الآية ٢٠٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٩ من سورة البقرة

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ) أي : عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج ، فاعلموا أن الله عزيز [ أي ] في انتقامه ، لا يفوته هارب ، ولا يغلبه غالب .

حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه ; ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره .

وقال محمد بن إسحاق : العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء ، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتم الحق، (70) فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون = فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع =" حكيم " فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره.

* * * وقد قال عدد من أهل التأويل إن " البينات " هي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

(71) وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين.

غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق، لأن الله جل ثناؤه، قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإنجيل، وتقدَّم إليه على ألسن أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.

فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* * * * ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: " فإن زللتم ": (72) 4027 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " فإن زللتم "، يقول: فإن ضللتم.

&; 4-260 &; 4028 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فإن زللتم " قال: الزلل: الشرك.

* * * ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: " من بعد ما جاءتكم البينات ": (73) 4029 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " من بعد ما جاءتكم البينات "، يقول: من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.

4030 - وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج: " فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات "، قال: الإسلام والقرآن.

* * * 4031 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " ، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.

(74) ----------------- الهوامش : (70) انظر معنى"زل" فيما سلف 1 : 524- 525 .

(71) انظر ما سلف في تفسير"البينات" 2 : 318 ، 354/ ثم 3 : 249- 151 .

(72) انظر معنى"زل" فيما سلف 1 : 524- 525 .

(73) انظر ما سلف في تفسير"البينات" 2 : 318 ، 354/ ثم 3 : 249- 251 .

(74) انظر معنى"عزيز" و"حكيم" في فهرس اللغة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيمفإن زللتم أي تنحيتم عن طريق الاستقامة .

وأصل الزلل في القدم ، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك ، يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أي دحضت قدمه .

وقرأ أبو السمال العدوي " زللتم " بكسر اللام ، وهما لغتان .

وأصل الحرف من الزلق ، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق .من بعد ما جاءتكم البينات أي المعجزات وآيات القرآن ، إن كان الخطاب للمؤمنين ، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام [ ص: 25 ] بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به .

وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع .

وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن ، فأقرأه الذي كان يعلمه " فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا ، ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟

فقال الرجل : فاعلموا أن الله عزيز حكيم فقال كعب : هكذا ينبغي ؛ " عزيز " لا يمتنع عليه ما يريده ، " حكيم " فيما يفعله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل, قال تعالى: { فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ } أي: على علم ويقين { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وفيه من الوعيد الشديد, والتخويف, ما يوجب ترك الزلل, فإن العزيز القاهر الحكيم, إذا عصاه العاصي, قهره بقوته, وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته, تعذيب العصاة والجناة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن زللتم ) أي ضللتم وقيل : ملتم يقال : زلت قدمه تزل زلا وزللا إذا دحضت قال ابن عباس : يعني الشرك قال قتادة : قد علم الله أنه سيزل زالون من الناس فتقدم في ذلك وأوعد فيه ليكون له به الحجة عليهم ( من بعد ما جاءتكم البينات ) أي الدلالات الواضحات ( فاعلموا أن الله عزيز ) في نقمته ) ( حكيم ) في أمره فالعزيز : هو الغالب الذي لا يفوته شيء والحكيم : ذو الإصابة في الأمر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن زللتم» ملتم عن الدخول في جميعه «من بعد ما جاءتكم البينات» الحجج الظاهرة على أنه حق «فاعلموا أن الله عزيز» لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم «حكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن انحرفتم عن طريق الحق، من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة، فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء، حكيم في أمره ونهيه، يضع كل شيء في موضعه المناسب له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ البينات فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) تفريع على النهي ، وترهيب من العقاب الذي سيصيب المتبعين للشيطان .قال القرطبي : وأصل الزلل في القدم ، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك .يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أي : دحضت قدمه .والبينات : جمع بينة ، وهي الأدلة والمعجزات ، ومجيئها : ظهورها .والمعنى : فإن تنحيتم عن طريق الحق ، وعدلتم عنه إلى الباطل ، من بعد أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ ، والتي تدعوكم إلى اتباع طريق الحق ، فاعلموا أن الله ( عَزِيزٌ ) لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن زل ( حَكِيمٌ ) لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما يضع الأمور في مواضعها .وجيء في الشرط بإن ، لندرة حصول الزلل من المؤمنين ، إذ الشأن فيهم ذلك .وقوله : ( فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) جواب الشرط .وقوله : ( مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ البينات ) قطع لعذرهم حتى لا يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل .

وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به - كما قال القرطبي - .وقال الفخر الرازي ما ملخصه : " وقوله : ( فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) نهاية في الوعيد ، لأنه يجمع من ضروب الخوف مالا يجمعه الوعيد بذكر العقاب .

وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي .

فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره .

فإن قيل : أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟

قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله : ( حَكِيمٌ ) فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء ، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة " .وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول في السلم كافة ، ونهاهم عن الزلل عن طريقة المستقيم ، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول في السلم فقال : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ .

.

.

) .ينظرون : أي ينتظرون .

يقال : نظرته وانتظرته بمعنى واحد .وظلل : جمع ظلة .

كظلم جمع ظلمة - وهي ما أظلك من شعاع الشمس وغيره .والغمام : اسم جنس جمعي لغمامة ، وهي السحاب الرقيق الأبيض ، سمى بذلك لأنه يغم ، أي يستر .

ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون متراكباً والاستفهام للإِنكار والتوبيخ .والمعنى : ما ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول في الإِسلم من بعد ما جاءتهم البينات ، إلا أن يأتهيم الله يوم القيامة في ظل كائنة من الغمام الكثيف العظيم ليحاسبهم على أعمالهم ، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو - سبحانه - .وإتيان الله - تعالى - إنما هو بالمعنى اللائق به - سبحانه - مع تنزيه عن مشابهة الحوادث ، وتفويض علم كيفية إليه - تعالى - .

وهذا هو رأي علماء السلف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو السمال ﴿ زَلَلْتُمْ ﴾ بكسر اللام الأولى وهما لغتان كضللت وضللت.

المسألة الثانية: يقال: زل يزل زلولاً وزلزالاً إذا دحضت قدمه وزل في الطين، ويقال لمن زل في حال كان عليها: زلت به الحال، ويسمى الذنب زلة، يريدون به الزلة للزوال عن الواجب فقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ أي أخطأتم الحق وتعديتموه، وأما سبب نزول هذه الآية فقد اختلفوا في السلم كافة، فمن قال في الأول: إنه في المنافقين، فكذا الثاني، ومن قال: إنه في أهل الكتاب فكذا الثاني، وقس الباقي عليه.

يروى عن ابن عباس: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ في تحريم السبت ولحم الإبل ﴿ مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ البينات ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه ﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ بالنقمة ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في كل أفعاله، فعند هذا قالوا لئن شئت يا رسول الله لنتركن كل كتاب غير كتابك، فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عارفاً بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال: قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على خلقه.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ يعني إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل.

فتوعد تعالى على كل ذلك زجراً لهم عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه، وما لم يعلم كونه من الكبائر فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقاً به وحينئذ يجب الاحتراز عنه.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ البينات ﴾ يتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور التي تثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوتها نحو العلم بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بالمعلومات كلها، قادراً على الممكنات كلها، غنياً عن الحاجات كلها، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة والسحر، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية، وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزول عند حصول كل هذه البينات.

المسألة السادسة: قال القاضي: دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلاً أولى، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة، وقال أيضاً: دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والإستدلال يلحقه الوعيد كالعارف، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف.

أما قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات ﴾ إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم، فكيف يدل قوله: ﴿ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ على الزجر والتهديد.

الجواب: أن العزيز من لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وقد ثبت أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات، فكان عزيزاً على الإطلاق، فصار تقدير الآية: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم، فلا يفوته ما يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي، وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره، فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟

قلنا: نعم من حيث أتبعه بقوله: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة.

المسألة الثانية: احتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية قال: لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات، ولفظ ﴿ البينات ﴾ لفظ جمع يتناول الكل، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات وقبل الشرع لم تحصل كل البينات، فوجب أن لا يحصل الوعيد، فوجب أن لا يتقرر الوجوب قبل الشرع.

المسألة الثالثة: قال أبو علي الجبائي: لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار: السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيهاً، والسفيه لا يكون حكيماً أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيماً إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء ومريداً لها، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا: لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه.

قلنا: هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمراً بما لا يتم إلا به، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا: لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم.

المسألة الرابعة: يحكى أن قارئاً قرأ ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فسمعه أعرابي فأنكره، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ السلام ﴾ بكسر السين وفتحها.

وقرأ الأعمش بفتح السين واللام، وهو: الإستسلام والطاعة، أي استسلموا لله وأطيعوه ﴿ كَافَّةً ﴾ لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته.

وقيل هو الإسلام.

والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم.

ويجوز أن يكون كافة حالا من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب.

قال: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ** وَالحْرَبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها.

وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة.

أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها.

وعن عبد الله بن سلام.

أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل و(كافة) من الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ عن الدخول في السلم ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات ﴾ أي الحجج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا ينتقم إلا بحق.

وروي أنّ قارئًا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.

وقرأ أبو السّمال: ﴿ زللتم ﴾ بكسر اللام وهما لغتان، نحو: ظللت وظللت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ السِّلْمُ بِالكَسْرِ والفَتْحِ الِاسْتِسْلامُ والطّاعَةُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ في الصُّلْحِ والإسْلامِ.

فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيٌّ وكَسَرَهُ الباقُونَ.

وكافَّةٌ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لِأنَّها تَكُفُّ الأجْزاءَ مِنَ التَّفَرُّقِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ السِّلْمِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ كالحَرْبِ قالَ: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ...

والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنَفاسِها جُرَعُ والمَعْنى اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً ظاهِرًا وباطِنًا، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكم ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ.

والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ عَظَّمُوا السَّبْتَ وحَرَّمُوا الإبِلَ وألْبانَها، أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِالإيمانِ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ جَمِيعًا والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وأحْكامِهِ كُلِّها فَلا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِالتَّفَرُّقِ والتَّفْرِيقِ.

إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ.

﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ ﴾ عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ ﴾ الآياتُ والحُجَجُ الشّاهِدَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فإن زللتم} ملتم عن الدخول فيه هو الحق {فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ} غالب لا يمنعه شيء من عذابكم {حَكِيمٌ} لا يعذب إلا بحق ورُوي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه

أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ ﴾ أيْ: مِلْتُمْ عَنِ الدُّخُولِ ﴿ فِي السِّلْمِ ﴾ وتَنَحَّيْتُمْ، وأصْلُهُ السُّقُوطُ، وأُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ مَجازًا.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ: الحُجَجُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ، أوْ آياتُ الكِتابِ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ المُوجِبَةُ لِلدُّخُولِ ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنَ الِانْتِقامِ مِنكم.

﴿حَكِيمٌ 209﴾ لا يَتْرُكُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن مُؤاخَذَةِ المُجْرِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.

قرأ نافع وابن كثير والكسائي: السّلم بنصب السين وقرأ الباقون: بالكسر.

والسّلم بالكسر هو الإسلام والسَّلم بالنصب هو المسالمة والصلح.

ويقال: السَّلم والسَّلم في اللغة: هو الصلح.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا يتقون السبت، ويحرمون أكل لحوم الجمال فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي في شرائع دين محمد  .

وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني طاعات الشيطان.

قال مقاتل: استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة وأن يعملوا ببعض ما في التوراة فنزل قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فإن اتباع السنة الأولى- بعد ما بعث محمد  - من خطوات الشيطان.

وقال بعضهم: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي اثبتوا على شرائع محمد  ولا تخرجوا منها.

وقوله: كَافَّةً أي عبارة عن الجميع، فيجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعاً ويجوز أن يكون معناه: ادخلوا في جميع شرائعه ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشيطان.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أي ظاهر العداوة فَإِنْ زَلَلْتُمْ، أي ملتم عن شرائع محمد  .

مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ، يعني محمدا  وشرائعه، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة حكيم في أمره، وقال مقاتل أي حكيم حكم عليهم بالعذاب الشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لما حسن من جميع جهاته.

وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ...

الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي.

قلت:

قال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق ٥٢ أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «١» .

انتهى.

والْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم.

وفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ.

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ...

الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «٢» :

عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «٣» ، وخُبَيْب «٤» ، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من

المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «١» .

ويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠] ، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» .

وعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ...

الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلّى الله عليه وسلم، والتعريف به.

وعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.

وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ:

جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم.

وذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «٣» ، وقال قومٌ:

بل هو توعُّد بيوم القيامة «٤» ، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ يَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ،  ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَفِي "السِّلْمِ " ثَلاثُ لُغاتٍ: كَسْرُ السِّينِ، وتَسْكِينُ اللّامِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ في "البَقَرَةِ" وفَتَحا السِّينَ في "الأنْفالِ" وسُورَةِ "مُحَمَّدٍ" وفَتْحُ السِّينِ مَعَ تَسْكِينِ اللّامِ.

وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وفَتْحُ السِّينِ واللّامِ.

وبِها قَرَأ الأعْمَشُ في "البَقَرَةِ" خاصَّةً.

وَفِي مَعْنى " السِّلْمِ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: و"كافَّةً" بِمَعْنى الجَمِيعِ، وهو في اشْتِقاقِ اللُّغَةِ: ما يَكُفُّ الشَّيْءَ في آَخِرِهِ، مِن ذَلِكَ: كَفَّهُ القَمِيصُ، وكُلُّ مُسْتَطِيلٍ فَحَرَّفَهُ كُفَّةٌ: بِضَمِّ الكافِ.

ويُقالُ: في كُلِّ مُسْتَدِيرٍ: كِفَّهُ بِكَسْرِ الكافِ، نَحْوُ: كِفَّةُ المِيزانِ.

ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَتْ كُفَّةَ الثَّوْبِ، لِأنَّها تَمْنَعُهُ أنْ يَنْتَشِرَ، وأصْلُ الكَفِّ: المَنعُ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ، لِأنَّها تَكُفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ: قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ أنْ يَنْظُرَ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ قَوْلُهُ: "كافَّةً" يَرْجِعُ إلى السِّلْمِ، أوْ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السِّلْمِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ.

وهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في نُزُولِ الآَيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا كُلُّكم في الإسْلامِ، وبِهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي.

وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "كافَّةً" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِألْسِنَتِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ في جَمِيعِ شَرائِعِهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا  ﴾ .

و: "خُطُواتُ الشَّيْطانِ" المَعاصِي.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها.

و"البَيِّناتُ" الدَّلالاتُ الواضِحاتُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي الإسْلامُ والقُرْآَنُ.

و"يَنْظُرُونَ" بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ كانَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَنِ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا.

وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهِ: قُدْرَتُهُ وأمْرُهُ.

قالَ: وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ أيْ: بِظُلَلٍ.

والظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ.

و"الغَمامُ": السَّحابُ الَّذِي لا ماءَ فِيهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: في قِطَعٍ مِنَ السَّحابِ.

ومَتى يَكُونُ مَجِيءُ المَلائِكَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخَفْضِ "المَلائِكَةِ" و"قُضِيَ الأمْرُ": فَرَغَ مِنهُ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ أيْ: تَصِيرُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ، "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.

فَإنْ قِيلَ: فَكَأنَّ الأُمُورَ كانَتْ إلى غَيْرِهِ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ إعْلامُ الخَلْقِ أنَّهُ المُجازِي عَلى الأعْمالِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا عَبَدَ قَوْمَ غَيْرِهِ، ونَسَبُوا أفْعالَهُ إلى سِواهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَدُّوا إلَيْهِ ما أضافُوهُ إلى غَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَدْ رَجَعَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: إذا صارَ إلَيْهِ مِنهُ مَكْرُوهٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ ومِمّا يُشْبِهُ هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ: وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ أرادَ: يَصِيرُ رَمادًا، لا أنَّهُ كانَ رَمادًا.

وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانَ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ شَيَّبا بِماءٍ فَعادا بَعْدَ أبْوالًا أيْ: صارَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الأُمُورُ إلَيْهِ قَبْلَ الخَلْقِ، ثُمَّ أوَجَدَهم فَمَلَّكَهم بَعْضَها رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَرى ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ فَما الحِكْمَةُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ؟

فالجَوابُ: أنَّ إعادَةَ اسْمِهِ أفْخَمُ وأعْظَمُ، والعَرَبُ إذا جَرى ذِكْرُ شَيْءٍ يُفَخَّمُ أعادُوا لَفْظَهُ، وأنْشَدُوا: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئًا ∗∗∗ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا فَأعادُوا ذِكْرَ المَوْتِ لِفَخامَتِهِ في صُدُورِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللهِ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللهُ يَرْزُقُ مِنَ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَلَلْتُمْ" بِفَتْحِ اللامِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "زَلَلْتُمْ" بِكَسْرِها.

وأصْلُ الزَلَلِ في القِدَمِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والمَعْنى: ضَلَلْتُمْ وعِجْتُمْ عَنِ الحَقِّ.

و"البَيِّناتُ" مُحَمَّدٌ وآياتُهُ ومُعْجِزاتُهُ إذا كانَ الخِطابُ أوَّلًا لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالبَيِّناتُ ما ورَدَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الإعْلامِ بِمُحَمَّدٍ  والتَعْرِيفِ بِهِ.

و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ مُقْتَضِيَةٌ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْكُمْ، لا تُعْجِزُونَهُ، ولا تَمْتَنِعُونَ مِنهُ.

"حَكِيمٌ" أيْ مُحْكَمٌ فِيما يُعاقِبُكم بِهِ لِزَلَلِكم.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ لَمّا أسْلَمَ، كانَ يَتَعَلَّمُ القُرْآنَ، فَأقْرَأهُ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ "فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقالَ كَعْبٌ: إنِّي لَأسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ هَكَذا، ومَرَّ بِهِما رَجُلٌ، فَقالَ كَعْبٌ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟

فَقَرَأ الرَجُلُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: هَكَذا يَنْبَغِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، و"هَلْ" مِن حُرُوفِ الِابْتِداءِ كَأمّا، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، والمُرادُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزِلُّونَ.

والظُلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهِيَ: ما أظَلَّ مِن فَوْقٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: "فِي ظِلالِ" وكَذَلِكَ رَوى هارُونُ بْنُ حاتِمٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمٍ هُنا، وفي الحَرْفَيْنِ في الزُمَرِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: "ظُلَلٌ": طاقاتٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَيْوَةَ والمَلائِكَةِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الغَمامِ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللهُ"، والمَعْنى يَأْتِيهِمْ حُكْمُ اللهِ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ وعِقابُهُ إيّاهُمْ، وذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَوَعُّدَ هو بِما يَقَعُ في الدُنْيا.

وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ وعِيدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأمّا المَلائِكَةُ فالوَعِيدُ هو بِإتْيانِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

و"الغَمامِ" أرَقُّ السَحابِ وأصْفاهُ وأحْسَنُهُ، وهو الَّذِي ظَلَّلَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.

وقالَ النَقّاشُ: هو ضَبابٌ أبْيَضُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ".

و"قُضِيَ الأمْرُ" مَعْناهُ: وقَعَ الجَزاءُ وعُذِّبَ أهْلُ العِصْيانِ.

وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: "وَقَضاءُ الأمْرِ".

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَقَضى الأُمُورَ" بِالجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "تَرْجِعُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ تَعالى قَبْلُ وبَعْدُ، وإنَّما نُبِّهَ بِذِكْرِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى زَوالِ ما كانَ مِنها إلى المُلُوكِ في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ إباحَةُ السُؤالِ لِمَن شاءَ مِن أُمَّتِهِ: ومَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخُهم عَلى عِنادِهِمْ بَعْدَ الآياتِ البَيِّنَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ: "اسْألْ" عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "أسَلُ" عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى السِينِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ بِذَلِكَ في إبْقاءِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ الحُمْرُ ومَن قَرَأ "سَلَّ" فَإنَّهُ أزالَ ألِفَ الوَصْلِ، حِينَ نَقَلَ واسْتَغْنى عنها.

و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَها لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: كَمْ آتَيْنا "آتَيْناهُمْ" وإمّا بِـ "آتَيْناهُمْ".

وقَوْلُهُ: "مِن آيَةٍ" هو عَلى التَقْدِيرِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ ثانٍ لـ "آتَيْناهُمْ"، وعَلى الثانِي في مَوْضِعِ التَمْيِيزِ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "كَمْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في "آتَيْناهُمْ" ويَصِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى "كَمْ" تَقْدِيرُهُ: "كَمْ آتَيْناهُمُوهُ".

والمُرادُ بِالآيَةِ: كَمْ جاءَهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ  مِن آيَةٍ مُعَرَّفَةٍ بِهِ دالَّةٍ عَلَيْهِ.

و"نِعْمَةَ اللهِ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ إنْعامِهِ ولَكِنْ يُقَوِّي مِن حالِ النَبِيِّ مَعَهم أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هَنا مُحَمَّدٌ  ، فالمَعْنى: ومَن يُبَدِّلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ صِفَةَ نِعْمَةِ اللهِ، ثُمَّ جاءَ اللَفْظُ مُنْسَحِبًا عَلى كُلِّ مُبَدِّلِ نِعْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى.

وقالَ الطَبَرِيُّ: النِعْمَةُ هُنا؛ الإسْلامُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

ويَدْخُلُ في اللَفْظِ أيْضًا كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ مِنهم نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، فَبَدَّلُوا قَبُولَها والشُكْرَ عَلَيْها كَفْرًا، والتَوْراةُ أيْضًا نِعْمَةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أرْشَدَتْهم وهَدَتْهُمْ، فَبَدَّلُوها بِالتَحْرِيفِ لَها وجَحْدِ أمْرِ مُحَمَّدٍ  .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ.

و"العِقابِ": مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ، كَأنَّ المُعاقَبَ يَمْشِي بِالمُجازاةِ لَهُ في آثارِ عَقِبِهِ.

ومِنهُ عَقَبَةُ الراكِبِ، وعَقَبَةُ القَدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ﴾ المُزَيَّنُ هو خالِقُها ومُخْتَرِعُها وخالِقُ الكُفْرِ.

ويُزَيِّنُها أيْضًا الشَيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الحَياةِ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَتْ" بِإظْهارِ العَلامَةِ، والقِراءَةِ دُونَ عَلامَةٍ هي لِلْحائِلِ، ولِكَوْنِ التَأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.

وخُصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لِقَبُولِهِمُ التَزْيِينَ جُمْلَةً، وإقْبالِهِمْ عَلى الدُنْيا، وإعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ بِسَبَبِها.

والتَزْيِينُ مِنَ اللهِ تَعالى واقِعٌ لِلْكُلِّ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، فالمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى سُنَنِ الشَرْعِ لَمْ تَفْتِنْهُمُ الزِينَةُ، والكُفّارُ تَمَلَّكَتْهم لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ -حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِالمالِ-: "اللهُمَّ إنّا لا نَسْتَطِيعُ إلّا أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَ لَنا.

وقَوْلُهُ: "وَيَسْخَرُونَ"، إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ حالَهم مِنَ الدُنْيا، ويَغْتَبِطُونَ بِها، ويَسْخَرُونَ مِن أتْباعِ النَبِيِّ  : كَبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِمْ.

فَذِكْرُ اللهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى خَفْضِ مَنزِلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ومَعْنى الفَوْقِ هُنا في الدَرَجَةِ والقَدْرِ، فَهي تَقْتَضِي التَفْضِيلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفّارِ مِنَ القَدْرِ نَصِيبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ .

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُتَّقِينَ هم في الآخِرَةِ في التَنَعُّمِ والفَوْزِ بِالرَحْمَةِ فَوْقَ ما هم هَؤُلاءِ فِيهِ في دُنْياهُمْ، وكَذَلِكَ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، مِن هَؤُلاءِ في نِعْمَةِ الدُنْيا.

فَعَلى هَذا الِاحْتِمالِ وقَعَ التَفْضِيلُ في أمْرٍ فِيهِ اشْتِراكٌ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ مِن حَيْثُ الجَنَّةُ في السَماءِ والنارُ في أسْفَلِ السافِلِينَ، فَيَعْلَمُ مِن تَرْتِيبِ الأمْكِنَةِ أنَّ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ في النارِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَتانِ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ زَعْمُ الكُفّارِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: وإنْ كانَ مَعاذٌ فَلَنا فِيهِ الحَظُّ أكْثَرُ مِمّا لَكُمْ، ومِنهُ حَدِيثُ خِبابٍ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ.

وهَذا كُلُّهُ مِنَ التَحْمِيلاتِ حِفْظٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في أنَّ التَفْضِيلَ إنَّما يَجِيءُ فِيما فِيهِ شَرِكَةً، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهُ حَيْثُ لا اشْتِراكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللهُ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ في الدُنْيا فَلا تَسْتَعْظِمُوا ذَلِكَ، ولا تَقِيسُوا عَلَيْهِ الآخِرَةَ، فَإنَّ الرِزْقَ لَيْسَ عَلى قَدْرِ الكُفْرِ والإيمانِ بِأنْ يَحْسَبَ لِهَذا عَمَلَهُ، ولِهَذا عَمَلَهُ، فَيُرْزَقانِ بِحِسابِ ذَلِكَ، بَلِ الرِزْقُ بِغَيْرِ حِسابِ الأعْمالِ، والأعْمالُ ومُجازاتُها مُحاسَبَةٌ ومُعادَةٌ إذْ إجْزاءُ الجَزاءِ تُقابِلُ إجْزاءَ الفِعْلِ المُجازى عَلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ -وَإنْ لَمْ يُرْزَقْ في الدُنْيا- فَهو فَوْقُ يَوْمِ القِيامَةِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ اللهَ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ عُلُوَّ المَنزِلَةِ بِكَوْنِهِمْ فَوْقَ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ النَعِيمِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فالآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِ رِزْقِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ حَيْثُ هو دائِمٌ لا يَتَناهى فَهو لا يَنْفَدُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "بِغَيْرِ حِسابٍ" صِفَةٌ لِرِزْقِ اللهِ تَعالى كَيْفَ تَصَرَّفَ إذْ هو جَلَّتْ قُدْرَتُهُ لا يُنْفِقُ بَعْدُ، فَفَضْلُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ هَذا الَّذِي يَشاؤُهُ اللهُ، كَأنَّهُ قالَ: بِغَيْرِ احْتِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ  ﴾ .

وإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ فالمَعْنى في ذَلِكَ: مُحْسِبًا، وأيْضًا فَلَوْ كانَ عَدًّا لَكانَ الحِسابُ في الجَزاءِ والمَثُوبَةِ لِأنَّها مُعادَةٌ.

وغَيْرُ الحِسابِ في التَفَضُّلِ والإنْعامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف على طريقة الاعتراض انتهازاً للفرصة بالدعوة إلى الدخول في السلم، ومناسبة ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه الدين مراتب، أعلاها ﴿ من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة: 207] لأن النفس أغلى ما يبذل، وأقلها ﴿ من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ [البقرة: 204] أي يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض، وذلك يشتمل على أنه اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد ذلك أن يدعى الناس إلى الدخول فيما يطلق عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب الدخول في السلم.

والخطاب بيأيها الذين آمنوا خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان، ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد.

و (الدخول) حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد، ويطلق مجازاً مشهوراً على حلول المكان الواسع يقال دخل بلاد بني أسد وهو هنا مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل.

و (السَّلم) بفتح السين وكسرها مع سكون اللام، قرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر بفتح السين وقرأ باقي العشرة بكسر السين، ويقال سلم بفتح السين واللام قال تعالى: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليم السلم لست مؤمناً ﴾ [النساء: 94] وحقيقة السلم الصلح وترك الحرب قال عباس بن مرداس: السَّلْمُ تأْخُذُ منها ما رَضِيتَ به *** والحَرْبُ تَكْفِيك من أَنْفَاسِها جُزَع وشواهد هذا كثيرة في كلامهم وقال زهير: وقد قلتما إن ندرك السِّلم واسعاً *** بكسر السين واشتقاقه من السلامة وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد يقال أسلم نفسه لفلان أي أعطاه إياها بدون مقاومة، واستسلم طلب السِّلم أي ترك المقاومة، وتقول العرب: أسلم أم حرب، أي أأنت مسالم أم محارب، وكلها معان متولد بعضها من بعض فلذلك جزم أئمة اللغة بأن السلم بكسر السين وفتحها وبالتحريك يستعمل كل واحد منها فيما يستعمل فيه الآخر.

قالوا ويطلق السلم بلغاته الثلاث على دين الإِسلام ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وأنشدوا قول امرئ القيس بن عابس الكندي في قضية ردة قومه: دَعَوْت عشيرتي للسَّلْم لَمَّا *** رأيتهمو تَوَلَّوْا مُدبرينا فلستُ مبدِّلاً بالله ربا *** ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا وهذا الإطلاق انفرد بذكره أصحاب التفسير ولم يذكره الراغب في «مفردات القرآن» ولا الزمخشري في «الأساس» وصاحب «لسان العرب» وذكره في «القاموس» تبعاً للمفسرين وذكره الزمخشري في «الكشاف» حكاية قول في تفسير السِّلم هنا فهو إطلاق غير موثوق بثبوته وبيت الكندي يحتمل معنى المسالمة أي المسالمة للمسلمين ويكون قوله: «دينا» بمعنى العادة اللازمة كما قال المثقب العبدي: تقول وقد أدرت لها وضيني *** أهذا دينه أبداً وديني وعن أبي عمرو بن العلاء السِّلم بكسر السين هو الإسلام والسَّلم بفتح السين المسالمة، ولذلك قرأ ﴿ ادخلوا في السِّلم ﴾ في هذه السورة بكسر السين لا غير وقرأ التي في سورة الآنفال والتي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح السين قال الطبري توجيهاً منه لمعناه هنا إلى أنه الإسلام دون الآيتين الأخريين.

وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ويَحتاج من فَرَّق إلى دليل.

فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة فهو مراد من الآية لا محالة وكونه يطلق على الإسلام إذا صح ذلك جاز أي يكون مراداً أيضاً ويكون من استعمال المشترك في معنييه.

فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بيأيها الذين آمنوا الذي هو كاللقب للمسلمين كان المعنى أَمْرَهم بالدخول في المسالمة دون القتال، وكما تقتضيه صيغة الأمر في (ادخلوا) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلاً أو كان مُفرَّطاً في بعضه.

فالذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم أجمعوا أمرهم على قتالهم، والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله رسول الله إلى قريش، فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما قضى حق ذلك كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين في تلك الآيات، استؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة عام الحديبية، لأن كثيراً من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال: ألسْنَا على الحق وعدُوُّنا على الباطل فكيف نعطي الدَّنية في ديننا رواه أهل «الصحيح» فتكون مدة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] إلى هنا.

واعلم أنه إذا كان الضمير في قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون ﴾ [البقرة: 210] راجعاً إلى ﴿ من الناس من يعجبك ﴾ [البقرة: 204] أو ﴿ من الناس من يشري نفسه ﴾ [البقرة: 207] كما سيأتي يكون قوله: ﴿ ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ اعتراضاً بين الجملة ذات المعاد والجملة ذات الضمير.

فأما إذا فسر السلم بالإسلام أي دين الإسلام فإن الخطاب بيأيها الذين آمنوا وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يُؤَوَّل بأنه أمر بزيادة التمكن منه والتغلغل فيه لأنه يقال دخل الإيمان في قلبه إذا استقر وتمكن، قال تعالى: ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14].

وقال النابغة: أَبَى غفلتي أَني إذا ما ذكرتُه *** تَحَرَّك داءٌ في فُؤادِيَ دَاخِلُ وهذا هو الظاهر، فيراد بالأمر في (ادخلوا) الدوام على ذلك وقيل أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطاباً للمنافقين.

فيؤوَّل قوله: ﴿ الذين آمنوا ﴾ بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكماً بهم على حد قوله: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] فيكون خطاباً للمنافقين وهذا تأويل بعيد لأن الذين آمنوا صار كاللقب لمن اتبع الدين اتباعاً حقاً، ولأن الظاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب منهم الإيمان دون العكس، بدليل قوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14].

وقيل المراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا من اليهود كعبد الله بن سَلاَم فيُؤوَّل ﴿ ادْخلوا ﴾ بمعنى شدة التلبس أي بترك ما لم يجيء به الدين، لأنهم استمروا على تحريم السبت وترك شرب ألبان الإبل وبعض ما اعتادوه من أحوالهم أيام تهودهم إذا صح ما رواه أهل «أسباب النزول» أن طائفة من مؤمني اليهود فعلوا ذلك.

ويجوز أن يكون المراد من السلم هنا المعنى الحقيقي ويراد السلم بين المسلمين يأمرهم الله تعالى بعد أن اتصفوا بالإيمان بألا يكون بعضهم حرباً لبعض كما كانوا عليه في الجاهلية، وبتناسي ما كان بين قبائلهم من العداوات، ومناسبة ذكر هذا عقب ما تقدم أنهم لما أمروا بذكر الله كذكرهم آباءهم وكانوا يذكرون في موسم الحججِ ترَاتِهِم ويفخرون فخراً قد يفضي إلى الحمية، أمروا عقب ذلك بالدخول في السَّلم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " فتكون الآية تكملة للأحكام المتعلقة بإصلاح أحوال العرب التي كانوا عليها في الجاهلية، وبها تكون الآية أصلاً في كون السلم أصلاً للإسلام وهو رفع التهارج كما قال الشاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه، وإما أن يكون المراد من السَّلم هنا السلم مع الله تعالى مع معنى المجاز، أي ادخلوا في مسالمة الله تعالى باتباع أوامره واجتناب منهياته كما أطلق الحرب على المعصية مجازاً في قوله تعالى: ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ [البقرة: 279] وفي الحديث القدسي الذي رواه الترمذي " من عادَى لي وَلِيّاً فقد آذنتُه بالحرب ".

و (كافة) اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به، وهو في صورة صوغه كصوغ اسم الفاعلة من كَفَّ ولكن ذلك مصادفة في صيغة الوضع، وليس فيها معنى الكف ولا حاجة إلى تكلف بيان المناسبة بين صورة لفظها وبني معناها المقصود في الكلام لقلة جدوى ذلك، وتفيد مُفاد ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول والإِحاطة.

والتاء المقترنة بها ملازمة لها في جميع الأحوال كيفما كان المؤكد بها مؤنثاً كان أو مذكراً مفرداً أو جمعاً، نحو ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [التوبة: 36]، وأكثر ما يستعمل (كافة) في الكلام أنه حال من اسم قبله كما هنا فقوله: «كافة» حال من ضمير ﴿ ادخلوا ﴾ أي حالة كونكم جميعاً لا يُستثنى منكم أحد، وقال ابن هشام في «مغني اللبيب» عند الكلام على الجهة الخامسة من الباب الخامس في ذكر الحال من الفاعل ومن المفعول أن (كافة) إذا استعملت في معنى الجملة والإحاطة لا تكون إلاّ حالاً مما جرت عليه، ولا تكون إلاّ نكرة ولا يكون موصوفها إلاّ مما يعقل، ولكن الزجاج والزمخشري جوَّزا جعل كافة حالاً من السلم والسلم مؤنث، وفي «الحواشي الهندية على المغني للدماميني» أنه وقع كافة اسماً لغير العاقل وغير حال بل مضافاً في كتاب عمر بن الخطاب لآل كاكلة «قد جعلت لآل كاكلة على كافة بيتتِ مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً إبريزاً في كل عام».

واعلم أن تحجير ما لم يستعمله العرب إذا سوغته القواعد تضييق في اللغة وإنما يكون اتباع العرب في استعمالهم أدخل في الفصاحة لا موجباً للوقوف عنده دون تعدية فإذا ورد في القرآن فقد نهض.

وقوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ ، تحذير مما يصدهم عن الدخول في السلم المأمور به بطريق النهي، عن خلاف المأمور به، وفائدته التنبيه على أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروففِ بأنه لا يشير بالخير، فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان المراد بالسلم غير شُعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عُمر «ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدَّنِيَّة في ديننا» وكما قال سهل بن حنيف يوم صفين «أيها الناس اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله فِعْلَه لفَعَلْنا والله ورسوله أعلم» بإعلامهم أن ما فعله رسول الله لا يكون إلاّ خيراً، كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً تنبيهاً لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من وساوس الشيطان، وإما لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السَّلم إن كان المراد بالسلم شعب الإسلام، والكلامُ على معنى لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، وما فيه من الاستعارة تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ [البقرة: 168] الآية.

وقوله تعالى: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ تفريع على النهي أي فإن اتبعتم خطوات الشيطان فزللتم أو فإن زللتم فاتبعتم خطوات الشيطان وأراد بالزلل المخالفة للنهي.

وأصل الزلل الزلَق أي اضطراب القدَم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به، واستعمل الزلل هنا مجازاً في الضُّر الناشئ عن اتباع الشيطان من بناءِ التمثيل على التمثيل؛ لأنه لما شبهت هيئة من يعمل بوسوسة الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة، وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به الشيطان هو أيضاً بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله: ﴿ زللتم ﴾ تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازاً والمجاز هنا في مركبه.

والبينات: الأدلة والمعجزات ومجيئها ظهورها وبيانها، لأن المجيء ظهور شخص الجائي بعد غيبته.

وجيء في الشرط بإنْ لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه.

وفيه إشارة إلى أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة.

وقوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ جواب الشرط، و ﴿ أن الله عزيز حكيم ﴾ ، مفعول ﴿ اعلموا ﴾ ، والمقصود علم لازمه وهو العقاب.

والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يُغْلب، وأصله من العزة وقد مر الكلام عليه عند قوله ﴿ أَخذته العزة ﴾ [البقرة: 206] وهو ضد، فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزماً تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم، لأن العزيز لا ينجو من يناوئه.

والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم، ويحتمل أنه المحكم للأمور فهو من مجيء فَعِيل بمعنى مُفعل، ومناسبته هنا أن المتقن للأمور لا يفلت مستحق العقوبة، فالكلام وعيد وإلاّ فإن الناس كلهم يعلمون أن الله عزيز حكيم.

ولك أن تجعل قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ تنزيلاً لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول.

وإنما قال تعالى: ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ إعذار لهم، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين، لأنه ما أوحاه الله إلاّ لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين، لأن الله عزيز لا يهن لأحد، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالةَ على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر.

وإن كان المراد الدخولَ في الإسلام أو الدوامَ عليه فالمعنيُّ: بِ (فإن زللتم): الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السّلم، والمراد بالبينات المعجزاتُ الدالة على صدق الرسول، نقل الفخر عن «تفسير القاضي عبد الجبار» دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاّ بعد البيان وأن المؤاخذة تكون بعد حصول البينات لا بعد حصول اليقين من المكلف، لأنه غير معذور في عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية.

وفي «الكشاف» روي أن قارئاً قرأ هذه الآية فإن الله غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه اه وفي القرطبي عن «تفسير النقاش» نسبة مثل هذه القصة إلى كعب الأحبار، وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ: والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، ويجنبي أعرابي فقال كلامُ مَنْ هذا؟

قلت كلامُ الله، قال: ليس هذا كلامُ الله فانتبهتُ فقرأت ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ [المائدة: 38] فقال أصبتَ هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن؟

قال لا قلتُ من أين علمت؟

قال يا هذا عَزَّ فَحَكَم فقطعَ ولو غَفر ورَحم لَمَا قَطَع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الفَتْحِ والكَسْرِ، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ تُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى.

والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السِّلْمَ بِالكَسْرِ الإسْلامُ، والسَّلْمَ بِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها  ﴾ وفي المُرادِ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ، تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ادْخُلُوا في الطّاعَةِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ كافَّةً ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعًا في السِّلْمِ.

والثّانِي: عائِدٌ إلى السِّلْمِ أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِهِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ يَعْنِي آثارَهُ.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ لِنَفْسِهِ.

والآخَرُ: مُبِينٌ بِعُدْوانِهِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن أبانَ بِهِ عُدْوانَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ.

والثّانِي: بِقَوْلِهِ: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا  ﴾ .

