الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 179 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين .
وقد كان ذلك واجبا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث ، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه ، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله ، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة الموصي ، ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن محمد بن سيرين ، قال : جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى [ على ] هذه الآية : ( إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) فقال : نسخت هذه الآية .
وكذا رواه سعيد بن منصور ، عن هشيم ، عن يونس ، به .
ورواه الحاكم في مستدركه وقال : صحيح على شرطهما .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( الوصية للوالدين والأقربين ) قال : كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين ، فأنزل الله آية الميراث فبين ميراث الوالدين ، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج ، وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، في قوله : ( الوصية للوالدين والأقربين ) نسختها هذه الآية : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) [ النساء : 7 ] .
ثم قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر وأبي موسى ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن سيرين ، وعكرمة ، وزيد بن أسلم ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وطاوس ، وإبراهيم النخعي ، وشريح ، والضحاك ، والزهري : أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث .
والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي رحمه الله كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة ، وإنما هي مفسرة بآية المواريث ، ومعناه : كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين .
من قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) [ النساء : 11 ] قال : وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء .
قال : ومنهم من قال : إنها منسوخة فيمن يرث ، ثابتة فيمن لا يرث ، وهو مذهب ابن عباس ، والحسن ، ومسروق ، وطاوس ، والضحاك ، ومسلم بن يسار ، والعلاء بن زياد .
قلت : وبه قال أيضا سعيد بن جبير ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان .
ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاحنا المتأخر ; لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية ، لأن " الأقربين " أعم ممن يرث ومن لا يرث ، فرفع حكم من يرث بما عين له ، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى .
وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم : أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت .
فأما من يقول : إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث ، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء ; فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [ الوارثين ] منسوخ بالإجماع .
بل منهي عنه للحديث المتقدم : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " .
فآية الميراث حكم مستقل ، ووجوب من عند الله لأهل الفروض وللعصبات ، رفع بها حكم هذه بالكلية .
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم ، يستحب له أن يوصى لهم من الثلث ، استئناسا بآية الوصية وشمولها ، ولما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " .
قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي .
والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم ، كثيرة جدا .
وقال عبد بن حميد في مسنده : أخبرنا عبيد الله ، عن مبارك بن حسان ، عن نافع قال : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : يا ابن آدم ، ثنتان لم يكن لك واحدة منهما : جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك ; لأطهرك به وأزكيك ، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك " .
وقوله : ( إن ترك خيرا ) أي : مالا .
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وعطية العوفي ، والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة ، وغيرهم .
ثم منهم من قال : الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة ومنهم من قال : إنما يوصي إذا ترك مالا جزيلا ثم اختلفوا في مقداره ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، أخبرنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : قيل لعلي ، رضي الله عنه : إن رجلا من قريش قد مات ، وترك ثلاثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص .
قال : ليس بشيء ، إنما قال الله : ( إن ترك خيرا ) .
قال : وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني ، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان عن هشام بن عروة ، عن أبيه : أن عليا دخل على رجل من قومه يعوده ، فقال له : أوصي ؟
فقال له علي : إنما قال الله تعالى : ( إن ترك خيرا الوصية ) إنما تركت شيئا يسيرا ، فاتركه لولدك .
وقال الحكم بن أبان : حدثني عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( إن ترك خيرا ) قال ابن عباس : من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا ، قال الحكم : قال طاوس : لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا .
وقال قتادة : كان يقال : ألفا فما فوقها .
وقوله : ( بالمعروف ) أي : بالرفق والإحسان ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن يسار ، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور ، عن الحسن ، قوله : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) فقال : نعم ، الوصية حق ، على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر .
والمراد بالمعروف : أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته ، من غير إسراف ولا تقتير ، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال : يا رسول الله ، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأوصي بثلثي مالي ؟
قال : " لا " قال : فبالشطر ؟
قال : " لا " قال : فالثلث ؟
قال : " الثلث ، والثلث كثير ; إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " .
وفي صحيح البخاري : أن ابن عباس قال : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الثلث ، والثلث كثير " .
وروى الإمام أحمد ، عن أبي سعيد مولى بني هاشم ، عن ذيال بن عبيد بن حنظلة ، سمعت حنظلة بن حذيم بن حنيفة : أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل ، فشق ذلك على بنيه ، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال حنيفة : إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل ، كنا نسميها المطيبة .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، " لا لا لا .
الصدقة : خمس ، وإلا فعشر ، وإلا فخمس عشرة ، وإلا فعشرون ، وإلا فخمس وعشرون ، وإلا فثلاثون ، وإلا فخمس وثلاثون ، فإن أكثرت فأربعون " .
وذكر الحديث بطوله .
القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " كُتب عليكم "، فُرض عليكم، أيها المؤمنون، الوصية = إذا حضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خَيرًا - والخير: المال = للوالدين والأقربين الذين لا يرثونه, بالمعروف: وهو مَا أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث, ولم يتعمّد الموصي ظُلم وَرَثته = حقًّا على المتقين = يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه, وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.
* * * فإن قال قائل: أوَفرضٌ على الرجل ذي المال أن يُوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟
قيل: نعم.
فإن قال: فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوص لهم، أيكون مضيِّعًا فرضًا يَحْرَج بتضييعه؟
قيل : نعم.
فإن قال: وما الدلالة على ذلك؟
قيل: قول الله تعالى ذكره: " كُتبَ عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَرَك خيرًا الوصيَّةُ للوالدين والأقربين "، فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرَضه, كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [سورة البقرة: 183]، ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضًا لله عليه.
فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه ولهُ ما يوصي لهم فيه, مُضِيعٌ فَرْضَ الله عز وجل.
فإن قال: فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا: الوصيةُ للوالدين والأقربين منسوخةٌ بآية الميراث؟
قيل له: وخالفهم جماعةٌ غيرهم فقالوا: هي محكمةٌ غيرُ منسوخة.
وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها, إذ كان غير مستحيل اجتماعُ حكمُ هذه الآية وحكمُ آية المواريث في حال واحدةٍ على صحة، بغير مدافعةِ حكم إحداهما حُكمَ الأخرى - وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة، لنفي أحدهما صَاحبه.
وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
* ذكر من قال ذلك: 2628- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن جويبر، عن الضحاك أنه كان يقول: من مات ولم يُوص لذوي قرابته.
فقد ختم عمله بمعصية.
2629- حدثني سَلم بن جنادة.
(72) قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق: أنه حضر رجلا فوصَّى بأشياء لا تنبغي, فقال له مسروق: إنّ الله قد قسم بينكم فَأحسن القَسْم, وإنه من يرغب برأيه عن رَأي الله يُضِلّه, أوصِ لذي قرابتك ممن لا يرثك, ثم دع المال على ما قسمه الله عليه.
2630- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك قال: لا تجوز وصية لوارث، ولا يُوصي إلا لذي قرابة, فإن أوصَى لغير ذي قرابة فقد عمل بمعصية؛ إلا أن لا يكون قرابة، فيوصي لفقراء المسلمين.
2631- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة قال: العجبُ لأبي العالية أعتقته امرأة من بني رياح وأوصى بماله لبني هاشم!
2632- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن رجل, عن الشعبي قال: لم يكن له [مَوَال]، ولا كرامة.
(73) 2633- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن محمد قال: قال عبد الله بن معمر في الوصية: من سمَّى، جعلناها حَيثُ سَمَّي - ومن قال: حيثُ أمرَ الله، جعلناها في قرابته.
2634- حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر قال، حدثنا عمران بن حُدير (74) قال: قلت لأبي مجلز: الوصية على كل مسلم واجبةٌ؟
قال: على من تركَ خيرًا.
2635- حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح قال، حدثنا عمران بن حدير (75) قال: قلت للاحق بن حُميد: الوصية حق على كل مسلم؟
قال: هي حق على من ترك خيرًا.
* * * واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية.
فقال بعضهم: لم ينسخ الله شيئًا من حكمها, وإنما هي آية ظاهرُها ظاهرُ عموم في كل والد ووالدة والقريب, والمرادُ بها في الحكم البعضُ منهم دون الجميع, وهو من لا يرث منهم الميت دون من يَرث.
وذلك قول من ذكرت قوله, وقول جماعة آخرين غيرهم مَعهم.
ذكر قول من لم يُذْكَر قولُه منهم في ذلك: 2636- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن جابر بن زيد: في رجل أوصى لغير ذي قرابة وله قرابةٌ محتاجون, قال: يُرَدّ ثلثا الثلث عليهم, وثلث الثلث لمن أوصى له به.
2637- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ قال، حدثنا أبي, عن قتادة, عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا - في الرجل يُوصي لغير ذي قرابته وله قرابة ممن لا يرثه قال، كانوا يجعلون ثُلثي الثلث لذوي القرابة, وثلث الثلث لمن أوصى له به.
2638- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد, عن الحسن أنه كان يقول: إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثُلثه فلهم ثلث الثلث, وثلثا الثلث لقرابته.
2639- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: من أوصى لقوم وسماهم، وترك ذوي قرابته محتاجين، انتُزِعتْ منهم وَرُدَّتْ إلى ذوي قرابته.
* * * وقال آخرون: بل هي آية قد كان الحكم بها واجبًا وعُمل به بُرهة، ثم نَسخ الله منها بآية المواريث الوصيةَ لوالدي المُوصِي وأقربائه الذين يرثونه, وأقرّ فرضَ الوصية لمن كان منهم لا يرثه.
* ذكر من قال ذلك: 2640- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين "، فجعلت الوصية للوالدين والأقربين، ثم نُسخ ذلك بعد ذلك، فجعل لهما نصيبٌ مفروضٌ, فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون, وجُعل للوالدين نصيبٌ معلوم, ولا تجوز وصية لوارث.
2641- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " إذ تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين " قال، نسخ الوالدان منها, وترك الأقربون ممن لا يرث.
2642- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج, عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: " إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين " قال، نَسخ من يَرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون.
2643- حدثنا يحيى بن نصر قال، حدثنا يحيى بن حسان قال، حدثنا سفيان, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: كانت الوصية قبلَ الميراث للوالدين والأقربين, فلما نـزل الميراث، نَسخ الميراثُ من يرث، وبقي من لا يرث.
فمن أوصَى لذي قَرابته لم تجز وصيتُه.
(76) .
2644- حدثني المثنى قال، حدثنا سُويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن إسماعيل المكي, عن الحسن في قوله: " إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين " قال، نَسخ الوالدين وأثبتَ الأقربين الذين يُحرَمون فلا يرثون.
2645- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في هذه الآية: " الوصية للوالدين والأقربين " قال، للوالدين منسوخة, والوصيةُ للقرابة وإن كانوا أغنياءَ.
2646- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين "، فكان لا يرث مع الوالدين غيرُهم، إلا وصية إن كانت للأقربين، فأنـزل الله بعد هذا: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ [سورة النساء: 11]، فبين الله سبحانه ميراث الوالدين, وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.
2647- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله : " إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين "، فنسخ من الوصية الوالدين، وأثبت الوصية للأقربين الذين لا يرثون.
2648- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " كتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إنْ تَرك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف " قال، كان هذا من قبل أن تُنـزل " سورة النساء ", فلما نـزلت آية الميراث نَسخَ شأنَ الوَالدين, فألحقهما بأهل الميراث، وصارت الوصية لأهل القرابة الذين لا يرثون.
2649- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن أبي ميمونة قال: سألت مسلم بن يَسار, والعلاء بن زياد عن قول الله تبارك وتعالى: " إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين "، قالا في القرابة.
2650- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن إياس بن معاوية قال: في القرابة.
* * * وقال آخرون: بل نَسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض والمواريث، فلا وصية تجب لأحد على أحد قريبٍ ولا بعيدٍ.
* ذكر من قال ذلك: 2651- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: " إن تَرَك خيرًا الوصية للوَالدين والأقربين " الآية, قال: فنسخ الله ذلك كله وفرضَ الفرائض.
2652- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن ابن سيرين, عن ابن عباس: أنه قام فخطب الناس هاهنا, فقرأ عليهم " سورة البقرة " ليبين لهم منها, فأتى على هذه الآية: " إن ترك خيرًا الوصية الوالدين والأقربين " قال، نُسخت هذه.
2653- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين "، نسخت الفرائضُ التي للوالدين والأقربين الوصيةَ.
2654- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن جهضم, عن عبد الله بن بدر قال، سمعت ابن عمر يقول في قوله: " إن تَرَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين " قال، نسختها آيةُ الميراث.
قال ابن بشار: قال عبد الرحمن: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه.
2655- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا " إن تَرَك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين "، فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث.
2656- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة, عن شريح في هذه الآية: " إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين " قال، كان الرجل يُوصي بماله كله، حتى نـزلت آية الميراث.
2657- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، زعم قتادة: أنه نسختْ آيتا المواريث في" سُورة النساء "، الآيةَ في" سُورة البقرة " في شأن الوصية.
2658- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله : " إن تَرك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين " قال، كان الميراث للوَلد، والوصية للوالدين والأقربين, وهي منسوخة.
2659- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: كان الميراث للولد, والوصية للوالدين والأقربين، وهي منسوخة، نسختها آيةٌ في" سورة النساء ": يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [سورة النساء: 11] 2660- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقربين "، أما الوالدان والأقربون، فيوم نـزلت هذه الآية كان الناس ليس لهم ميراث معلومٌ, إنما يُوصي الرجل لوالده ولأهله فيقسم بينهم، حتى نسختها " النساء "، فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .
2661- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن نافع: أن ابن عمر لم يُوصِ، وقال: أمّا مالي، فالله أعلمُ ما كنت أصنع فيه في الحياة, وأما رِباعي فما أحب أن يَشْرَك ولدي فيها أحد.
2662- حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا محمد بن يوسف قال، حدثنا سفيان, عن نسير بن ذعلوق قال، قال عروة -يعني ابن ثابت- لربيع بن خُثيم: (77) أوْصِ لي بمصحفك.
قال: فنظر إلى أبيه فقال: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [سورة الأنفال: 75].
2663- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا يزيد, عن سفيان، عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكرنا له أن زيدًا وطلحة كانا يشدِّدان في الوصية, فقال: ما كان عَليهما أن يفعلا مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُوصِ, وأوصَى أبو بكر, أيَّ ذلك فعلتَ فحسنٌ.
2664- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن الحسن بن عبد الله, عن إبراهيم قال: ذكر عنده طلحة وزيد فذكر مثله.
* * * وأما " الخير " الذي إذا تركه تاركٌ وجب عليه الوصية فيه لوالديه وأقرَبيه الذين لا يرثون، فهو: المال، كما:- 2665- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " إن تَرك خيرًا "، يعني مالا.
2666- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " إن ترك خيرًا "، مالا.
2667- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة (78) قال، حدثنا شبل, عن أبي نجيح, عن مجاهد: " إن تَرَك خيرًا "، كان يقول: الخير في القرآن كله: المال، لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [سورة العاديات: 8]، الخير: المال - إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [سورة ص: 32]، المال - فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [سورة النور: 33]، المال = و ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ )، المالُ.
2668- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إن ترك خيرًا الوصية "، أي: مالا.
(79) 2669- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: " إن تَرك خيرًا الوصية "، أما " خيرًا "، فالمالُ.
2670- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " إن ترك خيرًا " قال، إن ترك مالا.
2671- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: " إن ترك خيرًا " قال، الخيرُ المال.
2672- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الحسن بن يحيى, عن الضحاك في قوله: " إن ترك خيرًا الوصية " قال، المال.
ألا ترى أنه يقول: قال شعيب لقومه: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [سورة هود: 84] يعني الغني.
2673- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا محمد بن عمرو اليافعي, عن ابن جريج, عن عطاء بن أبي رباح، تلا " كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا "، قال عطاء: الخير فيما يُرى المال.
* * * ثم اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية.
فقال بعضهم: ذلك ألف درهم.
* ذكر من قال ذلك: 2674- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة في هذه الآية: " إن تَرَك خيرًا الوصية " قال، الخيرُ ألف فما فوقه.
2675- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا هشام بن عروة, عن عروة: أن علي بن أبي طالب دخل على ابن عم لهُ يعوده, فقال: إنّي أريد أن أوصي.
فقال علي: لا توص، فإنك لم تترك خيرًا فتوصي.
قال: وكان ترك من السبعمئة إلى التسعمئة.
2676- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عثمان بن الحكم الحزامي (80) وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب: أنه دخل على رجل مريض, فذكر لهُ الوصية, فقال: لا تُوص، إنما قال الله: " إن تَرك خيرًا "، وأنت لم تترك خيرًا.
قال ابن أبي الزناد فيه: فدع مَالك لبنيك.
2677- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور بن صفية, عن عبد الله بن عيينة -أو: عتبة, الشك مني-: أنّ رجلا أراد أن يوصي وله ولد كثير, وترك أربعمئة دينار, فقالت عائشة: ما أرى فيه فضلا.
2678- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: دخل عليٌّ علَى مولى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم, فقال: ألا أوصي؟
فقال: لا!
إنما قال الله: " إن ترك خيرًا "، وليس لك كثير مال.
* * * وقال بعضهم: ذلك ما بين الخمسمئة درهم إلى الألف.
* ذكر من قال ذلك: 2679- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة, عن أبان بن إبراهيم النخعيّ في قوله: " إن ترك خيرًا " قال، ألف درهم إلى خمسمئة.
* * * وقال بعضهم: الوصية واجبة من قليل المال وكثيره.
* ذكر من قال ذلك: 2680- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: جعل الله الوصية حقًّا، مما قل منه أو كثر.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " كُتبَ عَليكم إذا حَضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية " ما قال الزهري.
لأن قليلَ المال وكثيره يقع عليه " خيرٌ", ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن.
فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف, كما قال الله جل ذكره وأمرَ به.
----------------- الهوامش : (72) في المطبوعة : "سالم بن جنادة" .
وهو خطأ .
وقد مضى مرارًا ، وانظر ترجمته في رقم : 48 .
(73) في المطبوعة : "لم يكن له حال ولا كرامة" .
وهو خطأ بلا شك عندي .
فإن هذا الخبر تعليق على الخبر السالف الذي تعجب فيه المغيرة من فعل أبي العالية : أعتقته امرأة من بني رياح ، وأوصى بماله لبني هاشم!
فرد الشعبي تعجب المغيرة فقال : إن أبا العالية لا موالي له ، ولا كرامة لأحد .
وخبر ذلك أن أبا العالية اشترته امرأة ، ثم ذهبت به إلى المسجد ، فقبضت على يده .
فقالت : اللهم اذخره عندك ذخيرة ، اشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة لله ، ليس لأحد عليه سبيل إلا سبيل معروف .
قال أبو العالية : والسائبة يضع نفسه حيث شاء .
(ابن سعد 7/1/81) .
والسائبة : العبد يعتق على أن لا ولاء له .
واختلف الفقهاء في ميراث السائبة ، إذا ترك ميراثًا : أيرثه معتقه ، أم لا يحل له أن يرزأ من ماله شيئًا؟
قيل : لما هلك أبو العالية أتى مولاه بميراثه ، فقال : هو سائبة!
وأبى أن يأخذه .
وفي حديث عمر : "السائبة والصدقة ليومهما" قال أبو عبيدة : أي ليوم القيامة ، واليوم الذي كان أعتق سائبته وتصدق بصدقة فيه .
يقول : فلا يرجع إلى الانتفاع بشيء منها بعد ذلك في الدنيا .
وانظر ترجمة سالم مولى أبي حذيفة (ابن سعد 3/1/60) فقد كان سائبة ، وقتل يوم اليمامة في عهد أبي بكر ، فأرسل أبو بكر ماله لمولاته فأبت أن تقبله ، فجعله عمر في بيت المال .
فهذا ما أراد الشعبي أن يقول : إن أبا العالية سائبة ، فهو لا موالي له ، وماله يضعه حيث شاء ، ولا كراهة في ذلك لأحد من الموالي ، لأن ذلك هو حكم السائبة .
هذا ما رأيت في تصحيح هذه الجملة ، ولم أجدها في مكان آخر ، فأسأل الله أن أكون قد بلغت التوفيق ، وجنبت الزلل .
(74) في المطبوعة : "عمران بن جرير" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
وهو عمران بن حدير السدوسي أبو عبيده البصري ، صلى على جنازة خلف أنس .
روى عن أبي مجلز ، وأبي قلابة ، وغيرهما وعنه وأبو مجلز ، هو لاحق بن حميد ، المذكور في الإسناد التالي .
(75) في المطبوعة : "عمران بن جرير" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
وهو عمران بن حدير السدوسي أبو عبيده البصري ، صلى على جنازة خلف أنس .
روى عن أبي مجلز ، وأبي قلابة ، وغيرهما وعنه وأبو مجلز ، هو لاحق بن حميد ، المذكور في الإسناد التالي .
(76) الخبر : 2643- يحيى بن نصر ، شيخ الطبري : لم أعرف من هو؟
ولم أجد في الرواة من يدعي بهذا ، إلا رجلا قديمًا لم يدركه الطبري ، وهو"يحيى" بن نصر بن حاجب القرسي" ، مات سنة 215 قبل أن يولد أبو جعفر .
وهو مترجم في ابن أبي حاتم 4/2/193 ، وتاريخ بغداد 14 : 159-160 ، ولسان الميزان 6 : 278-279 .
وفي تاريخ بغداد 14 : 225-226 ترجمة"يحيى بن أبي نصر ، أبو سعد الهروي" ، واسم أبيه منصور بن الحسن" .
وهذا توفي سنة 287 .
ولكن يبعد أن يسمع من"يحيى بن حسان" المتوفى سنة 208 .
وفي التهذيب 11 : 292-293 ترجمة ثالثة : "يحيى بن النضر بن عبد الله الأصبهاني الدقاق" ، يروي عن أبي داود الطيالسي ، ويروي عنه أبو بكر بن أبي داود السجستاني .
وهو مترجم أيضًا في تاريخ إصبهان 2 : 257-258 .
فهذا من هذه الطبعة .
ومن المحتمل جدًا أن يكون هو الذي روى عنه الطبري هنا .
وأما شيخه"يحيى بن حسان" : فهو التنيسي البكري ، وهو ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/269 ، والصغير : 229 ، وابن أبي حاتم 4/2/135 .
(77) في المطبوعة : "بن خثيم" ، وأثبت ما في التهذيب ، وانظر ترجمته .
(78) في المطبوعة : "أبو جعفر" والصواب"أبو حذيفة" ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه آنفًا رقم : 2659 .
(79) الأثر : 2668- في المطبوعة : "حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا سعيد" أسقط"حدثنا يزيد" ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه آنفًا رقم : 2640 .
(80) ضبطه في الخلاصة"بكسر المهملة" وفي التهذيب والميزان"الجذامي" بجيم مضمومة ، ثم ذال معجمة .
قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقينفيه إحدى وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : كتب عليكم هذه آية الوصية ، ليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية ، وفي " النساء " : من بعد وصية وفي " المائدة " : حين الوصية .
والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث ، على ما يأتي بيانه ، وفي [ ص: 241 ] الكلام تقدير واو العطف ، أي وكتب عليكم ، فلما طال الكلام أسقطت الواو .
ومثله في بعض الأقوال : لا يصلاها إلا الأشقى .
الذي كذب وتولى أي والذي ، فحذف ، وقيل : لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص ، فهذا الذي أشرف على من يقتص منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت ، فهذا أوان الوصية ، فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف .
وكتب معناه فرض وأثبت ، كما تقدم ، وحضور الموت : أسبابه ، ومتى حضر السبب كنت به العرب عن المسبب ، قال شاعرهم :يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوتوقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموتوقال عنترة :وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوانوقال جرير في مهاجاة الفرزدق :أنا الموت الذي حدثت عنه فليس لهارب مني نجاءالثانية : إن قيل : لم قال كتب ولم يقل كتبت ، والوصية مؤنثة ؟
قيل له : إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الإيصاء ، وقيل : لأنه تخلل فاصل ، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث ، تقول العرب : حضر القاضي اليوم امرأة ، وقد حكى سيبويه : قام امرأة ، ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل .الثالثة : قوله تعالى : إن ترك خيرا ( إن ) شرط ، وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش قولان ، قال الأخفش : التقدير فالوصية ، ثم حذفت الفاء ، كما قال الشاعر :من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلانوالجواب الآخر : أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده ، فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا ، فإن قدرت الفاء فالوصية رفع بالابتداء ، وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء ، وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله ، أي كتب عليكم الوصية ، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل الوصية في " إذا " لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو [ ص: 242 ] الوصية وقد تقدمت ، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة ، ويجوز أن يكون العامل في " إذا " : كتب والمعنى : توجه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبر عن توجه الإيجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل .
ويجوز أن يكون العامل في " إذا " الإيصاء يكون مقدرا دل على الوصية ، المعنى : كتب عليكم الإيصاء إذا .الرابعة : قوله تعالى : خيرا الخير هنا المال من غير خلاف ، واختلفوا في مقداره ، فقيل : المال الكثير ، روي ذلك عن علي وعائشة وابن عباس وقالوا في سبعمائة دينار إنه قليل .
قتادة عن الحسن : الخير ألف دينار فما فوقها .
الشعبي : ما بين خمسمائة دينار إلى ألف ، والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت ، وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت ، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية ، والوصي يكون الموصي والموصى إليه ، وأصله من وصى مخففا ، وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل ، وأرض واصية : متصلة النبات ، وأوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك ، والاسم الوصاية والوصاية ( بالكسر والفتح ) ، وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى ، والاسم الوصاة .
وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا .
وفي الحديث : استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم .
ووصيت الشيء بكذا إذا وصلته به .الخامسة : اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالا ، بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ديون ، وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قبله شيء من ذلك ، وهو قول مالك والشافعي والثوري ، موسرا كان الموصي أو فقيرا ، وقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر القرآن ، قاله الزهري وأبو مجلز ، قليلا كان المال أو كثيرا ، وقال أبو ثور : ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم ، فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه ، فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء .
قال ابن المنذر : وهذا حسن ; لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها ، ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي .
احتج الأولون بما رواه الأئمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته [ ص: 243 ] مكتوبة عنده وفي رواية يبيت ثلاث ليال وفيها قال عبد الله بن عمر : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي .
احتج من لم يوجبها بأن قال : لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي ، ولكان ذلك لازما على كل حال ، ثم لو سلم أن ظاهره الوجوب فالقول بالموجب يرده ، وذلك فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم ، كما قال أبو ثور ، وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة ، فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه .فإن قيل : فقد قال الله تعالى : كتب عليكم وكتب فرض ، فدل على وجوب الوصية قيل لهم : قد تقدم الجواب عنه في الآية قبل ، والمعنى : إذا أردتم الوصية ، والله أعلم ، وقال النخعي : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ، وقد أوصى أبو بكر ، فإن أوصى فحسن ، وإن لم يوص فلا شيء عليه .السادسة : لم يبين الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال ، وإنما قال : إن ترك خيرا والخير المال ، كقوله : وما تنفقوا من خير ، وإنه لحب الخير فاختلف العلماء في مقدار ذلك ، فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس .
وقال علي رضي الله عنه من غنائم المسلمين بالخمس ، وقال معمر عن قتادة .
أوصى عمر بالربع ، وذكره البخاري عن ابن عباس ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث .واختار جماعة لمن ماله قليل وله ورثة ترك الوصية ، روي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين .
روى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة عن عائشة قال لها : إني أريد أن أوصي : قالت : وكم مالك ؟
قال : ثلاثة آلاف .
قالت : فكم عيالك ؟
قال أربعة .
قالت : إن الله تعالى يقول : إن ترك خيرا وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك .[ ص: 244 ] السابعة : ذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله ، وقالوا : إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء ، لقوله عليه السلام : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس الحديث ، رواه الأئمة .
ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث ، روي هذا القول عن ابن عباس ، وبه قال أبو عبيدة ومسروق ، وإليه ذهب إسحاق ومالك في أحد قوليه ، وروي عن علي وسبب الخلاف مع ما ذكرنا ، الخلاف في بيت المال هل هو وارث أو حافظ لما يجعل فيه ؟
قولان :الثامنة : أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله ، وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لابنه عبد الله : إني قد أردت أن أوصي ، فقال له : أوص ومالك في مالي ، فدعا كاتبا فأملى ، فقال عبد الله : فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك ، ولو دعوت إخوتي فاستحللتهم .التاسعة : وأجمعوا أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها ، إلا أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر ، فقال مالك رحمه الله : الأمر المجمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت ، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل ، إلا أن يدبر فإن دبر مملوكا فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .
قال أبو الفرج المالكي : المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر ; لأنه أجل آت لا محالة ، وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك المدبر ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : هو وصية ; لإجماعهم أنه في الثلث كسائر الوصايا .
وفي إجازتهم وطء المدبرة ما ينقض قياسهم المدبر على العتق إلى أجل ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا ، وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها ، وهو قول جماعة من التابعين ، وقالت طائفة : يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة ، وكذلك قال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي ، وهو قول سفيان الثوري .العاشرة : واختلفوا في الرجل يقول لعبده : أنت حر بعد موتي ، وأراد الوصية ، فله [ ص: 245 ] الرجوع عند مالك في ذلك .
وإن قال : فلان مدبر بعد موتي ، لم يكن له الرجوع فيه ، وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك ، وأما الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية ; لأنه في الثلث ، وكل ما كان في الثلث فهو وصية ، إلا أن الشافعي قال : لا يكون الرجوع في المدبر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة .
وليس قوله : - قد رجعت - رجوعا ، وإن لم يخرج المدبر عن ملكه حتى يموت فإنه يعتق بموته .
وقال في القديم : يرجع في المدبر كما يرجع في الوصية ، واختاره المزني قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه ، وقال أبو ثور : إذا قال قد رجعت في مدبري فقد بطل التدبير ، فإن مات لم يعتق ، واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال : عبدي حر بعد موتي ، ولم يرد الوصية ولا التدبير ، فقال ابن القاسم : هو وصية ، وقال أشهب : هو مدبر وإن لم يرد الوصية .الحادية عشرة : اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ، فقيل : هي محكمة ، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة ، قاله الضحاك وطاوس والحسن ، واختاره الطبري .
وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قل أو كثر ، وقال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة ، وقال ابن عباس والحسن أيضا وقتادة : الآية عامة ، وتقرر الحكم بها برهة من الدهر ، ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض ، وقد قيل : إن آية الفرائض لم تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى ، وهي قوله عليه السلام : إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث .
رواه أبو أمامة ، أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح ، فنسخ الآية إنما كان بالسنة الثابتة لا بالإرث على الصحيح من أقوال العلماء ، ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث بالوصية ، وبالميراث إن لم يوص ، أو ما بقي بعد الوصية ، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع ، والشافعي وأبو الفرج وإن كانا منعا من نسخ الكتاب بالسنة فالصحيح جوازه بدليل أن الكل حكم الله تبارك وتعالى ومن عنده ، وإن اختلفت في الأسماء ، وقد تقدم هذا المعنى .
ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحادا لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث ، فقد ظهر أن وجوب الوصية للأقربين الوارثين منسوخ بالسنة وأنها مستند المجمعين ، والله أعلم .[ ص: 246 ] وقال ابن عباس والحسن : نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة " النساء " وثبتت للأقربين الذين لا يرثون ، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم .
وفي البخاري عن ابن عباس قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس ، للمرأة الثمن والربع ، والزوج الشطر والربع .وقال ابن عمر وابن عباس وابن زيد : الآية منسوخة ، وبقيت الوصية ندبا ، ونحو هذا قول مالك رحمه الله ، وذكره النحاس عن الشعبي والنخعي ، وقال الربيع بن خثيم : لا وصية .
قال عروة بن ثابت : قلت للربيع بن خثيم أوص لي بمصحفك ، فنظر إلى ولده وقرأ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه .الثانية عشرة قوله تعالى : والأقربين الأقربون جمع أقرب .
قال قوم : الوصية للأقربين أولى من الأجانب ، لنص الله تعالى عليهم ، حتى قال الضحاك : إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية ، وروي عن ابن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف .
وروي أن عائشة وصت لمولاة لها بأثاث البيت ، وروي عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك ، وقال الحسن : إن أوصى لغير الأقربين ردت الوصية للأقربين ، فإن كانت لأجنبي فمعهم ، ولا تجوز لغيرهم مع تركهم ، وقال الناس حين مات أبو العالية : عجبا له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم ، وقال الشعبي : لم يكن له ذلك ولا كرامة وقال طاوس : إذا أوصى لغير قرابته ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله ، وقاله جابر بن زيد ، وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضا ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل : من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع وفعله مع ذلك جائز ماض لكل من أوصى له من غني وفقير ، قريب وبعيد ، مسلم وكافر ، وهو معنى ما روي عن ابن عمر وعائشة ، وهو قول ابن عمر وابن عباس .قلت : القول الأول أحسن ، وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعله نظر إلى أن بني هاشم أولى من معتقته لصحبته ابن عباس وتعليمه إياه وإلحاقه بدرجة العلماء في الدنيا والأخرى .
[ ص: 247 ] وهذه الأبوة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية ، ومعتقته غايتها أن ألحقته بالأحرار في الدنيا ، فحسبها ثواب عتقها ، والله أعلم .الثالثة عشرة : ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يحجر عليه في ماله ، وشذ أهل الظاهر فقالوا : لا يحجر عليه وهو كالصحيح ، والحديث والمعنى يرد عليهم .
قال سعد : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله ، بلغ بي ما ترى من الوجع ، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟
قال : لا ، قلت : أفأتصدق بشطره ؟
قال : لا ، الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس الحديث .ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة ، وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة ، وهو الصحيح ; لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث ، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا ، وكان كالهبة من عندهم ، وروى الدارقطني عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ، وروي عن عمرو بن خارجة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة .الرابعة عشرة : واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته ، فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه .
هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي ، وقالت طائفة : لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا .
هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر ، وفرق مالك فقال : إذا أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم ، وهو قول إسحاق .
احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع وقع من أجل الورثة ، فإذا أجازوه جاز ، وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم ، فكذلك ها هنا ، واحتج أهل [ ص: 248 ] القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد وفاته ، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره ، فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء .
واحتج مالك بأن قال : إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم ، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات .الخامسة عشرة : فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ ، قاله الأبهري ، وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسنة من غيره .
قال ابن المنذر : واتفق قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم .السادسة عشرة : واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال ، ويقول في وصيته : إن أجازها الورثة فهي له ، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله ، فلم يجيزوه .
فقال مالك : إن لم تجز الورثة ذلك رجع إليهم ، وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ومعمر صاحب عبد الرزاق يمضي في سبيل الله .السابعة عشرة : لا خلاف في وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه ، واختلف في غيره ، فقال مالك : الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به ، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من القول فوصيته جائزة ماضية ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجوز وصية الصبي ، وقال المزني : وهو قياس قول الشافعي ، ولم أجد للشافعي في ذلك شيئا ذكره ونص عليه .
