الآية ٢٠٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٨ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٢٠٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله : أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك .

قال العوفي ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وطاوس ، والضحاك ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد ، في قوله : ( ادخلوا في السلم ) يعني : الإسلام .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس : ( ادخلوا في السلم ) يعني : الطاعة .

وقال قتادة أيضا : الموادعة .

وقوله : ( كافة ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، وعكرمة ، والربيع ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة والضحاك : جميعا ، وقال مجاهد : أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر .

وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم ، كعبد الله بن سلام ، وثعلبة وأسد بن عبيد وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا ، وأن يقوموا بالتوراة ليلا .

فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها .

وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر ، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت ، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه ، والتعويض عنه بأعياد الإسلام .

ومن المفسرين من يجعل قوله : ( كافة ) حالا من الداخلين ، أي : ادخلوا في الإسلام كلكم .

والصحيح الأول ، وهو أنهم أمروا [ كلهم ] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام ، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا علي بن الحسين ، أخبرنا أحمد بن الصباح ، أخبرني الهيثم بن يمان ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، حدثني محمد بن عون ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب ، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم ، فقال الله : ( ادخلوا في السلم كافة ) يقول : ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها .

وقوله : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) أي : اعملوا الطاعات ، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [ البقرة : 169 ] ، و ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [ فاطر : 6 ] ; ولهذا قال : ( إنه لكم عدو مبين ( قال مطرف : أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع.

فقال بعضهم: معناه: الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-252 &; 4008 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السِّلم "، قال: ادخلوا في الإسلام.

4009 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " ادخلوا في السلم "، قال: ادخلوا في الإسلام.

4010 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: السلم: الإسلام.

4011 - حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ادخلوا في السلم "، يقول: في الإسلام.

4012 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: ادخلوا في الإسلام.

4013 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " ادخلوا في السلم ".

قال: السلم: الإسلام.

4014 - حدثت عن الحسين بن فرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: " ادخلوا في السلم " : في الإسلام.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخلوا في الطاعة.

* ذكر من قال ذلك: 4015 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ادخلوا في السلم "، يقول: ادخلوا في الطاعة.

* * * وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز: " ادخلوا في السَّلم " بفتح السين، وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر السين.

&; 4-253 &; فأما الذين فتحوا " السين " من " السلم "، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.

وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من " السين " فإنهم مختلفون في تأويله.

فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجّهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " السين " تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير بن أبي سلمى: وَقَـدْ قُلْتُمَـا إنْ نُـدْرِكِ السِّـلْمَ وَاسِعًا بِمَـالٍ وَمَعْـرُوفٍ مِـنَ الأمْـرِ نَسْـلَمِ (61) وأولى التأويلات بقوله: " ادخلوا في السلم "، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة.

وأمّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر " السين " لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة: دَعَــوْتُ عَشِــيرَتِي لِلسِّــلْمِ لَمّـا رَأَيْتُهُــــمُ تَوَلَّـــوْا مُدْبِرينَـــا (62) &; 4-254 &; بكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (63) بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر‍َ ما في القرآن من ذكر " السلم " بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصُّها بكسر سينها توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها.

وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: " ادخلوا في السلم " وصرفنا معناه إلى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطاب إذ كان خطابًا للمؤمنين من أحد أمرين: إما أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمد المصدقين به وبما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: " ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم "، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب، فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له: " صالح فلانا "، ولا حرب بينهما ولا عداوة.

= أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدًا ونبوته، فقيل لهم: " ادخلوا في السلم "، يعني به الإسلام، لا الصُّلح.

لأن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة.

بل نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح (64) فقال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ &; 4-255 &; مَعَكُمْ [محمد: 35] وإنما أباحَ له صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال إذا دعَوه إلى الصلح ابتداءَ المصالحة، فقال له جل ثناؤه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال: 61] فأما دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداءً، فغير موجود في القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: " ادخلوا في السلم " إلى ذلك.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقين دعي إلى الإسلام كافة ؟

قيل قد اختلف في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: دعي إليه المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

* * * وقال آخرون: قيل: دُعي إليه المؤمنون بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المكذبون بمحمد.

* * * فإن قال: فما وجه دعاء المؤمن بمحمد وبما جاء به إلى الإسلام ؟

قيل: وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه.

وإذا كان ذلك معناه، كان قوله " كافة " من صفة " السلم "، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به.

وبنحو هذا المعنى كان يقول عكرمة في تأويل ذلك.

4016 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " ادخلوا في السلم كافة " ، قال: نـزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو (65) &; 4-256 &; وقيس بن زيد- كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه!

وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل !

فنـزلت: " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان " (66) * * * فقد صرح عكرمة بمعنى ما قلنا في ذلك من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رَفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيء من حدوده.

* * * وقال آخرون: بل الفريق الذي دُعي إلى السلم فقيل لهم: " ادخلوا فيه " بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بالدخول في الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: 4017 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال.

قال ابن عباس في قوله: " ادخلوا في السلم كافة "، يعني أهل الكتاب.

4018 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: يعني أهل الكتاب.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في" الذين آمنوا " المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع &; 4-257 &; شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض.

وبمثل التأويل الذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.

4019 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : كَافَّةً قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله (67) " كافة " عامة، جميعًا، كما:- 4020 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " في السلم كافة " قال: جميعًا.

4021 - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " في السلم كافة "، قال: جميعًا.

4022 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع " في السلم كافة "، قال: جميعًا= وعن أبيه، عن قتادة مثله.

4023 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن النضر، عن مجاهد، ادخلوا في الإسلام جميعًا.

4024 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " كافة "، : جميعًا.

&; 4-258 &; 4025 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " كافة " جميعًا، وقرأ.

وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] جميعًا.

4026 - حدثت عن الحسين، قال.

سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: جميعًا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه.

بذلك: اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته.

(68) وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام.

* * * وقد بينت معنى " الخطوات " بالأدلة الشاهدة على صحته فيما مضى ، فكرهت إعادته في هذا المكان.

(69) ------------------- الهوامش : (61) ديوانه : 16 من معلقته النبيلة .

والضمير في"قلتما" للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان ، وذلك في حرب عبس وذبيان .

وقوله : "واسعًا" أي : قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب .

وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما ، ليصطلح الناس .

(62) من أبيات لامرئ القيس بن عابس الكندي وتروى لغيره .

المؤتلف والمختلف : 9 والوحشيات : 75 وغيرهما وكان امرؤ القيس قد وفد على رسول الله صلى اله عليه وسلم ولم يرتد في أيام أبي بكر ، وأقام على الإسلام وكان له في الردة غناء وبلاء ، وقد قال الأبيات في زمن الردة وقبل البيت : أَلاَ أَبْلِـــغْ أبَــا بَكْــرٍ رَسُــولاً وَأَبْلِغْهَــا جَـــمِيعَ المُسْـــلِمِينَا فَلَسْــتُ مُجَــاوِرًا أَبَــدًا قَبِيــلاً بِمَــا قَــالَ الرَّسُــولُ مُكَذِّبِينَــا دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ حَتَّى رَأَيْتُهُمُ أَغَارُوا مُفْسِدينَا (63) هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب .

وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر : ماذا تراني أصنع بك؟

فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث : تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت .

فقال أبو بكر : قد فعلت!

فزوجه ام فروة بنت أبي قحافة ، فكان بالمدينة حتى فتح العراق .

ثم شهد الفتوح حتى مات سنة 40 ، وله ثلاث وستون سنة .

(64) في المطبوعة : " .

.

عن دعاء أهل الكفر إلى الإسلام" وهو خطأ لا شك فيه ، سبق قلم الكاتب فوضع"الإسلام" مكان"الصلح" ومحال أن ينهى الله نبيه عن دعاء أحد إلى الإسلام والسياق دال على الصواب كما ترى .

(65) في المطبوعة : "شعبة" وفي الدر المنثور : "سعيد" والذي في أسماء يهود : "سعية" و"سعنة" وأكثر هذه الأسماء من أسماء يهود مما يصعب تحقيقها ويطول ، لكثرة الاختلاف فيها .

(66) الأثر : 4016 - في الدر المنثور 1 : 241 .

(67) في المطبوعة : "جل ثناؤه : كافة" بإسقاط"بقوله" وهذا سياق الكلام .

(68) انظر تفسير"عدو مبين" فيما سلف 3 : 300 .

(69) انظر ما سلف 3 : 301 ، 302 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبينلما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال : كونوا على ملة واحدة ، واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه .

فالسلم هنا بمعنى الإسلام ، قاله مجاهد ، ورواه أبو مالك عن ابن عباس .

ومنه قول الشاعر الكندي :دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبريناأي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكندي ، ولأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح ، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا له ، وأما أن يبتدئ بها فلا ، قاله الطبري .

وقيل : أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم .

وقال طاوس ومجاهد : ادخلوا في أمر الدين .

سفيان الثوري : في أنواع البر كلها .

وقرئ السلم بكسر السين .قال الكسائي : السلم والسلم بمعنى واحد ، وكذا هو عند أكثر البصريين ، وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة .

وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما ، فقرأها هنا : ادخلوا في السلم وقال هو الإسلام .

وقرأ التي في " الأنفال " والتي في سورة " محمد " صلى الله عليه وسلم " السلم " بفتح السين ، وقال : هي بالفتح المسالمة .

وأنكر المبرد هذه التفرقة .

وقال عاصم الجحدري : السلم الإسلام ، والسلم الصلح ، والسلم الاستسلام .

وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا ، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ، ويحتاج من فرق إلى دليل .

وقد حكى البصريون : بنو فلان سلم وسلم وسلم ، بمعنى واحد .

قال الجوهري : والسلم الصلح ، يفتح ويكسر ، ويذكر ويؤنث ، وأصله من الاستسلام والانقياد ، ولذلك قيل للصلح : سلم .

قال زهير :وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا بمال ومعروف من الأمر نسلم[ ص: 24 ] ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدم .

وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم ؛ الصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، والحج سهم ، والعمرة سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام .

وقال ابن عباس : ( نزلت الآية في أهل الكتاب ، والمعنى ، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة ) .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .

و " كافة " معناه جميعا ، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين ، وهو مشتق من قولهم : كففت أي منعت ، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام .

والكف المنع ، ومنه كفة القميص - بالضم - لأنها تمنع الثوب من الانتشار ، ومنه كفة الميزان - بالكسر - التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر ، ومنه كف الإنسان الذي يجمع منافعه ومضاره ، وكل مستدير كفة ، وكل مستطيل كفة .

ورجل مكفوف البصر ، أي منع عن النظر ، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق .ولا تتبعوا نهي .

خطوات الشيطان مفعول ، وقد تقدم .

وقال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة ، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة ، فنزلت : ولا تتبعوا خطوات الشيطان فإن اتباع السنة أولى بعدما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان .

وقيل : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان .إنه لكم عدو ظاهر العداوة ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا { فِي السِّلْمِ كَافَّةً } أي: في جميع شرائع الدين, ولا يتركوا منها شيئا, وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه, إن وافق الأمر المشروع هواه فعله, وإن خالفه, تركه، بل الواجب أن يكون الهوى, تبعا للدين, وأن يفعل كل ما يقدر عليه, من أفعال الخير, وما يعجز عنه, يلتزمه وينويه, فيدركه بنيته.

ولما كان الدخول في السلم كافة, لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال: { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: في العمل بمعاصي الله { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } والعدو المبين, لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء, وما به الضرر عليكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) قرأ أهل الحجاز والكسائي السلم هاهنا بفتح السين وقرأ الباقون بكسرها وفي سورة الأنفال " وإن جنحوا للسلم " بالكسر وقرأ أبو بكر والباقون بالفتح وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة وأبو بكر .

نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضيري وأصحابه وذلك أنهم كانوا يعظمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا وقالوا : يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) أي في الإسلام قال مجاهد في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم ) ( كافة ) أي جميعا وقيل : ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره وأصل السلم من الاستسلام والانقياد ولذلك قيل للصلح سلم قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم فعد الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة ، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال : قد خاب من لا سهم له .

( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) أي آثاره فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغيره ( إنه لكم عدو مبين ) أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام أخبرنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال : إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟

فقال : " أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟

لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السَّلم» بفتح السين وكسرها الإسلام «كافة» حال من السلم أي في جميع شرائعه «ولا تتبعوا خطوات» طرق «الشيطان» أي تزيينه بالتفريق «إنه لكم عدو مبين» بيِّن العداوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا، ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي.

إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( السلم ) - بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام - بمعنى واحد ، ويطلقان على الإِسلام وعلى المسالمة - وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل ( السلم ) بكسر السين - للإِسلام ، و ( السلم ) - بفتحها - للمسالمة ، وأنكر المبرد هذه التفرقة .قال الفخر الرازي : وأصل هذه الكلمة من الانقياد .

قال - تعالى - : ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين ) والإِسلام إنما سمى إسلامها لهذا المعنى .

وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب ، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى .

لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه " .و ( كَآفَّةً ) أي جميعاً ، وهي في الأصل صفة من كف بمعنى منع ، واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهي حال من قوله : ( السلم ) أي : يأيها المؤمنون ادخلوا في الإِسلام والتزاموا بكل تعاليمه ، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه ، واعملوا بكل أوامره ونواهيه ، ولا تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .

فالمقصود التزام جميع شرائع الإِسلام وأحكامه وآدابه .وبعضهم يرى أن قوله : ( كَآفَّةً ) حال من فاعل ادخلوا وهو ضمير الجماعة والمعنى عليه : ادخلوا في الإِسلام جميعاً ، وانقادوا لأحكامه مجتمعين غير متفرقين ، لأنه الدين الذي ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً .وسواء أكان لفظ ( كَآفَّةً ) حالا من ( السلم ) أو من فاعل ( ادخلوا ) فالمقصود من الآية دعوة المؤمنون إلى التمسك بجميع شعب الإِسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإِخاء الذي ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف .وإذا كان المراد بكلمة ( السلم ) المسالمة والمصالحة كان المعنى : يأيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير متعادين ، متحابين غير متباغضين ، متجمعين غير متفرقين ، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم ، وأن تحابوه متى اعتدى عليكم ، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء للهداية وللسلام العزيز القوي الذي يرد الاعتداء بمثله .هذا هو المعنى الذي نراه ظاهراً في الآية ، وهو ما سار عليه المحققون من المفسرين .وبعضهم ذكر أن الخطاب في الآية لمؤمني أهل الكتاب ، لما روى عن ابن عباس أنه قال : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام - فعظموا السبت وكرهوا لحم الإِبل وألبانها بعد أن أسلموا ، فأنكر عليهم المسلمون فقالوا ، إنا نقوى على هذا وهذا؛ وقالوا النبي صلى الله عليه وسلم إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية .

فالخطاب لمؤمني أهل الكتاب .وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير : يأيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإِسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان .وهذان القولان ضعفهما ظاهر ، إذ لا سند لهما يعتمد عليه ، ولا يؤيدها سياق الآية الكريمة ، لأن الآية الكريمة صريحة في دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع تعاليم الإِسلام ، وإلى الإِخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف والاعتداء .وقوله : ( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) تحذير لهم مما يصدهم عن الدخول في السلم .أي : ادخلوا في السلم واحذورا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل .والخطوات .

جمع خطوة - بفت الخاء وضمها - وهي ما بين قدمي من يخطو .وفي قوله : ( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان ) إشعار بأن الشيطان كثيراً ما يجر الإِنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد ، وبذلك يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .

والعاقل من الناس هو الذي يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ووساوسه ، فإن صغير الذنوب قد يوصل إلى كبيرها ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .وقوله : ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) جملة تعليلية ، مؤكدة للنهي ومبينة لحكمته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافق أنه يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، أمر المسلمين بما يضاد ذلك، وهو الموافقة في الإسلام وفي شرائعه، فقال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً ﴾ وفيه مسائل.

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي ﴿ السلم ﴾ بفتح السين، وكذا في قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم  ﴾ وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش ﴿ السلم ﴾ بكسر السين في السكل، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه، والتي في البقرة، والتي في سورة محمد في قوله: ﴿ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم ﴾ وقرأ ابن عامر بكسر السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال، وفي سورة محمد، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر، مثل: رطل ورطل وجسر وجسر، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام.

المسألة الثانية: أصل هذه الكلمة من الإنقياد، قال الله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ  ﴾ والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه، قال أبو عبيدة: وفيه لغات ثلاث: السلم، والسلم، والسلم.

المسألة الثالثة: في الآية إشكال، وهو أن كثيراً من المفسرين حملوا السلم على الإسلام، فيصير تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك غير جائز، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوهاً في تأويل هذه الآية: أحدها: أن المراد بالآية المنافقون، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ  ﴾ الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب وترك النفاق.

وثانيها: أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وكانوا يقولون: ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام، وواجب في التوراة، فنحن نتركها احتياطاً فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة، أي في شرائع الإسلام كافة، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقاداً له وعملاً به، لأنها صارت منسوخة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله: ﴿ كَافَّةً ﴾ من وصف السلم، كأنه قيل: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقاداً وعملاً.

وثالثها: أن يكون هذا الخطاب واقعاً على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام فقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بالكتاب المتقدم ﴿ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً ﴾ أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة.

ورابعها: هذا الخطاب واقع على المسلمين ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالألسنة ﴿ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً ﴾ أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال: هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله: ﴿ سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين، فكأنه تعالى قال: دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام  ﴾ يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة.

فإن قيل: الموقوف بالشيء يقال له: دم عليه، ولكن لا يقال له: ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله: ﴿ أَدْخِلُواْ ﴾ .

قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال، وإن كان كائناً فيها في الحال، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخلها، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام.

وخامسها: أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمنازعة، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ الحساب يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا  ﴾ وقال: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها: أن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله: ﴿ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً ﴾ إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله، فيصح أن يسمي تركها بالسلم، أو يكون المراد منه: كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات، وترك المحظورات، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر.

وثانيها: أن يكون المراد من السلم كون العبد راضياً ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث الرضا بالقضاء باب الله الأعظم.

وثالثها: أن يكون المراد ترك الإنتقام كما في قوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ وفي قوله: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية.

المسألة الرابعة: قال القفال ﴿ كَافَّةً ﴾ يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم.

ولا تفرقوا ولا تختلفوا، قال قطرب: تقول العرب: رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله: هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال: كففت فلاناً عن السوء أي منعته، ويقال: كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار، وقيل لطرف اليد: كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسماً للجملة الجامعة وذلك لأن الإجتماع يمنع من التفرق والشذوذ، فقوله: ﴿ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً ﴾ أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئاً من شرائعه، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحداً من أن لا يدخل فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فالمعنى: ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره، ولا فرق بين ذلك وبين قوله: اتبعت خطواته.

وخطوات جمع خطوة، وقد تقدم ذلك.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ فقال أبو مسلم الأصفهاني: إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، وأقول: الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ حم والكتاب المبين  ﴾ ولا يعني بقوله مبيناً إلا ذلك.

فإن قيل: كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه.

قلنا: إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله فلذلك الأمر صح أن يوصف بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله: من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال: إن فلاناً عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بياناً لهذا المعنى، فإنه يقطع بعض الإحتمالات عن بعض، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.

فإن قيل: كون الشيطان عدواً لنا إما أن يكون بسبب أنه يقصد إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب، والأول باطل، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلام والشدائد، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإن كان الثاني فهو أيضاً باطل لأن من قبل منه تلك الوسوسة من قبل نفسه كما قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى  ﴾ إذا ثبت هذا فكيف يقال: إنه عدو مبين العداوة، والحال ما ذكرناه؟.

الجواب: أنه عدو من الوجهين معاً أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك، وليس يلزم من كونه مريداً لإيصال الضرر إلينا أن يكون قادراً عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه يصير محروماً عن الثواب، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ السلام ﴾ بكسر السين وفتحها.

وقرأ الأعمش بفتح السين واللام، وهو: الإستسلام والطاعة، أي استسلموا لله وأطيعوه ﴿ كَافَّةً ﴾ لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته.

وقيل هو الإسلام.

والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم.

ويجوز أن يكون كافة حالا من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب.

قال: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ** وَالحْرَبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها.

وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة.

أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها.

وعن عبد الله بن سلام.

أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل و(كافة) من الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ عن الدخول في السلم ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات ﴾ أي الحجج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا ينتقم إلا بحق.

وروي أنّ قارئًا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.

وقرأ أبو السّمال: ﴿ زللتم ﴾ بكسر اللام وهما لغتان، نحو: ظللت وظللت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ السِّلْمُ بِالكَسْرِ والفَتْحِ الِاسْتِسْلامُ والطّاعَةُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ في الصُّلْحِ والإسْلامِ.

فَتَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيٌّ وكَسَرَهُ الباقُونَ.

وكافَّةٌ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لِأنَّها تَكُفُّ الأجْزاءَ مِنَ التَّفَرُّقِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ السِّلْمِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ كالحَرْبِ قالَ: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ...

والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنَفاسِها جُرَعُ والمَعْنى اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً ظاهِرًا وباطِنًا، والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكم ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ.

والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ عَظَّمُوا السَّبْتَ وحَرَّمُوا الإبِلَ وألْبانَها، أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِالإيمانِ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ جَمِيعًا والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وأحْكامِهِ كُلِّها فَلا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِالتَّفَرُّقِ والتَّفْرِيقِ.

إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ.

﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ ﴾ عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ ﴾ الآياتُ والحُجَجُ الشّاهِدَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فِي السلم} وبفتح السين حجازي وعلي وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم {كافة} لا يخرج أحدمنكم يده عن طاعته حال من الضمير في ادخلوا أي جميعاً أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} وساوسه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -وآمَنُوا بِشَرائِعِهِ وشَرائِعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَظَّمُوا السَّبْتَ وكَرِهُوا لَحْمانَ الإبِلِ وألْبانِها بَعْدَ ما أسْلَمُوا، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، فَقالُوا: إنّا نَقْوى عَلى هَذا وهَذا، وقالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ - تَعالى - فَدَعْنا فَلْنَعْمَلْ بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ،» فالخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، والسُّلَّم بِمَعْنى الإسْلامِ، وكافَّة في الأصْلِ صِفَةٌ مِن كَفَّ بِمَعْنى مَنَعَ، اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الجُمْلَةِ بِعَلاقَةِ أنَّها مانِعَةً لِلْأجْزاءِ عَنِ التَّفَرُّقِ، والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كَعامَّةٍ وخاصَّةٍ وقاطِبَةٍ أوْ لِلْمُبالَغَةِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ مُدَّعِيًا أنَّ القَوْلَ بِالأخِيرَيْنِ خُرُوجٌ عَنِ الأصْلِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، والشُّمُولُ المُسْتَفادُ مِنهُ شُمُولُ الكُلِّ لِلْأجْزاءِ لا الكُلِّيِّ لِجُزْئِيّاتِهِ ولا الأعَمِّ مِنهُما، ولا يَخْتَصُّ بِمَن يَعْقِلُ، ولا بِكَوْنِهِ حالًا ولا نَكِرَةً خِلافًا لِابْنِ هِشامٍ - ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ ثَبْتٌ - وهو هُنا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ادْخَلُوا ) والمَعْنى ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكُمْ، ولا تَدَعُوا شَيْئًا مِن ظاهِرِكم وباطِنِكم إلّا والإسْلامُ يَسْتَوْعِبُهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى مَكانٌ لِغَيْرِهِ مِن شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، والسِّلْم بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والطّاعَةِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيهِ، وكافَّة حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْضًا؛ أيِ: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ - تَعالى - وأطِيعُوهُ جُمْلَةً واتْرُكُوا النِّفاقَ وآمِنُوا ظاهِرًا وباطِنًا، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ زَعَمُوا الإيمانَ بِشَرِيعَتِهِمْ، والمُرادُ مِنَ السِّلْمِ جَمِيعُ الشَّرائِعِ بِذِكْرِ الخاصِّ وإرادَةِ العامِّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الإسْلامَ شَرِيعَةُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وحَمْلُ ( اللّامِ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ، وكافَّة حالٌ مِنَ السُّلَّمِ والمَعْنى: ادْخُلُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ في الشَّرائِعِ كُلِّها، ولا تُفَرِّقُوا بَيْنَها، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ الخُلَّصِ، والمُرادُ مِنَ السُّلَّمِ شُعَبُ الإسْلامِ، وكافَّة حالٌ مِنهُ، والمَعْنى: ادْخَلُوا أيُّها المُسْلِمُونَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شُعَبِ الإيمانِ كُلِّها، ولا تَخَلَّوْا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ في هَذا الوَجْهِ: المُرادُ مِنَ ( السِّلْمِ ) الإسْلامُ، والمَقْصُودُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، وفِيهِ: أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، وهَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن سِتَّةَ عَشَرَ احْتِمالًا في الآيَةِ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ احْتِمالَيِ السُّلَّم في احْتِمالَيْ كافَّة وضَرْبِ المَجْمُوعِ في احْتِمالاتِ الخِطابِ، ومَبْنى ذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ كافَّةً لِإحاطَةِ الأجْزاءِ، والثّانِي أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في الكَلامِ القَيْدُ كَما هو المُقَرَّرُ عِنْدَ البُلَغاءِ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، وإذا اعْتُبِرَتِ احْتِمالُ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ والظّاهِرِ مَعًا، كَما في قَوْلِهِ: خَرَجْتُ بِها نَمْشِي تَجُرُّ وراءَنا عَلى أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ بَلَغَتْ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ، ولا يَخْفى ما هو الأوْفَقُ مِنها بِسَبَبِ النُّزُولِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: ( السَّلْمِ ) بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.

﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِمُخالَفَةِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ بِالتَّفَرُّقِ في جُمْلَتِكُمْ، أوْ بِالتَّفْرِيقِ بِالشَّرائِعِ أوِ الشُّعَبِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ 208﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ أوْ مَظْهَرٌ لَها، وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ والِانْتِهاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.

قرأ نافع وابن كثير والكسائي: السّلم بنصب السين وقرأ الباقون: بالكسر.

والسّلم بالكسر هو الإسلام والسَّلم بالنصب هو المسالمة والصلح.

ويقال: السَّلم والسَّلم في اللغة: هو الصلح.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا يتقون السبت، ويحرمون أكل لحوم الجمال فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي في شرائع دين محمد  .

وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني طاعات الشيطان.

قال مقاتل: استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة وأن يعملوا ببعض ما في التوراة فنزل قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فإن اتباع السنة الأولى- بعد ما بعث محمد  - من خطوات الشيطان.

وقال بعضهم: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أي اثبتوا على شرائع محمد  ولا تخرجوا منها.

وقوله: كَافَّةً أي عبارة عن الجميع، فيجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعاً ويجوز أن يكون معناه: ادخلوا في جميع شرائعه ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشيطان.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أي ظاهر العداوة فَإِنْ زَلَلْتُمْ، أي ملتم عن شرائع محمد  .

مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ، يعني محمدا  وشرائعه، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة حكيم في أمره، وقال مقاتل أي حكيم حكم عليهم بالعذاب الشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لما حسن من جميع جهاته.

وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ...

الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي.

قلت:

قال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق ٥٢ أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «١» .

انتهى.

والْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم.

وفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ.

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ...

الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «٢» :

عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «٣» ، وخُبَيْب «٤» ، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من

المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «١» .

ويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠] ، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» .

وعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ...

الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلّى الله عليه وسلم، والتعريف به.

وعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.

وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ:

جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم.

وذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «٣» ، وقال قومٌ:

بل هو توعُّد بيوم القيامة «٤» ، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ يَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ،  ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَفِي "السِّلْمِ " ثَلاثُ لُغاتٍ: كَسْرُ السِّينِ، وتَسْكِينُ اللّامِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ في "البَقَرَةِ" وفَتَحا السِّينَ في "الأنْفالِ" وسُورَةِ "مُحَمَّدٍ" وفَتْحُ السِّينِ مَعَ تَسْكِينِ اللّامِ.

وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وفَتْحُ السِّينِ واللّامِ.

وبِها قَرَأ الأعْمَشُ في "البَقَرَةِ" خاصَّةً.

وَفِي مَعْنى " السِّلْمِ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: و"كافَّةً" بِمَعْنى الجَمِيعِ، وهو في اشْتِقاقِ اللُّغَةِ: ما يَكُفُّ الشَّيْءَ في آَخِرِهِ، مِن ذَلِكَ: كَفَّهُ القَمِيصُ، وكُلُّ مُسْتَطِيلٍ فَحَرَّفَهُ كُفَّةٌ: بِضَمِّ الكافِ.

ويُقالُ: في كُلِّ مُسْتَدِيرٍ: كِفَّهُ بِكَسْرِ الكافِ، نَحْوُ: كِفَّةُ المِيزانِ.

ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَتْ كُفَّةَ الثَّوْبِ، لِأنَّها تَمْنَعُهُ أنْ يَنْتَشِرَ، وأصْلُ الكَفِّ: المَنعُ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ، لِأنَّها تَكُفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ: قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ أنْ يَنْظُرَ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ قَوْلُهُ: "كافَّةً" يَرْجِعُ إلى السِّلْمِ، أوْ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السِّلْمِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ.

وهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في نُزُولِ الآَيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا كُلُّكم في الإسْلامِ، وبِهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي.

وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "كافَّةً" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِألْسِنَتِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ في جَمِيعِ شَرائِعِهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا  ﴾ .

و: "خُطُواتُ الشَّيْطانِ" المَعاصِي.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها.

و"البَيِّناتُ" الدَّلالاتُ الواضِحاتُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي الإسْلامُ والقُرْآَنُ.

و"يَنْظُرُونَ" بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ كانَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَنِ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا.

وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهِ: قُدْرَتُهُ وأمْرُهُ.

قالَ: وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ أيْ: بِظُلَلٍ.

والظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ.

و"الغَمامُ": السَّحابُ الَّذِي لا ماءَ فِيهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: في قِطَعٍ مِنَ السَّحابِ.

ومَتى يَكُونُ مَجِيءُ المَلائِكَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخَفْضِ "المَلائِكَةِ" و"قُضِيَ الأمْرُ": فَرَغَ مِنهُ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ أيْ: تَصِيرُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ، "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.

فَإنْ قِيلَ: فَكَأنَّ الأُمُورَ كانَتْ إلى غَيْرِهِ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ إعْلامُ الخَلْقِ أنَّهُ المُجازِي عَلى الأعْمالِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا عَبَدَ قَوْمَ غَيْرِهِ، ونَسَبُوا أفْعالَهُ إلى سِواهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَدُّوا إلَيْهِ ما أضافُوهُ إلى غَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَدْ رَجَعَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: إذا صارَ إلَيْهِ مِنهُ مَكْرُوهٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ ومِمّا يُشْبِهُ هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ: وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ أرادَ: يَصِيرُ رَمادًا، لا أنَّهُ كانَ رَمادًا.

وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانَ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ شَيَّبا بِماءٍ فَعادا بَعْدَ أبْوالًا أيْ: صارَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الأُمُورُ إلَيْهِ قَبْلَ الخَلْقِ، ثُمَّ أوَجَدَهم فَمَلَّكَهم بَعْضَها رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَرى ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ فَما الحِكْمَةُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ؟

فالجَوابُ: أنَّ إعادَةَ اسْمِهِ أفْخَمُ وأعْظَمُ، والعَرَبُ إذا جَرى ذِكْرُ شَيْءٍ يُفَخَّمُ أعادُوا لَفْظَهُ، وأنْشَدُوا: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئًا ∗∗∗ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا فَأعادُوا ذِكْرَ المَوْتِ لِفَخامَتِهِ في صُدُورِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُنْيا ويُشْهِدُ اللهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ ﴾ ﴿ وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ واللهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، واسْمُهُ أُبَيٌّ، والأخْنَسُ لُقِّبَ، وذَلِكَ «أنَّهُ جاءَ إلى النَبِيِّ  فَأظْهَرَ إسْلامَهُ، وقالَ: اللهُ يَعْلَمُ أنِّي صادِقٌ، ثُمَّ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأحْرَقَ لَهم زَرْعًا، وقَتَلَ حُمْرًا، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَكَلَّمُوا في الَّذِينَ قُتِلُوا في غَزْوَةِ الرَجِيعِ: عاصِمُ بْنُ ثابِتٍ، وخَبِيبٌ، وابْنُ الدُثَنَةِ، وغَيْرُهُمْ، وقالُوا: ويْحُ هَؤُلاءِ القَوْمِ، لا هم قَعَدُوا في بُيُوتِهِمْ، ولا أدُّوا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في صِفاتِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُسْتَشْهِدِينَ في غَزْوَةِ الرَجِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في كُلِّ مُبْطِنِ كُفْرٍ أو نِفاقٍ، أو كَذِبٍ، أو إضْرارٍ، وهو يُظْهِرُ بِلِسانِهِ خِلافَ ذَلِكَ.

فَهي عامَّةٌ، وهي تُشْبِهُ ما وَرَدَ في التِرْمِذِيِّ «أنَّ في بَعْضِ كُتُبِ اللهِ تَعالى: "أنَّ مِن عِبادِ اللهِ قَوْمًا ألْسِنَتُهم أحْلى مِنَ العَسَلِ، وقُلُوبُهم أمَرُّ مِنَ الصَبْرِ، يَلْبَسُونَ لِلنّاسِ جُلُودَ الضَأْنِ مِنَ اللِينِ، يَجْتَرُّونَ الدُنْيا بِالدِينِ، يَقُولُ اللهُ تَعالى: أبِي يَغْتَرُّونَ؟

وعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟

حَلَفْتُ لَأسُلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنهم حَيْرانَ».

ومَعْنى: "وَيُشْهِدُ اللهَ" أيْ يَقُولُ: اللهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَشْهَدُ اللهُ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ.

المَعْنى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ واللهُ يَعْلَمُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ.

والقِراءَةُ الَّتِي لِلْجَماعَةِ أبْلَغُ في ذَمِّهِ لِأنَّهُ قَوّى عَلى نَفْسِهِ التِزامَ الكَلامِ الحَسَنِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن باطِنِهِ خِلافُهُ، وما في قَلْبِهِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ، فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: هو الخَيْرُ الَّذِي يَظْهَرُ، أيْ هو في قَلْبِهِ بِزَعْمِهِ.