واخْتَلَفُوا فِيمَن أُمِرَ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ كافَّةً، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِها المُسْلِمُونَ، والدُّخُولَ في السِّلْمِ العَمَلُ بِشَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ يامِينَ، وأسَدٍ، وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كُلُّهم مِن يَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : يَوْمَ السَّبْتَ كُنّا نُعَظِّمُهُ ونَسْبِتُ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَدَعْنا فَلْنَصُمْ نَهارَنا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَصَيْتُمْ.

والثّانِي: مَعْناهُ كَفَرْتُمْ.

والثّالِثُ: إنْ ضَلَلْتُمْ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ.

والثّانِي: مُحَمَّدٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: الإسْلامُ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ يَعْنِي عَزِيزٌ في نَفْسِهِ، حَكِيمٌ في فِعْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم بالإِيمان بالتوراة وما فيها.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد، كلهم من يهود قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وأن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل، فنزلت.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ قال: يعني أهل الكتاب، و ﴿ كافة ﴾ : جميعاً.

وأخرج ابي أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الطاعة، وكافة يقول: جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الإِسلام، والزلل ترك الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ قال: فإن ضللتم من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، حكيم في أمره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ ﴾ يقال: زَلّ يَزِلّ زَلًّا وزالًا ومزلًا وزلولًا: إذا دحضت قدمه، وزَلَّ في الطين زليلًا.

ومعنى زَلَلْتُم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل (١) (٢) ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ في نقمته لا تعجزونه، ولا يعجزه شيء، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما شرع لكم من دينه (٣) (١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280 بتصرف، وينظر في معاني زل "تهذيب اللغة" 2/ 1550 - 1551، "المفردات" ص 219.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 327، "المحرر الوجيز" 2/ 199.

(٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 682، وقال ابن عطية 2/ 199: والبينات: محمد وآياته ومعجزاته، إذا كان الخطاب أولا لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد  والتعريف به.

اهـ-.

وهذا الذي مال إليه الطبري 2/ 326، وبين أن الأول قريب منه في المعنى.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ تهديد لمن زل بعد البيان ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ أي ينتظرون ﴿ يَأْتِيَهُمُ الله ﴾ تأويله عند المتأوّلين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا، وهي عند السلف الصالح من المتشابه؛ يجب الإيمان بها من غير تكييف؛ ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ يجب الإيمان بها من غير تكييف؛ ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ لأنّ قوله: ينظرون: بمعنى يطلبون بجهلهم كقولهم: لولا يكلمنا الله ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ جمع ظلة وهي: ما علاك من فوق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إِشكال؛ وإن كان لله فهو من المتشابه ﴿ الغمام ﴾ السحاب ﴿ وَقُضِيَ الأمر ﴾ فرغ منه، وذلك كناية عن وقوع العذاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مرضاة ﴾ بالإمالة والوقف بالهاء: علي.

وكذلك يقف على ﴿ هيهات ﴾ هيهاه وعلى ﴿ حدائق ذات ﴾ ذاه وعلى ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ اللاه وعلى ﴿ ولات حين ﴾ ولاه، وعلى ﴿ مريم ابنة ﴾ ابنه.

وافق أبو عمر وفي ﴿ ولات حين ﴾ بالهاء ﴿ لسلم ﴾ بفتح السين.

أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي.

الباقون: بالكسر.

﴿ والملائكة ﴾ بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم".

الباقون: بالرفع ﴿ ترجع الأمور ﴾ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.

الوقوف: ﴿ قلبه ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ الخصام ﴾ ه ﴿ والنسل ﴾ ط ﴿ الفساد ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ مرضات الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط مع احتمال الجواز ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وقضى الأمر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق.

من أصحاب الوفاق.

عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة.

أقبل إلى النبي  بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق.

فلما خرج من عند النبي  مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.

وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به.

فقالوا: نعم الرأي ما رأيت.

ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله  فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله  فأعجبه.

وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي  أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.

وقوله بعد ذلك ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ إشارة إلى هؤلاء الشهداء.

واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله.

فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر.

والضمير في ﴿ يعجبك قوله ﴾ يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ.

ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام.

والخطاب إما للنبي  ، أو لكل سامع.

﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام".

﴿ وهو ألد الخصام ﴾ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي.

كأن كلاً من المتخاصمين في جانب.

ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم.

وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده".

والخصام جمع خصم كصعاب في صعب.

والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.

والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي.

وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس.

وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ تفصيلاً لما أجمله قوله ﴿ ليفسد ﴾ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر.

وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية.

وقيل: ﴿ وإذا توّلى ﴾ أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.

وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.

فالحرث الزرع، والنسل الولد.

ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج.

وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان ﴿ نساؤكم حرث لكم  ﴾ وإهلاك النسل إفناء الصبيان ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد.

وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة.

ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم.

ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف.

واعلم أنه  حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.

أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل.

فوقع قوله ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ جمله معترضة.

ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله ﴿ وإذا قيل له اتق الله ﴾ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات.

والقائل إما الرسول  قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ﴿ فحسبه جهنم ﴾ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر.

ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم".

وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له.

قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث.

وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها.

حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر.

وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ.

ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه.

سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب.

﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش.

ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة.

قوله  : ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ الآية.

قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي  فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي.

وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا.

فلما قدم على رسول الله  نزلت، فقال رسول الله  : " "ربح البيع أبا يحيى" وتلا الآية.

وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم.

فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟

ففعلوا ذلك.

وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى.

قال صهيب: وبيعك.

أفلا تخبرني ما ذاك؟

فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية.

عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل.

وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

وقيل: نزلت في علي  بات على فراش رسول الله  ليلة خروجه إلى الغار.

ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ.

من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.

ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع.

ومعنى يشري يبيع ﴿ وشروه بثمن بخس  ﴾ والله هو المشتري ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن.

وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي.

فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.

فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى  ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً  ﴾ وقوله عز من قائل لنبيه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ و ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية.

وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً.

﴿ والله رؤف بالعباد ﴾ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة.

ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة.

وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث.

واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه.

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال.

ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان.

أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه.

ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وقوله: ﴿ كافة ﴾ يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ.

ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.

وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار.

والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن.

وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق.

وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله  في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله.

وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.

قوله ﴿ فإن زللتم ﴾ المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله ﴿ ادخلوا ﴾ فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك.

والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أن الله عزيز ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي.

كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب.

وكما أن قوله ﴿ عزيز ﴾ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله ﴿ حكيم ﴾ يشتمل على الوعد الحسن.

فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب.

روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا.

الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه.

قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ الآية معنى النظر ههنا الانتظار.

وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه  منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه  أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله  كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.

الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.

فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته.

وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر ﴿ أو يأتي أمر ربك  ﴾ ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ وأيضاً اللام في قوله ﴿ وقضى الأمر ﴾ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال.

وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً.

فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة.

وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا.

ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله  على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه  يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها.

وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه  جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر.

وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله ﴿ عزيز ﴾ .

وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.

وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.

وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله  ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه  ﴾ ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه.

وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله  ويقولون: إنه  تجلى لموسى  على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد  .

فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون.

والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً.

فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.

والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟

أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً  ﴾ واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن.

﴿ وقضي الأمر ﴾ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.

والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل.

إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله  كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار.

وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة.

﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه.

فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى.

ثم إن الأمور ترجع إليه  ، وهو  يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.

فهذا معنى القراءتين في ﴿ ترجع ﴾ وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟

وإن لم يكن أحد يذهب به.

أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه.

أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال  ﴾ .

التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة.

ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.

وإن قميصاً خيط من نسج تسعة *** وعشرين حرفاً من معانيه قاصر الله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ .

﴿ ٱلسِّلْمِ ﴾ ، فيه لغتان: بالكسر والنصب.

فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.

ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله  : ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا...

 ﴾ إلى آخر الآية.

فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ ؟

قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.

ويحتمل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمحمد  .

وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه.

وقيل: إنه  إنما أمرهم [بالدخول] فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله  : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ .

أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق.

وقوله: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور.

ويحتمل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، لا يقدر أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام.

وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بأمره.

وهو قول الحسن.

وقيل: ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي أمر الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ  ﴾ على إضمار الأمر فيه.

وقيل: قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ ، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى.

والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقيق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول.

فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، [ليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء] منه على ما يكون من الأجسام.

وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم.

وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر.

ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتقال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها.

أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك.

وهذان الوجهان في ذي المكان، والله -  - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.

فالله  - يتعالى عن أن تسمه حاجة أو تأخذه سآمة.

فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان.

وبالله التوفيق.

وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، و[ورد] الخبر بالنزول، والرؤية.

ثم قد ورد السمع بأن ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير.

فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل والكف عن التفسير.

والله أعلم.

وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض.

كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتاً بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه  ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا.

فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضاً.

يخبر نبيه  أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.

والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل [وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ] الآية.

ويحتمل: ﴿ سَلْ ﴾ ، لا على الأمر به في التحقيق، [لكن على التحقيق] والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك.

أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾ .

قيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه.

وقيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني محمداً  ، أي: من كفر به بعدما علم أنه رسول الله.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام وغيره مما لم يؤت أحداً من العالمين مثله.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه  بعد معرفتهم أنه حق.

والله أعلم.

ويكون التبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال الحسن: زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله  : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ .

ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم [التزيين ثم] التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب.

وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه.

وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الحجة، يقول الله  : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الجزاء والثواب.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، بغير تبعة.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه.

ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن وقع منكم زلل وميل من بعد ما جاءتكم الدلائل الواضحات التي لا لَبس فيها؛ فاعلموا أن الله عزيز في قدرته وقهره، حكيم في تدبيره وتشريعه، فخافوه وعَظِّموه.

<div class="verse-tafsir" id="91.qBqGV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعدما بين  اختلاف الناس في الصلاح والفساد والإصلاح والإفساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسلام، والوفاق الذي قرره الإسلام، وهو ما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وجعل هذه الهداية بصيغة الأمر، وشرف أهل الإيمان به فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  ﴾ إلخ السلم المسالمة والانقياد والتسليم، فيطلق على الصلح والسلام، وعلى دين الإسلام.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي السلم بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان.

وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالإسلام وعليه (الجلال).

وقال في تفسير "كافة" حال من السلم أي في جميع شرائعه.

واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام، والأمر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  ﴾ ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه، وعلى القول بأن الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن بالله فالدخول على حقيقته.

يقول لهم إذا ام تدخلوا في دين الإسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ودين الله جامع لا تفرق فيه.

هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخد الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه -الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه- لولوا منك فرارًا، وأعرضوا عنك استكبارًا، وقالوا مكر مكرًا كبارًا إذ دعا إلى ترك المذاهب، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد.

ومن آيات العبرة في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورًا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة، ووصلت إلى الحقيقة، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع، فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون، وبجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة، لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينًا لهم مما يهوون من الفساد والإفساد، إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا، ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص ٍإذا اتحدوا تبعهم العوام، وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين، والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أي يعملون ببعضه على أنه دين، ويتركون بعضًا بتأويل أو غير تأويل، كشأن من لم يصدق بأنه من الله، فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به، أمر مقرر في ذاته سواء فسرت به الآية أم لا.

لأن الآيتين اللتين أشرنا إليهما آنفًا في جعل القرآن عضين، وفي الإيمان ببعضه والكفر ببعض وما في معناهما من النصوص تثبته.

وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ كافةَّ  ﴾ ترجع إلى الذين آمنوا، أي ادخلوا في الإسلام جميعًا لا يتخلف منكم أحد، وصاحب هذا القول يصرف نداء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلى أهل الكتاب أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي، حتى لا يرد عليه أن الإيمان يستلزم الدخول في الإسلام فيكون أمر المؤمن بالإسلام من تحصيل الحاصل، ووجه اللزوم أن الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة.

وأما قول الجمهور إن العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ، فالعلم التصديقي الإذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل.

وقد صرح حجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل.

والحق التفصيل الذي أشرنا إليه آنفًا، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له، ويدل لمن قال إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس بن يزيد، كلهم من يهود: يا رسول الله، يوم السبت نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها بالليل.

فنزلت.

فالخطاب على هذا لليهود خاصة، لا لأهل الكتاب عامة، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية.

وهناك رواية أخرى بمعناها.

والوجه الثاني في تفسير السلم وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول -أخذ الدين بجملته- لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وشد أواخي الإخاء، ولا يرتفع الشيء إلا برفع أسبابه، ولا يستقر إلا بتحقق وسائله، وهو بمعنى قوله  : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ وقوله  :"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض".

وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاق بعضنا بعضًا بشبهة الدين، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله زاعمًا أنه ينصر الدين، وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين، هذا سني يقاتل شيعيًا، وهذا شيعي ينازل أباضيًا، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية، وهؤلاء مقلدة الخلف، يحادون من اتبع طريقة السلف ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ أم أُمروا بهذا من الله ورسوله ومن الأئمة المجتهدين؟

كلا بل كان التعادي والتنازع انحرافًا عن الصراط المستقيم، واتباعًا لخطوات الشيطان الرجيم، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الأمر، خالفوا ما أتْبَعَه به من هذا النهي، إذ قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ﴾ الخطوات جمع خطوة بالضم وبالفتح، وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي، أي لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين أو الخلاف والتنازع مطلقًا.

وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدة سماها صراطًا مستقيمًا، لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان، وقد عُلِم من جَعل التفرق تابعًا لاتباع سبل هي غير صراط الله أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم الله ورسوله فيه برده إلى حكمهما، كما أمرهم بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ﴾ أي مالًا وعاقبة.

فالآيات يفسر بعضها بعضًا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا.

هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد.

ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل خلاف يعرض لهم والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولا مراء، حتى إذا ما ظهر لهم أجمعوا عليه، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تِطْلَابه بإخلاص لا يعادي فيه أحدًا، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة.

طريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقًا، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا، وحرفوا من كلمه ما حرفوا، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله، حتى حل بهم الهلاك والدمار، ومزقوا كل ممزق.

وكذلك فعل غيرهم، كأنهم رأوا دينهم ناقصًا فكملوه، وقليلًا فكثروه، وواحدًا فعددوه، وسهلًا فصعبوه، فثقل عليهم بذلك فوضعوه!!

فذهب الله بوحدتهم، حتى لم تغن عنهم كثرتهم، وسلط عليهم الأعداء، وأنزل بهم البلاء، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  ﴾ هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام.

ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ولذلك قال تعالى في سورة النور ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وأما كون الشيطان عدوًا مبينًا فذاك أن جميع ما يدعو إليه ظاهر البطلان بين الضرر لمن تأمل وعقل، فمن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في غايتها، عندما يذوق مرارة مغبتها، لا سيما بعد تذكير الله تعالى وهدايته عباده إلى ذلك، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا بقي على ضلالته واستحب العمى على الهدى، ولذلك قال عز وشأنه: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ أي فإن زللتم وحِدْتم عن صراط الله، وهو السلم، إلى خطوات الشيطان، وهي طرق الخلاف والافتراق والباطل والشر، من بعد أن بيّن الله تعالى لكم أن سبيله واحدة وهي السلم، وأن الشيطان لكم عدو مبين، وأمركم أن تتخذوه عدوًا وتجتنبوا طرقه وخطواته، ثم فصل لكم من ذلك ما اضطررتم إليه، وأكد النهي عن شر تلك الطرق وأشأمها، وهي طرق التفرق والخلاف، فاعلموا أن أمامكم أمرًا جليلًا، وأخذًا وبيلًا، ذلك أن الله تعالى لعزته لا ينسى من ينسى سننه ويزل عن شريعته، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرًا من آثارها لازمًا لها حتمًا.

فكأنه تعالى قال فاعلموا أنه يُحل بكم العقاب لأنه عزيز لا يغلب على أمره، وحكيم لا يهمل أمر خلقه، ولكن هذا التعبير أبلغ لأنه بيان للحجة، وتقرير للبرهان بالإشارة على مقدماته، اكتفاء به عن ذكر النتيجة، وهو من ضروب إيجاز القرآن، التي لم تعهد في كلام إنسان.

لقد ذكر من صفاته تعالى ما هو دليل العقاب وهو ما لا مطمع في زواله، ولا هزء في الدين أكبر من ظن المغرور أنه ينال جنة عرضها السموات والأرض وفيها من النعيم والرضوان ما لم يخطر على قلب بشر، بغير الأعمال التي أرشدت إليها آيات الله تعالى: مبينة أن العقوبات على تركها من آثار صفاته القديمة التي لا يلحقها تغيير، ولا تؤثر فيها الحوادث بتبديل ولا تحويل.

ثم بيّن تعالى غاية الوعيد المشار إليه في الاسمين الكريمين فقال ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ  ﴾ وقد غير الأسلوب بالتفات عن الخطاب والأمر إلى الحكاية عن الزّالين عن صراط الله بضمير الغائب.

والحكمة في الالتفات تناول هذا الوعيد لجميع من زل من المؤمنين المخاطبين في الدخول في السلم والمنهيين عن ضده، ومن زل من غيرهم، أو هي الإيذان بأن الزالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي.

الاستفهام في الآية بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ، ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ وإيتان الله تعالى فسره (الجلال) وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ  ﴾ أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.

وحق ما ذهب إليه (الجلال) في تفسيره، فإن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا.

فهو على حد ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ .

ومن المفسرين من قال إن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب؟

وعَدَّه آخرون من المتشابهات فقالوا إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف.

وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم.

وقد يقال إنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كل ما يسند إلى الله تعالى من المتشابهات التي لا تفهم بحال، ولا تفسر ولو بإجمال، فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب، أو إتيانه بما وعد به إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض، مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق.

ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ مع الآيات الكثيرة الناطقة بأن قيام الساعة وخراب العالم يكون ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ وانتشرت كواكبها إلخ، وإنما يأتي بذلك الله تعالى بتغيير هذا النظام الذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كل كوكب في فلكه.

وأما ظلل الغمام فهي قطع السحاب الأول وهي جمع ظلة بالضم كغرف جمع غرفة وهي ما أظلك، والثاني جمع غمامة كسحاب وسحابة وزنًا ومعنى، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها وخص بعضهم الغمام بالسحاب الأبيض، وزاد بعض آخر الرقيق، وفيه أن الأبيض الرقيق لا يمطر والعرب تسمي البرد حب الغمام.

وذكر المفسرون أن إتيان أمر الله أو عذابه في الغمام عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته لأن الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم، كما وقع لعاد قوم هود ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وهو مبني على أن الغمام مظنة المطر، والظاهر أن من قال إن الغمام هو السحاب الأبيض لا يعني به تلك السحائب البيض الرقاق المرتفعة التي تظهر في أيام الصيف وإنما أراد به ذلك السحاب المسف لثقله بالمطر الذي هو أقرب إلى البياض منه إلى السواد.

إن الحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به، ولا توطئة توطن النفوس على احتماله، وذلك أبلغ في هوله -"ما من دهي بالأمر كالمعتد"- وهو ذلك الغمام الذي يحدث عن تخريب العامل فجأة، فيأتيهم العذاب قبل أن يتبدد الغمام الناشئ عن الخراب.

وهذا القول يتفق مع الأول وهو أقرب إلى معنى قوله تعالى ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً  ﴾ .

ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة، لئلا يفاجئه وعد الله تعالى وهو غافل، فإن لم يفاجئه قيام الساعة العامة التي بها يهلك هذا العالم كله، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة، فإن لم يمت بغتة جاءه مرض الموت بغتة، حتى لا يقدر على العمل، وتدارك الزلل.

وإذا جرينا على هذه الطريقة التي أرشدتنا إليها الآية السابقة على الوجه الأول في تفسيرها فحملنا بعض الآيات على بعض واستخرجنا المعنى من مجموعها كان لنا أن نقول: إذا وقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وكورت الشمس، وتناثرت الكواكب، وانشقت السماء شقًا، ورجت الأرض رجًا، وبست الجبال بسًا فكانت أولًا كالعهن المنفوش ثم صارت هباء منبثًا، فإن مادة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين أي مادة سديمية وهي ما عبر عنه في بدء التكوين بالدخان، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام.

وإن كثيرًا من علماء الهيئة الغربيين ليتوقعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بض الكواكب ببعض بحيث تبطل الجذب العام، الذي به قام هذا النظام، وهو في معنى ما ورد من تشقق السماء بالغمام، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد على عهد نزول القرآن.

وأما إتيان الملائكة هنا فهو بمعنى نزولهم في قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ أي وتأتيهم الملائكة الموكلة بكل ما قضاه الله يومئذٍ.

وقوله ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ  ﴾ جملة حالية أي كيف ينتظرون غير ذلك وهو أمر قضاه الله وأبرمه فلا مفر منه ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  ﴾ فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه، فهو الأول ومنه بدأت الأشياء، وهو الآخر وإليه ترجع وتصير، وهو بكل شيء محيط ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ  فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ .

وإذا كان كل ما سنه الله تعالى من النظام لخلقه حتمًا مقضيًا لا يضل واضعه ولا ينسى، فعلى من زل عن صراطه واتبع خطوات الشيطان أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الحق قبل أن يحيق به زلله، ويبسله عمله، وقبل أن تقوم قيامته أو قيامة الناس أجمعين، فيجازى على زلله ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ  ﴾ وأجدر الناس بالمبادرة إلى هذه التوبة علماء الأمة الذين أبسلوها بخلافهم وتفرقهم، فعليهم أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم من غير تعصب ويسلموا تسليمًا.

ووجه آخر في تفسير الإتيان..

ذلك أن من الناس من يؤمن بالله تعالى وصحة دينه إيمانًا موافقًا لما جاء في كتابه ويكون في إيمانه على حق اليقين، والاطمئنان الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب، وأهل هذا اليقين هم الذين يقال إن الله حاضر عندهم وإنه معهم أينما كانوا، لأن معرفته ثبتت في عقولهم، والتوكل عليه قد لابس قلوبهم، وهم الذين قال قائلهم: لو كشف الحجاب ما ازددت يقينًا.

ومنهم من ليس له تلك المعرفة وهذا اليقين، فلا يقال إن الله عندهم لأن ما حضر في عقله هو غير ما وصف الله تعالى به نفسه، وشهدت به آياته في كتابه وآياته في خلقه، ثم هو ليس على يقين مما عنده، أولئك أصحاب الظنون وأرباب الشكوك، وحملة التقاليد الذين زلوا من بعد ما جاءتهم البينات، فاتخذوا بينهم وبين الله حجابًا ووسطاء، وشبهوه بخلقه في كثير من الشؤون، فهم غائبون عن الله تعالى ومحجوبون عن ربهم، بحيث لا تطوف معرفته الحقيقية بعقولهم، ولا تلابس عظمته وكماله قلوبهم، فإذا كان يوم القيامة وكشف الحجاب عرفوا الله ربهم الحق، وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل، فذلك إتيان الله لهم، أي يأتيهم من معرفته ما كانوا غائبين عنه ومحرومين منه في الدنيا.

والإتيان يكون في المعقولات كما يكون في المحسوسات، فلا حاجة إلى التأويل.

إن هؤلاء الزالين عن صراط الله تعالى صنفان: صنف اعتقدوا الباطل حقًا فلم يعرفوا حقيقة التوحيد ورجوع كل أمر إلى من أعطى كل شيء خلقه على سنن ثابتة، ولا غير التوحيد من أصول الإيمان، وصنف اتبعوا الظن، وهاموا في أدوية الوهم، فلم يكونوا على بينة من هذا الأمر، فإذا ما تجلى الله تعالى في ذلك اليوم على الأرواح، وزالت الحجب التي كانت دونها في سجن الأشباح زال جهل الجاهلين، وانكشف ظن الظانين، وبطل وهم الواهمين، وعرف الجميع رب العالمين بما جاءهم من الحق اليقين، فذلك مجيء الله تعالى وإتيانه في يوم الدين، هذا ما تجلى به مسألة الإتيان على مذهب السلف.

وأما كون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا إننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله تعالى، وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات، وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل الأول، لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته، واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور معرفته، ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر، هو أبين لكمال العظمة وأظهر، ولذلك قال في سورة الفجر: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ وقال في سورة النبأ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله