الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 292 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال البخاري : حدثنا محمد ، أخبرني ابن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس ، قال : كانت عكاظ ومجنة ، وذو المجاز أسواق الجاهلية ، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في مواسم الحج .
وهكذا رواه عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وغير واحد ، عن سفيان بن عيينة ، به .
ولبعضهم : فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله هذه الآية .
وكذلك رواه ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز ، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك ، حتى نزلت هذه الآية .
وروى أبو داود ، وغيره ، من حديث يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم ، والحج ، يقولون : أيام ذكر ، فأنزل الله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنه قال : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية : لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده .
وهكذا روى العوفي ، عن ابن عباس .
وقال وكيع : حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " .
[ وقال عبد الرزاق : عن أبيه عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد : سمعت ابن الزبير يقول : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " ] .
ورواه عبد بن حميد ، عن محمد بن الفضل ، عن حماد بن زيد ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمعت ابن الزبير يقرأ فذكر مثله سواء .
وهكذا فسرها مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومنصور بن المعتمر ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .
وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن أبي أميمة قال : سمعت ابن عمر وسئل عن الرجل يحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) وهذا موقوف ، وهو قوي جيد .
وقد روي مرفوعا .
قال أحمد : حدثنا [ أحمد بن ] أسباط ، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي ، عن أبي أمامة التيمي ، قال : قلت لابن عمر : إنا نكري ، فهل لنا من حج ، قال : أليس تطوفون بالبيت ، وتأتون المعرف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم ؟
قال : قلنا : بلى .
فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه ، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أنتم حجاج " .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن العلاء بن المسيب ، عن رجل من بني تيم الله قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إنا قوم نكري ، ويزعمون أنه ليس لنا حج .
قال : ألستم تحرمون كما يحرمون ، وتطوفون كما يطوفون ، وترمون كما يرمون ؟
قال : بلى .
قال : فأنت حاج .
ثم قال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عما سألت عنه ، فنزلت هذه الآية : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) .
ورواه عبد [ بن حميد في تفسيره ] عن عبد الرزاق به .
وهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة ، عن الثوري ، مرفوعا .
وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عباد بن العوام ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبي أمامة التيمي ، قال : قلت لابن عمر : إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة ، وإن أناسا يزعمون أنه لا حج لنا ، فهل ترى لنا حجا ؟
قال : ألستم تحرمون ، وتطوفون بالبيت ، وتقفون المناسك ؟
قال : قلت : بلى .
قال : فأنتم حجاج .
ثم قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن [ مثل ] الذي سألت ، فلم يدر ما يعود عليه أو قال : فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فدعا الرجل ، فتلاها عليه ، وقال : " أنتم حجاج " .
وكذا رواه مسعود بن سعد ، وعبد الواحد بن زياد ، وشريك القاضي ، عن العلاء بن المسيب به مرفوعا .
وقال ابن جرير : حدثني طليق بن محمد الواسطي ، حدثنا أسباط هو ابن محمد أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي .
قال : قلت لابن عمر : إنا قوم نكري ، فهل لنا من حج ؟
فقال : أليس تطوفون بالبيت ، وتأتون المعرف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم ؟
قلنا : بلى .
قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن الذي سألتني عنه ، فلم يدر ما يقول له ، حتى نزل جبريل ، عليه السلام ، بهذه الآية : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) إلى آخر الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتم حجاج " .
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا مندل ، عن عبد الرحمن بن المهاجر ، عن أبي صالح مولى عمر ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، كنتم تتجرون في الحج ؟
قال : وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟
وقوله تعالى : ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) إنما صرف " عرفات " وإن كان علما على مؤنث ; لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات ، سمي به بقعة معينة ، فروعي فيه الأصل ، فصرف .
اختاره ابن جرير .
وعرفة : موضع الموقف في الحج ، وهي عمدة أفعال الحج ; ولهذا روى الإمام أحمد ، وأهل السنن ، بإسناد صحيح ، عن الثوري ، عن بكير بن عطاء ، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الحج عرفات - ثلاثا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر ، فقد أدرك .
وأيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " .
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع ، بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس ، وقال : " لتأخذوا عني مناسككم " .
وقال في هذا الحديث : " فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك " وهذا مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي رحمهم الله .
وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة .
واحتجوا بحديث الشعبي ، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة ، حين خرج إلى الصلاة ، فقلت : يا رسول الله ، إني جئت من جبلي طيئ ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شهد صلاتنا هذه ، فوقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه " .
رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن ، وصححه الترمذي .
ثم قيل : إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج قال : قال ابن المسيب : قال علي بن أبي طالب : بعث الله جبريل ، عليه السلام ، إلى إبراهيم ، عليه السلام ، فحج به ، حتى إذا أتى عرفة قال : عرفت ، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك ، فلذلك سميت عرفة .
وقال ابن المبارك ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، قال : إنما سميت عرفة ، أن جبريل كان يري إبراهيم المناسك ، فيقول : عرفت عرفت .
فسمي " عرفات " .
وروي نحوه عن ابن عباس ، وابن عمر وأبي مجلز ، فالله أعلم .
وتسمى عرفات المشعر الحلال ، والمشعر الأقصى ، وإلال على وزن هلال ويقال للجبل في وسطها : جبل الرحمة .
قال أبو طالب في قصيدته المشهورة : وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له إلال إلى تلك الشراج القوابل وقال ابن أبي حاتم : حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة ، حدثنا أبو عامر ، عن زمعة هو ابن صالح عن سلمة هو ابن وهرام عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال ، كأنها العمائم على رؤوس الرجال ، دفعوا ، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس .
ورواه ابن مردويه ، من حديث زمعة بن صالح ، وزاد : ثم وقف بالمزدلفة ، وصلى الفجر بغلس ، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر ، دفع .
وهذا حسن الإسناد .
وقال ابن جريج ، عن محمد بن قيس ، عن المسور بن مخرمة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بعرفات ، فحمد الله وأثنى عليه .
ثم قال : " أما بعد وكان إذا خطب خطبة قال : أما بعد فإن هذا اليوم الحج الأكبر ، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس ، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال ، كأنها عمائم الرجال في وجوهها ، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس ، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ، مخالفا هدينا هدي أهل الشرك " .
هكذا رواه ابن مردويه وهذا لفظه ، والحاكم في مستدركه ، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي ، عن عبد الوارث بن سعيد ، عن ابن جريج ، به .
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
قال : وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع .
وقال وكيع ، عن شعبة ، عن إسماعيل بن رجاء [ الزبيدي ] عن المعرور بن سويد ، قال : رأيت عمر ، رضي الله عنه ، حين دفع من عرفة ، كأني أنظر إليه رجلا أصلع على بعير له ، يوضع وهو يقول : إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع .
وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل ، الذي في صحيح مسلم ، قال فيه : فلم يزل واقفا يعني بعرفة حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : " أيها الناس ، السكينة السكينة " .
كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، فدعا الله وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس وفي الصحيح عن أسامة بن زيد ، أنه سئل كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع ؟
قال : " كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص " .
والعنق : هو انبساط السير ، والنص ، فوقه .
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي ، فيما كتب إلي ، عن أبيه أو عمه ، عن سفيان بن عيينة قوله : ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) وهي الصلاتين جميعا .
وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن ميمون : سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام ، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة قال : أين السائل عن المشعر الحرام ؟
هذا المشعر الحرام .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم قال : قال ابن عمر : المشعر الحرام المزدلفة كلها .
وقال هشيم ، عن حجاج عن نافع ، عن ابن عمر : أنه سئل عن قوله : ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) قال : فقال : هو الجبل وما حوله .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن المغيرة ، عن إبراهيم قال : رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح ، فقال : علام يزدحم هؤلاء ؟
كل ما هاهنا مشعر .
وروي عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة أنهم قالوا : هو ما بين الجبلين .
وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أين المزدلفة ؟
قال : إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر .
قال : وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة ، ولكن مفاضاهما .
قال : فقف بينهما إن شئت ، قال : وأحب أن تقف دون قزح ، هلم إلينا من أجل طريق الناس .
قلت : والمشاعر هي المعالم الظاهرة ، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام ; لأنها داخل الحرم ، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به ، كما ذهب إليه طائفة من السلف ، وبعض أصحاب الشافعي ، منهم : القفال ، وابن خزيمة ، لحديث عروة بن مضرس ؟
أو واجب ، كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم ؟
أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر ؟
في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء ، لبسطها موضع آخر غير هذا ، والله أعلم .
وقال عبد الله بن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عرفة كلها موقف ، وارفعوا عن عرنة ، وجمع كلها موقف إلا محسرا " .
هذا حديث مرسل .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، حدثني سليمان بن موسى ، عن جبير بن مطعم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : " كل عرفات موقف ، وارفعوا عن عرنة .
وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر ، وكل فجاج مكة منحر ، وكل أيام التشريق ذبح " .
وهذا أيضا منقطع ، فإن سليمان بن موسى هذا وهو الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم .
ولكن رواه الوليد بن مسلم ، وسويد بن عبد العزيز ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن سليمان ، فقال الوليد : عن ابن لجبير بن مطعم ، عن أبيه .
وقال سويد : عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره ، والله أعلم .
وقوله : ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) تنبيه لهم على ما أنعم به عليهم ، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج ، على ما كان عليه إبراهيم الخليل ، عليه السلام ; ولهذا قال : ( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) قيل : من قبل هذا الهدي ، وقبل القرآن ، وقبل الرسول ، والكل متقارب ، ومتلازم ، وصحيح .
القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: ليس عليكم أيها المؤمنون جناح.
* * * و " الجناح "، الحرج، (56) كما:- 3761 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن &; 4-163 &; علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، وهو لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده.
* * * وقوله: " أن تبتغوا فضلا من ربكم "، يعني: أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم.
يقال منه: ابتغيت فضلا من الله - ومن فضل الله- أبتغيه ابتغاء "، إذا طلبته والتمسته،" وبغيته أبغيه بغيا "، (57) كما قال عبد بني الحسحاس: بغــاك, ومـا تبغيـه حـتى وجدتـه كــأنك قــد واعدتـه أمس موعـدا (58) يعني طلبك والتمسك.
* * * وقيل: إن معنى " ابتغاء الفضل من الله "، التماس رزق الله بالتجارة، وأن هذه الآية نـزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا يلتمسون البر بذلك، فأعلمهم جل ثناؤه أن لا بر في ذلك، وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء.
* ذكر من قال ذلك: &; 4-164 &; 3762 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: كانوا يحجون ولا يتجرون، فأنـزل الله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: في الموسم.
3763 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدا يحدث قال: كان ناس لا يتجرون أيام الحج، فنـزلت فيهم " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
(59) 3764 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة في قوله تبارك وتعالى: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: إذا كنتم محرمين، أن تبيعوا وتشتروا.
3765 - حدثنا طليق بن محمد الواسطي، قال: أخبرنا أسباط، قال: أخبرنا الحسن ابن عمرو، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكرى، فهل لنا حج؟
قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟
فقلنا: بلى!
قال: جاء رجل إلى النبي: صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له، حتى نـزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم حجاج.
(60) &; 4-165 &; 3766 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: كانت تقرأ هذه الآية: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
3767 - حدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور بن المعتمر في قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: هو التجارة في البيع والشراء، والاشتراء لا بأس به.
3768 - حدثت عن أبي هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
3769 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ وذو المجاز، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى أنـزل الله جل ثناؤه: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
3770 - حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر - وسئل عن الرجل يحج ومعه تجارة - فقرأ ابن عمر: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
(61) 3771 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم = وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم = قال: أخبرنا يزيد بن أبي &; 4-166 &; زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يتجرون في أيام الحج، فنـزلت: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
3772 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قرأ: (62) " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
3773 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج "، هكذا قرأها ابن عباس.
3774 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا ليث، عن مجاهد في قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: التجارة في الدنيا، والأجر في الآخرة.
3775 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: التجارة، أحلت لهم في المواسم.
قال: فكانوا لا يبيعون، أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة.
3776 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
3777 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا ضالة ليلة النفر، وكانوا يسمونها " ليلة الصدر "، ولا &; 4-167 &; يطلبون فيها تجارة ولا بيعا، فأحل الله عز وجل ذلك كله للمؤمنين، أن يعرجوا على حوائجهم ويبتغوا من فضل ربهم.
3778 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن الزبير يقرأ: (63) " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
(64) 3779 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نـزلت: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
3780 - حدثنا أحمد بن حازم والمثنى، قالا حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: كان بعض الحاج يسمون " الداج "، فكانوا ينـزلون في الشق الأيسر من منى، وكان الحاج ينـزلون عند مسجد منى، فكانوا لا يتجرون، حتى نـزلت: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، فحجوا.
(65) 3781 - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، عن مجاهد قال: كان ناس يحجون ولا يتجرون، حتى نـزلت: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، فرخص لهم في المتجر والركوب والزاد.
3782 - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا &; 4-168 &; أسباط عن السدي، قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، هي التجارة.
قال: اتجروا في الموسم.
3783 - حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: كان الناس إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم، فأحله الله لهم.
3784 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة أيام الموسم، يقولون: " أيام ذكر!" فأنـزل الله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، فحجوا.
3785 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ".
3786 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، قال: لا بأس بالتجارة في الحج، ثم قرأ: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
3787 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "، قال: كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا على ضالة ولا ينتظرون لحاجة، وكانوا يسمونها " ليلة الصدر "، ولا يطلبون فيها تجارة .
فأحل الله ذلك كله، أن يعرجوا على حاجتهم، وأن يطلبوا فضلا من ربهم.
3788 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مندل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر، قال: قلت لعمر: يا أمير &; 4-169 &; المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟
قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج.
3789 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تيم الله، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا قوم نكرى فيزعمون أنه ليس لنا حج !
قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟
قال: بلى!
قال: فأنت حاج!
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه، فنـزلت هذه الآية: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ".
(66) 3790 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا بتجارة، ولم يعرجوا على كسير، ولا على ضالة، فأحل الله ذلك، فقال: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " إلى آخر الآية.
3791 - حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها.
فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج.
(67) * * * &; 4-170 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فإذا أفضتم "، فإذا رجعتم من حيث بدأتم.
* * * ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: " مفيض "، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين.
(68) ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي: (69) فقلــت لهــا ردي إليــه جنانـه فــردت كمــا رد المنيـح مفيـض (70) * * * ثم اختلف أهل العربية في" عرفات "، والعلة التي من أجلها صُرفت وهي &; 4-171 &; معرفة، وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع؟
فقال بعض نحويي البصريين: هي اسم كان لجماعة مثل " مسلمات، ومؤمنات "، سميت به بقعة واحدة، فصرف لما سميت به البقعة الواحدة، إذ كان مصروفا قبل أن تسمى به البقعة، تركا منهم له على أصله.
لأن " التاء " فيه صارت بمنـزلة " الياء والواو " في" مسلمين ومسلمون "، لأنه تذكيره، وصار التنوين بمنـزلة " النون ".
فلما سمي به ترك على حاله، كما يترك " المسلمون " إذا سمي به على حاله.
(71) قال: ومن العرب من لا يصرفه إذا سمي به، ويشبه " التاء " بهاء التأنيث، وذلك قبيح ضعيف، واستشهدوا بقول الشاعر: (72) تنورتهــا مــن أذرعـات وأهلهـا بيـثرب أدنـى دارهـا نظـر عـالي (73) ومنهم من لا ينون " أدرعات " وكذلك: " عانات "، وهو مكان.
وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما انصرفت " عرفات "، لأنهن على جماع مؤنث " بالتاء ".
قال: وكذلك ما كان من جماع مؤنث " بالتاء "، ثم سميت به رجلا أو مكانا أو أرضا أو امرأة، انصرفت.
قال: ولا تكاد العرب تسمي شيئا من الجماع إلا جماعا، ثم تجعله بعد ذلك واحدا.
&; 4-172 &; وقال آخرون منهم: ليست " عرفات " حكاية، ولا هي اسم منقول، (74) ولكن الموضع مسمى هو وجوانبه " بعرفات "، ثم سميت بها البقعة.
اسم للموضع، ولا ينفرد واحدها.
قال: وإنما يجوز هذا في الأماكن والمواضع، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأشياء.
قال: ولذلك نصبت العرب " التاء " في ذلك، لأنه موضع.
ولو كان محكيا، لم يكن ذلك فيه جائزا، لأن من سمى رجلا " مسلمات " أو " مسلمين " لم ينقله في الإعراب عما كان عليه في الأصل، فلذلك خالف: " عانات، وأذرعات "، ما سمي به من الأسماء على جهة الحكاية.
* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لعرفات " عرفات ".
فقال بعضهم: قيل لها ذلك من أجل أن إبراهيم خليل الله صلوات الله عليه لما رآها عرفها بنعتها الذي كان لها عنده، فقال: قد عرفت، فسميت عرفات بذلك.
وهذا القول من قائله يدل على أن عرفات اسم للبقعة، وإنما سميت بذلك لنفسها وما حولها، كما يقال: ثوب أخلاق، وأرض سباسب، فتجمع بما حولها.
(75) * ذكر من قال ذلك: 3792 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: لما أذن إبراهيم في الناس بالحج، فأجابوه بالتلبية، وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها فخرج، فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية، فصده أيضا، فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر.
&; 4-173 &; فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، (76) انطلق حتى أتى ذا المجاز، (77) فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي: " ذا المجاز ".
ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال: " قد عرفت!" فسمي: " عرفات ".
فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، فسميت: " المزدلفة "، فوقف بجمع.
(78) 3793 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان التيمي، عن نعيم بن أبي هند، قال: لما وقف جبريل بإبراهيم عليهما السلام بعرفات، قال: " عرفت!"، فسميت عرفات لذلك.
3794 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بعث الله جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قال: " قد عرفت!"، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، ولذلك سميت " عرفة ".
* * * وقال آخرون: بل سميت بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها.
* ذكر من قال ذلك: 3795 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع بن مسلم القرشي، عن أبي طهفة، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إنما سميت عرفات، لأن جبريل عليه السلام، كان يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا، هذا موضع كذا، فيقول: " قد عرفت!"، فلذلك سميت " عرفات ".
(79) &; 4-174 &; 3796 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة أن جبريل كان يري إبراهيم عليهما السلام المناسك، فيقول: " عرفت، عرفت!" فسمي" عرفات ".
3797 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: أصل الجبل الذي يلي عرنة وما وراءه موقف، حتى يأتي الجبل جبل عرفة.
وقال ابن أبي نجيح: عرفات: " النبعة " و " النبيعة " و " ذات النابت "، وذلك قول الله: " فإذا أفضتم من عرفات "، وهو الشعب الأوسط.
وقال زكريا: ما سال من الجبل الذي يقف عليه الإمام إلى عرفة، فهو من عرفة، وما دبر ذلك الجبل فليس من عرفة.
* * * وهذا القول يدل على أنها سميت بذلك نظير ما يسمى الواحد باسم الجماعة المختلفة الأشخاص.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي أن يقال: هو اسم لواحد سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلا.
وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف.
* * * &; 4-175 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم فكررتم راجعين من عرفة، إلى حيث بدأتم الشخوص إليها منه،" فاذكروا الله "، يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام.
* * * وقد بينا قبل أن " المشاعر " هي المعالم، من قول القائل: " شعرت بهذا الأمر "، أي علمت، ف " المشعر "، هو المعلم، (80) سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده.
وقد:- 3798 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن زكريا، عن ابن أبي نجيح، قال: يستحب للحاج أن يصلي في منـزله بالمزدلفة إن استطاع، وذلك أن الله قال: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم ".
* * * فأما " المشعر ": فإنه هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر.
وليس مأزما عرفة من " المشعر ".
(81) وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: &; 4-176 &; 3799 - حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رأى ابن عمر الناس يزدحمون على الجبيل بجمع فقال: أيها الناس إن جمعا كلها مشعر.
3800 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر أنه سئل عن قوله: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام "، قال: هو الجبل وما حوله.
3801 - حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن ابن عباس قال: ما بين الجبلين اللذين بجمع مشعر.
3802 - حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير، مثله.
3803 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري= وحدثني أحمد بن حازم قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان= عن السدي، عن سعيد بن جبير، قال: سألته عن المشعر الحرام فقال: ما بين جبلي المزدلفة.
3804 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: " المشعر الحرام " المزدلفة كلها= قال معمر: وقاله قتادة.
3805 - حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، قال: أنبأنا الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام "، قال: ما بين جبلي المزدلفة هو المشعر الحرام.
3806 - حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا أبي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: سألت عبد الله بن عمر عن المشعر الحرام، &; 4-177 &; فقال: إذا انطلقت معي أعلمتكه.
قال: فانطلقت معه، فوقفنا حتى إذا أفاض الإمام سار وسرنا معه، حتى إذا هبطت أيدي الركاب، وكنا في أقصى الجبال مما يلي عرفات قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟
أخذت فيه !
قلت: ما أخذت فيه؟
قال: كلها مشاعر إلى أقصى الحرم.
3807 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل= عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: سألت عبد الله بن عمر، عن المشعر الحرام قال: إن تلزمني أركه.
قال: فلما أفاض الناس من عرفة وهبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟
قال: قلت: ها أنا ذاك، قال: أخذت فيه!
قلت: ما أخذت فيه !
قال: حين هبطت أيدي الركاب في أدنى الجبال فهو مشعر إلى مكة.
3808 - حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن عمارة بن زاذان، عن مكحول الأزدي، قال: سألت ابن عمر يوم عرفة عن المشعر الحرام؟
فقال: الزمني !
فلما كان من الغد وأتينا المزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟
هذا المشعر الحرام.
3809 - حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: المشعر الحرام: المزدلفة كلها.
3810 - حدثنا هناد، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟
قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة، فذلك إلى محسر.
قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما.
قال: قف بينهما إن شئت، وأحب إلي أن تقف دون قزح.
هلم إلينا من أجل طريق الناس!.
3811 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، &; 4-178 &; عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء ؟
كل ما ههنا مشعر!.
3812 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها.
3813 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
3814 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " وذلك ليلة جمع.
قال قتادة: كان ابن عباس يقول: ما بين الجبلين مشعر.
3815 - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: المشعر الحرام هو ما بين جبال المزدلفة = ويقال: هو قرن قزح.
(82) 3816 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام "، وهي المزدلفة، وهي جمع.
* * * * وذكر عن عبد الرحمن بن الأسود ما:- 3817 - حدثنا به هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: لم أجد أحدا يخبرني عن المشعر الحرام.
3818 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: المشعر الحرام: ما بين جبلي مزدلفة.
3819 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا قيس، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عمر عن المشعر الحرام فقال: &; 4-179 &; ما أدري؟
وسألت ابن عباس، فقال: ما بين الجبلين.
3820 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الجبيل وما حوله مشاعر.
3821 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن ثوير، قال: وقفت مع مجاهد على الجبيل، فقال: هذا المشعر الحرام.
3822 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، الجبيل وما حوله مشاعر.
* * * قال أبو جعفر: وإنما جعلنا أول حد المشعر مما يلي منى، منقطع وادي محسر مما يلي المزدلفة، لأن:- 3823 - المثنى حدثني قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عرفة كلها موقف إلا عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرا ".
(83) 3824 - حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، أنه قال: كل مزدلفة موقف إلا وادي محسر.
3825 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، قال: أخبرني من سمع عروة بن الزبير يقول مثل ذلك.
&; 4-180 &; 3826 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن هشام بن عروة، قال: قال عبد الله بن الزبير في خطبته: تعلمن أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، تعلمن أن مزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر.
(84) * * * قال أبو جعفر: غير أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختار للحاج أن يجعل وقوفه لذكر الله من المشعر الحرام على قزح وما حوله، لأن:- 3827 - أبا كريب حدثنا، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن زيد بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، غدا فوقف على قزح، وأردف الفضل، ثم قال: هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف.
3828 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بن الحسين، عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
(85) &; 4-181 &; 3829 - حدثنا هناد وأحمد الدولابي، قالا حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن ابن الحويرث، قال: رأيت أبا بكر واقفا على قزح وهو يقول: أيها الناس أصبحوا !
أيها الناس أصبحوا !
ثم دفع.
(86) &; 4-182 &; 3830 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عبد الله بن عثمان، عن يوسف بن ماهك، قال: حججت مع ابن عمر، فلما أصبح بجمع صلى الصبح، ثم غدا وغدونا معه حتى وقف مع الإمام على قزح، ثم دفع الإمام فدفع بدفعته.
* * * وأما قول عبد الله بن عمر حين صار بالمزدلفة: " هذا كله مشاعر إلى مكة "، فإن معناه أنها معالم من معالم الحج ينسك في كل بقعة منها بعض مناسك الحج = لا أن كل ذلك " المشعر الحرام " الذي يكون الواقف حيث وقف منه إلى بطن مكة قاضيا ما عليه من الوقوف بالمشعر الحرام من جمع.
* * * &; 4-183 &; وأما قول عبد الرحمن بن الأسود: " لم أجد أحدا يخبرني عن المشعر الحرام " فلأنه يحتمل أن يكون أراد: لم أجد أحدا يخبرني عن حد أوله ومنتهى آخره على حقه وصدقه.
لأن حدود ذلك على صحتها حتى لا يكون فيها زيادة ولا نقصان، لا يحيط بها إلا القليل من أهل المعرفة بها.
غير أن ذلك وإن لم يقف على حد أوله ومنتهى آخره وقوفا لا زيادة فيه ولا نقصان إلا من ذكرت، فموضع الحاجة للوقوف لا خفاء به على أحد من سكان تلك الناحية وكثير من غيرهم.
وكذلك سائر مشاعر الحج، والأماكن التي فرض الله عز وجل على عباده أن ينسكوا عندها كعرفات ومنى والحرم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام= بالثناء عليه، والشكر له على أياديه عندكم، وليكن ذكركم إياه بالخضوع لأمره، والطاعة له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق، لما وفقكم له من سنن إبراهيم خليله بعد الذي كنتم فيه من الشرك والحيرة والعمى عن طريق الحق وبعد الضلالة= كذكره إياكم بالهدى، حتى استنقذكم من النار به بعد أن كنتم على شفا حفرة منها، فنجاكم منها.
وذلك هو معنى قوله: " كما هداكم ".
* * * وأما قوله: " وإن كنتم من قبله لمن الضالين "، فإن من أهل العربية من يوجه تأويل " إن " إلى تأويل " ما "، وتأويل اللام التي في" لمن " إلى " إلا ".
(87) &; 4-184 &; فتأويل الكلام على هذا المعنى: وما كنتم = من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه = إلا من الضالين.
* * * ومنهم من يوجه تأويل " إن " إلى " قد ".
فمعناه على قول قائل هذه المقالة: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين.
------------------- الهوامش : (56) انظر ما سلف في تفسير"الجناح" من الجزء 3 : 230 ، 231 .
(57) انظر ما سلف في تفسير : "ابتغي" من الجزء 3 : 508 .
(58) ديوانه : 41 وسيأتي في التفسير 4 : 15- 16/ 5 : 45 (بولاق) وهذا البيت متعلق بثلاثة أبيات قبله ، هو تمام معناها في ذكر الموت : رأيــت المنايـا لـم يهبـن محـمدا ولا أحــدا ولــم يــدعن مخـلدا ألا لا أرى عــلى المنــون ممهـلا ولا باقيــا إلا لـه المـوت مرصـدا ســيلقاك قــرن لا تريــد قتالـه كـمي إذا مـا هـم بـالقرن أقصـدا بغـاك وما تبغيه .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقوله : "حتى وجدته" رواية الديوان"إلا وجدته" .
ورواية الطبري عزيزة فهي شاهد قل أن نظفر به على أن"حتى" تأتي بمعنى"إلا" في الاستثناء وقد ذكر ذلك ابن هشام في المغني 1 : 111 قال بعد ذكر وجوه"حتى" : "وبمعنى إلا في لاستثناء ، وهذا أقلها وقل من يذكره" .
(59) في المطبوعة : "فنزلت فيهم : لا جناح عليكم أن تبتغوا .
.
" وبين أنه خطأ وسهو .
(60) الحديث : 3765 -طليق بن محمد بن السكن الواسطي شيخ الطبري : ثقة ، قال ابن حبان في الثقات : "مستقيم الحديث كالأثبات" .
وهو من شيوخ النسائي وابن خزيمة وغيرهما .
وهذا الباب باب"طليق" : نص الذهبي في المشتبه على أنه بفتح الطاء وتبعه الحافظ ابن حجر في تحرير المشتبه .
ولم يذكرا غير هذا الضبط .
ولكن الحافظ في التقريب ضبط أول اسم فيه"بالتصغير" بالنص على ذلك .
وأنا أرجح أنه وهم منه ، رحمه الله .
أسباط : هو ابن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة وهو ثقة من شيوخ أحمد وابن راهويه وغيرهما .
الحسن بن عمرو الفقيمي -بضم الفاء- التميمي الكوفي : ثقة أخرج له البخاري في صحيحه ابو أمامة التيمي : تابعي ثقة .
بينا ترجمته ومراجعها في شرح المسند : 6434 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 6434 عن أسباط بن محمد بهذا الإسناد .
وقد فصلنا القول في تخريجه هناك .
ونقله ابن كثير 1 : 463 عن المسند و 464 عن هذا الموضع من الطبري وسيأتي بإسناد آخر : 3789 .
(61) الخبر : 3770 -أبو أميمة : الراجح الظاهر أنه"أبو أمامة التيمي" الماضي في الحديث 3765 ، وأن هذا الخبر مختصر من ذاك الحديث ولكنه موقوف على ابن عمر .
وقد نقله ابن كثير 1 : 463 ، عن هذا الموضع من الطبري وقال : "وهذا موقوف ، وهو قوي جيد" .
(62) في المطبوعة : "قال" مكان"قرأ" وهو سهو من الناسخ ، وانظر الأثر السالف : 3766 ، 3768 ، والآثار التي تلي هذا الأثر .
(63) في المطبوعة : "سمعت ابن الزبير يقول" والصواب من مخطوطة تفسير عبد الرزاق ص : 21 .
(64) الخبر : 3778 - أشار إليه الحافظ في الفتح 3 : 473 وذكر أنه رواه ابن عيينة وابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد .
ولم يذكر من خرجه وقد عرفنا من رواية الطبري أنه خرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة .
وهو في تفسير عبد الرزاق ص : 21 ، بهذا الإسناد .
وهو صحيح عبيد الله بن ألبي يزيد المكي : تابعي ثقة .
(65) الداج : هم الذين مع الحجاج من الأجراء والمكارين والأعوان والخدم ، وظاهر أنهم كانوا لا يحجون مع الناس .
(66) الحديث : 3789 -العلاء بن المسيب بن رافع الأسدي : ثقة مأمون ، كما قال ابن معين .
والديث رواه أحمد في المسند : 6435 ، عن عبد الله بن الوليد العدني ، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد .
وقلنا في شرحه : إن إسناده صحيح ، وأن إبهام الرجل من بني تيم الله- لا يضر ، فقد عرف أنه"أبو أمامة التيمي" .
كما مضى في : 3765 .
وقد خرجناه مفصلا في المسند .
(67) الحديث : 3791 -سعيد بن الربيع الرازي- شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة .
وقد ذكر في فهارس تاريخ الطبري بهذا الاسم ، فانتفت شبهة التحريف فيه .
و"سفيان" -شيخه : هو ابن عيينة .
ويشتبه"سعيد بن الربيع" براو آخر ، هو"سعيد بن الربيع الهروي الجرشي العامري" المترجم في التهذيب .
ولكنه قديم الوفاة ، مات سنة 211 قبل ولادة الطبري .
وهو من أقدم شيوخ البخاري .
والحديث رواه البخاري 4 : 248 ، 269 ، و 8 : 139 (فتح) من طريق سفيان ابن عيينة بهذا الإسناد .
ورواه أيضًا 3 : 473- 474 من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار .
وذكره ابن كثير 1 : 462 ، من رواية البخاري .
وهذا الحديث من أفراد البخاري -دون مسلم- كما نص على ذلك الحافظ في الفتح 3 : 475 .
ولم أجده في مسند أحمد .
وهو من الأحاديث الصحاح القليلة ، التي في أحد الصحيحين وليست في المسند .
وقد مضى نحو معناه مختصرا : 3779 ، من رواية عبد الرزاق عن ابن عيينة ومضى كذلك مختصرا : 3771 ، 3784 ، من وجه آخر من رواية مجاهد عن ابن عباس .
و 3772 ، 3785 ، من وجه ثالث ، من رواية عطاء عن ابن عباس .
(68) القداح جمع قدح (بكسر فسكون) : هو السهم قبل أن ينصل ويراش ، كانوا يستقسمون بها في الميسر ، وهي الأزلام أيضًا .
والأيسار جمع يس (بفتحين) وهم المجتمعون على الميسر من أشراف الحي .
وفي المطبوعة : "المياسرين" والصواب ما أثبت .
والياسر : الضارب بالقداح والمتقامر على الجزور اللاعب بالقداح .
(69) في المطبوعة : "ابن أبي حازم" وهو خطأ .
(70) لم أجد هذا البيت في مكان ، ومن القصيدة ثلاثة أبيات في الحيوان 6 : 343 من هذا الشعر ، وهي أبيات جياد .
والمنيح : أحد القداح الأربعة التي ليس لها غرم ولا غنم في قداح الميسر ، ولكن قد يمنح صاحبه شيئا من الجزور .
ولا أتبين معنى البيت حتى أعرف ما قبله ، وأعرف الضمائر فيه إلى من تعود .
(71) هو قول الأخفش (اللسان : عرف) ومعجم البلدان (عرفات) وانظر سيبويه 2 : 17- 18 .
(72) هو امرؤ القيس بن حجر .
(73) ديوانه : 140 ، وسيبويه 2 : 18 والخزانة 1 : 26 وهو من قصيدته الرائعة المشهورة والضمير في قوله : "تنورتها" للمرأة التي يذكرها (انظر طبقات فحول الشعراء : 68 تعليق : 3) .
وتنورالنار أبصرها من بعيد جعل المرأة تضيء له فيراها كالنار المشبوبة .
وأذرعات : بلد بالشام .
ويثرب : مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هذا اسمها في الجاهلية .
يقول : لاح له نورها في الظلماء ، وهو بالشام وأهلها بالمدينة .
ثم يقول : أقرب ما يرى منها لا يرى إلا من مكان عال في جو السماء .
يصف بعد ما بينه وبينها ، ومع ذلك فقد لاحت له في الليل من هذا المكان البعيد ، وأتم المعنى في البيت لتالي : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال (74) الحكاية : الإتيان باللفظ على ما كان عليه من قبل ، وسيظهر معناها في الأسطر الآتية .
(75) انظر ما سلف 1 : 433 .
(76) في المطبوعة : "فلما رأى أنه لا يطيعه ، فلم يدر إبراهيم" والصواب ما أثبته عن نص الطبري آنفًا ، كما سيأتي في المراجع بعد .
(77) في المطبوعة : "فانطلق" والصواب ما أثبت .
(78) الأثر : 3792 -قد سلف تاما برقم : 2065 ، والتصويب السالف منه .
(79) الخبر : 3795 - هذا إسناد مشكل ، لا أدري ما وجه صوابه .
أما"وكيع بن مسلم القرشي" : فما وجدت راويا بهذا الاسم ولا ما يشبهه .
والذي أكاد أجزم به أنه"وكيع بن الجراح" الإمام المعروف .
وأن كلمة"بن" محرفة عن كلمة"عن" ثم يزيد الإشكال أن لم أجد من اسمه"مسلم القرشي" وإشكال ثالث ، أن"أبا طهفة" هذا لا ندري ما هو؟
واليقين -عندي- أن الإسناد محرف غير مستقيم .
(80) انظر ما سلف في الجزء 3 : 226 ، 227 (بولاق) تفسير"شعائر" .
(81) المأزم : كل طريق ضيق بين جبلين .
ومأزما عرفة : مضيق ين جمع وعرفة .
(82) القرن : الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير .
(83) الحديث : 3823 -هذا حديث مرسل كما قال ابن كثير 1 : 467 وقد رواه مالك في الموطأ ص : 388"أنه بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"- دون إسناد .
وذكره ابن عبد البر في كتاب"التقصي" رقم : 839 .
وقال : "وهذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث علي بن أبي طالب" .
وحديث جابر رواه مسلم 1 : 348 ولكن ليس فيه استثناء"عرنة" و"محسر" ورواه ابن ماجه : 3012 من حديث جابر وفيه هذا الاستثناء .
وإسناده ضعيف جدا .
وانظر السنن الكبرى للبيهقي 5 : 115 ، والتلخيص الحبير ص : 216 ونصب الراية 3 : 60- 62 .
(84) الخبر : 3826 -رواه مالك في الموطأ ص 388 ، بنحوه عن هشام بن عروة عن عبد الله بن الزبير .
(85) الحديثان : 3827 ، 3828 -إبراهيم بن إسمعيل بن مجمع الأنصاري المدني : ضعيف قال ابن معين : "ليس بشيء" وقال البخاري : "كثير الوهم" .
عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي : ثقة من أهل العلم .
ين بن علي بن أبي طالب : ثقة معروف ، لا يحتاج إلى تعريف .
وهو الذي تنسب إليه الزيدية من الشيعة .
وكان حربا على الرافضة .
وهو يروى عن عبيد الله بن أبي رافع مباشرة ، ولكنه روى هذا الحديث بعينه -كما سيأتي في التخريج- عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين عن عبيد الله .
عبيد الله بن أبي رافع المدني ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : تابعي ثقة .
وكان كاتبا لعلي بن أبي طالب رضي اله عنه .
وهذا الحديث مختصر من حديث مطول .
وقد أخطأ فيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع : فحذف من الإسناد [عن أبيه] بين زيد بن علي وعبيد الله بن أبي رافع .
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم"أردف الفضل" -في هذا الحديث .
وإنما"أردف أسامة بن زيد" .
وإرداف الفضل بن عباس كان في حادثة أخرى .
والحديث رواه احمد في المسند : 1347 ، عن يحيى بن آدم عن سفيان -وهو الثوري-"عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي ، عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال : هذا الموقف وعرفة كلها موقف ثم أردف أسامة فجعل يعتق على ناقته ، والناس يضربون الإبل يمينا وشمالا ، لا يلتفت إليهم" .
وهذا مختصر أيضًا .
ورواه أبو داود : 1922 ، عن أحمد بن حنبل بهذا الإسناد واختصره قليلا .
ورواه أحمد : 562 عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان بهذا الإسناد مطولا .
وفيه -بعد إرداف أسامة-"ثم أتى قزح فوقف على قزح ، فقال : هذا الموقف وجمع كلها موقف .
.
.
"- إلى آخره مطولا .
ورواه عبد الله بن أحمد ، في زيادات المسند : 564 من طريق المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي عن أبيه .
و 613 من طريق مسلم بن خالد الزنجي ، عن عبد الرحمن المخزومي - بهذا الإسناد مطولا أيضًا .
ورواه الترمذي 2 : 100- 101 ، مطولا من طريق أبي أحمد الزبيري عن الثوري وقال : "حديث حسن صحيح ، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش .
وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا" .
(86) الخر : 3829 -سفيان : هو ابن عيينة .
ابن المنكدر : هو محمد بن المنكدر التيمي : أحد الأئمة الأعلام من التابعين .
سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع : ترجمه الحافظ في التعجيل ص : 154 وذكر أنه مخزومي وأشار إلى هذا الخبر من روايته .
وقال : "وقع عند غيره : عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع" .
ويريد : عند غير الشافعي ، لأن هذا الخبر رواه الشافعي كما سيأتي .
وقد رمز لهذه الترجمة في التعجيل بحرف الألف ، وهو رمز"أحمد" في المسند .
وهو خطأ مطبعي .
وصحته"فع" رمز الشافعي .
وعبد الرحمن ابن سعيد بن يربوع : مترجم في التهذيب 6 : 187 وابن سعد 5 : 111 وابن أبي حاتم 2/2/239 ، ولكن جميع روايات هذا الخبر فيها"سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع" .
وأنا أرجح بما يظهر لي من الترجمتين : أن الراوي هنا غير المترجم في التهذيب ومن المحتمل أن راوي هذا الخبر ابن +الذي في التهذيب .
خصوصا وأن ابن أبي حاتم ذكره في ترجمة"ابن الحويرث" راويا عنه .
وإن لم يترجم هو ولا البخاري في الكبير ل"سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع" .
ابن الحويرث : هو جبير بن الحويرث .
ترجمه ابن أبي حاتم 1/1/512 وقال : "روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
روى عنه سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع" .
وكذلك ترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب رقم : 317 ثم قال : "في صحبته نظر" .
وترجمه ابن الأثير في أسد الغابة 1 : 270 وقال : "وقتل أبوه يوم فتح مكة قتله علي .
وهذا يدل على أن لابنه جبير صحبة أو رؤية" .
وكذلك رجح صحبته - الحافظ في الإصابة 1 : 235 والتعجيل : 66- 67 .
وكلهم ذكر أباه باسم"الحويرث" إلا المصعب الزبيري في نسب قريش ص : 257 فإنه ذكره باسم"الحارث" و"الحويرث" هو الصواب الموافق لما في سيرة ابن هشام ، ص : 819 (طبعة أوربة) وطبقات ابن سعد 1/2/90 .
وهذا الخبر رواه الشافعي في الأم 2 : 180 عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد بزيادة في آخره ولكن فيه : "عن أبي الحويرث" وكذلك ثبت في مسنده بترتيب الشيخ عابد السندي 1 : 256 .
ووقع في مسند الشافعي المطبوع بهامش الجزء 6 من الأم : "عن جوبير بن حويرث" .
وهذا الضطراب يدل على تحريف الاسم في بعض نسخ الأم ومسند الشافعي .
خصوصا وأن الحافظ ابن حجر ذكر اسمه في التعجيل على الصواب ولم يذكر فيه خلافا ، لو كان هذا اختلاف رواية مع أنه رمز له برمز الشافعي وحده .
ولعل هذا الخطأ كان في بعض نسخ الأم .
ومسند الشافعي القديمة وأن هذا حمل البيهقي على أن يروي الخبر من غير طريق الشافعي خلافا لعادته الغالبة .
فقد رواه البيهقي 5 : 125 ، من طريق سعدان بن نصر عن سفيان وهو ابن عيينة -بهذا الإسناد .
ورواه ابن حزم في المحلى 3 : 215- 216 من طريق محمد بن المثنى عن سفيان به .
(87) هذا توجيه الكوفيين انظر المعنى لابن هشام 1 : 191 وغيره .
قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالينقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : جناح أي إثم ، وهو اسم ليس .
أن تبتغوا في موضع نصب [ ص: 383 ] خبر ليس ، أي في أن تبتغوا ، وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض ، ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخص في التجارة ، المعنى : لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله ، وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة ، قال الله تعالى : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ، والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج .الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة ، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه ، خلافا للفقراء .
أما إن الحج دون تجارة أفضل ، لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها .
روى الدارقطني في سننه عن أبي أمامة التيمي قال قلت لابن عمر : إني رجل أكري في هذا الوجه ، وإن ناسا يقولون إنه لا حج لك ، فقال ابن عمر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني ، فسكت حتى نزلت هذه الآية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لك حجا .قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين فيه ست عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : فإذا أفضتم أي اندفعتم ، ويقال : فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه ، ورجل فياض ، أي مندفق بالعطاء .
قال زهير :وأبيض فياض يداه غمامة على معتفيه ما تغب فواضلهوحديث مستفيض ، أي شائع .الثانية : قوله تعالى : " من عرفات " قراءة الجماعة عرفات بالتنوين ، وكذلك لو [ ص: 384 ] سميت امرأة بمسلمات ; لأن التنوين هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه ، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين .
قال النحاس : هذا الجيد .
وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات ، يقوله : هذه عرفات يا هذا ، ورأيت عرفات يا هذا ، بكسر التاء وبغير تنوين ، قال : لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين ، وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء ، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة ، وأنشدوا :تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالوالقول الأول أحسن ، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات ، الكسرة مقابلة الياء في مسلمين ، والتنوين مقابل النون .
وعرفات : اسم علم ، سمي بجمع كأذرعات ، وقيل : سمي بما حوله ، كأرض سباسب ، وقيل : سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها ، وقيل : لأن آدم لما هبط وقع بالهند ، وحواء بجدة ، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا ، فسمي اليوم عرفة ، والموضع عرفات ، قاله الضحاك ، وقيل غير هذا لما تقدم ذكره عند قوله تعالى : وأرنا مناسكنا .
قال ابن عطية : والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع ، وعرفة هي نعمان الأراك ، وفيها يقول الشاعر :تزودت من نعمان عود أراكة لهند ولكن من يبلغه هنداوقيل : هي مأخوذة من العرف وهو الطيب ، قال الله تعالى : عرفها لهم أي طيبها ، فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء ، فلذلك سميت عرفات .
ويوم الوقوف يوم عرفة ، وقال بعضهم : أصل هذين الاسمين من الصبر ، يقال : رجل عارف .
إذا كان صابرا خاشعا ، ويقال في المثل : النفس عروف وما حملتها تتحمل .
قال [ عنترة ] :فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلعأي نفس صابرة .وقال ذو الرمة :[ إذا خاف شيئا وقرنه طبيعة ] عروف لما خطت عليه المقادر[ ص: 385 ] أي صبور على قضاء الله ، فسمي بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم ، وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد ، لإقامة هذه العبادة .الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال ، وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل ، إلا مالك بن أنس فإنه قال : لا بد أن يأخذ من الليل شيئا ، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه ، والحجة للجمهور مطلق قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات ولم يخص ليلا من نهار ، وحديث عروة بن مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جمع ، فقلت يا رسول الله ، جئتك من جبلي طيئ أكللت مطيتي ، وأتعبت نفسي ، والله إن تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج يا رسول الله ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه .
أخرجه غير واحد من الأئمة ، منهم أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ له وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال أبو عمر : حديث عروة بن مضرس الطائي حديث ثابت صحيح ، رواه جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس ، منهم إسماعيل بن أبي خالد وداود بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر ومطرف ، كلهم عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام ، وحجة مالك من السنة الثابتة : حديث جابر الطويل ، خرجه مسلم ، وفيه : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأفعاله على الوجوب ، لا سيما في الحج وقد قال : خذوا عني مناسككم .الرابعة : واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه مع صحة الحج ، فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم : عليه دم ، وقال الحسن البصري : عليه هدي ، وقال ابن جريج : عليه بدنة ، وقال مالك : عليه [ ص: 386 ] حج قابل ، والهدي ينحره في حج قابل ، وهو كمن فاته الحج .
فإن عاد إلى عرفة حتى يدفع بعد مغيب الشمس فقال الشافعي : لا شيء عليه ، وهو قول أحمد وإسحاق وداود ، وبه قال الطبري ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا يسقط عنه الدم وإن رجع بعد غروب الشمس ، وبذلك قال أبو ثور .الخامسة : ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر عليه أفضل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وقف إلى أن دفع منها بعد غروب الشمس ، وأردف أسامة بن زيد وهذا محفوظ في حديث جابر الطويل وحديث علي ، وفي حديث ابن عباس أيضا .
قال جابر : ( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة بن زيد خلفه .
.
.
) الحديث .
فإن لم يقدر على الركوب وقف قائما على رجليه داعيا ، ما دام يقدر ، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف ، وفي الوقوف راكبا مباهاة وتعظيم للحج ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .
قال ابن وهب في موطئه قال لي مالك : الوقوف بعرفة على الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما ، قال : ومن وقف قائما فلا بأس أن يستريح .السادسة : ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أسامة بن زيد أنه عليه السلام كان إذا أفاض من عرفة يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام بن عروة : والنص فوق العنق وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن دونهم ; لأن في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها ، ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة ، وتلك سنتها ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .السابعة : ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف ، قال صلى الله عليه وسلم : [ ص: 387 ] ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل ، وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر .
قال ابن عبد البر : هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله ، ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث علي بن أبي طالب ، وأكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة ، وبطن محسر من المزدلفة ، وكذلك نقلها الحفاظ الثقات الأثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر .
قال أبو عمر : واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعرنة ، فقال مالك فيما ذكر ابن المنذر عنه : يهريق دما وحجه تام ، وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك ، وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت ، وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة ، وروي عن ابن عباس قال : من أفاض من عرنة فلا حج له ، وهو قول ابن القاسم وسالم ، وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي ، قال وبه أقول : لا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به .
قال ابن عبد البر : الاستثناء ببطن عرنة من عرفة لم يجئ مجيئا تلزم حجته ، لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع ، وحجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع معين ، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين ، ولا يقين مع الاختلاف .
وبطن عرنة يقال بفتح الراء وضمها ، وهو بغربي مسجد عرفة ، حتى لقد قال بعض العلماء : إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة ، وحكى الباجي عن ابن حبيب أن عرفة في الحل ، وعرنة في الحرم .
قال أبو عمر : وأما بطن محسر فذكر وكيع : حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في بطن محسر .الثامنة : ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة ، تشبيها بأهل عرفة .
روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال : أول من صنع ذلك ابن عباس بالبصرة .
يعني اجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة ، وقال موسى بن أبي عائشة : رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه ، وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار ، [ ص: 388 ] يجتمعون يوم عرفة ، فقال : أرجو ألا يكون به بأس ، قد فعله غير واحد : الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع ، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة .التاسعة : في فضل يوم عرفة : يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم ، يكفر الله فيه الذنوب العظام ، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال ، قال صلى الله عليه وسلم : صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية .
أخرجه الصحيح ، وقال صلى الله عليه وسلم : أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء ، وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر .
قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله ؟
قال : أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة .
قال أبو عمر : روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد بن كريز عن أبيه ، ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره وليس بشيء ، والصواب ما في الموطأ ، وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : حدثنا حاتم بن [ ص: 389 ] نعيم التميمي أبو روح قال حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال حدثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة ، وأكثر الدعاء فأجابه : إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها .
قال : يا رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية ، فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه : إني قد غفرت لهم ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : تبسمت يا رسول الله في ساعة لم تكن تتبسم فيها ؟
فقال : تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثي التراب على رأسه ويفر ، وذكر أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسؤال ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلا الله إلا غفر له .
قال أبو عمر : هذا حديث غريب من حديث مالك ، وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه وأبو عبد الغني لا أعرفه ، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد ، وإنما كانوا يتشددون في أحاديث الأحكام .العاشرة : استحب أهل العلم صوم يوم عرفة إلا بعرفة .
روى الأئمة واللفظ للترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة ، وأرسلت إليه أم الفضل بلبن فشرب .
قال : حديث حسن صحيح .
وقد روي عن ابن عمر قال : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه ، ومع عمر فلم يصمه والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوى به الرجل على الدعاء ، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة ، وأسند عن ابن عمر مثل الحديث الأول ، وزاد في آخره : ومع عثمان فلم يصمه ، [ ص: 390 ] وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه ، حديث حسن ، وذكره ابن المنذر .
وقال عطاء في صوم يوم عرفة : أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف .
وقال يحيى الأنصاري : يجب الفطر يوم عرفة ، وكان عثمان بن أبي العاصي وابن الزبير وعائشة يصومون يوم عرفة .
قال ابن المنذر : الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إلي ، اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصوم بغير عرفة أحب إلي ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن صوم يوم عرفة فقال : يكفر السنة الماضية والباقية ، وقد روينا عن عطاء أنه قال : من أفطر يوم عرفة ليتقوى على الدعاء فإن له مثل أجر الصائم .الحادية عشرة : في قوله تعالى : فاذكروا الله عند المشعر الحرام أي اذكروه بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام ، ويسمى جمعا لأنه يجمع ثم المغرب والعشاء ، قاله قتادة ، وقيل : لاجتماع آدم فيه مع حواء ، وازدلف إليها ، أي دنا منها ، وبه سميت المزدلفة .
ويجوز أن يقال : سميت بفعل أهلها ; لأنهم يزدلفون إلى الله ، أي يتقربون بالوقوف فيها .
وسمي مشعرا من الشعار وهو العلامة ; لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به ، والدعاء عنده من شعائر الحج ، ووصف بالحرام لحرمته .الثانية عشرة : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا ، وأجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - أن السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء ، واختلفوا فيمن صلاها قبل أن يأتي جمعا ، فقال مالك : من وقف مع الإمام ودفع بدفعه فلا يصلي حتى يأتي المزدلفة فيجمع بينها ، واستدل على ذلك بقوله لأسامة بن زيد : الصلاة أمامك .
قال ابن حبيب : من صلى قبل أن يأتي المزدلفة دون عذر يعيد متى ما علم ، بمنزلة من قد صلى قبل الزوال ، لقوله عليه السلام : الصلاة أمامك ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال أشهب : لا إعادة عليه ، إلا أن يصليهما قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها ، وبه قال الشافعي ، وهو الذي نصره القاضي أبو الحسن ، واحتج له بأن هاتين صلاتان سن الجمع بينهما ، [ ص: 391 ] فلم يكن ذلك شرطا في صحتهما ، وإنما كان على معنى الاستحباب ، كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة ، واختار ابن المنذر هذا القول ، وحكاه عن عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبي ثور ويعقوب ، وحكي عن الشافعي أنه قال : لا يصلي حتى يأتي المزدلفة ، فإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما .الثالثة عشرة : ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق فقد قال ابن حبيب : لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق [ لا لإمام ولا غيره حتى يغيب الشفق ] لقوله عليه السلام : الصلاة أمامك ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق [ ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق ] فلا يجوز أن يؤتى بها قبله ، ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه .الرابعة عشرة : وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام ، أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام فقد قال ابن المواز : من وقف بعد الإمام فليصل كل صلاة لوقتها ، وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام : إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما ، وقال ابن القاسم فيمن وقف بعد الإمام : إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة ، وإلا صلى كل صلاة لوقتها ، فجعل ابن المواز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره ، وراعى مالك الوقت دون المكان ، واعتبر ابن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان ، فإذا خاف فوات الوقت المختار بطل اعتبار المكان ، وكان مراعاة وقتها المختار أولى .الخامسة عشرة : اختلف العلماء في هيئة الصلاة بالمزدلفة على وجهين : أحدهما : الأذان والإقامة ، والآخر : هل يكون جمعهما متصلا لا يفصل بينهما بعمل ، أو يجوز العمل بينهما وحط الرحال ونحو ذلك ، فأما الأذان والإقامة فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين .
أخرجه الصحيح من حديث جابر الطويل ، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وابن المنذر .
وقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين ، وكذلك الظهر والعصر بعرفة ، إلا أن ذلك في أول وقت الظهر بإجماع .
قال أبو عمر : لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه ، ولكنه روي عن عمر بن الخطاب ، وزاد ابن المنذر ابن مسعود ، ومن الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن في [ ص: 392 ] الصلاتين بمزدلفة وعرفة أن الوقت لهما جميعا وقت واحد ، وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل صلاة تصلى في وقتها لم تكن واحدة منهما أولى بالأذان والإقامة من الأخرى ; لأن ليس واحدة منهما تقضى ، وإنما هي صلاة تصلى في وقتها ، وكل صلاة صليت في وقتها سنتها أن يؤذن لها وتقام في الجماعة ، وهذا بين ، والله أعلم ، وقال آخرون : أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة ، وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة .
قالوا : وإنما أمر عمر بالتأذين الثاني لأن الناس قد تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم .
قالوا : وكذلك نقول إذا تفرق الناس عن الإمام لعشاء أو غيره ، أمر المؤذنين فأذنوا ليجمعهم ، وإذا أذن أقام .
قالوا : فهذا معنى ما روي عن عمر ، وذكروا حديث عبد الرحمن بن يزيد قال : كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين ، وفي طريق أخرى وصلى كل صلاة بأذان وإقامة ، ذكره عبد الرزاق ، وقال آخرون : تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة ولا أذان في شيء منهما ، روي عن ابن عمر وبه قال الثوري ، وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة وقال آخرون : تصلى الصلاتان جميعا بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة ، وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة ، لم يجعل بينهما شيئا ، وروي مثل هذا مرفوعا من حديث خزيمة بن ثابت ، وليس بالقوي ، وحكى الجوزجاني عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين ، يؤذن للمغرب ويقام للعشاء فقط ، وإلى هذا ذهب الطحاوي لحديث جابر ، وهو القول الأول وعليه المعول .
وقال آخرون : تصلى بإقامتين دون أذان لواحدة منهما ، وممن قال ذلك الشافعي وأصحابه وإسحاق وأحمد بن حنبل في أحد قوليه ، وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ، واحتجوا بما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء ، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة لكل واحدة منهما ولم يصل بينهما شيئا قال أبو عمر : والآثار عن ابن عمر في هذا القول من أثبت ما روي عنه في هذا الباب ، ولكنها محتملة للتأويل ، وحديث جابر لم يختلف فيه ، فهو أولى ، ولا مدخل في هذه المسألة للنظر ، وإنما فيها الاتباع .السادسة عشرة : وأما الفصل بين الصلاتين بعمل غير الصلاة فثبت عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ، ثم [ ص: 393 ] أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت الصلاة فصلاها ، ولم يصل بينهما شيئا في رواية : ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا وقد ذكرنا آنفا عن ابن مسعود أنه كان يجعل العشاء بين الصلاتين ، ففي هذا جواز الفصل بين الصلاتين بجمع ، وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة : أيبدأ بالصلاة أو يؤخر حتى يحط عن راحلته ؟
فقال : أما الرحل الخفيف فلا بأس أن يبدأ به قبل الصلاة ، وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك ، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط عن راحلته ، وقال أشهب في كتبه : له حط رحله قبل الصلاة ، وحطه له بعد أن يصلي المغرب أحب إلي ما لم يضطر إلى ذلك ، لما بدابته من الثقل ، أو لغير ذلك من العذر ، وأما التنفل بين الصلاتين فقال ابن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من السنة ألا يتطوع بينهما الجامع بين الصلاتين ، وفي حديث ابن أسامة : ولم يصل بينهما شيئا .السابعة عشرة : وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور ، واختلفوا فيما يجب على من لم يبت بالمزدلفة ليلة النحر ولم يقف بجمع ، فقال مالك : من لم يبت بها فعليه دم ، ومن قام بها أكثر ليله فلا شيء عليه ; لأن المبيت بها ليلة النحر سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ، لا فرض ، ونحوه قول عطاء والزهري وقتادة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي فيمن لم يبت ، وقال الشافعي : إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه ، وإن خرج قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى ، والفدية شاة ، وقال عكرمة والشعبي والنخعي والحسن البصري : الوقوف بالمزدلفة فرض ، ومن فاته جمع ولم يقف فقد فاته الحج ، ويجعل إحرامه عمرة ، وروي ذلك عن ابن الزبير وهو قول الأوزاعي ، وروي عن الثوري مثل ذلك ، والأصح عنه أن الوقوف بها سنة مؤكدة ، وقال حماد بن أبي سليمان .
من فاتته الإفاضة من جمع فقد فاته الحج ، وليتحلل بعمرة ثم ليحج قابلا ، واحتجوا بظاهر الكتاب والسنة ، فأما الكتاب فقول الله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ومن لم يدرك ذلك فلا حج له .
ذكره ابن المنذر ، وروى الدارقطني عن عروة بن مضرس : قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت له : يا رسول الله ، هل لي من حج ؟
فقال : من صلى معنا [ ص: 394 ] هذه الصلاة ثم وقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه .
قال الشعبي : من لم يقف بجمع جعلها عمرة ، وأجاب من احتج للجمهور بأن قال : أما الآية فلا حجة فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت ، إذ ليس ذلك مذكورا فيها ، وإنما فيها مجرد الذكر ، وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام ، فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صلب الحج فشهود الموطن أولى بألا يكون كذلك .
قال أبو عمر : وكذلك أجمعوا أن الشمس إذا طلعت يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجمع ، وأن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع الشمس فقد أدرك ، ممن يقول إن ذلك فرض ، ومن يقول إن ذلك سنة ، وأما حديث عروة بن مضرس فقد جاء في بعض طرقه بيان الوقوف بعرفة دون المبيت بالمزدلفة ، ومثله حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، وأتاه ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه رواه النسائي قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان - يعني الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت .
.
.
، فذكره ، ورواه ابن عيينة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيام منى ثلاثة ؛ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ، وقوله في حديث عروة : من صلى صلاتنا هذه ، فذكر الصلاة بالمزدلفة ، فقد أجمع العلماء أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصل مع الإمام حتى فاتته إن حجه تام ، فلما كان حضور الصلاة مع الإمام ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك .
قالوا : فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة .الثامنة عشرة : قوله تعالى : واذكروه كما هداكم كرر الأمر تأكيدا ، كما تقول : ارم .
ارم ، وقيل : الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص وقيل : المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها ، ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر [ ص: 395 ] قدر الإنعام فقال : وإن كنتم من قبله لمن الضالين والكاف في " كما " نعت لمصدر محذوف ، و " ما " مصدرية أو كافة والمعنى : اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه .
و " إن " مخففة من الثقيلة ، يدل على ذلك دخول اللام في الخبر ، قاله سيبويه .
الفراء : نافية بمعنى ما ، واللام بمعنى إلا ، كما قال :ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة الرحمنأو بمعنى قد أي قد كنتم ، ثلاثة أقوال والضمير في " قبله " عائد إلى الهدى ، وقيل إلى القرآن ، أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين .
وإن شئت على النبي صلى الله عليه وسلم كناية عن غير مذكور ، والأول أظهر والله أعلم .
لما أمر تعالى بالتقوى, أخبر تعالى أنَّ ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره, ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج, وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله, لا منسوبا إلى حذق العبد, والوقوف مع السبب, ونسيان المسبب, فإنَّ هذا هو الحَرَجُ بعينه.
وفي قوله: { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة, وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات, لا تكون إلا بعد الوقوف.
الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام, وهو المزدلفة, وذلك أيضا معروف, يكون ليلة النحر بائتا بها, وبعد صلاة الفجر, يقف في المزدلفة داعيا, حتى يسفر جدا, ويدخل في ذكر الله عنده, إيقاع الفرائض والنوافل فيه.
الثالث: أن الوقوف بمزدلفة, متأخر عن الوقوف بعرفة, كما تدل عليه الفاء والترتيب.
الرابع, والخامس: أن عرفات ومزدلفة, كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها, وإظهارها.
السادس: أن مزدلفة في الحرم, كما قيده بالحرام.
السابع: أن عرفة في الحل, كما هو مفهوم التقييد بـ " مزدلفة " { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } أي: اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال, وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم, التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان.
قوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله تعالى ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في مواسم الحج قرأ ابن عباس كذا ، وروي عن أبي أمامة التيمي قال قلت لابن عمر : إنا قوم نكري في هذا الوجه يعني إلى مكة فيزعمون أن لا حج لنا فقال ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون قلت بلى قال أنت حاج جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية ( ليس عليكم جناح ) أي حرج ( أن تبتغوا فضلا ) أي رزقا ( من ربكم ) يعني بالتجارة في مواسم الحج ( فإذا أفضتم ) دفعتم والإفاضة دفع بكثرة وأصله من قول العرب أفاض الرجل ماء أي صبه ( من عرفات ) هي جمع عرفة جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة فقال عطاء : كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت فيقول : عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة وقال الضحاك : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم يوم عرفة والموضع عرفات وقال السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له ، فخرج فلما بلغ الجمرة عند العقبة استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر ، فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه ، وكبر فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع أي قرب إلى جمع فسمي المزدلفة .
وروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي فكر أمن الله تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان فسمي اليوم يوم التروية ، ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي اليوم يوم عرفة وقيل سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم وقيل سمي بذلك من العرف وهو الطيب وسمي منى لأنه يمنى فيه الدم أي يصب فيكون فيه الفروث والدماء ولا يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة عنها فتكون طيبة قوله تعالى : ( فاذكروا الله ) بالدعاء والتلبية ( عند المشعر الحرام ) ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر وسمي مشعرا من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج وأصل الحرام من المنع فهو ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه وسمي المزدلفة جمعا لأنه يجمع فيه بين صلاتي العشاء والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس ومن جمع قبل طلوعها من يوم النحر قال طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن مزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول : " دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة يا رسول الله قال فقال الصلاة أمامك فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا " .
وقال جابر : " دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ، ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا زهير بن حرب أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا أبي عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى قال فكلاهما قال لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة " .
قوله تعالى : ( واذكروه كما هداكم ) أي واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه ( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) أي وقد كنتم وقيل وما كنتم من قبله إلا من الضالين كقوله تعالى : " وإن نظنك لمن الكاذبين " ( 186 - الشعراء ) أي وما نظنك إلا من الكاذبين والهاء في قوله من قبله راجعة إلى الهدى ، وقيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كناية عن غير مذكور .
«ليس عليكم جناح» في «أن تبتغوا» تطلبوا «فضلا» رزقا «من ربكم» بالتجارة في الحج نزل ردا لكراهيتهم ذلك «فإذا أفضتم» دفعتم «من عرفات» بعد الوقوف بها «فاذكروا الله» بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء «عند المشعر الحرام» هو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جدا رواه مسلم «واذكروه كما هداكم» لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل «وإن» مخففة «كنتم من قبله» قبل هداه «لمن الضالين».
ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج.
فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من "عرفات" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -"المزدلفة"-، واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه، ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق.
ثم بين - سبحانه - أن التزود بالزاد الروحي لا يتنافى مع التزود يا لزاد المادي متى توافرت التقوى ، فقال - تعالى - : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) .الجناح : أصله من جنح الشيء إذا مال : يقال جنحت السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها والمراد بالجناح هنا الإِثم والذنب ، لأنه لما كان الإِثم يميل بالإِنسان عن الحق إلى الباطل سمى جناحاً .والابتغاء : الطلب بشدة ، وجملة ( أَن تَبْتَغُواْ ) في موضع جر بتقدير في .والفضل : الزيادة وتكون في الخير والشر إلأا أنه جرى العرف أن يعبر عن الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزيادة القبيحة بالفضول .والمراد به هنا : المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة المشروعة أو غيرها من وجوه الرزق الحلال .أي : لا إثم ولا حرج عليهكم في أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيباً عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة في موسم الحج .وقد ذكر المفسرون أن الناس كانوا يتحاشون من التجارة في الحج ، حتى إنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء في العشر الأوائل من ذي الحجة ، فنزلت هذه الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم في ذلك .روى البخاري عن ابن عباس قال : كان ذو المجاز وعظام متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإِسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) .وقال ابن كثير : وروى الإِمام أحمد عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا نُكْرَى فهل لنا من حج؟
قال : أليس تطوفون بالبيت وترمون الجمخار وتحلقون رءوسكم وتقضون المناسك قال : قلت بلى .
فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له " أنتم حجج " .فالآية الكريمة صريحة في إباحة طلب الرزق لمن هو في حاجة إلأى ذلك في موسم الحج ، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله .ثم قال - تعالى - : ( فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ) .الفاء في قوله : فإذا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل في قوله : ( فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج .
.
) وأفضتم .
اندفعتم بكثرة متزاحمين .
وذلك تشبيه لهم بالماء إذا كثر ودفع بعضه بعضاً فانتشر وسال من حافتي الوادي والإِناء والإِفاضة في الحديث الاندافع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه ومنه قوله - تعالى - ( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء بكثرة حتى يتفرق .والتقدير : أفضتم أنفسكم فحذف المفعول للعلم به .والمراد : خروجهم من عرفات بشيء ، من السرعة في تكاثر وازدحام متجهين إلى المزدلفة .وعرفات : اسم للجبل المعروف ، قيل سمي بذل كلأن الناس يتعارفون به فهم يجتمعون عليه في وقت واحد فيجري التعارف بينهم .وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففي الحديث الشريف " الحج عرفة " ويكون ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة .قال القرطبي : أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد ذلك قبل الزوال .
وأجمعوا على تمام الحج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال : لابد أن يأخذ من الليل شيئاً ، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه .
والحجة للجمهور مطلق قوله : ( فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ ) : فإنه لم يختص ليلا من نهار .
وحديث عروة بن مضرس قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جَمْع - أي من المزدلفة - قلت : يا رسول الله ، جئتك من جبل طيء أكللت مطيتي وأتعبت نفسي .
.
فهل لي من حج يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهاراً فقد تم "ومن في قوله : ( مِّنْ عَرَفَاتٍ ) ابتدائية .
أي ، فإذا أفضتم خارجين من عرافت إلى المشعر الحرام .والمشعر الحرام : هو المزدلفة وقيل هو موضع بها .
والمشعر : اسم مشتق من الشعور أي : العلم ، أو من الشعار أي : العلامة .ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم ، وهو منسك له حرمة وتقديس .والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى .وتسمى المزدلفة - أيضاً - " جَمْع " لاجتماع الناس في هذا المكان أو جمعهم فيه بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير .
وتسمى كذلك " قزح " .ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن ، ومن فاته لا يبطل حجه ويجب عليه دم .ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة .ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات .والمعنى : فإذا سرتم - يا معشر الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة ، ونفوس صافية ، لأن ذكر الله - تعالى - في تلك المواطن المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات ، ويوصل إلى أعلا المقامات .ثم قال - تعالى - : ( واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ) الكاف للتشبيه : ومعنى التشبيه في مثل هذا التركيب المشابهة في التساوي في الحسن والكمال .
كما تقول : اخدمه كما أكرمك تعني : لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه .والمعنى : اذكروا الله - تعالى - ذكراً حسناً مماثلا لهدايته لكم ، وأنتم تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها خرجتم من الظلمات إلى النور ، فيجب عليهكم أن تكثروا من ذكر الله ومن الثناء عليه .قال الآلوسي : و " ما " تحتمل أن تكون مصدرية فمحل ( كَمَا هَدَاكُمْ ) النصب على المصدرية ، بحذف الموصوف .
أي : ذكراً مماثلا لهداكم .
.
.
وتحتمل أن تكون كافلة فلا محل لها من الإِعراب .
والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة ، لذا لا تطلب عاملا تفضي بمعناه إلى مدخولها .
وقيل : إن الكاف للتعليل ، وما مصدرية .
أي ، اكذروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه - تعالى - لكم .و ( وَإِن ) في قوله : ( وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين ) هي المخففة من الثقيلة والضمير في ( مِّن قَبْلِهِ ) يعود إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية وما دخلت عليه .والمراد بالضلال هنا : الجهل بالإِيمان وبالتكاليف التي كلف الله بها عباده .أي : اذكروا الله - تعالى - ذكراً مشابهاً لهدايته لكم ، وإنكم لولا هذه الهداية فأكثروا من ذكره وشكره عليها .
فيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف والتقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلاً والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه: أحدها: أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج.
وثانيها: أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية.
وثالثها: أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سبباً لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سبباً لحرمة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى.
ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلاً عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج، فلهذا السبب بين الله تعالى هاهنا أن التجارة جائزة غير محرمة، فإذا عرفت هذا فنقول: المفسرون ذكروا في تفسير قوله: ﴿ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ وجهين: الأول: أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان الأول: ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ: (أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ فِي مواسم الحج) والثاني: الروايات المذكورة في سبب النزول.
فالرواية الأولى: قال ابن عباس: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج: الداج ويقولون: هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج: المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا جناح في التجارة، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها أيضاً في الحج، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره.
والرواية الثانية: ما روي عن ابن عمر أن رجلاً قال له إنا قوم نكري وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ فدعاه وقال: أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت رداً على من يقول: لا حج للتجار والأجراء والجمالين.
والرواية الثالثة: أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
والرواية الرابعة: قال مجاهد: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولامنى، فنزلت هذه الآية.
إذا ثبت صحة هذا القول فنقول: أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال والتقدير: فاتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ﴾ .
واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه: أحدها: الفاء في قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج.
وثانيها: أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لاعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة في زمن الحج، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة.
أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه: أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجاً لا يقال: بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية، لأنا نقول: هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطاً.
القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجاً أعمالاً أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله: لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات.
والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ والقصر بالإتفاق من المندوبات، وأيضاً فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللاً في الحج ونقصاً فيه، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله: ﴿ لا جناح عَلَيْكُمْ ﴾ .
المسألة الثالثة: اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصاناً في الطاعة لم تكن مباحة، أما إن لم توقع نقصاناً ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص.
قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جمعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ ومنه يقال للناس: فوض، وأيضاً جمعهم فوضى ويقال: أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق.
فقوله تعالى: ﴿ أَفَضْتُمْ ﴾ أي دفعتم بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا وصبوا، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه.
المسألة الثانية: ﴿ عرفات ﴾ جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير: كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات، فإن قيل: هلا منعت من الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث قلنا: هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن علماً ثم جعلت علماً لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف.
المسألة الثالثة: اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوهاً أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما: من روي يروي تروية، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني: من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول: ففيه ثلاثة أقوال أحدها: أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر فقال: رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟
قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك، قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به، قال: زدني قال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك، قال: حسبي يا رب حسبي.
وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكراً هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان؟
فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.
وثالثها: أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات.
أما القول الثاني: وهو اشتقاقه من تروية الماء، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني: أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث: أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى: ﴿ والشفع والوتر ﴾ عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة، والوتر يوم النحر، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال: صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام.
وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء، خمسة منها مختصة به، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره، أما الخمسة الأولى فأحدها: عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مشتق من المعرفة، وفيه ثمانية أقوال الأول: قول ابن عباس: إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى اليوم عرفة، والموضع عرفات، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بنيسان، والحية بأصفهان، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا.
وثانيها: أن آدم علمه جبريل مناسك الحج، فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟
قال نعم، فسمى عرفات.
وثالثها: قول علي وابن عباس وعطاء والسدي: سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
ورابعها: أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له: أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف؟
قال نعم.
وخامسها: أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات.
وسادسها: ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام.
وسابعها: أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا.
وثامنها: أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
القول الثاني: في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما.
والقول الثالث: أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى: ﴿ يُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي طيبها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة، قال عليه الصلاة والسلام: «خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك».
الثاني: يوم إياس الكفار من دين الإسلام.
الثالث: يوم إكمال الدين.
الرابع: يوم إتمام النعمة.
الخامس: يوم الرضوان، وقد جمع الله تعالى هذه الأشياء في أربع آيات، في قوله: ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ الآية، قال عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية عرفة، وكان يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام، وذلك في حجة الوداع، وقد اضمحل الكفر، وهدم بنيان الجاهلية، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية لقرت أعينهم» فقال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين، كان يوم عرفة ويوم الجمعة فأما معنى: إياس المشركين: فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم، فأما معنى إكمال الدين فهو أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع، وأما إتمام النعمة فأعظم النعم نعمة الدين، لأن بها يستحق الفوز بالجنة والخلاص من النار، وقد تمت في ذلك اليوم وكذلك قال في آية الوضوء ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ ﴾ ولما جاء البشير وقدم على يعقوب، قال: على أي دين تركت يوسف؟
قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة، وأما معنى الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين، وقيل: هذا اليوم يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ ويوم قطيعة القاطعين ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك يتوب على أولاده ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ وهو أيضاً يوم وفد الوافدين ﴿ وَأَذّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ وفي الخبر الحاج وفد الله، والحاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره.
وأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة فأحدها: يوم الحج الأكبر قال الله تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر ﴾ وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر، واختلف الصدر الأول من الصحابة والتابعين فيه، فمنهم من قال: إنه عرفة، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف بعرفات والحج عرفة إذا لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم، فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن: سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك، وقال ابن سيرين: إنما سمي به لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم يجتمع قبله ولا بعده، ومنهم من قال: إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر مناسك الحج، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزئ في الليل وروى القولان جميعاً عن علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: الشفع.
وثالثها: الوتر.
ورابعها: الشاهد.
وخامسها: المشهود في قوله: ﴿ وشاهد وَمَشْهُودٍ ﴾ وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية.
واعلم أنه تعالى خص يوم عرفة من بين سائر أيام الحج بفضائل، منها أنه تعالى خص صومه بكثرة الثواب قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين».
وعن أنس كان يقال في أيام العشر: كل يوم بألف ويوم عرفة بعشرة آلاف بل يستحب للحاج الواقف بعرفات أن يفطر حتى يكون وقت الدعاء قوي القلب حاضر النفس.
المسألة الرابعة: اعلم أنه لابد وأن نشير إشارة حقيقية إلى ترتيب أعمال الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية، فمن دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله، فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، والسنة للإمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ذي الحجة، بعدما يصلي الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعدما يصلون الصبح إلى منى ويعلمهم تلك الأعمال، ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بها، ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها، بل يضرب فيه الإمام بنمرة وهي قريبة من عرفة، فينزلون هناك حتى تزول الشمس، فيخطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، إذا فرغ من الخطبة الأولى جلس، ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه، ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس.
واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته وموضوعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار فقد كفى، وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.
وفي تسمية المزدلفة أقوال: أحدها: أنهم يقربون فيها من منى والإزدلاف القرب والثاني: أن الناس يجتمعون فيها والإجتماع الإزدلاف والثالث: أنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة: جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب، وهذا قول قتادة، وقيل إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، ثم إذا أتى الإمام المزدلفة: جمع المغرب والعشاء بإقامتين، ثم يبيتون بها، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة، فإذا طلع الفجر صلوا صلاة الصبح بغلس والتغليس بالفجر هاهنا أشد استحباباً منه في غيرها، وهو متفق عليه، فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان منها سبعين حصاة، ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقال له قزح، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما يلي منى، فيرقى فوقه إن أمكنه، أو وقف بالقرب منه إن لم يمكنه، وبحمد الله تعالى يهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلوع الشمس ويكفي المرور كما في عرفة، ثم يذهبون منه إلى وادي محسر فإذا بلغوا بطن محسر فيستحب لمن كان راكباً أن يحرك دابته، ومن كان ماشياً أن يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر، فإذا أتوا منى رموا جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي، فإذا رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه، لأنه ربما لا يكون معه هدي، ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر والتقصير أن يقطع أطراف شعوره، ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة، ويصلي ركعتي الطواف، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعودون إلى منى في بقية يوم النحر وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي، واتفقوا على أنه متى حصل الرمي والحلق والطواف فقد حصل التحلل، والمراد من التحلل حل اللبس والتقليم والجماع، فهذا هو الكلام في أعمال الحج والله أعلم.
المسألة الخامسة: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه السلام، وذلك أن قريشاً وقوماً آخرين سموا أنفسهم بالحمس، وهم أهل الشدة في دينهم، والحماسة الشدة يقال: رجل أحمس وقوم حمس، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض، فأمر الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، والآية لا دلالة فيها على ذلك، بل السنة دلت على هذه الأحكام.
المسألة السادسة: الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به فلم يكن آتياً بالحج المأمور به، فوجب أن لا يخرج عن العهدة وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطاً أقصى ما في الباب أن الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه، وإنما يعدل عنه بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب، إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة.
المسألة السابعة: قوله: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ يدل أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة، فأما الوقوف هناك فمسنون، وروي عن علقمة والنخعي أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له صريحاً في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة، والمشعر الحرام فيه أمر جزم، وقال جمهور الفقهاء: إنه ليس بركن، واحتجوا بقوله عليه السلام: «الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه» وبقوله: «من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج» قالوا: وفي الآية إشارة إلى ما قلنا لأن الله تعالى قال: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ أمر بالذكر لا بالوقوف، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام تبع للذكر، وليس بأصل، وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ ولم يقل من الذكر بعرفات.
المسألة الثامنة: ﴿ المشعر ﴾ المعلم وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلان، أي ليت علمي بلغه وأحاط به، وشعار الشيء أعلامه، فسمى الله تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام، لأنه معلم من معالم الحج، ثم اختلفوا فقال قائلون: المشعر الحرام هو المزدلفة، وسماها الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده، هكذا قاله الواحدي في البسيط قال صاحب الكشاف: الأصح أنه قزح، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة.
المسألة التاسعة: اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكراً قال الله تعالى: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ والدليل عليه أن قوله: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ أمر وهو للوجوب، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا، وأما الجمهور فقالوا: المراد منه ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال: كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون.
أما قوله تعالى: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما قال: ﴿ اذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ فلم قال مرة أخرى ﴿ واذكروه ﴾ وما الفائدة في هذا التكرير؟.
والجواب من وجوه: أحدها: أن مذهبنا أن أسماء الله تعالى توقيفية لا قياسية فقوله أولاً: ﴿ اذكروا الله ﴾ أمر بالذكر، وقوله ثانياً: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا وأمرنا أن نذكره بها، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس.
وثانيها: أنه تعالى أمر بالذكر أولاً، ثم قال ثانياً: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم الله لدين الإسلام، فكأنه تعالى قال: إنما أمرتكم بهذا الذكر لتكونوا شاكرين لتلك النعمة، ونظيره ما أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان، فقال: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ ﴾ وقال في الأضاحي: ﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ ﴾ .
وثالثها: أن قوله أولاً: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ أمر بالذكر باللسان وقوله ثانياً: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أمر بالذكر بالقلب، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان أحدهما: ذكر هو ضد النسيان والثاني: الذكر بالقول، فما هو خلاف النسيان قوله: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله: ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات ﴾ فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين فالأول: محمول على الذكر باللسان والثاني: على الذكر بالقلب، فإن بهما يحصل تمام العبودية.
ورابعها: قال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته.
وخامسها: يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكراً بعد ذكر، كما هداكم هداية بعد هداية، ويرجع حاصله إلى قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ﴾ .
وسادسها: أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة، ثم قال بعده: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام، بل عن من سواه فيصير مستغرقاً في نور جلاله وصمديته، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكراً له ومشتغلاً بالثناء عليه، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال، ومن أراد أن يصل إليه، فليكن من الواصلين إلى العين، دون السامعين للأثر.
ورابعها: أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، والمراد بالذكر الثاني: الاشتغال بشكر نعمائه، والشكر مشتمل أيضاً على الذكر، فصح أن يسمى الشكر ذكراً، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية، فقال: ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر.
وثامنها: أنه تعالى لما قال: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ يعني اذكروه على كل حال، وفي كل مكان، لأن هذا الذكر إنما وجب شكراً على هدايته، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمراً غير منقطع.
وتاسعها: أن قوله: ﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك، ثم قوله: ﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ والمراد منه التهليل والتسبيح.
السؤال الثاني: ما المراد من الهداية في قوله: ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ؟.
الجواب: منهم من قال: إنها خاصة، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه.
السؤال الثالث: الضمير في قوله: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟.
الجواب: يحتمل أن يكون راجعاً إلى ﴿ الهدى ﴾ والتقدير: وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين، وقال بعضهم: إنه راجع إلى القرآن، والتقدير: واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالين ﴾ فقال القفال رحمة الله عليه: فيه وجهان: أحدهما: وما كنتم من قبله إلا الضالين والثاني: قد كنتم من قبله من الضالين، وهو كقوله: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ عطاء منه وتفضلاً، وهو النفع والربح بالتجارة، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة الداجّ.
ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم.
وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة، وعن ابن عمر رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت فلم يردّ عليه، حتى نزل ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ .
(أَنْ تبتغوا) في أن تبتغوا ﴿ أَفَضْتُمْ ﴾ دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: «صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه» ويقال: أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه.
و ﴿ عرفات ﴾ علم للموقف سمي بجمع كأذرعات.
فإن قلت: هلا مُنعت الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث؟
قلت: لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد؛ فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها، لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا يقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها.
وقالوا: سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها.
وقيل: إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها فقال: قد عرفت.
وقيل: التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا.
وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها والله أعلم بحقيقة ذلك، وهي من الأسماء المرتجلة لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف.
وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ﴿ فاذكروا الله ﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات.
وقيل: بصلاة المغرب والعشاء.
و ﴿ المشعر الحرام ﴾ قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل، لما روى جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلّى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقوله تعالى: ﴿ عِندَ المشعر الحرام ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر.
أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر: المعلم، لأنه معلم العبادة.
ووصف بالحرم لحرمته.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون.
وقيل: سميت المزدلفة وجمعاً: لأنّ آدم صلوات الله عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها.
وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقرّبون بالوقوف فيها ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ما مصدرية أو كافة.
والمعنى: واذكروهُ ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أواذكروه كما علمكم كيف تذكرونه، لا تعدلوا عنه ﴿ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ ﴾ من قبل الهدى ﴿ لَمِنَ الضالين ﴾ الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
وإِن هي مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾ ثم لتكن إفاضتكم ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ ولا تكن من المزدلفة.
وذلك لما كان عليه الحمس من الترفع على الناس والتعالي عليهم وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف.
وقولهم: نحن أهل الله وقطان حرمه فلا تخرج منه، فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات؟
فإن قلت: فكيف موقع ثم؟
قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبُعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ.
وقيل: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس، أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات.
وقرئ: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين أي الناسي وهو آدم، من قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آد م مِن قَبْلُ فَنَسِىَ ﴾ [طه: 115] يعني أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه ﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم ﴾ أي فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ ﴾ فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم.
وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم.
﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كَذِكْرِكُمْ ﴾ كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكراً.
أو في موضع نصب عطف على آباءكم، بمعنى أو أشدّ ذكراً من آبائكم، على أن ذكراً من فعل المذكور ﴿ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ﴾ معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين ﴿ آتنا فِي الدنيا ﴾ اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة ﴿ وَمَا لَهُ فِي الاخرة مِنْ خلاق ﴾ أي من طلب خلاقي وهو النصيب.
أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا.
والحسنتان ما هو طلبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير، وطلبتهم في الآخرة من الثواب.
وعن علي رضي الله عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار: امرأة السوء.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
أو من أجل ما كسبوا، كقوله: ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ [نوح: 25] .
أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة.
وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب: بما كسبت أيديكم.
ويجوز أن يكون (أولئك) للفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد.
فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.
روي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة.
وروى في مقدار فواق ناقة.
وروي في مقدار لمحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا ﴾ أيْ في أنْ تَبْتَغُوا أيْ تَطْلُبُوا.
فَضْلًا مِن رَبِّكم عَطاءً ورِزْقًا مِنهُ، يُرِيدُ الرِّبْحَ بِالتِّجارَةِ، وقِيلَ: كانَ عُكاظٌ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقَهم في الجاهِلِيَّةِ يُقِيمُونَها مَواسِمَ الحَجِّ، وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَأثَّمُوا مِنهُ فَنَزَلَتْ.
﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ ﴾ دَفَعْتُمْ مِنها بِكَثْرَةٍ، مَن أفْضْتُ الماءَ إذا صَبَبْتَهُ بِكَثْرَةٍ.
وأصْلُهُ أفَضْتُمْ أنْفُسَكم فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في دَفَعْتُ مِنَ البَصْرَةِ.
و ﴿ عَرَفاتٍ ﴾ جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ كَأذْرَعاتَ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ وفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ لِأنَّ تَنْوِينَ الجَمْعِ تَنْوِينُ المُقابَلَةِ لا تَنْوِينُ التَّمْكِينِ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ مَعَ اللّامِ، وذَهابُ الكَسْرَةِ تَبِعَ ذَهابَ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.
أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ.
وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، أوْ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في سُعادَ ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُها لِأنَّ المَذْكُورَةَ تَمْنَعُهُ مِن حَيْثُ إنَّها كالبَدَلِ لَها لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ كَتاءِ بِنْتٍ، وإنَّما سُمِّيَ المَوْقِفُ عَرَفَةَ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا أبْصَرَهُ عَرَفَهُ أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ فَلَمّا أراهُ إيّاهُ قالَ قَدْ عَرَفْتُ، أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ التَقَيا فِيهِ فَتَعارَفا.
أوْ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيهِ.
وعَرَفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ إلّا أنْ يُجْعَلَ جَمْعَ عارِفٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِها لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ وهي مَأْمُورٌ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ أوْ مُقَدِّمَةٌ لِلذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الذِّكْرُ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ.
وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ واجِبٌ فَهو واجِبٌ مُقَيَّدٌ لا واجِبٌ مُطْلَقٌ حَتّى تَجِبَ مُقَدِّمَتُهُ والأمْرُ بِهِ غَيْرُ مُطْلَقٍ.
فاذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ.
وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ.
﴿ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ ويُسَمّى « قُزَحَ» .
وقِيلَ: ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ووادِي مُحَسِّرٍ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا صَلّى الفَجْرَ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ بِغَلَسٍ - رَكِبَ ناقَتَهُ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ فَدَعا وكَبَّرَ وهَلَّلَ، ولَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتّى أسْفَرَ» وإنَّما سُمِّيَ مَشْعَرًا لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ: ومَعْنى عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ: مِمّا يَلِيهِ ويَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ أفْضَلُ، وإلّا فالمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ.
﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ كَما عَلَّمَكُمْ، أوِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها.
وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ.
﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ الهُدى.
﴿ لَمِنَ الضّالِّينَ ﴾ أيِ الجاهِلِينَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)
ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ} في أن تبتغوا في مواسم الحج {فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ} عطاء وتفضيلا وهو النفع والربح بالتجارة والكراء {فَإِذَا أَفَضْتُم} دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول {مّنْ عرفات} هي علم للموقف سمي بجمع كازرعات وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما رآها عرفها وقيل التقى فيها آدم وحواء فتعارفا وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده {فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو
بصلاة المغرب والعشاء {عند المشعر الحرام} هو قزع وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه المقيدة والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة ووصف بالحرام لحرمته وسميت المزدلفة وجمعا لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} ما مصدرية أو كافة أى اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أو اذكروه كما علمكم
البقرة (١٩٨ _ ٢٠١)
كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه {وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ} من قبل الهدى {لَمِنَ الضالين} الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه وإن مخففة من الثقيلة واللام فارقة
﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ أيْ: حَرَجٌ في ﴿ أنْ تَبْتَغُوا ﴾ أيْ: تَطْلُبُوا ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: رِزْقًا مِنهُ - تَعالى - بِالرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ في مَواسِمِ الحَجِّ، أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «كانَتْ عُكاظُ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَتَأْثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَوْسِمِ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ،» واسْتُدِلَّ بِها عَلى إباحَةِ التِّجارَةِ والإجارَةِ وسائِرِ أنْواعِ المَكاسِبِ في الحَجِّ، وإنَّ ذَلِكَ لا يُحْبِطُ أجْرًا ولا يُنْقِصُ ثَوابًا، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ - تَعالى - لَمّا نَهى عَنِ الجِدالِ في الحَجِّ كانَ مَظِنَّةً لِلنَّهْيِ عَنِ التِّجارَةِ فِيهِ أيْضًا لِكَوْنِها مُفْضِيَةً في الأغْلَبِ إلى النِّزاعِ في قِلَّةِ القِيمَةِ وكَثْرَتِها، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حُكْمِها، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى المَنعِ عَنْها في الحَجِّ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما بَعْدَ الحَجِّ، وقالَ المُرادُ: واتَّقُونِ في كُلِّ أفْعالِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ وزَيَّفَ بِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَحَلِّ الشُّبْهَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى ما لا شُبْهَةَ فِيهِ، ومَحَلُّ الِاشْتِباهِ هو التِّجارَةُ في زَمانِ الحَجِّ، وأمّا بَعْدَ الفَراغِ فَنَفْيُ الجُناحِ مَعْلُومٌ وقِياسُ الحَجِّ عَلى الصَّلاةِ فاسِدٌ، فَإنَّ الصَّلاةَ أعْمالُها مُتَّصِلَةٌ، فَلا يَحِلُّ في أثْنائِها التَّشاغُلُ بِغَيْرِها، وأعْمالُ الحَجِّ مُتَفَرِّقَةٌ تَحْتَمِلُ التِّجارَةَ في أثْنائِها، وأيْضًا الآثارُ لا تُساعِدُ ما قالَهُ، فَقَدْ سَمِعْتَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّيْمِيِّ، قالَ «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نُكْرِي في هَذا الوَجْهِ، وإنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا حَجَّ لَنا، قالَ: ألَسْتُمْ تُلَبُّونَ؟
ألَسْتُمْ تَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟
ألَسْتُمْ ألَسْتُمْ؟
قُلْتُ: بَلى، قالَ: إنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَمّا سَألْتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ الآيَةَ فَدَعاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَتْ، وقالَ: ”أنْتُمُ الحُجّاجُ“» وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَقْرَأُ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِي وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْهُ ”لَيْسَ عَلَيْكم جَناحَ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ ﴾ ظاهِرَةٌ في أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ حَصَلَتْ عَقِيبَ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُرادَ وُقُوعُ التِّجارَةِ في زَمانِ الحَجِّ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ الدّاعِي لِلْخُرُوجِ إلى الحَجِّ هو التِّجارَةُ، أوْ كانَتْ جُزْءَ العِلَّةِ أضَرَّ ذَلِكَ بِالحَجِّ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الإخْلاصَ لِلَّهِ - تَعالى - بِهِ ولَيْسَ بِالعَبْدِ وأفَضْتُمْ مِنَ الإفاضَةِ مِن فاضَ الماءُ إذا سالَ مُنْصَبًّا، وأفَضْتُهُ أسَلْتُهُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَفْعُولُهُ مِمّا التُزِمَ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وأصْلُهُ ( أفْيَضْتُمْ ) فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ( الياءِ ) إلى ( الفاءِ ) قَبْلَهُ فَتَحَرَّكَتِ ( الياءُ ) في الأصْلِ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها الآنَ، فَقُلِبَتِ الفاءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، والمَعْنى هُنا فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم بِكَثْرَةٍ مِن عَرَفاتٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَرَفات مَوْضِعٌ بِمِنًى، وهي اسْمٌ في لَفْظِ الجَمْعِ فَلا تُجْمَعُ، قالَ الفَرّاءُ: ولا واحِدَ لَهُ بِصِحَّةٍ، وقَوْلُ النّاسِ: نَزَلْنا عَرَفَةَ شَبِيهٌ بِمُوَلَّدٍ - ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ - واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِخَبَرِ: «”الحَجُّ عَرَفَةُ“،» وأُجِيبَ بِأنَّ عَرَفَةَ فِيهِ اسْمٌ لِلْيَوْمِ التّاسِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والبَغَوِيُّ والكِرْمانِيُّ، والَّذِي أُنْكِرُهُ اسْتِعْمالَهُ في المَكانِ، فالِاعْتِراضُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ عَرَفَةَ وعَلَيْهِ صاحِبُ شَمْسِ العُلُومِ، والتَّعَدُّدُ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ تَسْمِيَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ المَكانِ عَرَفَةَ كَقَوْلِهِمْ: جَبَّ مَذاكِيرَهُ، فَلا يَرُدُّ ما قالَهُ العَلّامَةُ، مِن أنَّهُ لَوْ سَلِمَ كَوْنُ عَرَفَةَ عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَعَرَفَةُ وعَرَفاتٌ مَدْلُولُهُما واحِدٌ، ولَيْسَ ثَمَّةَ أماكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ كُلٌّ مِنها عَرَفَةُ لِتُجْمَعَ عَلى عَرَفاتٍ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ مَعَ أنَّ فِيهِ العَلَمِيَّةَ والتَّأْنِيثَ؛ لِأنَّ تَنْوِينَ جَمْعِ المُؤَنَّثِ في مُقابَلَةِ نُونِ جَمْعِ المُذَكَّرِ، فَإنَّ النُّونَ في جَمْعِ المُذَكَّرِ قائِمٌ مَقامَ التَّنْوِينِ الَّذِي في الواحِدِ في المَعْنى الجامِعِ لِأقْسامِ التَّنْوِينِ، وهو كَوْنُهُ عَلامَةَ تَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ في النُّونِ شَيْءٌ مِن مَعانِي الأقْسامِ لِلتَّنْوِينِ، فَكَذا التَّنْوِينُ في جَمْعِ المُؤَنَّثِ عَلامَةٌ لِتَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيها أيْضًا شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَعانِي سِوى المَقابَلَةِ، ولَيْسَ المَمْنُوعُ مِن غَيْرِ المُنْصَرِفِ هَذا التَّنْوِينَ، بَلْ تَنْوِينَ التَّمْكِينِ؛ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى عَدَمِ مُشابَهَةِ الِاسْمِ بِالفِعْلِ، وأنَّ ذَهابَ الكَسْرَةِ عَلى المَذْهَبِ المَرْضِيِّ تَبَعٌ لِذَهابِ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ قالَهُ الجُمْهُورَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ؛ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ لِعَدَمِ الفَرْعِيَّتَيْنِ المُعْتَبَرَتَيْنِ؛ إذِ التَّأْنِيثُ المُعْتَبَرُ مَعَ العَلَمِيَّةِ في مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ، وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ بَلْ عَلامَةَ الجَمْعِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في زَيْنَبَ، واخْتِصاصُ هَذِهِ التّاءِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ يَأْبى تَقْدِيرَ تاءٍ لِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ الجَمْعِ بَيْنَ عَلامَتَيْ تَأْنِيثٍ، فَهَذِهِ التّاءُ كَتاءِ بِنْتٍ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ عِوَضٌ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ، واخْتُصَّتْ بِالمُؤَنَّثِ، فَمَنَعَتْ تَقْدِيرَ التّاءِ، فَعَلى هَذا لَوْ سُمِّيَ بِمُسْلِماتٍ وبِنْتٍ مُؤَنَّثٌ كانَ مُنْصَرِفًا، وقَوْلُ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنعُ صَرْفِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ الِاقْتِضاءُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وكَذا ما قالَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ التَّأْنِيثَ لِمَنعِ الصَّرْفِ لا يَسْتَدْعِي قُوَّةً، ألا يَرى أنَّ طَلْحَةَ يُعْتَبَرُ تَأْنِيثُهُ لِمَنعِ الصَّرْفِ، ولا يُعْتَبَرُ لِتَأْنِيثِ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ بِناءَ الِاسْتِدْلالِ لَيْسَ عَلى اعْتِبارِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، بَلْ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ، نَعَمْ يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْنِيثٌ لَما التَزَمَ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ، ويُجابُ بِأنَّ اخْتِصاصَ هَذا الوَزْنِ بِالمُؤَنَّثِ يَكْفِي لِإرْجاعِ الضَّمِيرِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُجُودُ التّاءِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَكانُ المَخْصُوصُ بِلَفْظٍ يُنْبِئُ عَنِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعَرَّفَهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ اجْتَمَعا فِيهِ فَتَعارَفا، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِآدَمَ فِيهِ: اعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ واعْرِفْ مَناسِكَكَ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، ومِنهُ عُرْفُ الدِّيكِ، واخْتِيرَ الجَمْعُ لِلتَّسْمِيَةِ مُبالَغَةً فِيما ذُكِرَ مِن وُجُوهِها، كَأنَّهُ عَرَفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ قَطْعًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وعَرَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنها وأنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن جَمْعِ عارِفٍ ولا جَزْمَ بِالنَّقْلِ؛ إذْ لا دَلِيلَ عَلى جَعْلِها جَمْعَ عارِفٍ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ، وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا ذِكْرَ واجِبٌ ﴿ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ إلّا الصَّلاةُ، والمَشْهُورُ أنَّ المَشْعَرَ مُزْدَلِفَةٌ كُلُّها، فَقَدْ أخْرَجَ وكِيعٌ وسُفْيانُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَسَكَتَ حَتّى إذا هَبَطَتْ أيْدِي الرَّواحِلِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ وأُيِّدَ بِأنَّ الفاءَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ في المُزْدَلِفَةِ ويُسَمّى قُزَحٌ، وخَصَّ اللَّهُ - تَعالى - الذِّكْرَ عِنْدَهُ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ في جَمِيعِ ( المُزْدَلِفَةِ )؛ لِأنَّها كُلَّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ الصَّحِيحَةُ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ وشَرَفِهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْ مُزْدَلِفَةَ، فَهو المَشْعَرُ الحَرام ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وإنَّما سُمِّيَ ( مَشْعَرًا )؛ لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ ( بِالحَرامِ ) لِحُرْمَتِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ اذكروا أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن فاعِلِهِ ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ أيْ: كَما عَلَّمَكُمُ المَناسِكَ والتَّشْبِيهُ لِبَيانِ الحالِ وإفادَةِ التَّقْيِيدِ؛ أيِ: اذْكُرُوهُ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ الهِدايَةِ ومُفادُ التَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ في الحُسْنِ والكَمالِ؛ أيِ: اذَكَّرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها.
و( ما ) عَلى المَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَمَحَلُّ ﴿ كَما هَداكُمْ ﴾ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: ذِكْرًا مُماثِلًا لِهِدايَتِكُمْ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكافِ مُجَرَّدُ تَشْبِيهِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ، ولِذا لا تَطْلُبُ عامِلًا تُفْضِي بِمَعْناهُ إلى مَدْخُولِها، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( الكافَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ لا غَيْرَ؛ أيِ: ( اذْكُرُوهُ ) وعَظِّمُوهُ لِأجْلِ هِدايَتِهِ السّابِقَةِ مِنهُ - تَعالى - لَكم.
﴿ وإنْ كُنْتُمْ ﴾ أيْ: وإنَّكم كُنْتُمْ فَخُفِّفَتْ ( إنَّ ) وحُذِفَ الِاسْمُ وأُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ ولَزِمَ ( اللّامُ ) فِيما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ ( إنَّ ) نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى ( إلّا ).
﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ أيِ: الهُدى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ 198﴾ ولَمْ يُعَلِّقُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ ( الِ ) المَوْصُولَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وفِيهِ تَأمُّلٌ، والمُرادُ مِنَ الضَّلالِ الجَهْلُ بِالإيمانِ ومَراسِمِ الطّاعاتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ( اذْكُرُوهُ ) الآنَ؛ إذْ لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُكُمُ السّابِقُ المُخالِفُ لِما هَداكم؛ لِأنَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ، وحَمْلُهُ عَلى الحالِ تَوَهُّمٌ بَعِيدٌ عَنِ المَرامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قرأ الشعبي: وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ العامة وَالْعُمْرَةَ بالنصب على معنى البناء.
قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت، وتمام الحج إلى آخر الحج.
وقال مقاتل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم.
ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
فقال: وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر.
ثم خوَّفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، فيما تعديتم.
ثم قال عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم.
وقال القتبي: الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو.
وقال الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره.
وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو.
وقال بعضهم: يكون من العدو وغيره، وبه قال علماؤنا رحمهم الله.
ثم قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي، فينزع عنه بمكة، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه، ويرجع إلى أهله، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك.
ثم قال تَعَالَيْ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه.
يقول: لا يحلق رأسه، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح.
ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً.
ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر.
وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية.
وذلك أن النبيّ مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» فقلت: نعم.
فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، لِكُلِّ مسكين نصف صاع من حِنْطَةٍ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً» يعني اذبح شاة، فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله.
ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء.
وواحدها هدية.
وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية.
ثم قال: فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار.
ومعناه فإذا أمنتم من العدو، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة.
ويقال: إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض، فحجوا واعتمروا.
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج.
والمحرمون أربعة: مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً.
فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي ومن كان متمتعاً أو قارناً، فعليه الهدي.
وقال عبد الله بن عمر أنه قال: الهدي: الجزور.
وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا.
ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.
قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة.
وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.
قال بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم.
وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى.
وقال بعضهم: إذا رجعتم إلى الأمر الأول، يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول.
ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم.
وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام يعني الحرم.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم.
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال القتبي: الفرض وجوب الشيء، يقال: فرضت عليك كذا، أي أوجبته.
قال الله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي ما ألزمتم أنفسكم، وقال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: 50] ، وقال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين، والباقون بالنصب بغير تنوين.
واتفقوا في قوله: وَلا جِدالَ بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع.
وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله: وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .
وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء، والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه.
أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري.
ويقال: الفسوق الذبح للأصنام.
كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلاً.
وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة، فلما فتح رسول الله مكة، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله حجة الوداع، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة، فقال رسول الله : «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ» .
يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان، فنزل: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.
ثم قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال.
يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، أي يقبله الله فيجازيكم به.
وَتَزَوَّدُوا في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة.
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً، فنزلت في شأنهم وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.
ويقال خير الزاد التقوى، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام.
ثم قال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج.
وقال مقاتل: سئل رسول الله : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟
فنزلت هذه الآية.
ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟
فقال: أولست تلبي، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟
فقال: بلى فقال: سأل رجل رسول الله عن مثل ما سألتني، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
وروي عن ابن عباس نحوه.
ثم قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، يعني بالمزدلفة.
وقال عطاء: إنما سميت عرفات، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم- - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت؟
فيقول: عرفت.
فسميت عرفات.
وقال ابن عباس: إنما سميت منى، لأن جبريل قال لآدم- عليهما السلام-: تمنَّ.
قال: أتمنى الجنة.
فسميت منى.
قال: وإنما سمي الجمع جمعاً، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام.
ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، يقول: اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام وَإِنْ كُنْتُمْ، أي وقد كنتم مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن الهدى، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات، ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تعالى لذنوبكم في الموقف.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ متجاوز عن ذنوبكم.
فأمر النبيّ أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلى عبادي جاءوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً.
اشْهَدُوا، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .
ثم قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يقول: أو أكثر ذكراً، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير، فإن ذلك الخير مني.
وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي: أبه أبه، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب.
ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم، لأنه لا أب له، بل أشد ذكراً، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات.
ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة، فأنزل الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي من نصيب.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة.
وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: 50] ، أي نعمة.
وقال الحسن البصري: آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة قال الإمام: حسنة الدنيا، ثوابك، وقوت من الحلال يكفيك، وزوجة صالحة ترضيك، وعلم إلى الحق يهديك، وعمل صالح ينجيك.
وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات، وعفو السيئات، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أي ادفع عنا عذاب النار.
أُولئِكَ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم.
ويقال: لهم ثواب مما عملوا.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله قال: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه، فأخبر بذلك رسول الله فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا، فقال النبيّ : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قل: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
فدعا بها الرجل فبرأ.
ثم قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ قال الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع.
ويقال: والله سريع الحفظ.
وقال الضحاك: يعني لا يخالطه العباد فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يشغله ذلك.
ويقال: يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَالُوا: «مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ» ، وأثنوا علَيْهم خيراً.
وقوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ...
الآية: قال ابن عُمَرَ وغيره:
نزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد «١» ، وقال بعض النَّاس: المعنى: تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأولى في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ: وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ «٢» وهو الظاهرُ، وفي قوله: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حضّ على التقوى.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ...
الآية: الجُنَاحُ: أعم من الإثم لأنه فيما
يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب.
٥٠ ب وتَبْتَغُوا: معناه: تَطْلبوا، أي: لا دَرك «١» في أنْ تتجروا وتطلبوا/ الرحب.
وقوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال: لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه.
وأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ «٢» ، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي «٣» عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ «٤» ، قاله ابن عبَّاس وغيره «٥» ، فهي كلُّها مشعر «٦» إِلا بطن مُحَسِّرٍ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ «٧» بفتح الراء وضمها، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» «٨» ، وذكر هذا عبد اللَّه بن
الزُّبَيْرِ «١» في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالى عند المشعر
الحرام «١» ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك: ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ.
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ تعديد للنعمة، وأمر بشكرها.
ص: كَما هَداكُمْ: الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و «مَا» مصدريةٌ، أي: كهدايتِهِ، فتكون «مَا» وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ «٢» ، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون «مَا» كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى «٣» لأن فيه إِقرار الكافِ على عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ «المستوفى» «٤» أنْ تكون الكافُ مكفوفةً ب «مَا» واحتج من أثبته بقوله: [الوافر]
لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ ...
كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ
أُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي ...
وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عبد لئيم
«٥» انتهى.
ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم ليظهر قدر إِنعامه عليهم.
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، أي: من قبل الهدى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ، قاله ابن عبَّاس وغيره «١» ، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ، ويفيضون منْه، مع معرفته أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم: أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس، أي: من عرفة، و «ثُمَّ» ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ.
وقال الضَّحَّاك: المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرى، وهي التي من المزدلفة «٢» ، وعلى هذا عوَّل الطَبريُّ «٣» ، فتكون «ثُمَّ» على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر: «النَّاسِي» «٤» ، وتأوَّله آدم- عليه السلام-، وأمر عز وجل بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ» ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التّبعات من عنده» «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في المَوْسِمِ، ويَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرٍ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والِابْتِغاءُ: الِالتِماسُ.
والفَضْلُ هاهُنا: التِماسُ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ والكَسْبِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أفَضْتُمْ، بِمَعْنى: دَفَعْتُمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ: إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وأكْثَرُوا التَّصَرُّفَ.
وَفِي تَسْمِيَةِ عَرَفاتٍ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلى إبْراهِيمَ فَحَجَّ بِهِ، فَلَمّا أتى عَرَفاتَ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، فَسُمِّيَتْ "عَرَفَةَ" قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ آَدَمَ وحَوّاءَ، وتَعارُفِهِما بِها قالَهُ الضَّحّاكُ.
، قالَهُ الزَّجّاجُ: والمَشْعَرُ، المَعْلَمُ سَمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهُ.
والمُقامُ والمَبِيتُ والدُّعاءُ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، وهو مُزْدَلِفَةُ، وهي جَمْعٌ يُسَمّى بِالِاسْمَيْنِ.
قالَ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةُ كُلُّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ أيْ: جَزاءُ هِدايَتِهِ لَكم، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الذِّكْرِ؟
قِيلَ: فِيهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ وصَلَ بِالذِّكْرِ الثّانِي: ما لَمْ يَصِلْ بِالذِّكْرِ الأوَّلِ، فَحَسُنَ تَكْرِيرُهُ.
فالمَعْنى اذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ كَما ذَكَّرَكم بِهِدايَتِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِيَدُلَّ عَلى مُواصَلَتِهِ، والمَعْنى: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا بَعْدَ ذِكْرٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ الذِّكْرَ في قَوْلِهِ: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ هُوَ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ اللَّتانِ يُجْمَعُ بَيْنَهُما بِالمُزْدَلِفَةِ.
والذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ كَما هَداكُمْ ﴾ هو الذِّكْرُ المَفْعُولُ عِنْدَ الوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ غَداةَ جَمْعٍ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الهُدى، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن يَدِينُ بِدِينِها، وهُمُ الحَمْسُ، يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطَنُ البَيْتِ، وكانَ بَقِيَّةُ العَرَبِ والنّاسِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا الحَمْسَ لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ، أيْ: تَشَدَّدُوا.
والحَماسَةُ: الشِّدَّةُ في كُلِّ شَيْءٍ.
وَفِي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ غَيْرُ الحَمْسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هاهُنا: إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ آَدَمُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
وقَدْ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ: "النّاسِي" بِإثْباتِ الياءِ.
والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ ورَبِيعَةُ، فَإنَّهم كانُوا يُفِيضُونَ مِن عَرَفاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: النّاسُ آَدَمُ، أوْ إبْراهِيمُ.
والإفاضَةُ هاهُنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ: هي الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنى صَبِيحَةَ النَّحْرِ، إلّا أنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، فَظاهِرُ الكَلامِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَيْفَ يُقالُ: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ ثُمَّ أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ؟!
غَيْرَ أنِّي أقُولُ: وجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ.
و"الغَفُورُ" مِن أسْماءِ اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ، وهو مِن قَوْلِكَ: غَفَرْتُ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتُهُ، فَكَأنَّ الغَفُورَ هو السّاتِرُ لِعَبْدِهِ بِرَحْمَتِهِ، أوِ السّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ.
والغَفُورُ: هو الَّذِي يُكْثِرُ المَغْفِرَةَ، لِأنَّ بِناءَ المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الكَثْرَةِ، كَقَوْلِكَ: صَبُورٌ، وضَرُوبٌ، وأكُولٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجُّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجُّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرٍ الزادِ التَقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالِّينَ ﴾ قَوْلُهُ: "لَمْ يَجِدْ" إمّا بِعَدَمِ المالِ، وإمّا بِعَدَمِ الحَيَوانِ، و ﴿ فِي الحَجِّ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: لَهُ أنْ يَصُومَها في أشْهُرِ الحَجِّ، وإنْ كانَ لَمْ يُحْرِمْ بِالحَجِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: لَهُ أنْ يَصُومَها مُنْذُ يَحْرُمُ بِالحَجِّ.
وقالَ عَطاءٌ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: لا يَصُومُها إلّا في عَشَرِ ذِي الحِجَّةِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والحَكَمُ: يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ يَوْمِ التَرْوِيَةِ، ويَوْمِ عَرَفَةَ، وكُلُّهم يَقُولُ: لا يَجُوزُ تَأْخِيرُها عن عَشَرِ ذِي الحِجَّةِ، لِأنَّ بِانْقِضائِهِ يَنْقَضِي الحَجُّ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عُمَرَ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن فاتَهُ صِيامُها قَبْلَ يَوْمِ النَحْرِ، فَلَهُ صِيامُها في أيّامِ التَشْرِيقِ، لِأنَّها مِن أيّامِ الحَجِّ.
وقالَ قَوْمٌ: لَهُ ابْتِداءُ تَأْخِيرِها إلى أيّامِ التَشْرِيقِ، لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الصِيامُ، إلّا بِأنْ لا يَجِدُ يَوْمَ النَحْرِ هَدْيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ: المَعْنى إذا رَجَعْتُمْ مِن مِنى، فَمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ صامَها، ومَن نَهَضَ إلى بَلَدِهِ صامَها في الطَرِيقِ.
وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، والمَعْنى: إذا رَجَعْتُمْ إلى أوطانِكُمْ، فَلا يَجِبُ عَلى أحَدٍ صَوْمُ السَبْعَةِ إلّا إذا وصَلَ وطَنَهُ، إلّا أنْ يَتَشَدَّدَ أحَدُكُما يَفْعَلُ مَن يَصُومُ في السَفَرِ فِي رَمَضانَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "وَسَبْعَةً" بِالنَصْبِ.
أيْ: وصُومُوا سَبْعَةً، ولَمّا جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ التَخْيِيرَ بَيْنَ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ، أُزِيلَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: كامِلَةٌ في الثَوابِ كَمَن أهْدى، وقِيلَ: كامِلَةٌ في الثَوابِ كَمَن لَمْ يَتَمَتَّعْ، وهَذا عَلى أنَّ الحَجَّ الَّذِي لَمْ تَكْثُرْ فِيهِ الدِماءُ أخْلَصُ وأفْضَلُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
وقِيلَ: "كامِلَةٌ": تَوْكِيدٌ.
كَما تَقُولُ: كَتَبْتُ بِيَدِي.
وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وقِيلَ: لَفْظُها الإخْبارُ ومَعْناها الأمْرُ.
أيْ: أكْمِلُوها فَذَلِكَ فَرْضُها.
وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ: المَعْنى: تِلْكَ كامِلَةٌ، وتَكَرَّرَ المَوْصُوفُ تَأْكِيدًا، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ رَجُلٌ عاقِلٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ ﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ إلى التَمَتُّعِ وهَدْيِهِ وحُكْمِهِ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَرى أنَّ المَكِّيَّ لا تَجُوزُ لَهُ المُتْعَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ.
فَكانَ الكَلامُ: ذَلِكَ التَرْخِيصُ، ويَتَأيَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: "لِمَن" لِأنَّ اللامَ أبَدًا إنَّما تَجِيءُ مَعَ الرُخْصِ، تَقُولُ: لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وأمّا مَعَ الشِدَّةِ فالوَجْهُ أنْ تَقُولَ: عَلَيْكَ.
وأمّا مَن يَرى أنَّ المَكِّيَّ يَعْتَمِرُ، ولا دَمَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ سَفَرًا، فالإشارَةُ بـِ "ذَلِكَ" -عَلى قَوْلِهِ- هي إلى "الهَدْيِ"، أيْ ذَلِكَ الِاشْتِدادُ والإلْزامُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في ﴿ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وما اتَّصَلَ بِها.
وقالَ الطَبَرِيُّ: بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أهْلِ الحَرَمِ، ولَيْسَ كَما قالَ -فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَن كانَ حَيْثُ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَهو حَضَرِيٌّ، ومَن كانَ أبْعَدَ مِن ذَلِكَ فَهو بَدَوِيٌّ.
فَجَعَلَ اللَفْظَةَ مِنَ الحَضارَةِ والبَداوَةُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: مَن كانَ بِحَيْثُ لا تَقْصُرُ الصَلاةُ إلى مَكانِهِ، فَهو حاضِرٌ أيْ مَشاهِدٌ، ومَن كانَ أبْعَدَ مِن ذَلِكَ فَهو غائِبٌ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَكَّةُ وضَجْنانُ وذُو طَوى وما أشْبَهَها حاضِرٌ والمَسْجِدُ الحَرامُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: أهْلُ الحَرَمِ كُلُّهُ حاضِرُ والمَسْجِدِ الحَرامِ.
وقالَ مَكْحُولٌ، وعَطاءٌ: مَن كانَ دُونَ المَواقِيتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ.
وقالَ الزُهْرِيُّ: مَن كانَ عَلى يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ فَهو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ عَلى العُمُومِ، وحَذَّرَ مِن شَدِيدِ عِقابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ .
في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أشْهُرُ الحَجِّ أشْهَرٌ.
أو: وقْتُ الحَجِّ أشْهَرٌ.
أو: وقْتُ عَمَلِ الحَجِّ أشْهَرٌ والغَرَضُ إنَّما هو أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عَنِ الِابْتِداءِ هو الِابْتِداءُ نَفْسُهُ والحَجُّ لَيْسَ بِالأشْهُرِ، فاحْتِيجَ إلى هَذِهِ التَقْدِيراتِ.
ومِن قَدَّرَ الكَلامَ: الحَجُّ في أشْهُرٍ فَيَلْزَمُهُ مَعَ سُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ نَصْبُ الأشْهُرِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِنَصْبِها أحَدٌ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، والرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ والزُهْرِيُّ: أشْهُرُ الحَجِّ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحَجَّةِ كُلِّهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، والسُدِّيُّ، وإبْراهِيمُ: هِيَ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، والقَوْلانِ لِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، حَكى الأخِيرُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وجُمِعَ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ الِاثْنانِ وبَعْضُ الثالِثِ، كَما فَعَلُوا في جَمْعِ عَشْرٍ فَقالُوا: عِشْرُونَ لِعِشْرِينَ ويَوْمَيْنِ مِنَ الثالِثِ، وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: .............
ثَلاثِينَ شَهْرًا في ثَلاثَةِ أحْوالٍ فَمَن قالَ: إنَّ ذا الحَجَّةِ كُلَّهُ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، لَمْ يَرَ دَمًا فِيما يَقَعُ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ، لِأنَّها في أشْهُرِ الحَجِّ، وعَلى القَوْلِ الآخَرِ يَنْقَضِي الحَجُّ بِيَوْمِ النَحْرِ ويَلْزَمُ الدَمَ فِيما عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ أيْ مَن ألْزَمَهُ نَفْسَهُ، وأصْلُ الفَرْضِ: الحَزُّ الَّذِي يَكُونُ في السِهامِ والقِسِيِّ وغَيْرِها، ومِنهُ فَرْضَةُ النَهْرِ والجَبَلِ، فَكَأنَّ مَنِ التَزَمَ شَيْئًا -وَأثْبَتَهُ عَلى نَفْسِهِ- قَدْ فَرَضَهُ.
وفَرْضُ الحَجِّ هو بِالنِيَّةِ، والدُخُولِ في الإحْرامِ، والتَلْبِيَةِ تَبَعٌ لِذَلِكَ.
و"مَن" رَفَعَ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "فَرَضَ" لِأنَّ"مَن" لَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: "فَرَجُلٌ فَرْضٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ، وتَكُونُ "فَرْضٌ" صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى "فِيهِنَّ".
ولَمْ يَجِئِ الكَلامُ "فَرْضٌ فِيها".
فَقالَ قَوْمٌ: هُما سَواءٌ في الِاسْتِعْمالِ.
وقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ.
الجَمْعُ الكَثِيرُ لِما لا يُعْقَلُ يَأْتِي كالواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، والقَلِيلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ ﴾ ثُمَّ قالَ: "مِنها".
وقَرَأ نافِعٌ: "فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ" بِنَصْبِ الجَمِيعِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَلا رَفَثُ ولا فُسُوقُ ولا جِدالُ" بِالرَفْعِ في الِاثْنَيْنِ ونَصْبِ الجِدالِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ بِالرَفْعِ في الثَلاثَةِ.
ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ في بَعْضِ الطُرُقِ.
وَ"لا" بِمَعْنى لَيْسَ في قِراءَةِ الرَفْعِ، وخَبَرُها مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، و"فِي الحَجِّ" خَبَرُ "لا جِدالَ".
وحَذْفُ الخَبَرِ هُنا هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ.
وقَدْ خُولِفَ في ذَلِكَ، بَلْ "فِي الحَجِّ" هو خَبَرُ الكُلِّ، إذْ هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ في الوَجْهَيْنِ لِأنَّ "لا" إنَّما تَعْمَلُ عَلى بابِها فِيما يَلِيها، وخَبَرُها مَرْفُوعٌ باقٍ عَلى حالِهِ مِن خَبَرِ الِابْتِداءِ.
وظَنَّ أبُو عَلِيٍّ أنَّها بِمَنزِلَةِ لَيْسَ في نَصْبِ الخَبَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هي والِاسْمُ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ يَطْلُبانِ الخَبَرَ، و"فِي الحَجِّ" هو الخَبَرُ في قِراءَةٍ كُلُّها بِالرَفْعِ، وفي قِراءَةٍ كُلُّها بِالنَصْبِ.
والتَحْرِيرُ: أنَّ "فِي الحَجِّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالخَبَرِ المُقَدَّرِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "مَوْجُودٌ في الحَجِّ"، ولا فَرْقَ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِكَ: زِيدٌ في الدارِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الرَفَثُ: الجِماعُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، وغَيْرُهُمُ: الرَفَثُ: الإعْرابَةُ والتَعْرِيبُ، وهو الإفْحاشُ بِأمْرِ الجِماعِ عِنْدَ النِساءِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنْشَدَ وهو مُحْرِمٌ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا ∗∗∗ إنْ تَصْدُقِ الطَيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا فَقِيلَ لَهُ: تَرْفُثُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؟
فَقالَ: إنَّما الرَفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِساءِ.
وقالَ قَوْمٌ: الرَفَثُ الإفْحاشُ بِذِكْرِ النِساءِ، كانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِنَّ أمْ لا.
وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرُ لِلْحادِي: لا تَذْكُرِ النِساءَ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَحْضُرَ امْرَأةٌ فَلِذَلِكَ نَهاهُ، وإنَّما يُقَوِّي القَوْلَ مِن جِهَةِ ما يَلْزَمُ مِن تَوْقِيرِ الحَجِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "الرَفَثُ" اللَغا مِنَ الكَلامِ وأنْشَدَ: عَنِ اللَغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ ولا حُجَّةَ في البَيْتِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا رُفُوثَ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمُ: الفُسُوقُ: المَعاصِي كُلُّها لا يُخْتَصُّ بِها شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجَماعَةٌ مَعَهُ: الفُسُوقُ: المَعاصِي في مَعْنى الحَجِّ كَقَتْلِ الصَيْدِ وغَيْرِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومالِكٌ: الفُسُوقُ: الذَبْحُ لِلْأصْنامِ.
ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ﴾ .
وقالَ الضَحّاكُ: الفُسُوقُ: التَنابُزُ بِالألْقابِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ: الفُسُوقُ: السِبابُ.
ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعُمُومُ جَمِيعِ المَعاصِي أولى الأقْوالِ.
وقالَ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ: الجِدالُ هُنا: السِبابُ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ: الجِدالُ هُنا: أنْ تُمارِيَ مُسْلِمًا حَتّى تُغْضِبَهُ.
وقالَ مالِكٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الجِدالُ هُنا: أنْ يَخْتَلِفَ الناسُ أيُّهم صادَفَ مَوْقِفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، حِينَ كانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ في غَيْرِ مَوْقِفِ سائِرِ العَرَبِ، ثُمَّ يَتَجادَلُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الجِدالُ: أنْ تَقُولَ طائِفَةٌ: حَجُّنا أبَرُّ مِن حَجِّكُمْ، وتَقُولُ الأُخْرى مِثْلُ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ هُنا: أنْ تَقُولَ طائِفَةٌ: الحَجُّ اليَوْمَ، وتَقُولُ طائِفَةٌ: بَلِ الحَجُّ غَدًا، وقِيلَ: الجِدالُ كانَ في الفَخْرِ بِالآباءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مَعَهُ: الجِدالُ: أنْ تُنْسِئَ العَرَبُ الشُهُورَ حَسَبَما كانَ النَسِيءُ عَلَيْهِ، فَقَرَّرَ الشَرْعُ وقْتَ الحَجِّ وبَيَّنَهُ وأخْبَرَ أنَّهُ حَتْمٌ لا جِدالَ فِيهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأظْهَرُها.
والجِدالُ مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، كَأنَّ كُلَّ مُجادِلٍ يُفاتِلُ صاحِبَهُ، وأمّا ما كانَ النَسِيءُ عَلَيْهِ، فَظاهِرُ سِيَرِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرُها مِنَ الدَواوِينِ، أنَّ الناسِئَ كانَ يَحِلُّ المُحَرَّمَ لِئَلّا تَتَوالى عَلى العَرَبِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لا إغارَةَ فِيها، ويَحْرُمُ صَفَرٌ، ورُبَّما سُمُّوهُ المُحَرَّمَ، وتَبْقى سائِرُ الأشْهُرِ بِأسْمائِها حَتّى يَأْتِيَ حَجُّهم في ذِي الحِجَّةِ عَلى الحَقِيقَةِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يُسْقِطُونَ المُحَرَّمَ ثُمَّ يَقُولُونَ: صِفْرانِ لِصِفْرٍ وشَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَنْقُلُونَ أسْماءَ الشُهُورِ، ويَتَبَدَّلُ وقْتَ الحَجِّ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ يَبْقى في ذِي الحِجَّةِ بِالتَسْمِيَةِ لا في حَقِيقَةِ الشَهْرِ.
قالَ: فَكانَ حَجُّ أبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ في ذِي القِعْدَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ» الحَدِيثُ- ونَزَلَتْ: ﴿ وَلا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُهُ فَلا يَنْتَقِلُ شَهْرٌ البَتَّةَ أبَدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ﴾ المَعْنى: فَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وفي هَذا تَخْصِيصٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَتَزَوَّدُوا" الآيَةُ، قالَ ابْنُ عُمَرَ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ نَزَلَتِ الآيَةُ في طائِفَةٍ مِنَ العَرَبِ كانَتْ تَجِيءُ إلى الحَجِّ بِلا زادٍ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ اللهِ ولا يُطْعِمُنا؟
فَكانُوا يَبْقُونَ عالَةً عَلى الناسِ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وأُمِرُوا بِالتَزَوُّدِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: تَزَوَّدُوا الرَفِيقَ الصالِحَ، وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ، والأُولى في مَعْنى الآيَةِ: "وَتَزَوَّدُوا لِمَعادِكم مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ".
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ خَيْرَ الزادِ التَقْوى ﴾ حَضُّ عَلى التَقْوى.
وخُصَّ أُولُو الألْبابِ بِالخِطابِ، -وَإنْ كانَ الأمْرُ يَعُمُّ الكُلَّ- لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللهِ، وهم قابَلُو أوامِرَهُ، والناهِضُونَ بِها، وهَذا عَلى أنَّ اللُبَّ لُبُّ التَجارِبِ، وجَوْدَةُ النَظَرِ، وإنْ جَعَلْناهُ لُبَّ التَكْلِيفِ فالنِداءُ بـِ "أُولِي الألْبابِ" عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.
واللُبُّ: العَقْلُ.
تَقُولُ العَرَبُ: لَبُبْتُ، بِضَمِّ الباءِ الأولى ألُبَّ، بِضَمِّ اللامِ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ فِعْلٌ يُفْعَلُ بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ الآيَةُ.
الجَناحُ أعَمُّ مِنَ الإثْمِ، لِأنَّهُ فِيما يَقْتَضِي العِقابَ، وفِيما يَقْتَضِي العِتابَ والزَجْرَ، و"تَبْتَغُوا" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ بِمُحاوَلَتِكم.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ العَرَبَ تَحَرَّجَتْ لَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْ يَحْضُرُوا أسْواقَ الجاهِلِيَّةِ كَعُكاظِ وذِي المَجازِ ومَجَنَّةٍ، فَأباحَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ.
أيْ: لا دَرْكَ في أنْ تَتَّجِرُوا وتَطْلُبُوا الرِبْحَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ بَعْضُ العَرَبِ لا يَتَّجِرُونَ مُذْ يُحْرِمُونَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في إباحَةِ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيمَن أكْرى لِيَحُجَّ؛ حَجُّهُ تامٌّ، ولا حَرَجَ عَلَيْهِ في ابْتِغاءِ الكِراءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ "لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ" "فِي مَواسِمِ الحَجِّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ ﴾ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى تَمامِ حَجِّ مَن وقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَوالِ وأفاضَ نَهارًا قَبْلَ اللَيْلِ، إلّا مالِكُ بْنُ أنَسٍ فَإنَّهُ قالَ: لا بُدَّ أنْ يَأْخُذَ مِنَ اللَيْلِ شَيْئًا.
وأمّا مَن وقَفَ بِعَرَفَةَ بِاللَيْلِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ في تَمامِ حَجِّهِ.
وأفاضَ القَوْمُ أوِ الجَيْشُ إذا انْدَفَعُوا جُمْلَةً، ومِنهُ: أفاضَ الرَجُلُ في الكَلامِ، ومِنهُ: فاضَ الإناءُ وأفَضْتُهُ، ومِنهُ: المُفِيضُ في القِداحِ.
والتَنْوِينُ في عَرَفاتٍ عَلى حَدِّهِ في "مُسْلِماتٍ" الكَسْرَةُ مُقابِلَةٌ لِلْياءِ في مُسْلِمِينَ، والتَنْوِينُ مُقابِلٌ لِلنُّونِ.
فَإذا سُمِّيَتْ بِهِ شَخْصًا تُرِكَ، وهو مُعَرَّفٌ عَلى حَدِّهِ قَبْلَ أنْ تُسَمِّيَ بِهِ.
فَإنْ كانَ "عَرَفاتٍ" اسْمًا لِتِلْكَ البُقْعَةِ كُلِّها فَهو كَما ذَكَرْنا، وإنْ كانَ جَمْعُ عَرَفَةَ فَهو كَمُسْلِماتٍ دُونَ أنْ يُسَمّى بِهِ.
وحَكى سِيبَوَيْهِ كَسْرَ التاءِ مِن "عَرَفاتٍ" دُونَ تَنْوِينٍ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ مَعَ التَعْرِيفِ.
وحَكى الكُوفِيُّونَ فَتْحَها في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ تَشْبِيهًا بِتاءِ فاطِمَةَ وطَلْحَةَ.
وسُمِّيَتْ تِلْكَ البُقْعَةُ "عَرَفاتٍ"، لِأنَّ إبْراهِيمَ عَرَّفَها حِينَ رَآها عَلى ما وُصِفَتْ لَهُ.
قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: هَذا مَوْضِعُ كَذا فَيَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ آدَمَ عَرَفَ بِها حَوّاءَ حِينَ لَقِيَها هُناكَ، والظاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ كَسائِرِ أسْماءِ البِقاعِ.
وعَرَفَةُ هي نُعْمانُ الأراكِ.
وفِيها يَقُولُ الشاعِرُ: تَزَوَّدْتُ مِن نُعْمانَ عُودَ أراكَةٍ ∗∗∗ لِهِنْدٍ ولَكِنْ مَن يُبَلِّغْهُ هِنْدا و ﴿ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ جَمْعٌ كُلُّهُ، وهو ما بَيْنَ جَبَلَيِ المُزْدَلِفَةِ مِن حَدٍّ مُفْضى مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلى بَطْنِ مُحَسِّرٍ.
قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والرَبِيعُ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: فَهي كُلُّها مَشْعَرٌ، إلى بَطْنِ مَحَسِّرٍ، كَما أنَّ عَرَفَةَ كُلَّها مَوْقِفٌ، إلّا بَطْنَ عُرَنَةَ بِفَتْحِ الراءِ وضَمِّها.
رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «عَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلّا بَطَّنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَشْعَرٌ، وارْتَفَعُوا عن بَطْنِ مُحَسِّرٍ "».
وذَكَرَ هَذا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في خُطْبَتِهِ، وفي المُزْدَلِفَةِ قَرْنُ قُزَحٍ الَّذِي كانَتْ قُرَيْشُ تَقِفُ عَلَيْهِ.
وذِكْرُ اللهِ تَعالى عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ نَدْبٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.
وقالَ مالِكٌ: مَن مَرَّ بِهِ ولَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ: مَن خَرَجَ مِن مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإنْ كانَ بَعْدَ نِصْفِ اللَيْلِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ: مَن فاتَهُ الوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ فاتَهُ الحَجُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ، وأمْرٌ بِشُكْرِها، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِحالِ ضَلالِهِمْ لِيَظْهَرَ قَدْرُ الإنْعامِ، والكافُ في "كَما" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أو كافَّةٌ، و"إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي النافِيَةُ بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى الهَدْيِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد منه فنقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج وهو التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالاً لما كان عليه المشركون، إذ كانوا يرون التجارة للمُحْرم بالحج حراماً.
فالفضل هنا هو المال، وابتغاء الفضل التجارة لأجل الربح كما هو في قوله تعالى: ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [المزمل: 20].
وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء قال النابغة: كادَتْ تُسَاقِطُني رَحْلي ومِيثَرَتِي *** بذِي المجاز ولم تُحسس به نَغَما () من صَوْتتِ حِرْمِيَّةٍ قالتْ وقد ظعنوا *** هل في مُخِفِّيكُمُ مَنْ يشتري أَدَما قلتُ لهَا وهي تَسْعَى تحتَ لَبَّتِها *** لا تَحْطِمنَّككِ إن البيعَ قد زَرِما أي انقطع البيع وحَرُم، وعن ابن عباس: كانت عكاظ ومَجَنَّة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأَثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المواسم فنزلت: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في موسم الحج) اه.
أي قرأها ابن عباس بزيادة في مواسم الحج.
وقد كانت سوق عكاظ تفتح مستهل ذي القعدة وتدوم عشرين يوماً وفيها تباع نفائس السلع وتتفاخر القبائل ويتبارى الشعراء، فهي أعظم أسواق العرب وكان موقعها بين نَخْلَةَ والطائف، ثم يخرجون من عكاظ إلى مَجِنَة ثم إلى ذي المَجاز، والمظنون أنهم يقضون بين هاتين السوقين بقية شهر ذي القعدة؛ لأن النابغة ذكر أنه أقام بذي المجاز أربع ليال وأنه خرج من ذي المجاز إلى مكة فقال يذكر راحلته: باتَت ثلاثَ لياللٍ ثم واحِدَةً *** بذي المجاز تُراعِي مَنْزِلاً زِيَمَا ثم ذكر أنه خرج من هنالك حاجّاً فقال: كادَتْ تُساقِطني رَحْلي ومِيثَرَتِي *** الفاء عاطفة على قوله: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ [البقرة: 197] الآية، عطف الأمر على النهي، وقوله: (إذا أفضتم) شرط للمقصود وهو: (فاذكروا الله).
والإفاضة هنا: الخروج بسرعة وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه فبرز منه وسالَ؛ ولذلك سموا إحالة القِداح في المَيْسر إفَاضَةً والمجيلَ مُفيضاً، لأنه يُخْرِج القِدَاح من الرِّبَابَة بقوة وسرعة أي بدون تَخَيُّر ولا جَسَ لينظر القدح الذي يخرج، وسمَّوا الخروج من عرفة إفاضة لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد كثير فتكون لخروجهم شدة، والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة والخروج من مزدلفة.
والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدَّفْع، ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة، وكلا الإطلاقين مجاز؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة، ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين؛ لما في أفاض من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة.
ولأن في تجنُّب دَفَعْتُم تجنباً لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفععِ بعض الناس بعضاً؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضَوْضَاء وجلبة وسرعةَ سير فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حجة الوداع وقال: " ليس البِرُّ بالإيضَاع فإذا أفضتم فعليكم بالسَّكينة والوَقَار ".
و (عرفات) اسم واد ويقال: بطن وهو مَسِيلٌ متَّسع تنحدر إليه مياه جبال تحيط به تعرف بجبال عرفة بالإفراد، وقد جُعل عرفات علَمَاً على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألففٍ وتاء، ويقال له: عرفة بصيغة المفرد، وقال الفرّاء: قول الناس يومُ عَرفة مولَّد ليس بعربي محْضضٍ، وخالفه أكثر أهل العلم فقالوا: يقال عرفات وعرفة، وقد جاء في عدة أحاديث «يوم عرفة»، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: يوم عرفات.
وفي وسط وادي عرفة جُبيل يقف عليه ناس ممن يقفون بعرفة ويخطب عليه الخطيب بالناس يوم تاسع ذي الحجة عند الظهر، ووقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم راكباً يوم عرفة، وبُني في أعلى ذلك الجبيل عَلَم في الموضع الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام فيقف الأئمة يوم عرفة عنده.
ولا يُدرَى وجه اشتقاققٍ في تسمية المكان عَرَفات أو عَرَفة، ولا أنه علم منقول أو مرتجل، والذي اختارَه الزمخشري وابنُ عطية أنه علم مرتجل، والذي يظهر أن أحد الاسمين أصل والآخر طارئ عليه وأن الأصل (عرفات) من العربية القديمة وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة، ويحتمل أن يكون الأصل (عرفة) وأن عرفات إشباع من لغة بعض القبائل.
وذكر (عرفات) باسمه في القرآن يشير إلى أن الوقوف بعرفة رُكن الحج وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة ".
سمي الموضع عرفات الذي هو على زنة الجمع بألففٍ وتاء فعاملوه معاملة الجمع بألففٍ وتاء ولم يمنعوه الصرف مع وجود العلمية.
وجمع المؤنث لا يُمنع من الصرف؛ لأن الجمع يزيل ما في المفرد من العلمية؛ إذ الجمع بتقدير مُسَمَّيَات بكذا، فما جُمع إلاّ بعدَ قصدِ تنكيره، فالتأنيث الذي يمنع الصرف مع العلمية أو الوصفية هو التأنيث بالهاء.
وذكر الإفاضة من (عرفات) يقتضي سبق الوقوف به؛ لأنه لا إفاضة إلاّ بعد الحُلول بها، وذِكر (عرفات) باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن فلم يُذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة، وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان، خلافاً لأبي حنيفة في الصفا والمروة، ويؤخذ ركن الإحرام من قوله: ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ [البقرة: 197]، وأما طواف الإفاضة فثبت بالسنة وإجماع الفقهاء.
و (من) ابتدائية.
والمعنى فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المزدلفة.
والتصريح باسم (عرفات) في هذه الآية للرد على قريش؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في (جَمْع) وهو المزدلفة؛ لأنهم حُمْس، فيرون أن الوقوف لا يكون خارج الحرم، ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها ولا يرضون بالوقوف بعرفة، لأن عرفة من الحل كما سيأتي، ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها وقال: ﴿ مِنْ حيثُ أَفَاضَ الناسُ ﴾ لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات، فذلك حوالة على ما يعلمونه.
و (المشعر) اسم مشتق من الشعور أي العِلْم، أو من الشِّعَار أي العَلاَمة، لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبسُ ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت.
إوصف المشعر بوصف (الحَرام) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات.
والمشعر الحرام هو (المزدلفة)، سميت مزدلفة لأنها ازدلفت من مِنَى أي اقتربت؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في مِنى.
ويقال للمزدلفة أيضاً (جَمْع) لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها، الحُمْس وغيرُهم من عهد الجاهلية، قال أبو ذؤيب: فبَاتَ بجَمْععٍ ثم راح إلى منًى *** فأصبح رَاداً يبتغي المَزْجَ بالسَّحْل () فمن قال: إن تسميتها جمعاً لأنها يُجْمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسماً من عهد ما قبل الإسلام.
وتسمى المزدلفة أيضاً (قُزَح) بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ممنوعاً من الصرف، باسم قرن جبل بين جباللٍ من طَرَف مزدلفة ويقال له: المِيقَدَة لأن العرب في الجاهلية كانوا يُوقدون عليه النيران، وهو موقف قريش في الجاهلية، وموقفُ الإمام في المزدلفة على قُزح.
روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح بجَمْع أتى قُزَحَ فوقف عليه وقال: هذا قُزَح وهو الموقف وجَمْعُ كلها موقف.
ومذهب مالك أن المبيت سنة وأما النزول حصةً فواجب.
وذهب علقمة وجماعة من التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه تمسكاً بظاهر الأمر في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ .
وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم أحد (بني صُوفَة) وهم بنو الغوث بن مُر بن أدِّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر وكانت أمهُ جرهمية، لقب الغوث بصُوفَة؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إنْ هي ولدت ذكراً أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث وكانوا يجعلون صوفةً يَربطون بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخِدمة الكعبة وتسمى الرَّبيِطَ، فكان الغوْث يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم فلما غلب قصَي بن كِلاب على الكعبة جعل الإجازة للغَوْث ثم بَقيت في بنيه حتى انقرضوا، وقيل إن الذي جعل أبناء الغَوْث لإجازة الحَاجِّ هم ملوك كندة، فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول: لاَ هُمَّ إِني تَابِع تباعَهْ *** إن كان إثْمٌ فعلَى قُضاعهْ لأن قضاعة كانت تُحل الأشهر الحرم، ولما انقرض أبناء صوفة صارت الإجازة لبني سعد بن زيد مناءة بن تميم ورثوها بالقُعدد فكانت في آل صَفْوان منهم وجاء الإسلام وهي بيد كَرب بن صفوان قال أوس بن مَغْراء: لاَ يَبْرَحُ الناسُ ما حَجُّوا مُعَرَّفَهُم *** حَتَّى يُقَالَ أجيزوا آل صفوانَا الواو عاطفة على قوله: ﴿ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ والعطف يقتضي أن الذكر المأمور به هنا غير الذكر المأمور به في قوله: ﴿ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ فيكون هذا أمراً بالذكر على العموم بعد الأمر بذكر خاص فهو في معنى التذييل بعد الأمر بالذكر الخاص في المشعر الحرام.
ويجوز أن يكون المراد من هذه الجملة هو قوله: ﴿ كما هداكم ﴾ فموقعها موقع التذييل.
وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف بل تُفْصَل وعدل عن مقتضى الظاهر فعطفت بالواو باعتبار مغايرتها للجملة التي قبلها بما فيها من تعليل الذكر وبياننِ سببه وهي مغايَرةٌ ضعيفة لكنها تصحح العطف كما في قول الحارث بن همام الشيباني: أيا ابْنَ زَيَّابَةَ إِنْ تَلْقَني *** لا تلقني في النَّعَم العَازِب وتَلْقَني يشتَدُّ بي أَجْرَدٌ *** مُسْتَقْدِم البِرْكَة كالراكب فإن جملة تلقني الثانية هي بمنزلة بدَل الاشتمال من لا تلقني في النعم العازب لأن معناه لا تلقني راعيَ إبل وذلك النفي يقتضي كونه فارساً؛ إذ لا يخلو الرجل عن إحدى الحالتين فكان الظاهر فصل جملة تلقني تشتد بي أجرد لكنه وصلها لمغايرةٍ مَّا.
وقوله: ﴿ كما هداكم ﴾ تشبيه للذكر بالهدى وما مصدرية.
ومعنى التشبيه في مثل هذا المشابهةُ في التساوي أي اذكروه ذكراً مساوياً لهدايته إياكم فيفيد معنى المجازاة والمكافأَة فلذلك يقولون إن الكاف في مثله للتعليل وقد تقدم الفرق بينها وبين كاف المجازاة عند قوله تعالى: ﴿ فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ﴾ [البقرة: 167] وكثر ذلك في الكاف التي اقترنت بها (ما) كيف كانت، وقيل ذلك خاص بما الكافة والحق أنه وارد في الكاف المقترنة بما وفي غيرها.
وضمير ﴿ من قبله ﴾ يرجع إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية و«إنْ» مخففة.
من إنَّ الثقيلة.
والمراد ضلالهم في الجاهلية بعبادة الأصنام وتغيير المناسك وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ذُو المَجازِ وعُكاظُ مَتْجَرَيْنِ لِلنّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَرَكُوا ذَلِكَ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ: في مَواقِيتِ الحَجِّ ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ فَإذا رَجَعْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ.
والثّانِي: أنَّ الإفاضَةَ: الدَّفْعُ عَنِ اجْتِماعٍ، كَفَيْضِ الإناءِ عَنِ امْتِلاءٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الإفاضَةَ الإسْراعُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.
وَفي ( عَرَفاتٍ ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها (جَمْعُ عَرَفَةَ).
والثّانِي: أنَّها اسْمٌ واحِدٌ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الجَمْعِ.
وَهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَةِ المَكانِ عَرَفَةَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ آدَمَ عَرَفَ فِيهِ حَوّاءَ بَعْدَ أنْ أُهْبِطا مِنَ الجَنَّةِ.
والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ عَرَفَ المَكانَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، لِما تَقَدَّمَ لَهُ في الصِّفَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ فِيهِ الأنْبِياءَ مَناسِكَهم.
والرّابِعُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوِّ النّاسِ فِيهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي ما عَلا (عَرَفَةً) و(عَرَفاتٍ)، ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ لِعُلُوِّهِ.
﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ والمَشْعَرُ المَعْلَمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ الدُّعاءَ عِنْدَهُ، والمَقامَ فِيهِ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، وحَدُّ المَشْعَرِ ما بَيْنَ مِنًى ومُزْدَلِفَةَ مِن حَدِّ مُفْضَيْ مَأْزَمَيْ عَرَفَةَ إلى مُحَسَّرٍ، ولَيْسَ مَأْزَما عَرَفَةَ مِنَ المَشْعَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سفيان وسعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ في مواسم الحج.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، ويقولون أيام ذكر الله، فنزلت ﴿ ليس عليكم جناح...
﴾ الآية.
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عبيد بن عمير عن ابن عباس: في أوّل الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم، فانزل الله ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ فحدث عبيد بن عمير أنه كان يقرأها في المصحف.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة التميمي قال: «قلت لابن عمر: إنا ناس نكتري فهل لنا من حج؟
قال: أليس تطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟
قلت: بلى.
فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية وقال: أنتم حجاج» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي الزبير.
أنه قرأ ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ .
وأخرج وكيع وأبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عطاء قال: نزلت ﴿ لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ في مواسم الحج وفي قراءة ابن مسعود: في مواسم الحج فابتغوا حينئذ.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ يقول: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال: كان ناس لا يتجرون أيام الحج، فنزلت فيهم ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ .
وأخرج أبو داود عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ هذه الآية ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ قال: كانوا لا يتجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات.
وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ قال: التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: كان ناس من أهل الجاهلية يسمون ليلة النفر ليلة الصدر، وكانوا لا يعرجون على كسير ولا ضالة ولا لحاجة ولا يبتغون فيها تجارة، فأحل الله ذلك كله للمؤمنين أن يعرجوا على حاجاتهم ويبتغوا من فضل الله.
أما قوله تعالى: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ .
أخرج وكيع وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إنما تسمى عرفات لأن جبريل كان يقول لإِبراهيم عليهما السلام: هذا موضع كذا، وهذا موضع كذا.
فيقول: قد عرفت قد عرفت، فلذلك سميت عرفات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: إنما سميت عرفات لأنه قيل لإبراهيم حين أري المناسك عرفت.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن علي.
مثله.
وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد- وكان إذا خطب قال أما بعد- فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وأن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا لهدي أهل الشرك» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج» .
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالاً حتى يهل بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هديه من الإِبل أو البقر أو الغنم ما تيسر له من ذلك أي ذلك شاء، وإن لم يتيسر له فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وذلك قبل يوم عرفة، فإذا كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعاً للذي يبيتون به، ثم ليذكروا الله كثيراً وأكثروا التكبير والتهاليل قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كان يفيضون وقال الله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ﴾ [ البقرة: 199] حتى ترموا الجمرة.
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى ملتقى وصيق ووادي عرفة.
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر» .
وأخرج مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف» .
وأخرج أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عرفات موقف وارفعوا عن عرفة وكل جمع موقف، وارفعوا عن محسر وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح» .
وأخرج أبو داود والترمذي واللفظ له وصححه وابن ماجة عن علي قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: هذه عرفة وهو الموقف وعرفة كلها موقف، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد، وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يميناً وشمالاً، يلتفت إليهم يقول: يا أيها الناس عليكم السكينة.
ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزح وقف عليه وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر ففزع ناقته فخبب حتى جازوا الوادي فوقف وأردف الفضل، أم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف فقال: إني رسول رسول الله إليكم.
يقول: كونوا على مشاعركم فإنكم على ارث من ارث إبراهيم.
وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة، فقال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بايجاف الخيل والإِبل.
قال: فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً، ثم أردف الفضل بن العباس فقال: أيها الناس إن البر ليس بايجاف الخيل والإِبل فعليكم بالسكينة.
قال: فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى.
وأخرج البخاري عن ابن عباس «أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً للإِبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإِيضاع» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «إنما كان بدء الإِيضاع من أهل البادية، كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا العقاب والعصي، فإذا أفاضوا تقعقعوا، فانفرت الناس فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ظفري ناقته لا يمس الأرض حاركها، وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالسكينة» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أسامة بن زيد «أنه سأل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حين أفاض من عرفة؟
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفات قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص» .
وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس، فأقبل يكبر الله ويهلله ويعظمه ويمجده حتى انتهى إلى المزدلفة.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات وهو يقول: *** «إليك تعدو قلقاً وضينها ** مخالفاً دين النصارى دينها» وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور عن عروة بن الزبير، أن عمر بن الخطاب حين دفع من عرفة قال: إليك تعدو قلقاً وضينها ** مخالفاً دين النصارى دينها وأخرج عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي بكر قال: رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبا سلمة بن سفيان، واقفين على طرف بطن عرفة فوقفت معهما، فلما دفع الإِمام دفعاً وقالا: إليك تعدو قلقاً وضينها ** أمخالفاً دين النصارى دينها يكثران من ذلك، وزعم أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولها إذا دفع.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس «أن أسامة بن زيد كان ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة» .
وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد «أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة، فلما جاء الشعب أناخ راحلته ثم ذهب إلى الغائط، فلما رجع جئت إليه بالأداوه فتوضأ، ثم ركب حتى أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء» .
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين، باقامة واحدة.
أما قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ .
أخرج وكيع وسفيان وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو.
أنه سئل عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا المشعر الحرام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: المشعر الحرام مزدلفة كلها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر.
أنه رأى الناس يزدحمون على قزح فقال: علام يزدحم هؤلاء؟
كل ما هاهنا مشعر.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله: ﴿ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ قال: هو الجبل وما حوله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما بين الجبلين اللذين بجمع مشعر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: ما بين جبلي مزدلفة فهو المشعر الحرام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن الأسود قال: لم أجد أحداً يخبرني عن المشعر الحرام.
وأخرج مالك وابن جرير عن عبد الله بن الزبير قال: عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنة والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر.
وأخرج الأزرقي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفعوا عن بطن عرنة، وارفعوا عن بطن محسر» .
وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟
قال: المزدلفة إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما قال: قف بأيهما شئت وأحب إلي أن تقف دون قزح.
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين وقف بعرفة «هذا الموقف وكل عرفة موقف.
وقال حين وقف على قزح: هذا الموقف وكل المزدلفة موقف» .
وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف عند المشعر الحرام، ويقف الناس يدعون الله، ويكبرونه، ويهللونه، ويمجدونه، ويعظمونه، حتى يدفع إلى منى.
وأخرج الأزرقي عن نافع قال: كان ابن عمر يقف بجمع كلما حج على قزح نفسه لا ينتهي حتى يتخلص عنه، فيقف عليه الامام كلما حج.
وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر.
أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: رخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت عمر بن الخطاب بجمع بعدما صلى الصبح، وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير.
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس.
وأخرج الأزرقي عن كليب الجهني قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حجته وقد دفع من عرفة إلى جمع، والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمها حتى نزل قريباً منها.
وأخرج الأزرقي عن ابن عمر قال: كانت النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان.
وأخرج الأزرقي عن إسحاق بن عبد الله بن خارجة عن أبيه قال: لما أفاض سليمان بن عبد الملك بن مروان من المأزمين نظر إلى النار التي على قزح فقال لخارجة بن زيد: يا أبا زيد من أوّل من صنع النار ههنا؟
قال خارجة: كانت في الجاهلية وضعها قريش، وكانت لا تخرج من الحرم إلى عرفة وتقول: نحن أهل الله قال خارجة: فاخبرني رجال من قومي أنهم رأوها في الجاهلية وكانوا يحجون، منهم حسان بن ثابت في عدة من قومي قالوا: كان قصي بن كلاب قد أوقد بالمزدلفة ناراً حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفات.
وأخرج البخاري واللفظ له ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بآذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر وقائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» إن هاتين الصلاتين حوّلتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعاً حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى اسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة فيقيل حيث قضى له، حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم وقف بعرفات حتى تغيب الشمس ثم يفيض، فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن عروة بن مضرس قال «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت: جئتك من جبل طيئ وقد أكلت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلى وقفت عليه فهل لي من حج؟
فقال: من صلى معنا هذه الصلاة في هذا المكان، ثم وقف هذا الموقف حتى يفيض الإِمام، وكان وقف قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» .
وأخرج الشافعي عن ابن عمر قال: من أدرك ليلة النحر من الحاج فوقف بجبل عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فيقف بها قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأت البيت فليطف به سبعاً، ويطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج قابلاً فليحج إن استطاع وليهد بدنة، فإن لم يجد هدياً فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وأخرج مسلم والنسائي عن عبد الرحمن بن يزيد.
أن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقال أعرابي: من هذا؟
قال عبد الله: انسي الناس أم ضلوا؟
سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان «لبيك اللهم لبيك» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن الزبير في قوله: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ قال: ليس هذا بعام هذا لأهل البلد كانوا يفيضون من جمع، ويفيض سائر الناس من عرفات، فأبى الله لهم ذلك، فأنزل الله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ قال: من قبل القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وإن كنتم من قبله لمن الضالين ﴾ قال: لمن الجاهلين.
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل بمثل عمله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به، فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي تهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً منه.
ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته حتى أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين يقرأ فيهما بقل هو الله أحد، وبقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ [ البقرة: 158] فبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فكبر الله وحده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال: مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى أهلوا بالحج، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة.
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فاجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا غربت الشمس أمر بالقصواء فرحلت، فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دم عثمان بن ربيعة بن الحرث بن المطلب، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، اتقوا الله في النساء أخذتموهن بامانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت قال: اللهم اشهد، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص، وأردف أسامة خلفه فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى: السكينة أيها الناس كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى صعد حتى أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح.
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل الكعبة فحمد الله وكبره وَوَحَّدَهُ، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى محسراً، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى الذي تخرجك إلى الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، فرمى بطن الوادي ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقتها ثم ركب، ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فصلى بمكة الظهر، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فأدلوه دلواً فشرب منه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال المفسرون: كان قوم يزعمون أنه ليس لجمَّالٍ ولا أَجِيرٍ ولا تاجر حج، فأعلم الله عز وجل أنه لا (جُنَاح) أي: لا حرج في ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا ﴾ من رَبِّكُمْ: رزقًا من ربكم، يعني: التجارة في الحج (١) قال الزجاج: وموضع أن نصب، على تقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقطت (في) عمل فيها معنى جُناح.
المعنى: لستم تأثمون أن تبتغوا، أي: في أن تبتغوا (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ ﴾ معنى الإفاضة، في اللغة: الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق.
يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه: وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ...
يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ (٣) وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة.
قال الراعي: وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ...
من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا (٤) وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ (٥) ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ أي: دفعتم بكثرة (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ القراءةُ بالكسرةِ والتنوين؛ لأنها جَمْع عَرَفَة، مثل: مسلمات ومؤمنات، سميت بها بقعةٌ واحدة، مثل قولهم (٨) (٩) (١٠) فإذا كانت في الأصل اسمًا لبقعة ولم يكن جمعًا لواحد معروف تركوا إجراءها، مثل: عانات وأذرعات (١١) (١٢) قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ الوجه كسرها مع التنوين، وهي اسم لمكان واحد، ولفظه لفظ الجمع، والوجه فيه: الصرفُ عند جميع النحويين؛ لأنه بمنزلة الزيدين يستوي نصبُه وجَرُّه، وليس بمنزلة هاء التأنيث (١٣) (١٤) هذا كلامه، ومعناه: أن عرفات بمنزلة مسلماتٍ، وهو معنى قوله: لأنه بمنزلة الزيدين، وهي وإن كانت اسمًا لمكان واحد لفظه جمع كما بينا، بخلاف عانات.
قال: وقد يجوز منعه الصرف إذا كان اسمًا للواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورًا، وإن أسقطت التنوين، وأنشد: تَنَوَّرْتُها من أَذْرعاتٍ وأهْلُهَا ...
بيَثْرِبَ أدْنَى دَارِها نَظَرٌ عَالِ (١٥) الرواية بالتنوين، وقد أُنْشِدَ بغير التنوين، فأما الفَتْحُ فَخَطأ (١٦) (١٧) فعنده (من عرفاتَ) وهو قراءة العقيلي خطأ؛ لأن هذه التاء لا تفتح، وعند غيره إذا كان المراد به اسمًا واحدًا يجوز أن تفتح؛ لأنها ليست بتاء جمع يجري لفظه على ما كان يجري قبل التسمية، وعلى هذا جاء عرفات، قال الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ فالذي ذكره أصحابنا التنوين، أجازوا ترك التنوين.
قال (١٨) (١٩) (٢٠) واختلفوا لم سميت تلك البقعة عرفات؟
(٢١) فقال الضحاك: إن آدم لما أُهْبِطَ، وقع بالهندِ، وحَوَّاء بِجُدَّة، فجعل آدم يطلب حواءَ، وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عَرَفَة، وتَعَارَفا، فسمي اليوم عَرَفَة، والموضع عرفات (٢٢) وقال عطاء: إن جبريل كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقول: عَرَفْتُ، ثم يريه فيقول: عرفتُ، فسميت عرفات (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ أي: بالدُّعاء والتَّلْبية (٢٤) ﴿ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ وهو المزدلفة (٢٥) وتسمى مشعرًا من الشِّعَار، وهو العلامة؛ لأنه مَعْلَم الحج.
والصلاةُ (٢٦) (٢٧) ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ .
وقولُه تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ موضَع الكاف نَصْب.
المعنى: واذكروه ذكرًا مثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاءً لهدايته (٢٨) (٢٩) قال سيبويه: يقال: ذَكَرْته ذِكرًا مثل: حَفِظْتُه حِفْظًا (٣٠) (٣١) والذكر في كلام العرب على ضَرْبين: ذكر هو خلاف النسيان، وذكر هو قول (٣٢) ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ والذكر الذي هو قولٌ يستعمل على ضربين: قول لا ثلبَ فيه للمذكور، كقوله: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ ﴾ ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ ، وهو كثير.
والآخر: يراد به ثلب المذكور، كقوله: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ (٣٣) يذكركم منا عدي بن حاتم ...
لَعَمْري لقد جِئْتُم حبولًا وماثما (٣٤) ويقال في مصدره أيضًا: ذِكرى (٣٥) وإنما أعاد الأمر بالذكر بعد قوله: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ مبالغة في الأمر، وزيادة في الحث.
وأكثر ما يكون التكرير في الأمر والنهي، كقولهم للرجل: اِرْم اِرْم.
على أنَّ هذا التكرير حَسُنَ هاهنا؛ لأن اللفظةَ الثانيةَ لم تلاصِقِ الأُوْلى، وأيضًا فإن الأمر الثاني موصول بما لم يَصِلْ به الأول، وكانت الإعادة لما تعلق به من قوله: ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ (٣٦) وقال ابن الأنباري معنى قوله: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: اذكروه بتوحيده كما ذكَرَكُم بهدايته (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ أي: من قبل هداه، فالهاء كناية عن الهدى لدلالة هدى عليه (٣٨) ﴿ وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ ، يعنى: ما نظنك إلا من الكاذبين (٣٩) (١) هذا السبب جمعه المؤلف من عدة آثار بمعناها عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة، وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها، فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، في مواسم الحج، رواه البخاري، "الفتح" (3/ 593) == في الحج، باب: التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية 2/ 239 برقم 1770، وأبو داود في المناسك، باب: الكرى 2/ 146 برقم 1734، والطبراني في "الكبير" 11/ 113، والطبري 2/ 285 وغيرهم، وثبت عن ابن عمر نحوه، رواه الأمام أحمد 2/ 155 برقم 6435 ط.
شاكر.
وصححه أحمد شاكر، وأبو داود، الموضع السابق حديث 1733، والحاكم 1/ 449 وصححه، والطبري 2/ 282 - 284، وفيه قال أبو أمامة التيمي: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فيزعمون أنه ليس لنا حج، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قلت: بلى، قال: أنت حاج، جاء رجل إلى النبي فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل بهذه الآية.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 271.
(٣) والبيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من "المفضليات" ص 126، "ديوان الهذليين" 1/ 6 والبيت في "اللسان" مادة: ريب، وصدع.
والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر.
صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها.
وينظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 18.
(٤) البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في "ديوانه" 52، وفي "جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 179 وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2719 (فيض) والثعلبي في "تفسيره" 2/ 547 ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في "معجم البلدان" 2/ 279: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم.
إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة.
والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق.
(٥) ينظر في مادة (فيض): "تهذيب اللغة" 3/ 2719، "تفسير الثعلبي" 2/ 546، "المفردات" ص 390، "عمدة الحفاظ" 3/ 308، قال الزجاج في "تفسيره" 1/ 272: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، وفي معنى الآية ثلاثة أقوال، هذا أحدها.
والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 285، والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان.
وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 546، "النكت والعيون" 1/ 260، "البحر المحيط" 3/ 83 (٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، قال أبو حيان في "تفسيره" 2/ 95 متعقبا هذا القول: ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك.
(٨) ثوب أخلاق: الثوب الذي بلي كله، ومعنى خلق، أي: بلي، وبرمة أعشار، وقدور أعاشر: مكسرة على عشر قطع، أو عظيمة لا يحملها إلا عشرة، والبرُمة: بالضم قدر من حجارة.
والسبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة، يقال: بلد سبسب، وسباسب.
(٩) في (م): سباب.
(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 164 - 165، "الكتاب" لسيبويه 3/ 232 - 233، "تفسير البغوي" 1/ 228، "تفسير الطبري" 2/ 285 - 286، ورجح الطبري أنه اسم لواحد، سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلًا، وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف.
واستدرك أبو حيان في "البحر" 2/ 83 على من زعم أنها جمع، بأنه إن عنى في الأصل فصحيح، وإن عنى حالة كونه علما فليس بصحيح؛ لأن الجمعية تنافي العلمية.
(١١) أذرعات: موضع بالشام بين دمشق وعمان، وعانات، ويقال عانة: موضع في العراق على نهر الفرات.
(١٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 549.
(١٣) قوله: وليس بمنزلة هاء التأنيث ساقط من (ش).
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272.
(١٥) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 124.
"الكتاب" لسيبوبه 2/ 233، "الخزانة" 1/ 26، والضمير في قوله: تنورتها للمرأة التي يذكرها، وتنور النار: أبصرها من بعيد، والمعنى: لاح نور المرأة في الظلماء وهو بأذرعات بلد الشام وهي بيثرب (المدينة)، ثم يقول: أقرب ما يرى منها لا يرى إلا من عال في جو السماء، يصف بُعْدَ ما بينه وبينها، ومع ذلك فقد لاحت له في الليل من هذا المكان البعيد.
(١٦) النحويون على إجازة الأوجه الثلاثة؛ لأنه ليس جمعا.
ينظر الأشموني 1/ 75، وممن أنشد البيت بغير تنوين: المبرد في "المقتضب" 3/ 333.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 272، والعبارة الأخيرة عنده هكذا: لأن نصب الجمع وفتحه كسر.
(١٨) الظاهر عود الضمير على الزجاج في المواضع الثلاثة الآتية، ولم أجد هذا النقل في كتابه، إلا أن يكون في الكلام سقط، أو في "معاني القرآن" للزجاج نقص.
(١٩) "المقتضب" للمبرد 3/ 331 - 334.
(٢٠) "الكتاب" لسيبويه 3/ 232 - 233.
(٢١) ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة في سبب تسمية البقعة عرفات.
ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 286، "النكت والعيون" 1/ 261، "التفسير الكبير" 5/ 188 - 190.
(٢٢) ذكره الثعلبي 2/ 549، البغوي في "تفسيره" 1/ 228، وابن الجوزي في "زاد == المسير" 2/ 174، وروى الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 121 عن ابن عباس نحوه، وقال ابن كثير: وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهما، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات؛ والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى أو رسوله.
(٢٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، القسم الأول من الجزء الرابع 291، ورواه الفاكهي في "أخبار مكة" 5/ 9، والطبري 2/ 286، والثعلبي 2/ 554، وروى الإمام أحمد 1/ 297، وغيره عن ابن عباس نحوه.
(٢٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 562.
(٢٥) اختلف في المراد بالمشعر الحرام، فقيل: هو الجبل الذي بالمزدلفة، ويسمى جبل قزح، وهذا قول لبعض المفسرين، وهو الذي صححه الزمخشري.
والأكثرون على أن المزدلفة كلها هي المشعر الحرام، قال الطبري 2/ 287: فأما المشعر، فإنه ما بين جبلي المزدلفة من مأزِمَي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم ذكر الرواية به عن ابن عمر وابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء والسدي والربيع.
ثم ذكر الطبري أنه يحتاج للحاج أن يجعل وقوفه لذكر الله من المشعر الحرام على قُزح وما حوله؛ لحديث: هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف.
(٢٦) سقطت من (م).
(٢٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 562، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 287، ونقل الثعلبي، عن المفضل: سمي المشعر لأنه أُشْعِرَ المؤمنون أنه حرم كالبيت ومكة، أي: اعملوا.
(٢٨) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 273.
(٢٩) المصدر السابق.
(٣٠) "الكتاب" لسيبويه، لم أعثر عليه فيه.
ونقله عنه في "اللسان" 3/ 1507 "ذكر".
(٣١) ينظر: "تهذيب اللغة"، ونقل عن الفراء قوله: الذَّكر: ما ذكرته بلسانك وأظهرته.
قال: والذُّكر بالقلب، يقال: ما زال مني على ذُكر، أي: لم أنسه.
(٣٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1286 - 1287، نقله عن الليث، "لسان العرب" 3/ 1508 "ذكر".
(٣٣) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1287 "ذكر"، عن الفراء والزجاج بيان أن الذكر يكون مدحا ويكون عيبا، ونقل عن بعضهم أنه أن يكون الذكر عيبا.
وينظر أيضا: "تفسير الرازي" 5/ 193 - 194، ونقله بحروفه.
(٣٤) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.
(٣٥) ينظر في مادة: (ذكر) "تهذيب اللغة" 2/ 1286 - 1288، "اللسان" 3/ 1507 - 1509 "ذكر"، "المفردات" ص 184 وقال: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس، بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر.
ثم ذكر الأمثلة على ذلك، ولخص كلامه السمين الحلبي في "عمدة الحفاظ" 2/ 42 - 45.
(٣٦) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 192 - 193، وذكر وجوها أخر.
(٣٧) المصدر السابق.
(٣٨) واختاره الطبري 2/ 291، وقيل: راجعة إلى الرسول ، كناية عن غير مذكور، وقيل: راجعة إلى القرآن، ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 566، "تفسير البغوي" 1/ 230، "البحر المحيط" 2/ 98.
(٣٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 273، "تفسير الثعلبي" 2/ 566، "تفسير البغوي" 1/ 230، "تفسير الرازي" 5/ 195، وحكى الطبري وجها مفاده: أن إنْ بمعنى قد، والمعنى: وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين، وهذا مذهب الكسائي كما في "البحر المحيط" 2/ 98.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي التجارة في أيام الحج أباحها الله تعالى، وقرأ بان عباس: فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴿ أَفَضْتُم ﴾ اندفعتم جملة واحدة ﴿ مِّنْ عرفات ﴾ اسم علم للموقف، والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر لا تنوين صرف، فإن فيه التعريف والتأنيث ﴿ المشعر الحرام ﴾ أي المزدلفة، والوقوف بها سنة ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَإِن كُنْتُمْ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، ولذلك جاء اللام في خبرها ﴿ مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل الهُدى ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر للجنس وهم قريش ومن تبعهم كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرم، فأمرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفة مع الناس ويفيضوا منها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة؛ توفيقاً من الله تعالى له، والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس، ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى، فثم: على هذا القول على بابها من الترتيب، وأما على القول الوّل فليست للترتيب، بل للعطف خاصة، قال الزمخشري: هي كقولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإن معناها التفاوت بين ما قبلها وما بعدها وأن ما بعدها أوكد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.
وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.
الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.
﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.
﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.
﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.
﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.
التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".
أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.
وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.
واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.
والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.
ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.
والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.
وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.
ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.
قيل: إنه جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.
وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.
وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.
فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.
وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.
أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.
ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.
وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.
وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.
وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.
وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والجواب ما مر.
قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.
والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.
قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.
وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.
والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.
وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.
قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.
نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.
وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.
وأيضاً قال "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.
وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.
وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.
وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.
وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.
وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.
وصورة التلبية ما روي عن النبي أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.
روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.
لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.
فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
ثبت ذلك عن رسول الله .
وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.
قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.
فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.
وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.
والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.
ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال لعائشة ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .
قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.
وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.
وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.
أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.
وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.
وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.
وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.
أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.
فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.
ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.
وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.
وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.
ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.
قال "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.
ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.
وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.
ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".
وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.
ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.
وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.
وإن فدى لم يلزم إلا شاة.
وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.
فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.
روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.
وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.
والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.
وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.
وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.
وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.
واختلف المفسرون فيه.
فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.
وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.
فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.
قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.
فقال "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.
وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.
وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.
وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.
واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟
وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.
وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.
بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.
زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.
وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.
ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.
وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.
روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.
فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.
فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.
فألهمه الله في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.
وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.
وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.
ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.
وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.
وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.
﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.
قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.
وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.
قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.
فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.
ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.
وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.
فقال: سأل رجل رسول الله عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!
وعن جعفر الصادق : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.
واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ .
﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.
التقدير: أفضتم أنفسكم.
فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟
فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.
وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.
وأن هذا التنوين تنوين الصرف.
قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.
فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.
وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.
وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.
هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.
تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.
فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.
وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.
واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.
وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.
فقيل: التروية التفكر.
وسببه أن آدم لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟
قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.
قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.
قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.
قال: حسبي يا رب حسبي.
وقيل: إن إبراهيم رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.
وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.
وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.
أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟
قال: نعم.
أو لأن إبراهيم عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
عن علي وابن عباس وعطاء والسدي.
أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.
يقال: إن آدم وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله : الآن عرفتما أنفسكما.
وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.
قال "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي واقف بعرفة في موقف إبراهيم في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.
فقال النبي : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .
قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.
وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.
وعن عائشة أن رسول الله قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.
اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.
والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.
ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.
روي أن النبي مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.
فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.
ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.
بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.
ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله ويدعونه إلى غروب الشمس.
والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.
وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.
والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.
وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.
ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.
قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.
ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.
ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.
ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.
والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.
فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.
ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.
فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.
ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.
واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.
والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.
والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.
أما أنه مسنون فلأن النبي فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.
قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .
وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.
ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم .
وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.
وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.
وثبير جبل هناك فأمر الله نبينا بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.
وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.
قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.
وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.
وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.
والصلاة تسمى ذكراً قال ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.
أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.
والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.
أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.
فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.
أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.
روي أن النبي لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟
فلا تذهب.
فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.
وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.
ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.
وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم وإسماعيل فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.
﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".
القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.
وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.
﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.
والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.
وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.
ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.
أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.
من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.
واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.
فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.
وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.
وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.
عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.
فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.
ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.
وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.
ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.
وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.
والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.
وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.
وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.
وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.
وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.
وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.
ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.
ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.
فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".
فالفراهة للعبد لا لزيد.
والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.
وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.
ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.
فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".
وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.
ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس "أن النبي دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟
قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
فدعا له رسول الله فشفي" .
والإنصاف أنه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!
ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟
عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.
وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.
وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.
طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.
يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.
وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.
واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.
وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.
فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.
فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.
اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
ثم إنه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.
فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
لأن همته مقصورة على الدنيا.
والحسنتان في دعاء الصالحين.
أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.
وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.
روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.
وعن علي الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار امرأة السوء.
وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.
قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.
وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.
ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.
ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
فمن للابتداء.
ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.
﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.
والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.
وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.
ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.
عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.
وقيل: إنه يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.
فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.
ومن قال: إنه صوت قال: إنه يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.
إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.
أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ وقوله ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.
وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.
والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.
والثالث يوم النفر الثاني.
عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله أمر منادياً ينادي الحج عرفة.
من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.
فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.
ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.
وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.
وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.
واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.
فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.
والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.
وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.
والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .
ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.
وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.
قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.
وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".
وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي كذلك رماها.
وقال: خذوا عني مناسككم.
فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.
وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.
وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.
وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.
فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله أن لا إثم على واحد منهما.
وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.
فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.
وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن أنه لا حرج في واحد منهما.
وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.
وأما قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.
وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.
وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.
والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ .
التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.
نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.
﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.
﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.
فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.
وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.
فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.
﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص الله عز وجل للحاج وطلب الفضل.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأله، فقال: إنا قوم نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، [فهل لنا حج]؟
فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟
فقال: بلى.
قال: فأنتم حجاج.
وقال: "جاء رجل إلى النبي ؛ فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الاية: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، فقال النبي : أنتم حجاج" [وروي عن ابن عباس مثله].
وأصحابنا، رحمهم الله ، يرون حج الأجير والتاجر تامّاً، وظاهر القرآن يدل على ذلك.
وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمراً ظاهراً حتى سألوا في هذا.
وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجازة، كذا في هذا.
وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا.
وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰت ﴾ .
قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعاً: أن يجعلوا الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس.
والله أعلم.
وفي الخبر: "خالفوهم في الرجعتين جميعاً" والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة.
وقيل: الإفاضة: الانحدار.
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
يعني: المزدلفة.
[ويحتمل قوله ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ وجهين: يحتمل: صلاة المغرب والعشاء] ويحتمل: الدعاء فيهما جميعاً.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ﴿ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، الجبل وما حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: "قزح"، وسمي "جمعاً"، أيضاً [لأنه يجمع ين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يمسى جمعاً] لأنه اجتمع فيه أدم وحواء.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن جبريل، صلوات الله عليه، لما علَّم إبراهيم - - المناسك كان يقول له: عرفت عرفت.
والله أعلم ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
ويحتمل: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ ﴾ ، وأرشدكم لأمر المناسك.
ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، عن الهدي وعن المناسك، وعن معرفة النعم والشكر.
والله أعلم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الهدي على وجهين: هدي: عرف ليوحدوه.
وهدي: وفق، لطاعتهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: [إنما] نحن أهل حرم الله، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل الله فيهم: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس.
وذكر عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، [وكان من سواهم يقفون بعرفة].
فأنزل الله : ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله : "الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه" ويحتمل في قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، معنى آخر: وهو أنهم رأوا غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا بالإحرام [في الحرم]، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في الحرم.
والله أعلم.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله عليه -: أمر بالإفاضة بحرف "ثم"، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فَبَانَ أن حرف "ثم" مما قد يبتدأ به أيضاً.
وقوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكر، فإنه أولى بذلك من الآباء.
وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم - ما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فقال: اذكروا لي فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم [فإني أنا] الذي أنعمت عليكم [وعلى آبائكم]، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم.
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ .
[وقوله: ﴿ وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ].
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ...
﴾ الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، [طلبوا] خيرات الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ، فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، أي يؤتي حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإننم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعاً بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الدنيا، و ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الآخرة: قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة.
وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان.
وكله واحد.
وروي عن رسول الله ، أنه قال: "إن لله عباداً يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية.
قيل: يا رسول الله، بم؟
قال: بكثرة قولهم: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ " وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قيل: فيه بوجوه: قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ عقد الأصابع أو لشغل شغله، فالله - - يتعالى عن ذلك أن يوصف به أو يشغله شيء.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي قرب.
وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، [وهو كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ] وهو كقوله : "من نوقش الحساب عذب" وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
قيل: إنه يحتمل وجهين: قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا الله بالنحر والذبح في أيامكم.
فهو عند أبي حنيفة، رحمه الله ، يوم النحر ويومان بعده.
وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، وهب أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.
وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: "الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها".
وكذلك روي عن عمر، رضي الله عنه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، أي: بعد يوم النحر [بيومين].
يقول: من نفر من منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس وأقام إلى الغد - اليوم الثالث - فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه.
وقيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، أن يكون جميعاً على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعاً، فلا يلحقه الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ غفر له، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ غفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم الذي أخر.
والله أعلم.
ويحتمل: أنه خيره، أي: فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه.
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال في قوله : ﴿ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : رجع مغفوراً له.
وقوله: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من اتقى معاصي الله جملة.
وقيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال وغيره، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، خوفهم عز وجل ليتقوا الله في كل وقت كل معصية.
خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار أيضاً، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
ليس عليكم إثم أن تطلبوا الرزق الحلال بالتجارة وغيرها في أثناء الحج، فإذا دفعتم من عرفات بعد وقوفكم فيها يوم التاسع، متوجهين إلى مزدلفة ليلة العاشر من ذي الحجة؛ فاذكروا الله بالتسبيح والتهليل والدعاء عند المشعر الحرام بمزدلفة، واذكروا الله لهدايته لكم إلى معالم دينه، ومناسك حج بيته، فقد كنتم من قبل ذلك من الغافلين عن شريعته.
<div class="verse-tafsir" id="91.l82jJ"
قوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ متصل بما قبله واقع موقع الاستدراك والاحتراس مما عساه يسبق إلى الفهم من الأمر بالتزود من التقوى وعمل البر والخير وهو خير الزاد، ثم من مخاطبة أولي الألباب بالأمر بالتقوى تعريضًا بأن غير المتقي لا لب له ولا عقل، وهو أن أيام الحج لا يباح فيها غير أعمال البر والخير، فيحرم فيها ما كانت عليه العرب في الجاهلية من التجارة والكسب في الموسم، كما يحرم الرفث والفسوق والجدال الذي هو من لوازم التجارة غالبًا، والترفه بزينة اللباس المخيط والحلق والافضاء إلى النساء، فأزال هذا الوهم من الفهم وعلمنا أن الكسب في أيام الحج مع ملاحظة أنه فضل من الله غير محظور لأنه لا ينافي الإخلاص له في العبادة، إنما الذي ينافي الإخلاص هو أن يكون القصد إلى التجارة، بحيث لو لم ير الكسب لم يسافر لأجل الحج.
وهذا ما عليه الجمهور.
كان بعض المشركين وبعض المسلمين في أول الإسلام يتأثمون في أيام الحج من كل عمل حتى كانوا يقفلون حوانيتهم، فعلمهم الله تعالى أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص، وإن قوله تعالى ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من الله تعالى نوع من أنواع العبادة، ويروى أن سيدنا عمر قال في هذا المقام لسائل: وهل كنا نعيش إلا بالتجارة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ الإفاضة من المكان الدفع منه، مستعار من إفاضة الماء وأصله أفضتم أنفسكم، ويقال أيضًا أفاض في الكلام إذا انطلق فيه كما يفيض الماء ويتدفق، وعرفات معروفة وهي موقف الحاج في النسك يجتمع فيها كل عام ألوف كثيرة من الناس، وقد جاء هذا الاسم بصيغة الجمع وقيل إنه جمع وضع لمفرد كأذرعات وهو مرتجل، وذكروا وجوهًا للتسمية أحسنها أنه يتعرف فيه الناس إلى ربهم بالعبادة، أو أنه يشعر بتعارف الناس فيه، وعرفة اسم لليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفات وهو تاسع ذي الحجة، وأطلق أيضًا على المكان في كلامهم ولعرفات أربعة حدود حد إلى جادة طريقة المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عرنة (بضم ففتح)، وليس عرنة ولا نمرة (بفتح فكسر) من عرفات.
والوقوف بعرفات أعظم أركان الحج وكلها موقف.
والمشعر الحرام جبل المزدلفة يقف عليه الإمام ويسمى قزح (بضم ففتح) وسمى مشعرًا لأنه معلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته وقيل هو المزدلفة كلها من مأزمي عرفات إلى وادي محسر (بكسر السين المهملة المشددة) وليس هو من مزدلفة ولا من منى بل هو من مسيل ماء بينهما في الأصل، وقد استوت أرضه الآن أو هو من منى.
والمعنى أنه يطلب من الحاج إذا دفع من عرفات إلى المزدلفة أن يذكر الله عند المشعر الحرام فيها بالدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، وقيل بصلاة العشائين جمعًا، وليس هو المتبادل بل قالوه لينطبق على قولهم الأمر للوجوب مع قولهم إن الذكر هنا غير واجب.
ولقد أمر بالذكر عند المشعر الحرام للاهتمام به، لأنهم ربما تركوه بعد المبيت، ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفًا لا يخشى التهاون فيه.
والقرآن لم يبين كل المناسك، بل المهم وبيَّن النبي الباقي بالعمل.
ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي ذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة إذ أنجاكم من الشرك واتخاذ الوسطاء كما كنتم في الجاهلية تذكرونه مع ملاحظة غيره بينكم وبينه لا يفرغ قلبكم له.
وكانوا يولون في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما قيل ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾ أي من قبل الله الذي آمنتم به إيمانًا صحيحًا بهداية الإسلام دون الخيال الذي كنتم تدعونه إلهًا، وتجعلون له وسطاء شركاء يقربون إليه ويشفعون عنده فإن ذلك الخيال لا حقيقة له، وبهذا التقرير يستغنى عن تقدير المضاف ولا بأس بجعل ضمير "قبله" للهدى كما قال (الجلال)وغيره لسبق فعله، ويمكن أن يراد به القرآن كما قال بعضهم اكتفاء بدلالة المقام كقوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ﴾ .
﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ جعل المفسر (الجلال) كغيره الخطاب هنا لقريش خاصة ، إذ ورد في حديث عائشة عند الشيخين أن قريشًا ومن دان دينهم وهم الحمس كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعًا عن الوقوف مع العرب في عرفات، فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها أي إبطالًا لما كانت عليه قريش فالمراد بهذه الإفاضة الدفع عن عرفات كالأولى قال: "وثم للترتيب في الذكر".
وهذا القول مردود، لأن الأسلوب ينافيه، ذلك أن الخطاب في الآيات كلها عام.
وهم يذكرون هذا كثيرًا و يكرون له نكتة تزيل التفاوت من النظم.
وقوله ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ يراد به الاستغفار مما أحدثوا بعد إبراهيم من تغيير المناسك وإدخال الشرك وأعماله فيها، وإلا فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها، ومن عامة الذنوب في الحج وغيره، وهذا هو الذي يوجه إلى من بعد أولئك الذين أسلموا في الصدر الأول بعد أن كانوا مشركين ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائبًا منيبًا..
<div class="verse-tafsir"