الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم ضرب لهم تعالى مثلا كما قال تعالى : ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) [ النحل : 60 ] فقال : ( ومثل الذين كفروا ) أي : فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها ، بل إذا نعق بها راعيها ، أي : دعاها إلى ما يرشدها ، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه ، بل إنما تسمع صوته فقط .
هكذا روي عن ابن عباس ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني والربيع بن أنس ، نحو هذا .
وقيل : إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا ، اختاره ابن جرير ، والأول أولى ; لأن الأصنام لا تسمع شيئا ولا تعقله ولا تبصره ، ولا بطش لها ولا حياة فيها .
وقوله : ( صم بكم عمي ) أي : صم عن سماع الحق ، بكم لا يتفوهون به ، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه ( فهم لا يعقلون ) أي : لا يعقلون شيئا ولا يفهمونه ، كما قال تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) [ الأنعام : 39 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
* * * فقال بعضهم: معنى ذلك: مثل الكافر =في قلة فهمه عن الله ما يُتلى عليه في كتابه، وسُوء قبوله لما يدعى إليه من توحيد الله ويوعظ به= مثلُ البهيمة التي تسمع الصوتَ إذا نُعق بها، ولا تعقلُ ما يقال لها.
* ذكر من قال ذلك: 2450- حدثنا هناد بن السريّ قال، حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرمة، في قوله: " ومثلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداءً" قال، مَثلُ البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول.
2451- حدثني محمد بن عبد الله بن زريع قال، حدثنا يوسف بن خالد السمتي قال، حدثنا نافع بن مالك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: " كمثل الذي يَنعق بما لا يَسمع " قال، هو كمثل الشاة ونحو ذلك.
(8) .
2452- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمع إلا دعاءً ونداءً"، كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضها " كُلْ" - لا يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك.
وكذلك الكافر، إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وَعظته، لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.
2453- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: مثل الدابة تنادى فتسمعُ ولا تعقل ما يقال لها.
كذلك الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل.
2454- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد: " كمثل الذي ينعق بما لا يسمع " قال، مثل الكافر مثل البهيمة تسمع الصوت ولا تعقل.
2455- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " كمثل الذي ينعِق "، مثلٌ ضربه الله للكافر يسمع ما يقال له ولا يعقل, كمثل البهيمة تسمع النعيقَ ولا تعقل.
2456- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً"، يقول: مثل الكافر كمثل البعير والشاة، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدري ما عُني به.
2457- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " كمثل الذي ينعقُ بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً" قال، هو مثل ضربه الله للكافر.
يقول: مَثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها.
فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له.
2458- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: هو مَثل الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له.
2459- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: سألت عطاء ثم قلت له : يقال: لا تعقل -يعني البهيمة- إلا أنها تسمع دُعاء الداعي حين ينعِقُ بها, فهم كذلك لا يَعقلون وهم يسمعون.
فقال: كذلك.
قال: وقال مجاهد: " الذي ينعِق "، الراعي" بما لا يسمع " من البهائم.
2460- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " كمثل الذي ينعق " الراعي" بما لا يسمع " من البهائم.
2461- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو، قال حدثنا أسباط, عن السدي: " كمثل الذي ينعِق بما لا يَسمع إلا دُعاء ونداءً"، لا يعقل ما يقال له إلا أن تُدعي فتأتي، أو ينادَى بها فتذهب.
وأما " الذي ينعق "، فهو الراعي الغنم، كما ينعق الراعي بما لا يسمع ما يقال له, إلا أن يُدعى أو ينادى.
فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو من لا يسمع إلا خرير الكلام، يقول الله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [سورة البقرة: 18] * * * قال أبو جعفر: ومعنى قائلي هذا القول - في تأويلهم ما تأوَّلوا، على ما حكيت عنهم -: ومثَلُ وَعْظِ الذين كفروا وواعظهم، كمثل نَعْق الناعق بغنمه ونعيقِه بها.
فأضيف " المثل " إلى الذين كفروا, وترك ذكر " الوعظ والواعظ "، لدلالة الكلام على ذلك.
كما يقال: " إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان ", يراد به: كما تعظم السلطانَ, وكما قال الشاعر: فَلَسْــتُ مُسَــلِّمًا مَـا دُمْـتُ حَيًّـا عَــــلَى زَيْـــدٍ بِتَسْـــلِيمِ الأمِـــير (9) يراد به: كما يُسلِّم على الأمير.
وقد يحتمل أن يكون المعنى -على هذا التأويل الذي تأوله هؤلاء-: ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت.
وذلك أنه لو قيل له: " اعتلف، أو رِدِ الماء "، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله.
فكذلك الكافر, مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه -بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه- مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه.
فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق, كما قال نابغة بني ذبيان: وَقَـدْ خِـفْتُ, حَـتَّى مَـا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَـلَى وَعِــلٍ فِــي ذِي المَطَـارَة عَاقِلِ (10) والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي, وكما قال الآخر: (11) كَــانَتْ فَرِيضَـةُ مَـا تَقُـولُ, كَمَـا كَــانَ الزِّنَــاءُ فَرِيضَــةَ الرَّجْـــمِ (12) والمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر: إنّ سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُه تَحْـلَى بِــهِ العَيْـنُ إذَا مَـا تَجْـهَرُهْ (13) والمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين.
(14) ونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه, فتقول: " اعرِض الحوضَ على الناقة ", وإنما تعرض الناقة على الحوض, وما أشبه ذلك من كلامها.
(15) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ومَثل الذين كفروا في دُعائهم آلهتهم وأوثانهم التي لا تسمع ولا تعقل, كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً, وذلك الصدى الذي يسمع صوته, ولا يفهم به عنه الناعقُ شيئًا.
فتأويل الكلام على قول قائلي ذلك: ومثل الذين كفروا وآلهتهم -في دعائهم إياها وهي لا تفقه ولا تعقل- كمثل الناعق بما لا يسمعه الناعقُ إلا دعاءً ونداءً, أي: لا يسمع منه الناعق إلا دعاءَه.
* ذكر من قال ذلك: 2462- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومَثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمعُ إلا دعاءً ونداءً" قال، الرجل الذي يصيح في جَوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له " الصَّدى ".
فمثل آلهة هؤلاء لَهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يَسمع إلا دعاء ونداء.
قال: والعرب تسمي ذلك الصدى.
* * * وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك.
وهو أن يكون معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء, فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها, ولا ينفعه شيء.
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه.
وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه, فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل.
فأما وَجه جَواز حذف " وعظ " اكتفاء بالمثل منه، فقد أتينا على البيان عنه في قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [سورة البقرة: 17]، وفي غيره من نظائره من الآيات، بما فيه الكفاية عن إعادته.
(16) .
* * * وإنما اخترنا هذا التأويل, لأن هذه الآية نـزلت في اليهود, وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها, ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها.
ولا وجه -إذ كان ذلك كذلك- لتأويل من تأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها.
* * * فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟
قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها, فإنهم هم المعنيون به.
فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم.
هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نـزلت, والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نـزلت فيهم.
(17) وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود، كان عطاء يقول: 2463- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنـزل الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا إلى قوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [سورة البقرة: 174-175].
* * * وأما قوله: " يَنعِق "، فإنه: يُصوِّت بالغنم،" النَّعيق، والنُّعاق ", ومنه قول الأخطل: فَـانْعِقْ بِضَـأْنِكَ يَـا جَـرِيرُ, فَإِنَّمَـا مَنَّتْـكَ نَفْسَـكَ فِـي الخَــلاءِ ضَــلالا (18) يعني: صوِّت به.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ"، هؤلاء الكفارَ الذين مَثلهم كمثل الذي يَنعق بما لا يسمع إلا دُعاءً ونداءً" صُمٌ" عن الحق فهم لا يسمعون -" بُكمٌ" يعني: خُرسٌ عن قيل الحقّ والصواب، والإقرار بما أمرهم الله أن يقرُّوا به، وتبيين ما أمرهم الله تعالى ذكره أن يُبينوه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس, فلا ينطقون به ولا يقولونه، ولا يبينونه للناس -," عُميٌّ" عن الهدى وطريق الحق فلا يبصرونه، (19) .
كما:- 2464- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: " صُمٌ بكم عمي"، يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه، ولا ينتفعون به ولا يعقلونه؛ عُمي عن الحق والهدى فلا يبصرونه؛ بُكم عن الحقّ فلا ينطقون به.
2465- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " صم بكم عمي" يقول: عن الحق.
2466- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " صم بكم عمي"، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه.
* * * وأما الرفع في قوله: " صم بكم عمي"، فإنه أتاهُ من قبل الابتداء والاستئناف, يدل على ذلك قوله: " فهم لا يعقلون "، كما يقال في الكلام: " هو أصم لا يسمع، وهو أبكم لا يتكلم ".
(20) --------------- الهوامش : (8) الخبر : 2451- هذا خبر منهار الإسناد .
أما"محمد بن عبد الله بن زريع" شيخ الطبري فلم أجد ترجمته .
والطبري يروي عن"محمد بن عبد الله بن بزيع" ، ولا أستطيع الترجيح بأنه هو ، حرف اسم جده .
وأما"يوسف بن خالد السمتي" : فهو ضعيف جدًا ، قال فيه ابن معين : "كذاب ، زنديق ، لا يكتب حديثه" .
ولا يشتغل بمثله .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/388 ، وابن سعد 7/2/47 ، وابن أبي حاتم 4/2/221-222 .
و"السمتي" : بفتح السين وسكون الميم ، نسبة إلى السمت والهيئة .
قال ابن سعد : "وقيل له : السمتي - للحيته وهيئته وسمته"!!
نافع بن مالك : هو الأصبحي ، أبو سهيل ، وهو عم الإمام مالك بن أنس ، وهو تابعي ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/86 ، وابن أبي حاتم 4/1/453 .
(9) مضى تخريج هذا البيت في هذا الجزء : 281 تعليق : 1 ، وهذا القول في تفسير الآية ذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 100 .
(10) ديوانه : 90 ، وسيأتي في التفسير 30 : 146 (بولاق) ، ومجاز القرآن : 65 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 99 ، ومشكل القرآن : 151 ، والإنصاف : 164 ، وأمالي بن الشجرى 1 : 52 ، 324 ، وأمال الشريف 1 : 202 ، 216 ، ومعجم ما استعجم : 1238 .
وهو من قصيدة مضى منها تخريج بيت في هذا الجزء : 213 .
وقوله : "ذي المطارة" (بفتح الميم) ، وهو اسم جبل .
وعاقل : قد عقل في رأس الجبل ، لجأ إليه واعتصم به وامتنع .
والوعل : تيس الجبل : يتحصن بوزره من الصياد .
وقد ذكر البكري أنه رأى لابن الأعرابي أنه يعني بذي المطارة (بضم الميم) ناقته ، وأنها مطارة الفؤاد من النشاط والمرح .
ويعني بذلك : ما عليها من الرحل والأداة .
يقول : كأني على رحل هذه الناقة وعلى عاقل من الخوف والفرق .
(11) النابغة الجعدي .
(12) سيأتي في التفسير 2 : 198 ، 327 (بولاق) ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 99 ، 131 ، ومشكل القرآن : 153 ، والإنصاف : 165 ، وأمالي الشريف 1 : 216 ، والصاحبي : 172 ، وسمط اللآلي : 368 ، واللسان (زنا) .
وقال الطبري في 2 : 327 ، "يعني : كما كان الرجم الواجب من حد الزنا" .
(13) سيأتي في التفسير : (2؛ 198 بولاق) ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 99 ، 131 ، وأمالي الشريف 1 : 216 ، واللسان (حلا) .
يقال : "ما في الحي أحد تجهره عيني" ، أي تأخذه عيني فيعجبني .
وفي حديث صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول علي : "لم يكن قصيرًا ولا طويلا ، وهو إلى الطول أقرب .
من رآه جهره" ، أي عظم في عينه .
(14) هذا الذي مضى أكثر من قول الفراء في معاني القرآن 1 : 99 .
(15) هذا من نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن : 63-64 .
(16) انظر ما سلف 1 : 318-328 ، واطلب ذلك في فهرس العربية من الجزاء السالفة .
(17) هذا موضع مشكل في كلام أبي جعفر رضي الله عنه ، كان ينبغي أن يبينه فضل بيان .
فإن صدر عبارته قاض بأن كل الآيات التي قبل هذه الآية نزلت في يهود ، وليس كذلك .
ثم عاد بعد قليل يقول : "هذا مع الرواية التي رويناها عن ابن عباس أن الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم" -يعني في يهود .
ولو كان الأمر كما يفهم من صدر عبارته ، لم يكن لنصه بعد ذلك على أن الآية التي"قبل هذه الآية" نزلت فيهم ، فيما روي عن ابن عباس- معنى مفهوم .
والظاهر أن أبا جعفر كان أراد أن يقول : إن الآيات السالفة نزلت في اليهود - إلا الآيات الأخيرة من أول قوله : "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار" إلى قوله : "وإلهكم إله وحد" (163-170) ، فهي قد نزلت في كفار العرب ، وذكر ابن عباس أن الآية الأخيرة : (170) نزلت في يهود أيضًا .
ثم إن الآيات بعدها هي ولا شك في يهود وأهل الكتاب ، فلذلك حمل معنى الآية هذه أنه مراد به اليهود .
فكأنه جعل الآيات من (163-169) اعتراضًا في سرد قصة واحدة ، هي قصة يهود .
فإن لم يكن ذلك كذلك ، فلست أدري كيف يتسق كلامه .
فهو منذ بدأ في تفسير هذه الآيات من 163-169 لم يذكر إلا أهل الشرك وحدهم ، وبين أن المقصود بقوله تعالى : "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا" - هم الذين حرموا على أنفسهم البحائر والسوائب والوصائل (ص 300) ، ثم عاد في تأويل قوله تعالى : "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" فقال : فهو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي (ص 303 ) .
واليهود ، كما أنهم لم يكونوا أهل أوثان يعبدونها ، أو أصنام يعظمونها كما قال أبو جعفر ، فهم أيضًا لم يحرموا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة كما ذكر في تفسير الآيات السالفة .
فهذا تناقض منه ر حمه الله - إلا إذا حمل كلامه على استثناء الآيات التي ذكرت أنه فسرها على أنه مراد بها مشركوا العرب الذين حرموا على أنفسهم ما حرموا من البحائر والسوائب والوصائل .
والصواب من القول عندي ، أن هذه الآية تابعة للآيات السالفة ، وأن قصتها شبيهة بقصة ما قبلها في ذكر المشركين الذي قال الله لهم : "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا" ، وأن العود إلى قصة أهل الكتاب هو من أول قوله تعالى : "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب" والآيات التي تليها .
وانظر ما سيأتي : 317 ، فإنه قد عاد هناك ، فجعل الآية خاصة بالمشركين من أهل الجاهلية ، بذكره ما حرموا على أنفسهم من المطاعم ، وهو تناقض شديد .
(18) ديوانه : 50 ، ونقائض جرير والأخطل : 81 ، وطبقات فحول الشعراء : 429 ، ومجاز القرآن : 64 ، واللسان (نعق) وقد مضت أبيات منها في 2 : 38 : 39 ، 492 ، 496 ، وهذا الجزء 3 : 294 ، وقد ذكر قبله حروب رهطه بني تغلب ، ثم قال لجرير : إنما أنت راعي غنم ، فصوت بغنمك ، ودع الحروب وذكرها .
فلا علم لك ولا لأسلافك بها .
وكل ما تحدث به نفسك من ذلك ضلال وباطل .
(19) انظر تفسير : "صم""بكم""عمي" فيما سلف 1 : 328-331 .
وقد حمل أبو جعفر معنى الآية هنا على أنه عنى به اليهود وأهل الكتاب .
وانظر التعليق السالف ص : 314 ، رقم : 1 .
(20) انظر إعرابه في الآية الأخرى فيما سلف 1 : 329-330 .
قوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلونشبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ، ولا تفهم ما يقول ، هكذا فسره ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه ، وهذه نهاية الإيجاز .
قال سيبويه : لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به .
والمعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم ، فحذف لدلالة المعنى .
وقال ابن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى ، فهو يصيح بما لا يسمع ، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع .
وقال قطرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم ، يعني الأصنام ، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي .
قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد ، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه .
ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح ، والأصنام بالمنعوق به .
والنعيق : زجر الغنم والصياح بها ، يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا ، أي صاح بها وزجرها .
قال الأخطل :انعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالاقال القتبي : لم يكن جرير راعي ضأن ، وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن ، وجرير منهم ، فهو في جهلهم .
والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : [ ص: 202 ] " أجهل من راعي ضأن " .
قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا ، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم .والنداء للبعيد ، والدعاء للقريب ، ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد .
وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر .
ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي .
وقد تقدم في أول السورة .
ثم قال [تعالى]: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } لما بين تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل, وردهم لذلك بالتقليد, علم من ذلك أنهم غير قابلين للحق, ولا مستجيبين له, بل كان معلوما لكل أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم، أخبر تعالى, أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها, وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت, الذي تقوم به عليهم الحجة, ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم, فلهذا كانوا صما, لا يسمعون الحق سماع فهم وقبول, عميا, لا ينظرون نظر اعتبار, بكما, فلا ينطقون بما فيه خير لهم.
والسبب الموجب لذلك كله, أنه ليس لهم عقل صحيح, بل هم أسفه السفهاء, وأجهل الجهلاء.
فهل يستريب العاقل, أنَّ من دُعِيَ إلى الرشاد, وذِيدَ عن الفساد, ونُهي عن اقتحام العذاب, وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه, وفوزه, ونعيمه فعصى الناصح, وتولى عن أمر ربه, واقتحم النار على بصيرة, واتبع الباطل, ونبذ الحق - أن هذا ليس له مسكة من عقل, وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة والدهاء, فإنه من أسفه السفهاء.
( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ) والنعيق والنعق صوت الراعي بالغنم معناه مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم وقيل مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع ( إلا دعاء ) صوتا ( ونداء ) فأضاف المثل إلى الذين كفروا لدلالة الكلام عليه كما في قوله تعالى " واسأل القرية " ( 82 - يوسف ) معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها كذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إنما يسمع صوتك وقيل معناه ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى للمنعوق به والكلام خارج عن الناعق وهو فاش في كلام العرب يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لإيضاح المعنى عندهم يقولون فلان يخافك كخوف الأسد أي كخوفه من الأسد وقال تعالى " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة " ( 76 - القصص ) وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح وقيل معناه مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في غناء من الدعاء والنداء كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء كما قال تعالى " إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم " ( 14 - فاطر ) .
وقيل معنى الآية ومثل الذين كفروا في دعاء الأوثان كمثل الذي يصيح في جوف الجبال فيسمع صوتا يقال له الصدى لا يفهم منه شيئا فمعنى الآية كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء ( صم ) تقول العرب لمن لا يسمع ولا يعقل كأنه أصم ( بكم ) عن الخير لا يقولونه ( عمي ) عن الهدى لا يبصرونه ( فهم لا يعقلون ) .
«ومثل» صفة «الذين كفروا» ومن يدعوهم إلى الهدي «كمثل الذي ينعق» يصوت «بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً» أي صوتا ولا يفهم معناه أي في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه، هم «صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون» الموعظة.
وصفة الذين كفروا وداعيهم إلى الهدى والإيمان كصفة الراعي الذي يصيح بالبهائم ويزجرها، وهي لا تفهم معاني كلامه، وإنما تسمع النداء ودَوِيَّ الصوت فقط.
هؤلاء الكفار صُمٌّ سدُّوا أسماعهم عن الحق، بُكْم أخرسوا ألسنتهم عن النطق به، عُمْي لا ترى أعينهم براهينه الباهرة، فهم لا يعملون عقولهم فيما ينفعهم.
( وَمَثَلُ ) الصفة والشأن ، وأصل المثل بمعنى المثل : النظير والشبيه ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب مضربه - وهو الذي يضرب فيه - - لمورده - وهو الذي ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابه .
ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة ، إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة .و ( يَنْعِقُ ) من النعيق وهو الصياح .
يقال : نعق الراعي بالغنم ينعق نعقاً ونعاقاً ونعقاناً ، صاح بها وزجرها .والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد أي أن ثانيهما تأكيد للأول ، وقيل : الدعاء للقريب والنداء للبعيد .والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات .وأولهما : وهو الدعاء معناه : الصياح بالبهائم لتأتي .وثانيهما : وهو النداء معناه : الصياح بها لتذهب .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : وللعلماء من أهل التأويل في هذه طريقان :أحدهما : تصحيح المعنى بالإِضمار في الآية .والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار .أما الذين أضمروا فذكروا وجوها :الأول : كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزلة الداعي إلى الحق .
وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الدعاة إلى الحق ، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ، ووجه الشبه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه وسلم وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها .الثاني : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناقع في دعائه ما لا يسمع كالغنم وما يجري مجراها من البهائم .
فشبه الأصنام - في أنها لا تفهم - بهذه البهائم ، فإذا كان ولا شك أن من دعا بهيمة عد جاهلا ، فمن دعا حجراً أولى بالذم .والفرق بين هذا القول والذي قبله أن هاهنا المحذوف هو المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي .أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار فتقديره ، ومثل الذين كفروا في قلة عقولهم في عباداتهم لهذه الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم ، فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل فكذا ههنا .ثم قال - رحمه الله - ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا لقلبه ، وتضييقاً لصدره ، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقة في التقليد " .وقوله - تعالى - ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) زيادة في تبكيتهم وتقريعهم ، أي : صم عن استماع دعوة الحق .
بكم عن إجابة الداعي إليها ، عمى عن آيات صدقها وصحتها .
فهم لإعراضهم عن الهادي لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه ، فأصبح لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر .وقوله : ( فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) وارد مورد النتيجة بعد البرهان ، بجانب كونه توبيخاً لهم ، لأنهم بفقدهم أهم طرق الإِدراك وهما السمع والبصر ، وأهم وسيلة للثقافة وهي استطلاع الحقائق من طريق المحاروة والتكلم ، صاروا بعد كل ذلك بمنزلة من فقد عله الاكتسابي ، فأصبح لا يفقه شيئاً؛ لأن العقل الذي يكتسب به الإِنسان المعارف والحقائق يستعين استعانة كبرى بهذه الحواس الثلاث .وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون الله أنداداً ، ولحال الكافرين المقلدين لآبائهم في الضلال بدون تدبر أو تعقل ، بعد كل ذلك وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه - وفيما سيأتي بعده من آيات - كثيراً من التشريعات والآداب والأحكام التي هم في حاجة إليها فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ .
.
.
)
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر والتدبر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالو: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا ﴾ ضرب لهم هذا المثل تنبيهاً للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، وقلة الإهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسراً لقلبه، وتضييقاً لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب فبالغين المعجمة.
المسألة الثانية: للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما: تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول: وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة، كأنه قال: ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم، وما يجرى مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم: فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم، فإذا كان لا شك أن هاهنا المحذوف هو المدعو، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي، وفيه سؤال، وهو أن قوله: ﴿ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً الثالث: قال ابن زيد: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال: يا زيد يسمع من الصدى: يا زيد.
فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعو هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.
الطريق الثاني: في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان: أحدهما: أن يقول: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا هاهنا الثاني: مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائد، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة.
أما قوله تعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، فقال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها، قال النحريون ﴿ صُمٌّ ﴾ أي هم صم وهو رفع على الذم، أما قوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلاً لهم قال: العقل عقلان مطبوع ومسموع.
ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهُمُ ﴾ الضمير للناس.
وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: قيل: هم المشركون.
وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.
وألفينا: بمعنى وجدنا، بدليل قوله: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ [لقمان: 21] .
﴿ أَوْ لَّوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ ﴾ الواو للحال، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب، معناه: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب.
لا بدّ من مضاف محذوف تقديره: ومثل داعي الذين كفروا ﴿ كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ ﴾ أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق.
والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئاً آخر ولا تعي، كما يفهم العقلاء ويعون.
ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف.
وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل؟
وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، إلا أنّ قوله: ﴿ إِلاَّ دُعَاءً َنِدَاءً ﴾ لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً، والنعيق: التصويت.
يقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن.
قال الأخطل: فَانْعَقْ بِضَأْنِكَ يَا جرِيرُ فَإنَّمَا ** مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلاَلاَ وأما (نفق الغراب) فبالغين المعجمة ﴿ صُمٌّ ﴾ هم صم، وهو رفع على الذمّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ بِهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ.
والمَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها فَتَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْرِفُ مَغْزاهُ، وتُحِسُّ بِالنِّداءِ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ.
وقِيلَ هو تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها، بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ.
أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ وهو التَّصْوِيتُ عَلى البَهائِمِ، وهَذا يُغْنِي الإضْمارَ ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ إلّا دُعاءً ونِداءً، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ إلّا أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ.
﴿ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ أيْ بِالفِعْلِ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ضرب لهم مثلاً فقال {وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ} المضاف محذوف أي ومثل داعي الذين كفروا {كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ} يصيح والمراد {بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} البهائم والمعنى ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئاً آخر كما يفهم العقلاء والنعيق التصويت يقال نعق المؤذن ونعق الراعى بالظأن
والنداء ما يسمع والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع {صُمٌّ} خبر مبتدأ مضمر أي هم صم {بِكُمٌ} خبر ثانٍ {عُمْىٌ} عن الحق خبر ثالث {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} الموعظة
﴿ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والجامِعُ أنَّ الأُولى لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ، وهَذِهِ تَمْثِيلٌ لَها، وفِيها مُضافٌ مَحْذُوفٌ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ؛ أيْ: مَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ،أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ بَهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ، ووُضِعَ المَظْهَرُ - وهو المَوْصُولُ - مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وهو البَهائِمُ؛ لِيَتْمَكَّنَ مِن إجْراءِ الصِّفَةِ الَّتِي هي وجْهُ الشَّبَهِ عَلَيْهِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وإخْلادِهِمْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها وهي لا تَسْمَعُ إلّا جَرَسَ النَّغَمَةِ ودَوِيَّ الصَّوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ، أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ، وهَذا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ ؛ لِأنَّ الأصْنامَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَلا دَخْلَ لِلِاسْتِثْناءِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ويَلْتَزِمُ كَوْنَ مَجْمُوعِ ﴿ لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الفَهْمِ والِاسْتِجابَةِ، والنَّعِيقُ التَّتابُعُ في التَّصْوِيتِ عَلى البَهائِمِ لِلزَّجْرِ، ويُقالُ: نَعَقَ الغُرابُ نُعاقًا ونَعِيقًا إذا صَوَّتَ مِن غَيْرِ أنْ يَمُدَّ عُنُقَهُ ويُحَرِّكَها، ونَغَقَ بِالغَيْنِ بِمَعْناهُ، فَإذا مَدَّ عُنُقَهُ وحَرَّكَها ثُمَّ صاحَ قِيلَ: نَعَبَ بِالياءِ، والدُّعاءُ والنِّداءُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ ما يُسْمَعُ، والنِّداءَ قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ لِلْقَرِيبِ والنِّداءَ لِلْبَعِيدِ.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ؛ إذْ فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ مَعَ مانِعٍ لَفْظِيٍّ مِنَ الوَصْفِ بِهِ ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ 171﴾ أيْ: لا يُدْرِكُونَ شَيْئًا لِفُقْدانِ الحَواسِّ الثَّلاثَةِ، وقَدْ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ العَقْلِ الغَرِيزِيِّ بِاعْتِبارِ انْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ - كَما قِيلَ بِهِ - لِعَدَمِ صِحَّةِ تَرَتُّبِهِ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً.
فهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل الكفر، إنهم مثل البهائم لا يعقلون شيئاً سوى ما يسمعون من النداء.
وفي الآية إضمار ومعناه: مثلك يا محمد مع الكفار، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً.
وهذا قول الزجاج.
وقال القتبي: قال الفراء: ومثل واعظ الذين كفروا فحذف ذكر الواعظ.
كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .
وقال القتبي أيضاً: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني ومثلنا في وعظهم، فحذف اختصاراً إذ كان في الكلام ما يدل عليه، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، يعني الراعي إذا صاح في الغنم لا يسمع إلا دعاءً ونداءً فحسب، ولا تفهم قولاً ولا تحسن جواباً، فكذلك الكافر لا يعقل المواعظ.
صُمٌّ عن الخبر فهم لا يسمعون بُكْمٌ، أي خرس لا يتكلمون بالحق عُمْيٌ لا يبصرون الهدى.
ويقال: كأنّهم صم، لأنهم يتصاممون عن سماع الحق.
فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ الهدى.
<div class="verse-tafsir"
وعَدُوّ: يقع للمفرد والمثنى والجمع.
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ...
الآية: «إنما» هاهنا: للحصر، وأمر الشيطان:
إما بقوله في زَمَن الكهنة، وإما بوسوسته.
والسوء: مصدرٌ من: سَاءَ يَسُوءُ، وهي المعاصِي، وما تسوء عاقبته، وَالْفَحْشاءِ: قيل: الزنا، وقيل: ما تفاحَشَ ذكره، وأصل الفُحْش: قُبْحِ المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يستقبحُ، والشَّرْعُ: هو الذي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فكُّل ما نهتْ عنه الشريعةُ، فهو من الفحشاء.
وما لاَ تَعْلَمُونَ: قال الطبري «١» : يريد: ما حرموا من البَحِيرة، والسِّائبة، ونحوها، وجعلوه شرعاً.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ، يعني: كفَّارَ العرب، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في اليهود «٢» ، والألفُ في قوله سبحانه: أَوَلَوْ كانَ: للاستفهامِ لأن غاية الفساد في الاِلتزامِ أنْ يقولوا: نتبع آباءنا، ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم.
وقوةُ ألفاظ هذه الآية تُعطِي إِبْطَال التقليد، وأجمعتِ الأمَّة على إبطاله في العقائد.
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
الآية: المرادُ تشبيهُ واعظِ الكافرينَ، وداعِيهِمْ بالراعي الذي يَنْعِقُ بالغَنَمِ أو الإِبل، فلا تسمع إِلا دعاءه، ونداءه، ولا تَفْقَهُ ما يقول هكذا فسر ابن عباس، وعكْرمة، والسُّدِّيُّ «٣» ، وسيبويه «٤» ، فذكَرَ تعالى بعْضَ هذه الجملة، وبعضَ هذه، ودَلَّ المذْكُور على المحذوفِ، وهذه نهايةُ الإِيجاز.
والنَّعِيقُ: زجْر الغَنَم، والصِّيَاحُ بها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ﴾ فِي مَعْنى هَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي يَنْعِقُ بِها الرّاعِي، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وثَعْلَبٍ، قالا جَمِيعًا: أضافَ المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي، ولَمْ يَقُلْ:كالغَنَمِ، والمَعْنى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرُ مِنَ الصَّوْتِ، فَلَوْ قالَ لَها الرّاعِي: ارْعِي، أوِ اشْرَبِي؛ لَمْ تَدْرِ ما يَقُولُ لَها، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يَأْتِيهِمْ مِنَ القُرْآَنِ، وإنْذارُ الرَّسُولِ، فَأُضِيفَ التَّشْبِيهُ إلى الرّاعِي، والمَعْنى في المَرْعِيِّ، وهو ظاهِرٌ في كَلامِ العَرَبِ، يَقُولُونَ: فَلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ، والمَعْنى: كَخَوْفِهِ الأسَدَ [لِأنَّ الأسَدَ هو المَعْرُوفُ بِأنَّهُ المُخَوِّفُ ] قالَ الشّاعِرُ: كانَتْ فَرِيضَةً ما تَقُولُ كَما كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ والمَعْنى: كَما كانَ الرَّجْمُ فَرِيضَةَ الزِّنى.
والثّانِي: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَثَلُنا في وعْظِهِمْ، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، فَحَذَفَ: ومَثَّلْنا، اخْتِصارًا، إذْ كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ آَلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والَّذِي يَنْعِقُ هو الرّاعِي، يُقالُ: نَعَقَ بِالغَنَمِ، يَنْعِقُ نَعَقًا ونَعِيقًا ونُعاقًا ونُعْقانًا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والفاشِي في كَلامِ العَرَبِ أنَّهُ لا يُقالُ: نَعَقَ، إلّا في الصِّياحِ بِالغَنَمِ وحْدَها، فالغَنَمُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْقِلُ المَعْنى.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ ﴾ إنَّما وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ، لِأنَّهم في تَرْكِهِمْ قَبُولُ ما يَسْمَعُونَ يِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ، وكَذَلِكَ في النُّطْقِ والنَّظَرِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ الخِطابُ عامٌّ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"حَلالًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "ما".
وقالَ مَكِّيُّ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا حَلالًا، وهَذا يَبْعُدُ، وكَذَلِكَ مَقْصِدُ الكَلامِ لا يُعْطِي أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "كُلُوا".
وتَأمَّلَ.
و"طَيِّبًا" نَعْتٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَيِّبًا" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُلُوا" تَقْدِيرُهُ: مُسْتَطِيبِينَ.
والطَيِّبُ عِنْدَ مالِكٍ: الحَلالُ فَهو هُنا تَأْكِيدٌ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، وهو عِنْدَ الشافِعِيِّ المُسْتَلَذُّ، ولِذَلِكَ يَمْنَعُ أكْلَ الحَيَوانِ القَذِرِ وكُلَّ ما هو خَبِيثٌ.
و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فالمَعْنى: النَهْيُ عَنِ اتِّباعِ الشَيْطانِ وسُلُوكِ سُبُلِهِ وطَرائِقِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُطُواتُهُ: أعْمالُهُ، قالَ غَيْرُهُ: آثارُهُ قالَ مُجاهِدٌ: خَطاياهُ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: هي النُذُورُ والمَعاصِي، قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ فِيما سَنُّوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِهِ، قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "خُطُواتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، فَإمّا أرادُوا ضَمَّ الخاءِ والطاءِ وخَفَّفُوها إذْ هو البابُ في جَمْعِ فِعْلَةٍ كَغُرْفَةِ وغُرُفاتِ، وإمّا أنَّهم تَرَكُوها في الجَمْعِ عَلى سُكُونِها في المُفْرَدِ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "خَطَواتٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ، وسَلامٍ: "خُطُؤاتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، وذَهَبَ بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطَأةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
وكُلُّ ما عَدا السُنَنَ والشَرائِعَ مِنَ البِدَعِ والمَعاصِي فَهي خُطُواتُ الشَيْطانِ.
و"عَدُوَ" يَقَعُ لِلْمُفْرَدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةُ، "إنَّما تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وقَدْ تَجِيءُ غَيْرَ حاصِرَةٍ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ.
كَأنَّكَ تُحاوِلُ الحَصْرَ أو تُوهِمُهُ، فَإنَّما يُعْرَفُ مَعْنى "إنَّما" بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، فَهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ.
وأمَرَ الشَيْطانُ إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يَتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ، فَإذا أُطِيعَ نَفَّذَ أمْرَهُ.
و"السُوءِ": مَصْدَرٌ مِن ساءَ يَسُوءُ، وهي المَعاصِي وما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ، و"الفَحْشاءِ" قالَ السُدِّيُّ: هي الزِنا، وقِيلَ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدًّا مِنَ الحُدُودِ، لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ، وأصْلُ الفُحْشِ قُبْحُ المَنظَرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي.
والشَرْعُ هو الَّذِي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فَكُلُّ ما نَهَتْ عنهُ الشَرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
و ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِها وجَعَلُوهُ شَرْعًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ ، يَعْنِي كُفّارَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ في "لَهُمُ" عائِدٌ عَلى "الناسِ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا ﴾ ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى "مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا ﴾ .
و"اتَّبِعُوا" مَعْناهُ بِالعَمَلِ والقَبُولِ.
و ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ هو القُرْآنُ والشَرْعُ، و"ألْفَيْنا" مَعْناهُ وجَدْنا، قالَ الشاعِرُ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهِ إلّا قَلِيلًا والألِفُ في قَوْلِهِ: "أوَلَوْ" لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِهِمْ هَذا، إذْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ.
وقُوَّةُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي إبْطالَ التَقْلِيدِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، المُرادُ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ وداعِيهِمْ، والكافِرِينَ المَوْعُوظِينَ، بِالراعِي الَّذِي يَنْعَقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَهُ ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وسِيبَوَيْهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ وبَعْضَ هَذِهِ، ودَلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذِهِ نِهايَةُ الإيجازِ.
والنَعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِياحُ بِها، قالَ الأخْطَلُ: انْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالًا وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وقَعَ هَذا التَشْبِيهُ بِراعِي الضَأْنِ لِأنَّها مِن أبْلَدِ الحَيَوانِ، فَهي تَحْمُقُ راعِيها، وفي المَثَلِ: "أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ" وقَدْ قالَ دُرَيْدُ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ في يَوْمِ هَوازِنَ: "راعِي ضَأْنٍ واللهِ"، وقالَ الشاعِرُ: أصْبَحْتُ هَزْءًا لِراعِي الضَأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يُرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَأْنِ؟
فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ يَمُرُّ الدُعاءُ عَلى آذانِهِمْ صَفْحًا يَسْمَعُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ، إذْ لا يَنْتَفِعُونَ بِفِقْهِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى في الآيَةِ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آلِهَتَهم وعِبادَتَهم إيّاها، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ شَيْئًا، إلّا دَوِيًّا غَيْرَ مُفِيدٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الصَدى الَّذِي يَسْتَجِيبُ مِنَ الجِبالِ.
ووَجْهُ الطَبَرِيُّ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ: ومَثَلُ الكافِرِينَ في عِبادَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلنّاعِقِ مِن ذَلِكَ إلّا النِداءُ الَّذِي يُتْعِبُهُ ويَنْصِبُهُ، فَإنَّما شَبَّهَ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الكَفّارَ بِالناعِقِ، والأصْنامَ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وشُبِّهُوا في الصَمَمِ والبُكْمِ والعَمى بِمَن لا حاسَّةَ لَهُ، لِما لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَواسِّهِمْ، ولا صَرَفُوها في إدْراكِ ما يَنْبَغِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................
∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعٌ ولَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِهَذِهِ الحَواسِّ قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، إذِ العَقْلُ -كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ- عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ تُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ.
وتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذكر تلقيَهم الدعوة إلى اتباع الدين بالإعراض إلى أن بلغ قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا ﴾ [البقرة: 170]، وذكر فساد عقيدتهم إلى أن بلغ قوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ﴾ [البقرة: 165] الآية، فالمراد بالذين كفروا المضروب لهم المثل هنا هو عين المراد من ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ﴾ وعين المراد من ﴿ الذين ظلموا ﴾ في قوله: ﴿ ولو يرى الذين ظلموا ﴾ [البقرة: 165]، وعين الناس في قوله: ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ [البقرة: 168]، وعين المراد من ضمير الغائب في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ [البقرة: 170]، عُقّب ذلك كله بتمثيللِ فظيع حالهم إبلاغاً في البيان واستحضاراً لهم بالمثال، وفائدة التمثيل تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17].
وإنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ لأنه أريد هنا جعل هذه صفة مستقلة لهم في تلقي دعوة الإسلام ولو لم يعطفه لما صح ذلك.
والمثل هنا لَمَّا أضيف إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ كان ظاهراً في تشبيه حالهم عند سماع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الإسلام بحال الأنعام عند سماع دعوة من ينعق بها في أنهم لا يفهمون إلاّ أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى متابعته من غير تبصر في دلائل صدقه وصحة دينه، فكلٌّ من الحالة المشبهة والحالة المشبه بها يشتمل على أشياء: داععٍ ومدعو ودعوة، وفَهْم وإعراض وتصميم، وكل من هاته الأشياء التي هي أجزاء التشبيه المركب صالح لأن يكون مشبهاً بجزء من أجزاء المشبه به، وهذا من أبدع التمثيل وقد أوجزتْه الآية إيجازاً بديعاً، والمقصود ابتداءً هو تشبيه حال الكفار لا محالة، ويستتبع ذلك تشبيه حال النبي وحال دعوته، وللكفار هنا حالتان: إحداهما حالة الإعراض عن داعي الإسلام، والثانية حالة الإقبال على عبادة الأصنام، وقد تضمنت الحالتين الآيةُ السابقة وهي قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا ﴾ [البقرة: 170] وأعظمه عبادة الأصنام، فجاء هذا المَثَل بياناً لما طُوي في الآية السابقة.
فإن قلت: مقتضى الظاهر أن يقال: ومثل الذين كفروا كمثل غَنَم الذي ينعق؛ لأن الكفار هم المشبهون والذي ينعق يُشبههُ داعي الكفار فلماذا عدل عن ذلك؟
وهل هذا الأسلوب يدل على أن المقصود تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لهم بالذي ينعق؟
قلت: كِلاَ الأمرين منتف؛ فإن قوله: ﴿ ومثل الذين ﴾ ، صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17]، وإذا كان كذلك كانت أجزاء المركبين غير منظور إليها استقلالاً وأيَّها ذكرتَ في جانب المركب المشبَّه والمربه المشبه به أجزأك، وإنما كان الغالب أن يبدءَوا الجملة الدالة على المركب المشبه به بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ وقد لا يلتزمون ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ﴾ [آل عمران: 117] الآية.
والذي يقابل ﴿ ما ينفقون ﴾ في جانب المشبه به هو قوله: ﴿ حرث قوم ﴾ [آل عمران: 117] وقال: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ﴾ [البقرة: 261] وإنما الذي يقابل ﴿ الذين ينفقون ﴾ في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلاً وقال تعالى: ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ﴾ [البقرة: 264] الآية، والذي يقابل الصفوانَ في جانب المشبه هو المال المنفَق لا الذي ينفق، وفي الحديث الصحيح «مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء» الخ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا، وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلاً، وهو استعمال كثير جداً، وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى، والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم، أو تشبيه حال المشركين في إقبَالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم، وأيّاً ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فيكون قوله: ﴿ إلا دعاء ونداء ﴾ من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في جانب المشبه به، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك، ولأَنْ يكون احتراساً في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رُعاتها فهي لا تسمع إلاّ دُعاء ونداء، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذٍ مثل قوله تعالى: ﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ [البقرة: 74] ثم قال: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ [البقرة: 74].
وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حَمَّلْتُه من الهيئة كلها، وهيئةُ المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ﴾ [البقرة: 170] الآية، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يَسمع، فالنبي يدعوهم كناعققٍ بغنم لا تفقه دليلاً، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئاً.
ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع.
والنعق نداء الغنم وفعله كضربَ ومنَع ولم يُقرأ إلاّ بكسر العين فلعل وزن ضرب فيه أفصح وإن كان وزن منَع أقيس، وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريراً بأن لا طائل في هجائه الأخطلَ: فانْعِقْ بضأْنك يا جرير فإنما *** منَّتْك نفسُك في الظلام ضلالا والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد، فهو تأكيد ولا يصح، وقيل الدعاء للقريب والنداء للبعيد، وقيل الدعاء ما يُسمع والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ولا يصح.
والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات التي تفهمها الغنم، فالدعاء ما يخاطب به الغنم من الأصوات الدالة على الزجر وهي أسماء الأصوات، والنداء رفع الصوت عليها لتجتمع إلى رعاتها، ولا يجوز أن يكونا بمعنى واحد مع وجود العطف؛ لأن التوكيد اللفظي لا يعطف فإن حقيقة النداء رفع الصوت لإسماع الكلام، أو المراد به هنا نداء الرِّعاء بعضهم بعضاً للتعاون على ذود الغنم، وسيأتي معنى النداء عند قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ﴾ [الأعراف: 43] في سورة الأعراف.
وقوله: ﴿ صم بكم عمى ﴾ أخبار لمحذوف على طريقة الحذف المعبر عنه في علم المعاني بمتابعة الاستعمال بعد أن أجرى عليهم التمثيل، والأوصاف إن رجعت للمشركين فهي تشبيه بليغ وهو الظاهر وإن رجعت إلى الأصنام المفهومةِ مِنْ يَنعق على أحد الاحتمالين المتقدمين فهي حقيقة وتكون شاهداً على صحة الوصف بالعدم لمن لا يصح اتصافه بالملكة كقولك للحائط: هو أعمى، إلاّ أن يجاب بأن الأصنام لما فرضها المشركون عقلاء آلهة وأريد إثبات انعدام الإحساس منهم عبر عنها بهذه الأوصاف تهكماً بالمشركين فقيل: صم بكم عمي كقول إبراهيم: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ﴾ [مريم: 42].
وقوله: ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ تقريع كمجيء النتيجة بعد البرهان، فإن كان ذلك راجعاً للمشركين فالاستنتاج عقب الاستدلال ظاهر لخفاء النتيجة في بادئ الرأي، أي إن تأملتم وجدتموهم لا يعقلون؛ لأنهم كالأنعام والصمِّ والبكممِ الخ، وإن كان راجعاً للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها.
ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي في تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ ﴿ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَثَلَ الكافِرِ فِيما يُوعَظُ بِهِ مَثَلُ البَهِيمَةِ الَّتِي يُنْعَقُ بِها تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ مَعْناهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: مَثَلُ الكافِرِ في دُعاءِ آلِهَتِهِ الَّتِي يَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ راعِي البَهِيمَةِ يَسْمَعُ صَوْتَها ولا يَفْهَمُهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ أيْ صُمٌّ عَنِ الوَعْظِ فَلا يَسْمَعُونَهُ، بُكُمٌ عَنِ الحَقِّ فَلا يَذْكُرُونَهُ، عُمْيٌ عَنِ الرُّشْدِ فَلا يُبْصِرُونَهُ فَهم لا يَعْقِلُونَهُ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَعْمَلُوا بِما يَسْمَعُونَهُ ويَقُولُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ كانُوا بِمَثابَةِ مَن فَقَدَ السَّمْعَ والنُّطْقَ والبَصَرَ.
والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن سَمِعَ ما لا يَعْمَلُ بِهِ: أصَمُّ.
قالَ الشّاعِرُ: ؎ ...
...
...
∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ﴾ قال: كمثل البقر والحمار والشاة، إنْ قلت لبعضهم كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: مثل الدابة تنادي فتسمع ولا تعقل ما يقال لها، كذلك الكافر يسمع الصوت ولا يعقل.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ﴾ قال: شبه الله أصوات المنافقين والكفار بأصوات البهم، أي بأنهم لا يعقلون.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول: هضيم الكشح لم يغمز ببوس ** ولم ينعق بناحية الرياق وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كمثل الذي ينعق ﴾ قال: الراعي ﴿ بما لا يسمع ﴾ قال: البهائم ﴿ إلا دعاء ونداء ﴾ قال: كمثل البعير والشاة تسمع الصوت ولا تعقل.
وأخرج وكيع عن عكرمة في قوله: ﴿ ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ﴾ مثل الكافر مثل البهيمة تسمع الصوت ولا تعقل.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ﴾ [ البقرة: 174] إلى قوله: ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ [ البقرة: 175] .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ﴾ الآية، قال أهل اللغة، الفراء وغيره: النعيق: دعاء الراعي الشاة، يقال: انعَقْ بضَأنِك، أي: ادعُها، وقد نَعَقَ يَنْعِقُ نعيقًا ونَعْقًا ونَعْقانًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم زجرًا، قال الأخطل: فانعِقْ بِضَأْنِك يا جريرُ فإنما ...
مَنَّتْكَ نَفْسُك في الخَلَاء ضَلالا (١) (٢) وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان: أحدهما: تصحيح المعنى بإضمار في الآية.
والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار (٣) فأما الذين أضمروا فقد اختلفوا، فقال الأخفش (٤) (٥) (٦) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ ، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئًا.
وقال الفراء (٧) أحدهما: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ ، أي: أهلها (٨) والقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسولهِ كمثل المنعوقِ به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهى غير الصوت، فيكون المعنى للمنعوق به (٩) كانت فريضة ما تقول كما ...
كان الزناءُ فريضةَ الرجم (١٠) أراد: كما كان الرجمُ فريضةَ الزنا.
وعلى هذا حُمِل قوله تعالى: ﴿ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ﴾ ، المعنى: أن العُصْبَةَ تنوء بالمفاتح (١١) (١٢) (١٣) وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجهًا ومذهبًا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة.
وعلى هذا الطريق أراد: بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً: البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الراعي، إنما تسمع صوتًا ولا تدري ما تحته، لو قال لها: كلي واشربي لم تقف على معنى قوله، فالذين كفروا يسمعون كلام النبي وهم كالغنم، إذ كانوا لا يستعملون ما يأمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه.
وهذا قول ابن عباس (١٤) (١٥) (١٦) والطريق الثاني في الآية: هو أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاةِ يكلمون البَهم والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (١٧) وقال عبد الرحمنُ بن زيد: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه منها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه (١٨) (١٩) (٢٠) قال ابن الأنباري: ويجوز على هذا القول أيضًا: أن يكون السمع منفيًا عن المنعوق به، فيكون المعنى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ألبتة (٢١) هم القوم إلا حيث سلّوا سيوفهم ...
وضَحَّوا بلحم من مُحِلٍّ ومُحرِمِ (٢٢) معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم (٢٣) والتقدير الأول في هذا المعنى أولى مما ذكره أبو بكر؛ لأن السمع إذا كان منفيًّا عن المنعوق به لم يكن للجبل اختصاص بالنعيق به؛ لأن غير الجبل من القفار والرمال والأشجار لا يسمع ألبتة أيضًا، وفي نفي السمع عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه (٢٤) (١) البيت في "ديوان الأخطل" ص 392، "تفسير الطبري" 2/ 83، والثعلبي 1/ 1336، "خزانة الأدب" 11/ 133، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 497، "مجاز القرآن" 1/ 64، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 183.
(٢) ينظر في معنى نعق: "تفسير الطبري" 2/ 83، "تهذيب اللغة" 4/ 3613، "تفسير الثعلبي" 1/ 1335، "المفردات" 501، "اللسان" 7/ 4476.
(٣) ينظر في معنى الآية: "تفسير الطبري" 2/ 79، "المحرر الوجيز" 1/ 63 - 65، "تفسير القرطبي" 2/ 197 - 198، "البحر المحيط" 1/ 481.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1334، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 242.
(٦) "تأويل مشكل القرآن" ص 199، "تفسير غريب القرآن" ص 65.
(٧) ينظر: "معاني القرآن" للفراء بمعناه، وقال بعد ذكر القولين: وكلٌّ صواب.
(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، "البحر المحيط" 1/ 482، وهذا اختيار الطبري.
(٩) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 63، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1246، "البحر المحيط" 1/ 482.
(١٠) البيت للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 35، "لسان العرب " 3/ 1875 (زني)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء، "مجاز القرآن" 1/ 378، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1337.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 99 - 100، "تفسير الثعلبي" 1/ 1336 - 1337.
(١٢) في (أ)، (م): (على الغلط وعلى طريق).
(١٣) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 200، "البحر المحيط" 1/ 482 وقال: وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه.
(١٤) رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282.
(١٥) رواه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع: "الطبري" 2/ 79، وذكره "الثعلبي" 1/ 1334.
(١٦) رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282.
(١٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1338، "الوسيط" للواحدي 1/ 255، والرازي 5/ 8، والقرطبي 2/ 197 - 198.
(١٨) رواه عنه الطبري 2/ 82.
(١٩) في (م): (مستجاب وليس كذلك).
(٢٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 339، والسمعاني 2/ 128، والبغوي 1/ 181، والرازي 5/ 9.
(٢١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81 (٢٢) البيت للفرزدق في "ديوانه" ص 200.
(٢٣) من قوله: (معناه هم).
ساقطة من (ش).
(٢٤) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 109.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالسواء والفحشآء ﴾ المعاصي ﴿ وَأَن تَقُولُواْ ﴾ الإشراك وتحريم الحلال كالبَحِيرة وغير ذلك ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ رداً على قولهم: ﴿ بل نتبع...
﴾ الآية، في كفار العرب.
وقيل في اليهود: أنهم يتبعونهم ولو كانوا ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فدخلت همزة الإنكار على واو الحال ﴿ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: في معناها قولان: الأول تشبيه الذين كفروا بالبهائم؛ لقلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، ولابد في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المحذوف أوّل الآية والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ ﴾ أي يصيح ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ ولا يعقل معنى، والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مَدْعُوِّ الذي ينعق.
ويكون دعاء ونداء على الوجهين مفعولاً: يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى هذا القول شبه الكفار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم، وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع، لأن الأصنام لا تسمع شيئاً، ويكون دعاء ونداء على هذا منعطف: أي أن الداعي يتعب نفسه بادعاء أو الندراء لمن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا شبه الكفار بالنعق ﴿ صُمٌّ ﴾ وما بعده راجع إلى الكفار وذلك غير التآويل الأول ورفعوا على إضمار مبتدأ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خطوات ﴾ ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي.
الباقون: بالضم.
﴿ بل نتبع ﴾ .
وبابه مثل ﴿ هل ننبئكم ﴾ و ﴿ بل نقذف ﴾ مدغماً حيث كان: علي وهشام.
الوقوف: ﴿ طيباً ﴾ ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط لابتداء الاستفهام ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ ونداء ﴾ ط لحق المحذوف أي هم صم ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.
التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً.
وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد.
ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس.
وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به.
ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ﴾ فالوصف لتأكيد المدح مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ أي الطاهر من كل شبهة.
ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير.
والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها.
يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مبين ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ﴾ ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وهذا أقبح الكل لأن وصف الله بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر.
ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة.
ويدخل في قوله ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين.
ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه.
وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟
وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده.
﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس.
والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.
وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة.
وإنما خص هذا الموضع بقوله ﴿ ألفينا ﴾ لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل.
واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله بقوله ﴿ أو لو كان ﴾ الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟
وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا.
فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع.
وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر......
فقال وضلال ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها.
وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها.
وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق.
الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله ﴿ لا دعاء ونداء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً.
أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته.
فإذا قال: يا زيد.
يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.
أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم.
فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم ﴿ صم ﴾ عن استماع الحق والانتفاع به ﴿ بكم ﴾ عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير ﴿ عمي ﴾ عن النظر في الدلائل ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.
فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع.
فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما.
وقال النبي "إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله" فبقدر عقله تكون عبادته لربه.
أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟
﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وقال: "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى" التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ﴿ ألست بربكم ﴾ إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد ﴿ بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن آباءهم كانوا أوصوهم ألا يفارقوا دينهم الذي هم عليه، فقالوا عند ذلك: لا ندع وصية آبائنا، كقوله: ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
أو كانوا قوماً سفهاء أصحاب التقليد، فقالوا: إنا قلدنا آباءنا، فلا نقلد غيرهم.
وقوله: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ .
يخرج هذا الكلام على وجهين: أي: تقلدون أنتم آباءكم وإن كانوا لا يعقلون شيئاً.
ويحتمل: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ﴾ ، أي: وقد كان آباؤكم لا يعقلون شيئاً فكيف تقلدونهم؟
وهو كقوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ ، أي وقد جئتكم.
أو أن يقال: من جعل آباءكم قدوة يقتدى بهم؟
وقوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: مثلنا ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ ﴾ أي يصوت ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ يسمعون الصوت ولا يفهمون ما فيه.
وقيل: ﴿ يَنْعِقُ ﴾ بمعنى يُنْعَقُ، ذكر الفاعل على إرادة المفعول؛ كقوله: ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي مرضية.
فعلى ذلك الأولى، وهو في اللغة جائز جار.
وقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
سماهم بذلك وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ لما لم ينتفعوا بها، إذ الحاجة من هذه الأشياء الانتفاع بها؛ ولذلك سماهم سفهاء لما لم ينتفعوا بعلمهم وعقلهم.
<div class="verse-tafsir"
ومثل الذين كفروا في اتباعهم لآبائهم كالراعي الَّذي يصيح مناديًا على بهائمه، فتسمع صوته، ولا تفهم قوله، فهم صُمٌّ عن سماع الحق سماعًا ينتفعون به، بُكمٌ قد خرست ألسنتهم عن النطق بالحق، عُميٌ عن إبصاره، ولهذا لا يعقلون الهدى الَّذي تدعوهم إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.ymR0k"
بعد ما بين تعالى فساد ما عليه المقلدون من ابتاع ما وجدوا عليه آباءهم من غير نظر ولا استدلال، ضرب لهم مثلًا زيادة في تقبيح شأنهم، والزراية عليهم، بقوله ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي صفتهم في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ أي كصفة الراعي للبهائم السائمة ينعق ويصيح بها في سوقها إلى المرعى ودعوتها إلى الماء وزجرها عن الحمى فتجيب دعوته وتنزجز بزجزه بما أَلفت من نعاقه بالتكرار.
شبه حالهم بحال الغنم مع الراعي يدعوها فتقبل؟، ويزجرها فتنزجر، وهي لا تعقل مما يقول شيئًا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتًا تقبل لبعضها وتدبر للآخر بالتعويد، ولا تعقل سببًا للإقبال ولا للإدبار.
ومعنى المثل هنا كما قال سيبويه أن صفة الكفار وشأنهم كشأن الناعق بالغنم.
ولا يقتضي هذا أن يكون كل جزء من المشبه كمقابله من المشبه به، وهو ما سماه علماء البيان بعد سيبويه بالتمثيل، وفرقوا بينه وبين تشبيه متعدد بمتعدد.
والكفر جحود الحق والإعراض عن النظر في الدليل عليه عند الدعوة إليه وفرق بينه وبين الضلال، فإن الضال من أخطأ طريق الحق مع طلبه، أو جهله فلم يعرفه بنفسه ولا بدلالة غيره.
وأما الكافر فهو يرى الحق ويعرض عنه، ويصرف نفسه عن دلائله وآياته فلا ينظر فيها كالحيوان يرضى بأن لا يكون له فهم ولا علم، بل يقوده غيره ويصرفه كيف شاء، فهو مع من قلدهم من الرؤساء كالغنم مع الراعي تقبل بدعائه وتنزجر بندائه، ومسخرة لإرادته وقضائه، ولا تفهم لماذا دعا ولماذا زجر، فدعوتها إلى الرعي وإلى الذبح سواء.
وكذلك شأن كل من يسلم اعتقادًا بلا دليل، ويقبل تكليفًا بغير فقه ولا تعليل.
والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وأن المرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به.
فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل -ولو صالحًا- بغير فقه، فهو غير مؤمن، لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده، فلا يأخذه بالتسليم لأجل آبائه وأجداده، ولذلك وصف الله الكافرين بعد تقرير المثل بأنهم ﴿ صُمٌّ ﴾ لا يسمعون الحق سماع تدبر وفهم ﴿ بُكْمٌ ﴾ لا ينطقون به عن اعتقاد وعلم ﴿ عُمْي ﴾ لا ينظرون في آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق حتى يتبين لهم أنه الحق ﴿ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ مبدأ ما هم فيه ولا غايته كما يطلب من الإنسان، وإنما ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان ولذلك اتبعوا من لا يعقلون ولا يهتدون، فالعاقل لا يقلد عاقلًا مثله، فأجدر به أن لا يقلد جاهلًا ضالًا هو دونه.
<div class="verse-tafsir"