وعَلى قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، هو الشَرُّ الباطِنُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "واللهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ".

وقَرَأ أبِي وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيَسْتَشْهِدُ اللهُ عَلى ما في قَلْبِهِ".

والألَدُّ: الشَدِيدُ الخُصُومَةِ، الصَعْبُ الشَكِيمَةِ، الَّذِي يَلْوِي الحُجَجَ في كُلِّ جانِبٍ، فَيُشْبِهُ انْحِرافُهُ المَشْيَ في لَدِيدَيِ الوادِي، ومِنهُ: لَدِيدُ الفَمِ، واللَدُودُ.

ويُقالُ: مِنهُ لَدِدْتُ "بِكَسْرِ العَيْنِ" ألَدُّ.

وهو ذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمِ» ويُقالُ: لَدَدْتُهُ بِفَتْحِ العَيْنِ، ألُدُّهُ بِضَمِّها إذا غَلَبْتُهُ في الخِصامِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ حَزْمًا وعَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِعْلاقِ وَ"الخِصامُ" -فِي الآيَةِ- مَصْدَرُ خاصَمَ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ كَكَلْبٍ وكِلابٍ، فَكانَ الكَلامُ: وهو أشَدُّ الخُصَماءِ والِدُهم.

و"تَوَلّى" و"سَعى" تَحْتَمِلُ جَمِيعًا مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِعْلَ قَلْبٍ، فَيَجِيءُ "تَوَلّى" بِمَعْنى ضَلَّ، وغَضِبَ، وأنِفَ في نَفْسِهِ، فَسَعى بِحِيَلِهِ وإرادَتِهِ الدَوائِرَ عَلى الإسْلامِ، ومِن هَذا السَعْيِ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ومِنهُ: ﴿ وَسَعى لَها سَعْيَها  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ؎ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعٍ ونَحا هَذا المَنحى في مَعْنى الآيَةِ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ.

والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونا فِعْلَ شَخْصٍ فَيَجِيءُ "تَوَلّى" بِمَعْنى أدْبَرَ ونَهَضَ عنكَ يا مُحَمَّدُ، و"سَعى" يَجِيءُ مَعْناها بِقَدَمَيْهِ، فَقَطَعَ الطَرِيقَ وأفْسَدَها.

نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ.

وكِلا السَعْيَيْنِ فَسادٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ الأخْنَسُ في إحْراقِهِ الزَرْعَ، وقَتْلِهِ الحُمْرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ أنَّ الظالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَسْلُ.

وقِيلَ: المُرادُ أنَّ المُفْسِدَ يَقْتُلُ الناسَ فَيَنْقَطِعُ عُمّارُ الزَرْعُ والمُنْسَلُّونَ.

وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالحَرْثِ النِساءُ وبِالنَسْلِ نَسْلُهُنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ الآيَةَ عِبارَةٌ عن مُبالَغَةٍ في الإفْسادِ إذْ كَلُّ فَسادٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَعَلى هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ يَدُورُ.

وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى أنْ "يُهْلِكَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ وفَتْحِ الكافِ عَطْفًا عَلى: "لِيُفْسِدَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِيَهْلِكَ".

وقَرَأ قَوْمٌ: "وَيَهْلَكُ" بِضَمِّ الكافِ، إمّا عَطْفًا عَلى "يُعْجِبُكَ" وإمّا عَلى "سَعى" لِأنَّها بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وإمّا عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللامِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ "الحَرْثِ والنَسْلِ".

وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وعَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إنَّما هُوَ: "وَيُهْلَكُ" بِضَمِّ الياءِ والكافِ "الحَرْثَ" بِالنَصْبِ.

وقَرَأ قَوْمٌ "وَيَهْلَكُ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ ورَفْعُ "الحَرْثِ"، وهي لُغَةُ هَلَكَ يَهْلَكُ تَلْحَقُ بِالشَواذِّ، كَرَكَنَ يَرْكَنُ.

و"الحَرْثُ" -فِي اللُغَةِ- شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، ويُسَمّى الزَرْعُ حَرْثًا لِلْمُجاوَرَةِ والتَناسُبِ، ويَدْخُلُ سائِرَ الشَجَرِ والغِراساتِ في ذَلِكَ حَمْلًا عَلى الزَرْعِ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ  ﴾ وهو كَرَمٌ عَلى ما ورَدَ في التَفاسِيرِ.

وسُمِّيَ النِساءُ حَرْثًا عَلى التَشْبِيهِ.

و"النَسْلَ": مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ يَنْسِلُ إذا خَرَجَ مُتَتابِعًا، ومِنهُ نَسالُ الطائِرِ؛ ما تَتابَعَ سُقُوطُهُ مِن رِيشِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .........

∗∗∗ فَسَلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلُ و"لا يُحِبُّ" مَعْناهُ: لا يُحِبُّهُ مِن أهْلِ الصَلاحِ، أيْ لا يُحِبُّهُ دِينًا، وإلّا فَلا يَقَعُ إلّا ما يُحِبُّ اللهُ تَعالى وُقُوعَهُ، والفَسادُ واقِعٌ، وهَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الحُبَّ بِمَعْنى الإرادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحُبُّ لَهُ عَلى الإرادَةِ مَزِيَّةُ إيثارٍ، فَلَوْ قالَ أحَدٌ: إنَّ الفَسادَ المُرادَ تَنْقُصُهُ مَزِيَّةُ الإيثارِ لَصَحَّ ذَلِكَ، إذِ الحُبُّ مِنَ اللهِ تَعالى إنَّما هو لَمّا حَسُنَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ أوِ المُنافِقِ الذاهِبِ بِنَفْسِهِ زَهْوًا.

ويَكْرَهُ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُوقِعَهُ الحَرَجُ في نَحْوِ هَذا.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يَقُولَ لَهُ أخُوهُ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُولُ لَهُ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي؟

والعِزَّةُ هُنا: المَنَعْةُ وشِدَّةُ النَفْسِ، أيِ اعْتَزَّ في نَفْسِهِ وانْتَخى فَأوقَعَتْهُ تِلْكَ العِزَّةُ في الإثْمِ حِينَ أخَذَتْهُ بِهِ، وألْزَمَتْهُ أباهُ.

ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ: "أخَذَتْهُ العِزَّةُ" مَعَ الإثْمِ فَمَعْنى الباءِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبَ التَأْوِيلَيْنِ.

و"حَسْبُهُ": أيْ كافِيهِ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ وتُعَظِّمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ.

و"المِهادُ" ما مَهَّدَ الرَجُلُ لِنَفْسِهِ كَأنَّهُ الفِراشُ.

وَمِن هَذا البابِ قَوْلُ الشاعِرِ: .........

∗∗∗ تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ الآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ مُجاهِدٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو مُسْتَشْهِدٍ في ذاتِهِ، أو مُغَيِّرِ مُنْكَرٍ.

والظاهِرُ مِن هَذا التَقْسِيمِ أنَّ تَكُونَ الآياتُ قَبْلَ هَذِهِ عَلى العُمُومِ في الكافِرِ، بِدَلِيلِ الوَعِيدِ بِالنارِ، ويَأْخُذُ العُصاةَ الَّذِينَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا الخُلُقِ بِحَظِّهِمْ مِن وعِيدِ الآيَةِ.

ومَن قالَ إنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ هي في مُنافِقِينَ تَكَلَّمُوا في غَزْوَةِ الرَجِيعِ؛ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في شُهَداءِ غَزْوَةِ الرَجِيعِ.

ومِن قالَ: تِلْكَ في الأخْنَسِ قالَ: هَذِهِ في الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ المُبادِرِينَ إلى الإيمانِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُ: هَذِهِ في طائِفَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ، وذَكَرُوا «حَدِيثَ صُهَيْبٍ أنَّهُ خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ  فاتَّبَعَتْهُ قُرَيْشٌ لِتَرُدَّهُ.

فَنَثَرَ كِنانَتَهُ وقالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ واللهِ إنِّي لَمِن أرْماكم رَجُلًا، واللهِ لَأرْمِيَنَّكم ما بَقِيَ لِي سَهْمٌ، ثُمَّ لَأضْرِبَنَّ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ.

فَقالُوا لَهُ: لا نَتْرُكُكَ تَذْهَبُ عَنّا غَنِيًّا، وقَدْ جِئْتِنا صُعْلُوكًا، ولَكِنْ دُلَّنا عَلى مالِكَ ونَتْرُكُكَ، فَدَلَّهم عَلى مالِهِ وتَرَكُوهُ، فَهاجَرَ إلى النَبِيِّ  فَلَمّا رَآهُ قالَ لَهُ: رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحْيى.

فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ».

ومَن قالَ: قَصَدَ بِالأوَّلِ العُمُومَ قالَ في هَذِهِ كَذَلِكَ بِالعُمُومِ.

و"يَشْرِي" مَعْناهُ يَبِيعُ، ومِنهُ: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرَّغٍ الحَمِيرِي: وشَرَيْتُ بَرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بَرْدٍ كُنْتُ هامَّهُ وقالَ الآخَرُ: يُعْطى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ: ألّا تَشْرِيَ ومِن هَذا تُسَمّى الشُراةُ كَأنَّهُمُ الَّذِينَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللهِ تَعالى.

وحَكى قَوْمٌ أنَّهُ يُقالُ: شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ويَحْتاجُ إلى هَذا مَن تَأوَّلَ الآيَةَ في صُهَيْبٍ لِأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِمالِهِ ولَمْ يَبِعْها، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ عَزْمَ صُهَيْبٍ عَلى قِتالِهِمْ بَيْعٌ لِنَفْسِهِ مِنَ اللهِ تَعالى فَتَسْتَقِيمُ اللَفْظَةُ عَلى مَعْنى باعَ.

وتَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم في مُغَيِّرِي المُنْكَرِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: اقْتَتَلَ الرَجُلانِ، أيْ قالَ المُغَيِّرُ لِلْمُفْسِدِ: اتَّقِ اللهَ، فَأبى المُفْسِدُ، وأخَذَتْهُ العِزَّةُ فَشَرى المُغَيِّرُ نَفْسَهُ مِنَ اللهِ تَعالى وقاتَلَهُ فاقْتَتَلا.

ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَجْمَعُ في يَوْمِ الجُمْعَةَ شَبابًا مِنَ القِراءَةِ، فِيهِمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَرُّ بْنُ قَيْسٍ، وغَيْرُهُما: فَيَقْرَءُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ومَعَهُ، فَسَمِعَ عُمَرُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اقْتَتَلَ الرَجُلانِ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَسَألَهُ عَمّا قالَ: فَفَسَّرَ لَهُ هَذا التَفْسِيرَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لِلَّهِ تَلادُكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو أيُّوبٍ حِينَ حَمَلَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ عَلى الصَفِّ في القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقالَ قَوْمٌ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَهْلُكَةِ لَيْسَ كَما قالُوا: بَلْ هَذا قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ الآيَةُ.

و"ابْتِغاءَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ووَقَفَ حَمْزَةُ عَلى: "مَرْضاتِ" بِالتاءِ، والباقُونَ بِالهاءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ وقْفِ حَمْزَةَ بِالتاءِ إمّا أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: طَلَحَتْ وعَلْقَمَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .........

∗∗∗ بَلْ جَوْزُ تَيْهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ وإمّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في ضِمْنِ اللَفْظَةِ ولا بُدَّ، أثْبَتَ التاءَ كَما تَثْبُتُ في الوَصْلِ، لِيَعْلَمَ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُرادٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ تَرْجِيَةٌ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى امْتِثالِ ما وقَعَ بِهِ المَدْحُ في الآيَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ تَخْوِيفٌ يَقْتَضِي التَحْذِيرَ مِمّا وقَعَ بِهِ الذَمُّ في الآيَةِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالدُخُولِ في السِلْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "السَلْمِ" بِفَتْحِ السِينِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها في هَذا المَوْضِعِ فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يَقَعانِ لِلْإسْلامِ ولِلْمُسالَمَةِ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: السِلْمُ بِكَسْرِ السِينِ: الإسْلامُ، وبِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَفْرِقَةَ.

ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ حَمَلَ اللَفْظَةِ عَلى مَعْنى الإسْلامِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالِانْتِدابِ إلى الدُخُولِ في المُسالَمَةِ، وإنَّما قِيلَ لِلنَّبِيِّ  أنْ يَجْنَحَ لِلسِّلْمِ إذا جَنَحُوا لَها، وأمّا أنْ يَبْتَدِئَ بِها فَلا.

واخْتَلَفَ -بَعْدَ حَمْلِ اللَفْظِ عَلى الإسْلامِ- مَنِ المُخاطَبُ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: أمَرَهم بِالثُبُوتِ فِيهِ والزِيادَةِ مِنَ التِزامِ حُدُودِهِ، ويَسْتَغْرِقُ "كافَّةً" حِينَئِذٍ المُؤْمِنِينَ، وجَمِيعَ أجْزاءِ الشَرْعِ، فَتَكُونُ الحالُ مِن شَيْئَيْنِ وذَلِكَ جائِزٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: بَلِ المُخاطَبُ مَن آمَنَ بِالنَبِيِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى تَعْظِيمِ يَوْمِ السَبْتَ وكَرِهُوا لَحْمَ الجَمَلِ، وأرادُوا اسْتِعْمالَ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَوْراةِ وخَلْطِ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فـَ "كافَّةً" -عَلى هَذا- لِإجْزاءِ الشَرْعِ فَقَطْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ.

والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِمُحَمَّدٍ كافَّةً، فَـ "كافَّةً" -عَلى هَذا- لِإجْزاءِ الشَرْعِ، ولِلْمُخاطَبِينَ.

عَلى مَن يَرى السِلْمَ الإسْلامَ.

ومَن يَراها المُسالَمَةَ يَقُولُ: أمْرَهم بِالدُخُولِ في أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

و"كافَّةً" مَعْناهُ جَمِيعًا، والمُرادُ بِالكافَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي تَكُفُّ مُخالِفَها.

وقِيلَ: إنَّ "كافَّةً" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ الكَلامَ، دَخَلَهُ كافَّةً فَلَمّا حُذِفَ المَنعُوتُ بَقِيَ النَعْتُ حالًا.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "خُطُواتِ" والألِفَ واللامُ في "الشَيْطانِ" لِلْجِنْسِ.

و"عَدُوٌّ" يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.

و"مُبِينٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أبانَ عَداوَتَهُ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى بانَ في نَفْسِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بانَ الأمْرُ وأبانَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف على طريقة الاعتراض انتهازاً للفرصة بالدعوة إلى الدخول في السلم، ومناسبة ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه الدين مراتب، أعلاها ﴿ من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة: 207] لأن النفس أغلى ما يبذل، وأقلها ﴿ من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ [البقرة: 204] أي يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض، وذلك يشتمل على أنه اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد ذلك أن يدعى الناس إلى الدخول فيما يطلق عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب الدخول في السلم.

والخطاب بيأيها الذين آمنوا خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان، ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد.

و (الدخول) حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد، ويطلق مجازاً مشهوراً على حلول المكان الواسع يقال دخل بلاد بني أسد وهو هنا مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل.

و (السَّلم) بفتح السين وكسرها مع سكون اللام، قرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر بفتح السين وقرأ باقي العشرة بكسر السين، ويقال سلم بفتح السين واللام قال تعالى: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليم السلم لست مؤمناً ﴾ [النساء: 94] وحقيقة السلم الصلح وترك الحرب قال عباس بن مرداس: السَّلْمُ تأْخُذُ منها ما رَضِيتَ به *** والحَرْبُ تَكْفِيك من أَنْفَاسِها جُزَع وشواهد هذا كثيرة في كلامهم وقال زهير: وقد قلتما إن ندرك السِّلم واسعاً *** بكسر السين واشتقاقه من السلامة وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد يقال أسلم نفسه لفلان أي أعطاه إياها بدون مقاومة، واستسلم طلب السِّلم أي ترك المقاومة، وتقول العرب: أسلم أم حرب، أي أأنت مسالم أم محارب، وكلها معان متولد بعضها من بعض فلذلك جزم أئمة اللغة بأن السلم بكسر السين وفتحها وبالتحريك يستعمل كل واحد منها فيما يستعمل فيه الآخر.

قالوا ويطلق السلم بلغاته الثلاث على دين الإِسلام ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وأنشدوا قول امرئ القيس بن عابس الكندي في قضية ردة قومه: دَعَوْت عشيرتي للسَّلْم لَمَّا *** رأيتهمو تَوَلَّوْا مُدبرينا فلستُ مبدِّلاً بالله ربا *** ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا وهذا الإطلاق انفرد بذكره أصحاب التفسير ولم يذكره الراغب في «مفردات القرآن» ولا الزمخشري في «الأساس» وصاحب «لسان العرب» وذكره في «القاموس» تبعاً للمفسرين وذكره الزمخشري في «الكشاف» حكاية قول في تفسير السِّلم هنا فهو إطلاق غير موثوق بثبوته وبيت الكندي يحتمل معنى المسالمة أي المسالمة للمسلمين ويكون قوله: «دينا» بمعنى العادة اللازمة كما قال المثقب العبدي: تقول وقد أدرت لها وضيني *** أهذا دينه أبداً وديني وعن أبي عمرو بن العلاء السِّلم بكسر السين هو الإسلام والسَّلم بفتح السين المسالمة، ولذلك قرأ ﴿ ادخلوا في السِّلم ﴾ في هذه السورة بكسر السين لا غير وقرأ التي في سورة الآنفال والتي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح السين قال الطبري توجيهاً منه لمعناه هنا إلى أنه الإسلام دون الآيتين الأخريين.

وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ويَحتاج من فَرَّق إلى دليل.

فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة فهو مراد من الآية لا محالة وكونه يطلق على الإسلام إذا صح ذلك جاز أي يكون مراداً أيضاً ويكون من استعمال المشترك في معنييه.

فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بيأيها الذين آمنوا الذي هو كاللقب للمسلمين كان المعنى أَمْرَهم بالدخول في المسالمة دون القتال، وكما تقتضيه صيغة الأمر في (ادخلوا) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلاً أو كان مُفرَّطاً في بعضه.

فالذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم أجمعوا أمرهم على قتالهم، والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله رسول الله إلى قريش، فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما قضى حق ذلك كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين في تلك الآيات، استؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة عام الحديبية، لأن كثيراً من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال: ألسْنَا على الحق وعدُوُّنا على الباطل فكيف نعطي الدَّنية في ديننا رواه أهل «الصحيح» فتكون مدة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] إلى هنا.

واعلم أنه إذا كان الضمير في قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون ﴾ [البقرة: 210] راجعاً إلى ﴿ من الناس من يعجبك ﴾ [البقرة: 204] أو ﴿ من الناس من يشري نفسه ﴾ [البقرة: 207] كما سيأتي يكون قوله: ﴿ ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ اعتراضاً بين الجملة ذات المعاد والجملة ذات الضمير.

فأما إذا فسر السلم بالإسلام أي دين الإسلام فإن الخطاب بيأيها الذين آمنوا وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يُؤَوَّل بأنه أمر بزيادة التمكن منه والتغلغل فيه لأنه يقال دخل الإيمان في قلبه إذا استقر وتمكن، قال تعالى: ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14].

وقال النابغة: أَبَى غفلتي أَني إذا ما ذكرتُه *** تَحَرَّك داءٌ في فُؤادِيَ دَاخِلُ وهذا هو الظاهر، فيراد بالأمر في (ادخلوا) الدوام على ذلك وقيل أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطاباً للمنافقين.

فيؤوَّل قوله: ﴿ الذين آمنوا ﴾ بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكماً بهم على حد قوله: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] فيكون خطاباً للمنافقين وهذا تأويل بعيد لأن الذين آمنوا صار كاللقب لمن اتبع الدين اتباعاً حقاً، ولأن الظاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب منهم الإيمان دون العكس، بدليل قوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14].

وقيل المراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا من اليهود كعبد الله بن سَلاَم فيُؤوَّل ﴿ ادْخلوا ﴾ بمعنى شدة التلبس أي بترك ما لم يجيء به الدين، لأنهم استمروا على تحريم السبت وترك شرب ألبان الإبل وبعض ما اعتادوه من أحوالهم أيام تهودهم إذا صح ما رواه أهل «أسباب النزول» أن طائفة من مؤمني اليهود فعلوا ذلك.

ويجوز أن يكون المراد من السلم هنا المعنى الحقيقي ويراد السلم بين المسلمين يأمرهم الله تعالى بعد أن اتصفوا بالإيمان بألا يكون بعضهم حرباً لبعض كما كانوا عليه في الجاهلية، وبتناسي ما كان بين قبائلهم من العداوات، ومناسبة ذكر هذا عقب ما تقدم أنهم لما أمروا بذكر الله كذكرهم آباءهم وكانوا يذكرون في موسم الحججِ ترَاتِهِم ويفخرون فخراً قد يفضي إلى الحمية، أمروا عقب ذلك بالدخول في السَّلم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " فتكون الآية تكملة للأحكام المتعلقة بإصلاح أحوال العرب التي كانوا عليها في الجاهلية، وبها تكون الآية أصلاً في كون السلم أصلاً للإسلام وهو رفع التهارج كما قال الشاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه، وإما أن يكون المراد من السَّلم هنا السلم مع الله تعالى مع معنى المجاز، أي ادخلوا في مسالمة الله تعالى باتباع أوامره واجتناب منهياته كما أطلق الحرب على المعصية مجازاً في قوله تعالى: ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ [البقرة: 279] وفي الحديث القدسي الذي رواه الترمذي " من عادَى لي وَلِيّاً فقد آذنتُه بالحرب ".

و (كافة) اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به، وهو في صورة صوغه كصوغ اسم الفاعلة من كَفَّ ولكن ذلك مصادفة في صيغة الوضع، وليس فيها معنى الكف ولا حاجة إلى تكلف بيان المناسبة بين صورة لفظها وبني معناها المقصود في الكلام لقلة جدوى ذلك، وتفيد مُفاد ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول والإِحاطة.

والتاء المقترنة بها ملازمة لها في جميع الأحوال كيفما كان المؤكد بها مؤنثاً كان أو مذكراً مفرداً أو جمعاً، نحو ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [التوبة: 36]، وأكثر ما يستعمل (كافة) في الكلام أنه حال من اسم قبله كما هنا فقوله: «كافة» حال من ضمير ﴿ ادخلوا ﴾ أي حالة كونكم جميعاً لا يُستثنى منكم أحد، وقال ابن هشام في «مغني اللبيب» عند الكلام على الجهة الخامسة من الباب الخامس في ذكر الحال من الفاعل ومن المفعول أن (كافة) إذا استعملت في معنى الجملة والإحاطة لا تكون إلاّ حالاً مما جرت عليه، ولا تكون إلاّ نكرة ولا يكون موصوفها إلاّ مما يعقل، ولكن الزجاج والزمخشري جوَّزا جعل كافة حالاً من السلم والسلم مؤنث، وفي «الحواشي الهندية على المغني للدماميني» أنه وقع كافة اسماً لغير العاقل وغير حال بل مضافاً في كتاب عمر بن الخطاب لآل كاكلة «قد جعلت لآل كاكلة على كافة بيتتِ مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً إبريزاً في كل عام».

واعلم أن تحجير ما لم يستعمله العرب إذا سوغته القواعد تضييق في اللغة وإنما يكون اتباع العرب في استعمالهم أدخل في الفصاحة لا موجباً للوقوف عنده دون تعدية فإذا ورد في القرآن فقد نهض.

وقوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ ، تحذير مما يصدهم عن الدخول في السلم المأمور به بطريق النهي، عن خلاف المأمور به، وفائدته التنبيه على أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروففِ بأنه لا يشير بالخير، فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان المراد بالسلم غير شُعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عُمر «ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدَّنِيَّة في ديننا» وكما قال سهل بن حنيف يوم صفين «أيها الناس اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله فِعْلَه لفَعَلْنا والله ورسوله أعلم» بإعلامهم أن ما فعله رسول الله لا يكون إلاّ خيراً، كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً تنبيهاً لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من وساوس الشيطان، وإما لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السَّلم إن كان المراد بالسلم شعب الإسلام، والكلامُ على معنى لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، وما فيه من الاستعارة تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ [البقرة: 168] الآية.

وقوله تعالى: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ تفريع على النهي أي فإن اتبعتم خطوات الشيطان فزللتم أو فإن زللتم فاتبعتم خطوات الشيطان وأراد بالزلل المخالفة للنهي.

وأصل الزلل الزلَق أي اضطراب القدَم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به، واستعمل الزلل هنا مجازاً في الضُّر الناشئ عن اتباع الشيطان من بناءِ التمثيل على التمثيل؛ لأنه لما شبهت هيئة من يعمل بوسوسة الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة، وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به الشيطان هو أيضاً بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله: ﴿ زللتم ﴾ تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازاً والمجاز هنا في مركبه.

والبينات: الأدلة والمعجزات ومجيئها ظهورها وبيانها، لأن المجيء ظهور شخص الجائي بعد غيبته.

وجيء في الشرط بإنْ لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه.

وفيه إشارة إلى أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة.

وقوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ جواب الشرط، و ﴿ أن الله عزيز حكيم ﴾ ، مفعول ﴿ اعلموا ﴾ ، والمقصود علم لازمه وهو العقاب.

والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يُغْلب، وأصله من العزة وقد مر الكلام عليه عند قوله ﴿ أَخذته العزة ﴾ [البقرة: 206] وهو ضد، فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزماً تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم، لأن العزيز لا ينجو من يناوئه.

والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم، ويحتمل أنه المحكم للأمور فهو من مجيء فَعِيل بمعنى مُفعل، ومناسبته هنا أن المتقن للأمور لا يفلت مستحق العقوبة، فالكلام وعيد وإلاّ فإن الناس كلهم يعلمون أن الله عزيز حكيم.

ولك أن تجعل قوله: ﴿ فاعلموا ﴾ تنزيلاً لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول.

وإنما قال تعالى: ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ إعذار لهم، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين، لأنه ما أوحاه الله إلاّ لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين، لأن الله عزيز لا يهن لأحد، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالةَ على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر.

وإن كان المراد الدخولَ في الإسلام أو الدوامَ عليه فالمعنيُّ: بِ (فإن زللتم): الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السّلم، والمراد بالبينات المعجزاتُ الدالة على صدق الرسول، نقل الفخر عن «تفسير القاضي عبد الجبار» دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاّ بعد البيان وأن المؤاخذة تكون بعد حصول البينات لا بعد حصول اليقين من المكلف، لأنه غير معذور في عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية.

وفي «الكشاف» روي أن قارئاً قرأ هذه الآية فإن الله غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه اه وفي القرطبي عن «تفسير النقاش» نسبة مثل هذه القصة إلى كعب الأحبار، وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ: والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، ويجنبي أعرابي فقال كلامُ مَنْ هذا؟

قلت كلامُ الله، قال: ليس هذا كلامُ الله فانتبهتُ فقرأت ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ [المائدة: 38] فقال أصبتَ هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن؟

قال لا قلتُ من أين علمت؟

قال يا هذا عَزَّ فَحَكَم فقطعَ ولو غَفر ورَحم لَمَا قَطَع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الفَتْحِ والكَسْرِ، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ تُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى.

والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السِّلْمَ بِالكَسْرِ الإسْلامُ، والسَّلْمَ بِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها  ﴾ وفي المُرادِ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ، تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الدُّخُولُ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ادْخُلُوا في الطّاعَةِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ كافَّةً ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعًا في السِّلْمِ.

والثّانِي: عائِدٌ إلى السِّلْمِ أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِهِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ يَعْنِي آثارَهُ.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ لِنَفْسِهِ.

والآخَرُ: مُبِينٌ بِعُدْوانِهِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن أبانَ بِهِ عُدْوانَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ.

والثّانِي: بِقَوْلِهِ: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا  ﴾ .

واخْتَلَفُوا فِيمَن أُمِرَ بِالدُّخُولِ في السِّلْمِ كافَّةً، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِها المُسْلِمُونَ، والدُّخُولَ في السِّلْمِ العَمَلُ بِشَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ يامِينَ، وأسَدٍ، وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كُلُّهم مِن يَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : يَوْمَ السَّبْتَ كُنّا نُعَظِّمُهُ ونَسْبِتُ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَدَعْنا فَلْنَصُمْ نَهارَنا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَصَيْتُمْ.

والثّانِي: مَعْناهُ كَفَرْتُمْ.

والثّالِثُ: إنْ ضَلَلْتُمْ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ.

والثّانِي: مُحَمَّدٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: الإسْلامُ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ يَعْنِي عَزِيزٌ في نَفْسِهِ، حَكِيمٌ في فِعْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم بالإِيمان بالتوراة وما فيها.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد، كلهم من يهود قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وأن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل، فنزلت.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ قال: يعني أهل الكتاب، و ﴿ كافة ﴾ : جميعاً.

وأخرج ابي أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الطاعة، وكافة يقول: جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الإِسلام، والزلل ترك الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ قال: فإن ضللتم من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم، حكيم في أمره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ اختلف القُرّاء في ﴿ السِّلْمِ ﴾ ، فقرأ بعضهم بفتح السين، وبعضهم بكسرها (١) أما (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) أنائلَ إنَّنِي سَلَمٌ ...

لأهلِكِ فاقْبَلي سَلَمِي (٩) وقرئ ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَىَ إِليَكُمُ السَّلَامَ  ﴾ (١٠) والمراد بالسِّلم في هذه الآية: الإسلام (١١) (١٢) (١٣) قال ابن عباس في رواية عطاء (١٤) وقتادة (١٥) (١٦) (١٧)  قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لُحْمَانَ الإِبِلِ وألبَانَها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي  : إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا، فأنزل الله هذه الآية.

وقوله تعالى: ﴿ كَافَّةً ﴾ يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا.

ويجوز أن يكون معناه: في السلم (١٨) (١٩) ومعنى الكافة في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكَفّ يَكُفُّ كَفًّا، سواء لفظ اللازم والمجاوِز، ومن هذا يقال: كُفَّةُ القميص، لأنها تمنع الثوب من الانتشار، وقيل لطرف اليد: كَفُّ؛ لأنه يُكَفُّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كُفَّ بَصَرُه من أن ينظر.

فالكافة معناها: المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال أبو إسحاق: معنى الآية: ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا (٢٣) (٢٤) قوله تعالى ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ أي (٢٥) (٢٦) (١) قرأ ابن كثير ونافع والكسائي بفتح السين هنا، وفي قوله: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ  ﴾ ، وقرأ عاصم في رواية شعبة بكسر السين في الثلاثة، وقرأ حمزة بكسر السين هنا وفي سورة محمد، وفتح التي في الأنفال، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم بكسر السين هنا، وفتحوا الأخريين.

ينظر: "السبعة" ص 180 - 181، "الحجة" 2/ 292.

(٢) في (م) فأما.

(٣) "مجاز القرآن" 1/ 71.

(٤) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 167.

(٥) في "الحجة": زيادة: وغلِّظ على المسلمين في المسايفة بينهم.

(٦) زيادة من (م).

(٧) ساقطة من (ي).

(٨) من "الحجة" 1/ 293، وقد اختصر الواحدي كلامه كثيرًا، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 323.

(٩) البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن زيد الأسيدي، وكان يهواها، انظر: "الأغاني" 13/ 271، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 43، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 294.

وفي "اللسان" (مادة: سلم) ضبطت بكسر السين وتسكين اللام.

(١٠) من "الحجة" 1/ 293 - 294 بتصرف واختصار، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وآية النساء في المخطوطة كتبت: السلم، وهي كذلك في "الحجة" 2/ 296، وأما في "معاني القرآن" للزجاج فكتبت: السلام، بألف، والظاهر أن المؤلف ساقها شاهدا على السلم، وقد اختلف فيها القراء، فقرأها بالألف: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وعاصم، وقرأها بغير ألف: نافع وابن عامر وحمزة.

ينظر في تفصيل ذلك: "السبعة" لابن مجاهد ص 236.

(١١) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 322 - 323، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 370 الرواية بذلك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وقتادة والسدي وابن زيد والضحاك.

وقيل: بل المراد: الطاعة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي العالية والربيع.

وقيل: في أنواع البر كلها، وهو مروي عن مجاهد وسفيان الثوري، وهذه الثلاثة متقاربة، وقيل: الموادعة، وهو مروي عن قتادة، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 672.

(١٢) من قوله: وليس المراد ساقطة من (ي).

(١٣) من "الحجة" 1/ 293 بتصرف، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 323.

(١٤) رواه الواحدي بسنده في "أسباب النزول" ص 68، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد الثقفي، وهو واه كما قال ابن حجر في "العجاب" 1/ 530، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 179 - 180 بمعناه، ورواه الطبري 2/ 325، عن ابن جريج عنه بلفظ: يعني أهل الكتاب، ورواه ابن أبي حاتم 2/ 369 - 370 عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني مؤمني أهل الكتاب، ثم ذكره عن مقاتل بن حيان، أنه قال: عبد الله بن سلام، ومؤمنوا أهل "الكتاب"، ورواه الطبري عن عكرمة قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد بن كعب وسعية بن عمرو وقيس بن زيد -كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، إلخ.

بمعناه.

وقد اعترض ابن كثير في "تفسيره" ص 266 على رواية عكرمة فقال: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر؛ إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام.

(١٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 15/ 82، والطبري 2/ 323، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 370، والثعلبي 2/ 671.

(١٦) رواه الطبري 2/ 323، وذكره الثعلبي 2/ 671.

(١٧) انظر المصدر السابق.

(١٨) في (ي): كافة.

(١٩) ينظر في ذكر القولين: "تفسير الطبري" 2/ 324 - 325، "النكت والعيون" 1/ 267، "المحرر الوجيز" 2/ 197 - 198، "زاد المسير" 1/ 225، قال ابن عطية: واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟

فقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد  .

والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق كافة حينئذ المؤمنين، وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ  ﴾ ، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وقال عكرمة: بل المخاطب من آمن بالنبي  من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره.

الحديث، فكافة على هذا لأجزاء الشرع فقط، وقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، فكافة على هذا لأجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية.

ا.

هـ- بتصرف.

(٢٠) في (ي): فالفرق.

