى الهُدى الجِبِلِّيُّ، وقَدْ كانَ حاصِلًا لَهم حَقِيقَةً، فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، وقَوْلُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: إنَّ حَمْلَ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ أنَّ إضاعَتَها غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَؤُلاءِ، ولَئِنْ حُمِلَتْ عَلى الإضاعَةِ التّامَّةِ الواصِلَةِ إلى حَدِّ الخَتْمِ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ، فَلَيْسَ في إضاعَتِها فَقَطْ مِنَ الشَّناعَةِ ما في إضاعَتِها مَعَ ما يُؤَيِّدُها مِنَ المُؤَيِّداتِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى كَوْنِ ما فَصَلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ضائِعًا، كَلامٌ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الإشارَةِ، فَإنَّها تَقْتَضِي مُلاحَظَتَهم بِجَمِيعِ ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ، والمَعْنى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالنِّفاقِ المَذْكُورِ هُمُ الَّذِينَ ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ أشَدَّ تَضْيِيعٍ بِتَهْوِيدِ الآباءِ، ثُمَّ بَعْدَ ما ظَفِرُوا بِها أضاعُوها بِالنِّفاقِ مَعَ تَحْرِيضِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ، والنُّصْحِ شِفاهًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْرِيفُ أوْ يُقالُ: هَذِهِ تَرْجَمَةٌ عَنْ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، والمُرادُ بِالهُدى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِبَعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحَقِّيَّةِ دِينِهِ بِما وجَدُوهُ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ ويَدْعُونَ بِحُرْمَتِهِ، ويُهَدِّدُونَ الكُفّارَ بِخُرُوجِهِ، ﴿ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ وأمّا حَمْلُ الهُدى عَلى ما كانَ عِنْدَهم ظاهِرًا مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهادَةِ وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والصَّوْمِ والغَزْوِ فَمِمّا لا يَرْتَضِيهِ مَن هُدِيَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والمَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وبِهِ أقُولُ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا، والكُلُّ عِنْدِي بَعِيدٌ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن قالَ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ بِظاهِرِ مَفْهُومِها تُصَدِّقُ عَلى مَن أرادُوا لا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ إسْحاقَ (اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ) بِالكَسْرِ لِأنَّهُ الأصْلُ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأبُو السِّماكِ: (اشْتَرَوْا) بِالفَتْحِ إتْباعًا لِما قَبْلُ، وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الهُدى، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وعَدَمُ الإمالَةِ لُغَةُ قُرَيْشٍ.

﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وأتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تَعَقُّبِ نَفْيِ الرِّبْحِ لِلشِّراءِ، وأنَّهُ بِنَفْسِ ما وقَعَ الشِّراءُ تَحَقَّقَ عَدَمُ الرِّبْحِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الجَزاءِ لِمَكانِ المَوْصُولِ، فَهو عَلى حَدِّ: الَّذِي يَدْخُلُ الدّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا لَيْسَ بِمُبْتَدَإٍ كَما في المِثالِ بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وما بَعْدَ الفاءِ لَيْسَ بِخَبَرٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَهو صِلَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ مُبْتَدَأً، و ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ خَبَرٌ عَنِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ لِعَدَمِ الرّابِطِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ولِتَحَقُّقِ مَعْنى الصِّلَةِ، وإذا كانَتِ الصِّلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في خَبَرِ مَوْصُولِها، ولا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ بَدَلًا مِنهُ، والجُمْلَةُ خَبَرًا، لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدْخُلُ الخَبَرَ لِعُمُومِ المَوْصُولِ، والمُبْدَلُ مِنَ المَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ، فالحَقُّ ما ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ لَيْسَ غَيْرُ، كَما في البَحْرِ، والتِّجارَةُ التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، ولا يَكادُ يُوجَدُ تاءٌ أصْلِيَّةٌ بَعْدَها جِيمٌ إلّا نَتَجَ، وتَجِرَ ورَتَجَ، وأرْتَجَ، وأمّا تُجاهَ، ونَحْوُهُ فَأصْلُها الواوُ، والرِّبْحُ تَحْصِيلُ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، وشاعَ في الفَضْلِ عَلَيْهِ، والمُهْتَدِي اسْمُ فاعِلٍ مِنَ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولا يَكُونُ افْتَعَلَ المُطاوِعُ إلّا مِنَ المُتَعَدِّي، وأمّا قَوْلُهُ: حَتّى إذا اشْتالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرِ كَشُعْلَةِ القابِسِ تَرْمِي بِالشَّرَرِ فافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنى فَعَلَ، تَقُولُ: شالَ يَشُولُ، واشْتالَ يَشْتالُ بِمَعْنًى، وفي الآيَةِ تَرْشِيحٌ لِما سَمِعْتَ مِنَ المَجازِ فِيما قَبْلَها، والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ تَصْوِيرُ خَسارَهم بِفَوْتِ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الهُدى الَّتِي هي كالرِّبْحِ، وإضاعَةِ الهُدى الَّذِي هو كَرَأْسِ المالِ بِصُورَةِ خَسارَةِ التّاجِرِ الفائِتِ لِلرِّبْحِ المُضَيِّعِ لِرَأْسِ المالِ، حَتّى كَأنَّهُ هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مُبالَغَةٌ في تَخْسِيرِهِمْ، ووُقُوعِهِمْ في أشْنَعِ الخَسارِ الَّذِي يَتَحاشى عَنْهُ أُولُو الأبْصارِ، وإسْنادُ الرِّبْحِ إلى التِّجارَةِ، وهو لِأرْبابِها مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وكَنّى في مَقامِ الذَّمِّ بِنَفْيِ الرِّبْحِ عَنِ الخُسْرانِ لِأنَّ فَوْتَ الرِّبْحِ يَسْتَلْزِمُهُ في الجُمْلَةِ، ولا أقَلَّ مِن قَدْرِ ما يُصْرَفُ مِنَ القُوَّةِ، وفائِدَةُ الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِانْتِفاءِ مَقْصِدِ التِّجارَةِ مَعَ حُصُولِ ضِدِّهِ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: خَسِرَتْ تِجارَتُهُمْ، فَلا يُتَوَهَّمُ إنَّ نَفْيَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ إنَّما يُوجِبُ إثْباتَ الآخَرِ، إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، فَإنَّ التّاجِرَ قَدْ لا يَرْبَحُ، ولا يَخْسَرُ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ المَحَلُّ قابِلًا لِلْكُلِّ، كَما في التِّجارَةِ الحَقِيقِيَّةِ، أمّا إذا كانَ لا يَقْبَلُ إلّا اثْنَيْنِ مِنها فَنَفْيُ أحَدِهِما يَكُونُ إثْباتًا لِلْآخَرِ، والرِّبْحُ والخُسْرانُ في الدِّينِ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، عَلى أنَّهُ قَدْ قامَتِ القَرِينَةُ هُنا عَلى الخُسْرانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ وقَدْ جَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ إضاعَةِ رَأْسِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ بِطُرُقِ التِّجارَةِ تَكْثُرُ الآفاتُ عَلى أمْوالِهِ، واخْتِيرَ طَرِيقُ الكِنايَةِ نِكايَةً لَهم بِتَجْهِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِهِمْ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ النَّفْيُ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ، أيْ لا مَنارَ فَيُهْتَدى بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تِجارَةَ، ولا رِبْحَ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ لِلْقُرْبِ مَعَ التَّناسُبِ والتَّفَرُّعِ بِاعْتِبارِ المَعْنى الكِنائِيِّ، وبِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ أنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءَ قَدْ فُهِمَ مِمّا قَبْلُ، فَيَكُونُ تَكْرارًا لِما مَضى، وهو إمّا مِن بابِ التَّكْمِيلِ، والِاحْتِراسِ كَقَوْلِهِ: فَسَقى دِيارَكَ غَيْرَ مُفْسِدِها صَوْبُ ∗∗∗ الغَمامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي أوْ مِن بابِ التَّنْعِيمِ كَقَوْلِهِ: كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبائِنا ∗∗∗ وأرْحُلِنا الجَزْعُ الَّذِي لَمْ يُثْقَبِ وقالَ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ العَطْفَ عَلى ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ أوْلى، لِأنَّ عَطْفَهُ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ يُوجِبُ تَرَتُّبَهُ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُهُ عَنْهُ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، إلّا أنْ يُقالَ: تَرْتِيبُهُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ، والإخْبارِ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى (اشْتَرَوْا) كانَ الظّاهِرُ تَقْدِيمُهُ لِما في التَّأْخِيرِ مِنَ الإيهامِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الأحْسَنُ تَرْكَ العَطْفِ احْتِياطًا، كَما ذُكِرَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها ∗∗∗ بَدَلًا أُراها في الضَّلالِ تَهِيمُ عَلى أنَّ بَيْنَ مَعْنى اشْتَرَوْا إلَخْ، ومَعْنى وما كانُوا إلَخْ، تَقارُبًا يَمْنَعُ حُسْنَ العَطْفِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يُضِعْ فِطْرَتَهُ السَّلِيمَةَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، ولا يَخْفى سُوءُ حالِهِ عَلى مَن حَسُنَ تَمْيِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تِجاراتُهُمْ) عَلى الجَمْعِ ووَجْهُهُ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ تِجارَةً، ووَجْهُ الإفْرادِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهْمُ المَعْنى مَعَ الإشارَةِ أنَّ تِجاراتِهِمْ، وإنْ تَعَدَّدَتْ فَهي مِن سُوقٍ واحِدَةٍ، وهم شُرَكاءُ فِيها، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، يعني اختاروا الكفر على الإيمان.

وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة، لأن الله تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء، ولم يكن هنالك لفظ شراء.

قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فقد أضاف الريح إلى التجارة على وجه المجاز.

والعرب تقول: ربحت تجارة فلان، وخسرت تجارة فلان، وإنما يريدون به أنه ربح في تجارته، والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب على ما يتعارفون فيما بينهم فلذلك قال: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي فما ربحوا في تجارتهم.

قوله تعالى: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ قال بعضهم: معناه وما هم بمهتدين في الحال، كقوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: 29] أي من هو في المهد صبي في الحال.

وقال بعضهم: معناه وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل لأنهم لو كانوا مهتدين من قبل، لوفقهم الله تعالى في الحال، ولكن لما لم يكونوا مهتدين من قبل، خذلهم الله تعالى مجازاة لأفعالهم الخبيثة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

و «أَلاَ» : استفتاحُ كلامٍ، و «لكن» : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)

قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ...

الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.

وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «١» ، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر «٢» ، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:

أصحابهم من المنافقين والمشركين «٣» .

قال ص «٤» : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس

والدوابِّ.

قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة.

انتهى.

ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» .

رواه أبو داود «١» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ» .

انتهى.

/ من سنن أبي داود «٢» .

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:

هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «٣» ، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.

ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد: ١٣] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ.

انتهى.

وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:

يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «٤» ، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ .

فِي نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيعِ الكُفّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها في المُنافِقِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

واشْتَرَوْا بِمَعْنى اسْتَبْدَلُوا، والعَرَبُ تَجْعَلُ مَن آَثَرَ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ مُشْتَرِيًا لَهُ، وبائِعًا لِلْآَخِرِ.

والضَّلالَةُ والضَّلالُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وَفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ هاهُنا الكُفْرُ، والمُرادُ بِالهُدى: الإيمانُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها الشَّكُّ، والهُدى: اليَقِينُ.

والثّالِثُ: أنَّها الجَهْلُ، والهُدى: العِلْمُ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِبْدالِهِمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا بَلَغَهم ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ مِنَ الهُدى فَرَدُّوهُ واخْتارُوا الضَّلالَ، كانُوا كَمَن أبْدَلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ .

مِن مَجازِ الكَلامِ، لِأنَّ التِّجارَةَ لا تَرْبَحُ، وإنَّما يُرْبَحُ فِيها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ  ﴾ يُرِيدُ: بَلْ مَكْرُهم في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

ومِثْلُهُ ﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ  ﴾ أيْ: عَزَمَ عَلَيْهِ وأنْشَدُوا: حارِثٌ قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي فَنامَ لَيْلِي وتَجَلّى غَمِّي واللَّيْلُ لا يَنامُ، بَلْ يُنامُ فِيهِ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذا فِيما يَزُولُ فِيهِ الإشْكالُ، ويُعْلَمُ مَقْصُودُ قائِلِهِ، فَأمّا إذا أُضِيفَ إلى ما يَصْلُحُ أنْ يُوصَفَ بِهِ، وأُرِيدَ بِهِ ما سِواهُ، لَمْ يَجُزْ، مِثْلُ أنْ تَقُولَ: رَبِحَ عَبْدُكَ، وتُرِيدُ: رَبِحْتُ في عَبْدِكَ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ .

فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وما كانُوا في العِلْمِ بِاللَّهِ مُهْتَدِينَ.

والثّانِي: وما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الضَّلالَةِ.

والثّالِثُ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى تِجارَةِ المُؤْمِنِينَ.

والرّابِعُ: وما كانُوا مُهْتَدِينَ في اشْتِراءِ الضَّلالَةِ.

والخامِسُ: أنَّهُ قَدْ لا يَرْبَحُ التّاجِرُ، ويَكُونُ عَلى هُدًى مِن تِجارَتِهِ، غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلذَّمِّ فِيما اعْتَمَدَهُ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُمُ الأمْرَيْنِ، مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الِاسْتِهْزاءِ: فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ أفْعالًا هي في تَأمُّلِ البَشَرِ هُزُؤٌ، حَسَبَ ما يُرْوى: "إنَّ النارَ تَجْمُدُ كَما تَجْمُدُ الإهالَةُ فَيَمْشُونَ عَلَيْها، ويَظُنُّونَها مَنجاةً فَتُخْسَفُ بِهِمْ".

وما يُرْوى: "إنَّ أبْوابَ النارِ تُفْتَحُ لَهم فَيَذْهَبُونَ إلى الخُرُوجِ، نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وَقالَ قَوْمٌ: اسْتِهْزاؤُهُ بِهِمْ، هو اسْتِدْراجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ أنَّهُمْ، بِدُرُورِ نِعَمِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ راضٍ عنهُمْ، وهو تَعالى قَدْ حَتَّمَ عَذابَهُمْ، فَهَذا عَلى تَأمُّلِ البَشَرِ كَأنَّهُ اسْتِهْزاءٌ.

و"يَمُدُّهُمْ" مَعْناهُ: يَزِيدُهم في الطُغْيانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "مَعْناهُ: يُمْلِي لَهُمْ".

قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ "مَدَّ في الشَرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ".

وقالَ غَيْرُهُ: "مَدَّ الشَيْءَ.

ومَدَّهُ ما كانَ مِثْلَهُ ومِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ ما كانَ مُغايِرًا لَهُ"، تَقُولُ: مَدَّ النَهْرُ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، ويُقالُ: أمَدَّهُ، قالَ اللِحْيانِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ دَخَلَ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَثَّرَهُ: "مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًّا"، وفي التَنْزِيلِ: ﴿ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ  ﴾ .

ومادَّةُ الشَيْءِ ما يَمُدُّهُ، دَخَلَتْ فِيهِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ: مَدَدْتُ الدَواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَدَدْتُها جَعَلْتُ إلى مِدادِها آخَرُ، وأمْدَدْتُها جَعَلْتُها ذاتَ مِدادٍ، مِثْلَ قَبَرَ، وأقْبَرَ، وحَصَرَ وأحْصَرَ، ومَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا، وحَكى اللِحْيانِيُّ أيْضًا: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَنْزِيلِ: ﴿ وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ  ﴾ .

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ أيْ يُمْهِلْهم ويُلِجُّهُمْ، فَتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَدِّ الَّذِي هو المَطْلُ والتَطْوِيلُ، كَما فُسِّرَ فِي: ﴿ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مَعْنى الزِيادَةِ في نَفْسِ الطُغْيانِ، و"الطُغْيانُ": الغُلُوُّ وتَعَدِّي الحَدُّ، كَما يُقالُ: طَغى الماءُ، وطَغَتِ النارُ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إمالَةُ "طُغْيانِهِمْ"، و"يَعْمَهُونَ": يَتَرَدَّدُونَ حَيْرَةً.

والعَمَهُ الحَيْرَةُ مِن جِهَةِ النَظَرِ، والعامَّةُ الَّذِي كَأنَّهُ لا يُبْصِرُ مِنَ التَحَيُّرِ في ظَلامٍ، أو فَلاةٍ، أو هَمٍّ.

وقَوْلُهُ: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"الَّذِينَ" خَبَرُهُ، و"اشْتَرَوُا" صِلَةً لـ "الَّذِينَ"، وأصْلُهُ اشْتَرِيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَحُذِفَتْ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، وحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وحُرِّكَتِ الواوُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِالتِقاءِ بِالساكِنِ بَعْدَها، وخُصَّتْ بِالضَمِّ لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الضَمَّةَ أُخْتُ الواوِ وأخَفُّ الحَرَكاتِ عَلَيْها.

ومِنها: أنَّهُ لَمّا كانَتْ واوَ جَماعَةٍ ضُمَّتْ كَما فُعِلَ بِالنُونِ في نَحْنُ.

ومِنها: أنَّها ضُمَّتِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الياءِ المَحْذُوفَةِ قَبْلَها.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: صارَ الضَمُّ فِيها أولى، لِيَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ واوِ أو ولَوْ، إذْ هَذانَ يُحَرَّكانِ بِالكَسْرِ.

وقَرَأ أبُو السَمّالِ قُعْنُبُ العَدَوِيُّ، بِفَتْحِ الواوِ فِي: "اشْتَرَوُا الضَلالَةَ"، وقَرَأها يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِ الواوِ، و"الضَلالَةَ" والضَلالُ: التَلَفُ، نَقِيضُ الهُدى، الَّذِي هو الرَشادُ إلى المَقْصِدِ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى ﴾ .

فَقالَ قَوْمٌ: أخَذُوا الضَلالَةَ وتَرَكُوا الهُدى، وقالَ آخَرُونَ: اسْتَحَبُّوا الضَلالَةَ وَتَجَنَّبُوا الهُدى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى  ﴾ .

وقالَ آخَرُونَ: الشِراءُ هُنا اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ، لَمّا تَرَكُوا الهُدى وهو مُعَرَّضٌ لَهم ووَقَعُوا بَدَلَهُ في الضَلالَةِ، واخْتارُوها، شُبِّهُوا بِمَنِ اشْتَرَوْا فَكَأنَّهم دَفَعُوا في الضَلالَةِ هُداهُمْ، إذْ كانَ لَهم أخْذُهُ، وبِهَذا المَعْنى تَعَلَّقَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في مَنعِ أنْ يَشْتَرِيَ الرَجُلُ عَلى أنْ يَتَخَيَّرَ في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ.

وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ فِيمَن كانَ آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ارْتَدَّ في باطِنِهِ وعَقْدِهِ، ويَقْرُبُ الشِراءُ مِنَ الحَقِيقَةِ عَلى هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ خَتْمٌ لِلْمَثَلِ بِما يُشْبِهُ مَبْدَأهُ في لَفْظَةِ الشِراءِ، وأسْنَدَ الرِبْحَ إلى التِجارَةِ كَما قالُوا: "لَيْلٌ قائِمٌ، ونَهارٌ صائِمٌ"، والمَعْنى: فَما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَما رَبِحَتْ تِجاراتُهُمْ" بِالجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ قِيلَ: المَعْنى في شِرائِهِمْ هَذا، وقِيلَ: عَلى الإطْلاقِ، وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِ اللهِ، وكُلُّ هَذا يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ .

الإشارة إلى من يقول ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ [البقرة: 8] وما عطف على صلته من صفاتهم وجئ باسم إشارة الجمع لأن ما صدق «من» هو فريق من الناس، وفصلت الجملة عن التي قبلها لتفيد تقرير معنى: ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ [البقرة: 15] فمضمونها بمنزلة التوكيد، وذلك مما يقتضي الفصل، ولتفيد تعليل مضمون جملة ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ فتكون استئنافاً بيانياً لسائل عن العلة، وهي أيضاً فذلكة للجمل السابقة الشارحة لأحوالهم وشأن الفذلكة عدم العطف كقوله تعالى: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ [البقرة: 196]، وكل هذه الاعتبارات مقتض لعدم العطف ففيها ثلاثة موجبات للفصل.

وموقع هذه الجملة من نظم الكلام مقابل موقع جملة ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] ومقابل موقع جملة ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ [البقرة: 7] الآية.

واسم الإشارة هنا غير مشار به إلى ذوات ولكن إلى صنف اجتمعت فيهم الصفات الماضية فانكشفت أحوالهم حتى صاروا كالحاضرين تجاه السامع بحيث يشار إليهم وهذا استعمال كثير الورود في الكلام البليغ.

وليس في هذه الإشارة إشعار ببعد أو قرب حتى تفيد تحقيراً ناشئاً عن البعد لأن هذا من أسماء الإشارة الغالبة في كلام العرب فلا عدول فيها حتى يكون العدول لمقصد كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 2] ولأن المشار إليه هنا غير محسوس حتى يكون له مرتبة معينة فيكون العدول عن لفظها لقصد معنى ثان فإن قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ مع قرب الكتاب للناطق بآياته عدول عن إشارة القريب إلى البعيد فأفاد التعظيم.

وعكس هذا قول قيس بن الخطيم: متى يأتتِ هذا الموتُ لا يُلْففِ حاجة *** لنفسي إلا قد قضيت قضاءها فإن الموت بعيد عنه فحقه أن يشير إليه باسم البعيد، وعدل عنه إلى إشارة القريب لإظهار استخفافه به.

والاشتراء افتعال من الشري وفعله شرى الذي هو بمعنى باع كما أن اشترى بمعنى ابتاع فاشترى وابتاع كلاهما مطاوع لفعله المجرد أشار أهل اللسان إلى أن فاعل هذه المطاوعة هو الذي قبل الفعل والتزمه فدلوا بذلك على أنه آخذ شيئاً لرغبة فيه، ولما كان معنى البيع مقتضياً آخذين وباذلين كان كل منهما بائعاً ومبتاعاً باختلاف الاعتبار، ففعل باع منظور فيه ابتداء إلى معنى البذل والفعل ابتاع منظور فيه ابتداء إلى معنى الأخذ فإن اعتبره المتكلم آخذاً لما صار بيده عَبَّر عنه بمبتاع ومشتر، وإن اعتبره باذلاً لما خرج من يده من العوض، عَبَّر عنه ببائع وشار، وبهذا يكون الفعلان جاريين على سَنَن واحد، وقد ذكر كثير من اللغويين أن شرى يستعمل بمعنى اشترى والذي جرَّأهم على ذلك سوء التأمل في قوله تعالى: ﴿ وشَرَوْه بثمن بخس دراهمَ معدودةٍ ﴾ [يوسف: 20] فتوهموا الضمير عائداً إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ [يوسف: 19] أي باعوه، وحسبك شاهداً على ذلك قوله: ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ [يوسف: 20] أما الذي اشتراه فهو فيه من الراغبين ألا ترى إلى قوله لامرأته: ﴿ أكرمي مثواه ﴾ [يوسف: 21].

وعلى ذينك الاعتبارين في فعلي الشراء والبيع كانت تعديتهما إلى المفعول فهما يتعديان إلى المقصود الأصلي بأنفسهما وإلى غيره بالباء فيقال باع فرسه بألف وابتاع فرس فلان بألف لأن الفرس هو الذي كانت المعاقدة لأجله لأن الذي أخرجه ليبيعه علم أن الناس يرغبون فيه والذي جاء ليشتريه كذلك.

وإطلاق الاشتراء ههنا مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، أطلق الاشتراء على لازمه الثاني وهو الحرص على شيء والزهد في ضده أي حَرَصوا على الضلالة، وزَهِدوا في الهدى إذ ليس في ما وقع من المنافقين استبدال شيء بشيء إذ لم يكونوا من قبل مهتدين.

ويجوز أن يكون الاشتراء مستعملاً في الاستبدال وهو لازمه الأول واستعماله في هذا اللازم مشهور.

قال بشامة بن حَزن: إِنَّا بني نَهْشَللٍ لا نَدَّعِي لأَبٍ *** عنه ولا هُوَ بالأبناء يَشْرينا أي يبيعنا أي يبدلنا، وقال عنترة بن الأَخرس المَعْني من شعراء «الحماسة»: ومَنْ إِنْ بِعْتَ منزلة بأخرى *** حَلَلْتَ بأمره وبه تَسير أي إذا استبدلتَ داراً بأخرى.

وهذا بخلاف قول أبي النجم: أخذتُ بالجمة رأساً أزعرا *** وبالطويل العُمْر عُمْرا جَيْدار فيكون الحمل عليه هنا أن اختلاطهم كما اشترى المسلم إذ تنصرا بالمسلمين وإظهارهم الإيمان حالةٌ تشبه حال المهتدي تَلَبَّسوا بها فإذا خَلوا إلى شياطينهم طرحوها واستبدلوها بحالة الضلال وعلى هذا الوجه الثاني يصح أيضاً أن يكون الاشتراء استعارة بتشبيه تيْنك الحالتين بحال المشتري لشيء كان غير جائز له وارتضاه في «الكشاف».

والموصول في قوله ﴿ الذين اشتروا ﴾ بمعنى المعرف بلام الجنس فيفيد التركيب قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي باعتبار أنهم بلغوا الغاية في اشتراء الضلالة والحرص عليها إذ جمعوا الكفر والسفه والخداع والإفساد والاستهزاء بالمهتدين.

﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

رَتَّبت الفاء عدم الربح المعطوف بها وعدم الاهتداء المعطوف عليه على اشتراء الضلالة بالهدى لأن كليهما ناشئ عن الاشتراء المذكور في الوجود والظهور؛ لأنهم لما اشتروا الضلالة بالهدى فقد اشتروا ما لا ينفع وبذلوا ما ينفع فلا جرم أن يكونوا خاسرين وأن يتحقق أنهم لم يكونوا مهتدين فعدم الاهتداء وإن كان سابقاً على اشتراء الضلالة بالهدى أو هو عينه أو هو سببه إلا أنه لكونه عدماً فظهوره للناس في الوجود لا يكون إلا عند حصول أثره وهو ذلك الاشتراء، فإذا ظهر أثره تبين للناس المؤثر فلذلك صح ترتيبه بفاء الترتيب فأشبه العلة الغائية، ولهذا عبر ب ﴿ ما كانوا مهتدين ﴾ دون ما اهتدوا لأن ما كانوا أبلغ في النفي لإشعاره بأن انتفاء الاهتداء عنهم أمر متأصل سابق قديم، لأن كان تدل على اتصاف اسمها بخبرها منذ المضي فكان نفي الكون في الزمن الماضي أنسب بهذا التفريع.

والربح هو نجاح التجارة ومصادفة الرغبة في السلع بأكثر من الأثمان التي اشتراها بها التاجر ويطلق الربح على المال الحاصل للتاجر زائداً على رأس ماله.

والتجارة بكسر أوله على وزن فعالة وهي زنة الضائع ومعنى التجارة التصدي لاشتراء الأشياء لقصد بيعها بثمن أوفر مما اشترى به ليكتسب من ذلك الوفر ما ينفقه أو يتأثله.

ولما كان ذلك لا ينجح إلا بالمثابرة والتجديد صيغ له وزن الضائع ونفي الربح في الآية تشبيه لحال المنافقين إذ قصدوا من النفاق غاية فأخفقت مساعيهم وضاعت مقاصدهم بحال التجار الذين لم يحصلوا من تجارتهم على ربح فلا التفات إلى رأس مال في التجارة حتى يقال إنهم إذا لم يربحوا فقد بقي لهم نفع رأس المال ويجاب بأن نفي الربح يستلزم ضياع رأس المال لأنه يتلف في النفقة من القوت والكسوة لأن هذا كله غير منظور إليه إذ الاستعارة تعتمد على ما يقصد من وجه الشبه فلا تلزم المشابهة في الأمور كلها كما هو مقرر في فن البيان.

وإنما أسند الربح إلى التجارة حتى نفي عنها لأن الربح لما كان مسبباً عن التجارة وكان الرابح هو التاجر صح إسناده للتجارة لأنها سببه فهو مجاز عقلي وذلك أنه لولا الإسناد المجازي لما صح أن ينفى عن الشيء ما يعلم كل أحد أنه ليس من صفاته لأنه يصير من باب الإخبار بالمعلوم ضرورة، فلا تظنن أن النفي في مثل هذا حقيقة فتتركه، إن انتفاء الربح عن التجارة واقع ثابت لأنها لا توصف بالربح وهكذا تقول في نحو قول جرير: «ونمت وماليل المطي بنائم» *** بخلاف قولك ما ليله بطويل، بل النفي هنا مجاز عقلي لأنه فرع عن اعتبار وصف التجارة بأنها إلى الخسر ووصفها بالربح مجاز وقاعدة ذلك أن تنظر في النفي إلى المنفي لو كان مثبتاً فإن وجدت إثباته مجازاً عقلياً فاجعل نفيه كذلك وإلا فاجعل نفيه حقيقة لأنه لا ينفى إلا ما يصح أن يثبت.

وهذه هي الطريقة التي انفصل عليها المحقق التفتزاني في «المطول»، وعدل عنها في «حواشي الكشاف» وهي أمثل مما عدل إليه.

وقد أفاد قوله: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ ترشيحاً للاستعارة في ﴿ اشتروا ﴾ فإن مرجع الترشيح إلى أن يقفى المجاز بما يناسبه سواء كان ذلك الترشيح حقيقة بحيث لا يستفاد منه إلا تقوية المجاز كما تقول له يد طولى أو هو أسد دامي البراثن أم كان الترشيح متميزاً به أو مستعاراً لمعنى آخر هو من ملائمات المجاز الأول سواء حسن مع ذلك استقلاله بالاستعارة كما في هذه الآية فإن نفي الربح ترشح به ﴿ اشتروا ﴾ .

ومثله قول الشاعر أنشده ابن الأعرابي كما في «أساس البلاغة» للزمخشري ولم يعزُه: ولما رأيت النَّسْر عزَّ ابنَ دايَةٍ *** وعشّش في وَكْرَيْه جاشَ له صدري فإنه لما شبه الشيب بالنسر والشعر الأسود بالغراب صح تشبيه حلول الشيب في محلي السواد وهما الفودان بتعشيش الطائر في موضع طائر آخر؛ أم لم يحسن إلا مع المجاز الأول كقول بعض فُتَّاك العرب في أمه (أنشده في «الكشاف» ولم أقف على تعيين قائله): وما أُمُّ الرُّدَيْن وإنْ أَدَلَّتْ *** بعالمة بأخلاق الكرام إذا الشيطانُ قَصَّع في قفاها *** تَنَفَّقْنَاهُ بالحَبْل التُّؤَامِ فإنه لما استعار قصع لدخول الشيطان أي وسوسته وهي استعارة حسنة لأنه شبه الشيطان بضب يدخل للوسوسة ودخوله من مدخله المتعارف له وهو القاصعاء، وجعل علاجهم وإزالة وسوسته كالتنفق أي تطلب خروج الضب من نافقائه بعد أن يسد عليه القاصعاء ولا تحسن هذه الثانية إلا تبعاً للأولى.

والآية ليست من هذا القبيل.

وقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ قد علم من قوله: ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ إلى: ﴿ وما كانوا مهتدين، ﴾ فتعين أن الاهتداء المنفي هو الاهتداء بالمعنى الأصلي في اللغة وهو معرفة الطريق الموصل للمقصود وليس هو بالمعنى الشرعي المتقدم في قوله: ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ فلا تكرير في المعنى فلا يرد أنهم لما أخبر عنهم بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى كان من المعْلوم أنه لم يبق فيهم هدى.

ومعنى نفي الاهتداء كناية عن إضاعة القصد أي إنهم أضاعوا ما سعوا له ولم يعرفوا ما يوصل لخير الآخر ولا ما يضر المسلمين.

وهذا نداء عليهم بسفه الرأي والخرق وهو كما علمت فيما تقدم يجري مجرى العلة لعدم ربح التجارة، فشبه سوء تصرفهم حتى في كفرهم بسوء تصرف من يريد الربح، فيقع في الخسران.

فقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ تمثيلية ويصح أن يؤخذ منها كناية عن الحسران وإضاعة كل شيء لأن من لم يكن مهتدياً أضاع الربح وأضاع رأس المال بسوء سلوكه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ الضَّلالَةُ: الكُفْرُ، والهُدى: الإيمانُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَةِ الشِّراءِ فَكَأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشِّراءِ، لِأنَّ الشِّراءَ يَكُونُ فِيما يَسْتَحِبُّهُ مُشْتَرِيهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى شِراءِ المُعاوَضَةِ فِعْلًا، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا، فَيَبِيعُوا إيمانَهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى أخَذُوا الكُفْرَ وتَرَكُوا الإيمانَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما كانُوا مُهْتَدِينَ، في اشْتِراءِ الضَّلالَةِ.

والثّانِي: وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى التِّجارَةِ الَّتِي اهْتَدى إلَيْها المُؤْمِنُونَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ التّاجِرُ قَدْ لا يَرْبَحُ، ويَكُونُ عَلى هُدًى في تِجارَتِهِ نَفى اللَّهُ عَنْهُمُ الأمْرَيْنِ مِنَ الرِّبْحِ والِاهْتِداءِ، مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ قال: الكفر بالإِيمان.

واخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ قال: آمنوا ثم كفروا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ قال: استحبوا الضلال على الهدى ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ قال: قد والله رأيتهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ الآية.

حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة (١) (٢) (٣) قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى (٤) قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم (٥) (٦) وأصل ﴿ اشْتَرَوُا ﴾ اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ﴾ فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها (١١) ﴿ لَتُبلَوُنَّ  ﴾ و ﴿ لَتَرَوُنَّ  ﴾ .

وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا  ﴾ (١٥) وقد أجازوا الكسر (١٦) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ﴾ تشبيهاً بمثل: ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنَا  ﴾ و ﴿ أَلَّوِ اسْتَقَامُوا ﴾ .

وأجازوا (١٧) (١٨) ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنَا ﴾ تشبيها بواو الجمع (١٩) وقال ناس: إن (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوم كسروا الواو في مسألتنا (٢٣) ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ  ﴾ (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة (٢٩) قال أبو علي (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) ﴿ اشْتَرَوُا ﴾ إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية (٤٦) (٤٧) قال أبو أسحاق: من أبدل واو (٤٨) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ﴾ همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ (٤٩) (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ .

(الربح) الزيادة على أصل المال (٥٢) (٥٣) (٥٤) قال الشاعر: قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ...

لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه (٥٥) ومعنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك (٥٦) ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  ﴾ أي مكرهم فيهما.

وقال: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ  ﴾ وإنما العزيمة للرجال في الأمر (٥٧) وقال جرير: وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ...

فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (٥٨) فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف من نبهان (٥٩) قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (١) في (أ): (الرعية).

(٢) في (ب): (التي).

(٣) انظر.

"تفسير الطبري" 1/ 138، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "الأضداد" لابن الأنباري ص 72، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 183، == و"تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير الخازن" 1/ 63، (ضمن مجموعة من التفاسير)، "الدر المصون" 1/ 135.

(٤) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي  : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

"تفسير الطبري" 1/ 137، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن السدي 1/ 50، وانظر.

"تفسير ابن كثير" 1/ 56.

(٥) في (ب): (ولكنهم).

(٦) للعلماء في معنى الآية أقوال ذكرها ابن جرير في "تفسيره" وهي: منهم من قال إن معنى اشتروا استحبوا كما قال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ ، فالمعنى اختاروا الضلالة على الهدى.

ومنهم من قال: إنهم كانوا مؤمنين وكفروا، ولو كان الأمر على ذلك لكان هؤلاء تركوا الإيمان واستبدلوا به الكفر، وهو المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل الآيات في نعوتهم دالة على أنهم لم يكونوا مؤمنين قط، إنما أظهروا الإيمان كذباً.

ومنهم من قال: المراد أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فكل كافر مستبدل بالإيمان كفرا، وهذا ما اختاره ابن جرير وهو أختيار أكثر المفسرين.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 137 - 139، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 182 - 183، و"تفسير ابن كثير" 1/ 56.

(٧) لأن حذفها أولى لأن الواو دخلت لمعنى والألف لم تدخل لمعنى "البيان" لابن الأنباري 1/ 58.

(٨) قيل في إعلالها: استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفا، فاجتمع ساكنان: الياء والواو.

فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.

وما ذكره المؤلف أولى.

انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، "الدر المصون" 1/ 152.

(٩) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 369.

(١٠) اتفقوا على أن (الواو) في (اشتروا) تحرك لالتقاء الساكنين، ثم اختلفوا لماذا اختبر الضم على الكسر؟

انظر: "الحجة" 1/ 369.

(١١) في (ب): (كأنها).

(١٢) "الحجة" لأبي علي 1/ 369، وانظر: "الكتاب" 4/ 155، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179.

(١٣) (أن) ساقطة من (ب).

(١٤) في (ب): (فقرا) (١٥) قراءة الجمهور بالكسر، وقرئ في الشاذ بضم الواو، روى عن الأعمش وابن وثاب.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 352.

(١٦) قراءة الجمهور بالضم، وبالكسر قراءة شاذة، قرأ بها يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق.

انظر: "الحجة" 1/ 370، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، و"تفسير القرطبي" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 151.

(١٧) في (أ)، (ج): (وجازوا) وأثبت ما في (ب).

(١٨) وهي قراءة شاذة حيث قرأ بالضم الأعمش وزيد بن علي، انظر "البحر" 5/ 46.

(١٩) انتهى من "الحجة" لأبي علي 1/ 369.

(٢٠) (إن) ساقطة من (ب).

(٢١) في (ب): (بالمعنى).

(٢٢) (المعنى) ساقط من (ب).

أي: وسع كونها فاعلا في المعنى لم تحرك بالضم، انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 371، "الكتاب" 4/ 155، "الدر المصون" 1/ 151.

(٢٣) المراد قوله: (اشتروا) وقد سبق بيان أن قراءة الكسر شاذة.

(٢٤) قال أبو حيان: قرأ يحيى بن يعمر: (ولا تَنْسَوِ الفضل) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين تشبيها للواو التي هي (ضمير) بواو (لو) في قوله تعالى: ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنَا ﴾ ، كما شبهوا واو (لو) بـ (واو) الضمير فضموها.

"البحر" 2/ 238.

(٢٥) ما ذكروه: هو أن (الواو) ضمت لأنها فاعل في المعنى.

(٢٦) أي لم يجز الاختلاف في حركة الواو هل هي بالضم أو بالكسر.

(٢٧) (يجز) ساقط من (ج).

(٢٨) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 372.

(٢٩) ذكره أبو علي قال: حكاه أحمد بن يحيى عن الفراء.

"الحجة" 1/ 372.

(٣٠) "الحجة" 1/ 372، وما قبله كله من كلام أبي علي وقد اعتمد الواحدي في هذا المبحث على "الحجة".

(٣١) انظر: "الكتاب" 4/ 155.

(٣٢) الميس: التبختر، ماس يَميِس مَيْسا ومَيَسَانا: تبختر واختال.

انظر.

"اللسان" (مَيَس) 6/ 224، "القاموس" (مَيَس) ص 576.

(٣٣) أصلها: أحسست، حذفت السين الثانية، وهي بمعنى: علمت.

انظر.

"تهذيب اللغة" (حس) 1/ 817، "اللسان" (حسس) 2/ 871.

في هذِه الكلمات نقلت حركة العين إلى الفاء، ولم تنقل إلى ما بعدها.

انظر: "الحجة" 1/ 372، 373.

ولكن نلحظ فيما سبق عند الكلام على (نحن) أنه ورد في أحد الأقوال: إن حركة الضمة نقلت من الحاء إلى النون.

(٣٤) في (أ): (أضم) وكذا في (ج) بدون شكل، وما في (ب) موافق لما في "الحجة".

(٣٥) في (ج): (جل).

و (جيل) أصلها جَيْأَل، ولكن خففت بحذف الهمزة في اللفظ، مبقاة في النية، ونقلوا حركة الهمزة إلى الياء.

والجيأل: الضبع، والضخم من كل شيء.

انظر.

"اللسان" (جأل) 1/ 259، "القاموس" (جأل) ص 974.

(٣٦) (المَرَة) أصلها (المرأة) خففت الكلمة بحذف الهمزة، ونقلت حركتها إلى الراء، بعضهم قال: تخفيف قياسي مطرد، وبعضهم قال: غير مطرد.

"اللسان" (مرأ) 7/ 4166.

(٣٧) (ما) ساقطة من (ب).

(٣٨) في (أ)، (ج) (وثبت) زيادة واو.

(٣٩) في (ب) (لرفع).

(٤٠) في (أ)، (ج) (وقوله تعالى)، وفي (أ) كتبت بخط كبير.

(٤١) في (ب) (الياء).

(٤٢) قوله (ذلك وقوله يوجب ....

إلى قوله: لا إلى ما بعده كما بينا) ليس في "الحجة".

انظر: "الحجة" 1/ 373.

(٤٣) عبارة أبي علي: (فلو كانت حركة نقل كما قال، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها، التقى مع ساكن، أو لم يلتق ...) "الحجة" 1/ 374.

(٤٤) في (ب): (يليق).

(٤٥) في (ب): (لتحرك).

(٤٦) في (ب): (المتلقية).

(٤٧) في (أ): (آخر) وفي (ب)، (ج)، بدون همز، وما أثبت موافق لما في "الحجة".

بهذا انتهى رد أبي علي على الفراء، وقد اختصر الواحدي بعض كلامه.

انظر "الحجة" 1/ 372 - 374.

(٤٨) نص كلام الزجاج: (فأما من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط ...)، "معاني القرآن" 1/ 57.

(٤٩) قال الزجاج: الأصل وقتت 1/ 57.

(٥٠) قال الزجاج: وكذلك (أَدْؤر) إنما أصلها (أَدْوُر) 1/ 57.

(٥١) انتهى كلام الزجاج.

انظر "معاني القرآن" 1/ 57، وقوله: (فلا يلزم) ليس من كلام الزجاج، والمعنى: أن ضمة (اشتروا) إنما هي لالتقاء الساكنين فليست ضمة لازمة، فلا تقلب الواو المضمومة همزة، لعدم لزوم الضمة فيها.

(٥٢) انظر: "لباب التفسير" 1/ 142، "البحر" 1/ 63، "الدر المصون" 1/ 154، "تفسير أبي السعود" 1/ 49.

(٥٣) انظر: "مفردات الراغب" ص 73، وانظر المصادر السابقة.

(٥٤) انظر: "مجمل اللغة" (تجر) 1/ 49، "مقاييس اللغة" 1/ 341، "مفردات الراغب" ص 73، وقالوا: ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم إلا هذا اللفظ.

(٥٥) البيت للفضل بن عباس بن أبي لهب، وكان (عقرب بن أبي عقرب) رجل من تجار المدينة، مشهور بالمطل حتى قيل: (هو أمطل من عقرب) فعامله الفضل، فمطله فقال قصيدة يهجوه بها مطلعها هذا البيت المذكور، وردت القصيدة في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 98، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 281، "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 33، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "اللسان" (عقرب) 5/ 3039.

(٥٦) (خسر بيعك) ساقط من (ب).

(٥٧) انظر "تفسير الطبري" 1/ 139، "معاني القرآن" للفراء 1/ 14، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 207، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58، "تأويل مشكل القرآن" ص 138، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 42، "زاد المسير" 1/ 38.

(٥٨) من قصيدة له هجا فيها النبهاني، وكان قد هجا جريرا، ورد البيت في "الطبرى" 1/ 140، "ديوان جرير" ص 203.

(٥٩) ذكره " الطبري" في "تفسيره" 1/ 140.

(٦٠) أي: يخسر فيه.

(٦١) في "معاني القرآن" للفراء: (إذا ربح هو) 1/ 15.

(٦٢) في (ب): (متجوزا).

(٦٣) نقل كلام الفراء بمعناه انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 15.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اشتروا الضلالة ﴾ عبارة عن تركهم الهدى مع تمكنهم منه ووقوعهم في الضلالة، فهو مجاز بديع ﴿ ا فَمَا رَبِحَتْ تجارتهم ﴾ ترشيح للمجاز، لما ذكر الشر ذكر ما يتبعه من الربح والخسران، وإسناد عدم الربح إلى التجارة مجاز أيضاً؛ لأن الرابح أو الخاسر هو التاجر ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ في هذا الشراء، أو على الإطلاق.

وقال الزمخشري: نفى الربح في قوله: فما ربحت، ونفى سلامة رأس المال في قوله: وما كانوا مهتدين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: و "من الناس" ممالة.

قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.

"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.

"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.

"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.

"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.

"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.

"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.

روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.

"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.

"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.

"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.

الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.

"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.

"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.

"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.

"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.

"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.

"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله  ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.

وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.

فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.

كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.

(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.

وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.

وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله  "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .

(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.

أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.

وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.

وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.

(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.

ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.

(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.

فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.

الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.

قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.

وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.

وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.

وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله  : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.

الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.

وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.

حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.

وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.

ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.

سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.

ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.

وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.

"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال  ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.

وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.

وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي  ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.

ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة  ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك  ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".

وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.

وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.

فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟

قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.

فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.

فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.

والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.

فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟

قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.

ونظير الآية قوله  ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  ﴾ .

ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".

ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.

البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .

أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.

والأخدعان عرفان في العنق خفيان.

وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.

والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.

فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.

قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.

ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.

ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.

ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.

"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟

فقيل: يخادعون.

وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.

والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه  لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟

وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله  ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم  ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله  يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.

وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.

والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله  ﴿ تعلم ما في نفسي  ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.

والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.

والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.

ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول  والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له  اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.

أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.

فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.

ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.

وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.

ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.

والأليم الوجيع.

ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.

والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .

وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.

وما يروى عن إبراهيم  أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.

والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.

وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.

وقال  : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.

البحث الثالث: في قوله  ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.

هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.

فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.

ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.

أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.

والقائل لهم إما النبي  إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.

والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله  ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.

وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.

وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي  وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.

وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.

فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.

وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله  ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً  ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.

"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله  ﴿ أليس ذلك بقادر  ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.

قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.

وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".

البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.

هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.

وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.

وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.

ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت  ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول  ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.

ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.

فتقول: أوقد فعل السفيه؟

أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا  ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.

عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله  وهو في أرض مخترف، فاتى النبي  فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

فما أوّل أشراط الساعة؟

وما أول طعام أهل الجنة؟

وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال  :أخبرني بهن جبريل آنفاً.

أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.

وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.

فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟

قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.

قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.

قالوا: أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.

قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .

ثم إن الله  ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.

قال  : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم  ﴾ .

كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.

وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.

هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله  فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله  في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي  فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي  وأخبروه بذلك فنزلت.

ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.

وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.

وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.

وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.

إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.

وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.

لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.

أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزءون.

والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.

ثم إن الله  أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟

فقيل: الله يستهزئ بهم.

وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.

وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟

قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله  { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.

وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي  ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.

والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله  إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.

أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله  لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.

ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله  لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟

"ويعمهون" في موضع الحال.

والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.

وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله  فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.

جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.

فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.

وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.

ولما ذكر الله  شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.

وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير الله.

وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة بالقول.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ ﴾ .

أخبر  أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

الأول: أَي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم.

والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ.

فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأَن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأَنه عز وجل أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به.

وهو كقوله أَيضاً: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ : أَخبر بحبط الأَعمال وإن كانوا لا يعلمون.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ ﴾ .

تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب.

فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما آمن أَصحاب محمد  في السر والعلانية جميعاً، وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ  ﴾ .

وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق.

والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أَنهم فسروا ﴿ آمَنُواْ ﴾ : صدقوا في جميع القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ الآية.

السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم.

والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ .

يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جواباً على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.

وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء، فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدين الذى يدين به المؤمنون حق.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: أصحاب محمد  .

وقوله: ﴿ قَالُوۤا آمَنَّا ﴾ .

أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.

يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.

وقيل: إن كلَّ عاتٍ ومتمرد يسمى شيطاناً لعتوه وتمرده؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.

وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جارٍ، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.

والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أَعلم.

قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.

وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!

وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.

وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله  يتعالى عن ذلك.

والأَول أَقرب، والله أعلم.

أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.

ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم.

فإن ثبت ذا فهو كما قال.

وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.

قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.

وقوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.

ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.

ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.

وفي هذا إضافة المد إلى الله.

وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.

والعَمَهُ: الحيرة في اللغة.

قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أى: اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة.

وهو كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَوَل، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء.

وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.

وكذلك قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم.

وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة.

وكل من ترك الآخر شيئاً له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه.

وهو كقوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر.

وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه.

ثم في قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الربح دون نفي الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه.

ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لوناً لم يوجب ضد ذلك اللون.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده.

دليله قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، و ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك هم السفهاء لأنهم استبدلوا الكفر بالإيمان، فما ربحت تجارتهم؛ لخسارتهم الإيمان بالله، وما كانوا مهتدين إلى الحق.

من فوائد الآيات أن من طبع الله على قلوبهم بسبب عنادهم وتكذيبهم لا تنفع معهم الآيات وإن عظمت.

أن إمهال الله تعالى للظالمين المكذبين لم يكن عن غفلة أو عجز عنهم، بل ليزدادوا إثمًا، فتكون عقوبتهم أعظم.

<div class="verse-tafsir" id="91.XoMYw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات التي تقدمت في وصف هذا الصنف من الناس الذي قلنا إنه يوجد في كل أمة وملة وفي كل عصر، كانت عامة تصور حال أفراده في كل زمان ومكان، وكان أسلوبها ظاهرًا في العموم كقوله ﴿ يُخَادِعُونَ  ﴾ إلخ وقوله: وإذا قيل لهم كذا -قالوا كيت وكيت.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا  ﴾ الآية، فهو وصف قد يختص ببعض أفراد هذا الصنف ممن كان في عصر التنزيل، جاء بعد الأوصاف العامة وحكي بصيغة الماضي ليكون كالتصريح بتوبيخ تلك الفئة من هذا الصنف، التي بلغت من التهتك في النفاق، والفساد في الأخلاق، أن تظهر بوجهين، وتتكلم بلسانين، وما بلغ كل أفراد الصنف هذا المبلغ من الفساد والضعف.

ولهذه الخصوصية في الآية قال بعض الواهمين: إن جميع تلك الآيات في منافقي ذلك العصر.

وقد مر تفنيده فلا نعيده.

على أن هذه الفئة أيضًا توجد في كل عصر وزمان، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافي ذلك، لأن"إذا"تدل على المستقبل، فمعنى الفعل مستقبل، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم، ووباله عائد عليهم.

كان أولئك النفر يدهنون في دينهم، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون، ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ  ﴾ من دعاة الفتنة وعمال الفساد وأنصار الباطل، الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام، وقال مفسرنا (الجلال) إنهم الرؤساء، والصواب ما قلنا، وكم من رئيس مغمول، لما في نفسه من الضعف والخمول، لا ينصر اعتقاده، وإن كان معترفًا بأن فيه رشاده، وفي عزته عزه وإسعاده.

وكم من مرؤوس شديد العزيمة، قوي الشكيمة يكون له في نصر ملته، والمدافعة عن أمته، ما يعجز عنه الرؤساء، ولا يأتي على أيدي الأمراء.

وللذبابة في الجرح الممد يد تنال ما قصرت عنه يد الأسد ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ أي إنا معكم على عقيدتكم وعملكم، وإنما نستهزئ بالمسلمين ودينهم، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبابة، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم وفضح بهتانهم، فقال ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ..

أصل الاستهزاء الاستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس، وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى، والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعمله مع اعتقاد قبحه، غير مبالٍ به ولا معتنٍ بعلمه ولا بعمله، حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه، ويلزمه استرسال المستهزأ به في عمله القبيح فمعنى: الله يستهزئ بهم: أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته، وتبطئ عنهم نقمته، ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ والعمه عمى القلب وظلمة البصيرة وأثره الحيرة والاضطراب وعدم الاهتداء للصواب.

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ ..

المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلخ وهو صريح في أن طغيانهم وعمههم من كسبهم، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم..

وقد فسروا"اشتروا"باستبدلوا وهو غير سديد لأن بين اللفظتين فصلًا في المعنى وكلنا نعتقد -والحق ما نعتقد- أن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظًا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه، ولا يرجح أسلوبًا على أسلوب يمكن تأدية المراد به، إلا لحكمة في ذلك وخصوصية لا توجد في غير ما اختاره ورجحه.

ووجه اختيار"اشتروا"على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين..

أحدهما- أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت الفائدة حقيقة أو وهمية.

وثانيهما-أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال، فإذا أخذت ثوبًا من ثيابك بدل آخر يقال إنك استبدلت ثوبًا بثوب، فالمعنى الذي تؤديه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، وهذا هو معنى والاشتراء الشراء، ومثلهما البيع والابتياع، ولا يؤديه مطلق الاستبدال.

ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام، وفيها بشارة بأن الله يرسل إليهم نبيًا يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصر التقاليد، وأغلال التقيد بإرادة العبيد، ويرعى جميع الأمم بقضيب من حديد، فيرجع للعقول نعمة الاستقلال، ويجعل إرادة الأفراد هي المصرفة للأعمال، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل والمشاعر وهداية الدين والكتاب، ولكن نجمت فيهم الأحداث والبدع، وتحكمت فيهم العادات والتقاليد، وعلا سلطان ذلك كله على سلطان الدين، فضل الرؤساء في فهمه، بتحكيم تقاليدهم في أحكامه وعقائده، بضروب من التحريف والتأويل، وأهمل المرؤوسون العقل والنظر في الكتاب بحظر الرؤساء وأثرتهم، فكان الجميع على ضلالة في استعمال العقل وفي فهم الكتاب، بعد أن كانا هدايتين ممنوحتين لهم لإسعادهم، وكانت المعاوضة عند الفريقين في ذلك المنافع الدنيوية: للرؤساءالمال والجاه والتعظيم والتكريم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه رؤساء الدين على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف، بفتاوى التأويل والتحريف.

هكذا استحبوا العمى على الهدى -وهو العقل والدين- رغبة في الحطام، وطمعًا في الجاه الكاذب، ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ  ﴾ في الدنيا إذ لم تثمر لهم ثمرة حقيقية، بل خسروا وخابوا بإهمالهم النظر الصحيح الذي لا تقوم المصالح ولا تحفظ المنافع إلا به.

وإسناد الربح إلى التجارة عربي في غاية الفصاحة لأن الربح هو النماء في التجر، وهذه المعاوضة هي التي من شأنها أن تثمر الربح، فإسناده إليها نفيًا.

أو إثباتًا إسناد صحيح لا يحتاج إلى التأويل، كأنه قيل فلم يكن نماء في تجارتهم، على أن ذلك التأويل المعروف من أن إسناد الربح إلى التجارة لأنها سببه والوسيلة إليه وأن العبارة من المجاز العقلي -تأويل يتفق مع البلاغة ولا ينافيها، ولا زال المجاز العقلي من أفضل ما يزين البلغاء به كلامهم، ويبلغون به ما يشاءون من تفخيم معانيهم، ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ  ﴾ في دينهم لأنهم لم يأخذوه على وجهه، ولم يفهموه حق فهمه، أو ما كانوا مهتدين في هذه التجارة لأنهم باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الهواء والبدع التي زجوا أنفسهم فيها -أو ما كانوا مهتدين في طور من الأطوار، ولا مسّ الرشد قلوبهم في وقت من الأوقات، لأنهم نشأوا على التقليد العمى من أول وهلة، ولم يستعملوا عقولهم قط في فهم أسراره، واقتباس أنواره.

ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة فيتناقض أول الآية مع آخرها،إذ ليس كل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديًا، وهؤلاء حُمِّلوه فباعوه ولم يَحْمِلوه، وينظر إلى هذا الاشتراء ويشبهه الاستحباب في قوله تعالى ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ .

والله أعلم.

ومن مباحث الأداة قراءة حمزة والكسائي ﴿ الْهُدى  ﴾ بالإمالة أي جعل مدها بين الألف والياء وهي لغة بني تميم، وعدم الإمالة لغة قريش وهي الفصحى، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن الله تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبي  .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل