الآية ١٦٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٥ من سورة البقرة

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ ١٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 171 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة ، حيث جعلوا [ له ] أندادا ، أي : أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه ، وهو الله لا إله إلا هو ، ولا ضد له ولا ند له ، ولا شريك معه .

وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟

قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " .

وقوله : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) ولحبهم لله وتمام معرفتهم به ، وتوقيرهم وتوحيدهم له ، لا يشركون به شيئا ، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ، ويلجئون في جميع أمورهم إليه .

ثم توعد تعالى المشركين به ، الظالمين لأنفسهم بذلك فقال : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ) .

قال بعضهم : تقدير الكلام : لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا ، أي : إن الحكم له وحده لا شريك له ، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ( وأن الله شديد العذاب ) كما قال : ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) [ الفجر : 25 ، 26 ] يقول : لو علموا ما يعاينونه هنالك ، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم ، لانتهوا عما هم فيه من الضلال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له = وقد بينا فيما مضى أن " الندّ"، العدل، بما يدل على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته.

(18) * * * = وأن الذين اتخذوا هذه " الأنداد " من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله.

ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.

* * * واختلف أهل التأويل في" الأنداد " التي كان القوم اتخذوها.

وما هي؟

* * * فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.

* ذكر من قال ذلك.

2406- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: " ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله "، من الكفار لأوثانهم.

2407- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله تعالى ذكره: " يحبونهم كحب الله "، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد،" والذين آمنوا أشد حبًا لله "، من الكفار لأوثانهم.

2408- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

&; 3-280 &; 2409- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " ومن الناس من يتخذُ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال، هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله،" والذين آمنوا أشد حبًا لله ", أي من الكفار لأوثانهم.

2410- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال، هؤلاء المشركون.

أندادُهم: آلهتهم التي عَبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتَهم.

* * * وقال آخرون: بل " الأنداد " في هذا الموضع، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.

* ذكر من قال ذلك: 2411- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال، الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله.

(19) * * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " كحب الله "؟

وهل يحب الله الأنداد؟

وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله، فيقال: " يُحبونهم كحب الله "؟

قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه, وإنما ذلك نظير قول القائل: (20) " بعت غُلامي كبيع غلامِك ", بمعنى: بعته كما بيع غلامك، وكبيْعك &; 3-281 &; غُلامَك," واستوفيتُ حَقي منه استيفاء حَقك ", بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطَب، اكتفاء بكنايته في" الغلام " و " الحق ", كما قال الشاعر: فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيَّـا عَـــلَى زَيْــدٍ بِتَسْــلِيم الأمِــيرِ (21) يعنى بذلك: كما يُسلَّم على الأمير.

* * * فمعنى الكلام إذًا: ومنَ الناس من يتخذ، أيها المؤمنون، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله.

(22) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة أهل المدينة والشأم: " ولوْ ترى الذين ظَلموا " بالتاء " إذ يَرون العذابَ" بالياء " أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب " بفتح " أنّ" و " أنّ" كلتيهما - بمعنى: ولو ترى يا محمد &; 3-282 &; الذين كفروا وَظَلموا أنفسهم، حينَ يَرون عذابَ الله ويعاينونه " أنّ القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب ".

ثم في نصَبْ" أنّ" و " أنّ" في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه, فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا -ومعنى ترى: تبصر- أن القوة لله جميعًا, وأنّ الله شديد العذاب.

ويكون الجواب حينئذ -إذا فتحت " أن " على هذا الوجه- متروكًا، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى ما وصفت.

فهذا أحد وجهي فتح " أن "، على قراءة من قرأ: " ولو ترى " ب " التاء ".

والوجهُ الآخر في الفتح: أن يكون معناه: ولو ترى، يا محمد، إذ &; 3-283 &; يَرى الذين ظلموا عذابَ الله, لأن القوة لله جميعًا, وأن الله شديد العذاب, لعلمت مبلغ عذاب الله.

ثم تحذف " اللام "، فتفتح بذلك المعنى، لدلالة الكلام عليها.

* * * وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء: " ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب ".

بمعنى: ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله، لعلمت الحال التي يصيرون إليها.

ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال: " إن القوة لله جميعًا " في الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة," وإن الله شديد العذاب " لمن أشرك به، وادعى معه شُركاء، وجعل له ندًا.

* * * وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر " إن " في" ترى " بالتاء.

وهو أن يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون: إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب.

ثمّ تحذفُ" القول " وتَكتفي منه بالمقول.

* * * وقرأ ذلك آخرون: " ولو يَرَى الذين ظلموا " بالياء " إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب " بفتح " الألف " من " أنّ"" وأنّ", بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, إذ يرون العذاب.

فتكون " أن " الأولى منصوبة لتعلقها بجواب " لو " المحذوف، ويكون الجواب متروكًا, وتكون الثانية معطوفة على الأولى.

وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.

* * * وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ: " ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب " بالياء في" يرى " وفتح " الألفين " في" أن "" وأن "-: ولو يعلمون، (23) لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عَلم, فإذا قال: " ولو ترى ", فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو كسر " إنّ" على الابتداء، إذا قال: " ولو يرى " جاز, لأن " لو يرى "، لو يعلم.

وقد تكون " لو " في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء.

(24) تقول للرجل: " أمَا وَالله لو يعلم، ولو تعلم " (25) كما قال الشاعر: (26) إنْ يكُــنْ طِبَّـكِ الـدّلالُ, فلَـوْ فِـي سَـالِفِ الدَّهْــرِ والسِّـنِينَ الخَــوَالِي!

(27) &; 3-284 &; هذا ليس له جواب إلا في المعنى, وقال الشاعر (28) وَبِحَـــــظٍّ مِمَّــــا نَعِيشُ, وَلا تَــذْهَبْ بِـكَ التُّرَّهَـاتُ فِــي الأهْـوَالِ (29) فأضمر: فعيشي.

(30) قال: وقرأ بعضهم: " ولو تَرى "، وفتح " أن " على " ترى ".

وليس بذلك، (31) لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم, ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ، كما قال تعالى ذكره: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [سورة السجدة: 3]، ليخبر الناس عن جهلهم, وكما قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة البقرة: 107].

(32) * * * قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون " أنّ" عاملا فيها قوله: " ولو يرى ".

وقالوا: إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا, فلا وجه لمن تأوَّل ذلك: ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله.

وقالوا: إنما عمل في" أن " جواب " لو " الذي هو بمعنى " العلم ", لتقدم " العلم " الأول.

(33) * * * &; 3-285 &; وقال بعض نحويي الكوفة: مَنْ نصب: " أن القوة لله وأن الله شديد العذاب " ممن قرأ: " ولو يَرَى " بالياء، فإنما نصبها بإعمال " الرؤية " فيها, وجعل " الرؤية " واقعةً عليها.

وأما مَنْ نصبها ممن قرأ: " ولو ترى " بالتاء, فإنه نَصبَها على تأويل: لأنّ القوة لله جميعًا, ولأن الله شديد العذاب.

قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء، فإنه يكسرهما على الخبر.

* * * وقال آخرون منهم: فتح " أنّ" في قراءة من قرأ: " ولو يَرَى الذين ظلموا " بالياء، بإعمال " يرى ", وجوابُ الكلام حينئذ متروك, كما ترك جواب: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [سورة الرعد: 31]، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف.

(34) وقالوا: جائز كسر " إن "، في قراءة من قرأ ب " الياء ", وإيقاع " الرؤية " على " إذ " في المعنى, وأجازوا نصب " أن " على قراءة من قرأ ذلك ب " التاء "، لمعنى نية فعل آخر, وأن يكون تأويل الكلام: " ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب "، [يرَون] أنّ القوة لله جميعا، (35) وزعموا أن كسر " إنّ" الوجهُ، إذا قرئت: " ولو تَرَى " ب " التاء " على الاستئناف, لأن قوله: " ولو ترى " قد وَقع على " الذين ظلموا ".

(36) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك: " ولو تَرَى الذين ظلموا " -بالتاء من " ترى "-" إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب " بمعنى: لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب.

فيكون قوله: " لرأيت " الثانية، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله: " ولو ترى الذين ظلموا "، عن ذكره, وإن &; 3-286 &; كان جوابًا ل " لو ".

(37) ويكون الكلام، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - معنيًّا به غيره.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب.

ويكون ذلك نظيرَ قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة البقرة: 107] وقد بيناه في موضعه.

(38) وإنما اخترنا ذلك على قراءة " الياء "، لأن القوم إذا رَأوا العذاب، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب, فلا وجه أن يُقال: لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ.

لأنه إنما يقال: " لو رأيت "، لمن لم يرَ, فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له: " لو رأيت ".

* * * ومعنى قوله: " إذ يَرون العذاب "، إذ يُعاينون العذاب، كما:- 2412- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب "، يقول: لو عاينوا العذاب.

* * * وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: " ولو تَرَى الذين ظلموا "، ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي, حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم, لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة, وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا, ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم, وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.

---------------- الهوامش : (18) انظر ما سلف 1 : 368-370 .

(19) الأثر : 2411- في المطبوعة : "حدثني موسى قال حدثنا أسباط" ، أسقط منه"قال حدثنا عمرو" ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به رقم : 2404 .

ثم انظر ص : 288 س : 11 فسيأتي تأويله وبيانه عن قول السدي .

(20) في المطبوعة : "وإنما نظير ذلك" ، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى .

(21) لم أعرف قائله .

وسيأتي في هذا الجزء 3 : 311 ، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين 4 : 51 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 100 ، وأمالي الشريف 1 : 215 .

وبعد البيت : أَمـــيرٌ يــأكُلُ الفَــالُوذَ سِــرًّا ويُطْعِــمُ ضيفَــهُ خُـبْزَ الشَّـعِير!

أتذكُــرُ إذْ قَبَــاؤك جــلْدُ شــاةٍ وَإِذْ نَعْــلاَكَ مــن جِــلْدِ البَعِـيرِ? فسُــبْحان الــذي أعطــاك مُلْكًـا وعَلَّمـك الجـلوسَ عـلى السَّـرِير!!

(22) في المطبوعة : "كحب الله" ، وليس هذا تفسيرًا على سياق كلامه وتفسيره ، بل هو نص الآية ، والصواب ما أثبت .

(23) يريد أن"يرى" بمعنى : يعلم .

وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : 62 .

(24) في المطبوعة : "وقد تكون"لو يعلم" في معنى لا يحتاج .

.

.

" ، والصواب حذف"يعلم" فإنه أراد"لو" وحدها ، وذلك ظاهر في استدلاله بعد .

(25) في المطبوعة : "لو يعلم" في الموضعين ، والصواب جعل إحداهما بالياء .

والأخرى بالتاء .

(26) هو عبيد بن الأبرص .

(27) ديوانه : 37 ، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه ، وقبله : تلـكَ عِرْسِـي تَـرُومُ قِدْمًـا زِيَـالِي أَلِبَيْــــنٍ تُرِيـــد أَمْ لِـــدَلاَلِ? والزيال : المفارقة .

وقوله : "طبك" ، أي شهوتك وإرادتك وبغيتك .

يقول لها : إن كنت الدلال على تبغين وترومين ، فقد مضى حين ذلك ، أيام كنا شبابًا في سالف دهرنا وليالينا الخوالي!

إذ- : أنْـــت بَيْضَــاءُ كالمهــاة, وإِذْا آتِيــكِ نَشْــوَانَ مُرْخِيًــا أَذْيـالِي (28) هو عبيد بن الأبرص أيضًا من قصيدته السالفة .

(29) ديوانه : 37 ، وسيأتي في التفسير 7 : 117 ، وهو في الموضعين مصحف .

كان هنا"وبحظ ما تعيش" .

قال لها ذلك بعد أن ذكر أنها زعمت أنه كبر وقل ماله ، وضن عنه إخوانه وأنصاره .

ثم أمرها أن ترفض مقالة العاذلين ، ويعظها أن تعيش معه بما يعيش به .

والترهات جمع ترهة : وهي أباطيل الأمور .

والأهوال جمع هول : وهو الأمر المخيف .

ثم ذكر لها أمر أهلها إذا فارقته إليهم وما تلقاه من أهوال ، فقال : مِنْهُــمُ مُمْسِــكٌ, ومِنْهــم عَـدِيمٌ, وبَخِـــيلُ عَلَيْــكِ فِــي بُخّــالِ (30) في المطبوعة : "فأضمر : عش" ، والصواب ما أثبت ، وستأتي على الصواب في الجزء السابع .

(31) قوله : "ليس بذلك" ، أي قول ضعيف ليس بذلك القوي .

(32) انظر ما سلف 2 : 484-488 .

(33) يعني بالعلم الأول"لو يرى" بمعنى"لو يعلم" ، والآخر الجواب المحذوف : "لعلموا" .

(34) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 97 ، وفيه"معاني الجنة .

.

.

" ، والصواب ما في الطبري وإحدى نسخ معاني القرآن .

(35) الذي بين القوسين زيادة لا بد منها ، وإلا اختل الكلام ، واستدركتها من معاني القرآن للفراء 1 : 98 .

(36) هذا قول الفراء في معاني القراء 1 : 97-98 ، مع بعض التصرف في اللفظ .

وقوله : "وقع" ، و"الوقوع" يعني به تعدي الفعل إليه .

وانظر فهرس المصطلحات .

(37) في المطبوعة : "وإن كان جوابًا .

.

.

" ، والصواب ما أثبت .

(38) انظر ما سلف 2 : 484-488 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذابلما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا ، وواحدها ند ، وقد تقدم .

والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها ، قاله مجاهد .قوله تعالى : يحبونهم كحب الله أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق ، قاله المبرد ، وقال معناه الزجاج .

أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته .

وقال ابن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون ، يطيعونهم في معاصي الله .

وجاء الضمير في يحبونهم على هذا على الأصل ، وعلى الأول جاء ضمير [ ص: 192 ] الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل .

وقال ابن كيسان والزجاج أيضا : معنى يحبونهم كحب الله أي يسوون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة .

قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح ، والدليل على صحته : والذين آمنوا أشد حبا لله وقرأ أبو رجاء يحبونهم بفتح الياء .

وكذلك ما كان منه في القرآن ، وهي لغة ، يقال : حببت الرجل فهو محبوب .

قال الفراء : أنشدني أبو تراب :أحب لحبها السودان حتى حببت لحبها سود الكلابومن في قوله من يتخذ في موضع رفع بالابتداء ويتخذ على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن " يتخذون " على المعنى ويحبونهم على المعنى و " يحبهم " على اللفظ ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في يتخذ أي محبين ، وإن شئت كان نعتا للأنداد ، أي محبوبة .

والكاف من كحب نعت لمصدر محذوف ، أي يحبونهم حبا كحب الله .

والذين آمنوا أشد حبا لله أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم .

وقيل : إنما قال والذين آمنوا أشد حبا لله لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه .

ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم ، قال الله تعالى : يحبهم ويحبونه .

وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة " آل عمران " إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء ، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء ، وهو اختيار أبي عبيد .

وفي الآية إشكال وحذف ، فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا .

ويرى على هذا من رؤية البصر .

قال النحاس في كتاب " معاني القرآن " له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير .

وقال في كتاب " إعراب القرآن " له : وروي عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد ، وليست عبارته فيه بالجيدة ; لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب ، فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه الله تعالى ، ولكن التقدير وهو قول الأخفش : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله .

ويرى بمعنى يعلم ، أي لو يعلمون حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه ، ف يرى واقعة على أن القوة لله ، وسدت مسد المفعولين .

والذين فاعل يرى ، وجواب لو محذوف ، أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة ، كما قال عز وجل .

ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ، [ ص: 193 ] ولو ترى إذ وقفوا على النار ولم يأت ل لو جواب .

قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد ، ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله ، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في أن .

وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك ، ولكن خوطب والمراد أمته ، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا .

ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا .

وقيل : أن في موضع نصب مفعول من أجله ، أي لأن القوة لله جميعا .

وأنشد سيبويه :وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرماأي لادخاره ، والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم .

ودخلت " إذ " وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه .

وقرأ ابن عامر وحده " يرون " بضم الياء ، والباقون بفتحها .

وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر " إن القوة ، و " إن الله " بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول ، أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله .

وثبت بنص هذه الآية القوة لله ، بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة ، تعالى الله عن قولهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى, لما بين وحدانيته وأدلتها القاطعة, وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين, المزيلة لكل شك، ذكر هنا أنَّ { مِنَ النَّاسِ } مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أندادا لله أي: نظراء ومثلاء, يساويهم في الله بالعبادة والمحبة, والتعظيم والطاعة.

ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة, وبيان التوحيد - عُلِمَ أنه معاند لله, مشاق له, أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته, فليس له أدنى عذر في ذلك, بل قد حقت عليه كلمة العذاب.

وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله, لا يُسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير, وإنما يسوونهم به في العبادة, فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله: { اتخذوا } دليل على أنه ليس لله ند وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له, تسمية مجردة, ولفظا فارغا من المعنى، كما قال تعالى: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق, وغيره مخلوق, والرب الرازق ومن عداه مرزوق, والله هو الغني وأنتم الفقراء، وهو الكامل من كل الوجوه, والعبيد ناقصون من جميع الوجوه، والله هو النافع الضار, والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء، فعلم علما يقينا, بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا, أو صالحا, صنما, أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة, والذل التام، فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } أي: من أهل الأنداد لأندادهم, لأنهم أخلصوا محبتهم له, وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة, الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا, ومحبته عين شقاء العبد وفساده, وتشتت أمره.

فلهذا توعدهم الله بقوله: { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله, وسعيهم فيما يضرهم.

{ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ } أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم، { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } أي: لعلموا علما جازما, أن القوة والقدرة لله كلها, وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء، فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها, لا كما اشتبه عليهم في الدنيا, وظنوا أن لها من الأمر شيئا, وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، فخاب ظنهم, وبطل سعيهم, وحق عليهم شدة العذاب, ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا, ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها, من حيث ظنوا نفعها.

وتبرأ المتبوعون من التابعين, وتقطعت بينهم الوصل, التي كانت في الدنيا, لأنها كانت لغير الله, وعلى غير أمر الله, ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له, فاضمحلت أعمالهم, وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين, وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها, انقلبت عليهم حسرة وندامة, وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، فهل بعد هذا الخسران خسران؟

ذلك بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل ورجوا غير مرجو, وتعلقوا بغير متعلق, فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها, فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين, وأخلص العمل لوجهه, ورجا نفعه، فهذا قد وضع الحق في موضعه, فكانت أعماله حقا, لتعلقها بالحق, ففاز بنتيجة عمله, ووجد جزاءه عند ربه, غير منقطع كما قال تعالى: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم, بأن يتركوا الشرك بالله, ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات, فات الأمر, وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا, فهم كذبة, فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه, وأماني يتمنونها, حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم، فرأس المتبوعين على الشر, إبليس, ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} أي أصناماً يعبدونها.

{يحبونهم كحب الله} أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: "يحبون الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة".

{والذين آمنوا أشد حباً لله} أي أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنماً ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني، قال قتادة: "إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [65-العنكبوت] والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء".

قال سعيد بن جبير: "إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكفار: (( إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم )) فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش".

{والذين آمنوا أشد حباً لله} وقيل إنما قال {والذين آمنوا أشد حباً لله} لأن الله تعالى أحبهم أولاً ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم، قال الله تعالى:{يحبهم ويحبونه} [54-المائدة].

قوله تعالى: {ولو يرى الذين ظلموا} قرأ نافع وابن عامر ويعقوب (ولو ترى) بالتاء وقرأ الآخرون بالياء وجواب لو هاهنا محذوف ومثله كثير في القرآن كقوله تعالى {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به}[الرعد-31] يعني لكان هذا القرآن، فمن قرأ بالتاء: معناه ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم من شدة العذاب لرأيت أمرأً عظيماً، وقيل: معناه قل يا محمد: أيها الظالم لو ترى الذين ظلموا أو أشركوا في شدة العقاب لرأيت أمراً فظيعاً، ومن قرأ بالياء: معناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب أو لو رأوا شدة عذاب الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوا من الأصنام لا ينفعهم.

قوله تعالى: {إذ يرون} قرأ ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها.

{العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب} أي بأن القوة لله جميعاً معناه لرأوا وأيقنوا أن القوة لله جميعاً.

وقرأ أبو جعفر ويعقوب (إن القوة) و(إن الله) بكسر الألف على الاستئناف والكلام تام عند قوله {إذ يرون العذاب} مع إضمار الجواب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الناس من يتخذ من دون الله» أي غيره «أندادا» أصناما «يحبونهم» بالتعظيم والخضوع «كحب الله» أي كحبهم له «والذين آمنوا أشد حبا لله» من حبهم للأنداد لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدة إلى الله «ولو يرى» تبصر يا محمد «الذين ظلموا» باتخاذ الأنداد «إذ يرون» بالبناء للفاعل والمفعول به يبصرون «العذاب» لرأيت أمرا عظيما وإذا بمعني إذا «أن» أي لأن «القوة» القدرة والغلبة «لله جميعا» حال «وأن الله شديد العذاب» وفي قراءة ترى والفاعل ضمير السامع، وقيل الذين ظلموا وهي بمعني يعلم وأن وما بعدها سدت مسد المفعولين وجواب لو محذوف والمعنى لو علموا في الدنيا شدة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة لما اتخذوا من دونه أندادا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومع هذه البراهين القاطعة يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى، ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة، ما لا يليق إلا بالله وحده.

والمؤمنون أعظم حبا لله من حب هؤلاء الكفار لله ولآلهتهم؛ لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله، وأولئك أشركوا في المحبة.

ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا، حين يشاهدون عذاب الآخرة، أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا، وأن الله شديد العذاب، لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه، ويتقربون بهم إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - جانباً من الآيات الدالة على ألوهيته ووحدانيته أردف ذلك ببيان حال المشركين ، وما يكون منهم يوم القيامة من تدابر وتقاطع وتحسر على ما فرط منهم فقال - تعالى - :( وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً .

.

.

)( أَندَاداً ) : جمع ند ، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه .

وأصله من ند البعير يند نداً ونداداً وندوداً ، أي : نفر وذهب على وجهه شارداً .

ويرى بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة للتقرب بها إلى الله ، وقيل : المراد بها الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم .

والأولى أن يكون المراد بهذه الأنداد كل مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله - تعالى - من نحو التحليل ، والتحريم وإيصال النفع وغير ذلك من الأمور التي انفرد بها الخالق - عز وجل - .والمعنى : أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات التي دلت على وحدانية الله وقدرته ، وبلغفت بهم الجهالة أنهم يخضعون لبع المخلوقات خضوعهم لله بزعم أنها مشابهة ومماثلة ومناظرة له - سبحانه - في النفع والضر ، ويحبون تعظيم تلك المخلوقات وطاعتها والتقرب إليها والانقياد لها حبا يشابه الحب اللازم عليهم نحو الله - تعالى - أو يشابه حب المؤمنين لله ، و ( مِنَ ) في قوله : ( وَمِنَ الناس ) للتبعيض ، والجار والمجرور خبر مقدم و ( مِنَ ) في قوله : ( مَن يَتَّخِذُ ) في محل رفع مبتدأ مؤخر ، و " من دون الله ، حال من ضمير يتخذ و ( أَندَاداً ) مفعول به ليتخذ .قال الجمل : وجملة ( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله ) فيها ثلاثة أوجه :أحدها : أن تكون في محل رفع صفة لمن في أحد وجهيها ، والضمير المرفوع يعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ في يتخذ .والثاني : أن تكون في محل نصب صفة لأنداداً والضمير المنصوب يعود عليهم والمراد بهم الأصنام ، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم معالمة العقلاء .

أو أن يكون المراد بهم من عبد من دون الله عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم .الثالث : أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في يتخذ ، والضمير المرفوع عائد على ما عاد عليه الضمير في يتخذ وجمع حملا على المعنى .ثم مدح - سبحانه - عبادة المؤمنين فقالك ( والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ) .أي : والذين آمنوا وأخلصوا لله العبادة أشد حباً له - سبحانه - من كل ما سواه ، ومن حب المشركين للأنداد ، ذلك لأن حب المؤمنين لله متولد عن أدلة يقينية ، وعن علم تام ، ببديع حكمته - سبحانه - وبالغ حجته ، وسعة رحمته ، وعدالة أحكامه ، وعزة سلطانه ، وتفرده بالكمال المطلق ، والحب المتولد عن هذا الطريق يكون أشد من حب المشركين لمعبوداتهم لأن حب المشركين لمعبوداتهم متولد عن طريق الظنون والأوهام والتقاليد الباطلة .والتصريح بالأشدية في قوله : ( أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ) أبلغ من أن يقال أحب لله؟

إذ ليس المراد الزيادة في أصل الفعل - كما يقول الآلوسي - بل المراد الرسوخ والثبات .وقيل : عدل عن أحب إلى أشد حباً ، لأن " حب " شاع في الأشد محبوبية فعدل عنه احترازاً عن اللبس .ولقد ضرب المؤمنون الصادقون أروع الأمثال في حبهم لله - تعالى - لأنهم ضحوا في سبيله بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم وأغلى شيء لديهم ، ولأنهنم لم يعرفوا عملا يرضيه إلا فعلوه ، ولم يعرفوا عملا يغضبه إلا اجتبوه .ثم أخبر - سبحانه - عما ينتظر الظالمين من سوء المصير فقال : ( وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب ) ( لَوْ ) شرطية ، وجوابها محذول لقصد التهويل ولتذهب النفس في تصويرها كل مذهب و ( القوة ) القدرة والسلطان .والمعنى : ولو يرى أولئك المشركون حين يشاهدون العذاب المعدلهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده ، وأن عذابه الذي يصيب به المتخطبين في ظلمات الشرك شديد ، لو يعلمون ذلك ، لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة ، ولوقعوا فيما لا يكاد يوصف من الحسرة والندامة .وكان الظاهر بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال : ولو يرون إذ يرون .

ولكن وضع الموصول وصلته موضع الضمير ، ليحضر في ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم الأنداد من الظالمين ، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم العظيم .وعبر بالماضي في قوله : ( إِذْ يَرَوْنَ العذاب ) لتحقق الوقوع ، ولك ما كان كذلك فإنه يجري مجري ما وقع وحصل .وجملة ( أَنَّ القوة للَّهِ جَمِيعاً ) سدت مسد مفعولي يرى ، وانتصب لفظ ( جَمِيعاً ) على التوكيد للقوة .

أي .

جميع جنس القوة ثابت لله ، وهو مبالغة في عدم الاعتداد بقوة غيره ، فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق في قوله : ( الحمد للَّهِ ) وجملة ( وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب ) معطوفة على ما قبلها ، وفائدتها المبالغة في تفظيع الخطب ، وتهويل الأمر ، فإن اختصاص القوة به - تعالى - لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه .هذا ، وقد قرأ نافع وابن عمر " ولو ترى " بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب .أي : لو ترى ذلك أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب لرأيت أمراً عظمياً في الفظاعة والهول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر: وبضدها تتبين الأشياء، وقالوا أيضاً النعمة مجهولة، فإذا فقدت عرفت، والناس لا يعرفون قدر الصحة، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النعم، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية، وهنا مسائل: المسألة الأولى: أما الند فهو المثل المنازع، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال.

أحدها: أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أنداداً لله، أو المعنى: إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة.

وثانيها: إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، عن السدي، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله ﴾ الهاء والميم فيه ضمير العقلاء.

الثاني: أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع.

الثالث: أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا  ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالاً لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى.

القول الثالث: في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله ﴾ فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم فلابد من محذوف، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو جميع ذلك، وقوله: ﴿ كَحُبّ الله ﴾ فيه ثلاثة أقوال: قيل فيه كحبهم لله، وقيل فيه: كالحب اللازم عليهم لله، وقيل فيه: كحب المؤمنين لله، وإنما اختلفوا هذا الإختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا؟

فمن قال: كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول الأول أقرب لأن قوله: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله ﴾ راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم، وظاهر قوله: ﴿ كَحُبّ الله ﴾ يقتضي حباً لله ثابتاً فيهم، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد، ونبه على دلائله، ثم حكى قول من يشرك معه، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى.

فإن قيل: العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع، ولا تضر، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تعقل، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعاً مدبراً حكيماً ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى، وأيضاً فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ وإذا كان كذلك، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى، فكيف يعقل الإستواء في الحب مع هذا القول، قلنا قوله: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله ﴾ أي في الطاعة لها، والتعظيم لها، فالإستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه.

أما قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى، اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى، والقرآن ناطق به، كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  ﴾ وكذا الأخبار، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟

فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟

فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

فقال: «ما أعددت لها؟» فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب» فقال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك، وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر، وقد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى؟

فقالوا: الخوف من النار، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام؟

قالوا؛ الشوق إلى الجنة، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً، كأن وجوههم المرايا من النور، فقال: كيف بلغتم إلى هذه الدرجة، قالوا: بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام: «أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة»، وعند السدي قال: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال: يا أمة موسى، ويا أمة عيسى، ويا أمة محمد، غير المحبين منهم، فإنهم ينادون: يا أولياء الله، وفي بعض الكتب: عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.

واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة، لكنهم اختلفوا في معناها، فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته، فإذا قلنا: نحب الله، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته، أو نحب ثوابه وإحسانه، وأما العارفون فقد قالوا: العبد قد يحب الله تعالى لذاته، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها، والكمال أيضاً محبوب لذاته، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا: لم تكتسبون؟

قلنا: لنجد المال، فإن قيل: ولم تطلبون المال؟

قلنا: لنجد به المأكول والمشروب، فإن قالوا: لم تطلبون المأكول والمشروب؟

قلنا: لتحصل اللذة ويندفع الألم، فإن قيل لنا: ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم؟

قلنا: هذا غير معلل، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوباً لأجل شيء آخر، لزم إما التسلسل، وإما الدور، وهما محالان، فلابد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوباً لذاته، وإذا أثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها، والألم مطلوب الدفع لذاته، لا لسبب آخر، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم، واستفنديار، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوباً لذاته، إذا ثبت هذا فنقول: الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته، أو على محبة ثوابه، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته، أما العارفون الذين قالوا: إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى، فإنه لوجوب وجوده: غنى عن كل ما عداه، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى، وأنه محبوب في ذاته ولذاته، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب، فنقول: العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم، كان علمه بكماله أتم، فكان له حبه أتم، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى، ثم تحدث هناك حالة أخرى، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى، كثر ترقيه في مقام محبة الله، فإذا كثر ذلك صار ذلك سبباً لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الإلتفات إلى ما عداه يشغله عن الإلتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله، ونفرته عما سواه على القلب، ويشتد كل واحد منهما بالآخر، إلى أن يصير القلب نفوراً عما سوى الله تعالى، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيراً بأنوار القدس، مستضيئاً بأضواء عالم العصمة فانياً عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية.

المسألة الثانية: في معنى الشوق إلى الله تعالى، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلاً، فلا يشتاق إليه، فإن لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين.

أحدهما: أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية.

والثاني: أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره، ولا سائر محاسنه، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط، والوجهان جميعاً متصوران في حق الله تعالى، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح، مشوب بشوائب الخيالات، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات، وهي مدركات للمعارف الروحانية، ولا يحصل تمام التجلي إلا في الآخرة، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا فهذا أحد نوعي الشوق فبما اتضح اتضاحاً.

والثاني: أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال يكون مشتاقاً إلى معرفتها، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة، ولا يتصور أن يكون في الدنيا، وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته، وحكمته في أفعاله، وهي غير متناهية، والإطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال، وقد عرفت حقيقة الشوق إلى الله تعالى، واعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان، والحرمان، والوصول، والصد آلاماً مخلوطة بلذات، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان، كانت أقوى، فيشبه أن يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر، فإن الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل، والبهائم لا تستعد لها أما البشر فهم المترددون بين جهتي السفالة والعلو.

المسألة الثالثة: في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حباً لله، أما المتكلمون فقالوا: إن حبهم لله يكون من وجهين.

أحدهما: أنه ما يصدر منهم من التعظيم، والمدح، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي من الاعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك.

والثاني: أن حبهم لله اقترن به الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق التخلص منه، ومن يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد، وأما العارفون فقالوا: المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية، وقد دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون محبتهم أشد، فإن قيل: كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حباً لله.

والجواب من وجوه: أحدها: أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة، وعند زوال الحاجة، يرجعون إلى الأنداد، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء والسراء والشدة والرخاء، والكافر قد يعرض عن ربه، فكان حب المؤمن أقوى.

وثانيها: أن من أحب غيره رضي بقضائه، فلا يتصرف في ملكه، فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه، وذلك في الجهاد.

وثالثها: أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب، فالذي فعلوه باطل.

ورابعها: قال ابن عباس: إن المشركين كانوا يعبدون صنماً، فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن.

وخامسها: أن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصناماً فتنقص محبة الواحد، أما الإله الواحد فتنضم محبة الجميع إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قراءة هذه الآية أبحاثاً: البحث الأول: قرأ نافع وابن عمر: (ولو ترى) بالتاء المنقوطة من فوق خطاباً للنبي عليه السلام، كأنه قال: لو ترى يا محمد الذين ظلموا، والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد، ثم قال بعضهم: هذه القراءة أولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار، ويعاينون من العذاب يوم القيامة، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك، فوجب إسناد الفعل إليهم.

البحث الثاني: اختلفوا في ﴿ يرون ﴾ فقرأ ابن عامر: (يرون) بضم الياء على التعدية وحجته قوله تعالى: ﴿ كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ ﴾ والباقون (يرون) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم.

البحث الثالث: اختلفوا في ﴿ أن ﴾ فقرأ بعض القراء (إن) بكسر الألف على الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها.

البحث الرابع: لما عرفت أن ﴿ يَرَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ قرئ تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت، وقوله: ﴿ أَنَّ القوة ﴾ قرئ تارة بفتح الهمزة من (أن) وأخرى بكسرها حصل هاهنا أربع احتمالات.

الاحتمال الأول: أن يقرأ ﴿ وَلَوْ يَرَى ﴾ بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من (أن) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير: ولو يرون أن القوة لله: ومعناه، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أنداداً فعلى هذا جواب (لو) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذَا وُقِفُواْ عَلَى النار  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال  ﴾ ويقولون: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذ منه، قالوا: وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد.

الاحتمال الثاني: أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من (إن) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا: إن القوة لله.

الاحتمال الثالث: أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع فتح الهمزة من (أن) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعاً.

الاحتمال الرابع: أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع كسر الهمزة، وتقديره: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعاً، وهذا أيضاً تأويل ظاهر جيد.

المسألة الثانية: إن قيل: كيف جاء قوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ وهو مستقبل مع قوله: ﴿ إِذْ يَرَوْنَ العذاب ﴾ و(إذ) للماضي؟

قلنا: إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب.

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ وقال: ﴿ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ  ﴾ وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة  ﴾ وقول المقيم: قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَندَاداً ﴾ أمثالاً من الأصنام.

وقيل من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم.

واستدلّ بقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ .

ومعنى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب ﴿ كَحُبّ الله ﴾ كتعظيم الله والخضوع له، أي كما يحب الله تعالى، على أنه مصدر من المبني للمفعول، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملبس.

وقيل: كحبهم الله، أي يسوُّون بينه وبينهم في محبتهم لأنهم كانوا يقرّون بالله ويتقرّبون إليه.

فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴿ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره؛ بخلاف المشركين فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ إشارة إلى متخذي الأنداد أي لو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أنّ القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم، ويعلمون شدّة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم، فحذف الجواب كما في قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ ﴾ [الأنعام: 27] ، وقولهم: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه.

وقرئ: ﴿ ولو ترى ﴾ بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً.

وقرئ: ﴿ إذ يرون ﴾ على البناء للمفعول.

وإذ في المستقبل كقوله: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ [الأعراف: 44] .

﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ﴾ بدل من ﴿ إِذْ يَرَوْنَ العذاب ﴾ أي تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء من الأتباع.

وقرأ مجاهد الأوّل على البناء للفاعل والثاني على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع من الرؤوساء ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب ﴾ والواو للحال، أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب ﴿ وَتَقَطَّعَتْ ﴾ عطف على تبرأ.

و ﴿ الأسباب ﴾ الوصل التي كانت بينهم: من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحاب، والأتباع، والاستتباع، كقوله: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ [الأنعام: 94] ﴿ لَوْ ﴾ في معنى التمني.

ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرّة، فنتبرأ منهم ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿ يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات ﴾ أي ندامات، وحسرات: ثالث مفاعيل أرى، ومعناه أنّ أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم ﴿ وَمَا هُم بخارجين ﴾ هم بمنزلته في قوله: همْ يَفْرِشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ في دلالته على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ مِنَ الأصْنامِ.

وقِيلَ مِنَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يُطِيعُونَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ أعَمُّ مِنهُما وهو ما يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ ﴿ يُحِبُّونَهُمْ ﴾ يُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم ﴿ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ كَتَعْظِيمِهِ والمَيْلِ إلى طاعَتِهِ، أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ، والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحُبِّ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ لِأنَّهُ أصابَها ورَسَخَ فِيها، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى إرادَةُ طاعَتِهِ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالِهِ في الطّاعَةِ، وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ لِأنَّهُ لا تَنْقَطِعُ مَحَبَّتُهم لِلَّهِ تَعالى، بِخِلافِ مَحَبَّةِ الأنْدادِ فَإنَّها لِأغْراضٍ فاسِدَةٍ مَوْهُومَةٍ تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، ولِذَلِكَ كانُوا يَعْدِلُونَ عَنْ آلِهَتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ.

﴿ وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ﴿ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ﴾ إذْ عايَنُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وأجْرى المُسْتَقْبَلَ مَجْرى الماضِي لِتَحَقُّقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ .

﴿ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿ يَرى ﴾ ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.

أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا إذا عايَنُوا العَذابَ لَنَدِمُوا أشَدَّ النَّدَمِ.

وقِيلَ هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْدادَهم لا تَنْفَعُ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ كُلِّها لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرَهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: و « لَوْ تَرى» عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ، أيْ ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتُ أمْرًا عَظِيمًا، وابْنُ عامِرٍ: « إذْ يُرَوْنَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ إنَّ بِالكَسْرِ وكَذا ﴿ وَأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ إضْمارِ القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن النّاس} أي ومع هذا البرهان النير من الناس {مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا} أمثالاً من الأصنام {يُحِبُّونَهُمْ} يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب {كَحُبّ الله} كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه وقيل يحبونهم كحب المؤمنين الله {والذين آمنوا أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} من المشركين لآلهتهم لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد

البقرة (١٦٥ _ ١٦٨)

فيفزعون إليه ويخضعون له {وَلَوْ يَرَى} ترى نافع وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً {الذين ظَلَمُواْ} إشارة إلى متخذي الأنداد {إِذْ يَرَوْنَ} يرون شامي {العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا} حال {وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب} شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة فحذف الجواب لأن لو إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب ولو يليها الماضى وكذا إذ وضعها لتدل على الماضى إنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ بَيانٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ - تَعالى - و ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَتَّخِذُ)، و( الأنْدادُ ) الأمْثالُ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ كَما هو الشّائِعُ في القُرْآنِ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهم طاعَةَ الأرْبابِ مِنَ الرِّجالِ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - ونُسِبَ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: المُرادُ أعَمُّ مِنهُما، وهو ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - والمَعْنى: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ ﴾ مُتَجاوِزِينَ الإلَهَ الواحِدَ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ أمْثالًا، فَلا يَقْصُرُونَ الطّاعَةَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بَلْ يُشارِكُونَهم إيّاهُ، وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ - تَعالى - بِالذّاتِ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ.

﴿ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ صِفَةُ الأنْدادِ، أوْ صِفَةً ( لِمَن ) إذا جَعَلْتَها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ وجْهِ الِاتِّخاذِ، و( المَحَبَّةُ ) مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحَبِّ واحِدِ الحُبُوبِ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ وسُوَيْدائِهِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ؛ لِأنَّهُ يُؤْثِّرُ في صَمِيمِ القَلْبِ ويَرْسُخُ فِيهِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لِلَّهِ - تَعالى - عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ، سَواءٌ قُلْنا إنَّها نَفْسُ المَيْلِ التّابِعِ لِاعْتِقادِ النَّفْعِ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ، أوْ صِفَةٌ مُرَجَّحَةٌ مُغايِرَةٌ لَهُ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالجائِزاتِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِذاتِهِ - تَعالى -، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لَهُ - سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ وتَحْصِيلُ مَراضِيهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى انْحِصارِ المَطْلُوبِ بِالذّاتِ في اللَّذَّةِ ورَفْعِ الألَمِ، والعارِفُونَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالُوا: إنَّ الكَمالَ أيْضًا مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فالعَبْدُ يُحِبُّ اللَّهَ - تَعالى - لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ الكامِلُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يُدانِي كَمالَهُ كَمالٌ، وأمّا مَحَبَّةُ خِدْمَتِهِ وثَوابِهِ فَمَرْتَبَةٌ نازِلَةٌ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ - تَعالى - لِلْعِبادِ صِفَةٌ لَهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - لا تَتَكَيَّفُ ولا يَحُومُ طائِرُ الفِكْرِ حَوْلَ حِماها، وقِيلَ: إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالُهُ في الطّاعَةِ وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي، والمُرادُ بِالمَحَبَّةِ هُنا التَّعْظِيمُ والطّاعَةُ؛ أيْ أنَّهم يُسَوُّونَ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأنْدادِ المُتَّخَذَةِ، فَيُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم كَما يُعَظِّمُونَ اللَّهَ - تَعالى - ويَمِيلُونَ إلى طاعَتِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى الأنْدادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِها الرُّؤَساءُ فَواضِحٌ، وإلّا فالتَّعْبِيرُ عَنْها بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ أنَّهم أنْدادُ اللَّهِ - تَعالى - والمَصْدَرُ المُضافُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وفاعِلِهِ ضَمِيرُهم بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِهِ - تَعالى - ويَلْجَئُونَ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ، ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ، وقِيلَ: وهو الخِلافُ الظّاهِرُ، وعُدُولٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿ يُحِبُّونَهُمْ ﴾ بَيانًا لِوَجْهِ الِاتِّخاذِ أنَّهُ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ، والمَعْنى عَلى تَشْبِيهِ مَحْبُوبِيَّةِ الأنْدادِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ بِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى - مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ ؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ إنَّما وقَعَ بَيْنَ المَحْبُوبَتَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَحْبُوبِيَّةُ الأصْنامِ مُماثِلًا لِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى -، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَحَبَّتَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ رُسُوخِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى، فَإنَّ المُرادَ بِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ شِدَّتُها في المَحَلِّ، وهو رُسُوخُها فِيهِمْ، وعَدَمُ زَوالِها عَنْهم بِحالٍ، لا كَمَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْدِلُونَ عَنْها إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَتَبَرَّءُونَ مِنها عِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا، ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ، ورُبَّما أكَلُوهُ - كَما يُحْكى: أنَّ باهِلَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ مِن حَيْسٍ، فَجاعُوا في قَحْطٍ أصابَهم فَأكَلُوها - ولِلَّهِ أبُوهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ مُشْرِكٌ بِآلِهَتِهِ كانْتِفاعِ هَؤُلاءِ بِها، فَإنَّهم ذاقُوا حَلاوَةَ الكُفْرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن شِدَّةِ المَحَبَّةِ شِدَّتَها وقُوَّتَها في نَفْسِها، لِيُرَدَّ أنّا نَرى الكُفّارَ يَأْتُونَ بِطاعاتٍ شاقَّةٍ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنها أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ مَحَبَّتَهم أشَدُّ مِن مَحَبَّتِهِمْ، ومِن هَذا ظَهَرَ وجْهُ اخْتِيارِ ﴿ أشَدُّ حُبًّا ﴾ عَلى أحَبَّ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الزِّيادَةَ في أصْلِ الفِعْلِ، بَلِ الرُّسُوخَ والثَّباتَ، وهو مِلاكُ الأمْرِ؛ ولِهَذا نَزَلَ: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ وكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أدْوَمَها، وقالَ العَلّامَةُ: عَدَلَ عَنْ ( أحَبَّ ) إلى (أشَدَّ)؛ لِأنَّهُ شاعَ في الأشَدِّ مَحْبُوبِيَّةٌ، فَعَدَلَ عَنْهُ احْتِرازًا عَنِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّ أحَبَّ أكْثَرُ مِن حَبَّ، فَلَوْ صِيغَ مِنهُ ( أفْعَلَ ) لَتَوَهَّمَ أنَّهُ مِنَ المَزِيدِ.

﴿ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: لَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالِاتِّخاذِ المَذْكُورِ؛ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ ( الِاتِّخاذَ ) ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وأنَّ اتِّصافَ المُتَّخِذِينَ بِهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ؛ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِمُطْلَقِ الظُّلْمِ، والمَوْصُولُ والصِّلَةُ لِلْإشْعارِ بِسَبِبِ ( رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ ) المَفْهُومَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ﴾ أيْ: عايَنُوا العَذاب المُعَدَّ لَهم وأبْصَرُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوْرَدَ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ ( لَوْ ) و( إذا ) المُخْتَصَّيْنِ بِالماضِي لَتَحَقُّقِ مَدْلُولِهِ، فَيَكُونُ ماضِيًا تَأْوِيلًا مُسْتَقْبَلًا تَحْقِيقًا، فَرُوعِيَ الجِهَتانِ.

﴿ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ سادَ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ أيْ: لَوَقَعُوا مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ فِيما لا يَكادُ يُوصَفُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ، والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أنْدادَهم لا تَنْفَعُ لَعَلِمُوا ﴿ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرُهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: ( تَرى ) عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، فالجَوابُ حِينَئِذٍ: ( لَرَأيْتَ أمْرًا لا يُوصَفُ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ )، وابْنُ عامِرٍ: ( إذْ يُرَوْنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ: ( إنَّ ) بِالكَسْرِ، وكَذا ﴿ وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ إضْمارِ القَوْلِ؛ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعُ الأمْرِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ ( القُوَّةَ ) بِهِ تَعالى لا يُوجِبُ شِدَّةَ ( العَذابِ ) لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، يعني بعض الناس وصفوا لله شركاء وأعدالاً وهي الأوثان.

يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، قال بعضهم: معناه يحبون الأوثان كحبهم لله تعالى، لأنهم كانوا يقرون بالله تعالى.

وقال بعضهم: معناه، يحبون الأوثان كحب المؤمنين لله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، لأن الكفار يعبدون أوثانهم في حال الرخاء، فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها والمؤمنون يعبدون الله تعالى في حال الرخاء والشدة، فهذا معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.

فإن قيل: إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؟

قيل له: يحتمل أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حباً، وفي أول الآية ذكر بعض المؤمنين، وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حباً لله.

والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حباً له.

كما قال القائل: لَوْ كَانَ حُبُّكَ صادقا لأطعته ...

إن المحب لِمَنْ يُحْبُّ مُطِيعُ ثم قال لمحمد  : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يا محمد.

إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ، يعني حين يرون العذاب.

أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، وفي الآية مضمر ومعناه: يا محمد لو رأيت الذين ظلموا في العذاب، لرأيت أمراً عظيماً كما تقول: لو رأيت فلاناً تحت السياط فيستغني عن الجواب، لأن معناه مفهوم.

فكذلك هاهنا لم يذكر الجواب، لأن المعنى معلوم.

قرأ نافع وابن عامر: وَلَوْ تَرَى بالتاء على معنى المخاطب للنبي  .

وقرأ الباقون: بالياء ومعناه ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة، أن الأوثان لا تنفعهم شيئاً وأن القوة لله جميعاً، تركوا عبادتها.

وقرأ ابن عامر إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون بنصب الياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الحسن وقتادة: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً على معنى الابتداء، وقرأ العامة أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ بالنصب على معنى البناء، يعني بأن القوة لله جميعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، يعني للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان.

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا، يعني القادة مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وهم السفلة وَرَأَوُا الْعَذابَ، يقال حين يروا العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا.

وقال القتبي: الأسباب يعني الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا.

وقال بعضهم وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، أي الخلة والمواصلة، كما قال في آية أخرى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ويقال: الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما بينهم.

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي السفلة: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، أي رجعة إلى الدنيا وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا منهم ولا ينفعونهم شيئاً، ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في أنفسهم: لو أن لنا كَرَّةً أي رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، أي من القادة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا القادة.

قال الله تعالى: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ لأنهم يرون أعمالهم غير مقبولة، لأنها كانت لغير وجه الله تعالى فيكون ذلك حسرة عليهم.

وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ، يعني التابع والمتبوع والعابد والمعبود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ» ، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «١» ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «٢» : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع.

وَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ...

الآية: النّدّ: النظير،

والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «١» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق.

وقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ» : مضمَرٌ على التقديرين «٢» ، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ علم

ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته.

وقرأ حمزةُ وغيره «١» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله.

والَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم.

والسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع.

والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ...

الآيةَ: يحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ .

وَفِي الأنْدادِ قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في أوَّلِ السُّوَرَةِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: يُحِبُّونَهم كَحُبِّ الَّذِينَ آَمَنُوا لِلَّهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ.

والثّانِي: يُحِبُّونَهم كَمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، أيْ: يُسَوُّونَ بَيْنَ الأوْثانِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في المَحَبَّةِ.

هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والدَّلِيلُ عَلى نَقْضِهِ قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَرى) بِالياءِ، ومَعْناهُ: لَوْ يَرَوْنَ عَذابَ الآخِرَةِ؛ لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: (وَلَوْ تَرى) بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ.

وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتُمْ أمْرًا عَظِيمًا، كَما تَقُولُ: لَوْ رَأيْتُ فُلانًا والسِّياطُ تَأْخُذُهُ.

وإنَّما حُذِفَ الجَوابُ، لِأنَّ المَعْنى واضِحٌ بِدُونِهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنَّما قالَ: "إذْ" ولَمْ يَقُلْ: "إذا" وإنْ كانَتْ "إذْ" لِما مَضى، لِإرادَةِ تَقْرِيبِ الأمْرِ، فَأتى بِمِثالِ الماضِي، وإنَّما حُذِفَ جَوابُ "لَوْ" لِأنَّهُ أفْخَمُ، لِذَهابِ المُتَوَعِّدِ إلى كُلِّ ضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، (إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ) و: (إنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَلا يَحْزُنَكَ ما تُرى مِن مَحَبَّتِهِمْ أصْنامَهم (إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُوَّةُ: القُدْرَةُ، والمَنعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللهِ شَدِيدُ العَذابَ ﴾ ﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النارِ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الوَحْدانِيَّةَ، ثُمَّ الآياتِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا واحِدًا، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الجاحِدِينَ الضالِّينَ تَعَجُّبًا مِن سُوءِ ضَلالِهِمْ مَعَ الآياتِ، لِأنَّ المَعْنى: إنَّ في هَذِهِ الأُمُورِ لَآياتٌ بَيِّنَةٌ، "وَمِنَ الناسِ" -مَعَ ذَلِكَ البَيانِ- " مَن يَتَّخِذُ ".

وخَرَجَ "يَتَّخِذُ" مُوَحَّدًا عَلى لَفْظِ "مَن" والمَعْنى جَمْعُهُ.

و"مِن دُونِ" لَفْظٌ يُعْطِي غَيْبَةَ ما تُضافُ إلَيْهِ "دُونِ" عَنِ القَضِيَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ وتَفْسِيرُ "دُونِ" بِسِوى، أو بِغَيْرِ، لا يَطَّرِدُ.

والنِدُّ: النَظِيرُ والمُقاوِمُ والمُوازِي، كانَ ضِدًّا، أو خِلافًا، أو مَثَلًا، إذا قاوَمَ مِن جِهَةٍ فَهو مِنها نِدٌّ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِالأنْدادِ الأوثانُ.

وجاءَ ضَمِيرُها في " يُحِبُّونَهم " ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ، لَمّا نَزَلَتْ بِالعِبادَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِالأنْدادِ الرُؤَساءُ المُتَّبَعُونَ، يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللهِ تَعالى.

و" يُحِبُّونَهم " في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِلْأنْدادِ، أو عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في "يَتَّخِذُ"، أو يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لـ "مَن"، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "مَن" نَكِرَةً.

والكافُ مِن "كَحُبِّ" في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و"حُبِّ": مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ في اللَفْظِ، وهو عَلى التَقْدِيرِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: كَحُبِّهِمْ.

أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَ مَحَبَّةِ اللهِ ومَحَبَّةِ الأوثانِ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لِإخْلاصِهِمْ وتَيَقُّنِهِمُ الحَقَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا )، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"أنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، و"أنِ" الأُخْرى كَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وتَقْدِيرُ ذَلِكَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، وفَزَعِهِمْ مِنهُ، واسْتِعْظامِهِمْ لَهُ، لَأقَرُّوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، فالجَوابُ مُضْمَرٌ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ المَعْنى، وهو العامِلُ في "أنَّ".

وتَقْدِيرٌ آخَرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، وفَزَعِهِمْ مِنهُ، لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وقَدْ كانَ النَبِيُّ  عَلِمَ ذَلِكَ، ولَكِنْ خُوطِبَ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ إلى تَقْوِيَةِ عِلْمِهِ بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذا.

وتَقْدِيرٌ ثالِثٌ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ -لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ- لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَكالِ، ولاسْتَعْظَمْتَ ما حَلَّ بِهِمْ، فاللامُ مُضْمَرَةٌ قَبْلَ "أنْ" فَهي مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ حُذِفَ جَوابُ "لَوَ" مُبالَغَةً، لِأنَّكَ تَدَعُ السامِعَ يَسْمُو بِهِ تَخَيُّلَهُ، ولَوْ شَرَحْتَ لَهُ، لَوَطَنَتْ نَفْسُهُ إلى ما شَرَحَتْ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "تَرى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن "إنَّ"، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، لاسْتَعْظَمْتَ ما حَلَّ بِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ ﴾ .

وتَأْوِيلٌ آخَرُ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ يَقُولُونَ: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لاسْتَعْظَمْتَ حالَهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ "يَرى" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ وفَتْحِ الألْفِ مِن "أنَّ".

تَأْوِيلُهُ: ولَوْ يَرى في الدُنْيا الَّذِينَ ظَلَمُوا حالَهم في الآخِرَةِ، إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ.

وتَأْوِيلٌ آخَرُ، رُوِيَ عَنِ المُبَرِّدِ والأخْفَشِ: ولَوْ يَرى -بِمَعْنى يَعْلَمُ- الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، لاسْتَعْظَمُوا ما حَلَّ بِهِمْ، فَـ "يَرى" عامِلٌ في "أنَّ" وسَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ البَصَرِ، والتَقْدِيرُ في قِراءَةِ الياءِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وحُذِفَ جَوابُ "لَوَ" لِلْمُبالَغَةِ، ويَعْمَلُ في "أنَّ" الفِعْلُ الظاهِرُ، وهو أرْجَحُ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مُقَدَّرًا.

وَدَخَلَتْ "إذْ" وهي لَما مَضى في أثْناءِ هَذِهِ المُسْتَقْبِلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ، وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ، كَما يَقَعُ الماضِي مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ و ﴿ أتى أمْرُ اللهِ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الأشْتَرِ النَخْعِيِّ: بَقَّيْتُ نَفْسِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهٍ عَبُوسِ وقَرَأتْ طائِفَةٌ "يَرى" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وكَسْرِ الألْفِ مِن "إنَّ"، وذَلِكَ إمّا عَلى حَذْفِ الجَوابِ وابْتِداءِ الخَبَرِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: لَقالُوا: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يَرَوْنَ" بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.

وثَبَتَتْ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ القُوَّةُ لِلَّهِ، بِخِلافِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، في نَفْيِهِمْ مَعانِي الصِفاتِ القَدِيمَةِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: " الَّذِينَ اتُّبِعُوا " كُلُّ مَن عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشَياطِينُ المُضِلُّونَ، وقالَ الرَبِيعُ، وعَطاءٌ: هم رُؤَساؤُهم.

ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.

و"إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ "شَدِيدُ العَذابِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها اذْكُرْ.

و" الَّذِينَ اتُّبِعُوا " بِفَتْحِ الباءِ- هُمُ العَبَدَةُ لِغَيْرِ اللهِ، والضالُّونَ المُقَلِّدُونَ لِرُؤَسائِهِمْ أو لِلشَّياطِينِ.

وتَبْرِيرُهم هو بِأنْ قالُوا: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ، وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلى المُتَّبَعِينَ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى المُضِلِّينَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ بِتَقْدِيمِ الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى المُتَّبِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، وتَأْخِيرِ المُسْنَدِ إلى المُتَّبَعِينَ.

والسَبَبُ في اللُغَةِ: الحَبْلُ الرابِطُ المُوصِلُ، فَيُقالُ في كُلِّ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ فَيْصَلٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأسْبابُ هُنا الأرْحامُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي العُهُودُ، وقِيلَ: المَوَدّاتُ، وقِيلَ: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُنْيا.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسُدِّيُّ: هي الأعْمالُ إذْ أعْمالُ المُؤْمِنِينَ كالسَبَبِ في تَنْعِيمِهِمْ، فَتَقَطَّعَتْ بِالظالِمِينَ أعْمالُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى وقالَ الأتْباعُ الَّذِينَ تُبُرِّئَ مِنهُمْ: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهُمْ، والكَرَّةُ العَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ولَقَدْ عَطَفْنَ عَلى فَزارَةَ عَطْفَةً ∗∗∗ كَرَّ المَنِيحِ، وجُلْنَ ثُمَّ مَجالًا والمَنِيحُ هُنا أحَدُ الأغْفالِ مِن سِهامِ المَيْسِرِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا خَرَجَ مِنَ الرَبابَةِ رَدَّ لِفَوْرِهِ لِأنَّهُ لا فَرْضَ فِيهِ، ولا حُكْمَ عنهُ.

والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ، إمّا لِمَصْدَرٍ أو لِحالٍ تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما، والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ﴾ ، قِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هي كافُ تَشْبِيهٍ مُجَرَّدَةٌ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِهِمْ وقْتَ تَمَنِّيهِمُ الكَرَّةَ.

والرُؤْيَةُ في الآيَةِ هي مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ.

و"أعْمالَهُمْ" قالَ الرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: الفاسِدَةُ الَّتِي ارْتَكَبُوها فَوَجَبَتْ لَهم بِها النارُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والسُدِّيُّ: المَعْنى: الصالِحَةُ الَّتِي تَرَكُوها فَفاتَتْهُمُ الجَنَّةُ، ورُوِيَتْ في هَذا القَوْلِ أحادِيثُ.

وأُضِيفَتْ هَذِهِ الأعْمالُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مَأْمُورُونَ بِها، وأمّا إضافَةُ الفاسِدَةِ فَمِن حَيْثُ عَمِلُوها.

وَ"حَسَراتٍ" حالٌ عَلى أنْ تَكُونَ الرُؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، ومَفْعُولٌ عَلى أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، والحَسْرَةُ أعْلى دَرَجاتِ النَدامَةِ والهَمِّ بِما فاتَ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَيْءِ الحَسِيرِ الَّذِي قَدِ انْقَطَعَ وذَهَبَتْ قُوَّتُهُ كالبَعِيرِ والبَصَرِ، وقِيلَ: هي مِن حَسْرٍ إذا كَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «يَحْسَرُ الفُراتُ عن جَبَلٍ مِن ذَهَبٍ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على إن في خلق السموات والأرض ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله والذين ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 164] الخ لأن تلك الجملة تضمنت أن قوماً يعقلون استدلوا بخلق السموات والأرض وما عطف عليه على أن الله واحد فوحدوه، فناسب أن يعطف عليه شأن الذين لم يهتدوا لذلك فاتخذوا لأنفسهم شركاء مع قيام تلك الدلائل الواضحة، فهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله هم المتحدث عنهم آنفاً بقوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ﴾ [البقرة: 161] الآيات.

وقوله: ﴿ ومن الناس ﴾ خبر مقدم وقد ذكرنا وجه الإخبار به وفائدة تقديمه عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ [البقرة: 8] وعطفُه على ذكر دلائل الوحدانية وتقديمُ الخبر وكونُ الخبر ﴿ من الناس ﴾ مؤذن بأنه تعجبٌ من شأنهم.

و ﴿ مَنْ ﴾ في قوله: ﴿ من يتخذ ﴾ ما صدْقُها فريق لا فرد بدليل عود الضمير في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ .

والمراد بالأنداد الأمثال في الألوهية والعبادة، وقد مضى الكلام على النِّد بكسر النون عند قوله تعالى: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 22].

وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ معناه مع الله لأن كلمة دون تؤذن بالحيلولة لأنها بمعنى وراء فإذا قالوا اتخذه دون الله فالمعنى أنه أفرده وأعرض عن الله وإذا قالوا اتخذه من دون الله فالمعنى أنه جعله بعض حائل عن الله أي أشركه مع الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عن الله في أوقات الشغل بعبادة ذلك الشريك.

وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ خال من ضمير ﴿ يتخذ ﴾ ، وقوله: ﴿ يحبونهم ﴾ بدل من ﴿ يتخذ ﴾ بدل اشتمال، لأن الاتخاذ يشتمل على المحبة والعبادة، ويجوز كونه صفة لمَن، وجوِّز أن يكون صفة لأنداداً لكنه ضعيف لأن فيه إيهام الضمائر لاحتمال أن يفهم أن المحب هم الأنداد يحبون الذين اتخذوهم، والأظهر أن يكون حالاً من (مَن) تفظيعاً لحالهم في هذا الاتخاذ وهو اتخاذ أنداد سووها بالله تعالى في محبتها والاعتقاد فيها.

والمراد بالأنداد هنا وفي مواقعه من القرآن، الأصنام لا الرؤساء كما قيل، وعاد عليهم ضمير جماعة العقلاء المنصوب في قوله: ﴿ يحبونهم ﴾ لأن الأصنام لما اعتقدوا ألوهيتها فقد صارت جديرة بضمير العقلاء على أن ذلك مستعمل في العربية ولو بدون هذا التأويل، والمحبة هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو مَيل النفس إلى الحَسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق أو موهوم لعدم انحصار المحبة في ميل النفس إلى المرئيات خلافاً لبعض أهل اللغة فإن الميل إلى الخُلُق (بضم الخاء) الحسن وإلى الفعل الحسن والكمال، محبة أشد من محبة محاسن الذات فتشترك هذه المعاني في إطلاق اسم المحبة عليها باعتبار الحاصل في النفس وقطع النظر عن سبب حصوله.

فالتحقيق أن الحب يتعلق بذِكر المرء وحصول النفععِ منه وحُسْن السمعة وإن لم يره فنحن نحب الله لما نعلمه من صفات كماله ولما يصلنا من نعمته وفضله ورحمته، ونحب رسوله لما نعلم من كماله ولِما وصل إلينا على يديه ولما نعلم من حرصه على هدينا ونجاتنا، ونحب أجدادنا، ونحب أسلافنا من علماء الإسلام، ونحب الحكماء والمصلحين من الأولين والآخرين، ولله در أبي مدين في هذا المعنى: وكم من محب قد أحب وما رأى *** وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى وبضد ذلك كله تكون الكراهية.

ومن الناس من زعم أن تعلق المحبة بالله مجاز مرسل في الطاعة والتعظيم بعلاقة اللزوم لأن طاعة المحب للمحبوب لازم عرفي لها قال الجَعْدي: لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع أو مجاز بالحذف، والتقدير: يحبون ثواب الله أو نعمته لأن المحبة لا تتعلق بذات الله، إما لأنها من أنواع الإرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بالجائزات وهو رأى بعض المتكلمين، وإما لأنها طلب الملائم.

واللذة لا تحصل بغير المحسوسات وكلا الدليلين ظاهر الوهن كما بينه الفخر، وعلى هذا التفصيل بين إطلاقي المحبة هنا يكون التشبيه راجعاً إلى التسوية في القوة ومنهم من جعل محبة الله تعالى مجازاً وجعلها في قوله: ﴿ يحبونهم ﴾ أيضاً مجازاً وعلى ذلك درج في «الكشاف» وكان وجهه أن الأصل في تشبيه اسم بمثله أن يكون تشبيه فرد من الحقيقة بآخر منها.

وقد علمت أنه غير متعين.

وقوله: ﴿ كحب الله ﴾ مفيد لمساواة الحبين؛ لأن أصل التشبيه المساواة وإضافة حب إلى اسم الجلالة من الإضافة إلى المفعول فهو بمنزلة الفعل المبني إلى المجهول.

فالفاعل المحذوف حذف هنا لقصد التعميم أي كيفما قدرت حب محب لله فحب هؤلاء أندادهم مساو لذلك الحب، ووجه هذا التعميم أن أحوال المشركين مختلفة، فمنهم من يعبد الأنداد من الأصنام أو الجن أو الكواكب ويعترف بوجود الله ويسوي بين الأنداد وبينه، ويسميهم شركاء أو أبناء لله تعالى، ومنهم من يجعل لله تعالى الإلهية الكبرى ويجعل الأنداد شفعاء إليه، ومنهم من يقتصر على عبادة الأنداد وينسى الله تعالى قال تعالى: ﴿ نسوا فأنساهم أنفسهم ﴾ [الحشر: 19]، ومن هؤلاء صابئة العرب الذين عبدوا الكواكب، ولله تعالى محبون من غير هؤلاء ومن بعض هؤلاء، فمحبة هؤلاء أندادهم مساوية لمحبة محبي الله إياه أي مساوية في التفكير في نفوس المحبين من الفريقين فيصح أن تقدر يحبونهم كما يحب أن يحب الله أو يحبونهم كحب الموحدين لله إياه أو يحبونهم كحبهم الله، وقد سلك كل صورة من هذه التقادير طائفة من المفسرين، والتحقيق أن المقدر هو القدر المشترك وهو ما قدرناه في أول الكلام.

واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ بَأَبَتتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [مريم: 42] مع ما في هذه الحال من زيادة موجب الإنكار.

وقوله: ﴿ والذين أمنوا أشد حباً لله ﴾ أي أشد حبّاً لله من محبة أصحاب الأنداد أندادهم، على ما بلغوا من التصلب فيها، ومن محبة بعضهم لله ممن يعترف بالله مع الأنداد، لأن محبة جميع هؤلاء المحبين وإن بلغوا ما بلغوا من التصلب في محبوبيهم لمَّا كانت محبة مجردة عن الحجة لا تبلغ مبلغ أصحاب الاعتقاد الصميم المعضود بالبرهان، ولأن إيمانهم بهم لأغراض عاجلة كقضاء الحاجات ودفع الملمات بخلاف حب المؤمنين لله فإنه حب لذاته وكونِه أهلاً للحب ثم يتبع ذلك أغراض أعظمها الأغراض الآجلة لرفع الدرجات وتزكية النفس.

والمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيراً ما كانوا يُعرضون عنها إذا لم يجدوا منها ما أمَّلوه.

فمورد التسوية بين المحبتين التي دل عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا، لأن التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها، والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة وعدم تزلزلها، وهذا مأخوذ من كلام «الكشاف» ومصرح به في كلام البيضاوي مع زيادة تحريره، وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين وبعض شراح «الكشاف».

روي أن امرأَ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حُجْراً ملكَهم مر على ذي الخُلَصة الصَّنم الذي كان بتَبَالَة بين مكة واليَمننِ فاستقسم بالأزلام التي كانت عند الصَّنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات () فكَسَر تلك القِداح ورمى بها وجه الصَّنم وشتمه وأنشد: لو كنتَ ياذَا الخلص المَوْتُورا *** مِثلي وكانَ شيخك المقبورا لم تَنْه عن قتل العُداة زورَا *** ثم قصد بني أسد فظفِر بهم.

ورُوي أن رجلاً من بني مَلْكَان جاء إلى سَعْد الصَّنم بساحل جُدَّةَ وكان معه إبل فنفرت إبله لما رأت الصَّنم () فغضب المَلْكاني على الصَّنم ورماه بحجَر وقال: أتينَا إلى سَعْد ليَجْمَع شملنا *** فشتَّتنَا سَعْد فما نَحْنُ من سَعْد وهلْ سَعْدٌ إلاَّ صَخْرَةٌ بتَنَوفَة *** من الأرض لا تدعو لِغيَ ولا رُشد وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة ﴿ أشد ﴾ قال التفتزاني: آثر ﴿ أشدُّ حباً ﴾ على أحَبُّ لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول: هو أحب إلي، وفي القرآن: ﴿ قل إن كان أباءكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ﴾ [التوبة: 24] الخ.

يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلاً بمواقع نفياً للبس فقالوا: أحب وهو محب وأشد حباً وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضاً.

عطف على قوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ ﴾ وذلك أن قوله ذلك لما كان شرحاً لحال ضلالهم الفظيع في الدنيا من اتخاذ الأنداد لله مع ظهور أدلة وحدانيته حتى كان قوله: ﴿ ومن الناس ﴾ مؤذناً بالتعجيب من حالهم كما قدمنا، وزيد في شناعته أنهم اتخذوا لله أنداداً وأحبوها كحبه، ناسب أن ينتقل من ذلك أي ذكر عاقبتهم من هذا الصنيع ووصف فظاعة حالهم في الآخرة كما فظع حالهم في الدنيا.

قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ﴿ ولو يرى ﴾ بتاء فوقية وهو خطاب لغير معين يعم كل من يسمع هذا الخطاب، وذلك لتناهي حالهم في الفظاعة والسوء، حتى لو حضرها الناس لظهرت لجميعهم ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم (فالذين ظلموا) مفعول (ترى) على المعنيين، و(إذ) ظرف زمان، والرؤية بصرية في الأول والثاني لتعلقها في الموضعين بالمرئيات، ولأن ذلك مورد المعنى، إلاّ أن وقت الرؤيتين مختلف، إذ المعنى لو تراهم الآن حين يرون العذاب يوم القيامة، أي لو ترى الآن حالهم، وقرأه الجمهور ﴿ يرى الذين ظلموا بالتحتية فيكون الذين ظلموا ﴾ فاعل ﴿ يرى ﴾ والمعنى أيضاً لو يرون الآن، وحذف مفعول ﴿ يرى ﴾ لدلالة المقام، تقديره لو يرون عذابهم أو لو يرون أنفسهم أو يكون (إذ) اسماً غير ظرف أي لو ينظرون الآن ذلك الوقت فيكون بدل اشتمال من ﴿ الذين ظلموا ﴾ .

و ﴿ الذين ظلموا ﴾ هم الذين اتخذوا من دون الله أنداداً فهو من الإظهار في مقام الإضمار ليكون شاملاً لهؤلاء المشركين وغيرهم، وجعل اتخاذهم الأنداد ظلماً لأنه اعتداء على عدة حقوق فقد اعتدوا على حق الله تعالى من وجوب توحيده، واعتدوا على من جعلوهم أنداداً لله على العقلاء منهم مثل الملائكة وعيسى، ومثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فقد ورد في «الصحيح» عن ابن عباس أنهم كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح فلما ماتوا اتخذ قومهم لهم تماثيل ثم عبدوها، ومثل (اللات) يزعم العرب أنه رجل كان يلت السويق للحجيج وأن أصله اللات بتشديد التاء، فبذلك ظلموهم إذ كانوا سبباً لهول يحصل لهم من السؤال يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [المائدة: 116] وقال: ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهوؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ [سبأ: 40] الآية وقال: ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هئلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ [الفرقان: 17] الآية، وظلموا أنفسهم في ذلك بتعريضها للسخرية في الدنيا وللعذاب في الآخرة وظلموا أعقابهم وقومهم الذين يتبعونهم في هذا الضلال فتمضي عليه العصور والأجيال، ولذلك حذف مفعول ﴿ ظلموا ﴾ لقصد التعميم، ولك أن تجعل ﴿ ظلموا ﴾ بمعنى أشركوا كما هو الشائع في القرآن قال تعالى عن لقمان: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13] وعليه فالفعل منزَّل منزلة اللازم لأنه صار كاللقب.

وجملة: ﴿ والذين أمنوا أشد حباً لله ﴾ معترضة والغرض منها التنويه بشأن الذين آمنوا بأن حبهم لله صار أشد من حبهم الأنداد التي كانوا يعبدونها وهذا كقول عُمر بن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم " لأنت أَحب إليّ من نفسي التي بين جنبيّ ".

وتركيب ﴿ لو ترى ﴾ وما أشبهه نحو لو رأيتَ من التراكيب التي جرت مجرى المثل فبنيت على الاختصار وقد تكرر وقوعها في القرآن.

وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف لقصد التفخيم وتهويل الأمر لتذهب النفس في تصويره كل مذهب ممكن ونظيره ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمَرَات الموت ﴾ [الأنعام: 93] ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ [الأنعام: 27] ﴿ ولو أن قرءاناً سيرت به الجبال ﴾ [الرعد: 31]، قال المرزوقي عند قول الشَّمَيْذَرِ الحارثي: وقد ساءني ما جرَّتتِ الحرب بيننا *** بنِي عَمِّنا لو كان أمراً مُدَانِيا «حَذْفُ الجواب في مثل هاته المواضع أبلغ وأدل على المراد بدليل أن السيد إذا قال لعبده لئن قمتُ إليك ثم سكتَ تزاحم على العبد من الظنون المعترضة للتوعد ما لا يتزاحم لو نص على ضرببٍ من العذاب»، والتقدير على قراءة نافع وابن عامر لرأيتَ أمراًعظيماً وعلى قراءة الجمهور لرأوا أمراً عظيماً.

وقوله: ﴿ أن القوة ﴾ قرأَه الجمهور بفتح همزة أَنَّ وهو بدل اشتمال من ﴿ العذاب ﴾ أو من ﴿ الذين ظلموا ﴾ فإن ذلك العذاب من أحوالهم، ولا يضر الفصل بين المبدل منه والبدل لطول البدل، ويجوز أن يكون على حذف لام التعليل والتقدير لأن القوة لله جميعاً والتعليل بمضمون الجواب المقدر أي لرأيت ما هو هائل لأنه عذاب الله ولله القوة جميعاً.

﴿ وجميعاً ﴾ استعمل في الكثرة والشدة فقوة غيره كالعدم وهذا كاستعمال ألفاظ الكثرة في معنى القوة وألفاظ القلة في معنى الوهن كما في قول تأبط شراً: قليلُ التشكي للمُلِمِّ يصيبُه *** كثيرُ الهوى شتَّى النَّوى والمسالك أراد شديد الغرام.

وقرأه أبو جعفر ويعقوب ﴿ إِن القوة ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف البياني كأن سائلاً قال: ماذا أرى وما هذا التهويل؟

فقيل: إن القوة ولا يصح كونها حينئذٍ للتعليل التي تغني غناء الفاء كما هي في قول بشار: إن ذاك النجاح في التبْكير *** لأن ذلك يكون في مواقع احتياج ما قبلها للتعليل حتى تكون صريحة فيه.

وقرأ ابن عامر وحده ﴿ إذ يرون العذاب ﴾ بضم الياء أي إذ يريهم الله العذاب في معنى قوله: ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ﴾ [البقرة: 167].

وانتصب (جميعاً) على التوكيد لِقوله (القوة) أي جميع جنس القوة ثابت لله، وهو مبالغة لعدم الاعتداد بقوة غيره فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق في قوله ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2].

وقد جاء (لو) في مثل هذا التركيب بشرط مضارع ووقع في كلام الجمهور من النحاة أن لو للشرط في الماضي وأن المضارع إذا وقع شرطاً لها يُصرف إلى معنى الماضي إذا أريد استحضار حالة ماضية وأما إذا كان المضارع بعدها متعيناً للمستقبل فأوَّلَه الجمهور بالماضي في جميع مواقعه وتكلفوا في كثير منها كما وقع لصاحب «المفتاح»، وذهب المبرد وبعض الكوفيين إلى أن لو حْرف بالمعنى إِنْ لمجرد التعليق لا للامتناع، وذهب ابن مالك في «التسهيل» و«الخلاصة» إلى أن ذلك جائز لكنه قليل وهو يريد القلة النسبية بالنسبة لوقوع الماضي وإلاّ فهو وارد في القرآن وفصيح العربية.

والتحقيق أن الامتناع الذي تفيده (لو) متفاوت المعنى ومرجعه إلى أن شرطها وجوابها مفروضان فرضاً وغير مقصود حصول الشرط فقد يكون ممكن الحصول وقد يكون متعذراً ولذلك كان الأولى أن يعبر بالانتفاء دون الامتناع لأن الامتناع يوهم أنه غير ممكن الحصول فأما الانتفاء فأعم، وأن كون الفعل بعدها ماضياً أو مضارعاً ليس لمراعاة مقدار الامتناع ولكن ذلك لمقاصد أخرى مختلفة بالاختلاف مفاد الفعلين في مواقعها في الشروط وغيرها، إذ كثيراً ما يراد تعليق الشرط بلو في المستقبل نحو قول توبة: ولو تلتقِي أصداؤنا بعد موتنا *** ومِنْ بين رَمْسينا من الأرض سَبسبُ لظل صدَى صوتي وإن كنتُ رِمَّةً *** لصوت صدى ليلى يهشُّ ويَطْرَبُ فإنه صريح في المستقبل ومثله هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةِ لِذَوِي العُقُولِ ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ والأنْدادُ الأمْثالُ، واحِدُها نِدٌّ، والمُرادُ بِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَتَّخِذُونَها آلِهَةً يَعْبُدُونَها كَعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَجْزِها عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهم مَعَ عَجْزِ الأصْنامِ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي مِن حُبِّ أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ، ومَعْناهُ أنَّ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعالى هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ اتُّبِعُوا هُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ تَبَرَّؤُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ وَرَأوُا العَذابَ ﴾ يَعْنِي بِهِ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ.

وَفي رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: تَيَقُّنُهم لَهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأسْبابَ تَواصُلُهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: أنَّها العُهُودُ والحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الدُّنْيا.

﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الأتْباعَ قالُوا لِلْمَتْبُوعِينَ لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأُ مِنكم فِيها كَما تَبَرَّأْتُمْ مِنّا في الآخِرَةِ.

﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ يُرِيدُ المَتْبُوعِينَ والأتْباعَ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ عَلى مَحْزُونٍ فائِتٍ.

وَفي ﴿ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِرُّهُمُ الَّذِي حَبِطَ بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ.

والثّانِي: ما نَقَصَتْ بِهِ أعْمارُهم في أعْمالِ المَعاصِي أنْ لا تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلى طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَواتُ الرَّجْعَةِ.

والثّانِي: خُلُودُهم في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ﴾ قال: مباهاة ومضارة للحق بالأنداد ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ قال: من الكفار لآلهتهم.

وأخرج ابن جريرعن السدي في الآية قال: الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمر، وهم أطاعوهم وعصوا الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ﴾ أي شركاء ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ قال: من الكفار لآلهتهم أي لأوثانهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ قال: يحبونهم أوثانهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من الكفار لأوثانهم.

وأخرج ابن جرير عن الزبير في قوله: ﴿ ولو ترى الذين ظلموا ﴾ قال: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أنداداً يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها إليّ دون الأنداد، والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئاً ولا تدفع عنهم عذاباً، أحللت بهم وأيقنتهم أني شديد عذابي لمن كفرني، وادعى معي إلهاً غيري.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: كان في خاتم ﴿ أن القوة لله جميعاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا ﴾ قال: هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشر والشرك ﴿ من الذين اتبعوا ﴾ وهم الأتباع والضعفاء.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا ﴾ قال: هم الشياطين تبرأوا من الإِنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: المودّة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: المنازل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأرحام.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأعمال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: أسباب المنازل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: أسباب الندامة يوم القيامة، والأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ﴾ قال: رجعة إلى الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ يقول: صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ قال: أولئك أهلها الذين هم أهلها.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأوزاعي قال: سمعت ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾ الآية، لما ذكر الله تعالى الدلالةَ على وحدانيته أَعْلَم أنّ قومًا بعد هذه الدلالة والبيان يتخذون الأنداد، مع علمهم أنهم لا يأتون بشيء مما ذكر (١) (٢) قال أكثر المفسرين: يريد بالأنداد: الأضداد (٣) (٤) وقال السُدِّي: يعنى: بالأنداد أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله (٥) وعلى هذا: المطاعون في معصية الله أنداد (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه ﴾ قال الليث: يقال: أَحْبَبَتُ الشيءَ فأنا مُحِبٌّ، وهو محبوبُ، قال: ومثله: أحزنته فهو محزون، وأجَنَّه الله فهو مجنون، وقد جاء مُحَبّ شاذًا في قول عنترة: بمنزلة المُحبِّ المكرم (٨) قال شمر: قال الفراء: وحَبَبْتُ لغةٌ، وأنشد: فو الله لولا تَمْرُهُ ما حَبَبَتْهُ ...

ولا كان أدنى من عُبيدٍ ومُشرِقِ (٩) (١٠) عن أبي زيد: بعير مُحِبّ، وقد أحَبّ أحبابًا، وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت.

قال: والإحباب: هو البروك، فمن الناس من يجعل المحبة مأخوذة من هذا؛ للزوم المحب محبوبه (١١) وفي قوله: ﴿ كَحُبِّ اَللَّهِ ﴾ طريقان لأهل المعاني: أحدهما: أن المعنى فيه كحب المؤمنين الله، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب، كقول القائل: أكلتُ طعامي كأكل طعامك، وبعت جاريتي كبيع جاريتك، وهو يريد: كبيعك جاريتك وأكلك طعامك، فيحذف الفاعل، ولضيف المصدرَ إلى المفعول (١٢) ولستُ مسلِّما ما دمتُ حيًّا ...

على زيدكتسليم الأميرِ (١٣) أراد: كتسليمي على الأمير، هذا قول الفراء (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) الطريق الثاني: أن المعنى فيه: يحبونهم كحب الله، أي: يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله عز وجل في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله عز وجل، والمشركون هم المُحِبُّون (٢٠) ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى  ﴾ .

وهذا القول اختيار الزجاج (٢١) (٢٢) وقال أبو رَوق: معنى قوله: ﴿ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ ، أي: يحبون الأصنام حُبًّا لا يستحقّ مثلَ ذلك الحبِّ إلا اللهُ، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ قال ابن عباس: أي: أثبت وأدوم (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ﴾ الآية [العنكبوت: 65]، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السرّاء والضرّاء والشدة والرخاء، ولا يختار عليه سواه (٢٦) وقيل: لأن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصنامًا، فتنقص محبة الواحد، بضم محبة مجمع إليه، والذي لا يعبد إلا واحدًا محبته له أتم.

وهذه الأقوال على طريقة من لم يثبت للمشركين محبة لله.

فأما من أثبت لهم محبة لله فالمؤمنون أشد حبًّا منهم؛ لأن الكفار يقولون: إن الله خالقنا ورازقنا، ثم يجعلون معه شركاء، فتضعف محبتهم، وتنقص بذلك، وتتم محبة المؤمنين ربّهم بإفرادهم إياه في العبادة (٢٧) وهذا معنى قول الحسن: إن الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ  ﴾ والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة، لذلك قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ ، (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ جواب (لو) محذوف.

وقد كَثُر في التنزيل حذفُ جواب (لو) كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا  ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ  ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ  ﴾ .

قال أصحاب المعاني: وحذف جواب (لو) في مثل هذا الآي يكون أفحم وأبلغ؛ لذهاب المخاطب المتوعَّد إلى كلّ ضرب من الوعيد، ولو ذكر له ضرب من الوعيد لم يكن مثل أن يبهم (٣٠) ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا  ﴾ ، (٣١) وكثر اختلافُ القُرّاء (٣٢) ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾ بالفتح فيهما (٣٣) والمراد بالرؤية هاهنا: رؤية العين المتعدية إلى مفعول واحد، والفعل في هذه القراءة (٣٤) ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  ﴾ ، وإنما كان ينبغي أن يسند إليهم الفعل؛ لأن النبي  والمسلمين قد علموا قدرَ ما يشاهدُ الكفارُ ويعاينونه من العذاب يوم القيامة، والمتوعدون في هذه الآية لم يعلموا ذلك، فوجب أن يسند الفعل إليهم (٣٥) ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ ﴾ ، لأنهم أعملوا فيه الرؤية، تقديره: ولو يرون أن القوة.

ومعناه: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لعلموا مضرّة اتخاذ الأنداد.

وقولنا: لعلموا، هو الجواب المحذوف، وإنما قدرنا هذا الجواب مع احتمال غيره؛ لأنه قد جرى ذكر اتخاذ الأنداد في أول الآية (٣٦) وقال أبو عبيد والزجاج (٣٧) (٣٨) وضعّف أحمد بن يحيى هذا القول، وقال: (٣٩) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ ، في قراءة من نصب، والمراد: ما بينكم، فحذفت (ما) وتُركت صلتها.

وقرأ أبو جعفر: (ولو يرى) بالياء (٤٠) ﴿ أَنَّ اَلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ مستأنف، وإذا استأنف وجب كسره.

قال الفراء: وتكون الرؤية على هذه القراءة واقعة على (إذ) في المعنى، وفتح (أنّ) مع الياء أحسن من كسرهما (٤١) وقرأ يعقوب وسَهْل: (ولو ترى) بالتاء، (إن القوة)، و (إن الله): بالكسر فيهما.

والخطاب في هذه القراءة (٤٢)  ، ولم يقصده (٤٣) (٤٤) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى  ﴾ و ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ (٤٥) قال أبو إسحاق: وهذا (٤٦) ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ وهو بمنزلة: ألم تعلموا.

كذلك، (ولو ترى) بمنزلة: ولو ترون، ويكون (إن القوة) مستأنفة كما وصفنا.

ويكون الجواب -والله أعلم- لرأيت أمرًا عظيمًا، كما تقول: لو رأيت فلانًا والسياط تأخذه، فتستغني (٤٧) الجواب؛ لأن المعنى معلوم (٤٨) قال ابن الأنباري: ويجوز في هذه القراءة أن تضمر القول وتعلق (إن) به، ويكون التقدير: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت: إن القوة لله جميعا، فانكسرت (إن) مع القول كما انفتحت مع العلم.

وقرأ نافع وابن عامر: (ترى) بالتاء (٤٩) ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ ﴾ ، و ﴿ وَأَنَّ اللَّه ﴾ ، وعلى (٥٠) ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾ قوله: (ترى)؛ لأن الرؤية هاهنا: المراد به رؤية البصر، فلم يجز أن تتعدّى إلى (أن)؛ لأنها قد استوفت مفعولها الذي تقتضيه، وهو: (الذين ظلموا)، فإذا لم يجز أن تنتصب (أن) بـ (ترى)، ثبت أنه منتصب (٥١) (٥٢) والاختيار عند الفراء وغيره: كسر (إن) مع المخاطبة؛ لأن الرؤية واقعة على الذين ظلموا، فكان وجه الكلام أن يستأنف (إن).

قال الفراء: ولو فتحها على تكرير الرؤية كان صوابًا، كأنه قال: ولو ترى الذين ظلموا إذ (٥٣) (٥٤) ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ (٥٥) ﴿ أَنَّ ﴾ في قراءته أبين؛ لأنه ينصب ﴿ أَنَّ ﴾ بالفعل الظاهر دون المضمر.

هذه وجوه اختلاف القراءة في هذه الآية (٥٦) ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ مع قوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وهذا أمر مستقبل وإذ لما مضى؟، قيل: إنما جاء على لفظ المضي لإرادة التقريب في ذلك، كما جاء ﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ  ﴾ ، فلما أريد فيها من التحقيق والتقريب؛ جاء على لفظ المضي، وعلى هذا جاء في ما هو من (٥٧) ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ  ﴾ .

ومما جاء على لفظ المضي للتقريب من الحال: قول المقيم: قد قامت الصلاة، يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم بالصلاة؛ لقرب ذلك من قوله، وعلى هذا قول رؤبة: أَوْدَيْتُ إن لم تَحْبُ (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُون  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى  ﴾ ، فكما جاءت هذه الآية التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْن ﴾ (٦٢) وقرأ ابن عامر: (يُرون) بضم الياء، وحجته قوله (٦٣) ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ منصوب على الحال، المعنى: إن القوة ثابتة لله عز وجل في حال اجتماعها (٦٥) (١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 237، وينظر: "التفسير الكبير" 1/ 204، "البحر المحيط" 1/ 469.

(٢) ينظر في معنى الند: "تفسير الطبري" 1/ 163، "المفردات" ص 489.

(٣) في (ش): (الأصنام).

وهو كذلك عند الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1314 (٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1314، "زاد المسير" 1/ 170، "معاني القرآن" 1/ 99، "البحر المحيط" 1/ 469، "التفسير الكبير" 4/ 204، ونسبه إلى أكثر المفسرين.

وظاهر كلام المفسرين: أنهم اتخذوها أندادًا لله بحسب زعمهم.

(٥) رواه عنه الطبري 2/ 67، ولفظه: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله،== إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله.

وقد رواه الطبري عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي  باللفظ الذي ذكره المؤلف، وذكر ذلك عند قوله: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، ورواه الطبري 1/ 163.

وينظر: "البحر المحيط" 1/ 469، فقد بين: أن المراد بالناس: أهل الكتاب، ورجح كونهم أهل الكتاب بقوله: (يحبونهم).

فأتى بضمير العقلاء، وباستبعاد محبة الأصنام.

ولقوله: (إذ تبرأ)، والتبرؤ لا يناسب إلا العقلاء، وكذا قال الرازي في "تفسيره" 4/ 204.

(٦) في (ش): (أندادًا لمطيعين).

(٧) في (ش): (وبعضهم).

(٨) والبيت بتمامه: ولقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّى غيرَه ...

مني بمنزلة المُحَبِّ المكرم البيت في "ديوانه" ص 191.

(٩) في (م): (ومشرقي).

(١٠) البيت لغيلان بن شجاع النهشلي، في "لسان العرب" 2/ 743 (حبب).

وروايته: فأُقسِمُ، وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 410، "مغني اللبيب" 1/ 361.

(١١) ينظر: "المفردات" ص112، "البحر المحيط" 1/ 470، "اللسان" 2/ 745 - 746 (حبب).

(١٢) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 54 - 55، "البحر المحيط" 1/ 470.

(١٣) البيت لعلي بن خالد البردخت، كما في "رسائل الجاحظ" 2/ 261، ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 100، "البيان والتبيين" 4/ 51، "تفسير الطبري" 2/ 67 "تفسيرالثعلبي" 1/ 1314.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 97.

(١٥) نسبه إليه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 170، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 54.

(١٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 67، واختار هذا القول، ورواه عن قتادة ومجاهد والربيع وابن أبي زيد، وكذا رواها ابن أبي حاتم 1/ 276، ونسبه في "زاد المسير" 1/ 170 أيضًا إلى عكرمة وأبي العالية ومقاتل.

وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1314، وعزاه لأكثر العلماء، "تفسير السمعاني" 2/ 120، "الكشاف" 1/ 209.

(١٧) في (ش): (وكثير).

(١٨) في (أ)، (م): (المؤمنين).

(١٩) في (م): (الله).

(٢٠) في (م): (المحبين).

(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 237، وقال عن القول الأول: (ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ .

والمعنى: أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقًّا).

وهو اختيار الرازي في "تفسيره" 4/ 204.

(٢٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1314.

(٢٣) في (م): (ودا).

(٢٤) في (م): (أخير).

(٢٥) ذكره الثعلبىِ في "تفسيره" 1/ 1315، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 121، والبغوي 1/ 178 ولم ينسبه لابن عباس.

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 5/ 1311، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 178 - 179، والواحدي في "الوسيط" 1/ 236.

(٢٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1315 - 1316.

(٢٨) في "تفسير الحسن البصري" 1/ 94، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1315.

(٢٩) هذا من المؤلف تأويل يخالف ظواهر النصوص، جرى فيه على مذهب الأشاعرة الذين يجيزون إطلاق هذه اللفظة لكنهم يحيلون وقوعه، كما ذكر الرازي في "تفسيره" 4/ 205، فالمؤمنون يحبون الله لذاته، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه  ﴾ .

قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 165: وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، الذي لا تصلح الألوهية إلا له.

وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة، فهو باعتبار متعلقها ومحبوبها ومرادها، فإن كان المحبوب المراد هو الذي لا ينبغي أن يحب لذاته ويراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو وحده محبوبه ومراده وغاية مطلوبه، كانت محبته نافعة له.

أما الأشاعرة فينفون المحبة بين الله وعبده؛ لأن العقل لا يدل عليها، وكل ما لا يدل العقل عليه فإن الله يجب أن ينزه عنه، وقالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا تكون بين رب ومخلوق، وهذه دعوى باطلة يكفي فيها المنع؛ لأن الأصل عدم ثبوت الدعوى، والواقع يدل على ثبوت المحبة بين غير المتجانسين، كما يحب آلاته وبعض بهائمه.

علمًا بأن العقل قد دل على ذلك؛ فإثابة الطائعين ونصرهم وتأييدهم وإجابة دعائهم دليل على المحبة.

وينظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين ص 196، "مختصر منهاج القاصدين" 343 - 356.

(٣٠) في (ش): (يتهم)، وفي (أ)، (م): غير منقطة ولا واضحة.

(٣١) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 97، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، و "تفسير الطبري" 2/ 67، "التبيان" للعكبري ص 105، "البحر المحيط" 1/ 471، "تفسير الثعلبي" 1/ 1318.

(٣٢) ينظر في توجيه القراءات في الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 97، "تفسير الطبري" 2/ 67 - 69، "التبيان" ص 105 - 106، "البحر المحيط" 1/ 471، "الحجة" 2/ 258.

(٣٣) ينظر: "السبعة" ص 173 - 174، "النشر" 2/ 224، "الحجة" 2/ 258، قال في "النشر": واختلفوا في ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ﴾ فقرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب، واختلف عن ابن وردان عن أبي جعفر، فروى ابن شبيب عن الفضل من طريق النهرواني عنه بالخطاب، وقرأ الباقون بالغيب.

واختلفوا في ﴿ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ فقرأ ابن عامر بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها.

واختلفوا في ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ فقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهمزة فيهما.

وقرأ الباقون بفتح الهمزة فيهما.

(٣٤) في (ش): (الآية).

(٣٥) "الحجة" 2/ 261.

(٣٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238.

(٣٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238.

(٣٨) في (ش): (وعلموا).

(٣٩) في (م): (قال).

(٤٠) في (ش): (بالتاء).

(٤١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 97.

(٤٢) في (ش): (الآية).

(٤٣) في (أ)، (م): (يقصد).

(٤٤) سقطت من (أ)، (م).

(٤٥) "الحجة" 2/ 262.

(٤٦) في (ش): (فهذا).

(٤٧) في (م): (تستغني).

(٤٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 238 - 239، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1318.

(٤٩) في (م): (بفتح التاء وفتح).

(٥٠) في (أ)، (م): (على).

(٥١) في (م): (انتصب).

(٥٢) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 263.

(٥٣) من قوله: (فكان وجه الكلام).

ساقطة من (ش).

(٥٤) ليست في (أ)، (م).

(٥٥) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 97 - 98.

(٥٦) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 263 بتصرف.

(٥٧) ساقطة من (أ)، (م).

(٥٨) في (ش): (يجب).

(٥٩) في (ش): (المعتبك).

(٦٠) لرؤبة من قصيدة يمدح فيها الحكم بن عبد الملك في "ديوانه" ص 118،== "الخصائص" 2/ 289، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 260 والمعتنك: البعير يصعد في العانك من الرحل، وهو المتعقد منه.

(٦١) في (ش): (بالحقيقة).

(٦٢) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 260 - 261.

(٦٣) ساقط من (ش) وكلمة قوله ليست في (م).

(٦٤) "الحجة" 2/ 264.

(٦٥) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 107، وهذا إعراب لكلمة: (جميعًا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين: إحداهما: المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف، والجراء، والتوكل، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسه؛ بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة، واعلم أن سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن لموجب للمحبة أحد أمرين وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال، الموجب الأوّل الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإنّ الإنسان بالضرورة يحب كل ما يستحسن، والإجمال مثل مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتهيج القلوب، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر، لا بالأبصار، وأما الإحسان؛ فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر، ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه، وهو المستحق للمحبة وحده.

واعلم أن محبة الله إذ تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجدّ في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل من يحبه الله وإيثاره على كل من سواه، قال الحارث المحاسبي: المحبة تسليمك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سراً وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه ﴿ ولو ترى ﴾ من رؤية العين و ﴿ الذين ظلموا ﴾ مفعول، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لوترى الذين ظلموا لعلمت أنّ القوة لله أو لعلموا أنّ القوة لله، ويرى بالياء، وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب، والذي ظلموا فاعل، وأن القوّة مفعول يرى، وجواب لو محذوف والتقدير لو يرى الذين ظلموا أنّ القوة لله لندموا، ولاستعظموا ما حل بهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولو ترى ﴾ بتاء الخطاب: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بالياء ﴿ إذ يرون ﴾ بضم الياء من الإراءة: ابن عامر ﴿ إن القوة ﴾ ﴿ وإن الله ﴾ بكسر الألف فيهما: يزيد وسهل ويعقوب ﴿ إذ تبرأ ﴾ بإدغام الذال في التاء وكذا ما أشبهه: هشام وسهل وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف.

﴿ يريهم الله ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويعقوب بضم الهاء والميم.

والباقون بكسر الهاء وضم الميم ﴿ بخارجين ﴾ بالإمالة: عباس وقتيبة لجوار من النار.

الوقوف: ﴿ كحب الله ﴾ ط ﴿ حباً لله ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ لا وكذلك ﴿ وجميعاً ﴾ لا من قرأ "أن" بالكسر فيهما ﴿ شديد العذاب ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ تبرؤا منا ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ومن النار ﴾ ه.

التفسير: أنه  وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده "فبضدها تتبين الأشياء" والند المثل المناد كما سلف.

والمراد بالأنداد ههنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها النذور وقربوا لأجلها القرابين، وقيل: يعني السادة الذين كانوا يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم الله ومحرّمين ما أحل.

عن السدى: واستدل على تفسيره بأن قوله ﴿ يحبونهم ﴾ فيه ضمير العقلاء ولأنه من المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم لله  مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ولقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ العقلاء أنداداً وأمثالاً لله  يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون لله  .

ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق.

قال  ﴿ إِن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم  ﴾ .

وأيضاً علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا وأيضاً التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل قوله  ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم  ﴾ وقال أهل العرفان: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله فقد جعلته في قلبك نداً لله  ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ﴿ يحبونهم ﴾ يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو يعظمونهم ويخضعون لهم كحب الله من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب الله على أنه مصدر من المبني المفعول.

وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه غير ملتبس.

وقيل: كالحب اللازم عليهم لله وقيل: كحبهم الله أي يسوّون بينه وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرّين بالله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ﴿ والذين آمنوا أشدُ حباً لله ﴾ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء، ولا يجعلون وسائط بينهم وبينه بخلاف المشركين يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر: أكلـــت حنيفــة ربهـــا *** زمــن التجعــم والمجــاعـة لم يحـذروا مـــن ربهـــم *** ســوء العـواقـب والتبـاعـة واعلم أن إطلاق محبة العبد لله  قد ورد في القرآن والحديث كما في هذه الآية وكقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ويروى أن إبراهيم  قال لملك الموت.

وقد جاء لقبض روحه - هل رأيت خليلاً يميت خليله؟

فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله.

فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض.

"وجاء أعرابي إلى النبي  فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

فقال: ماذا أعددت لها فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله.

فقال  : المرء مع من أحبه" .

ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، ويستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فمعنى قولنا يحب الله يحب طاعة الله وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه.

وأما العارفون فيقولون: إنا نحب الله لذاته لا لغرض، ولو كان كل شيء محبوباً لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه، والرجل الشجاع لقوته وغلبته، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فالله تعالى أحق بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص، والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه.

وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعه أكثر كان حبه له أتم، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه، فيه يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال "ليس في جبتي سوى الله" فلا يعصي الله طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل: تعصـي الإلـه وأنت تظهر حبه *** هذا لعمـري في الفعـال بديـع لـو كان حبـك صـادقاً لأطعته *** إن المحـب لمـن يحب مطيـع ويحب الله ويحب أولياءه ومقربيه ويناوئ أعداءه ومخالفيه ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ .

لعيـن تغـدى ألـف عين ويتقى *** ويكـرم ألـف للحبيـب المكـرم ﴿ ولو يرى ﴾ قرئ بالياء والتاء "وأن" "وإن" بالفتح والكسر فههنا أربعة تقديرات: الأول: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم القيامة أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن عذاب الله للظالمين شديد، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم.

وحذف جواب "لو" دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم "لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه" بخلاف ما وقع التعبير عنه بلفظ معين.

الثاني: ولو ترى - يا محمد أو يا من يتأتى منه الرؤية - هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب بمعاينتهم أن القدرة كلها لله وأنه شديد العذاب، لرأيت أمراً عظيماً.

فعلى هذا "أن" و "إن" مع معمولهما بدل من العذاب.

قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية أي يرون أن القوة لله جميعاً.

الثالث: بياء الغيبة وكسر "إن" و "إن" ومعناه كالأول، والجملتان معترضتان.

أو المعنى لقيل: إن القوة لله.

والرابع: على هذا القياس.

ودخول "لو" وكذا "إذا" في المستقبل مع "أن" حقهما الدخول على الماضي نظم للمستقبل في سلك الماضي المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في إخباره.

وقيل: لأن الساعة قريب فكأنها قد وقعت وكذا الكلام في ﴿ إذ تبرأ ﴾ وأنه بدل من ﴿ إذ يرون العذاب ﴾ وقيل: هو معمول شديد.

والمراد بالذين اتبعوا القادة والرؤساء من مشركي الإنس.

عن قتادة والربيع وعطاء: أو شياطين الجن الذين صاروا متبوعين بالوسوسة عن السدي: وقيل الأوثان.

والتبري إما بالقول وهو أقرب، وإما بظهور العجز والندم بحيث لا يغنون عن أنفسهم من عقاب الله شيئاً فكيف عن غيرهم؟

﴿ ورأوا العذاب ﴾ الواو للحال أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب ﴿ وتقطعت ﴾ عطف على ﴿ تبرأ ﴾ ﴿ بهم ﴾ أي عنهم فإن "تقطع" في معنى "زال أو وقع" تقطع الأسباب ملتبسة بهم مثل ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ بضم النون أو الباء للتعدية كأن أسباب الوصل صارت أسباب القطع ومصالحهم انقلبت عليهم مفاسد.

والسبب في اللغة الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به.

قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به.

والمراد ههنا الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب والأتباع والأشياع والعهود والعقود ﴿ لو أن لنا كرة ﴾ تمنّ ولذلك أجيب بالغاء كأنه قيل: ليت لنا كرة رجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف والمتبوعون مفتقرون إلى اتباعنا ونصرتنا حتى نتبرأ منهم بعدم النصرة والإعانة كما فعلوا هم اليوم ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿ يريهم الله أعمالهم حسرات ﴾ هو ثالث مفعول "أرى" أو مثل ذلك التبرؤ يريهم أعمالهم حسرات، فإن ذلك التبرؤ نوع إراءة.

والمراد بالأعمال قيل الطاعات لزمتهم فلم يقوموا بها وضيعوها.

عن السدي: وقيل المعاصي وأعمالهم الخبيثة يتحسرون لم عملوها.

عن الربيع وابن زيد: وقيل ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر.

عن الأصم: وقيل أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم.

والحسرة شدة الندم على ما فات حتى بقي النادم كالحسير من الدواب وهو الذي لا منفعة فيه.

والتركيب يدور على الكشف ومنه انحسر الطائر انكشف بذهاب ريشه.

والحاصل أنهم لا يرون مكان أعمالهم إلا حسرات.

فيا أيها المغرور بالسلامة ما أعددت ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يجعل الولدان شيباً، يوم يدع المسرور كئيباً.

الدنيا دار تجارة فالويل لمن تزود منها الخسارة ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ استدل الأشاعرة بالتقديم على التخصيص فقالوا: إن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار.

وزعم المعتزلة أن بناء الكلام على "هم" لتقوي الحكم وإفادة التأكيد كقوله  ﴿ وهم يخلقون  ﴾ فإنه لا يدل على أن غير الأصنام غير مخلوق والله أعلم حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ يَتَّخِذُ ﴾ يعبد ﴿ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ .

وقيل: ﴿ يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ في التسمية.

يعني: يتخذ الجواهر التي تصاغ أو تنحت ونحو ذلك، مما يتعلق كونهم بصنيعهم، يسفههم بهذا، أنهم تركوا عبادة من به قامت لهم كل نعمة، وسلم لهم كل خير، وعبدوا ما قد اتخذوه بالمعالجات ولا قوة إلا بالله.

وقيل: ﴿ يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ ، أي أشباهاً في التسمية، أو أعدالاً في العبادة، أو شركاء في الحقوق كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا...

﴾ الآية [الأنعام: 136]، يسفههم بما عبدوا ما قد صنعوه بالصناعة أو النحت، وزينوا بأنواع الزينة، وعلموا أنه لا يملك شيئاً، وأعرضوا بذلك عن عبادة من عرفوه بشهادة جميع العالم به [لهم وعلموا أنه لا يملك شيئاً مما عبدوه ضرّاً ولا نفعاً]، بل لو كان يجوز العبادة لغير الله لكان أولئك الذين اتخذا أولى من المتخذين.

ثم بين عظم سفههم: علمهم بجهلها بعبادتهم، وعجزها عن الدفع عنها، ثم قاموا بنصرها والدفع عنها سفهاً بغير علم.

وقوله: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: يحبون عبادة الأنداد وطاعتهم [كحبهم عبادة] الله وطاعته؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقيل: يحبون عبادة الأنداد كحب المؤمنين عبادة ربهم.

وقيل: يحبون آلهتهم كما يحب الذين آمنوا ربهم.

ثم قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ منهم لآلهتهم.

قيل: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ أي: أشد حبّاً لأجل الله.

وقيل: أي أشد اختياراً لطاعته، وأكثر ائتماراً وإعظاماً وإجلالاً لأمره من إعظامهم وإجلالهم آلهتهم.

والله أعلم.

﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ أي لعبادته منهم لعبادة الأوثان من حيث لا يؤثر المؤمن على عبادة الله، أعني في الاختيار لا فيما يوجد من ظاهر الأحوال في الدارين جميعاً، وهم يتركون عبادة الأوثان بوجود ما هو أعجب منها أو بأدنى شيء من متاع الدنيا.

ثم المحبة - محبة الشهوة والميل إليها، وهو في الخلق، لا يحتمل في الله، ومحبته - الطاعة وإيثار الأمر والإعظام، فهو في الله يحتمل.

وبعد فإن الحب يخرج على الثناء، وعلى العبادة والطاعة، وعلى التبجيل والتعظيم، وقد يخرج على ميل القلوب، فحب الكفرة هذا، وهو حب الجسداني به الذي يولده الشهوة أو يستحسنه البصر.

وحب الله من المؤمنين من هذين الوجهين فاسد، بل هو من الوجوه التي ذكرنا، وقد كان حب الهيبة والرغبة؛ إذ علموا النعم كلها من الله  ، وعلموا أن السلطان والعزة لله ولا أحد ينال شيئاً من ذلك إلا بالله، فأوجب ما عنده من النعم الرغبة، وما له من السلطان والهيبة.

فلذلك طريق حب المؤمنين مع ما ظهر من أياديه التي لا تحصى وأفضاله التي لا تحاط، والعلم بهما موجباً تعظيم الأمور والمبادرة بالقيام بها مع الأدلة المظهرة تعاليه عن تقدير العقول وتصوير الأوهام.

فيكون حبه في الحقيقة في تعظيم أموره، وحسن صحبة نعمه، ومعرفة حقوقه، لا في توهم ذاته، وإشعار القلب ما يعقله ليرجع المحبة إلى ذلك، بل هو فيما ذكرت؛ ولذلك أمر رسول الله  أن يقول لهم: ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  ﴾ ، وهو أن من أحب آخر محبة الجلال والرفعة عظم رسوله وانقاد لما يدعوه إليه وإن كان في ذلك هلاكه، وتعظيماً لأمره وتبجيلاً، فكيف فيما نجاته وفوزه في الدارين.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

قوله: ﴿ يَرَى ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.

ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب لرسول الله  ، يقول: ولو ترى الذين ظلموا يا محمد: شهدوا لك: ﴿ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ومن قرأ بالياء، يقول: ولو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذا رأوا العذاب يعلمون أن القوة لله جميعاً.

[ويحتمل: لو علم الذين ظلموا إذا علموا عذاب الآخرة يعلمون أن القوة لله جميعا] ويحتمل: المراد من قوله: ﴿ يَرَى ﴾ ، أي: يدخل، كقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ  ﴾ ، أي لمن يدخلها ويصليها.

وقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

﴿ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ ﴾ يعني: الرؤساء، ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ يعني: الأتباع والسفلة، تبرأ بعضهم من بعض العبادة من الأتباع من القادة، وهو كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً  ﴾ ، وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ  ﴾ وكقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ  ﴾ .

وقيل: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ ﴾ ، يعني: الشياطين، ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ يعني: الإنس.

وقيل: يبرأ الله كلا غدا أن أوثانهم لن تغني عنهم شيئاً، ولا شركاؤهم الذين أضلوهم، ولا أشرافهم شغلوا عنهم حين عاينوا النار.

وقوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلأَسْبَابُ ﴾ الأرحام والأنساب؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وكقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ  وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ  لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ ﴾ يعني العهود والأيمان التي كانت بينهم في الدنيا.

وقيل: تواصلهم في الدنيا وتوادهم لم ينفعهم شيئاً؛ لأنهم كانوا يتواصلون ويتوادون في الدنيا رجاء أن ينفع بعضهم بعضاً؛ كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي لم يريدوا الله بها.

﴿ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: حسرة عليهم وندامة.

وقيل: كل عمل عملوه أرادوا به غير وجه الله، كان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة.

وقيل: أعمالهم التي عملوها في الدنيا تصير حسرات عليهم حين يرفع الله لهم الجنة، فينظرون إلى مساكنهم التي كانت لهم، وبأسمائهم لغيرهم، وبأسماء غيرهم لهم.

قال: وهذا عندي لا يصح أن يجعل الله لأحد نصيباً في الجنة ثم يحرمه، ولكن هذا على أصل الوعد - وعد من أطاع الله الجنة، ومن عصاه النار - فهو على أن هؤلاء لو أطاعوا كان لهم نصيباً في الجنة وهؤلاء لو عصوا كان لهم نصيباً في النار.

أو يكون ذكر النصيب لهؤلاء في الجنة هو الذي ادعوه لأنفسهم كما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ فيحرمون ونورث عنهم ما ذكروا أنه لهم في الجنة؛ كما قال الله  : ﴿ كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً  وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومع تلك الآيات الواضحة فإن من الناس من يتخذ من دون الله آلهة يجعلونهم نظراء لله تعالى، يحبونهم كما يحبون الله، والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لمعبوداتهم؛ لأنهم لا يشركون مع الله أحدًا، ويحبونه في السراء والضراء، وأما أولئك فإنهم يحبون آلهتهم في حال السراء، أما في الضراء فلا يدعون إلا الله.

ولو يرى الظالمون بشركهم وارتكاب السيئات حالَهم في الآخرة حين يشاهدون العذاب؛ لعلموا أن المتفرد بالقوة جميعًا هو الله، وأنه شديد العذاب لمن عصاه، لو يرون ذلك لما أشركوا معه أحدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.GKMae"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات مبينة لحال الذين لا يعقلون تلك الآيات التي أقامتها الآية السابقة على توحيد الله تعالى ورحمته، ولذلك جعلوا له أندادًا يلتمسون منهم الخير والرحمة، ويدفعون ببركتهم البلاء والنقمة، ويأخذون عنهم الدين والشرعة.

قال المفسرون: إن الند هو المماثل، وزاد بعض اللغويين فيه قيدًا فقال: إنه المماثل الذي يعارض مثله ويقاومه.

ويفهم من هذا أن متخذي الأنداد يزعمون أنهم مماثلون لله تعالى في قدرته وعلمه وسلطانه يعارضونه في الحق ويقاومونه في التدبير، وهذا غير صحيح لأن القرآن قص علينا خبر متخذي الأنداد في آيات كثيرة صريحة في أنهم لا يعتقدون شيئا من هذا الذي يفهم أو يتوهم من عبارة المفسرين، بل يعتقدون غالبًا أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير وأن الأنداد وسطاء بينه وبين عباده يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده، ويقضون حاجاتهم بخوارق العادات أو يقضيها هو لأجلهم، ويحتجون لهذه العقيدة بأن المذنبين المقصرين لا يستطيعون الوصول إلى الله تعالى بأنفسهم، فلا بد لهم من واسطة بينهم وبينه وتعالى، كما هو المعهود من الرعايا الضعفاء، مع الملوك والأمراء، والوثنيون يقيسون الله تعالى على من يعظمونه من الرؤساء وعظماء الخلق، ولا سيما المستبدين منهم، الذين استعبدوا الناس استعبادًا بل تعبدوهم فعبدوهم.

فالآيات الناطقة بأنهم إذا سئلوا: من خلق كذا وكذا؟

يقولون: الله، كثيرة، وقال فيهم مع ذلك ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ وقال أيضًا ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى  ﴾ أي يقولون ما نعبدهم إلخ.

والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعًا دينيًا، ويدل عليه الآيات الآتية ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا  ﴾ إلخ فالمراد إذًا من الند من يطلب منه ما لا يطلب إلا من الله  ، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا عن الله تعالى، وبيان الأول على ما قررناه مرارًا أن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة الله في نظام الخلق، وأن لله تعالى أفعالا خاصة به، فطُلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء، وأن هناك أمورًا تخفى علينا أسبابها، ويعمى علينا طريق طِلابها، فيجب علينا، بإرشاد الدين والفطرة، أن نلجأ فيها إلى ذي القوة الغيبية ونطلبها من مسبب الأسباب لعله بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها أو يبدلنا خيرًا منها، ويجب مع هذا بذل الجهد والطاقة في العمل بما نستطيع من الأسباب حتى لا يبقى في الإمكان شيء مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله تعالى علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقًا للمقاصد وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.

لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذًا بظاهر قوله ﴿ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ  ﴾ .

وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة من الحرث والتسميد والبذر والسقي وغير ذلك، وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم ولم يهدهم لسببه بكسبهم كإنزال الأمطار، وإفاضة الأنهار، ودفع الجوائح، فإن استطاعوا شيئًا من ذلك فعليهم أن يطلبوه بعملهم لا بألسنتهم وقلوبهم، مع شكر الله تعالى على هدايتهم إليه، وأقدارهم عليه.

كذلك يحظر الدين عليهم أن ينفروا إلى الحرب والمدافعة عن الملة والبلاد عزلًا، أو حاملي سلاح دون سلاح العدو المعتدي عليهم اتكالًا على الله تعالى واعتمادًا على أن النصر بيده، بل يأمرهم بأن يعدوا للأعداء ما استطاعوا من قوة ويتكلوا بعد ذلك في الهجوم والأقدام، على عناية الله تعالى بتثبيت القلوب والأقدام، وغير ذلك من ضروب التوفيق والإلهام، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادًا على الله فهو جاهل بالله، ومن التجأ إلى ما ليس بسبب من دون الله فهو مشرك بالله.

وهذا الذي يلجأ إليه من إنسان مكرم -كالأنبياء والصالحين، أو ملك من الملائكة المقربين، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة، أو صنم أو تمثال جعل تذكارًا لشيء من هذه- يسمى ندًا لله وشريكًا له ووليًا من دونه، وقد نطق القرآن بجميع هذه الأسماء التي سماها المشركون ولم ينزل الله بها من سلطان.

قسم المفسرون الأنداد إلى قسمين: قسم يعمل بالاستقلال أي يقضي حاجة من يلجأ إليه بنفسه، يشفع عند الله تعالى ويتوسط لصاحب الحاجة فتقضى، وإنما كان الشفيع ندًا لأنه يستنزل من يشفع عنده عن رأيه ويحول من إرادته، وتحويل الإرادة لا بد أن يكون مسبوقًا بتغيير العلم بالمصلحة والحكمة إذ الإرادة تابعة للعلم دائمًا، وهذا هو المعروف من معنى الشفاعة عند السلاطين والحكام وهو محال على الله تعالى.

وأقل تغيير في علم المشفوع عنده هو أن يعلم إن الشفيع يهمه أمر من يشفع له ويتمنى لو تقضى حاجته.

ولا يرغب عن الأسباب إلى التعلق بالأنداد والشفعاء إلا من كان قليل الثقة بالسبب أو طالبًا ما هو أعجل منه، كالمريض يعالجه الأطباء فيتراءى له أو لأحد أقاربه أن يلجأ إلى من يعتقد تأثيرهم في السلطة الغيبية الخارجة عن الأسباب طلبًا للتعجيل بالشفاء ومثله سائر أصحاب الحاجات الذين يلجأون إلى من اتخذهم أولياء ليكفوهم عناء اتخاذ الأسباب.

ومنهم طلاب خدمة الحكومة.

وأما القسم الآخر من الأنداد فهو من يُتبع في الدين من غير أن يكون مبينًا للناس ما جاء عن الله تعالى ورسوله، فيُعمل بقوله وإن لم يعرف دليله ويُتخذ رأيه دينًا واجب الأتباع وإن ظهر أنه مخالف لما جاء عن الله ورسوله، اعتمادًا على أنه أعلم بالوحي ممن قلدوه دينهم وأوسع منهم فهمًا فيما نزل الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ كما ورد في التفسير المأثور عن رسول الله  .

قد عظمت فتنة متخذي الأنداد بهم حتى كان حبهم إياهم من نوع حبهم  ولذلك قال: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ  ﴾ أي يجعلون من بعض خلق الله نظراء له فيما هو خاص به يحبونهم كحبه.

ذلك أن الحب ضروب شتي تختلف باختلاف أسبابها وعللها، وكلها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الركون والالتجاء إليه عند الحاجة، فقد يحب الإنسان شخصًا لأنه يأنس به ويرتاح إلى لقائه لمشاكله بينهما ولا مشاكلة بين الله تعالى وبين الناس فيظهر فيهم هذا النوع من الحب.

ومن أسباب الحب اعتقاد المحب إن في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذًا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنه يهتم لأمره ويعطف عليه، بحيث يمكنه اللجأ إليه عند الحاجة فيستعين به على ما سبيل له إليه بدونه.

فهذا الاعتقاد يحدث انجذابًا من المعتقد يصحبه شعور خفي بأن له قوة عالية مستمدة ممن يحب، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجئ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو ادخل في دائرة الأسباب والمسببات والأعمال الكسبية.

وأما قوة الخالق وقدرته وما يعتقده المؤمنون فيه من الرحمة الشاملة، والصفات الكاملة، والمشيئة النافذة، والتصرف المطلق في تسخير الأسباب والمسببات، والسلطان المطاع في الأرض والسموات فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك.

وهذا الحب لا ينبغي إن يكون لغير الله تعالى إذ لا يُلجأ إلى غيره في كل شيء كما يُلجأ إليه.

ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه، لا يخصونه بنوع من الحب إذ لا يرجون منه إلا وقد جعلوا لأندادهم مثله أو ضربًا من التوسط الغيبي فيه، فهم كفار مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ  ﴾ من كل ما سواه، لأن حبهم له خاص به سبحانه لا يشركون فيه غيره، فحبهم ثابت كامل لأن متعلقه هو الكمال المطلق الذي يستمد منه كل كمال.

وأما متخذو الأنداد فإن حبهم متزعزع لا ثبات له ولا استقرار.

للمؤمن محبوب واحد يعتقد أن منه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وله القدرة والسلطان، على جميع الأكوان، فما ناله من خير كسبي فهو بتوفيقه وهدايته وما جاء بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته، وما توجه إليه من أمر فتعذر عليه، فهو يكله إليه، ويعول فيه عليه.

وللمشرك أنداد متعددون، وأرباب متفرقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضر، لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد وعمرو، لا يدري أيهم يَسْمَع ويُسَمِّع، ويُشْفَع فَيُشَفَّع، فهو دائمًا مبلبل البال، لا يستقر من القلق على حال.

هذا هو حب المشركين للقسم الأول من الأنداد، ومن الحب نوع سببه الإحسان السابق، كما أن سبب الأول الرجاء بالإحسان اللاحق، ومن الإحسان ما تتمتع به ساعة أو يومًا أو أيامًا متاعًا قليلًا أو كثيرًا، ومنه ما تكون به سعيدًا في حياتك كلها كالتربية الصحيحة والتعليم النافع، والإرشاد إلى ما خفي من المنافع، وكل هذا مما يكون من الناس بكسبهم.

وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض بإحسان إذا قبله المحسن إليه وعمل به يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة بحيث تكون سعادته به غير متناهية وهذا الإحسان الذي يعجز عنه البشر هو هداية الدين التي تعلم الناس العقائد الصحيحة التي ترتقي بها العقول وتخرج بها من ظلمات الوثنية، والتعاليم التي تتهذب بها النفوس وتتزكى من الصفات البهيمية وقوانين العبادة التي تغذي العقائد والأخلاق، حتى لا يعتريها كسوف ولا محاق.

فالدين وضع إلهي يحسن الله تعالى به إلى البشر على لسان واحد منهم لا كسب له فيه ولا صنع، ولا يصل إليه بتلق ولا تعلم ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى  ﴾ فيجب أن يُحَب صاحب هذا الإحسان  حبًا لا يُشْرَك به معه أحد، ولكن متخذي الأنداد بالمعنى الثاني في كلامنا قد أشركوا أندادهم مع الله تعالى في هذا الحب إذ جعلوا لهم شركة في هذا الإحسان بسوء التأويل كما تقدم فكما يأخذون بآرائهم على أنها دين من غير أن يعلموا من أين أخذوها، وإن لم يأمروهم بذلك بل وإن نهوهم عنه، يتمسكون كذلك بتأويلهم لما أنزل الله كأن التأويل أنزل معه بدون استعمال العقل ولأدلة اللغة وبقية نصوص الدين للعلم بصحته وانطباقه على الحق.

وأما المؤمنون حقًا فإنهم يوحدون الله تعالى ويخصونه بهذا الحب كما يوحدونه بالتشريع بمعنى أنهم لا يأخذون الدين إلا عن الوحي، ولا يفهمونه إلا بقرائن ما جاء به الوحي، وإنما الأئمة والعلماء ناقلون للنصوص ومبينون لها، بل قال الله تعالى للنبي نفسه ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ فهؤلاء المؤمنون يسترشدون بنقلهم وبيانهم، ولكنهم لا يقلدونهم في عقائدهم ولا عبادتهم، ولا يأخذون بآرائهم في الدين الذي هو عبارة عن سير الأرواح من عالم إلى عالم، بل يجوزون كل عقبة ويدوسون كل رئاسة في سبيل الله تعالى ومحبته وابتغاء رضوانه، فهم متعلقون بالله ومخلصون له ﴿ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  ﴾ ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ فالمؤمنون هم المخلصون لله في دينهم الذين لا يأخذون أحكامه إلا عن وحيه، وأما متخذو الأنداد ومحبوهم بهذا المعني فهم الذين ورد في بعضهم ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ فهم لا يقبلون حكم الله في كتابه ولكن إذا دعوا ليحكم بينهم بآراء رؤسائهم اقبلوا مذعنين.

بعد هذا ذكر الله وعيد متخذي الأنداد على سنة القرآن فقال ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ  ﴾ .

قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (ولو ترى) بالتاء على إن الخطاب للنبي  ، وخبره لرأيت أمرًا عظيمًا وخطبًا فظيعًا وقرأها الباقون بالياء.

وقرأ يعقوب"إن"في الموضعين بالكسر على الاستئناف أو على إضمار القول.

أي لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك، وظلموا الناس بما غشوهم به من أقوالهم وأفعالهم فحملوهم على أن يتلو تلوهم، ويتخذوا الأنداد مثلهم، حين يرون العذاب في الآخرة فتنقطع بهم الأسباب، ولا تغني عنهم الأنداد والأرباب، أن القوة لله جميعًا يظهر تصرفها المطلق في كل موجود، ويتمثل لهم سلطانها تمثل المشهود، فلا تحجبهم عنها أسباب ظاهرة، ولا تخدعهم عنها قوى تُتوهم كامنة، لعلموا أن هذه القوة التي تدير عالم الآخرة هي عين القوة التي كانت تدير عالم الدنيا، وأنها قوة واحدة لا تأثير لغيرها فيها ولا في شيء من العالم بدونها، وأنهم كانوا ضالين في اللجأ إلى سواها، وإشراك غيرها معها، وأن هذا الضلال هبط بعقولهم وأرواحهم، وكان منشأ عقابهم وعذابهم، ولو رأوا مع هذا أن الله شديد العذاب لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا يندمون معه حيث لا ينفع الندم.

وأمثال هذا الوعيد على من يشوب إيمانه بأدنى شائبة من الشرك كثيرة في القرآن ثم هي تُتْرَك كلها ويُترَك معها ما يؤيده من السنة الصحيحة وسيرة السلف الصالحين، والأئمة المجتهدين، ويؤخذ بالشرك الصريح عملًا بأقوال أناس من الميتين، منهم من لا يعرف مطلقًا، وإنما سمي وليًا عملًا ببعض الرؤى والأحلام أو لاختراع بعض الطغاة، ومنهم من يُعْرَف في الجملة ولكن لا يعرف له تاريخ يوثق به، ولا رواية يصح الاعتماد عليها.

وإنما قدم الخلف الطالح كلام هؤلاء على كلام الله ورسوله وكلام أئمة السلف لأن العامة اعتقدت صلاحهم وولايتهم، والعامة قوة تخضع لها الخاصة في أكثر الأزمان.

ومن مباحث اللفظ في الآية قول (الجلال) إن الرؤية فيها علمية.

والرأي عندي أنها بصرية وإنما سلطت على المعقول لإنزاله منزلة المحسوس، كأنه قال: لو يتمثل لهم الأمر ويتشخص لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا لا يتصور نظيره وهو مجاز لا ألطف منه ولا أبدع، ويجوز أن يراد بالعذاب مظاهره، فتكون مسلطة على محسوس.

وقراءة "ولو ترى" أي لو رأيت حال هؤلاء الظالمين يومئذ لرأيت كذا وكذا.

وحذف جواب "لو" معهود في كلام العرب وفي كلام الناس اليوم وذلك عند قيام القرينة على مراد المتكلم ولو إجمالًا.

يقولون في شخص تغير حاله وانتقل إلى طور أعلى أو أدنى: لو رأيت فلانا اليوم -ويسكتون- والمراد معلوم والإجمال فيه مقصود، لتذهب النفس في تصويره كل مذهب، ويخترع له الخيال ما يمكن من الصور، و (لو) على كل حال هي التي لمجرد الشرط لا يراعى فيها امتناع لامتناع.

إننا قد اشترطنا في ابتداء قراءة التفسير أن نتكلم عن معنى القرآن من حيث هو دين جاء مكملًا للأرواح وسائقًا لها إلى سعادتها في طورها الدنيوي وطورها الأخروي.

ولا يتم لنا هذا إلا بالاعتبار وهو أن ننظر في الحسن الذي يمدحه الله تعالى ويأمر به ونرجع إلى أنفسنا لنري هل نحن متصفون به؟

وننظر في القبيح الذي يذمه وينهى عنه كذلك، ثم نجتهد في تزكية أنفسنا من القبيح وتحليتها بالحسن.

وههنا يجب علينا أن نبحث وننظر هل اتخذ المسلمون أندادًا كما اتخذ الذين من قبلهم أندادًا أم لا؟

فان هذا أهم ما يبحث فيه قارئ القرآن: اشتبه على بعض الباحثين السبب في سقوط المسلمين في الجهل العميم -إلا أفرادًا في بعض شعوبهم لا يكاد يظهر لهم أثر- وبحثوا في تاريخ الإسلام وما حدث فيه فكان له الأثر العظيم في الانقلاب، وكان من أهم المسائل التي عرضت لهم في ذلك مسألة التصوف وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الذي هو أساس عقائدهم، وليس الأمر عندنا كما ظنوا، وليس من غرضنا هنا ذكر تاريخه وبيان أحكامه وطرقه، وإنما نذكر الغرض منه بالإجمال، وما كان له بعد ذلك من الآثار.

ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له شأن كبير، وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق وترويض النفس بأعمال الدين، وجذبها إليه، وجعله وجدانًا لها، وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدريج.

ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الأحكام المتعلقة بالجوارح والتعامل، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالكفر، وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهم، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم، ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل، فقالوا لا بد فيمن يكون منا أن يكون أولًا "طالبًا" "فمريدًا" فسالكًا.

وبعد السلوك إما أن "يصل" وإما أن "ينقطع"، فكانوا يختبرون أخلاق "الطالب" وأطواره زمنًا طويلًا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم، والوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج رويدًا رويدًا، ثم إنهم جعلوا للشيخ "المُسَلَّك" سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا يجب أن يكون "المريد" مع الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لأن الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر، فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه، فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء، وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا.

ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم، وأحوالهم ومشاهدتهم، لأن التذكر من أسباب القدوة والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم.

فظهر من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض، لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم، ولكن ماذا كان أثر ذلك في المسلمين؟

كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرًا يتبرأ منها كل صوفي، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا دينيًا مع الاعتقاد بان لهم سلطة غيبية تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بها يديرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءون، وأنهم قد تكفلوا بقضاء حاج مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهذا الاعتقاد، هو عين اتخاذ الأنداد وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين.

وزادوا على هذا شيئا آخر هو أظهر من قبحًا وهدمًا للدين وهو زعمهم أن "الشريعة" شيء" والحقيقة" شيء آخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفي المنكر انه من أهل الشريعة فلا التفات إليه!!

كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنه يحاسبهم بوجهين، ويعاملهم معاملتين -حاش لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة، ومرادهم به أن في كلام الله ورسوله ما يعلو أفهام العامة بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره، ومن آتاه الله بسطة في العلم ففهم منه شيئًا أعلى مما تصل إليه أفهام العامة فذلك فصل الله يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم بالله وسنته في خلقه فهذا ما يسمونه على الحقيقة لا سواه، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها، ومن أتاه الله نصيبًا من هذا العلم كان أَتقى لله من سواه ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  ﴾ .

هكذا كان القوم -الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر- وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها، وضعف الفقه فصار مناقشة لفظية في عبارات كتب المتأخرين، اتفق المتفقهة الجامدون، والمتصوفة الجاهلون، وأذعن أُولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة، وسلموا لهم ما يخالف الشرع والعقل على أنه من علم الحقيقة، فصرت ترى العالم الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل جاهل أُمي ويرى أنه يوصله إلى الله تعالى.

فإن كان كتاب الله وسنة رسوله وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما، كل ذلك لا يفيد معرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه، فلماذا شرع الله هذا الدين، والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين، وهل القصور إذًا فيما نزل الله تعالى أم في بيان الرسول له وبيان الأئمة لما جاء عن الله تعالى والرسول؟!

حاش لله ولكتابه ورسوله، فلا طريق لمعرفته  والوصول إلى رضوانه غير ما نزله من البينات والهدى، وإنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقيق بمعارفهما، والتخلق والتأدب بآدابهما وأخذ النفوس بالعمل بهما، من غير تقليد لأهل الظاهر، ولا جمود على الظواهر.

ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان، وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم، وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها "الموالد"، ومن العجيب أن تبع الفقهاء في استحسانها الأغنياء فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم أو إزالة منكر أو إعانة منكوب لضنوا به وبخلوا، ولا يرون ما يكون فيها من المنكرات منافيًا للتقرب إلى الله تعالى، كأن كرامة الشيخ الذي يحتفلون بمولده تبيح المحظورات، وتحل للناس التعاون على المنكرات.

فالموالد أسواق الفسوق، فيها خيام للعواهر، وحانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات، الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل يقصد بها إضحاك الناس وبعض هذه الموالد يكون في المقابر، ويرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة، احتفالًا باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا بهذا العمل الشريف في عرفهم.

لقد حدث أن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوني للعشاء عند أحد المحتفلين فأبيت إجابة الدعوة فقيل لي في ذلك فقلت: إنني لا أحب أن أُكثر سواد الفاسقين، فإن هذه الموالد كلها منكرات.

ثم قلت لشيخ صديق لصاحب الدعوة: كم ينفق صاحبك في احتفاله بالمولد؟

قال: أربعمائة جنيه.

قلت لا شك أن هذا في سبيل الشيطان فلو كلَّمت صاحبك في أن يجعل ذلك لجماعة من "المجاورين" يذكرونه بخير ويدعون له.

فأجاب ذلك الشيخ قائلًا: إن الكون يلزم أن يكون فيه من هذا وهذا.

فقلت: هذا الذي أريد، فإن كوننا ليس فيه إلا هذه النفقات في الطرق المذمونة، فأحب أن ينفق صاحبك على نشر علم الدين ليكون بعض الإنفاق عندنا في الخير ويبقى للموالد أغنياء كثيرون.

فقال الشيخ حينئذ: أما قرأت حكاية الشعراني مع "الزمار" إذ رأى شيخًا كبيرًا ينفخ في مزمار والناس يتفرجون عليه فاعترض عليه في سره فما كان من الشيخ إلا أن قال: ياعبد الوهاب أتريد أن ينقص ملك ربك مزمار؟

فعلم الشعراني أنه من أولياء الله تعالى.

ثم تركني المشايخ بعد سرد الحكاية وذهبوا إلى المولد؟!!.

فلينظر الناظرون إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شرع.

اتخذوا الشيوخ أندادًا، وصار يقصد بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج وشفاء المرضى وسعة الرزق، بعد أن كانت للعبرة وتذكر القدوة، وصارت الحكايات الملفقة ناسخة فعلًا لما ورد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على الخير، ونتيجة ذلك كله أن المسلمين رغبوا عما شرع الله إلى ما توهموا أنه يرضي غيره ممن اتخذوهم أندادًا له وصاروا كالإباحيين في الغالب، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل، واستحوذ عليهم الضعف، وحرموا ما وعد الله المؤمنين من النصر، لأنهم انسلخوا من مجموع ما وصف الله به المؤمنين.

ولم يكن في القرن الأول شيء من هذه التقاليد والأعمال التي نحن عليها، بل ولا في الثاني، ولا يشهد لهذه البدع كتاب ولا سنة، وإنما سرت إلينا بالتقليد أو العدوى من الأمم الأخرى، إذ رأى قومنا عندهم أمثال هذه الاحتفالات فظنوا أنهم إذا عملوا مثلها يكون لدينهم عظمة وشأن في نفوس تلك الأمم.

فهذا النوع من اتخاذ الأنداد كان من أهم أسباب تأخر المسلمين وسقوطهم فيما سقطوا فيه.

وهناك نوع آخر لم يكن أثره في الفتك بهم بأضعف من أثر الأول، وهو ترك الاهتداء بالكتاب والسنة واستبدال أقوال الناس بهما.

فلو دخل في الإسلام رجل عاقل أو شعب مرتق لحار لا يدري بم يأخذ؟

ولا على أي المذاهب والكتب في الأصول والفروع يعتمد، ولصعب علينا إقناعه بأن هذا هو الدين القيم دون سواه، أو بأن هذه المذاهب كلها على اختلافها شيء واحد.

ولو وقفنا عند حدود القرآن وما بينه من الهدى النبوي لسهل علينا أن نفهم ما الحنيفية السمحة التي لا حرج فيها ولا عسر؟

وما الدين الخالص الذي لا عوج فيه ولا خلف؟

ولكننا إذا نظرنا في أقوال الفقهاء وتشعبها، وخلافاتهم وعللها، فإننا نحار في ترجيح بعضها على بعض إذ نجد بعضها يحتج عليه بحديث صحيح وهو ظاهر الحكمة معقول المعنى ولكنه غير معتمد عندهم، بل يقولون فيه: المدرك قوي ولكنه لا يفتى به.

ولماذا؟

لأن فلانًا قال.

فقول رجل من رجال كثيرين جدًا نجهل تاريخ أكثرهم يكفي لترك السنة الصحيحة وإن ظهر أن المصلحة فيما جاءت به السنة، وبهذا قطعت الصلة بين ما نحن فيه وبين أصل الدين وينبوعه.

ونحن لا نطعن في أولئك القائلين أو المرجحين، سواء منهم من كان تاريخه معروفًا لنا ومن كان غير معروف، بل نحسن فيهم الظن ونقول: إنهم قالوا بما وصل إليه علمهم، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين بل باحثين، وإنا نسترشد بكلامهم على أنهم دالون ومبينون لا على أنهم شارعون، بل نقول: إنه يجب على ذي الدين أن ينظر دائمًا إلى كتابه حتى لا يختلط ولا يشتبه عليه شيء من أحكامه، ولا يجوز لأحد أن يرجع في عقائده وعبادته إلا إلى الله تعالى، فإن كانت هناك واسطة الدلالة والتبليغ والتبيين لما نزل الله، وتطبيقه على ما نزل لأجله من حياة الروح والكمال الإنساني.

فيجب علينا أن نعتقد بأن الحكم لله تعالى وحده لا يؤخذ الدين عن غيره، كما يجب علينا أن نعتقد بأن لا فعل لغيره تعالى، فلا نطلب شيئًا إلا منه، وطلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها، فإن جهلنا أو عجزنا فإننا نلجأ إلى قدرته، ونستمد عنايته وحده، وبهذا نكون موحدين مخلصين له الدين كما أمرنا في كتابه المبين، ومن خرج عن هذا كان من متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ .

وبقي صنف آخر يشبه أن يكون من الأنداد وهم العامة، والذين اتخذوهم أندادًا هم علماء الدين، فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون، ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم، فإن لم يفتوهم بخلاف النص التماسًا لخيرهم أو هربًا من سخطهم كتموا حكم الله من أجل ذلك، فترى أحدهم إذا سئل: أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام؟

يغض من صوته بالجواب، ولا يجهر بالقول مداراة للعوام إذا كان الجواب على غير ما هم عليه، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة.

ونقول: مداراة للعوام، حكاية لقولهم إذ يسمون النفاق والمحاباة في الدين مداراة لما كانت المداراة محمودة، وكذلك كان الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ممن قبلهم يسمون كتمانهم بأسماء محمودة، ولكن الله تعالى لعنهم على ذلك وسجل لهم الكفر والفسوق والعصيان.

فهل يختلف حكمه فيرضى لهؤلاء بأن يؤثروا العامة على ربهم ويجعلونهم أندادًا له يحبونهم كحبه أو أشد؟

ترى العالم من هؤلاء ينتسب إلى الشرع ويحترم لأجله وهو مع ذلك يتبع هوى من لا يعرف الشرع، فهو من الذين إذا أوذوا في الله جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، فلا يتخذون الله وليًا ولا نصيرًا.

فهل يكون المرء مؤمنًا إذا كان يترك دينه لأجل الناس؟

أم شرط الإيمان أن يصبر في سبيله على إيذاء الناس؟

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ  ﴾ ؟

إلخ كلا إن هؤلاء المتبوعين والتابعين بعضهم فتنة لبعض وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبرنا تعالى في قوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا  ﴾ التبرؤ المبالغة في البراءة وهي التفصي ممن يكره قربه وجواره تنزهًا عنه.

و"إذ" ظرف متعلق بـ ﴿ يَرَوْنَ الْعَذَابَ  ﴾ في الآية السابقة، والكلام متصل لاحقه بسابقه في موضوع اتخاذ الأنداد.

وقد نطقت الآية السابقة أن عذاب الله تعالى سيحل بمتخذي الأنداد من دونه، وهو عام في التابع في الاتخاذ والمتبوع فيه، وفي أنواع الاتباع المذموم من التشريع بالرأي والهوى والتقليد فيه وغير ذلك من الضلال.

وبين في هاتين الآيتين تفصيل حال التابعين والمتبوعين في ذلك، وأورده بصيغة الماضي تمثيلًا لحال الفريقين في ذلك اليوم الذي ينكشف فيه الغطاء ويرى الناس فيه العذاب بعينهم، ويعرفون أسبابه من تأثير العقائد الباطلة والأعمال السيئة في أنفسهم، كأن الأمر قد وقع، والبلاء قد نزل، ورأى الرؤساء المضلون الذين اتُّبعوا أن إغواءهم للناس الذين اتَّبعوا رأيهم، وقلدوهم دينهم، قد ضاعف عذابهم، وحملهم مثل أوزار الذين أضلوهم فوق أوزارهم، فتبرأوا منهم، وتنصلوا من ضلالتهم ﴿ وَرَأَوْا الْعَذَابَ  ﴾ أي والحال أنهم قد رأوا العذاب الذي هو جزاؤهم ماثلًا لهم يوم الحساب فأنى ينفعهم التبرؤ ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ  ﴾ أي الروابط التي كانت بينهم وبين التابعين وإنما كان ينفعهم في الدنيا لو أنهم آثروا به الحق على الرياسة والجاه والمنافع التي يستفيدها الرئيس باستهواء المرؤوس وإخضاعه له وحمله على اتباعه، أما وقد صدر عن نفوس ترتعد من رؤية العذاب الذي أشرفت عليه بما جنت واقترفت، بعد ما تقطعت الروابط والصلات بينها وبين المتبوعين واصطدمت، فلا منفعة للمتبرّىء تُرِكَت فيحمد تركها، ولا هدية للمتبرَّأ منه تُرْجَى فيحمد أثرها، وأسباب جمع سبب وهو في أصل اللغة الحبل الذي يُصْعَد به النخل وأمثاله من الشجر ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد من المقاصد المعنوية.

لولا أن حيل بين المقلدين وهداية القرآن لكان لهم في هذه الآية أشد زلزال لجمودهم على أقوال الناس وآرائهم في الدين، سواء كانوا من الأحياء أم الميتين، وسواء كان التقليد في العقائد والعبادات أم في أحكام الحلال والحرام، إذ كل هذا مما يؤخذ عن الله ورسوله ليس لأحد فيه رأي ولا قول، إلا ما كان من الأحكام متعلقًا بالقضاء وما يتنازع فيه الناس فلأولي الأمر فيه الاجتهاد بشرطه: إقامة للعدل، وحفظًا للمصالح العامة والخاصة.

وإنما العلماء نقلة وأدلاء لا أنداد ولا أنبياء، فلا عصمة تحوط أحدهم فيعتمد على فهمه، وقصارى العدالة أن يُوثَق بنقله، ويستعان بعمله، وما تنازعوا فيه يرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فهناك القول الفصل والحكم العدل والله يحكم لا معقب لحكمه، ولا مرد لأمره.

في مثل هؤلاء المتبوعين والتابعين نزل قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ  وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ  ﴾ فكل يؤاخذ بعمله، فإذا حمل الأول الآخر على رأيه ودعاه إلى اتباعه فيه أو في رأي غيره الذي يقلده هو فيه فهو من الأئمة المضلين، وعليه إثمه ومثل إثم من أضلهم من غير أن ينقص من إثمهم شيء، إذ حرم الله عليهم اتخاذ الأنداد من دون الله فاتخذوهم.

وأما من يبدي في الدين فهمًا، ويقرر بحسب ما ظهر له من الدليل حكمًا، يريد أن يفتح به للناس أبواب الفقه، ويسهل لهم طريق العلم، ثم هو يأمر الناس بأن يعرضوا قوله على كتاب الله وسنة رسوله وينهاهم أن يأخذوا به إلا أن يقتنعوا بدليله، فهو من أئمة الهدى، وأعلام التقى، وليس يضره أن يقلد فيه بغير علمه، ويجعل ندًا لله من بعد موته، فإنه إذا كان مخطئًا وجاء ذلك المقلد له على غير بصيرة يوم القيامة ينسب ضلاله إليه، فإنه يتبرأ منه بحق ويقول ما أمرتك أن تأخذ بقولي على علاته ولا أعرفك.

فالذين يتخذون أندادًا يتبرأون كلهم يوم القيامة ممن اتخذوهم، ولكنهم يكونون على قسمين: قسم عبدهم الناس كالمسيح وبعض أولي العلم والتقوى من هذه الأمة ومن الأمم قبلها أو قلدوهم وأخذوا بأقوالهم في الدين من غير دليل شرعي كبعض الأئمة المهتدين من غير أن يأمرهم هؤلاء بعبادتهم أو تقليدهم، بل مع نهيهم إياهم عن عبادة غير الله تعالى وعن الاعتماد على غير وحيه في الدين-فهذا القسم غير مراد هنا لأن الذين عبدوا أولئك الأخيار أو قلدوهم دينهم لم يتبعوهم في الحقيقة إذ اتباعهم هو اتباع طريقتهم في الدين وما كانوا يشركون بالله أحدًا ولا شيئًا، ولا يقلدون في دينه أحدًا وإنما كانوا يأخذون دينه عن وحيه فقط.

وقسم أضلوا الناس بأحوالهم وأقوالهم فاتبعوهم على غير بصيرة ولا هدى فهؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، إذ تنقطع بهم أسباب الأهواء والمنافع الدنيوية التي تربط هنا بعضهم ببعض.

قال تعالى ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ  ﴾ أي نتمنى لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لنتبرأ من اتباع هؤلاء المضلين ونتنصل من رياستهم، أو لنتبع سبيل الحق ونأخذ بالتوحيد الخالص ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله، ثم نعود إلى هنا."الآخرة"- فنتبرأ من هؤلاء الضالين كما تبرأوا منا إذا نسعد بعملنا من حيث هم أشقياء بأعمالهم ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ  ﴾ أي أن الله تعالى يظهر لهم كيف أن أعمالهم قد كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم إذ جعلتها مستذلة مستعبدة لغير الله تعالى فأورثها ذلك من الظلمة والصغار ما كان حسرة وشقاء عليها.

فالأعمال هي التي كونت هذه الحسرات في النفس، ولكن لا يظهر ذلك إلا في الدار الآخرة التي تسعد فيها كل نفس بتزكيتها، وتشقى بتدسيتها ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ  ﴾ إلى الدنيا صحيحي العقيدة ليصلحوا أعمالهم، فيشفوا غيظهم من رؤسائهم وأندادهم، ولا إلى الجنة لأن علة دخولهم في النار هي ذواتهم بما طبعتها عليه خرافات الشرط وحب الأنداد.

يقول المفسرون في مثل هذه الآيات إن هذا الكلام خاص بالكفار.

نعم إنه خاص بالكفار كما قالوا، ولكن من الخطأ أن يفهم من هذا الكلام ما يفصل بين المسلمين والقرآن إذ يصرفون كل وعيد فيه إلى المشركين واليهود والنصارى فينصرفون عن الاعتبار المقصود.

لهذا ترى المسلمين لا يتعظون بالقرآن، ويحسبون أن كلمة "لا إله إلا الله" يتحرك بها اللسان من غير قيام بحقوقها كافية للنجاة في الآخرة، على أن كثيرًا من الكافرين يقولها، ومنهم من يهز جسده، عند ذكر الله كما يهزه جماهيرهم، فهل هذا كل ما أراده الله من إنزال القرآن، وبعثة محمد  ؟.

ليس هذا الذي يتوهمه الجاهلون من مراد المفسرين، فما بَيَّن الله تعالى ضروب الشرك وصفات الكافرين وأحوالهم إلا عبرة لمن يؤمن بكتابه حتى لا يقع فيما وقعوا فيه فيكون من الهالكين، ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا ولا يمكن أن يخلفهم الزمان لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام.

والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين هو أن أهل القرنين الأول والثاني لم يكونوا يقلدون أحدًا، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء، بل كان العامي منهم على بينة من دينه يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله، إذ كان علماء الصدر الأول  يلقنون الناس الدين ببيان كتاب الله تعالى وسنة رسوله  .

وكان الجاهل بالشئ يسأل عن حكم الله فيه فيجاب بأن الله تعالى قال كذا أو جرت سنة نبيه على كذا، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدى من كتاب أو سنة ذكر ما جرى عليه الصالحون وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدى أو أحال على غيره.

ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها -ومنهم الأئمة الأربعة- كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين، عليهم الرضوان، على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به.

ثم جاء من العماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامة بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى.

ثم خلف خلق أعرق منهم في التقليد فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة، وعدوا من يحاول فهمها والعمل بهما زائغًا.

وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادًا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله.

إنه نقل عن الأئمة الأربعة  النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما.

وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين شيئًا لا من أصوله ولا من فروعه، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها والأحكام الشرعية بأدلتها وعللها، فلا مندوحة إذن عن القول بجواز التقليد في الأصول -وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته، وفي الرسالة والرسل وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي منه- والتقليد في الفروع العملية بالأولى.

وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل، وإهمال ما وهبهم الله من العقل لينطبق عليهم قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ  ﴾ والمراد أن قلوبهم أي عقولهم لا تفقه الدلائل على الحق، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار، فهذه صفات المقلدين .

والقول الوسط بين القولين هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على قوانين المنطق ولا التزام طريق المتكلمين في مثل بناء الدليل على فرض انتفاء المطلوب، ولا إيراد الشكوك والأجوبة عنها، بل أفضل الطرق فيه وأمثلها طريق القرآن الحكيم في عرض الكائنات على الأنظار وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته.

وهذا هو حكم الله الصريح في المسألة فإنه أمر بالعلم بالتوحيد فقال ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ  ﴾ وقال ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا  ﴾ وطالب بالبرهان وجعله آية الصدق ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ وجعل سبيله الذي أمر باتباعه ونهى عن سواه الدعوة إلى الدين على بصيرة ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي  ﴾ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ .

وأما فرض الأمة جاهلة وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان، وقد قرنه تعالى مع الشرك في التحريم بقوله ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ .

وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدًا التقليد فيه وهي ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها فإن أدلتها وأعمالها متواترة.

وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدى النبوي يجعل المسلم على بصيرة فيها وفقه يبعث على العمل ولا أسهل منه.

ومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة لم يطلع عليها جميع المسلمين، وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها بأن من بلغه حديث منها بطريق يعتقد به ثبوته عمل به، ولم يوجبوا على أحد -ولو منقطعًا لتحصيل العلم- أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها، كيف والصحابة عليهم الرضوان لم يكتبوا الحديث ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس، بل منهم من نهى عن كتابته، ومن حدث فإنما كان يقول ما يعلم إذا عرض له سبب مع المخاطبين.

فمثل هذه الفروع يعذر العامي بجهلها بالأولى، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها.

فلا يقبل رواية كل أحد ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها.

ولا مشقة ولا حرج على المسلمين في التزام هذه الطريقة إلا إذا كانوا يريدون ترك دينهم برمته اكتفاء ببعذ العادات والأعمال التي يكاد يسهل عليهم تمييز السنة فيها من البدعة تقليدًا لآبائهم ومعاشريهم.

فتبين مما شرحناه أن لا عذر لأحد في التقليد المحض وأن حكم الآية يستغرق جميع المقلدين فهم اتخذوا مقلديهم أندادًا وسيتبرأ التابع من المتبوع إذ يرون العذاب، وتتقطع بهم الأسباب.

ومن مباحث اللفظ في الآيتين أن التشبيه في قوله تعالى ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ هو تشبيه حالة بحالة ذكرت في الكلام السابق أي كذلك النحو الذي ذكر من إراءتهم العذاء سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، والذين تنطعوا في إعرابها من المفسرين صرفتهم قواعد النحو عن ملاحظة الأسلوب العربي في مثل هذا، على أن له نظائر في كلام العامة في كل زمان هي مما بقي لهم من الأساليب العربية الفصيحة لم تفسدها العجمة إذ لا تمجها أذواق الأعجميين.

ومنها قوله تعالى ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ  ﴾ جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب، فإنك إذا قلت هنا كما قال (الجلال) تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية.

ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ و ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ  ﴾ فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة فقلت في الأول كفى الله شهيدًا أو كفت شهادته، وفي الثاني تسبيحًا لله: لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس.

ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد فى كل لغة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده