الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٦ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرؤ المتبوعين من التابعين ، فقال : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا [ ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ] ) تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في دار الدنيا ، فتقول الملائكة : ( تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ) [ القصص : 63 ] ويقولون : ( سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) [ سبأ : 41 ] والجن أيضا تتبرأ منهم ، ويتنصلون من عبادتهم لهم ، كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] وقال تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] وقال الخليل لقومه : ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] وقال تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] وقال تعالى : ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) [ إبراهيم : 22 ] .
وقوله : ( ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ) أي : عاينوا عذاب الله ، وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار معدلا ولا مصرفا .
قال عطاء عن ابن عباس : ( وتقطعت بهم الأسباب ) قال : المودة .
وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح .
القول في تأويل قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إذْ تبرَأ الذين اتُّبعوا منَ الذين اتبعوا ورَأوا العذاب "، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعواهم.
(39) * * * ثم اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله: " إذ تَبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا "، فقال بعضهم بما:- 2413- حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إذ تبرأ الذين اتُّبعوا "، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس في الشرك," من الذين اتَّبعوا "، وهم الأتباع الضعفاء," ورأوا العذاب ".
2414- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا " قال، تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة.
2415- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، ابن جريج: قلت لعطاء: " إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا " قال، تبرأ رؤساؤهم وقادَتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم.
* * * وقال آخرون بما:- 2416- حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إذ تبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتُّبعوا "، أما " الذين اتُّبعوا "، فهم الشياطين تبرأوا من الإنس.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله.
ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض, بل عَمّ جميعهم.
فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتَّبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا عَذابَ الله في الآخرة.
* * * وأما دِلالة الآية فيمن عنى بقوله: " إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا "، فإنها إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دون الله مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفتَه بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.
وإذ كانت الآيةُ على ذلك دَالّةً، صحّ التأويل الذي تأوله السدي في قوله: (40) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، أن " الأنداد " في هذا الموضع، إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر, ويَعصُون الله في طاعتهم إياهم, كما يُطيع اللهَ المؤمنون ويَعصون غيره = وفسد تأويل قول من قال: (41) " إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا "، إنهم الشياطين تَبرءوا من أوليائهم من الإنس.
لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن مُتخذي الأنداد.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين اتبعوا, وإذ تَقطعت بهم الأسباب.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الأسباب ".
فقال بعضهم بما:- 2417- حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير,- عن عبيد المكتب, عن مجاهد: " وتَقطعت بهمُ الأسباب " قال، الوصال الذي كان بينهم في الدنيا.
(42) 2418- حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد: " وتقطَّعت بهم الأسباب " قال، تواصلهم في الدنيا.
(43) 2419 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد - جميعًا قالا حدثنا سفيان, عن عبيد المكتب, عن مجاهد بمثله.
2420- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد: " وتقطعت بهم الأسباب " قال، المودّة.
2421- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2422- حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا.
2423- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى قال، أخبرني قيس بن سعد, عن عطاء, عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره: " وتقطّعت بهم الأسباب " قال، المودة.
2424- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وتقطعت بهم الأسباب "، أسبابُ الندامة يوم القيامة, وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابُّون بها, فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ويتبرأ بعضُكم من بعض.
وقال الله تعالى ذكره: الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [سورة الزخرف: 67]، فصارت كل خُلَّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين.
2425- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وتقطعت بهم الأسباب " قال، هو الوصْل الذي كان بينهم في الدنيا.
2426- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " وتقطعت بهم الأسباب "، يقول: الأسبابُ، الندامة.
* * * وقال بعضهم: بل معنى " الأسباب "، المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا.
* ذكر من قال ذلك: 2427- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " وتقطعت بهم الأسباب "، يقول: تقطّعت بهم المنازلُ.
2428- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: " وتقطعت بهم الأسباب " قال، الأسباب المنازل.
* * * وقال آخرون: " الأسباب "، الأرحام.
* ذكر من قال ذلك: 2429- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, وقال ابن عباس: " وتقطعت بهم الأسباب " قال، الأرحام.
* * * وقال آخرون : " الأسباب "، الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك: 2430- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا " وتقطعت بهم الأسباب "، فالأعمال.
2431- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وتقطعت بهم الأسباب " قال، أسباب أعمالهم, فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وَثيقةً، فيأخذون بها فينجُون, والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار.
* * * قال أبو جعفر: (44) " والأسباب "، الشيء يُتعلَّقُ به.
قال: و " السبب " الحبل." والأسباب " جمع " سَبب ", وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته.
فيقال للحبل " سبب "، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به.
ويقال للطريق " سبب "، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه.
وللمصاهرة " سبب "، لأنها سَببٌ للحرمة.
وللوسيلة " سَبب "، للوصول بها إلى الحاجة, وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة، فهو " سبب " لإدراكها.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في تأويل قوله: " وتقطعت بهم الأسباب " أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم -من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار- يتبرأ = عند معاينتهم عذابَ الله = المتبوعُ من التابع, وتتقطع بهم الأسباب.
وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا, وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [سورة إبراهيم: 22]، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين, وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا, فقال تعالى ذكره: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [سورة الصافات:24-25] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه, وإن كان نسيبه لله وليًّا, فقال تعالى ذكره في ذلك: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [سورة التوبة: 114] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات.
وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب, فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة بأهلها.
فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم، (45) ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم, ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات.
فكل أسباب الكفار منقطعة.
فلا مَعْنِىَّ أبلغُ -في تأويل قوله: " وتقطعت بهم الأسباب "- من صفة الله [ذلك] وذلك ما بيَّنا من [تقطّع] جَميع أسبابهم دون بَعضها، (46) على ما قلنا في ذلك.
ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه, وعورض بقول مخالفه فيه.
فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
------------------- الهوامش : (39) في المطبوعة : "من الذين اتبعوا" مرة أخرى ، والصواب"اتبعوهم" كما أثبت ، وإلا لم يكن ذلك إلا تكرارًا بلا معنى .
(40) انظر الأثر رقم : 2411 .
(41) قوله : "وفسد" معطوف على قوله : "صح" .
(42) الخبر : 2417- فضيل بن عياض بن مسعود التميمي الزاهد الخراساني : ثقة ، قال ابن سعد : "كان ثقة ثبتًا فاضلا عابدًا ورعًا كثير الحديث" .
مات في أول المحرم سنة 187 بمكة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/123 ، والصغير : 209 ، وابن سعد 5 : 366 ، وابن أبي حاتم 3/2/73 .
وهذا الخبر يرويه أبو جعفر بإسنادين : من طريقي الفضيل بن عياض ، ثم من طريقي جرير ، وهو ابن عبد الحميد الضبي - كلاهما عن عبيد المكتب .
ثم سيرويه عقب ذلك ، بإسنادين آخرين : 2418 ، 2419 ، من رواية سفيان ، وهو الثوري ، عن عبيد المكتب .
و"عبيد المكتب" ، بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء المثناة ، من"الإكتاب" ، أي تعليم الكتابة : هو عبيد بن مهران الكوفي ، وهو ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 237 ، وابن أبي حاتم 3/1/2 .
(43) الخبر : 2418- إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، شيخ الطبري : ثقة مأمون .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/1/211 ، وتاريخ بغداد 6 : 370 .
(44) من أول هذه الفقرة ، كلام أبي جعفر ، وأخشى أن يكون سقط شيء قبله .
وهذا الابتداء على كل حال ، جار على غير النهج الذي سار عليه كتابه من قبل ومن بعد .
(45) في المطبوعة : "ينفعهم" ، والصواب ما أثبت ، فالأفعال قبله وبعده كلها ماضية .
والخلال مصدر خاله (بشديد اللام) يخاله مخالة وخلالا : وهي الصداقة والمودة ، يقول امرؤ القيس : صَـرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى فَلَسْــتُ بِمَقْـلِيِّ الخِـلالِ وَلاَ قَـالي (46) الزيادة التي بين الأقواس ، لا بد منها حتى يستقم صدر الكلام وآخره ، في الجملة التالية .
ويعني بقوله"صفة الله" : ما وصف الله سبحانه من تقطع أسباب الكافرين يوم القيامة ، كالذي عدده آنفًا في الفقرة السالفة .
قوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسبابقوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا يعني السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر .
عن قتادة وعطاء والربيع .
وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرءوا من الإنس .
وقيل : هو عام في كل متبوع .
ورأوا العذاب يعني التابعين والمتبوعين ، قيل : بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا .
وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة .قلت : كلاهما حاصل ، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان ، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال .[ ص: 194 ] قوله تعالى : وتقطعت بهم الأسباب أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره ، عن مجاهد وغيره .
الواحد سبب ووصلة .
وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا .
وقال السدي وابن زيد : إن الأسباب أعمالهم .
والسبب الناحية ، ومنه قول زهير :ومن هاب أسباب المنايا ينلنه وإن يرق أسباب السماء بسلم
وتبرأ المتبوعون من التابعين, وتقطعت بينهم الوصل, التي كانت في الدنيا, لأنها كانت لغير الله, وعلى غير أمر الله, ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له, فاضمحلت أعمالهم, وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين, وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها, انقلبت عليهم حسرة وندامة, وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، فهل بعد هذا الخسران خسران؟
ذلك بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل ورجوا غير مرجو, وتعلقوا بغير متعلق, فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها, فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين, وأخلص العمل لوجهه, ورجا نفعه، فهذا قد وضع الحق في موضعه, فكانت أعماله حقا, لتعلقها بالحق, ففاز بنتيجة عمله, ووجد جزاءه عند ربه, غير منقطع كما قال تعالى: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ }
{إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب} هذا في يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض، هذا قول أكثر المفسرين، وقال السدي: "هم الشياطين يتبرأون من الإنس".
{وتقطعت بهم} أي عنهم.
{الأسباب} أي الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصداقات وصارت مخالتهم عداوة، وقال ابن جريج: "الأرحام كما قال الله تعالى:{فلا أنساب بينهم يومئذ} [101-المؤمنون]"، وقال السدي: "يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا كما قال الله تعالى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} [23-الفرقان]".
وأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنه يقال للحبل سبب وللطريق سبب.
«إذ» بدل من إذ قبله «تبرَّأ الذين اتُبعوا» أي الرؤساء «من الذين اتَّبعوا» أي أنكروا إضلالهم «و» قد «رأوا العذاب وتقطعت» عطف تبرأ «بهم» عنهم «الأسباب» الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة.
عند معاينتهم عذاب الآخرة يتبرأ الرؤساء المتبوعون ممن اتبعهم على الشرك، وتنقطع بينهم كل الصلات التي ارتبطوا بها في الدنيا: من القرابة، والاتِّباع، والدين، وغير ذلك.
وقوله - تعالى - : ( إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا .
.
.
) بدل من قوله : ( إِذْ يَرَوْنَ العذاب ) .
أو مفعولا به بتقدير اذكر .و ( تَبَرَّأَ ) من التبرؤ وهو التخلص والتنصل والتباعد ، ومنه برئت من الدين أي : تخلصت منه ، وبرأ المريض من مرضه ، أي : تخلص من مرضه .والمراد بالذين اتبعوا : أئمة الكفر الذين يحلون ويحرمون ما لم يأذن به الله .والمراد بالذين اتبعوا : أتباعهم وأشياعهم الذين يتلقون جميع أقوالهم بالطاعة والخوضع بدون تدبر أو تعقل .وجملة ( وَرَأَوُاْ العذاب ) حال من الأتباع والمتبوعين ، والضمير يعود على الفريقين : أي : تبرؤا جميعاً من بعض في حال رؤيتهم للعذاب .وجملة ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب ) معطوفة على تبرأ ، أورأوا .والباء في ( بِهِمُ ) للسبيبة أي : وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون من ورائها النجاة ، وقيل للملابسة أي : تقطعت الأسباب ملتبسة بهم فخابت آمالهم وسقطوا صرعى .و ( الأسباب ) جمع سبب ، وهو في الأصل الحبل الذي يرتقى به الشجر ونحوه ، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره ، عيناً كان أو معنى .
فيقال للطريق سبب ، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تربده ، ويقال للمودة سبب لأنك تتواصل بها إلى غيرك ، والمراد بالأسباب هنا : الوشانج والصلات التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا ، من القرابات والمودات والأحلاف والاتفاق في الدين .
.
.
إلخ .والمعنى : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة ، ذلك اليوم الهائل الشديد الذي يتنصل فيه الرؤساء من مرءوسيهم ، والاتباع من متبوعيهم حال رؤيتهم جميعاً للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام ، وقد ترتب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون بها في الدنيا ، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرؤ منه .قال بعض العلماء : وفي قوله : ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب ) استعارة تمثيلية إذ شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدة حياتهم وقد جاء إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب ، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتني الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب - أي الحبل - عند ارتقائه فسقط هالكا ، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعاً حينئذ أن لانجاة لهم ، فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة .
وهي تمثيلية بديعة تشتمل على سبعة أشياء كل واحد منهما يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبهة بها وهي :تشبيه المشرك في عبادته الأصنام بالمرتقى بجامع السعي ، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل ، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر ، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول ، وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة ، وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك .
.
.
"
اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أنداداً بقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب ﴾ على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا ﴾ فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ وقال أيضاً: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ وقال: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ وحكى عن إبليس أنه قال: ﴿ إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ﴾ قولان، الأول: أنه بدل من: ﴿ إِذْ يَرَوْنَ العذاب ﴾ .
الثاني: أن عامل الإعراب في (إذ) معنى شديد كأنه قال: هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ.
المسألة الثانية: معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب ﴾ يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سبباً، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه: أحدها: أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس، عن قتادة والربيع وعطاء.
وثانيها: أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي.
وثالثها: أنهم شياطين الجن والإنس.
ورابعها: الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام، ويجب أيضاً حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ﴾ ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء.
المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير التبرؤ وجوهاً: أحدها: أن يقع منهم ذلك بالقول.
وثانيها: أن يكون نزول العذاب بهم، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا.
وثالثها: أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول، لأنه هو الحقيقة في اللفظ.
أما قوله تعالى: ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب ﴾ الواو للحال، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف.
أما قوله تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه عطف على ﴿ تبرأ ﴾ وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال: الأول: أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها، عن مجاهد وقتادة والربيع.
الثاني: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج.
الثالث: الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي.
والرابع: العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها، عن ابن عباس.
الخامس: ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم.
السادس: المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس.
السابع: أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال: وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر.
المسألة الثانية: الباء في قوله تعالى: ﴿ بِهِمُ الأسباب ﴾ بمعنى (عن) كقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ أي عنه قال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء.
المسألة الثالثة: أصل السبب في اللغة الحبل قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء ﴾ ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب.
يقال: ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة، وقيل للطريق: سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها، قال تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ أي طريقاً، وأسباب السموات: أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال تعالى مخبراً عن فرعون: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ أَسْبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ﴾ قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا تناله *** ولو رام أسباب السماء بسلم والمودة بين القوم تسمى سبباً لأنهم بها يتواصلون.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تبرؤا مِنَّا ﴾ فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره: فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة.
أما قوله: ﴿ كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ كذلك يُرِيهِمُ ﴾ وجهان.
الأول: كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد.
الثاني: كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات، لأنهم أيقنوا بالهلاك.
المسألة الثانية: في المراد بالأعمال أقوال: الأول: الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي.
الثاني: المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها.
الثالث: ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم.
الرابع: أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة، وهو كفرهم ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به.
المسألة الثالثة: حسرات ثالث مفاعيل: رأى.
المسألة الرابعة: قال الزجاج: الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب، وهو الذي لا منفعة فيه، يقال: حسر فلان يحسر حسرة وحسراً إذا اشتد ندمه على أمر فاته، وأصل الحسر الكشف، يقال: حسر عن ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة، والحسور: الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن الأرض، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار ﴾ فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا: إن قوله: ﴿ وَمَا هُمْ ﴾ تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصاً بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ وثبت أن المراد بالفجار هاهنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَندَاداً ﴾ أمثالاً من الأصنام.
وقيل من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم.
واستدلّ بقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ .
ومعنى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب ﴿ كَحُبّ الله ﴾ كتعظيم الله والخضوع له، أي كما يحب الله تعالى، على أنه مصدر من المبني للمفعول، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملبس.
وقيل: كحبهم الله، أي يسوُّون بينه وبينهم في محبتهم لأنهم كانوا يقرّون بالله ويتقرّبون إليه.
فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴿ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره؛ بخلاف المشركين فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ إشارة إلى متخذي الأنداد أي لو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أنّ القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم، ويعلمون شدّة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم، فحذف الجواب كما في قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ ﴾ [الأنعام: 27] ، وقولهم: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه.
وقرئ: ﴿ ولو ترى ﴾ بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً.
وقرئ: ﴿ إذ يرون ﴾ على البناء للمفعول.
وإذ في المستقبل كقوله: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ [الأعراف: 44] .
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ﴾ بدل من ﴿ إِذْ يَرَوْنَ العذاب ﴾ أي تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء من الأتباع.
وقرأ مجاهد الأوّل على البناء للفاعل والثاني على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع من الرؤوساء ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب ﴾ والواو للحال، أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب ﴿ وَتَقَطَّعَتْ ﴾ عطف على تبرأ.
و ﴿ الأسباب ﴾ الوصل التي كانت بينهم: من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحاب، والأتباع، والاستتباع، كقوله: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ [الأنعام: 94] ﴿ لَوْ ﴾ في معنى التمني.
ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرّة، فنتبرأ منهم ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿ يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات ﴾ أي ندامات، وحسرات: ثالث مفاعيل أرى، ومعناه أنّ أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم ﴿ وَمَا هُم بخارجين ﴾ هم بمنزلته في قوله: همْ يَفْرِشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ في دلالته على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ يَرَوْنَ ﴾ ، أيْ إذْ تَبَرَّأ المُتَّبَعُونَ مِنَ الأتْباعِ.
وقُرِئَ بِالعَكْسِ، أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ ﴿ وَرَأوُا العَذابَ ﴾ أيْ رائِينَ لَهُ، والواوُ لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ.
وقِيلَ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ يُحْتَمَلُ العَطْفُ عَلى تَبَرَّأ، أوْ رَأوْا والواوُ لِلْحالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْبابُ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الأتْباعِ والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ.
وأصْلُ السَّبَبِ: الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ.
وقُرِئَ « وتُقُطِّعَتْ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا ﴾ ﴿ لَوْ ﴾ لِلتَّمَنِّي ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِالفاءِ، أيْ لَيْتَ لَنا كَرَّةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَذَلِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ.
﴿ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ نَداماتٍ، وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ يَرى أنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وإلّا فَحالٌ ﴿ وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ ﴾ أصْلُهُ وما يَخْرُجُونَ، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
{إِذْ تَبَرَّأَ} مدغمة الذال في التاء حيث وقعت عراقي غير عاصم
وهو بدل من إذ يرون العذاب {الذين اتبعوا} أي المتبعون وهم لرؤساء {مِنَ الذين اتبعوا} من الأتباع {وَرَأَوُاْ العذاب} الواو فيه للحال أى تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب {وَتَقَطَّعَتْ} عطف على تبرأ {بِهِمُ الأسباب} الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ون الأنساب والمحاب
﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ يَرَوْنَ ﴾ مُطْلَقًا، وجازَ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالجَوابِ ومُتَعَلِّقِهِ لِطُولِ البَدَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (شَدِيدِ العَذابِ) أوْ مَفْعُولًا (لِاذْكُرُوا ) وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ ( تَرى ) عَلى قِراءَةِ الخِطابِ، كَما أنَّ (إذْ يَرَوْنَ) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، و(أنَّ القُوَّةَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِنَ (العَذابِ)، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَقْتَضِي جَوازَ تَعَدُّدِ البَدَلِ، ولَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، وأيْضًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقاضِيًا لِلْبَدَلِ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا، وأنْ يَكُونَ البَدَلُ مُشْتَمِلًا عَلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ - وكِلاهُما مَفْقُودانِ - والمَعْنى: ﴿ إذْ تَبَرَّأ ﴾ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ ﴿ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ أيِ: المَرْءُوسِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ( الأوَّلَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ( والثّانِي ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ وانْفَصَلُوا عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ، ونَدِمُوا عَلى عِبادَتِهِمْ، ﴿ ورَأوُا العَذابَ ﴾ حالٌ مِنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ، كَما في لَقِيتُهُ راكِبِينَ؛ أيْ: رائِينَ لَهُ، فالواوُ لِلْحالِ، و( قَدْ ) مُضْمَرَةٌ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى تَبْرَأُ وفِيهِ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْدالِ ( إذْ رَأوُا العَذابَ ) مِن ﴿ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلَيْنِ - وإنْ كانا مُتَغايِرَيْنِ - إلّا أنَّ تَهْوِيلَ الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيهِ، وهو رُؤْيَةُ العَذابِ؛ ولِأنَّ الحَقِيقَ بِالِاسْتِفْظاعِ هو تَبَرُّؤُهم حالَ رُؤْيَةِ العَذابِ، لا هو نَفْسُهُ، وأُجِيبَ أنَّ البَدَلَ الوَقْتُ المُضافُ إلى الأمْرَيْنِ، والمُبْدَلَ مِنهُ الوَقْتُ المُضافُ إلى واحِدٌ، وهو الرُّؤْيَةُ فَقَطْ، وفِيهِ أنَّ هَذا أيْضًا لا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنِ الرَّكاكَةِ؛ إذْ بَعْدَ تَهْوِيلِ الوَقْتِ بِإضافَتِهِ إلى ( رُؤْيَةِ العَذابِ ) لا حاجَةَ إلى جَمْعِها مَعَ التَّبَرِّي بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ حالًا، فَإنَّ البَدَلَ هو التَّبَرُّؤُ الواقِعُ في حالِ رُؤْيَةِ العَذابِ.
﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ 166﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى (تَبَرَّأ) أوْ (رَأوْا) أوْ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في ( الواوِ ) العَطْفُ، وفي الجُمْلَةِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَتِهِ تَكْثِيرَ أسْبابِ التَّهْوِيلِ والِاسْتِفْظاعِ، مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ ( قَدْ ) والباءِ مِن ( بِهِمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ تَقَطَّعَتْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ الأسْباب الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ مِنها النَّجاةَ، وقِيلَ: لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ مَوْصُولَةً بِهِمْ؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى ( عَنْ )، وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: قَطَعَتْهُمُ الأسْبابُ، كَما تَقُولُ: تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطَّرِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ وأصْلُ ( السَّبَبِ ) الحَبْلُ مُطْلَقًا، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الماءِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي أحَدُ طَرَفَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّقْفِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ النَّخْلُ.
والمُرادُ بِـ ( الأسْباب ) هُنا الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ في الدُّنْيا مِنَ الأنْسابِ والمَحابِّ، والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والِاتِّباعِ والِاسْتِتْباعِ، وقُرِئَ ( تَقَطَّعَتْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( تَقَطَّعَ ) جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، يعني بعض الناس وصفوا لله شركاء وأعدالاً وهي الأوثان.
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، قال بعضهم: معناه يحبون الأوثان كحبهم لله تعالى، لأنهم كانوا يقرون بالله تعالى.
وقال بعضهم: معناه، يحبون الأوثان كحب المؤمنين لله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، لأن الكفار يعبدون أوثانهم في حال الرخاء، فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها والمؤمنون يعبدون الله تعالى في حال الرخاء والشدة، فهذا معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.
فإن قيل: إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؟
قيل له: يحتمل أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حباً، وفي أول الآية ذكر بعض المؤمنين، وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حباً لله.
والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حباً له.
كما قال القائل: لَوْ كَانَ حُبُّكَ صادقا لأطعته ...
إن المحب لِمَنْ يُحْبُّ مُطِيعُ ثم قال لمحمد : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يا محمد.
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ، يعني حين يرون العذاب.
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، وفي الآية مضمر ومعناه: يا محمد لو رأيت الذين ظلموا في العذاب، لرأيت أمراً عظيماً كما تقول: لو رأيت فلاناً تحت السياط فيستغني عن الجواب، لأن معناه مفهوم.
فكذلك هاهنا لم يذكر الجواب، لأن المعنى معلوم.
قرأ نافع وابن عامر: وَلَوْ تَرَى بالتاء على معنى المخاطب للنبي .
وقرأ الباقون: بالياء ومعناه ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة، أن الأوثان لا تنفعهم شيئاً وأن القوة لله جميعاً، تركوا عبادتها.
وقرأ ابن عامر إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون بنصب الياء على معنى الخبر عنهم.
وقرأ الحسن وقتادة: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً على معنى الابتداء، وقرأ العامة أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ بالنصب على معنى البناء، يعني بأن القوة لله جميعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، يعني للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان.
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا، يعني القادة مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وهم السفلة وَرَأَوُا الْعَذابَ، يقال حين يروا العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا.
وقال القتبي: الأسباب يعني الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا.
وقال بعضهم وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، أي الخلة والمواصلة، كما قال في آية أخرى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ويقال: الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما بينهم.
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي السفلة: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، أي رجعة إلى الدنيا وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا منهم ولا ينفعونهم شيئاً، ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في أنفسهم: لو أن لنا كَرَّةً أي رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، أي من القادة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا القادة.
قال الله تعالى: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ لأنهم يرون أعمالهم غير مقبولة، لأنها كانت لغير وجه الله تعالى فيكون ذلك حسرة عليهم.
وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ، يعني التابع والمتبوع والعابد والمعبود.
<div class="verse-tafsir"
الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ» ، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «١» ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «٢» : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع.
وَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ...
الآية: النّدّ: النظير،
والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «١» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق.
وقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ» : مضمَرٌ على التقديرين «٢» ، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ علم
ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته.
وقرأ حمزةُ وغيره «١» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله.
والَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم.
والسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع.
والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ...
الآيةَ: يحتمل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَأوُا العَذابَ ﴾ يَشْمَلُ الكُلَّ.
﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ أيْ: عَنْهم، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ .
وفي الأسْبابِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَوَدّاتُ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها الأعْمالُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ وابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ.
رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الأسْبابُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ بِها في الدُّنْيا، فَأمّا تَسْمِيَتُها بِالأسْبابِ، فالسَّبَبُ في اللُّغَةِ: الحَبْلُ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ: سَبَبٌ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ ﴿ فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ ﴾ يُرِيدُونَ: مِنَ القادَةِ ﴿ كَما تَبَرَّءُوا مِنّا ﴾ في الآَخِرَةِ.
﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: كَتَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَ الكافِرِ لا تَنْفَعُهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ إذا رَأوْا أحْسَنَ المُجازاةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأعْمالِهِمْ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ ثَوابَ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وجَزاءَها، فَحَذَفَ !
الجَزاءَ وَأقامَ الأعْمالَ مَقامَهُ.
قالَهُ ابْنُ فارِسٍ: والحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ.
وقالَ غَيْرُهُ: الحَسْرَةُ: أشَدُّ النَّدامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللهِ شَدِيدُ العَذابَ ﴾ ﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النارِ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الوَحْدانِيَّةَ، ثُمَّ الآياتِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا واحِدًا، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الجاحِدِينَ الضالِّينَ تَعَجُّبًا مِن سُوءِ ضَلالِهِمْ مَعَ الآياتِ، لِأنَّ المَعْنى: إنَّ في هَذِهِ الأُمُورِ لَآياتٌ بَيِّنَةٌ، "وَمِنَ الناسِ" -مَعَ ذَلِكَ البَيانِ- " مَن يَتَّخِذُ ".
وخَرَجَ "يَتَّخِذُ" مُوَحَّدًا عَلى لَفْظِ "مَن" والمَعْنى جَمْعُهُ.
و"مِن دُونِ" لَفْظٌ يُعْطِي غَيْبَةَ ما تُضافُ إلَيْهِ "دُونِ" عَنِ القَضِيَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ وتَفْسِيرُ "دُونِ" بِسِوى، أو بِغَيْرِ، لا يَطَّرِدُ.
والنِدُّ: النَظِيرُ والمُقاوِمُ والمُوازِي، كانَ ضِدًّا، أو خِلافًا، أو مَثَلًا، إذا قاوَمَ مِن جِهَةٍ فَهو مِنها نِدٌّ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِالأنْدادِ الأوثانُ.
وجاءَ ضَمِيرُها في " يُحِبُّونَهم " ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ، لَمّا نَزَلَتْ بِالعِبادَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: المُرادُ بِالأنْدادِ الرُؤَساءُ المُتَّبَعُونَ، يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللهِ تَعالى.
و" يُحِبُّونَهم " في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِلْأنْدادِ، أو عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في "يَتَّخِذُ"، أو يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لـ "مَن"، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "مَن" نَكِرَةً.
والكافُ مِن "كَحُبِّ" في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و"حُبِّ": مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ في اللَفْظِ، وهو عَلى التَقْدِيرِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: كَحُبِّهِمْ.
أيْ يُسَوُّونَ بَيْنَ مَحَبَّةِ اللهِ ومَحَبَّةِ الأوثانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لِإخْلاصِهِمْ وتَيَقُّنِهِمُ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا )، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"أنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، و"أنِ" الأُخْرى كَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وتَقْدِيرُ ذَلِكَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، وفَزَعِهِمْ مِنهُ، واسْتِعْظامِهِمْ لَهُ، لَأقَرُّوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، فالجَوابُ مُضْمَرٌ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ المَعْنى، وهو العامِلُ في "أنَّ".
وتَقْدِيرٌ آخَرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، وفَزَعِهِمْ مِنهُ، لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وقَدْ كانَ النَبِيُّ عَلِمَ ذَلِكَ، ولَكِنْ خُوطِبَ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ إلى تَقْوِيَةِ عِلْمِهِ بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذا.
وتَقْدِيرٌ ثالِثٌ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ -لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ- لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَكالِ، ولاسْتَعْظَمْتَ ما حَلَّ بِهِمْ، فاللامُ مُضْمَرَةٌ قَبْلَ "أنْ" فَهي مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ حُذِفَ جَوابُ "لَوَ" مُبالَغَةً، لِأنَّكَ تَدَعُ السامِعَ يَسْمُو بِهِ تَخَيُّلَهُ، ولَوْ شَرَحْتَ لَهُ، لَوَطَنَتْ نَفْسُهُ إلى ما شَرَحَتْ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "تَرى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن "إنَّ"، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، لاسْتَعْظَمْتَ ما حَلَّ بِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ ﴾ .
وتَأْوِيلٌ آخَرُ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ يَقُولُونَ: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لاسْتَعْظَمْتَ حالَهم.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ "يَرى" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ وفَتْحِ الألْفِ مِن "أنَّ".
تَأْوِيلُهُ: ولَوْ يَرى في الدُنْيا الَّذِينَ ظَلَمُوا حالَهم في الآخِرَةِ، إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ.
وتَأْوِيلٌ آخَرُ، رُوِيَ عَنِ المُبَرِّدِ والأخْفَشِ: ولَوْ يَرى -بِمَعْنى يَعْلَمُ- الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ، أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، لاسْتَعْظَمُوا ما حَلَّ بِهِمْ، فَـ "يَرى" عامِلٌ في "أنَّ" وسَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ البَصَرِ، والتَقْدِيرُ في قِراءَةِ الياءِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وحُذِفَ جَوابُ "لَوَ" لِلْمُبالَغَةِ، ويَعْمَلُ في "أنَّ" الفِعْلُ الظاهِرُ، وهو أرْجَحُ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مُقَدَّرًا.
وَدَخَلَتْ "إذْ" وهي لَما مَضى في أثْناءِ هَذِهِ المُسْتَقْبِلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ، وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ، كَما يَقَعُ الماضِي مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ و ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الأشْتَرِ النَخْعِيِّ: بَقَّيْتُ نَفْسِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهٍ عَبُوسِ وقَرَأتْ طائِفَةٌ "يَرى" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وكَسْرِ الألْفِ مِن "إنَّ"، وذَلِكَ إمّا عَلى حَذْفِ الجَوابِ وابْتِداءِ الخَبَرِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: لَقالُوا: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يَرَوْنَ" بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.
وثَبَتَتْ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ القُوَّةُ لِلَّهِ، بِخِلافِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، في نَفْيِهِمْ مَعانِي الصِفاتِ القَدِيمَةِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: " الَّذِينَ اتُّبِعُوا " كُلُّ مَن عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشَياطِينُ المُضِلُّونَ، وقالَ الرَبِيعُ، وعَطاءٌ: هم رُؤَساؤُهم.
ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.
و"إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ "شَدِيدُ العَذابِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها اذْكُرْ.
و" الَّذِينَ اتُّبِعُوا " بِفَتْحِ الباءِ- هُمُ العَبَدَةُ لِغَيْرِ اللهِ، والضالُّونَ المُقَلِّدُونَ لِرُؤَسائِهِمْ أو لِلشَّياطِينِ.
وتَبْرِيرُهم هو بِأنْ قالُوا: إنّا لَمْ نُضِلَّ هَؤُلاءِ، بَلْ كَفَرُوا بِإرادَتِهِمْ، وتَعَلَّقَ العِقابُ عَلى المُتَّبَعِينَ بِكُفْرِهِمْ، ولَمْ يَتَأتَّ ما حاوَلُوهُ مِن تَعْلِيقِ ذُنُوبِهِمْ عَلى المُضِلِّينَ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ بِتَقْدِيمِ الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى المُتَّبِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، وتَأْخِيرِ المُسْنَدِ إلى المُتَّبَعِينَ.
والسَبَبُ في اللُغَةِ: الحَبْلُ الرابِطُ المُوصِلُ، فَيُقالُ في كُلِّ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ فَيْصَلٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأسْبابُ هُنا الأرْحامُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي العُهُودُ، وقِيلَ: المَوَدّاتُ، وقِيلَ: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُنْيا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسُدِّيُّ: هي الأعْمالُ إذْ أعْمالُ المُؤْمِنِينَ كالسَبَبِ في تَنْعِيمِهِمْ، فَتَقَطَّعَتْ بِالظالِمِينَ أعْمالُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى وقالَ الأتْباعُ الَّذِينَ تُبُرِّئَ مِنهُمْ: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهُمْ، والكَرَّةُ العَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ولَقَدْ عَطَفْنَ عَلى فَزارَةَ عَطْفَةً ∗∗∗ كَرَّ المَنِيحِ، وجُلْنَ ثُمَّ مَجالًا والمَنِيحُ هُنا أحَدُ الأغْفالِ مِن سِهامِ المَيْسِرِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا خَرَجَ مِنَ الرَبابَةِ رَدَّ لِفَوْرِهِ لِأنَّهُ لا فَرْضَ فِيهِ، ولا حُكْمَ عنهُ.
والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ، إمّا لِمَصْدَرٍ أو لِحالٍ تَقْدِيرُها: مُتَبَرِّئِينَ كَما، والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ﴾ ، قِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هي كافُ تَشْبِيهٍ مُجَرَّدَةٌ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِهِمْ وقْتَ تَمَنِّيهِمُ الكَرَّةَ.
والرُؤْيَةُ في الآيَةِ هي مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ.
و"أعْمالَهُمْ" قالَ الرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: الفاسِدَةُ الَّتِي ارْتَكَبُوها فَوَجَبَتْ لَهم بِها النارُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والسُدِّيُّ: المَعْنى: الصالِحَةُ الَّتِي تَرَكُوها فَفاتَتْهُمُ الجَنَّةُ، ورُوِيَتْ في هَذا القَوْلِ أحادِيثُ.
وأُضِيفَتْ هَذِهِ الأعْمالُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مَأْمُورُونَ بِها، وأمّا إضافَةُ الفاسِدَةِ فَمِن حَيْثُ عَمِلُوها.
وَ"حَسَراتٍ" حالٌ عَلى أنْ تَكُونَ الرُؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، ومَفْعُولٌ عَلى أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، والحَسْرَةُ أعْلى دَرَجاتِ النَدامَةِ والهَمِّ بِما فاتَ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَيْءِ الحَسِيرِ الَّذِي قَدِ انْقَطَعَ وذَهَبَتْ قُوَّتُهُ كالبَعِيرِ والبَصَرِ، وقِيلَ: هي مِن حَسْرٍ إذا كَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «يَحْسَرُ الفُراتُ عن جَبَلٍ مِن ذَهَبٍ».
<div class="verse-tafsir"
إذ ظرف وقع بدل اشتمال من ظرف ﴿ إذ يرون العذاب ﴾ [البقرة: 165] أي لو تراهم في هذين الحالين حال رؤيتهم العذاب وهي حالة فظيعة وتشتمل على حال اتخاذ لهم وتبرئ بعضهم من بعض وهي حالة شنيعة وهما حاصلان في زمن واحد.
وجيء بالفعل بعد (إذ) هنا ماضياً مع أنه مستقبل في المعنى لأنه إنما يحصل في الآخرة تنبيهاً على تحقق وقوعه فإن درجتَ على أن إذ لا تخرج عن كونها ظرفاً للماضي على رأي جمهور النحاة فهي واقعة موقع التحقيق مثل الفعل الماضي الذي معها فتكون ترشيحاً للتبعية، وإن درجت على أنها ترد ظرفاً للمستقبل وهو الأصح ونسبه في «التسهيل» إلى بعض النحاة، وله شواهد كثيرة في القرآن قال تعالى: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ﴾ [آل عمران: 152] على أن يكون ﴿ إذ تحسونهم ﴾ هو الموعود به وقال: ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ [غافر: 71] فيكون المجاز في فعل ﴿ تَبرَّأ ﴾ خاصة.
والتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قُرْبه أن يكون مضراً ولذلك يقال تبارآ إذا أبعد كلٌ الآخر من تبعةٍ محققة أو متوقعة.
و ﴿ الذين اتبعوا ﴾ بالبناء إلى المجهول هم الذين ضللوا المشركين ونصبوا لهم الأنصاب مثل عمرو بن لُحَيَ، فقد أشعر قوله ﴿ اتُّبِعُوا ﴾ أنهم كانوا يَدْعُون إلى متابعتهم، وأيدَّ ذلك قوله بعده ﴿ فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ﴾ أي نجازيهم على إِخلافهم.
ومعنى براءتهم منهم تنصلهم من مواعيد نفعهم في الآخرة الذي وعدوهم في الدنيا والشفاعة فيهم، وصَرْفُهم عن الالتحاق بهم حين هَرَعُوا إليهم.
وجملة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ حاليَّة أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب، ومعنى رؤيتهم إياه أنهم رأوا أسبابه وعلموا أنه أُعِد لمن أضلَّ الناسَ فجعلوا يتباعدون من أَتباعهم لئلا يحق عليهم عذاب المضللين، ويجوز أن تكون رؤية العذاب مجازاً في إحساس التعذيب كالمجاز في قوله: ﴿ يمسهم العذاب ﴾ [الأنعام: 49] فموقع الحال هنا حسن جداً وهي مغنية عن الاستئناف الذي يقتضيه المقام لأن السامع يتساءل عن موجب هذا التبرؤ فإنه غريب فيقال رأوا العذاب فلما أريد تصويرالحال وتهويل الاستفظاع عدل عن الاستئناف إلى الحال قضاء لحق التهويل واكتفاءً بالحال عن الاستئناف لأن موقعهما متقارب، ولا تكون معطوفة على جملة ﴿ تبرأ ﴾ لأن معناها حينئذٍ يصير إعادةً لمعنى جملة: ﴿ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ﴾ فتصير مجردَ تأكيد لها ويفوت ما ذكرناه من الخصوصيات.
وضمير ﴿ رَأوا ﴾ ضميرٌ مبهم عائد إلى فريقي الذين اتُّبعوا والذين اتَّبعوا.
وجملة ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ تبرأ ﴾ أي وإذْ تقطعت بهم الأسباب، والضمير المجرور عائد إلى كلا الفريقين.
والتقطع الانقطاع الشديد لأن أصله مطاوع قطَّعهُ بالتشديد مضاعف قَطع بالتخفيف.
والأسباب جمع سبب وهو الحَبْل الذي يُمد ليُرتقى عليه في النخلة أو السطح، وقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ تمثيلية شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدةَ حياتهم وقد جاءَ إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب عند ارتقائه فسقط هالكاً، فكذلك هؤلاء قد علم كلهم حينئذٍ أن لا نجاة لهم فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة، وهي تمثيلية بديعة لأنها الهيئة المشبهة تشتمل على سبْعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشَّبهاً بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبه بها وهي: تشبيه المشرك في عبادته الأصنام واتباع دينها بالمرتقى بجامع السعي، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل لها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول، وتشبيه الحرمان من الموصول للنعيم بتقطع الحبل، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة، وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك.
وقلما تأتي في التمثيلية صلوحية أجزاء التشبيه المركب فيها لأن تكون تشبيهات مستقلة، والوارد في ذلك يكون في أشياء قليلة كقول بشار الذي يُعد مثالاً في الحُسن: كأنَّ مُثار النَّقْع فوقَ رؤسِنا *** وأسيافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ فليس في البيت أكثر من تشبيهات ثلاثة.
فالباء في (بهم) للملابسة أي تقطعت الأسباب ملتبسة بهم أي فسقطوا، وهذا المعنى هو محل التشبيه لأن الحبل لو تقطع غير ملابس للمرتقى عليه لما كان في ذلك ضر إذ يمسك بالنخلة ويتطلب سبباً آخر ينزل فيه، ولذلك لم يقل وتقطعت أسبابُهم أو نحوه، فمن قال إن الباء بمعنى عَن أو للسببية أو التعدية فقد بَعد عن البلاغة، وبهذه الباء تقوَّم معنى التمثيلية بالصاعد إلى النخلة بحبل وهذا المعنى فائت في قول امرئ القيس: تقطَّعَ أسبابُ اللُّبانة والهَوى *** عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَمَاةَ وشَيْزَرَا وقوله: ﴿ وقال الذين اتبعوا ﴾ أظهر في مقام الإضمار لأن ضميري الغيبة اللذيْن قبله عائدان إلى مجموع الفريقين، على أن في صلة ﴿ الذين اتبعوا ﴾ تنبيهاً على إغاظة المتبوعين وإثارة حسرتهم وذلك عذاب نفساني يضاعِفُ العذاب الجثماني وقد نبه عليه قوله: ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ .
و (لو) في قوله: ﴿ لو أن لنا كرة ﴾ مستعملة في التمني وهو استعمال كثير لحرف (لو) وأصلها الشرطية حُذف شرطها وجوابُها واستعيرت للتمني بعلاقة اللزوم لأن الشيء العسير المَنال يكثر تمنيه، وسَدَّ المصدر مسد الشرط والجواب، وتقدير الكلام لو ثبتت لنا كرة لتبرأنا منهم وانتصب ما كان جواباً على أنه جواب التمني وشاع هذا الاستعمال حتى صار من معاني لو وهو استعمال شائع وأصله مجاز مرسل مركب وهو في الآية مرشح بنصب الجواب.
والكَرَّة الرَّجعة إلى محل كان فيه الراجع وهي مرة من الكر ولذلك تطلق في القرآن على الرجوع إلى الدنيا لأنه رجوع لمكان سابق، وحذف متعلِّق (الكرة) هنا لظهوره.
والكاف في كما تبرءوا للتشبيه استعملت في المجازاة لأن شأن الجزاء أن يماثل الفعل المجازي قال تعالى: ﴿ وجزاؤا سيئة سيئة مثلها ﴾ [الشورى: 40]، وهذه الكاف قريبة من كاف التعليل أو هي أصلها وأحسن ما يظهر فيه معنى المجازاة في غير القرآن قول أبي كبير الهذلي: أهُزُّ بهِ في ندوة الحي عطفه *** كما هَزَّ عِطفي بالهِجان الأوارك ويمكن الفرق بين هذه الكاف وبين كاف التعليل أن المذكور بعدها إن كان من نوع المشبه كما في الآية وبيت أبي كبير جُعلت للمجازاة، وإن كان من غير نوعه وما بعد الكاف باعثٌ على المشبه كانت للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].
والمعنى أنهم تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا بعدما علموا الحقيقة وانكشف لهم سوء صنيعهم فيدعوهم الرؤساء إلى دينهم فلا يجيبونهم ليَشفوا غيظهم من رؤسائهم الذين خذلوهم ولتحصل للرؤساء خيبة وانكسار كما خيبوهم في الآخرة.
فإن قلت هم إذا رجعوا رجعوا جميعاً عالمين بالحق فلا يدعوهم الرؤساء إلى عبادة الأوثان حتى يمتنعوا من إجابتهم، قلتُ باب التمني واسع فالأتباع تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا عالمين بالحق ويعود المتبوعون في ضلالهم السابق وقد يقال اتهم الأتباع متبوعيهم بأنهم أضلوهم على بصيرة لعلمهم غالباً والأتباع مغرورون لجهلهم فهم إذا رجعوا جميعاً إلى الدنيا رجع المتبوعون على ما كانوا عليه من التضليل على علم بناء على أن ما رأوه يوم القيامة لم يزعهم لأنهم كانوا من قبل موقنين بالمصير إليه ورجع الأتباع عالمين بمكر المتبوعين فلا يطيعونهم.
وجملة ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ تذييل وفذلكة لقصة تبَري المتبوعين من أتباعهم.
والإشارة في قوله: ﴿ كذلك يريهم الله ﴾ للإراءة المأخوذة من ﴿ يريهم ﴾ على أسلوب ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ [البقرة: 143].
والمعنى أن الله يريهم عواقب أعمالهم إراءً مثل هذا الإراءِ إذ لا يكون إراءٌ لأعمالهم أوقعَ منه فهو تشبيه الشيء بنفسه باختلاف الاعتبار كأنه يُرام أن يريهم أعمالهم في كيفية شنيعة فلم يوجد أشنعُ من هذه الحالة، وهذا مثل الإخبار عن المبتدأ بلفظه في نحو شِعْرِي شِعْرى، أو بمرادفه نحو والسفاهة كاسمها، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ .
والإراءة هنا بصرية ولذلك فقوله: ﴿ حسرات عليهم ﴾ حال من ﴿ أعمالهم ﴾ ومعنى ﴿ يريهم الله أعمالهم ﴾ يريهم ما هو عواقب أعمالهم لأن الأعمال لا تدرك بالبصر لأنها انقضت فلا يحسُّون بها.
والحسرة حزن في ندامة وتلهف وفعله كفرِح واشتقاقها من الحَسْر وهو الكشف لأن الكشف عن الواقع هو سبب الندامة على ما فات من عدم الحيطة له.
وقوله: ﴿ وما هم بخارجين نت النار ﴾ حال أو اعتراض في آخر الكلام لقصد التذييل لمضمون ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ لأنهم إذا كانوا لا يخرجون من النار تعيَّن أن تمنيهم الرجوع إلى الدنيا وحدوثَ الخيبة لهم من صنع رؤسائهم لا فائدة فيه إلاّ إدخالُ ألم الحسرات عليهم وإلاّ فهم باقون في النار على كل حال.
وعُدل عن الجملة الفعلية بأن يقال «وما يخرجون» إلى الاسمية للدلالة على أن هذا الحكم ثابت أنه من صفاتهم، وليس لتقديم المسند إليه هنا نكتة، إلاّ أنه الأصل في التعبير بالجملة الإسمية في مثل هذا إذ لا تتأتَّى بسوى هذا التقديم، فليس في التقديم دلالة على اختصاص لما علمت ولأن التقديم على المسند المشتق لا يفيد الاختصاص عند جمهور أئمة المعاني، بل الاختصاص مفروض في تقديمه على المسند الفعلي خاصة، ولأجل ذلك صرح صاحب «الكشاف» تبعاً للشيخ عبد القاهر بأن موقع الضمير هنا كموقعه في قول المعذَّل البكري: هْم يَفْرِشُون اللِّبْد كُلَّ طِمِرَّةٍ *** وأجرَدَ سَبَّاققٍ يَبُذ المُغَالِيا في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص اه.
وادعى صاحب «المفتاح» أن تقديم المستند إليه على المسند المشتق قد يفيد الاختصاص كقوله تعالى: ﴿ وما عابنا لعزيز ﴾ [هود: 91] ﴿ وما بطارد الذين أمنوا ﴾ [هود: 29] ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ [الأنعام: 107] فالوجه أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق لا يفيد بذاته التخصيص وقد يستفاد من بعض مواقعه مَعنى التخصيص بالقرائن، وليس في قوله تعالى: ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ .
ما يفيد التخصيص ولا يدعو إليه.
<div class="verse-tafsir"
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةِ لِذَوِي العُقُولِ ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا ﴾ والأنْدادُ الأمْثالُ، واحِدُها نِدٌّ، والمُرادُ بِهِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَتَّخِذُونَها آلِهَةً يَعْبُدُونَها كَعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَجْزِها عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ في آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهم مَعَ عَجْزِ الأصْنامِ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي مِن حُبِّ أهْلِ الأوْثانِ لِأوْثانِهِمْ، ومَعْناهُ أنَّ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعالى هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ اتُّبِعُوا هُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ تَبَرَّؤُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّؤُوا مِنَ الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ وَرَأوُا العَذابَ ﴾ يَعْنِي بِهِ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ.
وَفي رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: تَيَقُّنُهم لَهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا.
والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.
﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأسْبابَ تَواصُلُهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الأرْحامُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: أنَّها العُهُودُ والحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الدُّنْيا.
﴿ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الأتْباعَ قالُوا لِلْمَتْبُوعِينَ لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً أيْ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا فَنَتَبَرَّأُ مِنكم فِيها كَما تَبَرَّأْتُمْ مِنّا في الآخِرَةِ.
﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ يُرِيدُ المَتْبُوعِينَ والأتْباعَ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ عَلى مَحْزُونٍ فائِتٍ.
وَفي ﴿ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِرُّهُمُ الَّذِي حَبِطَ بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ الكافِرَ لا يُثابُ مَعَ كُفْرِهِ.
والثّانِي: ما نَقَصَتْ بِهِ أعْمارُهم في أعْمالِ المَعاصِي أنْ لا تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلى طاعَةِ اللَّهِ.
﴿ وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَواتُ الرَّجْعَةِ.
والثّانِي: خُلُودُهم في النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ﴾ قال: مباهاة ومضارة للحق بالأنداد ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ قال: من الكفار لآلهتهم.
وأخرج ابن جريرعن السدي في الآية قال: الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمر، وهم أطاعوهم وعصوا الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ﴾ أي شركاء ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ قال: من الكفار لآلهتهم أي لأوثانهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ قال: يحبونهم أوثانهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من الكفار لأوثانهم.
وأخرج ابن جرير عن الزبير في قوله: ﴿ ولو ترى الذين ظلموا ﴾ قال: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أنداداً يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها إليّ دون الأنداد، والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئاً ولا تدفع عنهم عذاباً، أحللت بهم وأيقنتهم أني شديد عذابي لمن كفرني، وادعى معي إلهاً غيري.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: كان في خاتم ﴿ أن القوة لله جميعاً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا ﴾ قال: هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشر والشرك ﴿ من الذين اتبعوا ﴾ وهم الأتباع والضعفاء.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا ﴾ قال: هم الشياطين تبرأوا من الإِنس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: المودّة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: المنازل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأرحام.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في قوله: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: الأعمال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: أسباب المنازل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ قال: أسباب الندامة يوم القيامة، والأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ﴾ قال: رجعة إلى الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴾ يقول: صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ قال: أولئك أهلها الذين هم أهلها.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأوزاعي قال: سمعت ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ﴾ .
العامل في ﴿ إِذْ ﴾ معنى ﴿ شَدِيدُ ﴾ من قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأ﴾ كأنه قيل: وقت تبرأ (١) وقوله: ﴿ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ﴾ يعنى: المتبوعين في الشرك والشرّ، ﴿ مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ﴾ يعنى: السفلة والأتباع (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ﴾ الباء هاهنا: بمعنى: عن (٣) ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ ، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ...
بصيرٌ بأدواء النساء طبيب (٤) أي: عن النساء.
وقال آخر: تسائل بي هوازنُ أين مالي ...
وهل لي غيرَ ما أتلفتُ مالُ (٥) أي: عني.
وقوله تعالى: ﴿ الْأَسْبَابُ ﴾ أصل السبب في اللغة: الحبل، قال شمر: قال أبو عبيدة: السببُ: كلُّ حَبْل حَدَرْتَه (٦) وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يُصْعَدَ به وُينْزَل، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ ، فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل (٧) ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ، أي: طريقًا، و (أسبابُ السماء): أبوابُها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرًا عن فرعون: ﴿ لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ﴾ ، قال زهير: ومن هاب (٨) (٩) والمودة بين القوم تسمى: سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد: بل ما تَذكَّرُ من نوارَ وقد نأتْ ...
وتقطّعت أسبابُها ورِمامُها (١٠) (١١) والتي في هذه الآية يعني بها: وُصَلَهم التي كانت تجمعهم، قال ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) وقيل: أراد بالأسباب: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها (١٥) وقال ابن زيد: يعني: الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا (١٦) (١٧) (١) ينظر: "التبيان" ص 107، وإعرابها إعراب آخرين، فالأول: بدل من إذ الأولى.
والثاني: مفعول (اذكر).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 239، وتنظر الآثار في ذلك عند الطبري في "تفسيره" 2/ 70، وابن أبي حاتم 1/ 277 عن قتادة وأبي العالية والربيع وعطاء، وينظر: "زاد المسير" 1/ 171، "تفسير الثعلبي" 1/ 1320 وعزاه لأكثر أهل التفسير.
(٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1320، "التبيان" 1/ 107، وذكر أنها أيضًا للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم، وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 473، "التفسير الكبير" 4/ 211.
(٤) البيت لعلقمة الفحل في "ديوانه" ص 35.
(٥) البيت ليزيد بن الجهم، في "ديوان الحماسة" 2/ 356.
(٦) في (ش): (جدوته).
(٧) في (م): (يقال).
(٨) سقط من (ش).
(٩) البيت في "ديوانه" ص30، "تفسير الثعلبي" 1/ 1322، "السمعاني" 2/ 123، "الرازي" 4/ 234، "القرطبي"، "لسان العرب" 4/ 1910 (سب).
(١٠) البيت في "ديوانه" ص 301، "لسان العرب" 4/ 1910 (سب).
(١١) ينظر في معاني السبب: "تفسير الطبري" 2/ 71 - 73، "تفسير الثعلبي" 1/ 1322، "المفردات" ص 226، "تاج العروس" 2/ 66 وما بعدها.
(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 71، وابن أبي حاتم 1/ 278.
(١٣) رواه عنه الطبري 271، وابن أبي حاتم 1/ 278.
(١٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 15/ 65، والطبري 2/ 71، وابن أبي حاتم 1/ 278.
(١٥) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 71 بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن الضحاك 1/ 278، وذكره الثعلبي 1/ 1320 عن ابن جريج والكلبي.
(١٦) في (م): (يوصلوا).
(١٧) رواه عنه الطبري 2/ 72، ورواه ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي صالح 1/ 279.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ﴾ بدل من إذ يرون، أو استئناف والعامل فيه محذوف وتقديره اذكر ﴿ الذين اتبعوا ﴾ هم الآلهة أو الشياطين أو الرؤساء من الكفار والعموم أولى ﴿ الأسباب ﴾ هنا الوصلات من الأرحام والمودّات ﴿ أعمالهم حسرات ﴾ أي سيآتهم وقيل حسنتهم إذا لم تقبل منهم أو ما عملوا لآلهتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولو ترى ﴾ بتاء الخطاب: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: بالياء ﴿ إذ يرون ﴾ بضم الياء من الإراءة: ابن عامر ﴿ إن القوة ﴾ ﴿ وإن الله ﴾ بكسر الألف فيهما: يزيد وسهل ويعقوب ﴿ إذ تبرأ ﴾ بإدغام الذال في التاء وكذا ما أشبهه: هشام وسهل وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف.
﴿ يريهم الله ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل.
وقرأ حمزة وعلي وخلف ويعقوب بضم الهاء والميم.
والباقون بكسر الهاء وضم الميم ﴿ بخارجين ﴾ بالإمالة: عباس وقتيبة لجوار من النار.
الوقوف: ﴿ كحب الله ﴾ ط ﴿ حباً لله ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ لا وكذلك ﴿ وجميعاً ﴾ لا من قرأ "أن" بالكسر فيهما ﴿ شديد العذاب ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ تبرؤا منا ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ومن النار ﴾ ه.
التفسير: أنه وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده "فبضدها تتبين الأشياء" والند المثل المناد كما سلف.
والمراد بالأنداد ههنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها النذور وقربوا لأجلها القرابين، وقيل: يعني السادة الذين كانوا يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم الله ومحرّمين ما أحل.
عن السدى: واستدل على تفسيره بأن قوله ﴿ يحبونهم ﴾ فيه ضمير العقلاء ولأنه من المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم لله مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ولقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ العقلاء أنداداً وأمثالاً لله يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون لله .
ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق.
قال ﴿ إِن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ .
وأيضاً علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا وأيضاً التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل قوله ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ﴾ وقال أهل العرفان: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله فقد جعلته في قلبك نداً لله ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ ﴿ يحبونهم ﴾ يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو يعظمونهم ويخضعون لهم كحب الله من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب الله على أنه مصدر من المبني المفعول.
وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه غير ملتبس.
وقيل: كالحب اللازم عليهم لله وقيل: كحبهم الله أي يسوّون بينه وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرّين بالله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ ﴿ والذين آمنوا أشدُ حباً لله ﴾ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء، ولا يجعلون وسائط بينهم وبينه بخلاف المشركين يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر: أكلـــت حنيفــة ربهـــا *** زمــن التجعــم والمجــاعـة لم يحـذروا مـــن ربهـــم *** ســوء العـواقـب والتبـاعـة واعلم أن إطلاق محبة العبد لله قد ورد في القرآن والحديث كما في هذه الآية وكقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ ويروى أن إبراهيم قال لملك الموت.
وقد جاء لقبض روحه - هل رأيت خليلاً يميت خليله؟
فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله.
فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض.
"وجاء أعرابي إلى النبي فقال: يا رسول الله متى الساعة؟
فقال: ماذا أعددت لها فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله.
فقال : المرء مع من أحبه" .
ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، ويستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فمعنى قولنا يحب الله يحب طاعة الله وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه.
وأما العارفون فيقولون: إنا نحب الله لذاته لا لغرض، ولو كان كل شيء محبوباً لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه، والرجل الشجاع لقوته وغلبته، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فالله تعالى أحق بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص، والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه.
وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعه أكثر كان حبه له أتم، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه، فيه يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال "ليس في جبتي سوى الله" فلا يعصي الله طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل: تعصـي الإلـه وأنت تظهر حبه *** هذا لعمـري في الفعـال بديـع لـو كان حبـك صـادقاً لأطعته *** إن المحـب لمـن يحب مطيـع ويحب الله ويحب أولياءه ومقربيه ويناوئ أعداءه ومخالفيه ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ .
لعيـن تغـدى ألـف عين ويتقى *** ويكـرم ألـف للحبيـب المكـرم ﴿ ولو يرى ﴾ قرئ بالياء والتاء "وأن" "وإن" بالفتح والكسر فههنا أربعة تقديرات: الأول: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم القيامة أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن عذاب الله للظالمين شديد، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم.
وحذف جواب "لو" دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم "لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه" بخلاف ما وقع التعبير عنه بلفظ معين.
الثاني: ولو ترى - يا محمد أو يا من يتأتى منه الرؤية - هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب بمعاينتهم أن القدرة كلها لله وأنه شديد العذاب، لرأيت أمراً عظيماً.
فعلى هذا "أن" و "إن" مع معمولهما بدل من العذاب.
قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية أي يرون أن القوة لله جميعاً.
الثالث: بياء الغيبة وكسر "إن" و "إن" ومعناه كالأول، والجملتان معترضتان.
أو المعنى لقيل: إن القوة لله.
والرابع: على هذا القياس.
ودخول "لو" وكذا "إذا" في المستقبل مع "أن" حقهما الدخول على الماضي نظم للمستقبل في سلك الماضي المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في إخباره.
وقيل: لأن الساعة قريب فكأنها قد وقعت وكذا الكلام في ﴿ إذ تبرأ ﴾ وأنه بدل من ﴿ إذ يرون العذاب ﴾ وقيل: هو معمول شديد.
والمراد بالذين اتبعوا القادة والرؤساء من مشركي الإنس.
عن قتادة والربيع وعطاء: أو شياطين الجن الذين صاروا متبوعين بالوسوسة عن السدي: وقيل الأوثان.
والتبري إما بالقول وهو أقرب، وإما بظهور العجز والندم بحيث لا يغنون عن أنفسهم من عقاب الله شيئاً فكيف عن غيرهم؟
﴿ ورأوا العذاب ﴾ الواو للحال أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب ﴿ وتقطعت ﴾ عطف على ﴿ تبرأ ﴾ ﴿ بهم ﴾ أي عنهم فإن "تقطع" في معنى "زال أو وقع" تقطع الأسباب ملتبسة بهم مثل ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ بضم النون أو الباء للتعدية كأن أسباب الوصل صارت أسباب القطع ومصالحهم انقلبت عليهم مفاسد.
والسبب في اللغة الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به.
قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به.
والمراد ههنا الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب والأتباع والأشياع والعهود والعقود ﴿ لو أن لنا كرة ﴾ تمنّ ولذلك أجيب بالغاء كأنه قيل: ليت لنا كرة رجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف والمتبوعون مفتقرون إلى اتباعنا ونصرتنا حتى نتبرأ منهم بعدم النصرة والإعانة كما فعلوا هم اليوم ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿ يريهم الله أعمالهم حسرات ﴾ هو ثالث مفعول "أرى" أو مثل ذلك التبرؤ يريهم أعمالهم حسرات، فإن ذلك التبرؤ نوع إراءة.
والمراد بالأعمال قيل الطاعات لزمتهم فلم يقوموا بها وضيعوها.
عن السدي: وقيل المعاصي وأعمالهم الخبيثة يتحسرون لم عملوها.
عن الربيع وابن زيد: وقيل ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر.
عن الأصم: وقيل أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم.
والحسرة شدة الندم على ما فات حتى بقي النادم كالحسير من الدواب وهو الذي لا منفعة فيه.
والتركيب يدور على الكشف ومنه انحسر الطائر انكشف بذهاب ريشه.
والحاصل أنهم لا يرون مكان أعمالهم إلا حسرات.
فيا أيها المغرور بالسلامة ما أعددت ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يجعل الولدان شيباً، يوم يدع المسرور كئيباً.
الدنيا دار تجارة فالويل لمن تزود منها الخسارة ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ استدل الأشاعرة بالتقديم على التخصيص فقالوا: إن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار.
وزعم المعتزلة أن بناء الكلام على "هم" لتقوي الحكم وإفادة التأكيد كقوله ﴿ وهم يخلقون ﴾ فإنه لا يدل على أن غير الأصنام غير مخلوق والله أعلم حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ يَتَّخِذُ ﴾ يعبد ﴿ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ .
وقيل: ﴿ يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ في التسمية.
يعني: يتخذ الجواهر التي تصاغ أو تنحت ونحو ذلك، مما يتعلق كونهم بصنيعهم، يسفههم بهذا، أنهم تركوا عبادة من به قامت لهم كل نعمة، وسلم لهم كل خير، وعبدوا ما قد اتخذوه بالمعالجات ولا قوة إلا بالله.
وقيل: ﴿ يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً ﴾ ، أي أشباهاً في التسمية، أو أعدالاً في العبادة، أو شركاء في الحقوق كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 136]، يسفههم بما عبدوا ما قد صنعوه بالصناعة أو النحت، وزينوا بأنواع الزينة، وعلموا أنه لا يملك شيئاً، وأعرضوا بذلك عن عبادة من عرفوه بشهادة جميع العالم به [لهم وعلموا أنه لا يملك شيئاً مما عبدوه ضرّاً ولا نفعاً]، بل لو كان يجوز العبادة لغير الله لكان أولئك الذين اتخذا أولى من المتخذين.
ثم بين عظم سفههم: علمهم بجهلها بعبادتهم، وعجزها عن الدفع عنها، ثم قاموا بنصرها والدفع عنها سفهاً بغير علم.
وقوله: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: يحبون عبادة الأنداد وطاعتهم [كحبهم عبادة] الله وطاعته؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقيل: يحبون عبادة الأنداد كحب المؤمنين عبادة ربهم.
وقيل: يحبون آلهتهم كما يحب الذين آمنوا ربهم.
ثم قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ منهم لآلهتهم.
قيل: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ أي: أشد حبّاً لأجل الله.
وقيل: أي أشد اختياراً لطاعته، وأكثر ائتماراً وإعظاماً وإجلالاً لأمره من إعظامهم وإجلالهم آلهتهم.
والله أعلم.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ﴾ أي لعبادته منهم لعبادة الأوثان من حيث لا يؤثر المؤمن على عبادة الله، أعني في الاختيار لا فيما يوجد من ظاهر الأحوال في الدارين جميعاً، وهم يتركون عبادة الأوثان بوجود ما هو أعجب منها أو بأدنى شيء من متاع الدنيا.
ثم المحبة - محبة الشهوة والميل إليها، وهو في الخلق، لا يحتمل في الله، ومحبته - الطاعة وإيثار الأمر والإعظام، فهو في الله يحتمل.
وبعد فإن الحب يخرج على الثناء، وعلى العبادة والطاعة، وعلى التبجيل والتعظيم، وقد يخرج على ميل القلوب، فحب الكفرة هذا، وهو حب الجسداني به الذي يولده الشهوة أو يستحسنه البصر.
وحب الله من المؤمنين من هذين الوجهين فاسد، بل هو من الوجوه التي ذكرنا، وقد كان حب الهيبة والرغبة؛ إذ علموا النعم كلها من الله ، وعلموا أن السلطان والعزة لله ولا أحد ينال شيئاً من ذلك إلا بالله، فأوجب ما عنده من النعم الرغبة، وما له من السلطان والهيبة.
فلذلك طريق حب المؤمنين مع ما ظهر من أياديه التي لا تحصى وأفضاله التي لا تحاط، والعلم بهما موجباً تعظيم الأمور والمبادرة بالقيام بها مع الأدلة المظهرة تعاليه عن تقدير العقول وتصوير الأوهام.
فيكون حبه في الحقيقة في تعظيم أموره، وحسن صحبة نعمه، ومعرفة حقوقه، لا في توهم ذاته، وإشعار القلب ما يعقله ليرجع المحبة إلى ذلك، بل هو فيما ذكرت؛ ولذلك أمر رسول الله أن يقول لهم: ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ ، وهو أن من أحب آخر محبة الجلال والرفعة عظم رسوله وانقاد لما يدعوه إليه وإن كان في ذلك هلاكه، وتعظيماً لأمره وتبجيلاً، فكيف فيما نجاته وفوزه في الدارين.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ ﴾ .
قوله: ﴿ يَرَى ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.
ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب لرسول الله ، يقول: ولو ترى الذين ظلموا يا محمد: شهدوا لك: ﴿ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
ومن قرأ بالياء، يقول: ولو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذا رأوا العذاب يعلمون أن القوة لله جميعاً.
[ويحتمل: لو علم الذين ظلموا إذا علموا عذاب الآخرة يعلمون أن القوة لله جميعا] ويحتمل: المراد من قوله: ﴿ يَرَى ﴾ ، أي: يدخل، كقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴾ ، أي لمن يدخلها ويصليها.
وقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
﴿ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ ﴾ يعني: الرؤساء، ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ يعني: الأتباع والسفلة، تبرأ بعضهم من بعض العبادة من الأتباع من القادة، وهو كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً ﴾ ، وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ وكقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
وقيل: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ ﴾ ، يعني: الشياطين، ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ يعني: الإنس.
وقيل: يبرأ الله كلا غدا أن أوثانهم لن تغني عنهم شيئاً، ولا شركاؤهم الذين أضلوهم، ولا أشرافهم شغلوا عنهم حين عاينوا النار.
وقوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ ﴾ .
قيل: ﴿ ٱلأَسْبَابُ ﴾ الأرحام والأنساب؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وكقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ ﴾ يعني العهود والأيمان التي كانت بينهم في الدنيا.
وقيل: تواصلهم في الدنيا وتوادهم لم ينفعهم شيئاً؛ لأنهم كانوا يتواصلون ويتوادون في الدنيا رجاء أن ينفع بعضهم بعضاً؛ كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي لم يريدوا الله بها.
﴿ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: حسرة عليهم وندامة.
وقيل: كل عمل عملوه أرادوا به غير وجه الله، كان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة.
وقيل: أعمالهم التي عملوها في الدنيا تصير حسرات عليهم حين يرفع الله لهم الجنة، فينظرون إلى مساكنهم التي كانت لهم، وبأسمائهم لغيرهم، وبأسماء غيرهم لهم.
قال: وهذا عندي لا يصح أن يجعل الله لأحد نصيباً في الجنة ثم يحرمه، ولكن هذا على أصل الوعد - وعد من أطاع الله الجنة، ومن عصاه النار - فهو على أن هؤلاء لو أطاعوا كان لهم نصيباً في الجنة وهؤلاء لو عصوا كان لهم نصيباً في النار.
أو يكون ذكر النصيب لهؤلاء في الجنة هو الذي ادعوه لأنفسهم كما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ فيحرمون ونورث عنهم ما ذكروا أنه لهم في الجنة؛ كما قال الله : ﴿ كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وذلك حين يتبرأ الرؤساء المتبوعون من الضعفاء الذين اتبعوهم؛ لِما يشاهدونه من أهوال يوم القيامة وشدائده، وقد تقطعت بهم كل أسباب النجاة ووسائلها.
<div class="verse-tafsir" id="91.gRvgB"
هذه الآيات مبينة لحال الذين لا يعقلون تلك الآيات التي أقامتها الآية السابقة على توحيد الله تعالى ورحمته، ولذلك جعلوا له أندادًا يلتمسون منهم الخير والرحمة، ويدفعون ببركتهم البلاء والنقمة، ويأخذون عنهم الدين والشرعة.
قال المفسرون: إن الند هو المماثل، وزاد بعض اللغويين فيه قيدًا فقال: إنه المماثل الذي يعارض مثله ويقاومه.
ويفهم من هذا أن متخذي الأنداد يزعمون أنهم مماثلون لله تعالى في قدرته وعلمه وسلطانه يعارضونه في الحق ويقاومونه في التدبير، وهذا غير صحيح لأن القرآن قص علينا خبر متخذي الأنداد في آيات كثيرة صريحة في أنهم لا يعتقدون شيئا من هذا الذي يفهم أو يتوهم من عبارة المفسرين، بل يعتقدون غالبًا أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير وأن الأنداد وسطاء بينه وبين عباده يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده، ويقضون حاجاتهم بخوارق العادات أو يقضيها هو لأجلهم، ويحتجون لهذه العقيدة بأن المذنبين المقصرين لا يستطيعون الوصول إلى الله تعالى بأنفسهم، فلا بد لهم من واسطة بينهم وبينه وتعالى، كما هو المعهود من الرعايا الضعفاء، مع الملوك والأمراء، والوثنيون يقيسون الله تعالى على من يعظمونه من الرؤساء وعظماء الخلق، ولا سيما المستبدين منهم، الذين استعبدوا الناس استعبادًا بل تعبدوهم فعبدوهم.
فالآيات الناطقة بأنهم إذا سئلوا: من خلق كذا وكذا؟
يقولون: الله، كثيرة، وقال فيهم مع ذلك ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وقال أيضًا ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ أي يقولون ما نعبدهم إلخ.
والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعًا دينيًا، ويدل عليه الآيات الآتية ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ إلخ فالمراد إذًا من الند من يطلب منه ما لا يطلب إلا من الله ، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا عن الله تعالى، وبيان الأول على ما قررناه مرارًا أن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة الله في نظام الخلق، وأن لله تعالى أفعالا خاصة به، فطُلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء، وأن هناك أمورًا تخفى علينا أسبابها، ويعمى علينا طريق طِلابها، فيجب علينا، بإرشاد الدين والفطرة، أن نلجأ فيها إلى ذي القوة الغيبية ونطلبها من مسبب الأسباب لعله بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها أو يبدلنا خيرًا منها، ويجب مع هذا بذل الجهد والطاقة في العمل بما نستطيع من الأسباب حتى لا يبقى في الإمكان شيء مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله تعالى علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقًا للمقاصد وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.
لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذًا بظاهر قوله ﴿ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ .
وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة من الحرث والتسميد والبذر والسقي وغير ذلك، وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم ولم يهدهم لسببه بكسبهم كإنزال الأمطار، وإفاضة الأنهار، ودفع الجوائح، فإن استطاعوا شيئًا من ذلك فعليهم أن يطلبوه بعملهم لا بألسنتهم وقلوبهم، مع شكر الله تعالى على هدايتهم إليه، وأقدارهم عليه.
كذلك يحظر الدين عليهم أن ينفروا إلى الحرب والمدافعة عن الملة والبلاد عزلًا، أو حاملي سلاح دون سلاح العدو المعتدي عليهم اتكالًا على الله تعالى واعتمادًا على أن النصر بيده، بل يأمرهم بأن يعدوا للأعداء ما استطاعوا من قوة ويتكلوا بعد ذلك في الهجوم والأقدام، على عناية الله تعالى بتثبيت القلوب والأقدام، وغير ذلك من ضروب التوفيق والإلهام، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادًا على الله فهو جاهل بالله، ومن التجأ إلى ما ليس بسبب من دون الله فهو مشرك بالله.
وهذا الذي يلجأ إليه من إنسان مكرم -كالأنبياء والصالحين، أو ملك من الملائكة المقربين، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة، أو صنم أو تمثال جعل تذكارًا لشيء من هذه- يسمى ندًا لله وشريكًا له ووليًا من دونه، وقد نطق القرآن بجميع هذه الأسماء التي سماها المشركون ولم ينزل الله بها من سلطان.
قسم المفسرون الأنداد إلى قسمين: قسم يعمل بالاستقلال أي يقضي حاجة من يلجأ إليه بنفسه، يشفع عند الله تعالى ويتوسط لصاحب الحاجة فتقضى، وإنما كان الشفيع ندًا لأنه يستنزل من يشفع عنده عن رأيه ويحول من إرادته، وتحويل الإرادة لا بد أن يكون مسبوقًا بتغيير العلم بالمصلحة والحكمة إذ الإرادة تابعة للعلم دائمًا، وهذا هو المعروف من معنى الشفاعة عند السلاطين والحكام وهو محال على الله تعالى.
وأقل تغيير في علم المشفوع عنده هو أن يعلم إن الشفيع يهمه أمر من يشفع له ويتمنى لو تقضى حاجته.
ولا يرغب عن الأسباب إلى التعلق بالأنداد والشفعاء إلا من كان قليل الثقة بالسبب أو طالبًا ما هو أعجل منه، كالمريض يعالجه الأطباء فيتراءى له أو لأحد أقاربه أن يلجأ إلى من يعتقد تأثيرهم في السلطة الغيبية الخارجة عن الأسباب طلبًا للتعجيل بالشفاء ومثله سائر أصحاب الحاجات الذين يلجأون إلى من اتخذهم أولياء ليكفوهم عناء اتخاذ الأسباب.
ومنهم طلاب خدمة الحكومة.
وأما القسم الآخر من الأنداد فهو من يُتبع في الدين من غير أن يكون مبينًا للناس ما جاء عن الله تعالى ورسوله، فيُعمل بقوله وإن لم يعرف دليله ويُتخذ رأيه دينًا واجب الأتباع وإن ظهر أنه مخالف لما جاء عن الله ورسوله، اعتمادًا على أنه أعلم بالوحي ممن قلدوه دينهم وأوسع منهم فهمًا فيما نزل الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ كما ورد في التفسير المأثور عن رسول الله .
قد عظمت فتنة متخذي الأنداد بهم حتى كان حبهم إياهم من نوع حبهم ولذلك قال: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ أي يجعلون من بعض خلق الله نظراء له فيما هو خاص به يحبونهم كحبه.
ذلك أن الحب ضروب شتي تختلف باختلاف أسبابها وعللها، وكلها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الركون والالتجاء إليه عند الحاجة، فقد يحب الإنسان شخصًا لأنه يأنس به ويرتاح إلى لقائه لمشاكله بينهما ولا مشاكلة بين الله تعالى وبين الناس فيظهر فيهم هذا النوع من الحب.
ومن أسباب الحب اعتقاد المحب إن في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذًا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنه يهتم لأمره ويعطف عليه، بحيث يمكنه اللجأ إليه عند الحاجة فيستعين به على ما سبيل له إليه بدونه.
فهذا الاعتقاد يحدث انجذابًا من المعتقد يصحبه شعور خفي بأن له قوة عالية مستمدة ممن يحب، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجئ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو ادخل في دائرة الأسباب والمسببات والأعمال الكسبية.
وأما قوة الخالق وقدرته وما يعتقده المؤمنون فيه من الرحمة الشاملة، والصفات الكاملة، والمشيئة النافذة، والتصرف المطلق في تسخير الأسباب والمسببات، والسلطان المطاع في الأرض والسموات فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك.
وهذا الحب لا ينبغي إن يكون لغير الله تعالى إذ لا يُلجأ إلى غيره في كل شيء كما يُلجأ إليه.
ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه، لا يخصونه بنوع من الحب إذ لا يرجون منه إلا وقد جعلوا لأندادهم مثله أو ضربًا من التوسط الغيبي فيه، فهم كفار مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ من كل ما سواه، لأن حبهم له خاص به سبحانه لا يشركون فيه غيره، فحبهم ثابت كامل لأن متعلقه هو الكمال المطلق الذي يستمد منه كل كمال.
وأما متخذو الأنداد فإن حبهم متزعزع لا ثبات له ولا استقرار.
للمؤمن محبوب واحد يعتقد أن منه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وله القدرة والسلطان، على جميع الأكوان، فما ناله من خير كسبي فهو بتوفيقه وهدايته وما جاء بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته، وما توجه إليه من أمر فتعذر عليه، فهو يكله إليه، ويعول فيه عليه.
وللمشرك أنداد متعددون، وأرباب متفرقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضر، لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد وعمرو، لا يدري أيهم يَسْمَع ويُسَمِّع، ويُشْفَع فَيُشَفَّع، فهو دائمًا مبلبل البال، لا يستقر من القلق على حال.
هذا هو حب المشركين للقسم الأول من الأنداد، ومن الحب نوع سببه الإحسان السابق، كما أن سبب الأول الرجاء بالإحسان اللاحق، ومن الإحسان ما تتمتع به ساعة أو يومًا أو أيامًا متاعًا قليلًا أو كثيرًا، ومنه ما تكون به سعيدًا في حياتك كلها كالتربية الصحيحة والتعليم النافع، والإرشاد إلى ما خفي من المنافع، وكل هذا مما يكون من الناس بكسبهم.
وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض بإحسان إذا قبله المحسن إليه وعمل به يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة بحيث تكون سعادته به غير متناهية وهذا الإحسان الذي يعجز عنه البشر هو هداية الدين التي تعلم الناس العقائد الصحيحة التي ترتقي بها العقول وتخرج بها من ظلمات الوثنية، والتعاليم التي تتهذب بها النفوس وتتزكى من الصفات البهيمية وقوانين العبادة التي تغذي العقائد والأخلاق، حتى لا يعتريها كسوف ولا محاق.
فالدين وضع إلهي يحسن الله تعالى به إلى البشر على لسان واحد منهم لا كسب له فيه ولا صنع، ولا يصل إليه بتلق ولا تعلم ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ فيجب أن يُحَب صاحب هذا الإحسان حبًا لا يُشْرَك به معه أحد، ولكن متخذي الأنداد بالمعنى الثاني في كلامنا قد أشركوا أندادهم مع الله تعالى في هذا الحب إذ جعلوا لهم شركة في هذا الإحسان بسوء التأويل كما تقدم فكما يأخذون بآرائهم على أنها دين من غير أن يعلموا من أين أخذوها، وإن لم يأمروهم بذلك بل وإن نهوهم عنه، يتمسكون كذلك بتأويلهم لما أنزل الله كأن التأويل أنزل معه بدون استعمال العقل ولأدلة اللغة وبقية نصوص الدين للعلم بصحته وانطباقه على الحق.
وأما المؤمنون حقًا فإنهم يوحدون الله تعالى ويخصونه بهذا الحب كما يوحدونه بالتشريع بمعنى أنهم لا يأخذون الدين إلا عن الوحي، ولا يفهمونه إلا بقرائن ما جاء به الوحي، وإنما الأئمة والعلماء ناقلون للنصوص ومبينون لها، بل قال الله تعالى للنبي نفسه ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ فهؤلاء المؤمنون يسترشدون بنقلهم وبيانهم، ولكنهم لا يقلدونهم في عقائدهم ولا عبادتهم، ولا يأخذون بآرائهم في الدين الذي هو عبارة عن سير الأرواح من عالم إلى عالم، بل يجوزون كل عقبة ويدوسون كل رئاسة في سبيل الله تعالى ومحبته وابتغاء رضوانه، فهم متعلقون بالله ومخلصون له ﴿ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فالمؤمنون هم المخلصون لله في دينهم الذين لا يأخذون أحكامه إلا عن وحيه، وأما متخذو الأنداد ومحبوهم بهذا المعني فهم الذين ورد في بعضهم ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ فهم لا يقبلون حكم الله في كتابه ولكن إذا دعوا ليحكم بينهم بآراء رؤسائهم اقبلوا مذعنين.
بعد هذا ذكر الله وعيد متخذي الأنداد على سنة القرآن فقال ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ .
قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (ولو ترى) بالتاء على إن الخطاب للنبي ، وخبره لرأيت أمرًا عظيمًا وخطبًا فظيعًا وقرأها الباقون بالياء.
وقرأ يعقوب"إن"في الموضعين بالكسر على الاستئناف أو على إضمار القول.
أي لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك، وظلموا الناس بما غشوهم به من أقوالهم وأفعالهم فحملوهم على أن يتلو تلوهم، ويتخذوا الأنداد مثلهم، حين يرون العذاب في الآخرة فتنقطع بهم الأسباب، ولا تغني عنهم الأنداد والأرباب، أن القوة لله جميعًا يظهر تصرفها المطلق في كل موجود، ويتمثل لهم سلطانها تمثل المشهود، فلا تحجبهم عنها أسباب ظاهرة، ولا تخدعهم عنها قوى تُتوهم كامنة، لعلموا أن هذه القوة التي تدير عالم الآخرة هي عين القوة التي كانت تدير عالم الدنيا، وأنها قوة واحدة لا تأثير لغيرها فيها ولا في شيء من العالم بدونها، وأنهم كانوا ضالين في اللجأ إلى سواها، وإشراك غيرها معها، وأن هذا الضلال هبط بعقولهم وأرواحهم، وكان منشأ عقابهم وعذابهم، ولو رأوا مع هذا أن الله شديد العذاب لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا يندمون معه حيث لا ينفع الندم.
وأمثال هذا الوعيد على من يشوب إيمانه بأدنى شائبة من الشرك كثيرة في القرآن ثم هي تُتْرَك كلها ويُترَك معها ما يؤيده من السنة الصحيحة وسيرة السلف الصالحين، والأئمة المجتهدين، ويؤخذ بالشرك الصريح عملًا بأقوال أناس من الميتين، منهم من لا يعرف مطلقًا، وإنما سمي وليًا عملًا ببعض الرؤى والأحلام أو لاختراع بعض الطغاة، ومنهم من يُعْرَف في الجملة ولكن لا يعرف له تاريخ يوثق به، ولا رواية يصح الاعتماد عليها.
وإنما قدم الخلف الطالح كلام هؤلاء على كلام الله ورسوله وكلام أئمة السلف لأن العامة اعتقدت صلاحهم وولايتهم، والعامة قوة تخضع لها الخاصة في أكثر الأزمان.
ومن مباحث اللفظ في الآية قول (الجلال) إن الرؤية فيها علمية.
والرأي عندي أنها بصرية وإنما سلطت على المعقول لإنزاله منزلة المحسوس، كأنه قال: لو يتمثل لهم الأمر ويتشخص لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا لا يتصور نظيره وهو مجاز لا ألطف منه ولا أبدع، ويجوز أن يراد بالعذاب مظاهره، فتكون مسلطة على محسوس.
وقراءة "ولو ترى" أي لو رأيت حال هؤلاء الظالمين يومئذ لرأيت كذا وكذا.
وحذف جواب "لو" معهود في كلام العرب وفي كلام الناس اليوم وذلك عند قيام القرينة على مراد المتكلم ولو إجمالًا.
يقولون في شخص تغير حاله وانتقل إلى طور أعلى أو أدنى: لو رأيت فلانا اليوم -ويسكتون- والمراد معلوم والإجمال فيه مقصود، لتذهب النفس في تصويره كل مذهب، ويخترع له الخيال ما يمكن من الصور، و (لو) على كل حال هي التي لمجرد الشرط لا يراعى فيها امتناع لامتناع.
إننا قد اشترطنا في ابتداء قراءة التفسير أن نتكلم عن معنى القرآن من حيث هو دين جاء مكملًا للأرواح وسائقًا لها إلى سعادتها في طورها الدنيوي وطورها الأخروي.
ولا يتم لنا هذا إلا بالاعتبار وهو أن ننظر في الحسن الذي يمدحه الله تعالى ويأمر به ونرجع إلى أنفسنا لنري هل نحن متصفون به؟
وننظر في القبيح الذي يذمه وينهى عنه كذلك، ثم نجتهد في تزكية أنفسنا من القبيح وتحليتها بالحسن.
وههنا يجب علينا أن نبحث وننظر هل اتخذ المسلمون أندادًا كما اتخذ الذين من قبلهم أندادًا أم لا؟
فان هذا أهم ما يبحث فيه قارئ القرآن: اشتبه على بعض الباحثين السبب في سقوط المسلمين في الجهل العميم -إلا أفرادًا في بعض شعوبهم لا يكاد يظهر لهم أثر- وبحثوا في تاريخ الإسلام وما حدث فيه فكان له الأثر العظيم في الانقلاب، وكان من أهم المسائل التي عرضت لهم في ذلك مسألة التصوف وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الذي هو أساس عقائدهم، وليس الأمر عندنا كما ظنوا، وليس من غرضنا هنا ذكر تاريخه وبيان أحكامه وطرقه، وإنما نذكر الغرض منه بالإجمال، وما كان له بعد ذلك من الآثار.
ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له شأن كبير، وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق وترويض النفس بأعمال الدين، وجذبها إليه، وجعله وجدانًا لها، وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدريج.
ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الأحكام المتعلقة بالجوارح والتعامل، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالكفر، وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهم، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم، ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل، فقالوا لا بد فيمن يكون منا أن يكون أولًا "طالبًا" "فمريدًا" فسالكًا.
وبعد السلوك إما أن "يصل" وإما أن "ينقطع"، فكانوا يختبرون أخلاق "الطالب" وأطواره زمنًا طويلًا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم، والوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج رويدًا رويدًا، ثم إنهم جعلوا للشيخ "المُسَلَّك" سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا يجب أن يكون "المريد" مع الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لأن الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر، فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه، فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء، وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا.
ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم، وأحوالهم ومشاهدتهم، لأن التذكر من أسباب القدوة والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم.
فظهر من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض، لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم، ولكن ماذا كان أثر ذلك في المسلمين؟
كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرًا يتبرأ منها كل صوفي، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا دينيًا مع الاعتقاد بان لهم سلطة غيبية تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بها يديرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءون، وأنهم قد تكفلوا بقضاء حاج مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهذا الاعتقاد، هو عين اتخاذ الأنداد وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين.
وزادوا على هذا شيئا آخر هو أظهر من قبحًا وهدمًا للدين وهو زعمهم أن "الشريعة" شيء" والحقيقة" شيء آخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفي المنكر انه من أهل الشريعة فلا التفات إليه!!
كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنه يحاسبهم بوجهين، ويعاملهم معاملتين -حاش لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة، ومرادهم به أن في كلام الله ورسوله ما يعلو أفهام العامة بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره، ومن آتاه الله بسطة في العلم ففهم منه شيئًا أعلى مما تصل إليه أفهام العامة فذلك فصل الله يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم بالله وسنته في خلقه فهذا ما يسمونه على الحقيقة لا سواه، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها، ومن أتاه الله نصيبًا من هذا العلم كان أَتقى لله من سواه ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ .
هكذا كان القوم -الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر- وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها، وضعف الفقه فصار مناقشة لفظية في عبارات كتب المتأخرين، اتفق المتفقهة الجامدون، والمتصوفة الجاهلون، وأذعن أُولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة، وسلموا لهم ما يخالف الشرع والعقل على أنه من علم الحقيقة، فصرت ترى العالم الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل جاهل أُمي ويرى أنه يوصله إلى الله تعالى.
فإن كان كتاب الله وسنة رسوله وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما، كل ذلك لا يفيد معرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه، فلماذا شرع الله هذا الدين، والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين، وهل القصور إذًا فيما نزل الله تعالى أم في بيان الرسول له وبيان الأئمة لما جاء عن الله تعالى والرسول؟!
حاش لله ولكتابه ورسوله، فلا طريق لمعرفته والوصول إلى رضوانه غير ما نزله من البينات والهدى، وإنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقيق بمعارفهما، والتخلق والتأدب بآدابهما وأخذ النفوس بالعمل بهما، من غير تقليد لأهل الظاهر، ولا جمود على الظواهر.
ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان، وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم، وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها "الموالد"، ومن العجيب أن تبع الفقهاء في استحسانها الأغنياء فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم أو إزالة منكر أو إعانة منكوب لضنوا به وبخلوا، ولا يرون ما يكون فيها من المنكرات منافيًا للتقرب إلى الله تعالى، كأن كرامة الشيخ الذي يحتفلون بمولده تبيح المحظورات، وتحل للناس التعاون على المنكرات.
فالموالد أسواق الفسوق، فيها خيام للعواهر، وحانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات، الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل يقصد بها إضحاك الناس وبعض هذه الموالد يكون في المقابر، ويرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة، احتفالًا باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا بهذا العمل الشريف في عرفهم.
لقد حدث أن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوني للعشاء عند أحد المحتفلين فأبيت إجابة الدعوة فقيل لي في ذلك فقلت: إنني لا أحب أن أُكثر سواد الفاسقين، فإن هذه الموالد كلها منكرات.
ثم قلت لشيخ صديق لصاحب الدعوة: كم ينفق صاحبك في احتفاله بالمولد؟
قال: أربعمائة جنيه.
قلت لا شك أن هذا في سبيل الشيطان فلو كلَّمت صاحبك في أن يجعل ذلك لجماعة من "المجاورين" يذكرونه بخير ويدعون له.
فأجاب ذلك الشيخ قائلًا: إن الكون يلزم أن يكون فيه من هذا وهذا.
فقلت: هذا الذي أريد، فإن كوننا ليس فيه إلا هذه النفقات في الطرق المذمونة، فأحب أن ينفق صاحبك على نشر علم الدين ليكون بعض الإنفاق عندنا في الخير ويبقى للموالد أغنياء كثيرون.
فقال الشيخ حينئذ: أما قرأت حكاية الشعراني مع "الزمار" إذ رأى شيخًا كبيرًا ينفخ في مزمار والناس يتفرجون عليه فاعترض عليه في سره فما كان من الشيخ إلا أن قال: ياعبد الوهاب أتريد أن ينقص ملك ربك مزمار؟
فعلم الشعراني أنه من أولياء الله تعالى.
ثم تركني المشايخ بعد سرد الحكاية وذهبوا إلى المولد؟!!.
فلينظر الناظرون إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شرع.
اتخذوا الشيوخ أندادًا، وصار يقصد بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج وشفاء المرضى وسعة الرزق، بعد أن كانت للعبرة وتذكر القدوة، وصارت الحكايات الملفقة ناسخة فعلًا لما ورد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على الخير، ونتيجة ذلك كله أن المسلمين رغبوا عما شرع الله إلى ما توهموا أنه يرضي غيره ممن اتخذوهم أندادًا له وصاروا كالإباحيين في الغالب، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل، واستحوذ عليهم الضعف، وحرموا ما وعد الله المؤمنين من النصر، لأنهم انسلخوا من مجموع ما وصف الله به المؤمنين.
ولم يكن في القرن الأول شيء من هذه التقاليد والأعمال التي نحن عليها، بل ولا في الثاني، ولا يشهد لهذه البدع كتاب ولا سنة، وإنما سرت إلينا بالتقليد أو العدوى من الأمم الأخرى، إذ رأى قومنا عندهم أمثال هذه الاحتفالات فظنوا أنهم إذا عملوا مثلها يكون لدينهم عظمة وشأن في نفوس تلك الأمم.
فهذا النوع من اتخاذ الأنداد كان من أهم أسباب تأخر المسلمين وسقوطهم فيما سقطوا فيه.
وهناك نوع آخر لم يكن أثره في الفتك بهم بأضعف من أثر الأول، وهو ترك الاهتداء بالكتاب والسنة واستبدال أقوال الناس بهما.
فلو دخل في الإسلام رجل عاقل أو شعب مرتق لحار لا يدري بم يأخذ؟
ولا على أي المذاهب والكتب في الأصول والفروع يعتمد، ولصعب علينا إقناعه بأن هذا هو الدين القيم دون سواه، أو بأن هذه المذاهب كلها على اختلافها شيء واحد.
ولو وقفنا عند حدود القرآن وما بينه من الهدى النبوي لسهل علينا أن نفهم ما الحنيفية السمحة التي لا حرج فيها ولا عسر؟
وما الدين الخالص الذي لا عوج فيه ولا خلف؟
ولكننا إذا نظرنا في أقوال الفقهاء وتشعبها، وخلافاتهم وعللها، فإننا نحار في ترجيح بعضها على بعض إذ نجد بعضها يحتج عليه بحديث صحيح وهو ظاهر الحكمة معقول المعنى ولكنه غير معتمد عندهم، بل يقولون فيه: المدرك قوي ولكنه لا يفتى به.
ولماذا؟
لأن فلانًا قال.
فقول رجل من رجال كثيرين جدًا نجهل تاريخ أكثرهم يكفي لترك السنة الصحيحة وإن ظهر أن المصلحة فيما جاءت به السنة، وبهذا قطعت الصلة بين ما نحن فيه وبين أصل الدين وينبوعه.
ونحن لا نطعن في أولئك القائلين أو المرجحين، سواء منهم من كان تاريخه معروفًا لنا ومن كان غير معروف، بل نحسن فيهم الظن ونقول: إنهم قالوا بما وصل إليه علمهم، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين بل باحثين، وإنا نسترشد بكلامهم على أنهم دالون ومبينون لا على أنهم شارعون، بل نقول: إنه يجب على ذي الدين أن ينظر دائمًا إلى كتابه حتى لا يختلط ولا يشتبه عليه شيء من أحكامه، ولا يجوز لأحد أن يرجع في عقائده وعبادته إلا إلى الله تعالى، فإن كانت هناك واسطة الدلالة والتبليغ والتبيين لما نزل الله، وتطبيقه على ما نزل لأجله من حياة الروح والكمال الإنساني.
فيجب علينا أن نعتقد بأن الحكم لله تعالى وحده لا يؤخذ الدين عن غيره، كما يجب علينا أن نعتقد بأن لا فعل لغيره تعالى، فلا نطلب شيئًا إلا منه، وطلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها، فإن جهلنا أو عجزنا فإننا نلجأ إلى قدرته، ونستمد عنايته وحده، وبهذا نكون موحدين مخلصين له الدين كما أمرنا في كتابه المبين، ومن خرج عن هذا كان من متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .
وبقي صنف آخر يشبه أن يكون من الأنداد وهم العامة، والذين اتخذوهم أندادًا هم علماء الدين، فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون، ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم، فإن لم يفتوهم بخلاف النص التماسًا لخيرهم أو هربًا من سخطهم كتموا حكم الله من أجل ذلك، فترى أحدهم إذا سئل: أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام؟
يغض من صوته بالجواب، ولا يجهر بالقول مداراة للعوام إذا كان الجواب على غير ما هم عليه، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة.
ونقول: مداراة للعوام، حكاية لقولهم إذ يسمون النفاق والمحاباة في الدين مداراة لما كانت المداراة محمودة، وكذلك كان الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ممن قبلهم يسمون كتمانهم بأسماء محمودة، ولكن الله تعالى لعنهم على ذلك وسجل لهم الكفر والفسوق والعصيان.
فهل يختلف حكمه فيرضى لهؤلاء بأن يؤثروا العامة على ربهم ويجعلونهم أندادًا له يحبونهم كحبه أو أشد؟
ترى العالم من هؤلاء ينتسب إلى الشرع ويحترم لأجله وهو مع ذلك يتبع هوى من لا يعرف الشرع، فهو من الذين إذا أوذوا في الله جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، فلا يتخذون الله وليًا ولا نصيرًا.
فهل يكون المرء مؤمنًا إذا كان يترك دينه لأجل الناس؟
أم شرط الإيمان أن يصبر في سبيله على إيذاء الناس؟
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ ؟
إلخ كلا إن هؤلاء المتبوعين والتابعين بعضهم فتنة لبعض وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبرنا تعالى في قوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ التبرؤ المبالغة في البراءة وهي التفصي ممن يكره قربه وجواره تنزهًا عنه.
و"إذ" ظرف متعلق بـ ﴿ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ في الآية السابقة، والكلام متصل لاحقه بسابقه في موضوع اتخاذ الأنداد.
وقد نطقت الآية السابقة أن عذاب الله تعالى سيحل بمتخذي الأنداد من دونه، وهو عام في التابع في الاتخاذ والمتبوع فيه، وفي أنواع الاتباع المذموم من التشريع بالرأي والهوى والتقليد فيه وغير ذلك من الضلال.
وبين في هاتين الآيتين تفصيل حال التابعين والمتبوعين في ذلك، وأورده بصيغة الماضي تمثيلًا لحال الفريقين في ذلك اليوم الذي ينكشف فيه الغطاء ويرى الناس فيه العذاب بعينهم، ويعرفون أسبابه من تأثير العقائد الباطلة والأعمال السيئة في أنفسهم، كأن الأمر قد وقع، والبلاء قد نزل، ورأى الرؤساء المضلون الذين اتُّبعوا أن إغواءهم للناس الذين اتَّبعوا رأيهم، وقلدوهم دينهم، قد ضاعف عذابهم، وحملهم مثل أوزار الذين أضلوهم فوق أوزارهم، فتبرأوا منهم، وتنصلوا من ضلالتهم ﴿ وَرَأَوْا الْعَذَابَ ﴾ أي والحال أنهم قد رأوا العذاب الذي هو جزاؤهم ماثلًا لهم يوم الحساب فأنى ينفعهم التبرؤ ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴾ أي الروابط التي كانت بينهم وبين التابعين وإنما كان ينفعهم في الدنيا لو أنهم آثروا به الحق على الرياسة والجاه والمنافع التي يستفيدها الرئيس باستهواء المرؤوس وإخضاعه له وحمله على اتباعه، أما وقد صدر عن نفوس ترتعد من رؤية العذاب الذي أشرفت عليه بما جنت واقترفت، بعد ما تقطعت الروابط والصلات بينها وبين المتبوعين واصطدمت، فلا منفعة للمتبرّىء تُرِكَت فيحمد تركها، ولا هدية للمتبرَّأ منه تُرْجَى فيحمد أثرها، وأسباب جمع سبب وهو في أصل اللغة الحبل الذي يُصْعَد به النخل وأمثاله من الشجر ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد من المقاصد المعنوية.
لولا أن حيل بين المقلدين وهداية القرآن لكان لهم في هذه الآية أشد زلزال لجمودهم على أقوال الناس وآرائهم في الدين، سواء كانوا من الأحياء أم الميتين، وسواء كان التقليد في العقائد والعبادات أم في أحكام الحلال والحرام، إذ كل هذا مما يؤخذ عن الله ورسوله ليس لأحد فيه رأي ولا قول، إلا ما كان من الأحكام متعلقًا بالقضاء وما يتنازع فيه الناس فلأولي الأمر فيه الاجتهاد بشرطه: إقامة للعدل، وحفظًا للمصالح العامة والخاصة.
وإنما العلماء نقلة وأدلاء لا أنداد ولا أنبياء، فلا عصمة تحوط أحدهم فيعتمد على فهمه، وقصارى العدالة أن يُوثَق بنقله، ويستعان بعمله، وما تنازعوا فيه يرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فهناك القول الفصل والحكم العدل والله يحكم لا معقب لحكمه، ولا مرد لأمره.
في مثل هؤلاء المتبوعين والتابعين نزل قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ فكل يؤاخذ بعمله، فإذا حمل الأول الآخر على رأيه ودعاه إلى اتباعه فيه أو في رأي غيره الذي يقلده هو فيه فهو من الأئمة المضلين، وعليه إثمه ومثل إثم من أضلهم من غير أن ينقص من إثمهم شيء، إذ حرم الله عليهم اتخاذ الأنداد من دون الله فاتخذوهم.
وأما من يبدي في الدين فهمًا، ويقرر بحسب ما ظهر له من الدليل حكمًا، يريد أن يفتح به للناس أبواب الفقه، ويسهل لهم طريق العلم، ثم هو يأمر الناس بأن يعرضوا قوله على كتاب الله وسنة رسوله وينهاهم أن يأخذوا به إلا أن يقتنعوا بدليله، فهو من أئمة الهدى، وأعلام التقى، وليس يضره أن يقلد فيه بغير علمه، ويجعل ندًا لله من بعد موته، فإنه إذا كان مخطئًا وجاء ذلك المقلد له على غير بصيرة يوم القيامة ينسب ضلاله إليه، فإنه يتبرأ منه بحق ويقول ما أمرتك أن تأخذ بقولي على علاته ولا أعرفك.
فالذين يتخذون أندادًا يتبرأون كلهم يوم القيامة ممن اتخذوهم، ولكنهم يكونون على قسمين: قسم عبدهم الناس كالمسيح وبعض أولي العلم والتقوى من هذه الأمة ومن الأمم قبلها أو قلدوهم وأخذوا بأقوالهم في الدين من غير دليل شرعي كبعض الأئمة المهتدين من غير أن يأمرهم هؤلاء بعبادتهم أو تقليدهم، بل مع نهيهم إياهم عن عبادة غير الله تعالى وعن الاعتماد على غير وحيه في الدين-فهذا القسم غير مراد هنا لأن الذين عبدوا أولئك الأخيار أو قلدوهم دينهم لم يتبعوهم في الحقيقة إذ اتباعهم هو اتباع طريقتهم في الدين وما كانوا يشركون بالله أحدًا ولا شيئًا، ولا يقلدون في دينه أحدًا وإنما كانوا يأخذون دينه عن وحيه فقط.
وقسم أضلوا الناس بأحوالهم وأقوالهم فاتبعوهم على غير بصيرة ولا هدى فهؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، إذ تنقطع بهم أسباب الأهواء والمنافع الدنيوية التي تربط هنا بعضهم ببعض.
قال تعالى ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ﴾ أي نتمنى لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لنتبرأ من اتباع هؤلاء المضلين ونتنصل من رياستهم، أو لنتبع سبيل الحق ونأخذ بالتوحيد الخالص ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله، ثم نعود إلى هنا."الآخرة"- فنتبرأ من هؤلاء الضالين كما تبرأوا منا إذا نسعد بعملنا من حيث هم أشقياء بأعمالهم ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أي أن الله تعالى يظهر لهم كيف أن أعمالهم قد كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم إذ جعلتها مستذلة مستعبدة لغير الله تعالى فأورثها ذلك من الظلمة والصغار ما كان حسرة وشقاء عليها.
فالأعمال هي التي كونت هذه الحسرات في النفس، ولكن لا يظهر ذلك إلا في الدار الآخرة التي تسعد فيها كل نفس بتزكيتها، وتشقى بتدسيتها ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ ﴾ إلى الدنيا صحيحي العقيدة ليصلحوا أعمالهم، فيشفوا غيظهم من رؤسائهم وأندادهم، ولا إلى الجنة لأن علة دخولهم في النار هي ذواتهم بما طبعتها عليه خرافات الشرط وحب الأنداد.
يقول المفسرون في مثل هذه الآيات إن هذا الكلام خاص بالكفار.
نعم إنه خاص بالكفار كما قالوا، ولكن من الخطأ أن يفهم من هذا الكلام ما يفصل بين المسلمين والقرآن إذ يصرفون كل وعيد فيه إلى المشركين واليهود والنصارى فينصرفون عن الاعتبار المقصود.
لهذا ترى المسلمين لا يتعظون بالقرآن، ويحسبون أن كلمة "لا إله إلا الله" يتحرك بها اللسان من غير قيام بحقوقها كافية للنجاة في الآخرة، على أن كثيرًا من الكافرين يقولها، ومنهم من يهز جسده، عند ذكر الله كما يهزه جماهيرهم، فهل هذا كل ما أراده الله من إنزال القرآن، وبعثة محمد ؟.
ليس هذا الذي يتوهمه الجاهلون من مراد المفسرين، فما بَيَّن الله تعالى ضروب الشرك وصفات الكافرين وأحوالهم إلا عبرة لمن يؤمن بكتابه حتى لا يقع فيما وقعوا فيه فيكون من الهالكين، ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا ولا يمكن أن يخلفهم الزمان لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام.
والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين هو أن أهل القرنين الأول والثاني لم يكونوا يقلدون أحدًا، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء، بل كان العامي منهم على بينة من دينه يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله، إذ كان علماء الصدر الأول يلقنون الناس الدين ببيان كتاب الله تعالى وسنة رسوله .
وكان الجاهل بالشئ يسأل عن حكم الله فيه فيجاب بأن الله تعالى قال كذا أو جرت سنة نبيه على كذا، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدى من كتاب أو سنة ذكر ما جرى عليه الصالحون وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدى أو أحال على غيره.
ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها -ومنهم الأئمة الأربعة- كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين، عليهم الرضوان، على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به.
ثم جاء من العماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامة بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى.
ثم خلف خلق أعرق منهم في التقليد فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة، وعدوا من يحاول فهمها والعمل بهما زائغًا.
وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادًا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله.
إنه نقل عن الأئمة الأربعة النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما.
وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين شيئًا لا من أصوله ولا من فروعه، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها والأحكام الشرعية بأدلتها وعللها، فلا مندوحة إذن عن القول بجواز التقليد في الأصول -وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته، وفي الرسالة والرسل وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي منه- والتقليد في الفروع العملية بالأولى.
وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل، وإهمال ما وهبهم الله من العقل لينطبق عليهم قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾ والمراد أن قلوبهم أي عقولهم لا تفقه الدلائل على الحق، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار، فهذه صفات المقلدين .
والقول الوسط بين القولين هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على قوانين المنطق ولا التزام طريق المتكلمين في مثل بناء الدليل على فرض انتفاء المطلوب، ولا إيراد الشكوك والأجوبة عنها، بل أفضل الطرق فيه وأمثلها طريق القرآن الحكيم في عرض الكائنات على الأنظار وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته.
وهذا هو حكم الله الصريح في المسألة فإنه أمر بالعلم بالتوحيد فقال ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ وقال ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ وطالب بالبرهان وجعله آية الصدق ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وجعل سبيله الذي أمر باتباعه ونهى عن سواه الدعوة إلى الدين على بصيرة ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ .
وأما فرض الأمة جاهلة وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان، وقد قرنه تعالى مع الشرك في التحريم بقوله ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدًا التقليد فيه وهي ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها فإن أدلتها وأعمالها متواترة.
وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدى النبوي يجعل المسلم على بصيرة فيها وفقه يبعث على العمل ولا أسهل منه.
ومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة لم يطلع عليها جميع المسلمين، وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها بأن من بلغه حديث منها بطريق يعتقد به ثبوته عمل به، ولم يوجبوا على أحد -ولو منقطعًا لتحصيل العلم- أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها، كيف والصحابة عليهم الرضوان لم يكتبوا الحديث ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس، بل منهم من نهى عن كتابته، ومن حدث فإنما كان يقول ما يعلم إذا عرض له سبب مع المخاطبين.
فمثل هذه الفروع يعذر العامي بجهلها بالأولى، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها.
فلا يقبل رواية كل أحد ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها.
ولا مشقة ولا حرج على المسلمين في التزام هذه الطريقة إلا إذا كانوا يريدون ترك دينهم برمته اكتفاء ببعذ العادات والأعمال التي يكاد يسهل عليهم تمييز السنة فيها من البدعة تقليدًا لآبائهم ومعاشريهم.
فتبين مما شرحناه أن لا عذر لأحد في التقليد المحض وأن حكم الآية يستغرق جميع المقلدين فهم اتخذوا مقلديهم أندادًا وسيتبرأ التابع من المتبوع إذ يرون العذاب، وتتقطع بهم الأسباب.
ومن مباحث اللفظ في الآيتين أن التشبيه في قوله تعالى ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ هو تشبيه حالة بحالة ذكرت في الكلام السابق أي كذلك النحو الذي ذكر من إراءتهم العذاء سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، والذين تنطعوا في إعرابها من المفسرين صرفتهم قواعد النحو عن ملاحظة الأسلوب العربي في مثل هذا، على أن له نظائر في كلام العامة في كل زمان هي مما بقي لهم من الأساليب العربية الفصيحة لم تفسدها العجمة إذ لا تمجها أذواق الأعجميين.
ومنها قوله تعالى ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴾ جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب، فإنك إذا قلت هنا كما قال (الجلال) تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية.
ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ و ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ ﴾ فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة فقلت في الأول كفى الله شهيدًا أو كفت شهادته، وفي الثاني تسبيحًا لله: لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس.
ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد فى كل لغة.
<div class="verse-tafsir"