واختلف أصحابه على قولين : أحدهما كقول مالك ، والثاني كقول أبي حنيفة ، وحجتهم أنه لا يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتص منه في جناية ولا يحد في قذف ، فليس كالبالغ المحجور عليه ، فكذلك وصيته .
قال أبو عمر : قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة ، ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله ، وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه ، وتلك علة مرتفعة عنه بالموت ، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل ، فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه عن عمر رضي الله عنه ، وقال مالك : إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة ، وبالله التوفيق .
وقال محمد بن شريح : من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق فالله قضاه على لسانه ليس للحق مدفع .[ ص: 249 ] الثامنة عشرة : قوله تعالى : بالمعروف يعني بالعدل ، لا وكس فيه ولا شطط ، وكان هذا موكلا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي ، ثم تولى الله سبحانه تقدير ذلك على لسان نبيه عليه السلام ، فقال عليه السلام : الثلث والثلث كثير ، وقد تقدم ما للعلماء في هذا ، وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة .
أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الحسن : لا تجوز وصية إلا في الثلث ، وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله ، فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما .
وقال الشافعي : وقوله الثلث كثير يريد أنه غير قليل .التاسعة عشرة : قوله تعالى : حقا يعني : ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب بدليل قوله : على المتقين وهذا يدل على كونه ندبا ; لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلما خص الله من يتقي ، أي يخاف تقصيرا ، دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات ، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصية به ; لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه ، وقد تقدم هذا المعنى ، وانتصب حقا على المصدر المؤكد ، ويجوز في غير القرآن " حق " بمعنى ذلك حق .الموفية عشرين : قال العلماء : المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية ، وإنما هي من حديث ابن عمر ، وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا ، فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه .الحادية والعشرون : روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدور وصاياهم ( هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من [ ص: 250 ] ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .
أي: فرض الله عليكم, يا معشر المؤمنين { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي: أسبابه, كالمرض المشرف على الهلاك, وحضور أسباب المهالك، وكان قد { تَرَكَ خَيْرًا } [أي: مالا] وهو المال الكثير عرفا, فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف, على قدر حاله من غير سرف, ولا اقتصار على الأبعد, دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة, ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل.
وقوله: { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } دل على وجوب ذلك, لأن الحق هو: الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى.
واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين, مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة, ردها الله تعالى إلى العرف الجاري.
ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث, بعد أن كان مجملا، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف, فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة, ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين, لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا, واختلف المورد.
فبهذا الجمع, يحصل الاتفاق, والجمع بين الآيات, لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ, الذي لم يدل عليه دليل صحيح.
قوله تعالى : ( كتب عليكم ) أي فرض عليكم ( إذا حضر أحدكم الموت ) أي جاءه أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض ( إن ترك خيرا ) أي مالا نظيره قوله تعالى " وما تنفقوا من خير " ( 272 - البقرة ( الوصية للوالدين والأقربين ) كانت الوصية فريضة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم نسخت بآية الميراث .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا حماد بن سلمة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال كنت آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث ، فذهب جماعة إلى أن وجوبها صار منسوخا في حق الأقارب الذين يرثون وبقي وجوبها في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقارب وهو قول ابن عباس وطاوس وقتادة والحسن قال طاوس : من أوصى لقوم سماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب صار منسوخا في حق الكافة وهي حتمية في حق الذين لا يرثون أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا طاهر بن أحمد أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه " .
قوله تعالى ( بالمعروف ) يريد يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير قال ابن مسعود : الوصية للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان الثوري عن سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن سعد بن مالك قال جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله ، أوصي بمالي كله قال لا قلت فالشطر قال لا قلت فالثلث ؟
قال الثلث والثلث كثير إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم .
وعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لعائشة رضي الله عنها إني أريد أن أوصي قالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال أربعة ، قالت إنما قال الله ( إن ترك خيرا ) وإن هذا شيء يسير فاترك لعيالك وقال علي رضي الله عنه لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك .
وقال الحسن البصري رضي الله عنه يوصي بالسدس أو الخمس أو الربع ، وقال الشعبي إنما كانوا يوصون بالخمس أو الربع .
قوله تعالى : ( حقا ) نصب على المصدر وقيل على المفعول أي جعل الوصية حقا ( على المتقين ) المؤمنين
«كتب» فرض «عليكم إذا حضر أحدكم الموت» أي أسبابه «إن ترك خيرا» مالا «الوصية» مرفوع بكتب ومتعلق بإذا إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب إن أي فليوص «للوالدين والأقربين بالمعروف» بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغني «حقا» مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله «على المتقين» الله وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث: (لا وصية لوارث رواه الترمذي).
فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله.
وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.
قوله - تعالى - : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ ) قد استفاض في عرض الشرع بمعنى وجب عليكم .و " حضور الموت " يقع عند معاينة الإِنسان للموت ولعجزه في هذا الوقت عن الإِيصاء فسر بحضور أسبابه ، وظهور أماراته ، من نحو العلل المخوفة والهرم البالغ .
وقد شاع عند العرب استعمال السبب كناية عن المسبب ، ومن ذلك قول شاعرهم :يأيها الراكب المزجي مطيته ...
سائل بني أسد ما هذه الصوتوقل لهم ادروا بالعذر والتمسوا ...
قولا يبرئكم إني أنا الموتوالخير : المال ، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير ، لأن مقام الوصية يشعر بذلك ، ولم يرد نص من الشارع في تقدير ما يسمى مالا كثيراً ، وإنما وردت آثار من بعض الصحابة والتابعين في تقديره بحسب اجتهادهم ، وبالنظر إلى ما يسمى بحسب العرف مالا كثيراً فقال بعضهم : من ألف درهم إلى خمسمائة درهم ، وقال بعضهم : من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم .
والحق أن هذا التقدير يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف .ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة في المال قليلة وكثيرة .قال القرطبي : والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة بعد الموت ، وخصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية .
والوصي يكون الموصى والموصى إليه .
وأصله من وصى مخففاً .
وتواصيى النبت تواصياً إذا اتصل وأرض واصية : متصلة النبات .
وأوصيت له بشيء .
وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك .
والاسم الوصاية والوصاية - بالفتح وبالكسر - وتواصي القوم : أوصى بعضهم بعضاً .والمعنى : كتب عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت : من مرض ثقيل ، أو شيخوخة مضعفة ، وكان عنده مال كثير قد جمعه عن طريق حلال ، أن يوصي بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم ، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذي لا مضارة فيه بين الأقارب ، والوصية على هذا الوجه تعتبر حقاً واجباً على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية من الله طريفاً لهم .فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص ، وفصل القرآن الحديث عن الوصية عن سابقه للإِشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية .وقد جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة ، لتغيير ما كان من عادات بعض أهل الجاهلية .
فإنهم كانوا كثيراً مانعون القريب من الإِرث توهما منهم أنه يتمنى موت قريبة ليرثه ، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدي ذلك إلى التباغض والتحاسد ، وربما فضلوا - أيضاً - الوصية لغير الأقارب للفخر والتباهي .
فشرع الإِسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع التحاسد والتعادي .قال الجمل : وكتب فعل ماض مبني للمجهول ، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله - تعالى - وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه :أحدها : أن يكون الوصية ، أي : كتب عليكم الوصية ، وجاز تذكير الفعل لكون القائم مقام الفاعل مؤنثاً مجازياً ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعه .والثاني : أنه الإِيصاء المدلول عليه بقوله : " الوصية " للوالدين ، أي : كتب هو ، أي الإِيصاء .والثالث : أنه الجار والمجرور ، وهذا يتجه على رأي الأخفش والكوفيين وعليه فيكون قوله : ( عَلَيْكُمْ ) في محل رفع ، ويكون في محل النصب على القولين الأولين وجواب كل من ( إِذَا ) و ( إِن ) محذوف .
أي : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً فليوص .والباء في قوله : ( بالمعروف ) للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من الوصية .والمراد بالمعروف هنا العدل الذي جاءت به الشريعة ، بأن لا يتجاوز بالوصية الثلث ، وأن لا يوصى للاغنياء ويترك الفقراء أو يوصي للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقراً ومسكنة .وقوله : ( حَقّاً ) مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه ( كُتِبَ ) وعامله إما ( كُتِبَ ) أو فعل محذوف تقديره حق أي : حق ذلك حقاً .وقوله : ( عَلَى المتقين ) صفة له .
أي حقاً كائناً على المتقين .وخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً في الرضا به ، لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس جدير أن يتأسى به الناس ، ومن أهمله فقد حرم من الدخول في زمرتهم ، وخسر بذلك خسارة عظيمة .قال بعض العلماء : وقد وردت هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين ، والمعروف عند الأمة منذ عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث ، والوالدان لهما نصيب مفروض في المواريث ومقتضاه عدم صحة الوصية لهما؟ويريزح هذا الإشكال من طريق التفسير أن فريقاً من أهل العمل وهم جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث .
وإيضاح وجه النسخ أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية فقامت مقامها في الوصية للوارث ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث " .وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصح نسخه للقرآن بنفسه ، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول ، وأخذوا في العمل به من غير مخالف ، فأخذ بهذا قوة الحديث المتوار في الرواية واعتمدوا عليه في بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء في الميراث مقام آية ( إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ) في الوصية للوارث .
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس ، وجعل للمرأة الثمن والربع ، وللزوج الشطر الربع .ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث " لا وصية لوارث " لاستفاضيته بين الأمة وتلقيهم له بالقبول ، فقرروا العمل به وأبطلوا الوصية لوارث ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة وتأولوها على وجوه منها أن المراد من قوله : ( لِلْوَالِدَيْنِ ) الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإِرث كالكفر والاسترقاق ، وقد كانوا حيثي عهد الإِسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقد أوصى الله بالإِحسان إليهما .
الحكم الخامس: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ يقتضي الوجوب على ما بيناه، أما قوله: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ فليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزاً عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين: الأول: وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني: قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين: أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره.
أما قوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ فلا خلاف أنه المال هاهنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير ﴾ ﴿ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وإذا عرفت هذا فنقول: هاهنا قولان: أحدهما: أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو قول الزهري، فالوصية واجبة في الكل، واحتج عليه بوجهين: ﴿ الاول ﴾ أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيراً، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيراً.
الحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.
والقول الثاني: وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن من ترك درهماً لا يقال: إنه ترك خيراً، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش.
فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه، كما قد روي من قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».
وقوله: ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره جائع ونحو هذا.
الحجة الثالثة: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ كلاماً مفيداً، لأن كل أحد لابد وأن يترك شيئاً ما، قليلاً كان أو كثيراً، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة، فإذا ثبت أن المراد هاهنا من الخير المال الكثير، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان: القول الأول: أنه مقدر بمقدار معين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أولا أوصي، قال: لا إنما قال الله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وليس لك كثير مال، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟
قال ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟
قال أربعة قالت: قال الله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم.
والقول الثاني: أنه غير مقدر بمقدار معين.
بل يختلف ذلك باختلاف حال الرجال، لأن بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغنى لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقاً بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها.
أما قوله: ﴿ الوصية ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ كتب ﴾ لأنه أراد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكر الضمير في قوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ وأيضاً إنما ذكر للفصل بين الفعل والوصية، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل، كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول حضر القاضي امرأة، فيذكرون لأن القاضي بين الفعل وبين المرأة.
المسألة الثانية: رفع الوصية من وجهين: أحدهما: على ما لم يسم فاعله والثاني: على أن يكون مبتدأ وللوالدين الخبر، وتكون الجملة في موضع رفع بكتب، كما تقول قيل عبد الله قائم، فقولك عبد الله قائم جملة مركبة من مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع بقيل.
أما قوله: ﴿ للوالدين والأقربين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما بين أن الوصية واجبة، بين بعد ذلك أنها واجبة لمن فقال: للوالدين والأقربين، وفيه وجهان: الأول: قال الأصم: إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة، فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعاً للقوم عما كانوا اعتادوه وهذا بين الثاني: قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية لما كان قبل آية المواريث، جعل الله الخيار إلى الموصي في ماله وألزمه أن لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان والأقربين فيكون واصلاً إليهم بتمليكه واختياره، ولذلك لما نزلت آية المواريث قال عليه الصلاة والسلام: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث فبين أن ما تقدم كان واصلاً إليهم بعطية الموصي، فأما الآن فالله تعالى قدر لكل ذي حق حقه، وأن عطية الله أولى من عطية الموصي، وإذا كان كذلك فلا وصية لوارث ألبتة، فعلى هذا الوجه كانت الوصية من قبل واجبة للوالدين والأقربين.
المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: ﴿ والأقربين ﴾ من هم؟
فقال قائلون: هم الأولاد فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه.
والقول الثاني: وهو قول ابن عباس ومجاهد أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين.
والقول الثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة.
والقول الرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ، أما قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ فيحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصى به، ويحتمل أن يكون المراد منه تمييز من يوصى له من الأقربين ممن لا يوصى، لأن كلا الوجهين يدخل في المعروف، فكأنه تعالى أمره في الوصية أن يسلك الطريق الجميلة، فإذا فاضل بينهم، فبالمعروف وإذا سوى فكمثل، وإذا حرم البعض فكمثل لأنه لو حرم الفقير وأوصى للغني لم يكن ذلك معروفاً، ولو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الأخوة لم يكن ما يأتيه معروفا فالله تعالى كلفه الوصية على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش وذلك من باب ما يعلم بالعادة فليس لأحد أن يقول: لو كانت الوصية واجبة لم يشترط تعالى فيه هذا الشرط، الذي لا يمكن الوقوف عليه لما بينا.
أما قوله تعالى: ﴿ حَقّا عَلَى المتقين ﴾ فزيادة في توكيد وجوبه، فقوله: ﴿ حَقّاً ﴾ مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا، فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم.
فالجواب: من وجهين: الأول: أن المراد بقوله: ﴿ حَقّا عَلَى المتقين ﴾ أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهباً فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الأية.
واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية، منهم من قال: كانت واجبة ومنهم من قال: كانت ندباً واحتج الأولون بقوله: ﴿ كتب ﴾ وبقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ وكلا اللفظين ينبئ عن الوجوب، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله: ﴿ حَقّا عَلَى المتقين ﴾ وهؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة، ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني، وتقرير قوله من وجوه: أحدها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ أو كتب على المختصر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصباتهم.
وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للاقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ومنهم من يسقط في حال ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثاً لم يجز الوصية له، ومن لم يكن وارثاً جازت الوصية له لأجل صلة الرحم، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ وبقوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِى القربى ﴾ فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب.
أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعاً على هذا المذهب أبحاث: البحث الأول: اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة؟
وذكروا وجوهاً أحدهما: أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل: إنه لابد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقاً لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ.
وثانيها: أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام: ألا لا وصية لوارث وهذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به، وأجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر.
ولقائل أن يقول: يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعاً منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز.
وثالثها: أنها صارت منسوخة بالإجماع والإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن.
لأن الإجماع يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجوداً إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى انعقاد الإجماع على حصول النسخ؟.
ورابعها: أنها صارت منسوخة بدليل قياسي وهو أن نقول: هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عندما لم توجد هذه الوصية وجب أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياساً على الديون التي لا توجد الوصية بها لكن عندما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئاً، بدليل قوله تعالى في آية المواريث: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ وظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين، فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث، ولقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائز والله أعلم.
البحث الثاني: القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين منهم من قال: إنها صارت منسوخة في حق من يرث وفي حق من لا يرث وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً، وحجة هؤلاء من وجهين: الحجة الأولى: أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق الوارث القريب، إما بآية المواريث وإما بقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا لا وصية لوارث».
أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث، وهاهنا الإجماع غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديماً وحديثاً، فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.
الحجة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
وأجمعنا على أن الوصية لغير الأقارب غير واجبة، فوجب أن تكون هذه الوصية الواجبة مختصة بالأقارب، وصارت السنة مؤكدة للقرآن في وجوب هذه الوصية.
وأما الجمهور القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً فأجود ما لهم التمسك بقوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ وقد ذكرنا تقريره فيما قبل.
البحث الثالث: القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً، اختلفوا في موضعين الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء، وقال الحسن البصري: هم والأغنياء سواء.
الثاني: روي عن الحسن وخالد بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة وثلث الثلث لمن أوصي له، وعن طاوس أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ إذا دنا منه وظهرت أماراته ﴿ خَيْر ﴾ مالاً كثيراً.
عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلاً أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلاً.
وأراد آخر أن يوصي فسألته: كم مالك؟
فقال: ثلاثة آلاف.
قالت: كم عيالك؟
قال: أربعة.
قالت: إنما قال الله ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، وعن عليّ رضي الله عنه: أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه.
وقال: قال الله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ والخير هو المال، وليس لك مال.
والوصية فاعل كتب، وذكر فعلها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ ﴾ والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» وبتلقي الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته.
وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث.
ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم ﴿ بالمعروف ﴾ بالعدل، وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث ﴿ حَقّاً ﴾ مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقاً ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود ﴿ بَعْدِ مَا سَمِعَهُ ﴾ وتحققه ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ ﴾ فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصي والموصى له، لأنهما بريان من الحيف ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد المبدّل ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ الغالب الجاري مجرى العلم ﴿ جَنَفًا ﴾ ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ أو تعمداً للحيف ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ حَضَرَتْ أسْبابُهُ وظَهَرَتْ أماراتُهُ.
﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أيْ مالًا وقِيلَ مالًا كَثِيرًا، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنَعَهُ وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ والخَيْرُ هو المالُ الكَثِيرُ.
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يُوصِيَ فَسَألَتْهُ كَمْ مالُكَ؟
فَقالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
فَقالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟
قالَ: أرْبَعَةٌ.
قالَتْ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ.
﴿ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ مَرْفُوعُ بِكُتِبَ، وتَذْكِيرُ فِعْلِها لِلْفَصْلِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُوصِيَ أوِ الإيصاءِ ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ .
والعامِلُ في إذا مَدْلُولُ كُتِبَ لا الوَصِيَّةُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها.
وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لِلْوالِدَيْنِ ﴾ ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ كَقَوْلِهِ: مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها...
والشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وَرُّدَّ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَمِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ.
وكانَ هَذا الحُكْمُ في بَدْءِ الإسْلامِ فَنُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» .
وفِيهِ نَظَرٌ: لِأنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والحَدِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَهُ بِالقَبُولِ لا يُلْحِقُهُ بِالمُتَواتِرِ.
ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنْهُ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ .
أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِالعَدْلِ فَلا يُفَضِّلُ الغِنى، ولا يَتَجاوَزُ الثُّلُثَ.
﴿ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
<div class="verse-tafsir"
{كتب} فرض {عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} أي إذا دنا منه فظهرت أمارته {إِن تَرَكَ خَيْرًا} مالاً كثيراً لما روي عن علي رضى الله عنه إن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال قال الله تعالى {إن ترك خيراً} والخير هو المال الكثير وليس لك مال وفاعل كتب {الوصية للوالدين والأقربين} وكانت للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث كما بيناه في شرح المنار وقيل هي غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرائبه والإسلام قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء الحق القرابة ندباً وعلى هذا لا يراد بكتب فرض {بالمعروف} بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث {حَقّاً} مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً {عَلَى المتقين} على الذين يتقون الشرك
﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ، وفَصْلُهُ عَمّا سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا، كَما فَصَلَ اللّاحِقَ لِذَلِكَ، ولَمْ يُصَدِّرْهُ بِـ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لِقُرْبِ العَهْدِ بِالتَّنْبِيهِ مَعَ مُلابَسَتِهِ بِالسّابِقِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِالأمْواتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ شاقًّا لَمْ يُصَدِّرْهُ كَما صَدَرَ الشّاقُّ تَنْشِيطًا لِفِعْلِهِ، والمُرادُ مِن ( حُضُورِ المَوْتِ ) حُضُورُ أسْبابِهِ، وظُهُورُ أماراتِهِ مِنَ العِلَلِ والأمْراضِ المُخَوِّفَةِ، أوْ حُضُورُهُ نَفْسِهِ ودُنُوُّهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها.
﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أيْ: مالًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُجاهِدٌ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِكَوْنِهِ كَثِيرًا؛ إذْ لا يُقالُ في العُرْفِ لِلْمالِ: (خَيَّرا) إلّا إذا كانَ كَثِيرًا، كَما لا يُقالُ: فُلانٌ ذُو مالٍ، إلّا إذا كانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهُ في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: ألا أُوصِي؟
قالَ: لا، إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ.
وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ، قالَتْ: كَمْ مالُكَ؟
قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟
قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وهَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الكَثْرَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِمِقْدارٍ، بَلْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِ الرَّجُلِ، فَإنَّهُ بِمِقْدارٍ مِنَ المالِ يُوصَفُ رَجُلٌ بِالغِنى ولا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِكَثْرَةِ العِيالِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - تَقْدِيرُها، فَقَدَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ: ”مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يُتْرَكْ خَيْرًا“، ومَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ أنَّ ( الوَصِيَّةَ ) مَشْرُوعَةٌ مِمّا قَلَّ أوْ كَثُرَ، فالخَيْرُ عِنْدَهُ المالُ مُطْلَقًا، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ إيذانًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُوصى بِهِ حَلالًا طَيِّبًا لا خَبِيثًا؛ لِأنَّ الخَبِيثَ يَجِبُ رَدُّهُ إلى أرْبابِهِ ويَأْثَمُ بِـ ( الوَصِيَّةِ ) فِيهِ.
﴿ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ : مَرْفُوعٌ بِـ كُتُب وفي الرَّضِيِّ إذا كانَ الظّاهِرُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ مُنْفَصِلًا، فَتَرْكُ العَلامَةِ أحْسَنُ إظْهارًا لِفَضْلِ الحَقِيقِيِّ عَلى غَيْرِهِ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا تَذْكِيرُ الفِعْلِ، والوَصِيَّة اسْمٌ مِن أوْصى يُوصِي، وفي القامُوسِ أوْصاهُ ووَصّاهُ تَوْصِيَةً عَهِدَ إلَيْهِ، والِاسْمُ الوِصايَةُ و( الوَصِيَّةُ ) وهي المُوصى بِهِ أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِها، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِها بِأنَّ مَعَ الفِعْلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِالمَصْدَرِ بِناءً عَلى تَحْقِيقِ الرَّضِيِّ مِن أنَّ عَمَلَ المَصْدَرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأْوِيلِهِ، وهو الرّاجِحُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِحَ في بَدَلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النّائِبُ عَلَيْكم والوَصِيَّة خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما المَكْتُوبُ؟
فَقِيلَ: هو الوَصِيَّةُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( كُتِبَ عَلَيْكم ) وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لِلْوالِدَيْنِ ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ؛ لِأنَّ الِاسْمِيَّةَ إذا كانَتْ جَزاءً لا بُدَّ فِيها مِنها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِـ كُتِبَ أوْ عَلَيْكم وحْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّ إضْمارَ الفاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، كَما قالَ الخَلِيلُ، والعامِلُ في (إذا) مَعْنى (كُتُب) والظَّرْفُ قُيِّدَ لِلْإيجابِ مِن حَيْثُ الحُدُوثُ والوُقُوعُ، والمَعْنى تَوَجُّهُ خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابَتِهِ إذا حُضِّرَ وغُيِّرَ إلى ما تَرى لِيُنَظَّمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ الوَصِيَّةَ، وهي وإنْ كانَتِ اسْمًا، إلّا أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِالمَصْدَرِ أوْ بِأنْ والفِعْلِ، والظَّرْفُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ لَهُ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ لِتَنْزِيلِهِ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ، وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ، ولِهَذا تُوُسِّعَ في الظُّرُوفِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِها، ولَيْسَ كُلُّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءِ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ تَكَلُّفٌ، ولا يُرَدُّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الوَصِيَّةَ واجِبَةٌ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) لا عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُضُورِ أحَدِهِمُ المَوْتُ؛ لِأنَّ أحَدَكم يُفِيدُ العُمُومَ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَمَعْنى ( إذا حُضِّرَ أحَدكم ) إذا حَضَرَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وإنَّما زِيدَ لَفْظُ أحَد لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِها فَرْضَ عَيْنٍ لا كِفايَةٍ كَما في ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ الوَصِيَّةَ لَمْ تُفْرَضْ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) فَقَطْ بَلْ عَلَيْهِ بِأنْ يُوصِي، وعَلى الغَيْرِ بِأنْ يَحْفَظَ ولا يُبَدِّلَ، ولِهَذا قالَ: عَلَيْكم وقالَ: أحَدكم؛ لِأنَّ المَوْتَ يَحْضُرُ أحَدَ المُخاطَبِينَ بِالِافْتِراضِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ حِفْظَ الوَصِيَّةِ إنَّما يُفْرَضُ عَلى البَعْضِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ لا وقْتَ الِاحْتِضارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: فَرْضُ عَلَيْكم حَفِظَ الوَصِيَّةَ ﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ ، ولِأنَّ إرادَةَ الإيصاءِ وحِفْظَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ( إذا ) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ ( إذا حُضِّرَ أحَدكم المَوْت ) فَلْيُوصِ إنْ تَرَكَ خَيْرًا فَلْيُوصِ، فَحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلُ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ، والشَّرْطُ الثّانِي عِنْدَ صاحِبِ التَّسْهِيلِ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ تارِكًا لِلْخَيْرِ فَلْيُوصِ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطَيْنِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كُتُب وفاعِلِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيصاءِ قَبْلُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الوَجْهَ مَعَ غَنائِهِ عَنْ تَكَلُّفِ تَصْحِيحِ الظَّرْفِيَّةِ وزِيادَةِ لَفْظِ أحَد أنْسَبُ بِالبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ؛ حَيْثُ ورَدَ الحُكْمُ أوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا ووَقَعَ الِاعْتِراضُ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الوَصِيَّةِ الواجِبَةِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِن كَثْرَةِ الحَذْفِ المُهَوِّنَةِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وقَتادَةُ وشُرَيْحٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَهم عَلى راحِلَتِهِ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَمَ لِكُلِّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ، فَلا تَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ“،» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ في خُطْبَتِهِ يَقُولُ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ“،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأحادِيثُ لِتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ المُتَواتِرِ فِي صِحَّةِ النَّسْخِ بِها عِنْدَ أئِمَّتِنا - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - بَلْ قالَ البَعْضُ: إنَّها مِنَ المُتَواتِرِ، وأنَّ التَّواتُرَ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ مَن لا يُتَصَوَّرُ تَواطُؤُهم عَلى الكَذِبِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا عَمِلُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِنهُمْ، عَلى أنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بِآيَةِ المَوارِيثِ والأحادِيثُ مُبَيِّنَةٌ لِجِهَةِ نَسْخِها، وبَيَّنَ فَخْرُ الإسْلامِ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الوَصِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ ﴾ فَرُتِّبَ المِيراثُ عَلى ( وصِيَّةٍ ) مُنْكَرَةً، ( والوَصِيَّةُ ) الأُولى كانَتْ مَعْهُودَةً، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ ( الوَصِيَّةُ ) باقِيَةً لَوَجَبَ تَرْتِيبُهُ عَلى المَعْهُودِ، فَلَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ورُتِّبَ عَلى المُطْلَقِ دَلَّ عَلى نَسْخِ الوَصِيَّةِ المُقَيَّدَةِ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ نَسْخٌ كَما أنَّ التَّقْيِيدَ بَعْدَ الإطْلاقِ كَذَلِكَ لِتَغايُرِ المَعْنَيَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ النَّسْخَ نَوْعانِ؛ أحَدُهُما ابْتِداءٌ بَعْدَ انْتِهاءٍ مَحْضٍ، والثّانِي: بِطَرِيقِ الحَوالَةِ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ كَما في نَسْخِ القِبْلَةِ، وهَذا مِن قَبِيلِ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - فَرَضَ الإيصاءَ في الأقْرَبِينَ إلى العِبادِ، بِشَرْطِ أنْ يُراعُوا الحُدُودَ، ويُبَيِّنُوا حَقَّ كُلِّ قَرِيبٍ بِحَسَبِ قَرابَتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ثُمَّ لَمّا كانَ المُوصِي قَدْ لا يُحْسِنُ التَّدْبِيرَ في مِقْدارِ ما يُوصِي لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ورُبَّما كانَ يَقْصِدُ المُضارَّةَ تَوَلّى بِنَفْسِهِ بَيانَ ذَلِكَ الحَقِّ عَلى وجْهٍ تُيُقِّنَ بِهِ أنَّهُ الصَّوابُ، وأنَّ فِيهِ الحِكْمَةَ البالِغَةَ، وقَصَرَهُ عَلى حُدُودٍ لازِمَةٍ مِنَ السُّدْسِ والثُّلُثِ والنِّصْفِ والثُّمُنِ لا يُمْكِنُ تَغَيُّرُها، فَتَحَوَّلَ مِن جِهَةِ الإيصاءِ إلى المِيراثِ، فَقالَ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ أيِ: الَّذِي فَوَّضَ إلَيْكم تَوَلّى شَأْنَهُ بِنَفْسِهِ؛ إذْ عَجَزْتُمْ عَنْ مَقادِيرِهِ لِجَهْلِكُمْ، ولَمّا بَيَّنَ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ الحَقَّ بِعَيْنِهِ انْتَهى حُكْمُ تِلْكَ الوَصِيَّةِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بِأقْوى الطُّرُقِ كَمَن أمَرَهُ غَيْرُهُ بِإعْتاقِ عَبْدِهِ ثُمَّ أعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ انْتَهى حُكْمُ الوَكالَةِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ الأحادِيثُ لِما أنَّ ( الفاءَ ) تَدُلُّ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَما قِيلَ: إنَّ مِن أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُ هَذا الحُكْمَ بَلْ تُحَقِّقُهُ مِن حَيْثُ تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والأحادِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ لا تُلْحِقُها بِالمُتَواتِرِ، ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنِ النَّسْخِ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ عَلى ما فِيهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأنْصِبائِهِمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ بَيانًا لِلْأنْصِباءِ بِلَفْظِ الإيصاءِ، فُهِمَ مِنها بِتَنْبِيهِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - أوْصى بِنَفْسِهِ تِلْكَ الوَصِيَّةَ، ولَمْ يُفَوِّضْها إلَيْكُمْ، فَقامَ المِيراثُ مَقامَ الوَصِيَّةِ، فَكانَ هَذا مَعْنى النَّسْخِ، لا أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى رَفْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ لِأنَّ كَوْنَ آيَةِ المَوارِيثِ رافِعَةً لِذَلِكَ الحُكْمِ مُبَيِّنَةً لِانْتِهائِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشْتَبَهَ عَلى أحَدٍ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ وُجُوبَها صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الأقارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وبَقِيَ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، كَأنَّ يَكُونُوا كافِرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَن لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ مِمَّنْ لا يَرِثُ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ.
ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُوبَ صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الكافَّةِ، وهي مُسْتَحَبَّةٌ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واسْتَدَلَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأقْرَبِينَ لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ.
﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ 108﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْحَدَثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كُتُب وعامِلُهُ إمّا كُتُب أوْ ( حُقَّ ) مَحْذُوفًا؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا، فَهو عَلى طَرْزِ قَعَدْتُ جُلُوسًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ كُتُبٍ عَلَيْكم وإنِ اعْتُبِرَ إنْشاءً، فَيَكُونُ عَلى طَرْزِ ( لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ ) عُرْفًا، وجَعَلَهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ إيصاءً، حَقًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ( عَلى المُتَّقِينَ ) صِفَةٌ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ عَلى المُخْتارِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ المُطْلَقَ يَعْمَلُ نِيابَةً عَنِ الفِعْلِ، والمُرادُ بِـ المُتَّقِينَ المُؤْمِنُونُ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُحافَظَةَ عَلى الوَصِيَّةِ والقِيامَ بِها مِن شَعائِرِ المُتَّقِينَ الخائِفِينَ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - .
<div class="verse-tafsir"
كُتِبَ عَلَيْكُمْ، أي فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أي مالاً.
الخير في القرآن على وجوه، أحدها: المال كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً وقوله: مآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 215] ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272] أي المال.
والثاني: الإيمان كقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً [الأنفال: 23] أي إيماناً، وكقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [هود: 31] .
والثالث الخير: الفضل كقوله تعالى: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 109 و 118] .
والرابع: العافية كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ [الأنعام: 17] وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ [يونس: 107] .
والخامس: الأجر كقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [الحج: 36] أي أجر.
وقال بعضهم: الوصية واجبة على كل مسلم، لأن الله تعالى قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ، أي فرض عليكم الوصية.
وروي عن ابن عمر، عن رسول الله أنه قال: «مَا حَقُّ امرئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَةً وَعِنْدَهُ مَالٌ يُوَصِي بِهِ، إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَه» وقال بعضهم: هي مباحة وليست بواجبة.
وقد روي عن الشعبي أنه قال: الوصية ليست بواجبة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص.
وقال إبراهيم النخعي: مات رسول الله ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر- - فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فليس عليه شيء.
وقال بعضهم: إن كان عليه حج أو كفارة أي شيء من الكفارات فالوصية واجبة، وإن لم يكن عليه شيء من الواجبات فهو بالخيار إن شاء أوصى وإن شاء لم يوص.
وبهذا القول نأخذ.
ثم بيّن مواضع الوصية فقال تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ.
قال مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فصارت الوصية للوالدين منسوخة.
وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث، وثبتت الوصية لمن لا يرث من القرابة.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير، معناه كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت وكانوا يوصون للأجنبيين ولم يوصوا للقرابة شيئاً، فأمرهم الله تعالى بالوصية للوالدين والأقربين.
ثم نسخت الوصية للوالدين بآية الميراث في قوله: بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي واجباً عليهم.
وقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، أي غيّره بعد ما سمع الوصية فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، أي وزره على الذين يبدلونه ويغيرونه لا على الموصي، لأن الموصي قد فعل ما عليه.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بالوصية عَلِيمٌ بثوابها وبجزاء من غيّر الوصية.
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الموصي الجنف وهو الميل عن الحق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، إذا غيّر وصيَّته فردها إلى الحق، لأن تبديله كان للإصلاح ولم يكن للجور.
وقال الكلبي: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الميت الخطأ في الوصية، أَوْ إِثْماً، يعني تعمداً للجور في وصيته فزاد على الثلث فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، أي رد ما زاد على الثلث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
هكذا قال مقاتل: وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية من الكبائر.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: «فَمَنْ خَافَ مِنْ موَصّ» بنصب الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون: بسكون الواو وتخفيف الصاد فمن قرأ بالنصب والتشديد، فهو من وصّى يوصي ومن قرأ بالتخفيف، فهو من أوصى يوصي.
وهما لغتان ومعناهما واحد ف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، معناه غفور لمن جنف رحيم لمن أصلح.
<div class="verse-tafsir"
الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم.
واختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه «١» ، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما «٢» ، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرهم تبع لهم.
وتَتَّقُونَ معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع ٤٤ أالتقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه/ يثيبُ على الطاعة بالطاعة.
وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...
الآية: كُتِبَ: معناه:
فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى: إِذا حَضَرَ مجازٌ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ.
والخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض «٣» ، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السّنّة المتواترة، وهو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وكَتَبَ عَلَيْكم، إلّا أنَّ الكَلامَ إذا طالَ اسْتَغْنى عَنِ العَطْفِ بِالواوِ وعُلِمَ أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الواوِ، ولَيْسَ المُرادُ: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ يُوصِيَ أحَدُكم عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ حِينَئِذٍ، وإنَّما المَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ تُوصُوا وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى الوَصِيَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: إذا أنا مُتُّ، فَلِفُلانٍ كَذا.
فَأمّا الخَيْرُ هاهُنا؛ فَهو المالُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.
وَفِي مِقْدارِ المالِ الَّذِي تَقَعُ هَذِهِ الوَصِيَّةُ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ سَبْعُمِائَةُ دِرْهَمٍ فَما فَوْقَها، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: سِتُّونَ دِينارًا فَما فَوْقَها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ الفاضِلُ عَنْ نَفَقَةِ العِيالِ.
قالَتْ عائِشَةُ لِرَجُلٍ سَألَها: إنِّي أُرِيدُ الوَصِيَّةَ، فَقالَتْ: كَمْ مالِكٍ؟
قالَ: ثَلاثَةُ آَلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟
قالَ: أرْبَعَةٌ.
قالَتْ: هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعْهُ لِعِيالِكَ.
والخامِسُ: أنَّهُ مِنَ ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ القَلِيلُ والكَثِيرُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
فَأمّا المَعْرُوفُ؛ فَهو الَّذِي لا حَيْفَ فِيهِ.
* فَصْلٌ وَهَلْ كانَتِ الوَصِيَّةُ نَدْبًا أوْ واجِبَةً؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ نَدْبًا.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ فَرْضًا، وهو أصَحُّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ ﴾ ومَعْناهُ: فُرِضَ.
قالَ ابْنُ عُمَرَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِآَيَةِ المِيراثِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَسَخَتْها: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ .
والعُلَماءُ مُتَّفِقُونَ عَلى نَسْخِ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ وهم مُخْتَلِفُونَ في الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ: هَلْ تَجِبُ الوَصِيَّةُ لَهُمْ؟
عَلى قَوْلَيْنِ، أصَحُّهُما أنَّها لا تَجِبُ لِأحَدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَن اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ "كُتِبَ" مَعْناهُ: فُرِضَ وأُثْبِتَ، والكُتُبُ مُسْتَعْمَلٌ في الأُمُورِ المُخَلَّداتِ الدائِمَةِ كَثِيرًا.
وقِيلَ: إنَّ "كُتِبَ" في مِثْلِ هَذا؛ إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ وسَبَقَ بِهِ القَضاءُ.
وصُورَةُ فَرْضِ القَصاصِ هو أنَّ القاتِلَ فَرَضَ عَلَيْهِ -إذا أرادَ الوَلِيُّ القَتْلَ- الِاسْتِسْلامُ لِأمْرِ اللهِ، والِانْقِيادِ لِقِصاصِهِ المَشْرُوعِ، وأنَّ الوَلِيَّ فُرِضَ عَلَيْهِ الوُقُوفُ عِنْدَ قَتْلِ قاتِلٍ ولَيَّهُ، وتَرْكِ التَعَدِّي عَلى غَيْرِهِ كَما كانَتِ العَرَبُ تَتَعَدّى، وتَقْتُلُ بِقَتِيلِها الرَجُلَ مِن قَوْمِ قاتِلِهِ.
وأنَّ الحُكّامَ وأُولِي الأمْرِ فُرِضَ عَلَيْهِمُ النُهُوضُ بِالقَصاصِ، وإقامَةِ الحُدُودِ، ولَيْسَ القَصاصُ بِلِزامٍ إنَّما اللِزامُ ألّا يَتَجاوَزَ القَصاصَ إلى اعْتِداءٍ، فَأمّا إذا وقَعَ الرِضى، بِدُونِ القِصاصِ، مِن دِيَةٍ أو عَفْوٍ، فَذاكَ مُباحٌ.
فالآيَةُ مُعْلِمَةٌ أنَّ القَصاصَ هو الغايَةُ عِنْدَ التَشاحِّ.
"والقِصاصُ" مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ، فَكَأنَّ القاتِلَ سَلَكَ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ فَقَصَّ أثَرَهُ فِيها، ومَشى عَلى سَبِيلِهِ في ذَلِكَ.
و"القَتْلى" جَمْعُ قَتِيلٍ، لَفْظٌ يُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ الجَماعَةِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ عَلى الناسِ كُرْهًا، فَلِذَلِكَ جاءَ عَلى هَذا البِناءِ، كَجَرْحى وزَمْنى وحَمْقى وصَرْعى وغَرْقى.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الشَعْبِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَ أهْلُ العِزَّةِ مِنهم والمَنعَةِ، إذا قُتِلَ مِنهم عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا، وإذا قُتِلَتِ امْرَأةٌ قَتَلُوا بِها ذَكِرًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، لِيَعْلَمَ اللهُ تَعالى بِالسَوِيَّةِ، ويَذْهَبُ أمْرَ الجاهِلِيَّةِ.
وحُكِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ تَقاتَلُوا قِتالَ عَمِيَّةَ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُ بِعَبِيدِنا أحْرارًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِتالٍ وقَعَ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: مِن غَيْرِهِمْ، فَقَتَلَ هَؤُلاءِ مِن هَؤُلاءِ رِجالًا، وعَبِيدًا ونِساءً، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ويُقاصِهِمْ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالدِياتِ عَلى اسْتِواءٍ: الأحْرارُ بِالأحْرارِ، والنِساءُ بِالنِساءِ والعَبِيدُ بِالعَبِيدِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُقْتَضِيَةً ألّا يُقْتَلَ الرَجُلُ بِالمَرْأةِ، ولا المَرْأةُ بِالرَجُلِ، ولا يَدْخُلُ صِنْفٌ عَلى صِنْفٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المائِدَةِ ﴿ أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا رُوِيَ، وآيَةُ المائِدَةِ إنَّما هي إخْبارٌ عَمّا كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَرَتَّبُ النَسْخُ إلّا بِما تُلُقِّيَ عن رَسُولِ اللهِ ، مِن أنَّ حُكْمَنا في شَرْعِنا مِثْلَ حُكْمِهِمْ،.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما -ذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ - وعن غَيْرِهِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ، وفِيها إجْمالٌ فَسَّرَتْهُ آيَةُ المائِدَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ ﴾ يَعُمُّ الرِجالَ والنِساءَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُرادُ بِها الجِنْسُ، الذَكَرُ والأُنْثى فِيهِ سَواءٌ، وأُعِيدَ ذِكْرُ الأُنْثى تَأْكِيدًا وتَهَمُّمًا بِإذْهابِ أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيِّنَةً حُكْمَ المَذْكُورِينَ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلَ حُرٌّ عَبْدًا، أو عَبْدٌ حُرًّا، أو ذَكَرٌ أُنْثى، أو أُنْثى ذَكَرًا، وقالا: إنَّهُ إذا قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأةً، فَإنْ أرادَ أولِياؤُها قَتَلُوا صاحِبَهُمْ، ووَفَّوْا أولِياءَهُ نِصْفَ الدِيَةِ مِنهُ، وإنْ أرادُوا اسْتَحْيَوْهُ وأخَذُوا مِنهُ دِيَةَ المَرْأةِ.
وإذا قَتَلَتِ المَرْأةُ رَجُلًا فَإنْ أرادَ أولِياؤُهُ قَتَلُوا وأخَذُوا نِصْفَ الدِيَةِ، وإلّا أخَذُوا دِيَةَ صاحِبِهِمْ واسْتَحْيَوْها.
وإذا قَتَلَ الحُرُّ العَبْدَ فَإنْ أرادَ سَيِّدَ العَبْدِ قُتِلَ، وأعْطى دِيَةَ الحُرِّ، إلّا قِيمَةَ العَبْدِ، وإنْ شاءَ اسْتَحْيا وأخَذَ قِيمَةَ العَبْدِ، هَذا مَذْكُورٌ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ الحَسَنِ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ عنهُما أيْضًا.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَتْلِ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ، والمَرْأةِ بِالرَجُلِ، والجُمْهُورُ لا يَرَوْنَ الرُجُوعَ بِشَيْءٍ، وفِرْقَةٌ تَرى الِاتِّباعَ بِفَضْلِ الدِياتِ.
قالَ مالِكٌ والشافِعِيُّ: وكَذَلِكَ القَصاصُ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا قَصاصَ بَيْنَهُما فِيما دُونَ النَفْسِ، وإنَّما هو في النَفْسِ بِالنَفْسِ.
وقالَ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَعْبِيُّ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأبُو يُوسُفَ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، ودَلِيلُهم إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُقاوِمُ الحُرَّ فِيما دُونَ النَفْسِ، فالنَفْسُ مَقِيسَةٌ عَلى ذَلِكَ.
وأيْضًا فالإجْماعُ فِيمَن قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا القِيمَةُ، فَكَما لَمْ يُشْبِهُ الحُرُّ في الخَطَأِ، لَمْ يُشْبِهْهُ في العَمْدِ.
وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ سِلْعَةً مِنَ السِلَعِ يُباعُ ويُشْتَرى وإذا قَتَلَ الرَجُلُ ابْنَهُ فَإنْ قَصَدَ إلى قَتْلِهِ مِثْلَ أنْ يُضْجِعَهُ ويَذْبَحُهُ أو يُصَبِّرُهُ مِمّا لا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ في ادِّعاءِ الخَطَأِ، فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ قَوْلًا واحِدًا في مَذْهَبِ مالِكٍ.
وإنْ قَتَلَهُ عَلى حَدِّ ما يَرْمِي أو يَضْرِبُ فَيَقْتُلُهُ، فَفِيهِ في المَذْهَبِ قَوْلانِ: يَقْتُلُ بِهِ، ولا يَقْتُلُ وتُغَلَّظُ الدِيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها أنْ "مِن" يُرادُ بِها القاتِلُ، و"عُفِيَ" يَتَضَمَّنُ عافِيًا هو ولِيُّ الدَمِ، و"الأخُ" هو المَقْتُولُ.
ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو الوَلِيُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وهي أُخُوَّةُ الإسْلامِ، و"شَيْءٌ" هو الدَمُ الَّذِي يُعْفى عنهُ، ويُرْجَعُ إلى أخْذِ الدِيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، والعَفْوُ في هَذا القَوْلِ عَلى بابِهِ.
والضَمِيرانِ راجِعانِ عَلى "مَن" في كُلِّ تَأْوِيلٍ.
والتَأْوِيلُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ مالِكٍ - أنْ "مِن" يُرادُ بِها الوَلِيُّ، و"عُفِيَ" بِمَعْنى يُسِّرَ، لا عَلى بابِها في العَفْوِ، و"الأخُ" يُرادُ بِهِ القاتِلُ، و"شَيْءٌ" هي الدِيَةُ، والأُخُوَّةُ عَلى هَذا أُخُوَّةُ الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأخِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ المَقْتُولِ، أيْ يُسِّرَ لَهُ مِن قِبَلِ أخِيهِ المَقْتُولِ وبِسَبَبِهِ، فَتَكُونُ الأُخُوَّةُ أُخُوَّةُ قَرابَةٍ وإسْلامٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ الوَلِيَّ إذا جَنَحَ إلى العَفْوِ عَلى أخْذِ الدِيَةِ، فَإنَّ القاتِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَها أو يُسَلِّمَ نَفْسَهُ، فَمَرَّةً تَيَسَّرُ ومَرَّةً لا تَيَسَّرُ.
وغَيْرُ مالِكٍ يَقُولُ: إذا رَضِيَ الأولِياءُ بِالدِيَةِ فَلا خِيارَ لِلْقاتِلِ بَلْ تَلْزَمُهُ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ، ورَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ.
والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ في المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ كُلُّها، وتَساقَطُوا الدِياتِ فِيما بَيْنَهم مُقاصَّةً، حَسَبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَعْنى الآيَةِ: فَمِن فَضَلَ لَهُ مِنَ الطائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى شَيْءٌ مِن تِلْكَ الدِياتِ.
ويَكُونُ "عُفِيَ" بِمَعْنى فَضْلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا الشَيْءُ إذا كَثُرَ" أيْ أفْضَلَتِ الحالُ لَهُ أوِ الحِسابُ أوِ القَدَرُ.
والتَأْوِيلُ الرابِعُ هو عَلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في الفَضْلِ بَيْنَ دِيَةِ المَرْأةِ والرَجُلِ، والحُرِّ والعَبْدِ، أيْ مَن كانَ لَهُ ذَلِكَ الفَضْلُ، فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ.
و" عُفِيَ" في هَذا المَوْضِعِ أيْضًا بِمَعْنى أفْضَلُ، وكَأنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِها بَيَّنَتِ الحُكْمَ، إذا لَمْ تَتَداخَلُ الأنْواعُ، ثُمَّ الحِكَمُ إذا تَداخَلَتْ، و"شَيْءٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وجازَ ذَلِكَ.
و"عُفِيَ" لا يَتَعَدّى الماضِي الَّذِي بُنِيَتْ مِنهُ مِن حَيْثُ يُقَدَّرُ "شَيْءٌ" تَقْدِيرَ المَصْدَرِ، كَأنَّ الكَلامَ: عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ عَفْوٌ، و"شَيْءٌ" اسْمٌ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ، أو مِن حَيْثُ تُقَدَّرُ "عُفِيَ" بِمَعْنى تَرَكَ، فَتَعْمَلُ عَمَلَها، والأوَّلُ أجْوَدُ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: التَقْدِيرُ لا تَضُرُّونَهُ ضُرًّا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي خِراشٍ: فَعادَيْتُ شَيْئًا والدَرِيسُ كَأنَّما يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ المُومِ مُرْدَمُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتِّباعٌ ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ والحُكْمُ اتِّباعٌ، وهَذا سَبِيلُ الواجِباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ وأمّا المَندُوبُ إلَيْهِ فَيَأْتِي مَنصُوبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى حُسْنِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الطالِبِ، وحُسْنِ القَضاءِ مِنَ المُؤَدِّي، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "فاتِّباعًا" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، إشارَةٌ إلى ما شَرَعَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أخْذِ الدِيَةِ، وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لا دِيَةَ عِنْدَهُمْ، إنَّما هو القَصاصُ فَقَطْ.
والِاعْتِداءُ المُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أنْ يَأْخُذَ الرَجُلُ دِيَةَ ولَيِّهِ ثُمَّ يَقْتُلُ القاتِلَ بَعْدَ سُقُوطِ الدَمِ.
واخْتُلِفَ في العَذابِ الألِيمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ؛ فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ: هو كَمَن قُتِلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ عَفا عنهُ، وعَذابُهُ في الآخِرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: عَذابُهُ أنْ يُقْتَلَ البَتَّةَ، ولا يُمَكِّنُ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: نُقْسِمُ ألّا يُعْفى عن رَجُلٍ عَفا عَنِ الدَمِ، وأخَذَ الدِيَةَ ثُمَّ عَدا فَقَتَلَ» وقالَ الحَسَنُ: عَذابُهُ أنْ يَرُدَّ الدِيَةَ فَقَطْ، ويَبْقى إثْمُهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أمَرَهُ إلى الإمامِ يَصْنَعُ فِيهِ ما رَأى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ نَحْوُهُ قَوْلُ العَرَبِ في مِثْلِ: "القَتْلُ أوقى لِلْقَتْلِ"، ويُرْوى: أبْقى "بِباءٍ وقافٍ"، ويُرْوى: أنْفى "بِنُونٍ وفاءٍ".
والمَعْنى أنَّ القَصاصَ إذا أُقِيمَ وتَحَقَّقَ الحُكْمُ بِهِ ازْدَجَرَ مَن يُرِيدُ قَتَلَ أحَدٍ مَخافَةَ أنْ يَقْتَصَّ مِنهُ فَحَيِيا بِذَلِكَ مَعًا.
وهَذا التَرْتِيبُ مِمّا سَبَقَ لَهُما في الأزَلِ.
وأيْضًا فَكانَتِ العَرَبُ -إذا قَتَلَ الرَجُلُ الآخَرَ- حَمِيَ قَبِيلاهُما وتَقاتَلُوا، وكانَ ذَلِكَ داعِيَةً إلى مَوْتِ العَدَدِ الكَثِيرِ، فَلَمّا شَرَعَ اللهُ القَصاصَ قَنِعَ الكُلُّ بِهِ، ووَقَفَ عِنْدَهُ، وتَرَكُوا الِاقْتِتالَ، فَلَهم في ذَلِكَ حَياةٌ.
وخُصَّ " أُولِي الألْبابِ " بِالذِكْرِ، تَنْبِيهًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ العارِفُونَ القابِلُونَ لِلْأوامِرِ والنَواهِي، وغَيْرُهم تَبِعٌ لَهم.
و" تَتَّقُونَ " مَعْناهُ: القَتْلُ فَتَسْلَمُونَ مِنَ القَصاصِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ داعِيَةً لِأنْواعِ التَقْوى في غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُثِيبُ عَلى الطاعَةِ بِالطاعَةِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ أوسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الرِبْعِيَّ: " ولَكم في القِصَصِ " أيْ في كِتابِ اللهِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ القَصاصَ وحَكَمَهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَصاصِ، أيْ إنَّهُ قَصَّ أثَرَ القاتِلِ قِصَصًا، فَقُتِلَ كَما قَتَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةُ، كَأنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ واوُ العَطْفِ، و"كُتِبَ" مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الوَصِيَّةُ فَرْضٌ.
وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ فَرْضًا ونُسِخَتْ، وقالَ فَرِيقٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها.
و"كُتِبَ" عامِلٌ في رَفْعِ "الوَصِيَّةُ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في بَعْضِ التَقْدِيراتِ وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ مِن "كُتِبَ" لِطُولِ الكَلامِ فَحَسُنَ سُقُوطُها.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "قامَ امْرَأةً"، ولَكِنَّ حَسَنُ ذَلِكَ إنَّما هو مَعَ طُولِ الحائِلِ.
وَلا يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ النُحاةِ أنْ تَعْمَلَ الوَصِيَّةُ في "إذا" لِأنَّها في حُكْمِ الصِلَةِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو "الوَصِيَّةُ"، وقَدْ تَقَدَّمَتْ فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها مُتَقَدِّمَةً ويَتَّجِهَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ "كُتِبَ" هو العامِلُ في "إذا"، والمَعْنى تُوَجَّهُ إيجابُ اللهِ عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابِهِ إذا حَضَرَ، فَعَبَّرَ عن تَوَجُّهِ الإيجابِ بِـ "كُتِبَ" لِيَنْتَظِمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ.
و"الوَصِيَّةُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِـ "كُتِبَ".
وجَوابُ الشَرْطَيْنِ: "إذا" و"إنْ".
مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، كَما تَقُولُ: شَكَرْتُ فِعْلَكَ إنْ جِئْتِنِي إذا كانَ كَذا.
ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الإيصاءَ، ويَكُونُ هَذا الإيصاءُ المُقَدَّرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ بَعْدُ هو العامِلُ في "إذا"، وتَرْتَفِعُ "الوَصِيَّةُ" بِالِابْتِداءِ، وفِيهِ جَوابُ الشَرْطَيْنِ عَلى نَحْوِ ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: مِن يَفْعَلُ الصالِحاتِ اللهُ يَحْفَظُها ∗∗∗......................................
أو يَكُونُ رَفْعُها بِالِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِ الوَصِيَّةُ، أو بِتَقْدِيرِ الفاءِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فالوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ.
ويَتَّجِهُ في إعْرابِها أنْ تَكُونَ "الوَصِيَّةُ" مُرْتَفِعَةً بِـ "كُتِبَ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَكُونُ "الوَصِيَّةُ" هي العامِلُ في "إذا"، وهَذا عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ أنْ يَتَقَدَّمَ ما في الصِلَةِ المَوْصُولُ بِشَرْطَيْنِ هُما في هَذِهِ الآيَةِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لَيْسَ بِمَوْصُولٍ مَحْضٍ، بَلْ يُشْبِهُ المَوْصُولَ، وذَلِكَ كالألِفِ واللامِ حَيْثُ تُوصَلُ، أو كالمَصْدَرِ، وهَذا في الآيَةِ مَصْدَرٌ وهو "الوَصِيَّةُ"، والشَرْطُ الثانِي: أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا، فَإنَّ في الظَرْفِ يَسْهُلُ الِاتِّساعُ، و"إذا" ظَرْفٌ، وهَذا هو رَأْيُ أبِي الحَسَنِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَقُولُ وصَكَّتْ وجْهَها بِيَمِينِها ∗∗∗ أبَعْلِي هَذا بِالرَحا المُتَقاعِسُ؟
فَإنَّهُ يَرى أنَّ "بِالرَحا" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "المُتَقاعِسُ" كَأنَّهُ قالَ: أبَعْلِي هَذا المُتَقاعِسُ بِالرَحا.
وجَوابُ الشَرْطَيْنِ في هَذا القَوْلِ كَما ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الأوَّلِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ ، مَجازٌ، لِأنَّ المَعْنى، إذا تَخَوَّفَ وحَضَرَتْ عَلاماتُهُ.
والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ.
واخْتَلَفَ مُوجِبُو الوَصِيَّةِ في القَدْرِ الَّذِي تَجِبُ مِنهُ، فَقالَ الزُهْرِيُّ، وغَيْرُهُ: تَجِبُ فِيما قَلَّ وفِيما كَثُرَ، وقالَ النَخْعِيُّ: تَجِبُ في خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: في ألِفٍ فَصاعِدًا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ فَرِيقٌ: مُحْكَمَةٌ، ظاهِرُها العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في الوالِدَيْنِ اللَذَيْنِ لا يَرِثانِ، كالكافِرَيْنِ والعَبْدَيْنِ، وفي القَرابَةِ غَيْرِ الوارِثَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: الآيَةُ عامَّةٌ، وتُقَرِّرُ الحُكْمَ بِها بُرْهَةً، ونُسِخَ مِنها كُلُّ مَن يَرِثُ بِآيَةِ الفَرائِضِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ يَدْخُلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ وغَيْرِهِما: أنَّهُ نَسَخَ مِنها الوالِدانِ وثَبَتَ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وبَيَّنَ أنَّ آيَةَ الفَرائِضِ في سُورَةِ النِساءِ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ؛ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ: «إنَّ اللهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ».
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ، وبَقِيَتِ الوَصِيَّةُ نَدْبًا، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، وغَيْرُهُ: لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ ثابِتٍ لِلرَّبِيعِ بْنِ خَثِيمٍ: أوصِ لِي بِمُصْحَفِكَ، فَنَظَرَ الرَبِيعُ إلى ولَدِهِ وقَرَأ: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ ﴾ ونَحْوُ هَذا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الحَدِيثِ المَذْكُورُ قَبْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَسْخِ السُنَّةِ لِلْكِتابِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ لِلْقَرابَةِ أولى، فَإنْ كانَتْ لِأجْنَبِيٍّ فَمَعَهُمْ، ولا تَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ تَرْكِهِمْ، وقالَ الناسُ حِينَ ماتَ أبُو العالِيَةِ: عَجَبًا لَهُ، أعْتَقَتْهُ امْرَأةٌ مِن رِياحٍ، وأوصى بِمالِهِ لِبَنِي هاشِمٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ولا كَرامَةً.
وقالَ طاوُسُ: إذا أوصى لِغَيْرِ قَرابَتِهِ رُدَّتِ الوَصِيَّةُ إلى قَرابَتِهِ، ونُقِضَ فِعْلُهُ.
وقالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ أيْضًا، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ يَعْلى: يَبْقى ثُلْثُ الوَصِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَها، ويَرُدُّ ثُلُثاها إلى قَرابَتِهِ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الوَصِيَّةُ ماضِيَةٌ حَيْثُ جَعَلَها المَيِّتُ.
و" الأقْرَبُونَ ": جَمْعُ أقْرَبِ.
و" بِالمَعْرُوفِ " مَعْناهُ: بِالقَصْدِ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُفُوسُ دُونَ إضْرارٍ بِالوَرَثَةِ ولا تَبْذِيرَ لِلْوَصِيَّةِ.
و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلرُّتْبَةِ لِيَتَبادَرَ الناسُ إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه، فإنه لم يسبق له تشريع ولم يفتتح ب ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم، ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيراً ما يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض، ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تختل الحالة الاجتماعية بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طَرَفة: وظُلْم ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً *** على المَرْءِ من وَقْع الحُسَاممِ المُهَنَّدِ كان تغييرها إلى حال العَدل فيها من أهم مقاصد الإسلام كما بيَّنا تفصيله فيما تقدم في آية: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ [البقرة: 178].
أما مناسبة ذكره عقب حكم القصاص فهو جريان ذكر موت القتيل وموت القاتل قصاصاً.
والقول في ﴿ كتب ﴾ تقدم في الآية السابقة وهو ظاهر في الوجوب قريب من النص فيه.
وتجريدُه من علامة التأنيث مع كون مرفوعه مؤنثاً لفظاً لاجتماع مسوغين للتجريد وهما كون التأنيث غير حقيقي وللفصل بينه وبين الفعل بفاصل، وقد زعم الشيخ الرضي أن اجتماع هذين المسوغين يرجح تجريد الفعل عن علامة التأنيث والدرك عليه.
ومعنى حضور الموت حضورُ أسبابه وعلاماتِه الدالة على أن الموت المتخيل للناس قد حضر عند المريض ونحوه ليصيره ميتاً قال تأبط شراً: والمَوْت خَزْيَانُ يَنْظُرُ *** فإن حضور الشيء حلوله ونزوله وهو ضد الغيبة، فليس إطلاق حضر هنا من قبيل إطلاق الفعل على مقاربة الفعل نحو قد قامت الصلاة ولا على معنى إرادة الفعل كما في ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ [المائدة: 6]، ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ [المائدة: 98]، ولكنه إسناد مجازي إلى الموت لأنه حضور أسبابه، وأما الحضور فمستعار للعرو والظهور، ثم إن إطلاق الموت على أسبابه شائع قال رُويشد بن كثير الطائي: وقُلْ لَهُمْ بادروا بالعَفْو والتَمِسُوا *** قَوْلاً يُبَرِّؤُكُم إنِّي أَنا المَوْت والخير المالُ وقيل الكثير منه، والجمهور على أن الوصية مشروعة في المال قليله وكثيره، وروي عن عليّ وعائشة وابن عباس أن الوصية لا تجب إلاّ في المال الكثير.
كانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور استأثروا بماله كله، وإن لم يكن له ولد ذكَر استأثَر بماله أقربُ الذكور له من أب أو عم أو ابن عم الأدنَيْنَ فالأَدْنَين، وكان صاحب المال ربما أوصى ببعض ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه، فلما استقر المسلمون بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود البنين ولذلك لم يُذكَر الأبناء في هذه الآية.
وعُبر بفعل (ترك) وهو ماض عن معنى المستقبل أي إن يترك، للتنبيه على اقتراب المستقبل من المضي إذا أوشك أن يصير ماضياً، والمعنى: إن أَوحشَك أن يَتْرُك خيراً أو شارف أن يترك خيراً، كما قدّروه في قوله تعالى: ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ﴾ [النساء: 9] في سورة النساء وقوله تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليههم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96] في سورة يونس أي حتى يقاربوا رؤية العذاب.
والوصية فَعِيلةٌ من وصَّى فهو المُوصَّى بها فوقع الحذف والإيصال ليتأتى بناء فَعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن زنة فعيلة لا تبنى من القاصر.
والوصية الأمر بفعل شيءٍ أو تركه مما فيه نفع للمأمور أو للآمر في مغيب الآمر في حياته أو فيما بعد موته، وشاع إطلاقها على أمر بشيء يصلح بعد موت الموصي وفي حديث العرباض بن سارية قال: «وعَظَنا رسولُ الله موعظةً وَجِلَتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيون فقلْنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأَوْصِنا إلخ».
والتعريف في الوصية تعريفُ الجنس أي كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية للوالدين والأقربين، فقوله: ﴿ للوالدين ﴾ متعلق بالوصية معمول له؛ لأن اسم المصدر يعمل عمل المصدر ولا يحتاج إلى تأويله بأَنْ والفعللِ، والوصيةُ مرفوع نائب عن الفاعل لفعل ﴿ كتب ﴾ ، و ﴿ إذا ﴾ ظرف.
و ﴿ المعروف ﴾ الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس فهو الشيء المحبوب المرضي سمي معروفاً لأنه لكثرة تداوله والتأنُّس به صار معروفاً بين الناس، وضِدّه يسمى المنكر وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ [آل عمران: 110] في سورة آل عمران.
والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة، فإنه إن توخي ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه، ومن المعروف في الوصية ألا تكون للأضرار يوارث أو زوج أو قريب وسيجيء عند قوله تعالى: ﴿ فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً ﴾ [البقرة: 182].
والباء في (بالمعروف) للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من الوصية.
وقد شمل قوله ﴿ بالمعروف ﴾ تقدير ما يوصي به وتمييز من يوصي له ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ على المتقين ﴾ .
وقوله ﴿ حقاً ﴾ مصدر مؤكد ل ﴿ كتب ﴾ لأنه بمعناه و ﴿ على المتقين ﴾ صفة أي حقاً كائناً على المتقين، ولك أن تجعله معمول ﴿ حقاً ﴾ ولا مانع من أن يعمل المصدر المؤكد في شيء ولا يخرجه ذلك عن كونه مؤكداً بما زاده على معنى فعله؛ لأن التأكيد حاصل بإعادة مدلول الفعل، نعم إذا أوجب ذلك المعمول له تقييداً يجعله نوعاً أو عدداً فحينئذٍ يخرج عن التأكيد.
وخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وقال ابن عطية: خص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبارى الناس إليها.
وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة.
وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم، ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى لابنه مضر بالحمراء، ولابنه ربيعة بالفرس، ولابنه أنمار بالحمار، ولابنه إياد بالخادم، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجُرهمي، وقد قيل إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلباً للفخر ويتركون الأقربين في الفقر وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن.
وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية، لأن قوله: ﴿ كتب عليكم ﴾ صريح في ذلك وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين، وقد وُقت الوجوب بوقت حضور الموت ويلحق به وقت توقع الموت، ولم يعين المقدار الموصى به وقد حرضت السنة على إعداد الوصية من وقت الصحة بقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما حق امرئ له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده» أي لأنه قد يفجأه الموت.
والآية تشعر بتفويض تعيين المقدار الموصى به إلى ما يراه الموصي، وأمره بالعدل بقوله ﴿ بالمعروف ﴾ فتقرر حكم الإيصاء في صدر الإسلام لغير الأبناء من القرابة زيادة على ما يأخذه الأبناء، ثم إن آية المواريت التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخاً مجملاً فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفاً على إيصَاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رَضي الميت أم كره، فيكون تقرر حكم الوصية في أول الأمر استئناساً لمشروعية فرائض الميراث، ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11] فجعلها وصية نفسه سبحانه إبطالاً للمنة التي كانت للموصي.
وبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية وبقيت الوصية مندوبة بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من العلماء، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد، ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر بن عبد الله قال: عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11] الآية اه.
فدل على أن آخر عهد بمشْروعية الوصايا سؤال جابر بن عبد الله، وفي البخاري عن ابن عباس كان المال وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب الخ.
وقيل نسخت مشروعية الوصية فصارت ممنوعة قاله إبراهيم بن خُثَيْم وهو شذوذ وخلاف لما اشتهر في السنة إلاّ أن يريد بأَنها صارت ممنوعة للوارث.
وقيل: الآية مُحكَمَة لم تُنسخ والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبْدين والأقارِب الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره الطبري، والأصح هو الأول.
ثم القائلون ببقاء حكم الوصية بعد النسخ منهم من قال: إنها بقيت مفروضة للأقربين الذين لا يرثون وهذا قول الحسن وطاووس والضحاك والطبري لأنهم قالوا: هي غير منسوخة، وقال به ممن قال إنها منسوخة ابنُ عباس ومسروق ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد، ومنهم من قال: بقيت مندوبة للأقربين وغيرهم وهذا قول الجمهور إلاّ أنه إذا كان أقاربه في حاجة ولم يوص لهم فبئس ما صنع ولا تبطل الوصية، وقيل تختص بالقرابة فلو أوصى لغيرهم بطلت وترد على أقاربه قاله جابر بن زيد والشعبي وإسحاقُ بن راهويه والحسن البصري، والذي عليه قول من تعتمد أقوالهم أن الوصية لغير الوارث إذا لم يخش بتركها ضياع حق أحد عند الموصِي مطلوبة، وأنها مترددة بين الوجوب والسنة المؤكدة لحديث «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عند رأسه»، إذا كان هذا الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد مشروعية الفرائض فإن كان قبلَ ذلك كان بياناً لآية الوصية وتحريضاً عليها، ولم يزل المسلمون يرون الوصية في المال حقاً شرعياً، وفي «صحيح البخاري» عن طلحة بن مصَرِّف قال: سألت عبدَ الله بن أبي أَوْفَى هل كان النبي أوصى فقال: لا، فقلت: كيف كُتبتْ على الناس الوصيةُ ولم يوص؟
قال: أوصى بكتاب الله اه، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لا يورث فكذلك لا يوصي بماله ولكنه أوصى بما يعود على المسلمين بالتمسك بكتاب الإسلام، وقد كان من عادة المسلمين أن يقولوا للمريض إذا خيف عليه الموت أن يقولوا له أَوْصصِ.
وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب «السنن» عن عمر بن خارجة وما رواه أبو داود والترمذي عن أبي أُمَامَة كلاهما يقول سمعت النبي قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه أَلاَ لا وصية لوارث» وذلك في حجة الوداع، فخُص بذلك عمومُ الوالدين وعمومُ الأقربين وهذا التخصيص نسخ، لأنه وقع بعد العمل بالعام وهو وإن كان خبر آحاد فقد اعتُبر من قبيل المتواتر، لأنه سمعه الكافة وتلقاه علماء الأمة بالقبول.
والجمهور على أن الوصية بأكثر من الثلث باطلة للحديث المشهور عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في أن يوصي بجميع ماله فمنعه إلى أن قال له «الثلثُ والثلثُ كثير إِنَّك أَنْ تَدَعَ ورثَتك أَغنياءَ خيرٌ من أَنْ تَدَعَهم عالةً يَتكفَّفُون الناسَ» وقال أبو حنيفة: إن لم يكن للموصي ورثة ولو عصبة دون بيت المال جاز للموصي أن يوصي بجميع ماله ومضَى ذلك أخذاً بالإيماء إلى العلة في قوله «إِنك أن تدع ورثَتك أغنياء خير» الخ.
وقال: إن بيت المال جامعٌ لا عاصب وَرُوي أيضاً عن علي وابن عباس ومسروق وإسحاق بن راهويه، واختُلف في إمضائها للوارث إذا أجازها بقية الورثة ومذهب العلماء من أهل الأمصار أنها إذا أجازها الوارث مضت.
هذا وقد اتفق المسلمون على أن الله تعالى عين كيفية قسمة تركة الميت بآية المواريث، وأن آية الوصية المذكورة هنا صارت بعد ذلك غيرَ مراد منها ظاهرها، فالقائلون بأنها محكمة قالوا: بقيت الوصية لغير الوارث والوصيةُ للوارث بما زاد على نصيبه من الميراث فلا نسخ بين الآيتين.
والقائلون بالنسخ يقول منهم مَنْ يرون الوصية لم تزل مفروضة لغير الوارث: إِن آية المواريث نسَخَت الاختيار في الموصَى له والإطلاق في المقدار الموصَى به، ومَن يرى منهم الوصية قد نسخ وجوبها وصارت مندوبة يقولون: إن آية المواريث نَسَخت هذه الآية كلها فأصبحت الوصية المشروعة بهذه الآية منسوخة بآية المواريث للإِجماع على أن آية المواريث نَسخت عموم الوَالدين والأقربين الوَارثين، ونسخت الإطلاق الذي في لفظ (الوصية) والتخصيصُ بعد العمل بالعام، والتقييدُ بعدَ العمل بالمطلق كلاهما نَسْخٌ، وإن كان لفظ آية المواريث لا يدل على ما يناقض آية الوصية، لاحتمالها أن يكون الميراث بعد إعطاء الوصايا أو عند عدم الوصية بل ظاهرها ذلك لقوله: ﴿ من بعد وصية ﴾ [النساء: 11]، وإن كان الحديثان الواردان في ذلك آحاداً لا يصلحان لنسخ القرآن عند من لا يرون نسخ القرآن بخبر الآحاد، فقد ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة، ولمَّا ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإِجماع، هذا تقرير أصل استنباط العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين والفقهاء في تقرير كيفية النسخ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ ، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ.
﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ .
﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ ﴾ يَعْنِي الغِنى والمالَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ.
والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ.
وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ : « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» .
ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ.
﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَنَفًا أوْ إثْمًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ.
والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ قال: مالاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ قال: الخير المال.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الخير في القرآن كله المال ﴿ إن ترك خيراً ﴾ .
﴿ لحب الخير ﴾ [ العاديات: 8] .
﴿ أحببت حب الخير ﴾ [ ص: 32] .
﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ [ النور: 33] .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ترك خيراً الوصية ﴾ قال: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن عروة.
أن علي بن أبي طالب دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال: ألا أوصي قال: لا إنما قال الله: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عائشة.
أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم ما لك...؟
قال: ثلاثة آلاف.
قالت: كم عيالك؟
قال: أربعة.
قالت: قال الله: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال: إن ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز قال: الوصية على من ترك خيراً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: جعل الله الوصية حقاً مما قل منه ومما كثر.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما حق امرئ مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا ووصيته عنده.
قال ابن عمر: فما مرت عليّ ثلاث قط إلا ووصيتي عندي» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من ربكم، إلا أنه ليس لامرئ شيء إلا عرف أمراً بخل بحق الله فيه، حتى إذا حضر الموت أخذ يوزّع ماله هاهنا وههنا» ثم يقول قتادة: ويلك يا ابن آدم اتق الله ولا تجمع إساءتين، مالك إساءة في الحياة وإساءة عند الموت، انظر إلى قرابتك الذين يحتاجون ولا يرثون فأوص لهم من مالك بالمعروف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر قاضي البصرة قال: من أوصى فسمى أعطينا من سمى، وإن قال: ضعها حيث أمر الله، أعطيناها قرابته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: من أوصى لقوم وسماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت على قرابته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن قال: إذا أوصى في غير أقاربه بالثلث جاز لهم ثلث الثلث ويرد على أقاربه ثلثي الثلث.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في الناسخ وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال: خطب ابن عباس فقرأ سورة البقرة، فبين ما فيها حتى مر على هذه الآية ﴿ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ فقال: نسخت هذه الآية.
وأخرج أبو داود والنحاس معاً في الناسخ وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الوصية، ﴿ للوالدين والأقربين ﴾ قال: كان ولد الرجل يرثونه وللوالدين الوصية، فنسختها ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ [ النساء: 7] الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية الأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت.
وأخرج أبو داود في سننه وناسخه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ قال: فكانت الوصية لذلك حين نسختها آية الميراث.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: نسخ من يرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر.
أنه سئل عن هذه الآية ﴿ الوصية للوالدين والأقربين ﴾ قال: نسختها آية الميراث.
وأخرج ابن جرير عن قتادة عن شريح في الآية قال: كان الرجل يوصي بماله كله حتى نزلت آيات الميراث.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فهي منسوخة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: الخير المال، كان يقال ألف فما فوق ذلك، فأمر أن يوصي للوالدين وقرابته، ثم نسخ الوالدين وألحق لكل ذي ميراث نصيبه منها وليست لهم منه وصية، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن خارجة «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال: إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن أبي أمامة الباهلي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث إلا أن تجيزه الورثة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ الآية.
يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه.
فقوله: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض.
وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (١) ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (٢) ﴿ كُتِبَ ﴾ ، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة.
وقد أحكمنا هذا فيما سبق (٣) ﴿ الْوَصِيَّةُ ﴾ من وجهين: أحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون ﴿ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ ﴿ كُتِبَ ﴾ ، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، ﴿ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (٦) وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا ﴾ أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (٧) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (٨) وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (٩) وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (١٠) (١١) : "ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (١٢) فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟
اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال طاوس: إن أوصى للأجانب (١٩) (٢٠) فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (٢٤) (٢٥) والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (٢٦) أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (٢٧) وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة ا: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟
قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟
قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإن هذا شيء يسير، (٢٨) (٢٩) (١) في (ش): (فكذلك).
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "البحر المحيط" 2/ 16، وذكر قولًا آخر: وهو أن المراد بالموت حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهًا للأوصياء والورثة أن ينفذوا الوصية.
(٣) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 60، "المحرر الوجيز" 2/ 92 - 94.
(٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "التفسير الكبير" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 19.
(٥) ينظر في معاني الخير: "المفردات" ص 167 - 168، "البحر المحيط" 1/ 17.
(٦) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97.
(٧) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 21، وقيل: نصب على المفعول، أي: جعل الوصية حقًّا، وقيل: على القطع من الوصية.
(٨) "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194.
(٩) تابع المؤلف -رحمه الله- الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 249 في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في "تفسيره" 2/ 116، ولو قال -رحمه الله-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث، لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.
(١٠) أشار إلى هذا الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 250، وذكره الرازي 5/ 60.
(١١) رواه عن ابن عباس: البخاري (2747) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأبو داود (2869) الوصايا، باب: ما جاء في نسخ الوصية للوالدين، والدارمي 2/ 419 - 420، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص230، والطبري 2/ 117 - 119.
(١٢) أخرجه الترمذي (2120) كتاب الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، والنسائي 6/ 247 كتاب الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، وأبو داود (2870) كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، وابن ماجه (2713) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأحمد في "المسند" 4/ 186 - 187، عن أبي أمامة الباهلي.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وحسنه الحافظ في "التلخيص الحبير" 3/ 106، وللحديث روايات ذكرها الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 403، وقال الحافظ في "الفتح" 5/ 372 بعد أن ذكر رواياته: ولا يخلو إسناد كل منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 23/ 442: استفاض عند أهل العلم، وقوله: لا وصية لوارث استفاضة هي أقوى من الإسناد والحمد لله.
وقد ذكره السيوطي ضمن الأحاديث في كتابه: "الأزهار المتناثرة" ص 119؛ وكذا الكتاني في "نظم المتناثرة من الحديث المتواترة" ص 176، ينظر: "نصب الراية" للزيلعي 4/ 403.
(١٣) في (م): (وهذا).
(١٤) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، أحد العباد، توفي في ولاية الحجاج سنة 94 هـ.
ينظر: "الثقات" 5/ 246، "تهذيب التهذيب" 3/ 343.
(١٥) رواه عن مسلم والعلاء في أثر واحد: ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 166، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 232، والطبري في "تفسيره" 2/ 118.
(١٦) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، تابعي ثقة، من أخص تلاميذ ابن مسعود، كان عابدًا فقيهًا مقرئًا، توفي سنة 162 هـ، وقيل بعدها.
ينظر: "السير" 4/ 63 - 69، "الأعلام" 7/ 215.
(١٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 118.
(١٨) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 116، وسعيد بن منصور في "السنن" طبعة الأعظمي 1/ 135، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 484، ومكي في "الإيضاح" 144.
(١٩) في (ش): (الأجانب).
(٢٠) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 81، والطبري 2/ 117، وعزاه في "الدر" 1/ 319 إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي 2/ 198، والرازي 5/ 63.
(٢١) عزا الطبري في "تفسيره" 2/ 117، 118 القول بذلك أيضًا إلى ابن عباس وقتادة والربيع وإياس بن معاوية.
(٢٢) سقطت من (م).
(٢٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 1/ 484، "تفسير البغوي" 1/ 192، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 17، "التفسير الكبير" 5/ 62.
(٢٤) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا وزهدًا، توفي سنة 159 هـ.
ينظر: "السير" 7/ 107 - 138، "الأعلام" 3/ 320.
(٢٥) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 231.
(٢٦) الخير هنا: المال، في قول جميع المفسرين، وقد اختلف المفسرون فيه: فمنهم من جعل له حدًا معينًا، فمن ترك ذلك أوصى، وإلا فلا، واختلفوا في ذلك الحد، ومنهم من قيده بوصف، وهو المال الكثير عرفا كما بينه الواحدي، ومنهم من أطلق في القليل والكثير، كما روي عن الزهري، ونصره الطبري.
ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 121، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "التفسير الكبير" 5/ 59، "البحر المحيط" 1/ 17.
(٢٧) رواه الثوري في "تفسيره" ص 55، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 63، والدارمي في "سننه" 2/ 405، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 298، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 659، والبيهقي 6/ 270، وابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، والحاكم في "المستدرك" 2/ 301، وقال: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع يعني الانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي - -.
(٢٨) في (م): (شيئًا يسيرًا).
(٢٩) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، وسعيد بن منصور في "السنن" 2/ 656، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، والبيهقي في "الوصايا"، باب: من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا 6/ 270، ونحوه عن عبد الرزاق في الوصايا، باب: الرجل يوصي وماله قليل 9/ 63.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الوصية للوالدين والأقربين ﴾ كانت فرضاً قبل الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خاف ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة.
﴿ موصٍ ﴾ بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء.
الوقوف: ﴿ خيراً ﴾ ج لأن قوله ﴿ الوصية ﴾ مفعول ﴿ كتب ﴾ وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو "الوصية" مبتدأ "وللوالدين" خبره، ومفعول "كتب" محذوف أي كتب عليكم أن توصوا.
ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف.
﴿ بالمعروف ﴾ ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً.
﴿ المتقين ﴾ ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر ﴿ يبدلونه ﴾ ط عليم كذلك ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ (ه).
التفسير: وهذا حكم آخر.
قوله ﴿ كتب عليكم ﴾ يقتضي الوجوب كما مر.
والمراد من حضور الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزاً عن الإيصاء والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن قارب البلد: إنه وصل.
وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر.
ولا شك أن الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ ﴿ وإنه لحب الخير لشديد ﴾ ﴿ من خير فقير ﴾ لكن الأئمة اختلفوا في المراد بالخير ههنا بعد اتفاقهم على أنه المال.
فعن الزهري: أنه المال مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً بدليل قوله ﴿ من خير فقير ﴾ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ وأنه اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر قال ﴿ وللنساء نصيبٌ مما ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً ﴾ فكذا الوصية، ولأن كل ما ينتفع به فهو خير.
والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال الكثير كما لو قيل "فلان ذو مال" يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليلٍ أو كثير.
وكما إذا قيل "فلان في نعمة من الله " فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء لنقصه ومن قوله "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ فائدة لندرة من يموت فاقداً أقل ما يتمول.
ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا.
فمنهم من قال: إنه غير مقدّر ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل.
فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غنيّ ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون التعيين في كل صورة موكولاً إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب.
ومنهم من قال: إنه مقدر.
ثم اختلفوا فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في مرض الموت وله سبعمائة درهم فقال: ألا أوصي؟
قال: لا قال الله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وليس لك كثير مال.
وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي.
قالت: كم مالك؟
قال: ثلاثة آلاف.
قالت: كم عيالك؟
قال أربعة.
قالت: قال الله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى.
وعن قتادة: ألف درهم.
وعن النخعي من ألف إلى خمسمائة درهم.
قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها *** وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من كتب الوصية كما تقول "لك كذا إن فعلت" ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه.
وقيل: المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو ﴿ عليكم ﴾ وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ولا يحتاج إلى جواب.
والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد.
وقيل من عدا الولد عن ابن عباس ومجاهد.
وقيل: جميع القرابات.
وقيل: غير الوارث.
وقوله ﴿ بالمعروف ﴾ أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة.
فلو حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفاً، ولو سوّى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة لم يكن ما يأتيه معروفاً.
﴿ وحقاً ﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً على المتقين على الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهباً لهم وسيرة.
واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم لا.
أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم، أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية.
فالميراث عطية من الله والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين.
ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً في الآية.
وذلك أن من الوالدين من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم.
فآية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها.
وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو بقوله "أن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه ألا لا وصية لوارث" وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور.
ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية.
وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب.
قالوا: الآية دلت على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو بقوله "لا وصية لوارث" أو بإجماع الأمة.
فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.
وأيضاً قال "ما من حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه" وفي رواية "له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين" وفي رواية "ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده" لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب.
وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً اختلفوا في موضعين: الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء.
وقال الحسن البصري والأغنياء سواء.
الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن معلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له.
وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع ﴿ بعد ما سمعه ﴾ وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله الوصية فيه.
فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها.
﴿ فإنما إثمه ﴾ ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره.
ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه ﴿ إن الله سميعٌ عليم ﴾ يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد.
ثم إنه لما أطلق الإيعاد على التبديل أتبعه قوله ﴿ فمن خاف ﴾ ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح مستحسن شرعاً كما هو حسن عقلاً، وللخوف ههنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت.
وأجيب بأن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد فيه إثماً أي تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق.
فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله ﴿ من موصٍ ﴾ يدل على سائر ملابساته.
فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلاناً مع أنه غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من جنف أو إثم لا قاطعاً به، وأيضاً الجائز أن لا يستمر الموصي على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد يعدل عن الحق في آخر الأمر؟
وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى حينئذٍ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون الشرع.
والتفسير الثاني إن ﴿ خاف ﴾ بمعنى علم.
وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر استعمالاً شائعاً من ذلك قولهم "أخاف أن ترسل السماء" يريدون التوقع.
والظن الغالب الجاري مجرى العلم.
فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.
وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعاً.
والغرض من قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب.
وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ما لا ينبغي فبين أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان غرضه الأصلي صحيحاً ولهذا أتبعه قوله ﴿ أن الله غفورٌ رحيم ﴾ وأيضاً كأنه قيل: أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع تحمل أعباء الإصلاح أولى.
أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله.
وبهذا التأويل يجوز أن يرجع الضمير في قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ إلى الموصي.
واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما روي أنه عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي : إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟
قال: لا.
قال: فبشطره؟
قال: لا قال: فبالثلث؟
قال: الثلث والثلث كثير.
لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة فقراء.
والوصية أوسع مجالاً من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة.
فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة.
التأويل: كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل.
والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين.
وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي غلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال : "بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً.
وكـل لـه سـؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سـؤلي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي *** مناي مناكم واختياري رضاكم ﴿ حقاً على المتقين ﴾ من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.
وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ.
فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة ﴿ فإنما إثمه ﴾ عليهم.
وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً ﴿ فمن خاف ﴾ تفرس ﴿ من موصٍ جنفاً ﴾ في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات ﴿ أو إثماً ﴾ تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع ﴿ فأصلح ﴾ بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.
وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
تكلموا فيه بأوجه: قيل: إنه منسوخ بما بين عز وجل في آية أخرى من حق الميراث.
ومنهم من قال: لم ينسخ.
ثم قيل: فيه بوجهين: قيل: إنه قد كان ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه.
فقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ إنما وقع على من كان لا يرث.
ومنهم من يقول: بأنها كانت للوارث ولم ينسخ، وإنما يقع الأمر في غير من يرث ممن ذكر.
لكن في ذلك ذكر (كتب)، وذلك إيجاب.
ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ ، وفي إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة، وقد حذر وجود ذلك؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت.
والله أعلم.
ومنهم من يقول: لا، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، فهو كان مكتوباً عليهم مفروضاً في حق الوصاية.
ثم من رأى نسخه استدل بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، ذكر فيه الوصاية على بيان كل ذي حق حقه.
فليس الذي أوصى الله يمنع وصايته التي كتب عليهم.
لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول، ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه.
والوجه الآخر: أنه قال: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ ، فجعل حكم الإرث على ذكر الوصية، والإرث بعد الوصية؛ فبان أن لها حكم البقاء.
ثم قيل: فيه بوجهين: قال قائلون: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، لم يكن ميراثاً، ولا هو من أهل الميراث.
فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول.
ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثاً.
فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب له.
ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، ولو جعل الوصية له ما جعل الله لهم فيه من النصيب خص به الكثير دون القليل؛ فثبت أن ذلك (الكتاب) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في الذي قل أو كثر.
ثم الوجه فيه عندنا: فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات، على ما قاله بعض الناس، فهو منسوخ بقوله : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" .
فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت لهم من الوصاية فيه.
ثم اختلفوا في الخبر الذي روي: "إن الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" قال قائلون: فلا يجوز ورود النسخ على الآية؛ إذ السنة لا ترد على نسخ الكتاب.
وقال آخرون: لا، ولكنه من أخبار الآحاد.
وأخبار الآحاد، على قولكم، لا ترد على نسخ خبر مثله، فكيف على كتاب رب العالمين؟
فأما الأول - في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب-: فقد سبق القول فيه، أن الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ، وإلا لو علموه ما أنكروه.
وهو ما قلنا: إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول له.
فأما من قال: بأنه من أخبار الآحاد، فإن الأصل في هذا أن يقال: إنه من حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر.
ومن أصلنا: أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل، إذ المتواتر المتعارف قرناً بقرنٍ مما عمل الناس به لم يعملوا به، إلا لظهوره، وظهوره يغني الناس عن روايته، لما علموا خلوة عن الخفاء.
ولهذا يقول في الخبر جاء عن رسول الله : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع" ، فترد به الخبر المروي عن رسول الله أنه من أخبار الآحاد.
هو من حيث الرواية من الآحاد، ولكنه من حيث تواتر الناس للعمل به صار بحيث يوجب علم العمل.
فما لم يجز أن يجتمع الأمة على شيء علموا كله من كتاب أو سنة غير ما ورد، فيكونوا قد اجتمعوا على تضييع كتاب أو سنة، فكذا هذا، لا يجوز أن يجتمع الناس على ترك الوصية للوارث، وثم كتاب نسخه أو سنة أخرى يلزم العمل به؛ فلهذا قضينا بنسخه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ هذه الوصاية المكتوبة للوالدين، إن كان هذا أراد بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الآية، فإنما إثمه عليه.
ويحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ الوصية ﴿ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ .
ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: أنه أراد تبديل الوصي بعد موت الموصي.
ويحتمل: تبديل من حضر الوصي ذلك الوقت من الشهود وغيره.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ أي: سميع لمقالته ووصايته.
و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجوره وظلمه.
أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بتبديله.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ أي: علم من الموصي ظلمًا وجورًا على الورثة بالزيادة على الثلث، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ومنعه ورده إلى الثلث وقت وصاية الموصي.
ويحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ ، أي: علم من الموصي خطأ وجورًا بعد وفاته بالوصية، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ورده إلى ما يجوز من ذلك ويصح، وهو الواجب على الأوصياء أن يعملوا بما يجوز في الحكم، وإن كان الموصي أوصى بخلاف ما يجيزه الحكم ويوجبه.
قال الشيخ - رحمه الله -: وكان صرف (الخوف) إلى (العلم) أولى؛ إذ هو تبديل الوصية وقد نهى عنه وأذن به للجور، فإذا لم يعلم فهو تبديل بلا عذر، وقد يخفف للخوف حق العلم إذا غلب الوجه فيه، كما أن أذن للإكراه إظهار الكفر، وذلك في حقيقته خوف عما في التحقيق على العلم بغلبته وجه الوفاء في ذلك.
وقوله: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، يعني بين الورثة بعد موت الموصي، ورد ما زاد على الثلث بين الورثة على قدر أنصبائهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لجور الموصي وظلمه إذا بدل الوصي ذلك ورده إلى الحق.
ويحتمل: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لمن رد على الموصي جنفه وميله في حال وصايته.
والله أعلم.
والأصل في أمر الوصاية للوارث، أن آيات المواريث لم تكن نزلت في أول ما بهم حاجة إلى معرفة ذلك، فيجوز أن يكون في الابتداء كانت الوصايا بالحق الذي اليوم هو ميراث، يبين ذلك ما روي عن رسول الله في ابنتي سعد، الذي قتل بأحد، وقد كان استولى عمهما على ميراثه، فسألت أمهما عن ذلك، فقال: لم ينزل فيه شيء.
ثم دعاهما، وأعطاهما ما بين الله في كتابه في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ..
﴾ الآية [النساء: 11].
وكذلك كان للنساء الحول في ترك الأزواج وصية لهن؛ فعلى ذلك كان الأمر بالوصية، فقال الله عز وجل: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ كالمبين بما كان قد أوجب النبيين على الميت، فقال رسول الله : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ، ومما يبين ذلك أنه معلوم أن تكون الوصية للوارث ليست تثبت فيما هي له؛ لأنه اليوم فيكون حصول الوصية بنصيب بعض الورثة على ذلك الوجه لا يجوز وصية الميت لأحد، فكذلك للورثة.
وهذا يبين أنها كانت في وقت لم يبين الميراث، فلا يكون الوصية لمن تثبت له وصية بنصيب غيره في التحقيق، فكان يجوز، ثم بطل ببيان السنة، إذ ليس في متلو القرآن حقيقة ذلك، وإنما يكون بحق الانتزاع منه والنسخ، ومعناه بالانتزاع أبعد عن الاحتمال منه بالسنة.
ولا قوة إلا بالله.
ثم حق التواتر عندنا يقع بظهور العمل بالشيء على غير المنع منهم، والتكثير عليهم في الفعل، وفي هذا وجود ذلك من طريق الفعل.
ثم القول أيضًا من الأئمة بالفتوى بلا تنازع ظهر فيهم ما قد ذكر الله في المواريث: ﴿ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، وتخصيص الورثة قصد مضارة بغيره، واستعمال الرأي فيما قد تولى قسمه على غير الذي قسم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فُرِضَ عليكم إذا حضر أحدَكم علاماتُ الموت وأسبابُه، إن ترك مالًا كثيرًا أن يوصي للوالدين ولذوي القرابة بما حَدَّه الشرع وهو ألا يزيد عن ثلث المال، وفِعْلُ هذا حقٌّ مؤكد على المتقين لله تعالى.
وقد كان هذا الحكم قبل نزول آيات المواريث، فلما نزلت آيات المواريث بيَّنت مَن يرث الميت ومقدار ما يرث.
<div class="verse-tafsir" id="91.XX097"
وجه التناسب والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها هو أن القصاص في القتل ضرب من ضروب الموت يذكر بما يطلب ممن يحضره الموت وهو الوصية.
والخطاب فيه موجه إلى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير ولا سيما في حال حضور أسباب الموت وظهور أماراته لتكون خاتمة أعمالهم خيرًا، وهو على نسق ما تقدم في الخطاب بالقصاص من اعتبار الأمة متكافلة يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، وقيام الأفراد بحقوق الشريعة لا يتم إلا بالتعاون والتكافل والائتمار والتناهي؛ فلو لم يأتمر البعض وجب على الباقين حمله على الائتمار - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين إذا حضرت الواحد منكم أسباب الموت وعلاماته ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أي إن كان له مال كثير يتركه لورثته ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي كتب عليكم في هذه الحالة أن توصوا للوالدين والأقربين بشيء من هذا الخير بالوجه المعروف الذي لا يستنكر لقلته بالنسبة إلى ذلك الخير ولا بكثرته الضارة بالورثة بأن لا يزيد الموصي به لهم ولغيرهم من الأجانب عن ثلث المتروك الوارثين.
والوصية الاسم من الإيصاء والتوصية، وتطلق على الموصي به من عين أو عمل، وهي مندوبة في حال الصحة وتتأكد في المرض، وظاهر الآية أنها تجب عند حضور أمارات الموت للوالدين والأقربين، وفيه الخلاف الآتي.
يقال أوصى ووصى فلانًا بكذا من العمل أو المال، ووصى بفلان، وأوصى له بكذا من مال أو منفعة.
وأوصاه فيه - أي في شأنه.
وإيصاء الله بالشيء وفيه أمره وفسروا الخير بالمال وقيده الأكثرون بالكثير أخذًا من التنكير، ولم يقيده (الجلال) بذلك.
ولم يقتصر أحد من المفسرين على ذكر المال فقط إلا مفسرنا وقوله صادق فيما ذكروه وجهًا وذكروا معه قول من قيده بالكثير كالبيضاوي، وجزم المفسر بأن الآية منسوخة بآية المواريث وحديث الترمذي "لا وصية لوارث" ورده بعضهم، فكلام الجلالين في المسألتين غير مسلم.
أما الأولى فقد قالوا إن المال لا يسمى في العرف خيرًا إلا إذا كان كثيرًا كما لا يقال فلان ذو مال إلا إذا كان كثيرًا، وإن تناول اللفظ صاحب المال القليل، وأيدوا هذا بما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قال لها رجل أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟
قال ثلاثة آلاف.
قالت كم عيالك؟
قال أربعة، قالت قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وروى البهيقي وغيره أن عليًا دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي؟
قال لا، إنما قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك - فعبارتهما تدل على أنهم ما كانوا يفهمون من الخير إلا المال الكثير، واختلفوا في تقدير الكثير فروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا.
وأنا أختار عدم التقدير، لاختلافه باختلاف العرف، فهو موكول إلى اعتقاد الشخص وحاله.
ولا يخفى أن العرف يختلف باختلاف الزمان والأشخاص والبيوت، فمن يترك سبعين دينارًا في منزل قفر، وبلد فقر، وهو من الدهماء فقد ترك خيرًا.
ولكن الأمير أو الوزير، إذا تركا مثل ذلك في المصر الكبير، فهما لم يتركا إلا العدم والفقر، وما لا يفي بتجهيزهما إلى القبر.
وأما الثانية فهي خلافية، والجمهور على أن الآية منسوخة بآية المواريث أو بحديث: "لا وصية لوارث" أو بهما جميعًا، على أن الحديث مبين للآية.
قال البيضاوي: "وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث".
وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر".
وبأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأن السياق ينافي النسخ، فإن الله تعالى إذا شرع للناس حكمًا وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقًا على المتقين، ومن وعيد من بدله، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما، وقد أوصى الله تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ﴾ الآية، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر لله ولهما ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ الآية.
أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير؟..
وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيًا والبعض الآخر فقيرًا: مثال ذلك أن يُطلِّق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيبها من التركة لا يكفيها.
ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته -إن لم يكن له ولد- عاجزًا عن الكسب فنحن نرى أن الحكيم الخبير اللطيف بعباده، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحتم أن يساوي الغني الفقير، والقادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة، كما أنهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدمًا على أمر الإرث، أو يجعل نفاذ هذا مشروطًا بنفاذ ذلك قبله، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم لعلمه ٠ بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانًا، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك.
فقد علم مما تقدم أن آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها، وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخًا، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندًا، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه، وإنما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة.
وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، وقيل عطاء بن أبي رباح، فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة، والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح، وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها، فهل يقال إن حديثًا كهذا تلقته الأمة بالقبول؟
إن النسخ في الشرائع جائز موافق للحكمة وواقع، فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم، وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة، وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة، لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ إنما تشرع لمصلحة البشر، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان.
فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه، وكما تنسخ شريعة بأخرى يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة، فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.
ولكن هناك خلافًا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن، فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسر الشهير ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل، وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ القرآن، وإنما هي نسخ لحكم لا ندري هل فعله النبي باجتهاده أم بأمر من الله تعالى غير القرآن؟
فإن الوحي غير محصور في القرآن.
ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب يعبد الله تعالى بتلاوتها ويتذكر نعمته بالانتقال من حكم كان موافقًا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان.
فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه كالتخفيف في تكليف المؤمنين قتال عشر أمثالهم بالاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المئة مئتين.
واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال إن الثانية ناسخة للأولى.
وأما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها.
ونسخ السنة بالسنة كنسخ الكتاب بالكتاب، بل هو أولى وأظهر وكذلك نسخ السنة بالكتاب كما في مسألة القبلة ولا خلاف فيهما.
ومن قبيل هذا نسخ الحديث المتواتر لحديث الآحاد.
وأما الخلاف القوي فهو في نسخ القرآن بالحديث ولو متواترًا، أو الحديث المتواتر بأخبار الآحاد، والذي عليه المحققون الأولون أن الظني (وهو خبر الآحاد) لا ينسخ القطعي كالقرآن والحديث المتواتر.
والحنفية وكثير من محققي الشافعية صرحوا بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، لأن النبي معصوم في تبليغ الأحكام، فمتى أيقنا بالرواية عنه واستوفت شروط النسخ تعتبر ناسخة للكتاب كما إذا نسخت آية آية.
وذهب آخرون ومنهم الإمام الشافعي كما في رسالته المشهورة في الأصول بأنه لا يجوز نسخ حكم من كتاب الله بحديث مهما تكن درجته لأن للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره.
وقد أورد الشافعي كثيرًا من الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لأحكام القرآن وبين أنها غير ناسخة بل بين أنها مفسرة ومبينة..
ولا أعرف لأبي حنيفة قولًا في هذه المسائل، والأصوليون المتقدمون من الحنفية والشافعية لا يقولون بنسخ القرآن بغير المتواتر من الأحاديث وإن اشتهر بنحو رواية الشيخين وأصحاب السنن له، والدليل ظاهر فإن القرآن منقول بالتواتر فهو قطعي وأحاديث الآحاد ظنية يحتمل أن تكون مكذوبة من بعض رجال السند المتظاهرين بالصلاح لخداع الناس.
وقال بعضهم: بنسخ الكتاب بالسنة ولو خبر آحاد لأن دلالة الآية على الحكم ظنية فكأن الحديث لم ينسخ إلا حكمًا ظنيًا، وفاتهم أن دلالة الحديث أيضًا ظنية فكأننا ننسخ حكمًا ظنيًا إسناده إلى الشارع قطعي بحكم ظني إسناده إليه غير قطعي، بل يحتمل أنه لم يقل به أو قاله رأيًا لا تشريعًا.
ولما كان الخلاف هنا ضعيفًا جدًا احتاج القائلون بنسخ حديث "لا وصية لوارث" لآية الوصية إلى زعم تواتره بتلقي الأمة له بالقبول، وقد علمت أن هذا غير صحيح.
وقد صرح بعض الشافعية بأن الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة إنما هو في الجواز وأنه غير واقع قطعًا.
وقالوا أيضًا إن السنة لا تنسخ الكتاب إلا ومعها كتاب يؤيدها، والظاهر في مثل هذه الحال أن يقال إن الكتاب نسخ الكتاب لأنه الأصل، وكأنهم أرادو تصحيح قول من قال بالنسخ تعظيمًا له أن يرد قوله، وتعظيم الله تعالى أولى، ثم تعظيم رسوله يتلو تعظيمه ولا يبلغه، وإنما يطاع الرسول ويتبع بإذن الله تعالى.
ومن أغرب مباحث النسخ أن الشافعية -الذين يبالغ إمامهم في الاتباع فيمنع نسخ الكتاب بالسنة، ثم هو يبالغ في تعظيم السنة واتباعها ولا يبالي برأي أحد يخالفها، ثم هو يقول إن القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة كأكل الميتة كما رواه عنه الإمام أحمد- يقول بعضهم إن القياس الجلي ينسخ السنة، مع أن البحث في العلة أمر عقلي يجوز أن يخطئ فيه كل أحد، ويجوز أن يكون ما فهمناه من عموم العلة غير مراد للشارع، فإذا جاء حديث ينافي هذا العموم وصح عندنا فالواجب أن نجعله مخصصًا لعلة عموم الحكم، ولا نقول رجمًا بالغيب إنه منسوخ لمخالفته للعلة التي ظنناها.
فإذا كانت المجازفة في القياس قد وصلت إلى هذا الحد وقد تجرأ الناس على القول بنسخ مئات من الآيات، وإلى إبطال اليقين بالظن، وترجيح الاجتهاد على النص، فعلينا أن لا نحفل بكل ما قيل، وأن نعتصم بكتاب الله قبل كل شيء، ثم بسنة رسوله التي جرى عليها أصحابه والسلف الصالحون، وليس في ذلك شيء يخالف الكتاب العزيز.
وصفوة القول أن الآية غير منسوخة بآية المواريث لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين كما روي عن بعض الصحابة وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فتنبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي حق ذلك الذي كتب عليك من الوصية أو حققته حقًا على المتقين لي، المطيعين لكتابي.
والمتبادر أن معنى المكتوب المفروض وبه قال بعضهم هنا، وقال أخرون إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ ﴾ أي بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا، من كتابة الوصية، وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ من ولي ووصي وشاهد وقد برئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأعمالهم فيه فيجازيهم عليها، وهو يتضمن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء أي أثره ومتعلقة.
وقد قال بوجوب الوصية بعض علماء السلف واستدلوا عليه بالآية وبحديث "ما حق أمرئ مسلم بيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته عند رأسه".
وقال الجمهور: مندوبة وتقدم قولهم في الآية.
ثم قال ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الجنف بالتحريك الخطأ، والإثم يراد به تعمد الإجحاف والظلم، والموصي فاعل الإيصاء.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ﴿ مُوصّ ﴾ بالتشديد من التوصية.
والمعنى إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح إذا وجد فيه شيء من تبديل الجنف والحيف لأنه تبديل باطل إلى حق وإزالة مفسدة بمصلحة، فقلما يكون إصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يراه حقًا له للآخر.
والآية استثناء مما قبلها أي أن المبدل للوصية آثم إلا من رأى إجحافًا أو جنفًا في الوصية فبدل فيها لأجل الإصلاح وإزالة التخاصم والتنازع والتعادي بين الموصي لهم، فعبر بخاف بدلًا عن رأى أو علم تبرئة للموصي من القطع بجنفه وإثمه واحتماء من تقييد التصدي للإصلاح بالعلم بذلك يقينًا، يعني أن من يتوقع النزاع للجنف أو الإثم فله أن يتصدى للإصلاح وإن لم يكن موقنًا بذلك، والتعبير عن مثل هذا العلم بالخوف شواهد في كلام العرب.
والمصلح مثاب مأجور، ونفي الإثم عن تبديل الوصية المحرم تبديلها يشعر بذلك إذ لو لم يكن التبديل للإصلاح مطلوبًا لم ينف الإثم عنه.
وختم الكلام بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ للإشعار بما في هذه الأحكام من المصلحة والمنفعة وبأن من خالف لأجل المصلحة مع الإخلاص فهو مغفور له.
<div class="verse-tafsir"