الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 110 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهم مع ذلك ( صم ) لا يسمعون خيرا ( بكم ) لا يتكلمون بما ينفعهم ( عمي ) في ضلالة وعماية البصيرة ، كما قال تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة .
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه : قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : ( فلما أضاءت ما حوله ) زعم أن ناسا دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ثم إنهم نافقوا ، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة ، فأوقد نارا ، فأضاءت ما حوله من قذى ، أو أذى ، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره ، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى ، فكذلك المنافق : كان في ظلمة الشرك فأسلم ، فعرف الحلال والحرام ، و [ عرف ] الخير والشر ، فبينا هو كذلك إذ كفر ، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ، ولا الخير من الشر .
وقال مجاهد : ( فلما أضاءت ما حوله ) أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى .
وقال عطاء الخراساني في قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) قال : هذا مثل المنافق ، يبصر أحيانا ويعرف أحيانا ، ثم يدركه عمى القلب .
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة ، والحسن والسدي ، والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) إلى آخر الآية ، قال : هذه صفة المنافقين .
كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم ، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه ، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون .
وقال العوفي ، عن ابن عباس ، في هذه الآية ، قال : أما النور : فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به ، وأما الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به ، وهم قوم كانوا على هدى ، ثم نزع منهم ، فعتوا بعد ذلك .
وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) قال : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام ، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز ، كما سلب صاحب النار ضوءه .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) فإنما ضوء النار ما أوقدتها ، فإذا خمدت ذهب نورها ، وكذلك المنافق ، كلما تكلم بكلمة الإخلاص ، بلا إله إلا الله ، أضاء له ، فإذا شك وقع في الظلمة .
وقال الضحاك [ في قوله ] ( ذهب الله بنورهم ) أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ) فهي لا إله إلا الله ؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ، ونكحوا النساء ، وحقنوا دماءهم ، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون .
وقال سعيد ، عن قتادة في هذه الآية : إن المعنى : أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا ، فناكح بها المسلمين ، وغازاهم بها ، ووارثهم بها ، وحقن بها دمه وماله ، فلما كان عند الموت ، سلبها المنافق ؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ، ولا حقيقة في عمله .
( وتركهم في ظلمات ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وتركهم في ظلمات ) يقول : في عذاب إذا ماتوا .
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وتركهم في ظلمات ) أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر ، فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق .
وقال السدي في تفسيره بسنده : ( وتركهم في ظلمات ) فكانت الظلمة نفاقهم .
وقال الحسن البصري : ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) فذلك حين يموت المنافق ، فيظلم عليه عمله عمل السوء ، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول : لا إله إلا الله .
( صم بكم عمي ) قال السدي بسنده : ( صم بكم عمي ) فهم خرس عمي .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( صم بكم عمي ) يقول : لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه ، وكذا قال أبو العالية ، وقتادة بن دعامة .
( فهم لا يرجعون ) قال ابن عباس : أي لا يرجعون إلى هدى ، وكذلك قال الربيع بن أنس .
وقال السدي بسنده : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) إلى الإسلام .
وقال قتادة : ( فهم لا يرجعون ) أي لا يتوبون ولا هم يذكرون .
القول في تأويل قول الله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) قال أبو جعفر: وإذْ كانَ تأويل قول الله جلّ ثناؤه: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ، هو ما وصفنا - من أنّ ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة, عند هتك أستارهم, وإظهاره فضائح أسرارهم, وسَلبه ضياءَ أنوارهم، من تركهم في ظُلَم أهوال يوم القيامة يترددون, وفي حَنادسها لا يُبصرون - فبيّنٌ أنّ قوله جل ثناؤه: " صمٌّ بكم عميٌ فَهم لا يرجعون " من المؤخّر الذي معناه التقديم, وأنّ معنى الكلام: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين, صُمٌّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون، مَثلهم كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءتْ ما حوْله ذهبَ الله بنورهم وترَكهم في ظُلمات لا يبصرون, أو كمثل صَيِّب من السماء.
وإذْ كان ذلك معنى الكلام: فمعلومٌ أن قوله: " صُمٌّ بكمٌ عُميٌ"، يأتيه الرفع من وجهين, والنصب من وجهين: فأما أحدُ وجهي الرفع: فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم.
وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم, فتنصِب وتَرفع، وإن كان خبرًا عن معرفة, كما قال الشاعر: لا يَبْعَــدَنْ قَــوْمِي الَّــذِينَ هُــمُ سَـــمُّ الْعُــدَاةِ وَآفَــةُ الْجُــزْرِ (17) النَّــــازِلِينَ بكـــلِّ مُعْـــتَرَكٍ وَالطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأُزْرِ (18) فيروي: " النازلون " و " النازلين "، وكذلك " الطيِّبون " و " الطيِّبين ", على ما وصفتُ من المدح.
&; 1-330 &; والوجهُ الآخر: على نية التكرير من أُولَئِكَ , فيكون المعني حينئذ: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بكم عمي فهم لا يرجعون.
وأمَّا أحد وَجهي النصب: فأن يكون قَطعًا مما في مُهْتَدِينَ من ذكر أُولَئِكَ (19) ، لأن الذي فيه من ذكرهم معرفة, والصم نكرة.
والآخر: أن يكون قطعا من الَّذِينَ , لأن الَّذِينَ معرفة و " الصم " نكرة (20) .
وقد يجوز النصبُ فيه أيضًا على وجه الذم، فيكون ذلك وجهًا من النصب ثالثًا.
فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وَجه رواية علي بن أبي طلحة عنه, فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف.
وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين: أحدهما: الذم, والآخرُ: القطع من " الهاء والميم " اللتين في" تركهم ", أو من ذكرهم في لا يُبْصِرُونَ .
وقد بيّنا القولَ الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك.
والقراءةُ التي هي القراءةُ، الرفعُ دُون النصب (21) .
لأنه ليس لأحد خلافُ رسوم مَصَاحف المسلمين.
وإذا قُرئ نصبًا كانتْ قراءةً مخالفة رسم مصاحفهم.
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن المنافقين: أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحقّ مهتدين, بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمعونهما، لغلبة خِذلان الله عليهم, بُكمٌ عن القيل بهما فلا ينطقون بهما - والبُكم: الخُرْسُ, وهو جِماعُ أبكم - عُميٌ عن أن يبصرُوهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال علماء أهل التأويل: 398- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " صمٌّ بكم عُميٌ"، عن الخير.
399- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " صم بكم عُمي"، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه.
400- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " بكم "، هم الخُرس.
401- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، قوله " صم بكْم عُمْي": صمٌّ عن الحق فلا يسمعونه, عمي عن الحق فلا يبصرونه, بُكم عن الحق فلا ينطقون به (22) .
القول في تأويل قوله : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) قال أبو جعفر: وقوله " فهم لا يرجعون "، إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين - الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدَى, وَصممِهم عن سمَاع الخير والحق, وَبكمَهم عن القيل بهما, وعَماهم عن إبصارهما - (23) أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم, ولا يتُوبون إلى الإنابة من نفاقهم.
فآيَس المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا, أو يقولوا حقًّا, أو يَسمعوا داعيًا إلى الهدى, أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتهم, كما آيس من تَوبة قادة كفّار أهل الكتاب &; 1-332 &; والمشركين وأحبارهم، الذين وَصَفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سَمعهم وغشَّى على أبصارهم.
وبمثل الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 402- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة: " فهم لا يَرجعون "، أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.
403- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فهم لا يَرْجعون ": فهم لا يرجعون إلى الإسلام.
وقد رُوي عن ابن عباس قولٌ يخالف معناه معنى هذا الخبر، وهو ما:- 404- حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " فهم لا يَرْجعون "، أي: فلا يرجعون إلى الهدَى ولا إلى خير, فلا يصيبون نَجاةً مَا كانوا على مَا هم عليه (24) .
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوة بخلافه.
وذَلك أن الله جلّ ثناؤه أخبرَ عن القوم أنهم لا يَرجعون -عن اشترائهم الضلالة بالهدى- إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق، من غير حَصْرٍ منه جلّ ذكره ذلك من حالهم على وقت دون وقت (25) وحال دون حال.
وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، يُنبئ أنّ ذلك من صفتهم محصورٌ على وقت (26) وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين, وأنّ لهم السبيلَ إلى الرجوع &; 1-333 &; عنه.
وذلك من التأويل دعوى بَاطلة (27) ، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.
----------------------- الهوامش : (17) الشعر للخرنق بنت بدر بن هفان ، أخت طرفة لأمه ، أمهما وردة ، ديوانها : 10 ، ترثى زوجها بشر بن عمرو بن مرثد .
وسيأتي في تفسير آية سورة غافر : 3 (24 : 27 بولاق) ، وفي سيبويه 1 : 104 ، 246 ، 249 ، وخزانة الأدب 2 : 301 .
وقولها"لا يبعدن قومى" : أي لا يهلكن قومي ، تدعو لهم .
وفعله : بعد يبعد بعدًا (من باب فرح) : هلك .
والعداة جمع عاد ، وهو العدو .
والجزر جمع جزور : وهي الناقة التي تنحر .
وآفة الجزر : علة هلاكها ، لا يبقون على أموالهم من الكرم .
(18) المعترك : موضع القتال حيث يعتركون ، يطحن بعضهم بعضًا .
وإذا ضاق المعترك نزل الفرسان ، وتطاعنوا واقتربوا حتى يعتنق بعضهم بعضًا إذا حمس القتال .
والأزر جمع إزار : وهو ما ستر النصف الأسفل ، والرداء : ما ستر الأعلى .
ومعاقد الأزر : حيث يعقد لئلا تسقط .
وكنت بذلك عن عفتهم وطهارتهم ، لا يقربون فاحشة فيحلون معاقد الأزر .
(19) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .
(20) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .
(21) في المطبوعة : "والقراءة التي هي قراءة الرفع .
.
" ، وهو خطأ محض .
(22) هذه الأخبار 398 - 401 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية ، بالأرقام : 386 ، 387 ، 388 ، 390 .
(23) سياقه : "إخبار من الله عز وجل .
.
أنهم لا يرجعون .
.
" .
(24) هذه الأخبار 402 - 404 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية .
بالأرقام : 401 ، 400 ، 398 .
(25) في المطبوعة : "إلى وقت دون وقت" ، وهو خطأ .
(26) في المطبوعة : "ينبئ عن أن .
.
" .
(27) في المخطوطة"دعوى ناظر" ، وصوابها"دعوى باطل" بالإضافة .
قوله تعالى : صم بكم عمي فهم لا يرجعونقوله تعالى : صم بكم عمي صم أي هم صم ، فهو خبر ابتداء مضمر .
وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة : " صما بكما عميا " ، فيجوز النصب على الذم ، كما قال تعالى : ملعونين أينما ثقفوا ، وكما قال : وامرأته حمالة الحطب ، وكما قال الشاعر :سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزورفنصب " عداة الله " على الذم .
فالوقف على يبصرون على هذا المذهب صواب [ ص: 207 ] حسن .
ويجوز أن ينصب صما ب " تركهم " ، كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا ، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على يبصرون .
والصمم في كلام العرب : الانسداد ، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة .
وصممت القارورة إذا سددتها .
فالأصم : من انسدت خروق مسامعه .
والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم ، فإذا فهم فهو الأخرس .
وقيل : الأخرس والأبكم واحد .
ويقال : رجل أبكم وبكيم ، أي أخرس بين الخرس والبكم ، قال :فليت لساني كان نصفين منهما بكيم ونصف عند مجرى الكواكبوالعمى : ذهاب البصر ، وقد عمي فهو أعمى ، وقوم عمي ، وأعماه الله .
وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه .
وعمي عليه الأمر إذا التبس ، ومنه قوله تعالى : فعميت عليهم الأنباء يومئذ .
وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة ، وإنما الغرض نفيها من جهة ما ، تقول : فلان أصم عن الخنا .
ولقد أحسن الشاعر حيث قال :أصم عما ساءه سميعوقال آخر :وعوراء الكلام صممت عنها ولو أني أشاء بها سميعوقال الدارمي :أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الجدروقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك :ادخل إذا ما دخلت أعمى واخرج إذا ما خرجت أخرسوقال قتادة : صم عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عمي عن الإبصار له .
قلت : وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها .
والله أعلم .قوله تعالى : فهم لا يرجعون أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم .
يقال : رجع بنفسه رجوعا ، ورجعه غيره ، وهذيل تقول : أرجعه غيره .
وقوله تعالى : يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يتلاومون فيما بينهم ، حسب ما بينه التنزيل في سورة " سبأ " .
{ صُمٌّ } أي: عن سماع الخير، { بُكْمٌ } [أي]: عن النطق به، { عُمْيٌ } عن رؤية الحق، { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه, فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال, فإنه لا يعقل, وهو أقرب رجوعا منهم.
{صُمٌ} أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا.
{بُكْمٌ} خُرْس عن الحق لا يقولونه، أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق.
{عُمْي} أي لا بصائر لهم؛ ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له.
{فهم لا يرجعون} عن الضلالة إلى الحق.
هم «صمٌّ» عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول «بكم» خرس عن الخير فلا يقولونه «عميٌ» عن طريق الهدى فلا يرونه «فهم لا يرجعون» عن الضلالة.
هم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر، بُكْم عن النطق به، عُمْي عن إبصار نور الهداية؛ لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه، واستعاضوا عنه بالضلال.
ثم قال - تعالى - : ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) .قال القرطبي : والصمم في كلام العرب : الانسداد ، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة إذا سددتها ، فالأصم من انسدت خروق مسامعه .
والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم ، والعمى ذهاب البصر .
وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإِدراكات عن حواسهم جملة ، وإنما الغرض نفيها من جهة ما .والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين ، أي : هم صم بكم عمى .ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع ، وألسنة تنطق ، وأعين تبصر ، إلا أنهم لا يسمعون خيراً .
ولا يتكلمون بما ينفعهم ولا يبصرون سملكا من مسالك الهداية ، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد حواسه سواء ، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم .ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف ، فلم يقل : صم وبكم وعمى ، لما عرف من استعمالات البلغاء .
أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها ، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة .ومعنى ( فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها .والفاء في قوله - تعالى - ( فَهُمْ ) للتفريع أو التسبيب ، لأنها توحى بأن عدم رجوعهم عما هم فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات ، ومسبب عن هذه العاهات .
اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى، أما قوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنهم لا يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذ الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبداً.
وثانيها: أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، وعن الضلالة بعد أن اشتروها.
وثالثها: أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه.
<div class="verse-tafsir"
لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان.
ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد.
وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ، ولأمر مّا أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء.
قال الله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ [العنكبوت: 43] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال.
والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير.
يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه.
ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل.
ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه.
ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير.
فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد ناراً حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟
قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً.
وكذلك قوله: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون ﴾ [الرعد: 35] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة.
ثم أخذ في بيان عجائبها.
﴿ وَلِلَّهِ المثل الاعلى ﴾ [النحل: 60] : أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.
﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ [الفتح: 29] أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه.
ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن.
فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟
قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ ﴾ [التوبة: 69] والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ ﴿ الذي ﴾ لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالاً بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين.
والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون.
وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة.
ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد.
أو قصد جنس المستوقدين.
أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً.
على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد؛ إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد.
ونحوه قوله: ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ [الجمعة: 5] ، وقوله: ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ﴾ [محمد: 20] .
ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها.
ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق.
والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة.
واشتقاقها من نار ينور إذا نفر؛ لأنّ فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها.
والإضاءة: فرط الإنارة.
ومصداق ذلك قوله: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ [يونس: 5] ، وهي في الآية متعدية.
ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله.
والتأنيث للحمل على المعنى؛ لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء.
ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ﴿ ضاءت ﴾ .
وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار.
ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة.
و ﴿ حَوْلَهُ ﴾ نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة.
وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور.
فإن قلت: أين جواب لما؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ .
والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ [يوسف: 15] .
وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار.
فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفاً فبم يتعلق ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ؟
قلت: يكون كلاماً مستأنفاً.
كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟
فقيل له: ذهب الله بنورهم.
أو يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان.
فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟
قلت: مرجعه الذي استوقد؛ لأنه في معنى الجمع.
وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في ﴿ حَوْلَهُ ﴾ ، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى.
فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ؟
قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها الله تعالى وذهب بنور المستوقد.
ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله.
ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ [المائدة: 64] ، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها الله وخيب أمانيهم.
فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟
قلت: هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره.
فإن قلت: هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟
لقوله: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءتْ ﴾ ؟
قلت: ذكر النور أبلغ؛ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة.
فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً.
ألا ترى كيف ذكر عقيبه ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله: ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .
فإن قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟
قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل.
ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح.
والفرق بين أذهبه وذهب به، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهباً.
ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.
وذهبت السلطان بماله: أخذه (فلما ذهبوا به)، ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ [المؤمنون: 91] .
ومنه: ذهب به الخيلاء.
والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه، ﴿ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ ﴾ [فاطر: 2] فهو أبلغ من الإذهاب.
وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم.
وترك: بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبي ظله.
فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ومنه قوله: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين.
والظلمة عدم النور.
وقيل: عرض ينافي النور.
واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أي ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية.
وقرأ الحسن ﴿ ظلمات ﴾ بسكون اللام وقرأ اليماني ﴿ في ظُلمة ﴾ على التوحيد.
والمفعول الساقط من ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوى، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلاً، نحو ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ في قوله: ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ [الأعراف: 186] .
فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟
قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة.
فإن قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟
وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟
قلت: المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد.
ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق.
والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ .
وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات.
وتنكير النار للتعظيم.
كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله: صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ** وإنْ ذُكِرْتُ بُسوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ أَصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أرِيدُهُ ** واسمع خلق الله حين أريد فأصَممت عمراً وأعميته ** عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟
قلت: طريقة قولهم (هم ليوث) للشجعان، وبحور للأسخياء.
إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً.
تقول: رأيت ليوثاً، ولقيت صماً عن الخير، ودجا الإسلام.
وأضاء الحق.
فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟
قلت: مختلف فيه.
والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة؛ لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون.
والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاَحِ مُقَذَّفٍ ** لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً.
قال أبو تمام: ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ** بأَنَّ لهُ حَاجَةً في السَّمَاءْ وبعضهم: لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبَالِهِ رَجُلاً ** ففِيهِ غَيْثٌ وَلَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج: أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ** فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ ومعنى ﴿ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟
وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ لَمّا سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ الإصاخَةِ إلى الحَقِّ وأبَوْا أنْ يُنْطِقُوا بِهِ ألْسِنَتَهم ويَتَبَصَّرُوا الآياتِ بِأبْصارِهِمْ، جُعِلُوا كَأنَّما أيِفَتْ مَشاعِرُهم وانْتَفَتْ قُواهم كَقَوْلِهِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ...
وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وَكَقَوْلِهِ: أصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ...
∗∗∗ وأسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ وَإطْلاقُها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ لا الِاسْتِعارَةِ إذْ مِن شَرْطِها أنْ يُطْوى ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى المُسْتَعارِ مِنهُ لَوْلا القَرِينَةُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ...
∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وَمَن ثَمَّ تَرى المُفْلِقِينَ السَّحَرَةَ يَضْرِبُونَ عَنْ تَوَهُّمٍ التَّشْبِيهَ صَفْحًا كَما قالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ: ويَصْعَدُ حَتّى يَظُنَّ الجَهُولُ...
∗∗∗ بِأنَّ لَهُ حاجَةً في السَّماءِ وَهاهُنا وإنْ طَوىَ ذِكْرَهُ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ لَكِنَّهُ في حُكْمِ المَنطُوقِ بِهِ، ونَظِيرُهُ: أُسَدٌ عَلِيَّ وفي الحُرُوبِ نَعامَةٌ...
∗∗∗ فَتْخاءُ تَنْفِرُ مِن صَفِيرِ الصّافِرِ هَذا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ لِلْمُنافِقِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ ونَتِيجَتُهُ، وإنْ جَعَلْتَهُ لِلْمُسْتَوْقِدِينَ فَهي عَلى حَقِيقَتِها.
والمَعْنى: أنَّهم لَمّا أوْقَدُوا نارًا فَذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ أدْهَشَتْهم بِحَيْثُ اخْتَلَّتْ حَواسُّهم وانْتَقَصَتْ قُواهم.
وثَلاثَتُها قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تَرَكَهم.
والصَّمَمُ: أصْلُهُ صَلابَةٌ مِنِ اكْتِنازِ الأجْزاءِ، ومِنهُ قِيلَ حَجَرٌ أصَمُّ وقَناةٌ صَمّاءُ، وصِمامُ القارُورَةِ، سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ لِأنَّ سَبَبَهُ أنْ يَكُونَ باطِنُ الصِّماخِ مُكْتَنِزًا لا تَجْوِيفَ فِيهِ، فَيَشْتَمِلُ عَلى هَواءٍ يُسْمِعُ الصَّوْتَ بِتَمَوُّجِهِ.
والبَكَمُ الخَرَسُ.
والعَمى: عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ وقَدْ يُقالُ لِعَدَمِ البَصِيرَةِ.
﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى الَّذِي باعُوهُ وضَيَّعُوهُ.
أوْ عَنِ الضَّلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها، أوْ فَهم مُتَحَيِّرُونَ لا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ، وإلى حَيْثُ ابْتَدَءُوا مِنهُ كَيْفَ يَرْجِعُونَ.
والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِالأحْكامِ السّابِقَةِ سَبَبٌ لِتَحَيُّرِهِمْ واحْتِباسِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} أي هم صم كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم وان ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كائما إيفت مشاعرهم وطريقته عند علماء البيان طريقة قولهم هم ليوث للشجعان وبحور الاسخياء إلا أن هذا في الصفات وذلك في الأسماء وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} لا يعودون إلى الهدى
البقرة (١٩)
بعد أن باعوه أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع الرجوع إلى الشئ وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ الأوْصافُ جُمُوعُ كَثْرَةٍ عَلى وزْنِ فُعْلٍ، وهو قِياسٌ في جَمْعِ فَعْلاءَ وأفْعَلَ الوَصْفَيْنِ سَواءٌ تَقابَلا كَأحْمَرَ وحَمْراءَ، أمِ انْفَرادا لِمانِعٍ في الخِلْقَةِ، كَغُرْلٍ ورُتْقٍ، فَإنْ كانَ الوَصْفُ مُشْتَرَكًا، ولَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلا عَلى نِظامِ أحْمَرَ وحَمْراءَ كَرَجُلٍ ألِيٌّ، وامْرَأةٌ عَجْزاءُ، فالوَزْنُ فِيهِ سَماعِيٌّ، والصَّمَمُ داءٌ في الأُذُنِ، يَمْنَعُ السَّمَعَ، وقالَ الأطِبّاءُ: هو أنْ يُخْلَقَ الصِّماخُ بِدُونِ تَجْوِيفٍ يَشْتَمِلُ عَلى الهَواءِ الرّاكِدِ الَّذِي يُسْمَعُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ فِيهِ، أوْ بِتَجْوِيفٍ لَكِنَّ العَصَبَ لا يُؤَدِّي قُوَّةَ الحِسِّ، فَإنْ أدّى بِكُلْفَةٍ سُمِّيَ عِنْدَهم طَرَشًا، وأصْلُهُ مِنَ الصَّلابَةِ، أوِ السَّدِّ، ومِنهُ قَوْلُهم قَناةٌ صَمّاءُ، وصُمِّمَتِ القارُورَةُ، والبُكْمُ الخُرْسُ وزْنًا ومَعْنًى، وهو داءٌ في اللِّسانِ يَمْنَعُ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: الأبْكَمُ هو الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَفْهَمُ شَيْئًا، ولا يَهْتَدِي إلى الصَّوابِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ داءٌ في الفُؤادِ لا في اللِّسانِ، والعَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ بَصِيرًا وقِيلَ: ظُلْمَةٌ في العَيْنِ تَمْنَعُ مِن إدْراكِ المُبْصَراتِ، ويُطْلَقُ عَلى عَدَمِ البَصِيرَةِ مَجازًا عِنْدَ بَعْضٍ وحَقِيقَةً عِنْدَ آخَرِينَ، وهي أخْبارٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ المُنافِقِينَ، أوْ خَبَرٌ واحِدٌ، وتَؤُولُ إلى عَدَمِ قَبُولِهِمُ الحَقَّ وهم وإنْ كانُوا سُمَعاءَ الآذانِ فُصَحاءَ الألْسُنِ، بُصَراءَ الأعْيُنِ إلّا أنَّهم لَمّا لَمْ يُصِيخُوا لِلْحَقِّ، وأبَتْ أنْ تَنْطِقَ بِسائِرِهِ ألْسِنَتُهُمْ، ولَمْ يَتَلَمَّحُوا أدِلَّةَ الهُدى المَنصُوبَةَ في الآفاقِ، والأنْفُسِ، وُصِفُوا بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: أعْمى إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ وأُصِمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما ∗∗∗ أُذُنِي وما في سَمْعِها وقْرُ وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حُكْمًا، وذِكْرُهُما قَصْدًا، حُكْمًا أوْ حَقِيقَةً مانِعٌ عَنِ الِاسْتِعارَةِ عِنْدَهُمْ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ، وآخَرُونَ إلى جَوازِ الأمْرَيْنِ، وهَذا أمْرٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ، لَيْسَ لِتَقْرِيرِهِ هُنا كَثِيرُ جَدْوى، غَيْرَ أنَّهم ذَكَرُوا هُنا بَحْثًا، وهو أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ التَّقْدِيرَ هم صُمٌّ إلَخْ، لَكِنْ لَيْسَ المُسْتَعارُ لَهُ حِينَئِذٍ مَذْكُورًا، لِأنَّهُ لِبَيانِ أحْوالِ مَشاعِرِ المُنافِقِينَ لِأذْواتِهِمْ، فَفي هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ إلّا أنْ يُقالَ تَشْبِيهُ ذَواتِ المُنافِقِينَ بِذَواتِ الأشْخاصِ الصُّمِّ مُتَفَرِّعٌ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِمْ بِالصَّمَمِ، فالقَصْدُ إلى إثْباتِ هَذا الفَرْعِ أقْوى، وأبْلَغُ، وكَأنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ الحالَيْنِ تَعَدَّتْ إلى الذّاتَيْنِ، فَحُمِلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّشْبِيهِ بِرِعايَةِ المُبالَغَةِ، أوْ يُقالُ: ولَعَلَّهُ أوْلى، إنَّ (هُمُ) المُقَدَّرَ راجِعٌ لِلْمُنافِقِينَ السّابِقِ حالُهم وصِفاتُهم وتَشْهِيرُهم بِها، حَتّى صارُوا مَثَلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بِما تَرى صُمٌّ عَلى أنَّ المُسْتَعارَ لَهُ ما تَضَمَّنَهُ الضَّمِيرُ الَّذِي جُعِلَ عِبارَةً عَنِ المُتَّصِفِينَ بِما مَرَّ، والمُسْتَعارُ ما تَضَمَّنَ الصُّمَّ، وأخَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ: صُمٌّ إلَخْ، فَقَدِ انْكَشَفَ المُغَطّى، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ جِدًّا، والآيَةُ فَذْلَكَةُ ما تَقَدَّمَ ونَتِيجَتُهُ إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ و ﴿ لا يُبْصِرُونَ ﴾ أنَّهم صُمٌّ عُمْيٌ، ومِن كَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ أنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، فَهم كالبُكْمِ، ومِن كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُهْتَدِينَ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وقَدَّمَ الصَّمَمَ لِأنَّهُ إذا كانَ خِلْقِيًّا يَسْتَلْزِمُ البُكْمَ وأخَّرَ العَمى لِأنَّهُ كَما قِيلَ: شامِلٌ لِعَمى القَلْبِ الحاصِلِ مِن طُرُقِ المُبْصِراتِ والحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُتَأخِّرٌ، لِأنَّهُ مَعْقُولٌ صِرْفٌ، ولَوْ تَوَسَّطَ حَلَّ بَيْنَ العَصا ولِحائِها، ولَوْ قُدِّمَ لَأوْهَمَ تَعَلُّقُهُ بِـ ﴿ لا يُبْصِرُونَ ﴾ أوِ التَّرْتِيبَ عَلى وفْقِ حالِ المُمَثَّلِ لَهُ، لِأنَّهُ يَسْمَعُ أوَّلًا دَعْوَةَ الحَقِّ، ثُمَّ يُجِيبُ، ويَعْتَرِفُ، ثُمَّ يَتَأمَّلُ، ويَتَبَصَّرُ، ومِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ورَدَتْ تارَةً بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وأُخْرى بِدُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ لِأنَّ اسْتِلْزامَ ما قَبْلَها، وتَضَمُّنَهُ لَها بِالقُوَّةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المُتَّحِدِ مَعَهُ، فَيُتْرَكُ العَطْفُ، ومُغايَرَتُها لَهُ، وتَرَتُّبُها عَلَيْهِ تَرَتُّبَ النِّتاجِ والفَرْعِ عَلى أصْلِهِ يَقْتَضِي الِاقْتِرانَ بِالفاءِ، وهو الشّائِعُ المَعْرُوفُ، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ، فَلا يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّجَوُّزِ، ويَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ، وأنْ امْتَنَعَ عادَةً كَما في قَوْلِهِ: أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْ ∗∗∗ نَ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدْ فَيُفْرَضُ هُنا حُصُولُ الصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى لِمَن وقَعَ في هاتِيكَ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُطْبِقَةِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ فَقْدُ الحَواسِّ مِمَّنْ وقَعَ في ظُلُماتٍ مُخَوِّفَةٍ هائِلَةٍ، إذْ رُبَّما يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى المَوْتِ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَها تَتِمَّتَهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا) بِالنَّصْبِ، فَإنَّ الأوْصافَ حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا (لِتَرَكَ)، (وفِي ظُلُماتٍ) مُتَعَلِّقًا بِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، (ولا يُبْصِرُونَ) حالًا أوْ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ (تَرَكَهُمْ) مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوْ لِواحِدٍ، أوْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أعْنِي أعْنِي، والقَوْلُ بِأنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (لا يُبْصِرُونَ) جَهْلٌ بِالحالِ، وقَرِيبٌ مِنهُ في الذَّمِّ مَن نَصَبَ عَلى الذَّمِّ، إذْ ذاكَ إنَّما يَحْسُنُ حَيْثُ يُذْكَرُ الِاسْمُ السّابِقُ، وأمّا جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ دُعائِيَّةً، وفِيها إشارَةٌ إلى ما يَقَعُ في الآخِرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ مَنِ ارْتِكابِ مِثْلِهِ، ونَعُوذُ بِهِ مِن عَمى قائِلِهِ وجَهْلِهِ، ومِثْلُهُ بَلْ أدْهى وأمَرُّ القَوْلُ بِأنَّ جُمْلَةَ (لا يَرْجِعُونَ) كَذَلِكَ، ومُتَعَلِّقُ (لا يَرْجِعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، أوْ عَنِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنِ اشَتَرَوْها، وقَدْ لا يُقَدَّرُ شَيْءٌ ويُتْرَكُ عَلى الإطْلاقِ.
والوَجْهانِ الأوَّلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ في التَّمْثِيلِ مُسْتَنْبَطٌ مِن ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ إلَخْ، والأخِيرُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِن ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ إلَخْ، بِأنْ يُرادَ بِهِ أنَّهم غَبُّ الإضاءَةِ خَبَطُوا في ظُلْمَةٍ وتَوَرَّطُوا في حَيْرَةٍ، فالمُرادُ هُنا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا جامِدِينَ في مَكاناتِهِمْ، لا يَبْرَحُونَ، ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ، أمْ يَتَأخَّرُونَ، وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى حَيْثُ ابْتَدَؤُوا مِنهُ، والأعْمى لا يَنْظُرُ طَرِيقًا، وأبْكَمُ لا يَسْألُ عَنْها، وأصَمُّ لا يَسْمَعُ صَوْتًا، مِن صَوْبِ مَرْجِعِهِ فَيَهْتَدِي بِهِ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِما تَقَدَّمَ سَبَبٌ لِتَحَيُّرِهِمْ، واحْتِباسِهِمْ كَيْفَ ما كانُوا.
(ومِنَ البُطُونِ) صُمٌّ آذانُ أسْماعِ أرْواحِهِمْ عَنْ أصْواتِ الوَصْلَةِ وحَقائِقِ إلْهامِ القُرْبَةِ، بُكْمٌ عَنْ تَعْرِيفِ عِلَلِ بَواطِنِهِمْ عِنْدَ أطِبّاءِ القُلُوبِ عَجَبًا، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ أنْوارِ جَمالِ الحَقِّ في سِيماءِ أوْلِيائِهِ: وقالَ سَيِّدِي الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: صَمُّوا عَنْ فَهْمِ ما سَمِعُوا، وأبْكَمُوا عَنْ عِبارَةِ ما عَرَفُوا، وعَمُوا عَنِ البَصِيرَةِ فِيما إلَيْهِ دُعُوا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ وفي قراءة عبد الله بن مسعود- - «صُمّاً بُكْمّاً عُمْياً» ، وإنما جعلها نصباً لوقوع الفعل عليها، يعني وتركهم صماً بكماً عمياً.
وقرأ غيره: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ومعناه هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وتفسير الآية أنهم يتصاممون، حيث لم يسمعوا الحق ولم يتكلموا به، ولم يبصروا العبرة والهدى، فكأنهم صم بكم عمي، ولأن الله تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا بهذه الأشياء، فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم.
كما أن الله تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] يعني كافراً فهديناه وإنما سماهم موتى- والله أعلم- لأنه لا منفعة لهم في حياتهم، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم، فكذلك السمع والبصر واللسان، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم، فكأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، يعني لا يرجعون إلى الهدى.
وقال القتبي: معنى قوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ قال: الظلمة الأولى كانت ظلمة الكفر، استيقادهم النار قول: لا إله إلا الله، وإذا خلوا إلى شياطينهم فنافقوا.
وقالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14] فسلبهم نور الإيمان، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر.
قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ...
إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «١» : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] انتهى.
والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة.
واسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد.
واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً فقالت فرقةٌ:
هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «٢» ، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا» :
«ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي» ، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم.
وقال قومٌ «٣» : جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ» ، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا
للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ...
الآيةَ [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قويٍّ.
والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته.
و «صُمٌّ» : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ» ، أو إِضمارهم.
وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ.
أَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ» : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من:
١١ ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل.
وظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل.
واختلف العلماء في «الرَّعْدِ» ، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «١» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «٢» .
وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ.
وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «١» .
وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ.
واختلفوا في البَرْقِ.
فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «٢» .
وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «٣» ، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «٤» .
واختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ.
فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن.
وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «٥» ، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور.
ومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] .
ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «١» ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال:
يكاد ذلك يصيبهم.
و «كُلَّمَا» : ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا» ، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي:
ثَبَتُوا على نفاقهم.
وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «٢» .
ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.
١٢ أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ .
الصَّمَمُ: انْسِدادُ مَنافِذِ السَّمْعِ، وهو أشَدُّ مِنَ الطَّرَشِ.
وفي البُكْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الخَرَسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ فارِسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَيْبٌ في اللِّسانِ لا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ النُّطْقِ، وقِيلَ: إنَّ الخَرَسَ يُحَدَّثُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عَيْبٌ في الفُؤادِ يَمْنَعُهُ أنْ يَعِيَ شَيْئًا فَيَفْهَمُهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الفَسادِ في مَحَلِّ الفَهْمِ ومَحَلِّ النُّطْقِ، ذَكَرَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ شَيْخُنا.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ .
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: لا يَرْجِعُونَ إلى الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: لا يَرْجِعُونَ عَنِ الصَّمَمِ والبُكْمِ والعَمى، وإنَّما أضافَ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ انْصَرَفُوا بِاخْتِيارِهِمْ، لِغَلَبَةِ أهْوائِهِمْ عَنْ تَصَفُّحِ الهُدى بِآَلاتِ التَّصَفُّحِ، ولَمْ يَكُنْ بِهِمْ صَمَمٌ ولا بُكْمٌ حَقِيقَةً، ولِكَوْنِهِمْ لَمّا التَفَتُوا عَنْ سَماعِ الحَقِّ والنُّطْقِ بِهِ؛ كانُوا كالصُّمِّ البُكْمِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ: أعْمى، والمُلْتَفِتَ عَنْ سَماعِهِ: أصَمُّ، قالَ مِسْكِينُ الدّارِمِيُّ: ما ضَرَّ جارًا لِي أُجاوِرُهُ ألّا يَكُونَ لِبابِهِ سِتْرُ أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ ؎ وتُصِمَّ عَمّا بَيْنَهم أُذُنِي ∗∗∗ حَتّى يَكُونَ كَأنَّهُ وقْرُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ "المَثَلُ والمَثْلُ والمَثِيلُ" واحِدٌ، مَعْناهُ: الشَبَهُ هَكَذا نَصَّ أهْلُ اللُغَةِ، والمُتَماثِلانِ المُتَشابِهانِ، وقَدْ يَكُونُ مِثْلُ الشَيْءِ جُرْمًا مِثْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ ما تَعْقِلُ النَفْسُ وتَتَوَهَّمُهُ مِنَ الشَيْءِ مَثَلًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ ﴾ ، مَعْناهُ: أنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِ المُسْتَوْقِدِ، وبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لِأنَّ ما يَتَحَصَّلُ لِلْعَقْلِ مِن وحْدانِيَّةٍ وأزَلِّيَّةٍ، ونَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُماثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ المُتَحَصِّلُ هو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِهِ: "أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، فَفُسِّرَ بِجِهَةِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: "مَثَلُهُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في الكافِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهم مُسْتَقَرٌّ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأعْشى، لِأنَّ المَحْذُوفَ فاعِلٌ تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ كالطَعْنِ، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ حَذْفُ خَبَرِ الِابْتِداءِ إذا كانَ الكَلامُ دالًّا عَلَيْهِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ حَذْفَ الفاعِلِ وأنْ يَكُونَ الكافُ في بَيْتِ الأعْشى حَرْفًا.
ووَحَّدَ "الَّذِي" لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَشْبِيهَ الجَماعَةِ بِالجَماعَةِ، وإنَّما المَقْصِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ المُسْتَوْقِدِ، و"الَّذِي" أيْضًا لَيْسَ بِإشارَةٍ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ، بَلْ إلى هَذا الفِعْلِ: وقَعَ مِن واحِدٍ، أو مِن جَماعَةٍ، وقالَ النَحْوِيُّونَ: الَّذِي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ.
و"اسْتَوْقَدَ" قِيلَ: مَعْناهُ أوقَدَ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَجَبَ واسْتَعْجَبَ بِمَعْنًى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وبِمَنزِلَةِ هَزِئَ واسْتَهْزَأ، وسَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وقَّرَ واسْتَقَرَّ، وعَلا قَرْنُهُ واسْتَعْلاهُ، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ: أجابَ واسْتَجابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وأخْلَفَ لِأهْلٍ واسْتَخْلَفَ إذا جَلَبَ لَهُمُ الماءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومُسْتَخْلَفاتٌ مِن بِلادٍ تَنُوفَةٍ ∗∗∗ لَمُصْفَرَّةُ الأشْداقِ حُمْرُ الحَواصِلِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ......................................
∗∗∗ سَقاها فَرَوّاها مِنَ الماءِ مُخْلِفُ وَمِنهُ أوقَدَ واسْتَوْقَدَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وقِيلَ: اسْتَوْقَدَ: يُرادُ بِهِ طَلَبَ مِن غَيْرِهِ أنْ يُوقِدَ لَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن بابِ اسْتَفْعَلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حاجَتَهُ إلى النارِ، فانْطِفاؤُها مَعَ حاجَتِهِ إلَيْها أنَكى لَهُ، واخْتَلَفَ في "أضاءَتْ" فَقِيلَ: يَتَعَدّى، لِأنَّهُ نُقِلَ بِالهَمْزَةِ مِن ضاءَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في النَبِيِّ : وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ وعَلى هَذا فَ "ما" في قَوْلِهِ "ما حَوْلَهُ" مَفْعُولَةٌ، وقِيلَ: "أضاءَتْ" لا تَتَعَدّى، لِأنَّهُ يُقالُ: ضاءَ وأضاءَ بِمَعْنى، فَ "ما" زائِدَةٌ، وحَوْلَهُ ظَرْفٌ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فِعْلِ المُنافِقِينَ الَّذِي يُشْبِهُ فِعْلَ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي فِيمَن آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ بِالنِفاقِ، فَإيمانُهُ بِمَنزِلَةِ النارِ إذا أضاءَتْ وكُفْرُهُ بَعْدُ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وذَهابِ النُورِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: إنَّ ما يُظْهِرُ المُنافِقُ في الدُنْيا مِنَ الإيمانِ فَيَحْقِنُ بِهِ دَمَهُ ويُحْرِزُ مالَهُ، ويُناكِحُ ويُخالِطُ، كالنارِ الَّتِي أضاءَتْ ما حَوْلَهُ، فَإذا ماتَ صارَ إلى العَذابِ الألِيمِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وبَقائِهِ في الظُلُماتِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ إقْبالَ المُنافِقِينَ إلى المُسْلِمِينَ وكَلامَهم مَعَهم كالنارِ، وانْصِرافَهم إلى مَرَدَتِهِمْ، وارْتِكاسَهم عِنْدَهم كَذَهابِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ والمُؤْمِنِينَ في مَنزِلَةٍ بِما أظْهَرُوهُ، فَلَمّا فَضَحَهُمُ اللهُ، وأعْلَمَ بِنِفاقِهِمْ، سَقَطَتِ المَنزِلَةُ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَنزِلَةِ النارِ وانْطِفائِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم قَتادَةُ: نُطْقُهم بـِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والقُرْآنِ كَإضاءَةِ النارِ، واعْتِقادُهُمُ الكُفْرَ بِقُلُوبِهِمْ كانْطِفائِها، قالَ جُمْهُورُ النُحاةِ: جَوابٌ "لِما" ذَهَبَ، ويَعُودُ الضَمِيرُ مِن "نُورِهِمْ" في هَذا القَوْلِ عَلى "الَّذِي"، ويَصِحُّ شِبْهُ الآيَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ وعَلى هَذا القَوْلِ يَتِمُّ تَمْثِيلُ المُنافِقِ بِالمُسْتَوْقِدِ، لِأنَّ بَقاءَ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ، كَبَقاءِ المُنافِقِ، عَلى الِاخْتِلافِ المُتَقَدِّمِ.
وقالَ قَوْمٌ: جَوابٌ "لِما" مُضْمَرٌ، وهو طَفِئَتْ، والضَمِيرُ في "نُورِهِمْ" عَلى هَذا لِلْمُنافِقِ، والإخْبارُ بِهَذا هو عن حالٍ تَكُونُ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ ﴾ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ قَوِيٍّ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو السَمّالِ: "فِي ظُلْماتٍ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: في ظُلُماتٍ وكِسْراتٍ ثَلاثُ لُغاتٍ: إتْباعُ الضَمِّ الضَمَّ، والكَسْرِ الكَسْرَ، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَعْدِلَ إلى الفَتْحِ في الثانِي، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَسْكُنَ الثانِي، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ حَسَنٌ، فَأمّا فِعْلَةٌ بِالفَتْحِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَثْقِيلِ إتْباعًا، فَتَقُولُ تَمْرَةٌ وتَمَراتٌ.
وذَهَبَ قَوْمٌ في "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ إلى أنَّهُ جَمْعُ ظُلْمٌ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.
و"الأصَمُّ": الَّذِي لا يَسْمَعُ، والأبْكَمُ: الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَفْهَمُ، فَإذا فَهِمَ فَهو الأخْرَسُ، وقِيلَ: الأبْكَمُ والأخْرَسُ واحِدٌ، ووَصَفَهم بِهَذِهِ الصِفاتِ إذْ أعْمالُهم مِنَ الخَطَأِ وقِلَّةِ الإجابَةِ كَأعْمالِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، و"صُمٌّ" رُفِعَ عَلى خَبَرٍ ابْتِداءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ تَكْرارِ أُولَئِكَ، وإمّا عَلى إضْمارِ هُمْ".
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحَفْصَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "صُمًّا، بُكْمًا، عُمْيًا" بِالنَصْبِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "مُهْتَدِينَ"، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وأمّا مَن جَعَلَ الضَمِيرَ في "نُورِهِمْ" لِلْمُنافِقِينَ لا لِلْمُسْتَوْقِدِينَ، فَنَصْبُ هَذِهِ الصِفاتِ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَرَكَهُمْ".
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِوَجْهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما كانَ يَصِحُّ هَذا إنْ لَوْ كانَتِ الآيَةُ في مُعَيَّنَيْنِ.
وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ فَهم لا يَرْجِعُونَ ما دامُوا عَلى الحالِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وهَذا هو الصَحِيحُ، لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُعَيَّنْ، وكُلُّهم مُعَرَّضٌ لِلرُّجُوعِ، مَدْعُوٌّ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخبار لمبتدأ محذوف هو ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ مَثَلُهم ﴾ [البقرة: 17] ولا يصح أن يكون عائداً على ﴿ الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17] لأنه لا يلتئم به أول التشبيه وآخرُه لأن قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ يقتضي أن المستوقد ذو بصر وإلا لمَا تأتى منه الاستيقاد، وحذف المسند إليه في هذا المقام استعمال شائع عند العرب إذا ذكروا موصوفاً بأوصاف أو أخبار جعلوه كأنه قد عُرِف للسامع فيقولون: فلان أو فتىً أو رجلٌ أو نحو ذلك على تقدير هو فلان، ومنه قوله تعالى: ﴿ جزاءً من ربك عطاءً حساباً ربُّ السماوات والأرض وما بينهما ﴾ [النبأ: 36، 37] التقدير هو رب السماوات عُدل عن جعل (رب) بدلاً من ربك، وقول الحماسي: سأشكر عَمرا إن تراختْ منيتي *** أياديَ لم تُمْنَنْ وإنْ هيَ جَلَّتِ فتىً غيرُ محجوببِ الغِنى عن صديقه *** ولا مُظْهر الشكوى إذا النعل زلت وسمى السكاكي هذا الحذف «الحذفَ الذي اتبع فيه الاستعمال الوارد على تركه».
والإخبار عنهم بهذه الأخبار جاء على طريقة التشبيه البليغ شبهوا في انعدام آثار الإحساس منهم بالصم البكم العمي أي كل واحد منهم اجتمعت له الصفات الثلاث وذلك شأن الأخبار الواردة بصيغة الجمع بعد مبتدأ هو اسم دال على جمع، فالمعنى كل واحد منهم كالأصم الأبكم الأعمى وليس المعنى على التوزيع فلا يفهم أن بعضهم كالأصم وبعضهم كالأبكم وبعضهم كالأعمى، وليس هو من الاستعارة عند محققي أهل البيان.
قال صاحب «الكشاف»: ((فإن قلت هل يسمى ما في الآية استعارة قلت مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون)) ا ه أي لأن الاستعارة تعتمد على لفظ المستعار منه أو المستعار له في جملة الاستعارة فمتى ذكرا معاً فهو تشبيه، ولا يضر ذكر لفظ المستعار له في غير جملة الاستعارة لظهور أنه لولا العلم بالمستعار له في الكلام لما ظهرت الاستعارة ولذلك اتفقوا على أن قول ابن العميد: قامت تظللني من الشمس *** نفسٌ أعزُّ عليّ من نفسي قامت تظللني ومن عجب *** شمسٌ تظللني من الشمس أن قوله شمس استعارة ولم يمنعهم من ذلك ذكر المستعار له قبل في قوله نفس أعز، وضميرها في قوله قامت تظللني وكذا إذا لفظ المستعار غير مقصود ابتناء التشبيه عليه لم يكن مانعاً من الاستعارة كقول أبي الحسن ابن طَبَاطَبَا: لا تعجبوا من بلى غلالته *** قد زرّ أزراره على القمر فإن الضمير لم يذكر ليبنى عليه التشبيه بل جاء التشبيه عقبه.
والصم والبكم والعمى جمع أصم وأعمى وأبكم وهم من اتصف بالصمم والبكم والعمي، فالصمم انعدام إحساس السمع عمن من شأنه أن يكون سميعاً، والبكم انعدام النطق عمن من شأنه النطق، والعمي انعدام البصر عمن من شأنه الإبصار.
وقوله: ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ تفريع على جملة: ﴿ صم بكم عمي ﴾ لأن من اعتراه هذه الصفات انعدم منه الفهم والإفهام وتعذر طمع رجوعه إلى رشد أو صواب.
والرجوع الانصراف من مكان حلول ثان إلى مكان حلول أول وهو هنا مجاز في الإقلاع عن الكفر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ المَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ والتَّسْكِينِ، والمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، والمِثْلِ بِالتَّسْكِينِ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّيْءِ المُماثِلِ لِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ كَمَثَلِ الَّذِي أوْقَدَ، فَدَخَلَتِ السِّينُ زائِدَةً في الكَلامِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ اسْتَوْقَدَ مِن غَيْرِهِ نارًا لِلضِّياءِ، والنّارُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النُّورِ.
﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ﴾ يُقالُ: ضاءَتْ في نَفْسِها، وأضاءَتْ ما حَوْلَها قالَ أبُو الطَّمَحانِ: أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
والثّانِي: بِنُورِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ فِيهِمْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَفي ذَهابِ نُورِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ في الآخِرَةِ، حَتّى صارَ ذَلِكَ سِمَةً لَهم يُعْرَفُونَ بِها.
والثّانِي: أنَّهُ عَنى النُّورَ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِلنَّبِيِّ مِن قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِضِياءٍ يُبْصِرُونَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهم مِنهُ، كَما يُقالُ: تَرَكْتُهُ في الدّارِ، إذا لَمْ تُخْرِجْهُ مِنها، وكَأنَّ ما حَصَلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ الضِّياءِ أسْوَأُ حالًا، لِأنَّ مَن طُفِئَتْ عَنْهُ النّارُ حَتّى صارَ في ظُلْمَةٍ، فَهو أقَلُّ بَصَرًا مِمَّنْ لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ.
وَفِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّياءِ، وجُعِلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ضِياءَهم دُخُولُهم في الإسْلامِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ، والظُّلْمَةَ خُرُوجُهم مِنهُ بِنِفاقِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الضِّياءَ يَعُودُ لِلْمُنافِقِينَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ، والظُّلْمَةَ زَوالُهُ عَنْهم في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ وهَذا جَمْعُ: أصَمَّ، وأبْكَمَ، وأعْمى، وأصْلُ الصَّمَمِ الِانْسِدادُ، يُقالُ: قَناةٌ صَمّاءُ، إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَّمْتَ القارُورَةَ، إذا سَدَدْتَها، فالأصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُرُوقُ مَسامِعِهِ.
أمّا البَكَمُ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آفَةٌ في اللِّسانِ، لا يَتَمَكَّنُ مَعَها مِن أنْ يَعْتَمِدَ عَلى مَواضِعِ الحُرُوفِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَسْلُوبُ الفُؤادِ، الَّذِي لا يَعِي شَيْئًا ولا يَفْهَمُهُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الخَرَسِ وذَهابِ الفُؤادِ.
وَمَعْنى الكَلامِ، أنَّهم صُمٌّ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، بُكُمٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ، عُمْيٌ عَنِ الإبْصارِ لَهُ، رَوى ذَلِكَ قَتادَةُ، ﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ يَعْنِي إلى الإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين عن ابن عباس قي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ الآية.
قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإِسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء.
فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ يقول في عذاب ﴿ صم بكم عمي ﴾ لايسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه ﴿ أو كصيب ﴾ هو المطر.
ضرب مثله في القرآن ﴿ فيه ظلمات ﴾ يقول: ابتلاء ﴿ ورعد وبرق ﴾ تخويف ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقون من الإِسلام عزاً اطمأنوا، فإن أصاب الإِسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف..
﴾ [ الحج: 11] الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...
﴾ الآية.
قال: إن ناساً دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً ف ﴿ أضاءت ما حوله ﴾ من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي.
فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، بينا هو كذلك إد كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهم ﴿ صم بكم ﴾ فهم الخرس ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى الإِسلام.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب...
﴾ الآية.
قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله.
فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق، أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا.
قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان.
ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما.
فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً ﴿ مشوا فيه ﴾ وقالوا: إن دين محمد حينئذ صدق، واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ فكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم، وأصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمد، وارتدوا كفاراً، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: ضربه الله مثلاً للمنافق.
وقوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ أما (النور) فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما (الظلمة) فهي ضلالهم وكفرهم.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب ﴾ الآية.
قال (الصيب) المطر.
وهو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله، وعمل مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما (الظلمات) فالضلالة، وأما (البرق) فالإِيمان.
وهم أهل الكتاب ﴿ وإذا أظلم عليهم ﴾ فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه.
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثلهم...
﴾ الآية.
قال: ضرب الله مثلاً للمنافقين يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون، هدى ولا يستقيمون على حق ﴿ صم بكم عمي ﴾ عن الخير ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى هدى، ولا إلى خير.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب..
﴾ الآية.
يقول: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق ﴿ حذر الموت والله محيط بالكافرين ﴾ منزل ذلك بهم من النقمة ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿ قاموا ﴾ أي متحيرين ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم ﴾ أي لما سمعوا، تركوا من الحق بعد معرفته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ قال: جامعهم في جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق.
إن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فناكح بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله.
فلما كان عند الموت لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسلبها المنافق عند الموت، فترك في ظلمات وعمى يتسكع فيها.
كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته صم عن الحق فلا يبصرونه ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ عن ضلالتهم، ولا يتوبون ولا يتذكرون ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه ميت.
أجبن قوم، وأخذله للحق.
وقال الله في آية أخرى ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [ المنافقون: 4] ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ الآية.
قال: ﴿ البرق ﴾ هو الإِسلام و(الظلمة) هو البلاء والفتنة.
فإذا رأى المنافق من الإِسلام طمأنينة، وعافية، ورخاء، وسلوة من عيش ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ ومنكم، وإذا رأى من الإِسلام شدة، وبلاء، فقحقح عند الشدة فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها.
إنما هو صاحب دنيا لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما هو نعته الله.
واخرج ابن وكيع وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال: المطر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والربيع وعطاء.
مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصيب من ههنا.
وأشار بيده إلى السماء» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يكاد البرق ﴾ قال: يلتمع ﴿ يخطف أبصارهم ﴾ ولما يخطف.
وكل شيء في القرآن (كاد، وأكاد، وكادوا) فإنه لا يكون أبداً.
وأخرج وكيع عن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسين يقرأها ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ .
(الصم): جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد (١) (٢) (٣) وقال أبو إسحاق (٤) (٥) ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً ﴾ ، ثم قال: ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٦) ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ (٧) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ (٨) تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ...
لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع (٩) ثم قال: (رماد) (١٠) (١١) قال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم (١٢) أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ (١٣) و (بكم) عن الخير، فلا (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى (١٦) ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي ﴾ ، ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ ، مثل آخر عطف على الأول.
قال: لأن قوله ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين (١٧) (١٨) (١) في (أ)، (ج) (يشد) بالشين، وما في (ب) موافق لما في كتب اللغة وهو ما أثبته، (٢) انظر "تهذيب اللغة" (صم) 2/ 2058، "الصحاح" (صمم) 5/ 1967، "مقاييس اللغة" (صمم) 3/ 278، "مفردات الراغب" ص 286، (تفسير "القرطبي") 1/ 185.
(٣) قال ابن جرير: (...
يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين.
فأما أحد وجهي الرفع: فعلى الاستئناف لما فيه من الذم ...
والوجه الآخر: على نية التكرار من (أولئك) ...
فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف ...
والقراءه التي هي القراءة، الرفع دون النصب ...) "تفسير الطبري" 1/ 146.
(٤) الزجاج.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 59، نقل كلام الزجاج بمعناه.
(٦) قال الفراء: (ولو تم الكلام ولم تكن آية، لجاز أيضا الاستئناف، قال تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب وليس الذي قبله بآخر آية).
"معاني القرآن" 1/ 16.
وما ذكره الواحدي يتم على قراءة الرفع في (رب) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو.
انظر "السبعة" ص 669، "القطع والاستئناف" للنحاس ص 759، "الغاية" ص 286.
(٧) (وأموالهم) ساقط من (أ)، (ج).
(٨) ذكره الفراء حيث قال: فأما ما جاء في رؤوس الآيات مستأنفا فكثير، من ذلك - ثم ذكره "معاني القرآن" 1/ 16.
(٩) البيت للنابغة الذبياني يمدح النعمان، ومعنى توهمت: أي لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها، آيات: علامات للدار وما بقى من آثارها، لستة أعوام: أي بعد ستة أعوام ثم قال بعده: رَمَادٌ كَكُحل العَيْنِ لأيًا أُبِينُهُ ...
ونؤى كجذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ ومعنى لأيا أبينه: أي أتبينه بصعوبة لخفائه.
البيت من "شواهد سيبويه" 2/ 86، "المقتضب" 4/ 322، وهو في "ديوان النابغة" ص 53، "مجاز القرآن" ص 33.
(١٠) أي: في البيت الذي بعد سبق ذكره.
(١١) ذكره أبو عبيدة.
انظر: "مجاز القرآن" ص 33.
(١٢) في (ب): (بالصم).
(١٣) ورد هذا الرجز في "تهذيب اللغة" (صمم) 2/ 2058، "اللسان" (صمم) 4/ 2500، "شرح الحماسة" للمرزوقي 3/ 1450، "الكشاف" 1/ 204، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186.
جميعها بدون نسبة، ومعناه: هو أصم عما لا يليق به، معرض عما ساءه مع أنه يملك السمع.
(١٤) في (أ)، (ج) (ولا) وما في (ب) أولى لصحة المعنى.
(١٥) انظر "تفسير الطبري" 1/ 146، (تفسير أبي الليث) 1/ 99، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 54 أ، "البحر" 1/ 81، 82.
(١٦) انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 146، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ.
(١٧) في (ج) (للمنافقين).
(١٨) ذكر كلام ابن جرير بمعناه انظر (تفسيره) 1/ 146.
<div class="verse-tafsir"
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ يحتمل أن يراد به المنافقون، والمستوقد المشبه بهم، وهذه الأوصاف مجاز عبارة عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم وكلامهم، وليس المراد فقد الحواس ﴿ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ إن أريد به المنافقون: فمعناه لا يرجعون إلى الهدى، وإن أريد به أصحاب النار: فمعناه أنهم متحيرون في الظلمة، لا يرجعون ولا يهتدون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر.
"بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.
"شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها.
"لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل.
ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية.
وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب.
"وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب.
"الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف.
"فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه).
التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان.
ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد.
ولأمر ما أكثر الله في كتبه أمثاله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ وفشت في كلام رسول الله "مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "مثل الجليس الصالح كمثل الداري" وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة.
والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل.
ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير.
وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.
والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ﴾ ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً.
والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ﴾ وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور.
وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ.
وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار.
ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟
فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم.
ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله.
ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت.
ونار العرفج مثل لثروة كل طماح ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم.
وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس.
والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.
وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه.
وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: "فتركته جزر السباع ينشنه" *** ومنه قوله ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.
وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون.
وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً.
ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار.
عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به.
وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم.
وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ.
ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي *** متأخر عنه ولا متقدم ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه.
ثم إن الله ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع.
فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين.
والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب.
ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به.
ألا ترى إلى قوله ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق.
وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.
وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة.
والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.
ويقال للسحاب: صيب أيضاً.
وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول.
والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء.
وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى.
فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية.
أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد.
وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً.
ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً.
وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً.
وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد.
وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال.
فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل وتعالى .
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف.
والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل.
ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: يا عارضاً متلفعاً ببروده *** يختال بين بروقه ورعوده وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.
ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.
وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور.
قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق.
والبريص نهر من أنهارها.
ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر.
ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟
فقيل: يجعلون أصابعهم.
ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟
فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ والمراد إلى الرسغ.
وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟
وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة.
وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.
يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت.
ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته.
فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة.
"وحذر الموت" مفعول له كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً والموت فساد بنية الحيوان.
وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس.
وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها.
"يكاد" من أفعال المقاربة.
كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل.
فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل.
وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟
وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره.
والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو.
"وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد.
وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم.
ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه.
والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته *** عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عز من قائل ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه ﴾ وكلمة "لو" تفيدانتفاء الثاني لانتفاء الأول.
وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى.
والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال.
وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه.
وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز.
فلا قادر بالحق إلا هو وتعالى .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأَنها على أَثر ذكر المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ .
وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله: ﴿ ...ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...
﴾ .
ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعاً.
ورُوي عن ابن عباس - ما - أنه قال: "إن هذا من المكتوم" فلا يحتمل ما قال؛ لأَنه مَثَلٌ ضربه الله، والأَمثال إنما تضرب لتُفْهم وتقرِّب إلى الفهم ما بعُد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرَّب إلى الفهم شيئاً، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...
﴾ الآية.
يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 8]، وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا...
﴾ الآية [البقرة: 14، 76].
وذلك يخرج على وجوه: أَحدها: أَنهم قصدوا قصد المخادعة بأَولياءِ الله والاستهزاءِ بهم؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة.
فأَما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطْلَعَ على ذلك أَولياءَه؛ فعادت إليهم المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أَرادوا ذلك الأَمن، فأَعقبهم الله خوفاً دائماً كما وصفهم الله ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ...
﴾ الآية [النساء: 77].
وقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وقال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [التوبة: 64].
أو أَن يكونوا طلبوا - بإظهار الموافقة في الدين - الشرف فيهم والعز، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أَنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا أَنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فَطُرِدوا من بينهم فقال الله: ﴿ مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ...
﴾ الآية [النساء: 143]، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأَبدل لهم به الهوان والذل.
فمثلهم في ذلك مثلُ مستوقِد نارٍ ليستضيء بضوئها، وينتفع بِحرِّها، فأَذهب الله ضوءه حتى ذهب ما كان يأْمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه الله خوف الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلكَ - من شرف الوقود في الأَيام الشاتية، أو ما يصلح بها - من الأَغذية بذهاب البصر.
فيكون ذلك معنى قوله: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمنَ، والذلِّ بما طلبوا به العزَّ، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره، والله أعلم.
وعلى ذلك قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...
﴾ أي: اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أَظهروه عند المؤمنين.
فيكون تحقيق استهزاءِ الله بهم، ومخادعته إياهم فعل أَوليائه بهم بما أخبروا من سرائِرهم، وبما حطوا أَقدارهم، وذلوا في أَعينهم، فأُضيف ذلك إلى الله؛ إذ به فعلوا، كما أُضيفت مخادعتُهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم.
والله أعلم.
وعلى هذا التأْويل أَمكن أَن يخرج قول من زعم: أَن الآية نزلت في الكافرين، أَنهم كانوا يعرفون رسول الله لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل، أنه ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ...
﴾ الآية [الأعراف: 157]، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخر السورة، وقال عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ .
كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أَذهب الله نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به.
فكذلك لما كفروا عند بعث النبي حسداً من أَنفسهم وبغياً؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأْكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا بالله.
وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في الباطن.
فكذلك الله أَشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، وصرفها عنهم في الآخرة.
فكما أرَوْهم الموافقةَ في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أَذهب الله ضوء بصره؛ فذهب عنه مَنفعته عند ظنه أَنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو كانت؛ ولذلك قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 141، الحديد: 14] فذلك وجه الاستهزاءِ بهم، والمخادعة أَنه أَشركهم في أَحكام الدنيا وخالفهم في أَحكام الآخرة.
وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم.
وعلى ذلك يخرج تأْويل من صرف إلى أَهل الكتاب؛ لأَنهم آمنوا بمحمد ؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردّوا إيمانهم به عند المشاهدة، والله أعلم.
وروى عن ابن عباس - ما - أنه ضم تأْويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمناً لها.
فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأَوا تجارتهم مربحة فطمأَنوا بها، واجتهدوا بالسعي فيها.
وإذا أَصابتهم الشدة والبلايا رأَوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدين؛ فمثلهم مثل المستوقد ناراً؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار، ومنافع حرها لمصالح الأَطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أَسلم قط.
وذلك قوله: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ .
وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأَى خيراً فى الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيراً حزيناً؛ أَلا يكون اختار السلوك، والله الموفق.
وقال أَبو بكر الأصمُّ: مَثَلُ من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب الله نوره في الآخرة كما أَذهب هو في السر، وكذلك أَذهب الله نور المستوقد؛ فيذهب به التزين بالنور حول النار.
قال: وقيل: ذا لعنٌ.
كما يقال: أَذهب الله نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل.
ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيّب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أَصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق ﴿ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .
أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه.
وإذا أَظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول الله ، ولو شاءَ الله لذهب بما ذكر، أَي: أَصمهم وأَعماهم.
وروى عن الضحاك عن ابن عباس - ما -: "أَن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين"؛ فشبه به إيمان المنافق أَنه عن سريع يزول.
وقال القتبي: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطى من النور، كمستوقد النار بنوره في ظلمة الليل.
وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره - أَو سكن لمعان البرق - رجع إلى ما فيه من الظلمة.
والأَصل في هذا الباب: أَن الله خلق هذه الدار لمحنة أَهلها، وجعل لهم داراً يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثاً؛ إذ يكون خلق الخلق للفناءِ بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع - فيما لا عاقبة له - عابث، وفيما لا يُريد معنى يكون في العقل هازلٌ؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].
فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلاً بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق الله الممتَحنين بحيث يألمون ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا.
فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمى عن أَمر الله ونَهْيه، أو أُلحق بالأَعمى، والأَصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأَمل والتدبر.
فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا.
وبينا أَنه لولا الآخرة ودار الجزاءِ، لم يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن.
فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب - الذي به يبصر العواقب وينتفع بها - بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أَمر السمع وغيره.
فكان على ذلك أَمكن إخراج المثلين جميعاً على الكفرة والمنافقين.
أَما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه - وهو نور البصر - لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائِها.
وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيراً؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عنه بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأَشياءِ.
بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءَة بنور النار، إذا ذهب كان أَعظمَ حسرة وأَشد خوفاً من النارِ، وشدةِ المطرِ، وخبثِ الطريق من الذي لم يعرف - في الابتداءِ - نفع النار أَو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ذهب منه.
وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يُرد إلى درك الأَسفل، ولا قوة إلا بالله.
وكذلك الكافر لم يبصر - بما أَعطاه من البصر - عوقب البصر الظاهر، ولا يسمع - بما أَنعم عليه من السمع - عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أَدركه إلى العقل ليعتبر به أَنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداءِ شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاءِ في العواقب، ولا قوة إلا بالله.
وقوله عز وجل: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أَحدهما: صم؛ لأَنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون.
ويحتمل: أَنهم صم بكم عمي؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأَبصارهم، وقلوبهم.
ثم اختلف في جواز إضافة لفظ "الاستهزاءِ" إلى الله : فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحاً من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأَحدٍ - إما لجهله، أَو لقبح في الخلقة، أَو لزيادة في الخلق - إلا المستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه، أَو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذ أَوحش، وأَقبح من حال المستهزأ به.
ولذلك قال عز وجل: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ...
﴾ الآية [الحجرات: 11].
وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أَشكال في الحدث، وآثار الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره.
وجائِز إضافته إلى الله ، لتعاليه عن الأَشباه والأَشكال، وإحالة احتمال ما احتمل غيره، وبه يقول حسين النجار.
وأبى قوم ذلك إلا على أَثر أَحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاءِ، نحو أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاءُ الاستهزاءِ كذكر السيئة في الجزاء، والمكر ونحو ذلك.
ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: أَحدها: ما بينا.
والثاني: ما ينسب إليه فعل المأْمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في الآخرة: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ وقول أَهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائِكة: ﴿ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ وغير ذلك.
وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
ثم ما ذكر من "الظلمات" يخرج على وجوه ثلاثة: أَحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أَولاً.
والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى نزول قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...
﴾ .
والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ذلك.
وأَمكن صرف الأَول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأْويل المتشابه إلى الكافر.
على أنا بيَّنا أَن لكلٍّ من ذلك حَظًّا، ويدل آخر الآية - وهو قوله: ﴿ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، والله الموفق.
وجائِز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول الله ؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين: صنفٌ ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاءَ به الرسل، [لكن أَئمتهم] قد غيروا ما في كتبهم من دين الله وأَحكامه حتى عطلوا ذلك، وأَبدعوا غير الذي جاءَت به الرسل من الدين والأَحكام.
بَيَّن ذلك قولُه: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ...
﴾ الآية [آل عمران: 105].
وقوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ...
﴾ .
ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78].
تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أنبيائهم، وفي الله ، ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأَئمة الذين يوثق بهم في الدين، بما ليس لأَحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياءِ، والاعتصام بكتبهم؛ إِذ كلهم يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، وَلا يصبر عليه العقل.
وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأَنبياءِ، بل يعبدون الأَوثان والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، بل هم حيارى، لا يعرفون معبوداً، ولا يبصرون طريقاً، وليس فيهم مَنْ إذا فزعوا إليه دلهم على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي الظلمات متحيرون.
فأَحوج الفريقين جميعاً ما حل بهم من الحيرة والتِّيه، إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياءِ الائتِلاف، ويخرجهم من سبيل الشيطان إلى سبيل الله، ويَدُلُّهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه أَرباباً.
فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولاً، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أَطاعوه، وشكروا نعمة الله.
فكانوا كقوم بُلُوا بظلماتِ الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه فى وضع أَقدامهم، فتاهوا فدفعهم التِّيهُ إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأْمنوا العَطَبَ في وضع الأَقدام.
وكقوم بُلُوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجَدْبِهِ، فاستغاثوا بمن يملك كشف ذلك عنهم فأَغاثهم بالمطر.
ثم منهم من عرف نعمة من أَنعم عليهم بالوقود وأَغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائِجهم بالنار والمطر.
وذلك مثل من اتبع محمداً وعرف نعم الله فشكره.
ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان عليه، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ ﴾ آيات فيها ذكر ما بَينت، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الإسراء: 67]، فأَذهب الله نورَهُ فلا ينتفع بنور النار، ولا وَصل إلى حاجته التي بها يقضى.
وذلك مثل الذين كفروا بمحمد : أنهم لم ينتفعوا به، ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمةً وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصرهُ.
وكذلك قوم بُلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة بالشكر من الوجه الذي جُعل لهم لوضع أَقدامهم بنور البرق فأَذهب الله نوره، وسَكَنَ لمعانُ البرق؛ فعاد الغياث له هلاكاً، والمطر - الذي وجهه - عليه بلاء.
فمثله من كابر رسول الله ، واعترض على الاستماع إليه، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
فهم صمٌّ لا يسمعون الحق سماع قبول، بُكْمٌ لا ينطقون به، عمي عن إبصاره، فلا يرجعون عن ضلالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.oDl1L"
هذا مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الايات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم.
وكان من عناية الله تعالى في بيان حاله أن قفى على ذلك التفصيل في شأن فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلي المعنى في أتم مجاليه، وتأثر النفوس بما أودع فيه، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول، ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه.
ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسر -لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية- لما كان من البلاغة ولا من الحكمة، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية، كما قلنا في تزييف رأيمنذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل.
ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافًا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.
الأول- من آتاهم الله دينًا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم، بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة، وإنما كان أمرًا خصوا به أو خيرًا سيق إليهم، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالًا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم، لأن حفظ الموجود، أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان، ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا.
فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة، وانطماس الآثار دونها عنده - مثل من استوقد نارًا إلخ.
والوجه في التمثيل أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث، وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة، بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه، فهو بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.
وأما الفريق الثاني: فقد ضرب الله له المثل في قوله ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ ﴾ إلخ، وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانًا، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويأتلق في نظره الحين بعد الحين،عندما تحركه الفطرة، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك، ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من المهالك، وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدري أين يذهب.
ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق كمن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن عواصف النذر أن تهلكه.
هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالًا.
وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.
قال تعالى ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ العرب تستعمل لفظ"الذي"في الجمع كلفظي"ما"و"من"ومنه قوله تعالى ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ وإن شاع في الذي الإفراد لأن له جمعًا، وقد روعي في قوله ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ معناه، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولًا ومراعاة المعنى آخرًا.
والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء، يقرر المعنى في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد، بما يحدث فيه من الرؤية والتوجه إلى الإحاطة بمعاني المختلفات.
﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت (لازم) ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها.
قال العباس في النبي .
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الإلهية بتصديقهم، فلما أضاءت لهم بروقها، ووضح لهم طريقها، فاجأتهم التقاليد الموروثة، وباغتتهم العادات المألوفة، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد، وما يتوقعونه في الإعراض عنها من المصارع والمفاسد، عن الاستعانة بذلك الضوء على ذلك الصراط المستقيم، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم، بل استبدلوا هذا الديجور، بذلك الضياء والنور، وهذا هو معنى ذهاب نورهم.
وإنما قال ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، أو أذهب الله نورهم - للإشعار بأن الله تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها، وبأنه تخلى عنهم عندما نكبوا عن تلك السبيل، وعافوا ذلك المورد السلسبيل.
ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع الله تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكله الله إلى نفسه، وذهب بنوره.
وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بأنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ شيئًا.
حذف مفعول يبصرون إيذانًا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية ولا يرون طريقًا من طرقها، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم.
ويا ويل من وكله الله إلى نفسه، وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.
هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية، فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده، وعدم الإبصار بذهاب النور غير كافٍ لتمثيل هذا اليأس والحرمان، لجواز أن يلوح بارق، أو يذر شارق، أو يصيح طارق، فتكون الهداية، وتنكشف الغواية، ولذلك عقبه بقوله تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ أي أنهم فقدوا منفعة السمع الذي يؤدي إلى النفس ما يلقيه المرشدون إليها من الحجج القاطعة، والدلائل الناصعة، فلا يصيخون إلى وعظ واعظ، ولا يصغون لتنبيه منبه: * فما أضيع البرهان عند المقلد * بل لا يسمعون وإن أصاخوا، ولا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صم لم يسمعوا.
وفقدوا منفعة الاسترشاد بالقول وطلب الحكمة من معاهدها، فلا يسألون بيانًا، ولا يطلبون برهانًا، وفقدوا خير منافع الأبصار، وهو نظر الاستفادة والاعتبار، فلا يرون ما يحل بهم من الفتن فينزجروا، ولا يبصرون ما تتقلب به أحوال الأمم فيعتبروا، ﴿ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ عن ضلالتهم، ولا يخرجون من ظلماتهم، لأن من وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة وفقد فيها جميع حواسه لا يمكنه أن يسمع صوتًا يهتدي به، ولا أن يصيح هو لينقذه من يسمعه، ولا أن يرى بارقًا يؤمه ويقصده، فهو لا يرجع من تيهه، بل يظل يعمه في الظلمات، حتى يفترسه سبع ضار، أو يصل إلى شفا جرف هار، فينهار به في شر قرار، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"