(٢١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وهذا لفظه بتصرف، "تهذيب اللغة" 4/ 3165 "كف"، "تفسير الثعلبي" 2/ 678، "المفردات" ص 435، وقوله: سواء لفظ اللازم والمجاوز: أي المتعدي.

(٢٢) ينظر: "الوسيط" 1/ 313، "التفسير الكبير" 5/ 226.

(٢٣) في (ي) فيكفوا.

وفي "معاني القرآن" للزجاج: فَكُفُّوا، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت.

(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، وقوله: وادخلوا، في "معاني القرآن": أو ادخلوا، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت، وكذا قوله واحد، في "معاني القرآن" وأحد، وفي "تهذيب اللغة" موافق لما أثبت.

(٢٥) زيادة من (ي).

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 280، "تفسير الطبري" 2/ 326، "تفسير الثعلبي" 2/ 678، "الوسيط" 1/ 313، "التفسير الكبير" 5/ 227.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ السلم ﴾ بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمة بالجزية، والأمر على هذا لأهل الكتاب، وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة، وقيل: هو الإسلام، وكذلك هو بكسر السين، فيكون الخطاب لأهل الكتاب، وعلى معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام، وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين على معنى الأمر بالثبوت عليه، والدخول في جميع شرائعه من الأوامر والنواهي ﴿ كَآفَّةً ﴾ عموم في المخاطبين، في شرائع الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مرضاة ﴾ بالإمالة والوقف بالهاء: علي.

وكذلك يقف على ﴿ هيهات ﴾ هيهاه وعلى ﴿ حدائق ذات ﴾ ذاه وعلى ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ اللاه وعلى ﴿ ولات حين ﴾ ولاه، وعلى ﴿ مريم ابنة ﴾ ابنه.

وافق أبو عمر وفي ﴿ ولات حين ﴾ بالهاء ﴿ لسلم ﴾ بفتح السين.

أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي.

الباقون: بالكسر.

﴿ والملائكة ﴾ بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم".

الباقون: بالرفع ﴿ ترجع الأمور ﴾ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.

الوقوف: ﴿ قلبه ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ الخصام ﴾ ه ﴿ والنسل ﴾ ط ﴿ الفساد ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ مرضات الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط مع احتمال الجواز ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وقضى الأمر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق.

من أصحاب الوفاق.

عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة.

أقبل إلى النبي  بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق.

فلما خرج من عند النبي  مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.

وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به.

فقالوا: نعم الرأي ما رأيت.

ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله  فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله  فأعجبه.

وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي  أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.

وقوله بعد ذلك ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ إشارة إلى هؤلاء الشهداء.

واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله.

فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر.

والضمير في ﴿ يعجبك قوله ﴾ يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ.

ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام.

والخطاب إما للنبي  ، أو لكل سامع.

﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام".

﴿ وهو ألد الخصام ﴾ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي.

كأن كلاً من المتخاصمين في جانب.

ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم.

وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده".

والخصام جمع خصم كصعاب في صعب.

والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.

والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي.

وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس.

وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ تفصيلاً لما أجمله قوله ﴿ ليفسد ﴾ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر.

وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية.

وقيل: ﴿ وإذا توّلى ﴾ أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.

وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.

فالحرث الزرع، والنسل الولد.

ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج.

وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان ﴿ نساؤكم حرث لكم  ﴾ وإهلاك النسل إفناء الصبيان ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد.

وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة.

ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم.

ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف.

واعلم أنه  حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.

أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل.

فوقع قوله ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ جمله معترضة.

ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله ﴿ وإذا قيل له اتق الله ﴾ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات.

والقائل إما الرسول  قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ﴿ فحسبه جهنم ﴾ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر.

ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم".

وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له.

قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث.

وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها.

حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر.

وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ.

ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه.

سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب.

﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش.

ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة.

قوله  : ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ الآية.

قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي  فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي.

وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا.

فلما قدم على رسول الله  نزلت، فقال رسول الله  : " "ربح البيع أبا يحيى" وتلا الآية.

وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم.

فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟

ففعلوا ذلك.

وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى.

قال صهيب: وبيعك.

أفلا تخبرني ما ذاك؟

فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية.

عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل.

وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

وقيل: نزلت في علي  بات على فراش رسول الله  ليلة خروجه إلى الغار.

ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ.

من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.

ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع.

ومعنى يشري يبيع ﴿ وشروه بثمن بخس  ﴾ والله هو المشتري ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن.

وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي.

فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.

فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى  ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً  ﴾ وقوله عز من قائل لنبيه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ و ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية.

وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً.

﴿ والله رؤف بالعباد ﴾ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة.

ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة.

وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث.

واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه.

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال.

ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان.

أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه.

ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وقوله: ﴿ كافة ﴾ يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ.

ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.

وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار.

والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن.

وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق.

وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله  في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله.

وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.

قوله ﴿ فإن زللتم ﴾ المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله ﴿ ادخلوا ﴾ فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك.

والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أن الله عزيز ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي.

كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب.

وكما أن قوله ﴿ عزيز ﴾ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله ﴿ حكيم ﴾ يشتمل على الوعد الحسن.

فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب.

روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا.

الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه.

قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ الآية معنى النظر ههنا الانتظار.

وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه  منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه  أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله  كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.

الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.

فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته.

وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر ﴿ أو يأتي أمر ربك  ﴾ ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ وأيضاً اللام في قوله ﴿ وقضى الأمر ﴾ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال.

وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً.

فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة.

وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا.

ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله  على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه  يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها.

وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه  جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر.

وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله ﴿ عزيز ﴾ .

وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.

وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.

وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله  ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه  ﴾ ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه.

وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله  ويقولون: إنه  تجلى لموسى  على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد  .

فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون.

والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً.

فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.

والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟

أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً  ﴾ واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن.

﴿ وقضي الأمر ﴾ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.

والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل.

إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله  كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار.

وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة.

﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه.

فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى.

ثم إن الأمور ترجع إليه  ، وهو  يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.

فهذا معنى القراءتين في ﴿ ترجع ﴾ وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟

وإن لم يكن أحد يذهب به.

أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه.

أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال  ﴾ .

التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة.

ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.

وإن قميصاً خيط من نسج تسعة *** وعشرين حرفاً من معانيه قاصر الله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ .

﴿ ٱلسِّلْمِ ﴾ ، فيه لغتان: بالكسر والنصب.

فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.

ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله  : ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا...

 ﴾ إلى آخر الآية.

فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ ؟

قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.

ويحتمل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمحمد  .

وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه.

وقيل: إنه  إنما أمرهم [بالدخول] فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله  : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ .

أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق.

وقوله: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور.

ويحتمل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، لا يقدر أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام.

وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بأمره.

وهو قول الحسن.

وقيل: ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي أمر الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ  ﴾ على إضمار الأمر فيه.

وقيل: قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ ، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى.

والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقيق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول.

فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، [ليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء] منه على ما يكون من الأجسام.

وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم.

وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر.

ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتقال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها.

أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك.

وهذان الوجهان في ذي المكان، والله -  - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.

فالله  - يتعالى عن أن تسمه حاجة أو تأخذه سآمة.

فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان.

وبالله التوفيق.

وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، و[ورد] الخبر بالنزول، والرؤية.

ثم قد ورد السمع بأن ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير.

فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل والكف عن التفسير.

والله أعلم.

وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض.

كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتاً بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه  ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا.

فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضاً.

يخبر نبيه  أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.

والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل [وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ] الآية.

ويحتمل: ﴿ سَلْ ﴾ ، لا على الأمر به في التحقيق، [لكن على التحقيق] والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك.

أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾ .

قيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه.

وقيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني محمداً  ، أي: من كفر به بعدما علم أنه رسول الله.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام وغيره مما لم يؤت أحداً من العالمين مثله.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه  بعد معرفتهم أنه حق.

والله أعلم.

ويكون التبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال الحسن: زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله  : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ .

ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم [التزيين ثم] التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب.

وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه.

وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الحجة، يقول الله  : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الجزاء والثواب.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، بغير تبعة.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه.

ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله ادخلوا في الإسلام جميعه، ولا تتركوا منه شيئًا، كما يفعل أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ولا تتبعوا مسالك الشيطان؛ لأنه لكم عدو واضح العداوة مُظْهِرُها.

<div class="verse-tafsir" id="91.g7L1O"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعدما بين  اختلاف الناس في الصلاح والفساد والإصلاح والإفساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسلام، والوفاق الذي قرره الإسلام، وهو ما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وجعل هذه الهداية بصيغة الأمر، وشرف أهل الإيمان به فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  ﴾ إلخ السلم المسالمة والانقياد والتسليم، فيطلق على الصلح والسلام، وعلى دين الإسلام.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي السلم بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان.

وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالإسلام وعليه (الجلال).

وقال في تفسير "كافة" حال من السلم أي في جميع شرائعه.

واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام، والأمر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ  ﴾ ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه، وعلى القول بأن الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن بالله فالدخول على حقيقته.

يقول لهم إذا ام تدخلوا في دين الإسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ودين الله جامع لا تفرق فيه.

هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخد الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه -الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه- لولوا منك فرارًا، وأعرضوا عنك استكبارًا، وقالوا مكر مكرًا كبارًا إذ دعا إلى ترك المذاهب، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد.

ومن آيات العبرة في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورًا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة، ووصلت إلى الحقيقة، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع، فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون، وبجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة، لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينًا لهم مما يهوون من الفساد والإفساد، إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا، ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص ٍإذا اتحدوا تبعهم العوام، وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين، والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أي يعملون ببعضه على أنه دين، ويتركون بعضًا بتأويل أو غير تأويل، كشأن من لم يصدق بأنه من الله، فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به، أمر مقرر في ذاته سواء فسرت به الآية أم لا.

لأن الآيتين اللتين أشرنا إليهما آنفًا في جعل القرآن عضين، وفي الإيمان ببعضه والكفر ببعض وما في معناهما من النصوص تثبته.

وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ كافةَّ  ﴾ ترجع إلى الذين آمنوا، أي ادخلوا في الإسلام جميعًا لا يتخلف منكم أحد، وصاحب هذا القول يصرف نداء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلى أهل الكتاب أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي، حتى لا يرد عليه أن الإيمان يستلزم الدخول في الإسلام فيكون أمر المؤمن بالإسلام من تحصيل الحاصل، ووجه اللزوم أن الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة.

وأما قول الجمهور إن العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ، فالعلم التصديقي الإذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل.

وقد صرح حجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل.

والحق التفصيل الذي أشرنا إليه آنفًا، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له، ويدل لمن قال إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس بن يزيد، كلهم من يهود: يا رسول الله، يوم السبت نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها بالليل.

فنزلت.

فالخطاب على هذا لليهود خاصة، لا لأهل الكتاب عامة، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية.

وهناك رواية أخرى بمعناها.

والوجه الثاني في تفسير السلم وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول -أخذ الدين بجملته- لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وشد أواخي الإخاء، ولا يرتفع الشيء إلا برفع أسبابه، ولا يستقر إلا بتحقق وسائله، وهو بمعنى قوله  : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ وقوله  :"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض".

وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاق بعضنا بعضًا بشبهة الدين، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله زاعمًا أنه ينصر الدين، وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين، هذا سني يقاتل شيعيًا، وهذا شيعي ينازل أباضيًا، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية، وهؤلاء مقلدة الخلف، يحادون من اتبع طريقة السلف ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ أم أُمروا بهذا من الله ورسوله ومن الأئمة المجتهدين؟

كلا بل كان التعادي والتنازع انحرافًا عن الصراط المستقيم، واتباعًا لخطوات الشيطان الرجيم، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الأمر، خالفوا ما أتْبَعَه به من هذا النهي، إذ قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ﴾ الخطوات جمع خطوة بالضم وبالفتح، وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي، أي لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين أو الخلاف والتنازع مطلقًا.

وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدة سماها صراطًا مستقيمًا، لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان، وقد عُلِم من جَعل التفرق تابعًا لاتباع سبل هي غير صراط الله أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم الله ورسوله فيه برده إلى حكمهما، كما أمرهم بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ﴾ أي مالًا وعاقبة.

فالآيات يفسر بعضها بعضًا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا.

هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد.

ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل خلاف يعرض لهم والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولا مراء، حتى إذا ما ظهر لهم أجمعوا عليه، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تِطْلَابه بإخلاص لا يعادي فيه أحدًا، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة.

طريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقًا، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا، وحرفوا من كلمه ما حرفوا، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله، حتى حل بهم الهلاك والدمار، ومزقوا كل ممزق.

وكذلك فعل غيرهم، كأنهم رأوا دينهم ناقصًا فكملوه، وقليلًا فكثروه، وواحدًا فعددوه، وسهلًا فصعبوه، فثقل عليهم بذلك فوضعوه!!

فذهب الله بوحدتهم، حتى لم تغن عنهم كثرتهم، وسلط عليهم الأعداء، وأنزل بهم البلاء، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  ﴾ هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام.

ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ولذلك قال تعالى في سورة النور ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وأما كون الشيطان عدوًا مبينًا فذاك أن جميع ما يدعو إليه ظاهر البطلان بين الضرر لمن تأمل وعقل، فمن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في غايتها، عندما يذوق مرارة مغبتها، لا سيما بعد تذكير الله تعالى وهدايته عباده إلى ذلك، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا بقي على ضلالته واستحب العمى على الهدى، ولذلك قال عز وشأنه: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ أي فإن زللتم وحِدْتم عن صراط الله، وهو السلم، إلى خطوات الشيطان، وهي طرق الخلاف والافتراق والباطل والشر، من بعد أن بيّن الله تعالى لكم أن سبيله واحدة وهي السلم، وأن الشيطان لكم عدو مبين، وأمركم أن تتخذوه عدوًا وتجتنبوا طرقه وخطواته، ثم فصل لكم من ذلك ما اضطررتم إليه، وأكد النهي عن شر تلك الطرق وأشأمها، وهي طرق التفرق والخلاف، فاعلموا أن أمامكم أمرًا جليلًا، وأخذًا وبيلًا، ذلك أن الله تعالى لعزته لا ينسى من ينسى سننه ويزل عن شريعته، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرًا من آثارها لازمًا لها حتمًا.

فكأنه تعالى قال فاعلموا أنه يُحل بكم العقاب لأنه عزيز لا يغلب على أمره، وحكيم لا يهمل أمر خلقه، ولكن هذا التعبير أبلغ لأنه بيان للحجة، وتقرير للبرهان بالإشارة على مقدماته، اكتفاء به عن ذكر النتيجة، وهو من ضروب إيجاز القرآن، التي لم تعهد في كلام إنسان.

لقد ذكر من صفاته تعالى ما هو دليل العقاب وهو ما لا مطمع في زواله، ولا هزء في الدين أكبر من ظن المغرور أنه ينال جنة عرضها السموات والأرض وفيها من النعيم والرضوان ما لم يخطر على قلب بشر، بغير الأعمال التي أرشدت إليها آيات الله تعالى: مبينة أن العقوبات على تركها من آثار صفاته القديمة التي لا يلحقها تغيير، ولا تؤثر فيها الحوادث بتبديل ولا تحويل.

ثم بيّن تعالى غاية الوعيد المشار إليه في الاسمين الكريمين فقال ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ  ﴾ وقد غير الأسلوب بالتفات عن الخطاب والأمر إلى الحكاية عن الزّالين عن صراط الله بضمير الغائب.

والحكمة في الالتفات تناول هذا الوعيد لجميع من زل من المؤمنين المخاطبين في الدخول في السلم والمنهيين عن ضده، ومن زل من غيرهم، أو هي الإيذان بأن الزالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي.

الاستفهام في الآية بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ، ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ وإيتان الله تعالى فسره (الجلال) وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ  ﴾ أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.

وحق ما ذهب إليه (الجلال) في تفسيره، فإن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا.

فهو على حد ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ .

ومن المفسرين من قال إن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب؟

وعَدَّه آخرون من المتشابهات فقالوا إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف.

وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم.

وقد يقال إنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كل ما يسند إلى الله تعالى من المتشابهات التي لا تفهم بحال، ولا تفسر ولو بإجمال، فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب، أو إتيانه بما وعد به إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض، مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق.

ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ مع الآيات الكثيرة الناطقة بأن قيام الساعة وخراب العالم يكون ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ وانتشرت كواكبها إلخ، وإنما يأتي بذلك الله تعالى بتغيير هذا النظام الذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كل كوكب في فلكه.

وأما ظلل الغمام فهي قطع السحاب الأول وهي جمع ظلة بالضم كغرف جمع غرفة وهي ما أظلك، والثاني جمع غمامة كسحاب وسحابة وزنًا ومعنى، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها وخص بعضهم الغمام بالسحاب الأبيض، وزاد بعض آخر الرقيق، وفيه أن الأبيض الرقيق لا يمطر والعرب تسمي البرد حب الغمام.

وذكر المفسرون أن إتيان أمر الله أو عذابه في الغمام عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته لأن الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم، كما وقع لعاد قوم هود ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وهو مبني على أن الغمام مظنة المطر، والظاهر أن من قال إن الغمام هو السحاب الأبيض لا يعني به تلك السحائب البيض الرقاق المرتفعة التي تظهر في أيام الصيف وإنما أراد به ذلك السحاب المسف لثقله بالمطر الذي هو أقرب إلى البياض منه إلى السواد.

إن الحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به، ولا توطئة توطن النفوس على احتماله، وذلك أبلغ في هوله -"ما من دهي بالأمر كالمعتد"- وهو ذلك الغمام الذي يحدث عن تخريب العامل فجأة، فيأتيهم العذاب قبل أن يتبدد الغمام الناشئ عن الخراب.

وهذا القول يتفق مع الأول وهو أقرب إلى معنى قوله تعالى ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً  ﴾ .

ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة، لئلا يفاجئه وعد الله تعالى وهو غافل، فإن لم يفاجئه قيام الساعة العامة التي بها يهلك هذا العالم كله، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة، فإن لم يمت بغتة جاءه مرض الموت بغتة، حتى لا يقدر على العمل، وتدارك الزلل.

وإذا جرينا على هذه الطريقة التي أرشدتنا إليها الآية السابقة على الوجه الأول في تفسيرها فحملنا بعض الآيات على بعض واستخرجنا المعنى من مجموعها كان لنا أن نقول: إذا وقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وكورت الشمس، وتناثرت الكواكب، وانشقت السماء شقًا، ورجت الأرض رجًا، وبست الجبال بسًا فكانت أولًا كالعهن المنفوش ثم صارت هباء منبثًا، فإن مادة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين أي مادة سديمية وهي ما عبر عنه في بدء التكوين بالدخان، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام.

وإن كثيرًا من علماء الهيئة الغربيين ليتوقعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بض الكواكب ببعض بحيث تبطل الجذب العام، الذي به قام هذا النظام، وهو في معنى ما ورد من تشقق السماء بالغمام، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد على عهد نزول القرآن.

وأما إتيان الملائكة هنا فهو بمعنى نزولهم في قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا  ﴾ أي وتأتيهم الملائكة الموكلة بكل ما قضاه الله يومئذٍ.

وقوله ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ  ﴾ جملة حالية أي كيف ينتظرون غير ذلك وهو أمر قضاه الله وأبرمه فلا مفر منه ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  ﴾ فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه، فهو الأول ومنه بدأت الأشياء، وهو الآخر وإليه ترجع وتصير، وهو بكل شيء محيط ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ  فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ .

وإذا كان كل ما سنه الله تعالى من النظام لخلقه حتمًا مقضيًا لا يضل واضعه ولا ينسى، فعلى من زل عن صراطه واتبع خطوات الشيطان أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الحق قبل أن يحيق به زلله، ويبسله عمله، وقبل أن تقوم قيامته أو قيامة الناس أجمعين، فيجازى على زلله ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ  ﴾ وأجدر الناس بالمبادرة إلى هذه التوبة علماء الأمة الذين أبسلوها بخلافهم وتفرقهم، فعليهم أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم من غير تعصب ويسلموا تسليمًا.

ووجه آخر في تفسير الإتيان..

ذلك أن من الناس من يؤمن بالله تعالى وصحة دينه إيمانًا موافقًا لما جاء في كتابه ويكون في إيمانه على حق اليقين، والاطمئنان الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب، وأهل هذا اليقين هم الذين يقال إن الله حاضر عندهم وإنه معهم أينما كانوا، لأن معرفته ثبتت في عقولهم، والتوكل عليه قد لابس قلوبهم، وهم الذين قال قائلهم: لو كشف الحجاب ما ازددت يقينًا.

ومنهم من ليس له تلك المعرفة وهذا اليقين، فلا يقال إن الله عندهم لأن ما حضر في عقله هو غير ما وصف الله تعالى به نفسه، وشهدت به آياته في كتابه وآياته في خلقه، ثم هو ليس على يقين مما عنده، أولئك أصحاب الظنون وأرباب الشكوك، وحملة التقاليد الذين زلوا من بعد ما جاءتهم البينات، فاتخذوا بينهم وبين الله حجابًا ووسطاء، وشبهوه بخلقه في كثير من الشؤون، فهم غائبون عن الله تعالى ومحجوبون عن ربهم، بحيث لا تطوف معرفته الحقيقية بعقولهم، ولا تلابس عظمته وكماله قلوبهم، فإذا كان يوم القيامة وكشف الحجاب عرفوا الله ربهم الحق، وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل، فذلك إتيان الله لهم، أي يأتيهم من معرفته ما كانوا غائبين عنه ومحرومين منه في الدنيا.

والإتيان يكون في المعقولات كما يكون في المحسوسات، فلا حاجة إلى التأويل.

إن هؤلاء الزالين عن صراط الله تعالى صنفان: صنف اعتقدوا الباطل حقًا فلم يعرفوا حقيقة التوحيد ورجوع كل أمر إلى من أعطى كل شيء خلقه على سنن ثابتة، ولا غير التوحيد من أصول الإيمان، وصنف اتبعوا الظن، وهاموا في أدوية الوهم، فلم يكونوا على بينة من هذا الأمر، فإذا ما تجلى الله تعالى في ذلك اليوم على الأرواح، وزالت الحجب التي كانت دونها في سجن الأشباح زال جهل الجاهلين، وانكشف ظن الظانين، وبطل وهم الواهمين، وعرف الجميع رب العالمين بما جاءهم من الحق اليقين، فذلك مجيء الله تعالى وإتيانه في يوم الدين، هذا ما تجلى به مسألة الإتيان على مذهب السلف.

وأما كون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا إننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله تعالى، وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات، وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل الأول، لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته، واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور معرفته، ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر، هو أبين لكمال العظمة وأظهر، ولذلك قال في سورة الفجر: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ وقال في سورة النبأ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله