الآية ٢٢٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٢ من سورة البقرة

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 247 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسأل أصحاب النبي [ النبي ] صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ) حتى فرغ من الآية .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " .

فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه !

فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله ، إن اليهود قالت كذا وكذا ، أفلا نجامعهن ؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما ، فخرجا ، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في آثارهما ، فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد عليهما .

رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة .

فقوله : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) يعني [ في ] الفرج ، لقوله : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " ; ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه تجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج .

قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ، ألقى على فرجها ثوبا .

وقال أبو داود أيضا : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم عن عبد الرحمن يعني ابن زياد عن عمارة بن غراب : أن عمة له حدثته : أنها سألت عائشة قالت : إحدانا تحيض ، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد ؟

قالت : أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم : دخل فمضى إلى مسجده قال أبو داود : تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى غلبتني عيني ، وأوجعه البرد ، فقال : " ادني مني " .

فقلت : إني حائض .

فقال : " اكشفي عن فخذيك " .

فكشفت فخذي ، فوضع خده وصدره على فخذي ، وحنيت عليه حتى دفئ ونام صلى الله عليه وسلم .

وقال : أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة : أن مسروقا ركب إلى عائشة ، فقال : السلام على النبي وعلى أهله .

فقالت عائشة : أبو عائشة !

مرحبا مرحبا .

فأذنوا له فدخل ، فقال : إني أريد أن أسألك عن شيء ، وأنا أستحي .

فقالت : إنما أنا أمك ، وأنت ابني .

فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟

فقالت : له كل شيء إلا فرجها .

ورواه أيضا عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع ، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن ، عن مروان الأصفر ، عن مسروق قال : قلت لعائشة : ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟

قالت : كل شيء إلا الجماع .

وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وعكرمة .

وروى ابن جرير أيضا ، عن أبي كريب ، عن ابن أبي زائدة ، عن حجاج ، عن ميمون بن مهران ، عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار .

قلت : وتحل مضاجعتها ومؤاكلتها بلا خلاف .

قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض ، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض ، فيقرأ القرآن .

وفي الصحيح عنها قالت : كنت أتعرق العرق وأنا حائض ، فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه ، وأشرب الشراب فأناوله ، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب .

وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن جابر بن صبح سمعت خلاسا الهجري قال : سمعت عائشة تقول : كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد ، وإني حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء ، غسل مكانه لم يعده ، وإن أصاب يعني ثوبه شيء غسل مكانه لم يعده ، وصلى فيه .

فأما ما رواه أبو داود : حدثنا سعيد بن عبد الجبار ، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن أبي اليمان ، عن أم ذرة ، عن عائشة : أنها قالت : كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير ، فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر فهو محمول على التنزه والاحتياط .

وقال آخرون : إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار ، كما ثبت في الصحيحين ، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض .

وهذا لفظ البخاري .

ولهما عن عائشة نحوه .

وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث العلاء بن الحارث ، عن حزام بن حكيم ، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟

قال : " ما فوق الإزار " .

ولأبي داود أيضا ، عن معاذ بن جبل قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض .

قال : " ما فوق الإزار ، والتعفف عن ذلك أفضل " .

وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وشريح .

فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها ، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله ، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم .

ومأخذهم أنه حريم الفرج ، فهو حرام ، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل ، الذي أجمع العلماء على تحريمه ، وهو المباشرة في الفرج .

ثم من فعل ذلك فقد أثم ، فيستغفر الله ويتوب إليه .

وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟

فيه قولان : أحدهما : نعم ، لما رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض : " يتصدق بدينار ، أو نصف دينار " .

وفي لفظ للترمذي : " إذا كان دما أحمر فدينار ، وإن كان دما أصفر فنصف دينار " .

وللإمام أحمد أيضا ، عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الحائض تصاب ، دينارا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل ، فنصف دينار .

والقول الثاني : وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي ، وقول الجمهور : أنه لا شيء في ذلك ، بل يستغفر الله عز وجل ، لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث ، فإنه [ قد ] روي مرفوعا كما تقدم وموقوفا ، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث ، فقوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) تفسير لقوله : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودا ، ومفهومه حله إذا انقطع ، [ وقد قال به طائفة من السلف .

قال القرطبي : وقال مجاهد وعكرمة وطاوس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ ] .

وقوله : ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال .

وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة ، لقوله : ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) وليس له في ذلك مستند ، لأن هذا أمر بعد الحظر .

وفيه أقوال لعلماء الأصول ، منهم من يقول : إنه للوجوب كالمطلق .

وهؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم ، ومنهم من يقول : إنه للإباحة ، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب ، وفيه نظر .

والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي ، فإن كان واجبا فواجب ، كقوله تعالى : ) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] ، أو مباحا فمباح ، كقوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) [ المائدة : 2 ] ، ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) [ الجمعة : 10 ] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة ، وقد حكاه الغزالي وغيره ، واختاره بعض أئمة المتأخرين ، وهو الصحيح .

وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم ، إن تعذر ذلك عليها بشرطه ، [ إلا يحيى بن بكير من المالكية وهو أحد شيوخ البخاري ، فإنه ذهب إلى إباحة وطء المرأة بمجرد انقطاع دم الحيض ، ومنهم من ينقله عن ابن عبد الحكم أيضا ، وقد حكاه القرطبي عن مجاهد وعكرمة عن طاوس كما تقدم ] .

إلا أن أبا حنيفة ، رحمه الله ، يقول فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض ، وهو عشرة أيام عنده : إنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل [ ولا يصح لأقل من ذلك المزيد في حلها من الغسل ويدخل عليها وقت صلاة إلا أن تكون دمثة ، فيدخل بمجرد انقطاعه ] والله أعلم .

وقال ابن عباس : ( حتى يطهرن ) أي : من الدم ( فإذا تطهرن ) أي : بالماء .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، ومقاتل بن حيان ، والليث بن سعد ، وغيرهم .

وقوله : ( من حيث أمركم الله ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : يعني الفرج ; قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يقول في الفرج ولا تعدوه إلى غيره ، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى .

وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي : أن تعتزلوهن .

وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر ، كما سيأتي تقريره قريبا .

وقال أبو رزين ، وعكرمة ، والضحاك وغير واحد : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يعني : طاهرات غير حيض ، ولهذا قال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ) أي : من الذنب وإن تكرر غشيانه ، ( ويحب المتطهرين ) أي : المتنزهين عن الأقذار والأذى ، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض ، أو في غير المأتى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " ويسألونك عن المحيض "، ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض.

* * * وقيل : " المحيض " ، لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل، وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل: " ضرَب يضرِب، وحبَس يحبِس، ونـزل ينـزل "، فإن العرب تبني مصدره على " المفعَل " والاسم على " المفعِل "، مثل " المضرَب، والمضرِب " من " ضربتُ"،" ونـزلت منـزلا ومنـزلا ".

ومسموع في ذوات الياء والألف والياء،" المعيش والمعاش " و " المعيبُ والمعاب " ، كما قال رؤبة في المعيش: إلَيْـــكَ أَشْـــكُو شِــدَّةَ المَعيشِ وَمَــرَّ أَعْــوَامٍ نَتَفْــنَ رِيشِــي (44) * * * وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذُكر لنا - عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهنَّ في إناء ولا يشاربونهن.

فعرَّفهم الله بهذه الآية، أنّ الذي عليهم في أيام حيض نسائهم : أن يجتنَّبوا جماعهن فقط، دون ما عدا ذلك من &; 4-373 &; مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن، كما :- 4231 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ويسألونك عن المحيض " حتى بلغ: حَتَّى يَطْهُرْنَ فكان أهلُ الجاهلية لا تساكنهم حائضٌ في بيت، ولا تؤاكلهم في إناءٍ، فأنـزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرَّم فرْجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك، إذا كان عليها إزارٌ محتجزةً به دونك.

(45) 4232 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

* * * وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن، فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم - إذا تطهَّرن من حيضهن - في إتيانهن من حيث أمرَهم باعتزالهنَّ، وحرم إتيانهن في أدبارهنَّ بكل حال.

* ذكر من قال ذلك: 4233 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد قال، كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنـزل الله: " ويسألونك عن المحيض " إلى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ - في الفرج لا تعدوه.

(46) * * * &; 4-374 &; وقيل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري.

4234 - حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذًى قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض : " هو أذى ".

* * * " والأذى " هو ما يؤذى به من مكروه فيه.

وهو في هذا الموضع يسمى " أذى " لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض.

فقال بعضهم : قوله: " قل هو أذى "، قل هو قَذَر.

* ذكر من قال ذلك: 4235 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " قل هو أذى "، قال: أما " أذى " فقذرٌ.

4236 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " قل هو أذى "، قال: " قل هو أذى " ، قال: قذرٌ.

* * * &; 4-375 &; وقال آخرون: قل هو دمٌ.

* ذكر من قال ذلك: 4237 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى "، قال: الأذى الدم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض "، فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ، كما:- 4238 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " فاعتزلوا النساء في المحيض "، يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ.

* * * واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض.

فقال بعضهم: الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.

* ذكر من قال ذلك: 4239 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟

قال: الفراش واحد، واللحاف شتى.

(47) &; 4-376 &; 4240 - حدثني تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، حدثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي.

فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين.

(48) 4241 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟

قال: الفراش واحد واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يردَّ عليها من ثوبه، ردَّ عليها منه.

* * * &; 4-377 &; واعتل قائلو هذه المقالة: بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ.

* * * وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم.

* ذكر من قال ذلك: 4242 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال، حدثنا مروان الأصفر، عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟

قالت: كل شيء إلا الجماع.

(49) &; 4-378 &; 4243 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سعيد بن زريع قال، حدثنا سعيد = وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد = عن قتادة قال: ذكر لنا عن عائشة أنها قالت: وأين كان ذو الفراشَين وذو اللحافين؟!

(50) 4244 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟

قالت : فرجها.

(51) 4245 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أنّ مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته.

فقالت عائشة: أبو عائشة!

مرحبًا!

فأذنوا له فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي!

فقالت: إنما أنا أمُّك، وأنت ابني!

فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض؟

قالت له: كل شيء إلا فرجها.

(52) 4246 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار.

(53) &; 4-379 &; 4247 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار.

4248 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر قال: سألتُ عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟

فقالت: كل شيء إلا الفرج.

(54) 4249 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال، قال ابن عباس: إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكفُّ الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها.

(55) 4250 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟

قال: ما فوق الإزار.

4251 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتق من الدم مثل موضع النعل.

(56) &; 4-380 &; 4252 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.

(57) 4253 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج - يعني وهي حائض.

4254 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: يبيتان في لحاف واحد - يعني الحائض - إذا كان على الفرج ثوب.

4255 - حدثنا تميم قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث قال: تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيث شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض.

(58) 4256 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟

قال: إذا كفَّت الأذى.

4257 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني &; 4-381 &; عمران بن حدير قال، سمعت عكرمة يقول، كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم.

* * * قال أبو جعفر : وعلة قائل هذه المقالة، قيامُ الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلما صحّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساءَ في المحيض "، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض.

وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها.

* * * وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها.

* ذكر من قال ذلك: 4258 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح قال : له ما فوق السرة - وذكر الحائض.

4259 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها منها؟

فقال: ما فوق الإزار.

4260 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: قال شريح: له ما فوق سُرَّتها.

4261 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن واقد &; 4-382 &; بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: سئل سعيد بن المسيب: ما للرجل من الحائض؟

قال: ما فوق الإزار.

* * * وعلة من قال هذه المقالة، صحةُ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:- 4262 - حدثني به ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا سليمان الشيباني = وحدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الشيباني = قال حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها فأتزرت ".

4263 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار.

(59) 4264 - حدثني سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها.

4265 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرَها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر، ثم يباشرها.

(60) &; 4-383 &; ونظائر ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب (61) قالوا: فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية.

* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم.

(62) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

(63) فقرأه بعضهم: " حتى يطهرن " بضم " الهاء " وتخفيفها.

وقرأه آخرون بتشديد " الهاء " وفتحها.

وأما الذين قرءوه بتخفيف " الهاء " وضمها، فإنهم وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن.

وقال بهذا التأويل جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 4266 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، قال: انقطاع الدم.

&; 4-384 &; 4267 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، - أو عثمان بن الأسود - : " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، حتى ينقطع الدم عنهن.

4268 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، قال: حتى ينقطع الدم.

(64) * * * وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد " الهاء " وفتحها، فإنهم عنوا به: حتى يغتسلن بالماء.

وشددوا " الطاء " لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت " التاء " في" الطاء " لتقارب مخرجيهما.

* * * قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ( حَتَّى يَطَّهَّرْنَ ) بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر.

* * * وإنما اختُلف في" التطهر " الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.

فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها.

(65) وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.

وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.

* * * &; 4-385 &; فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها.

وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف " الهاء " وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، (66) وقبل اغتسالها وتطهُّرها.

* * * فتأويل الآية إذًا: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا جماع نسائكم في وقت حيضهنّ، ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " فإذا تطهَّرن فأتوهن "، فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء فجامعوهن.

* * * فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ؟

قيل: لا.

فإن قال: فما معنى قوله إذًا: " فأتوهن " ؟

قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر في حال الحيض، وذلك كقوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [ سورة المائدة: 2 ]، وقوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [ سورة الجمعة: 10 ]، وما أشبه ذلك.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " فإذا تطهرن " .

فقال بعضهم: معنى ذلك، فإذا اغتسلن.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-386 &; 4269 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاومة بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإذا تطهَّرن " يقول: فإذا طهُرت من الدم وتطهَّرت بالماء.

4270 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني ابن مهدي ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فإذا تطهرن "، فإذا اغتسلن.

(67) 4271 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة في قوله: " فإذا تطهرن "، يقول: اغتسلن.

4272 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو عثمان بن الأسود:-" فإذا تطهرن "، إذا اغتسلن.

4273 - حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عامر، عن الحسن: في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة.

(68) 4275 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيره، عن إبراهيم: أنه كره أن يطأها حتى تغتسل - يعني المرأة إذا طهُرت.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك : فإذا تطهَّرن للصلاة.

* ذكر من قال ذلك: 4276 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث، عن طاوس ومجاهد أنهما قالا إذا طهُرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرَها &; 4-387 &; بالوضوء قبل أن تغتسل - إذا أدركه الشَّبَق فليُصب.

* * * قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال : معنى قوله : " فإذا تطهَّرن "، فإذا اغتسلن، لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهرَ الذي يحل لها به الصلاة.

وإن القولَ لا يخلو في ذلك من أحد أمرين : = إما أن يكون معناه: فإذا تطهَّرن من النجاسة فأتوهن.

فإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها، إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة.

هذا، إن كان قوله: " فإذا تطهَّرن " جائزًا استعماله في التطهُّر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام.

= أو يكون معناه: فإذا تطهَّرن للصلاة.

وفي إجماع الجميع من الحجة على أنه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، (69) إذا لم يكن هنالك نجاسة، دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته = أدلُّ الدليل على أن معناه: فإذا تطهرن الطهرَ الذي يجزيهن به الصلاة.

وفي إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا: من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله: " فإذا تطهرن "، فإذا اغتسلن فصرن طواهرَ الطهرَ الذي يجزيهنّ به الصلاة.

* * * &; 4-388 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك : الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض.

(70) * ذكر من قال ذلك: 4277 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ.

4278 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدَى.

4279 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوا.

4280 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو : يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟

قال: بلى!

فقرأ: وَيَسْأَلُونَكَ &; 4-389 &; عَنِ الْمَحِيضِ حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، منْ ثَمَّ أمِرت أن تأتي.

(71) 4281 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن عثمان، عن مجاهد قال: دبُر المرأة مثله من الرجل، ثم قرأ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ إلى " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن.

(72) 4282 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: أمِروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه.

4283 - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثني مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، في الفرج، ولا تعْدوه.

4284 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: إذا تطهرن فأتوهن من حيث نُهي عنه في المحيض.

4285 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان - أو: عثمان بن الأسود-: " فأتوهن من حيث أمركم الله " باعتزالهنّ منه.

4286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، أي : من الوجه الذي يأتي منه المحيض، طاهرًا غيرَ حائض، ولا تعدوا ذلك إلى غيره.

&; 4-390 &; 4287 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: طواهرَ من غير جماع ومن غير حيض، من الوجه الذي يأتي [ منه ] المحيض، ولا يتعدَّه إلى غيره = قال سعيد: ولا أعلمه إلا عن ابن عباس.

(73) 4288 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، من حيث نُهِيتم عنه في المحيض = وعن أبيه، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، من حيث نُهيتهم عنه، واتقوا الأدبار.

4289 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: في الفرج.

* * * وقال آخرون: معناها: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه.

وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض.

فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن.

(74) * ذكر من قال ذلك: 4290 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، &; 4-391 &; حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يعني أن يأتيها طاهرًا غيرَ حائض.

4291 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قُبْل الطهر.

(75) 4292 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بمثله.

4293 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: ائتوهنّ من عند الطهر.

4294 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا علي بن هاشم، عن الزبرقان، عن أبي رزين: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قُبْل الطهر، ولا تأتوهن من قُبْل الحيضة.

(76) 4295 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله العتكي، عن عكرمة قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله.

يقول: طواهر غير حُيَّض.

(77) 4296 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال يقول: طواهر غيرَ حُيَّض.

(78) 4297 - حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 4-392 &; أسباط، عن السدي قوله: " من حيث أمركم الله "، من الطهر.

4298 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " فأتوهن "، طُهَّرًا غير حيَّض.

(79) 4299 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: ائتوهن طاهرات غير حُيَّض.

4300 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: طهَّرًا غير حيَّض في القُبُل.

(80) * * * وقال آخرون: بلى معنى ذلك: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور.

* ذكر من قال ذلك: 4301 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر الأسدي، عن ابن الحنفية: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج.

* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك عندي قولُ من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن.

وذلك أن كل أمر بمعنى، فنهيٌ عن خلافه وضده.

وكذلك النهي عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه.

فلو كان معنى قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، فأتوهن من قِبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله في حال حيضهن - لوجب أن يكون قوله: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ، &; 4-393 &; تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم، دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن.

وفي إجماع الجميع = : على أن الله تعالى ذكره لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حرَّمه في حال الطُّهر، ولا حرِّم من ذلك في حال الطهر شيئًا أحله في حال الحيض = ما يُعلم به فسادُ هذا القول.

وبعد، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة، لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله = (81) حتى يكون معنى الكلام حينئذ على التأويل الذي تأوله، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن في فروجهن.

لأنّ الكلام المعروفَ إذا أريد ذلك، أن يقال: " أتى فلان زَوجته من قِبَل فرجها " - ولا يقال: أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبَل فرجها في مكان غير الفرج.

* * * فإن قال لنا قائل: فإنَّ ذلك وإنْ كان كذلك، فليس معنى الكلام: فأتوهن في فروجهن - وإنما معناه : فأتوهن من قِبَل قُبُلهن في فروجهن - ، كما يقال: " أتيتُ هذا الأمرَ من مَأتاه " .

قيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه.

فإن كان ذلك على ما زعمتم، فقد يجب أن يكون معنى قوله: " فأتوهن من حيث أمركم الله "، غير الذي زعمتم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم، ومن حيث أمِرتم باعتزالهن - ولكن الواجبُ أن يكون تأويلُه على ذلك: فأتوهن من قبل وُجوههنّ في أقبالهن، كما كان قول القائل: " ائت الأمر من مأتاه " ، إنما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب.

&; 4-394 &; فكذلك يجب أن يكون مأتى الفرج - الذي أمر الله في قولهم بإتيانه - غير الفرج.

(82) وإذا كان كذلك، وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههن في فروجهن - وجب أن يكون على قولهم محرَّمًا إتيانهن في فروجهن من قِبل أدبارهن.

وذلك إن قالوه، خرج من قاله من قِيل أهل الإسلام، وخالف نص كتاب الله تعالى ذكره، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وذلك أن الله يقول: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، وأذن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إتيانهن في فروجهن من قبل أدبارهن.

فقد تبين إذًا إذْ كان الأمر على ما وصفنا، فسادُ تأويل من قال ذلك: فأتوهن في فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهنّ في حال حيضهن = وصحةُ القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن في فروجهنّ من الوجه الذي أذن الله لكم بإتيانهن، وذلك حال طهْرهن وتطهُّرهن، دون حال حيضهن.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " إن الله يحب التوابين "، المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته.

وقد بينا معنى " التوبة " قبل.

(83) * * * واختلف في معنى قوله: " ويحب المتطهِّرين " .

فقال بعضهم: هم المتطهِّرون بالماء.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-395 &; 4302 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا طلحة، عن عطاء قوله: " إن الله يحب التوابين "، قال: التوابين من الذنوب =" ويحب المتطهرين " = قال: المتطهرين بالماء للصلاة.

4303 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا طلحة، عن عطاء، مثله.

4304 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: " إن الله يحب التوابين " من الذنوب، لم يصيبوها =" ويحب المتطهرين "، بالماء للصلوات.

(84) * * * وقال آخرون: معنى ذلك : " إن الله يحب التوابين " ، من الذنوب =" ويحب المتطهرين " ، من أدبار النساء أن يأتوها.

* ذكر من قال ذلك: 4305 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت سليمان مولى أم علي قال، سمعت مجاهدًا يقول: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين.

(85) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: " ويحب المتطهرين " ، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-396 &; 4306 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " يحب التوابين "، من الذنوب، لم يصيبوها =" ويحب المتطهرين "، من الذنوب، لا يعودون فيها.

* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: " إنّ الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة ".

لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه.

وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر أمرَ المحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها في جاهليتهم : من تركهم مساكنة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده.

فلما استفتى أصحابُ رسولِ الله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، (86) أوحى الله تعالى إليه في ذلك، فبيَّن لهم ما يكرهه مما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته، تائبًا مما يكرهه.

وكان مما بيَّن لهم من ذلك، (87) أنه قد حرّم عليهم إتيان نسائهم وإن طهُرن من حيضهن حتى يغتسلن، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ، فإن الله يحب المتطهرين = يعني بذلك : المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة، والمتطهرات بالماء - من الحيض والنفاس والجنابة والأحداث - من النساء.

* * * وإنما قال: " ويحب المتطهرين " - ولم يقل " المتطهرات " - وإنما جرى قبل ذلك ذكرُ التطهر للنساء، لأن ذلك بذكر " المتطهرين " يجمع الرجال والنساء.

ولو ذكر ذلك بذكر " المتطهرات " ، لم يكن للرجال في ذلك حظ، وكان للنساء خاصة.

فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميعَ عباده المكلفين، إذ كان قد &; 4-397 &; تعبَّد جميعَهم بالتطهر بالماء، وإن اختلفت الأسباب التي توجب التطهر عليهم بالماء في بعض المعاني، واتفقت في بعض.

------------------ (44) ديوانه : 78 ، من قصيدة يمدح فيها الحارث بن سليم الهجيمي ، وبين البيتين في الديوان : * دَهْـرًا تَنَفَّـى المُـخَّ بِالتَّمْشِـيشِ * ورواية الديوان ، بعده : وَجَــهْدَ أَعْــوَامٍ بَــرَيْنَ رِيشِـي نَتْـفَ الحُبَـارى عَـنْ قَـرًى رَهِيشِ (45) احتجز بالإزار : إذا شده على وسطه .

والحجزة (بضم الحاء وسكون الجيم) : موضع شد الإزار ، ثم يسمى الإزار نفسه حجزة ، وجمعه حجز .

(46) في المطبوعة : "ولا تعدوه" ، والصواب في المخطوطة بحذف الواو .

(47) الأثر : 4239- في المطبوعة والمخطوطة : "اللحاف واحد والفراش شتى" .

وهو باطل المعنى ، وسيأتي على الصواب من طريق آخر برقم : 4241 .

(48) الحديث : 4240- يزيد : هو ابن هرون .

محمد : هو ابن إسحاق .

ندبد مولاة آل عباس : هي مولاة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ، خالة ابن عباس .

فلعلها نسبت هنا"مولاة آل عباس" للقرابة بين ابن عباس وميمونة .

وهي ثقة ، ذكرها ابن حبان في الثقات ص : 359 ، ولكنه وهم إذ ذكر أنه يروي عنها الزهري؛ والزهري روى عنها بالواسطة .

وترجمها ابن سعد 8 : 364 .

وذكرها ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة .

واختلف في ضبط اسمها ، فقيل بضم النون أو فتحها مع سكون الدال ثم فتح الباء الموحدة .

وقيل بدية" بضم الباء الموحدة ثم فتح الدال ثم فتح الياء التحتية المشددة .

والحديث رواه أحمد في المسند 6 : 332 (حلبي) عن يزيد بن هرون ، بهذا الإسناد ، نحوه ، مع بعض اختصار .

وهو في روايته عن ميمونة جزمًا ، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة .

وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري ، أو من شيخه تميم بن المنتصر .

ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث"عن الزهري ، عن عروة" .

ولعل الخطأ من يزيد بن هرون .

والصواب أنه"عن الزهري ، عن حبيب مولى عروة ، عن ندبة" .

وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد ، كما سيأتي .

ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة ، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير .

و"حبيب مولى عروة" : هو حبيب الأعور ، مولى عروة بن الزبير .

وهو تابعي ثقة ، قال ابن سعد : "مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية" .

وأخرج له مسلم في صحيحه .

والحديث رواه -على الصواب- البيهقي في السنن الكبرى 1 : 313 ، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن الزهري ، قال : "أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير ، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس .

.

.

" ، فذكره مطولا .

ثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب ، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس .

فرواه أحمد في المسند 6 : 332 (حلبي) ، عن حجاج وأبي كامل ، عن الليث ، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة ، ولم يذكر لفظه ، وأحاله على الرواية السابقة .

ثم رواه بعد ذلك ، ص : 335- 336 ، عن حجاج وأبي كامل ، بالإسناد نفسه .

وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة ، دون القصة .

وكذلك رواه أبو داود : 267 ، وابن حبان في صحيحه 2 : 569 (مخطوطة الإحسان) .

والبيهقي 1 : 313 - كلهم من طريق الليث بن سعد ، به .

وكذلك رواه النسائي 1 : 54- 55 ، 67 ، من طريق يونس والليث- كلاهما عن ابن شهاب ، به مختصرًا .

فعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق -هنا وعند أحمد-"عن الزهري ، عن عروة" خطأ .

(49) الحديث : 4242- مروان الأصفر ، أبو خلف : تابعي ثقة : و"الأصفر" : بالفاء ، ووقع في المطبوعة بالغين .

وهو تحريف .

مسروق بن الأجدع الهمداني : تابعي كبير ثقة ، من سادات التابعين وفقهائهم .

وهذا الحديث نقله ابن كثير 1 : 510 عن هذا الموضع .

وكذلك نقله السيوطي 1 : 260 ، ولم ينسباه لغير الطبري .

وهو عندنا حديث مرفوع بالمعنى ، وإن كان لفظه موقوفًا على عائشة .

لأن الصحابي إذا حكى عما يحل ويحرم فالثقة به أن لا يحكي ذلك إلا عمن يؤخذ عنه الحلال والحرام ، وهو معلم الخير ، صلى الله عليه وسلم .

وهذا عند الإطلاق ، إلا أن تدل دلائل على أنه يقول ذلك اجتهادًا واستنباطًا من دلائل الكتاب والسنة .

وانظر الأحاديث التالية لهذا .

(50) في المخطوطة : "وأينا كان .

.

.

" .

(51) الحديث : 4244- سالم ابن أبي الجعد : تابعي ثقة معروف ، أخرج له الأئمة الستة .

وهذا الحديث في معنى الحديث السابق : 4242 ، من وجه آخر ، وبلفظ آخر .

وإسناده صحيح .

(52) الحديث : 4245- وهذا في معنى الحديثين السابقين ، مع تفصيل في قصة السؤال والجواب .

وإسناده صحيح أيضًا .

(53) الحديث : 4246- ابن أبي زائدة : هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، مضى في : 2338 .

حجاج : هو ابن أرطأة .

وهذا في معنى ما قبله .

(54) الحديث : 4248- هكذا وقع هذا الإسناد هنا .

وهو إسناد ناقص على اليقين .

فإن"أبا معشر" : هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي ، وهو يروي عن التابعين .

وهو ثقة ، ولكنه لم يدرك عائشة ، فلا يمكن أن يقول : "سألت عائشة" .

وصواب الإسناد ، كما في المحلى لابن حزم 2 : 183"روينا عن أيوب السختياني ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم النخعي ، عن مسروق ، قال : سألت عائشة : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قالت : كل شيء إلا الفرج" .

فسقط من الإسناد رجلان : إبراهيم النخعي ، ومسروق ، وهو الذي سأل عائشة .

وهكذا ذكره ابن حزم ، فلم يذكر إسناده إلى أيوب .

وقد رواه الطحاوي في معاني الآثار 2 : 22 ، بإسناده ، من طريق عمرو بن خالد ، عن عبيد الله -وهو ابن عمرو الرقى الجزري-"عن أيوب ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، عن عائشة" .

ولم يذكر لفظه ، إحالة على رواية أخرى قبله ، بمعناه .

(55) الخبر : 4249 -هذا إسناد منقطع- محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : تابعي ثقة معروف .

ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة ، كما صرح بذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 32/184 .

(56) الخبر : 4251- الحكم بن فضيل ، أبو محمد الواسطي : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره .

مترجم في الكبير 1/2/337 ، وابن أبي حاتم 1/2/126- 127 ، والتعجيل ، والميزان ، ولسان الميزان .

وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 8 : 221- 223 .

والبخاري لم يذكر فيه حرجًا .

والخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 1 : 314 ، من طريق الحسن بن مكرم .

عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، بهذا الإسناد .

(57) الحديث : 4252 - هذا إسناد صحيح .

وهو وإن كان موقوفًا على أم سلمة ، فإن معناه ثابت عنها مرفوعًا أيضًا : فروى البيهقي 1 : 311 ، من طريق يزيد بن زريع ، "حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن أم سلمة : أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحاف ، فأصابها الحيض ، فقال لها : قومي فاتزري ثم عودي" .

وثبت نحو معناه عن أم سلمة أيضًا ، بأطول من هذا ، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، مرفوعًا .

رواه مسلم 1 : 95 ، والبيهقي 1 : 311 ، وذكر أنه أخرجه البخاري ومسلم .

(58) في المطبوعة : "حيثما شئت" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(59) الحديثان : 4262 ، 4263 - حفص : هو ابن غياث ، الشيباني سليمان : هو أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان .

وسفيان في الحديث الثاني : هو الثوري .

والحديثان في معنى واحد .

وقد ذكره ابن كثير 1 : 511 ، بلفظ أولهما عن الصحيحين ، وكذلك ذكره السيوطي 1 : 259 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة .

وأبي داود ، والبيهقي .

وانظر البخاري 1 : 64 ، ومسلم 1 : 95 ، والسنن الكبرى 1 : 311 .

(60) الحديثان : 4264 ، 4265- هما حديث واحد بإسنادين .

وذكره السيوطي 1 : 259 ، عن ابن أبي شيبة ، والصحيحين ، وأبي داود ، وابن ماجه ، بزيادة في آخره .

وانظر البخاري 1 : 63 .

ومسلم 1 : 95 ، وأبا داود : 112 ، 113 ، والنسائي 1 : 54 ، 67 ، والبيهقي 1 : 310- 311 .

(61) في المخطوطة : "جميع ذكرها" ، والصواب ما في المطبوعة .

(62) في المخطوطة إسقاط قوله : "لهم" .

(63) في المطبوعة : "اختلف القراء" ، وقد مضى مثل ذلك مرارًا ، وتركناه في بعض المواضع كما هو في المطبوعة .

ولكنا سنقيمه منذ الآن على المخطوطة دون الإشارة إليه بعد هذا الموضع إلى آخر الكتاب ، إن شاء الله .

(64) الأثر : 4268-"عبيد الله العتكي" هو عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي ، رأى أنسًا ، وروى عن عكرمة وسعيد بن جبير وغيرهما من التابعين .

(65) في المطبوعة : "ولا يحل .

.

.

" بزيادة الواو .

(66) في المطبوعة : "أن للزوج غشيانها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(67) الأثر : 4270- كان في المطبوعة : "محمد بن مهدي" ، وهو خطأ ، وزيادة فاسدة والصواب من المخطوطة .

و"ابن مهدي" هو عبد الرحمن بن مهدي .

الإمام العلم ، قال الشافعي : لا أعرف له نظيرًا في الدنيا .

مات سنة 198 - مترجم في التهذيب وغيره .

(68) سقط من الترقيم : 4274 (69) في المخطوطة والمطبوعة : "في إجماع الجميع" بإسقاط الواو ، والسياق يوجبها ، وهذا سياقها؛"وفي إجماع الجميع .

.

.

أدل الدليل .

.

.

" (70) "الإتيان" : كناية عن اسم"الجماع" وسيأتي تفسير ذلك في ص : 398 (71) في المطبوعة : "ثم أمرت" بحذف"من" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة ، ومما سيأتي رقم : 4325 .

بمعنى : هناك .

وسيأتي الخبر بتمامه في رقم : 4325 .

وسنذكر فيه ترجمة رجاله .

(72) الأثر : 4281 - في المطبوعة : "عمرة عن مجاهد" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة .

و"ابن أبي زائدة" ، هو يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة .

و"عثمان" ، هو عثمان بن الأسود مولى بني جمح ، وقد سلفت روايته عن مجاهد ، أقربها رقم : 2782 .

(73) قوله : "طواهر" جمع امرأة"طاهر" ، وليس في كتب اللغة بل فيه"طاهرات" ولكنه جمع قياسي ، مثل حامل وحوامل ، وسيأتي في رقم : 4295 ، 4296 ، وسيأتي جمعها على"طهر" رقم 4298 ، 4300 .

وفي المطبوعة : "ولا يتعدى إلى غيره" والصواب من المخطوطة .

(74) "قبل" (بضم فسكون) ، يقال : "كان ذلك في قبل الشتاء وقبل الصيف" ، أي في أوله وعند إقباله .

وفي الحديث : "طلقوا النساء لقبل عدتهن" - ويروى : "في قبل طهرهن" أي في إقباله وأوله ، وحين يمكنها الدخول في العدة ، والشروع فيها ، فتكون لها محسوبة .

وذلك في حالة الطهر .

وكذلك قوله هنا : "من قبل الطهر" ، أي : في حال الطهر .

(75) انظر ص 390 ، تعليق : 2 .

(76) في المطبوعة : "الحيض" وأثبتنا ما في المخطوطة .

(77) انظر ما سلف رقم : 4287 ، والتعليق عليه .

(78) انظر ما سلف رقم : 4287 ، والتعليق عليه .

(79) قوله"طهر" ، جمع امرأة"طاهر" ، وهو جمع قياسي لم تذكره المعاجم كالذي سلف"طواهر" و"فاعل" الصفة ، إذا كانت فيه"تاء" ظاهرة ، مثل"ضاربة" - أو مقدرة مثل حائض فقياسه : "فواعل" ، و"فعل" (بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها) .

(80) قوله"طهر" ، جمع امرأة"طاهر" ، وهو جمع قياسي لم تذكره المعاجم كالذي سلف"طواهر" و"فاعل" الصفة ، إذا كانت فيه"تاء" ظاهرة ، مثل"ضاربة" - أو مقدرة مثل حائض فقياسه : "فواعل" ، و"فعل" (بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها) .

(81) في المخطوطة والمطبوعة : "من حيث أمركم الله" ، وهو نص الآية ، ولكنه أراد"في حيث" ، كما يدل عليه سائر كلامه ، فلذلك أثبتها على الصواب إن شاء الله .

وانظر ما يؤيد ذلك أيضًا في معاني القرآن للفراء 1 : 143 .

(82) في المخطوطة : "فكذلك يجب مأتى الفرج" ، وفي المطبوعة : "فكذلك يجب أن مأتى الفرج" والذي أثبته أشبه بالسياق وبالصواب .

(83) انظر ما سلف 1 : 547/ 2 : 72- 73/ 3 : 81 ، 259- 261 .

(84) في المطبوعة : "للصلاة" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(85) الأثر : 4305-"إبراهيم بن نافع" المخزومي المكي ، روى عن ابن أبي نجيح ، وكثير بن كثير ، وعطاء بن أبي رباح ، وعدة .

روى عنه أبو عامر العقدي وأبو نعيم وغيرهما .

كان حافظًا ، وكا أوثق شيخ بمكة ، وهو ثقة ، وكان أحمد يطريه .

و"سليمان مولى أم علي" ، هو سليم المكي ، أبو عبد الله ، روى عن مجاهد .

وعنه إبراهيم بن نافع وابن جريج وجماعة ، صدوق من كبار أصحاب مجاهد .

وكلاهما مترجم في التهذيب .

(86) في المطبوعة : "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك" بإسقاط"رسول الله" الثانية وأثبت الصواب من المخطوطة .

(87) في المخطوطة والمطبوعة : "مع ذلك" ، والذي أثبته هو الصواب الحق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرينفيه أربع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ويسألونك عن المحيض ذكر الطبري عن السدي أن السائل [ ص: 77 ] ثابت بن الدحداح - وقيل : أسيد بن حضير وعباد بن بشر ، وهو قول الأكثرين .

وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها ، فنزلت هذه الآية .

وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض ، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض ، فنزلت .

وفي صحيح مسلم عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت ، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض إلى آخر الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهن ؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما ، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في آثارهما فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد عليهما .

قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض ، وكانت النصارى يجامعون الحيض ، فأمر الله بالقصد بين هذين .الثانية : قوله تعالى : عن المحيض المحيض : الحيض وهو مصدر ، يقال : حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا ، فهي حائض ، وحائضة أيضا ، عن الفراء وأنشد :كحائضة يزنى بها غير طاهرونساء حيض وحوائض .

والحيضة : المرة الواحدة .

والحيضة ( بالكسر ) الاسم ، والجمع الحيض .

والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر بها المرأة .

قالت عائشة رضي الله عنها : ليتني كنت حيضة ملقاة .

وكذلك المحيضة ، والجمع المحائض .

وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان ، وعن الحيض نفسه ، وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض .

وقال الطبري : المحيض اسم للحيض ، ومثله قول رؤبة في العيش :إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشيوأصل الكلمة من السيلان والانفجار ، يقال : حاض السيل وفاض ، وحاضت الشجرة [ ص: 78 ] أي سالت رطوبتها ، ومنه الحيض أي الحوض ؛ لأن الماء يحيض إليه أي يسيل ، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو ؛ لأنهما من حيز واحد .

قال ابن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع ، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه ، يقال : حاضت المرأة وتحيضت ، ودرست وعركت ، وطمثت ، تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة .

فإذا سال في غير أيام معلومة ، ومن غير عرق المحيض قلت : استحيضت ، فهي مستحاضة .

ابن العربي .

ولها ثمانية أسماء : الأول : حائض .

الثاني : عارك .

الثالث : فارك .

الرابع : طامس .

الخامس : دارس .

السادس : كابر .

السابع : ضاحك .

الثامن : طامث .

قال مجاهد في قوله تعالى : فضحكت يعني حاضت .

وقيل في قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه يعني حضن .

وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .الثالثة : أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها ، فمن ذلك الحيض المعروف ، ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة ، تترك له الصلاة والصوم ، لا خلاف في ذلك .

وقد يتصل وينقطع ، فإن اتصل فالحكم ثابت له ، وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما ، أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم ، وتغتسل عند انقطاعه وتصلي ، ثم تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر المتخللة لها ، ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء .

والحيض خلقة في النساء ، وطبع معتاد معروف منهن .

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار - فقلن وبم يا رسول الله ؟

قال - تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن - قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟

قال : أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟

قلن : بلى ، قال : فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟

قلن : بلى يا رسول الله ، قال : فذلك من نقصان دينها .

وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، لحديث معاذة [ ص: 79 ] قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟

قالت : أحرورية أنت ؟

قلت : لست بحرورية ، ولكني أسأل .

قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ، خرجه مسلم .

فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل ، على ما يأتي .الرابعة : واختلف العلماء في مقدار الحيض ، فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما ، وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون ، وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة ، هذا مذهب مالك وأصحابه .

وقد روي عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء ، فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء .

وقال محمد بن سلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما ، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري ، وهو الصحيح في الباب ؛ لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض ، وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر ، فكان كل قرء عوضا من شهر ، والشهر يجمع الطهر والحيض .

فإذا قل الحيض كثر الطهر ، وإذا كثر الحيض قل الطهر ، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر ، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرآن والسنة .

وقال الشافعي : أقل الحيض يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما .

وقد روي عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة .

قال ابن عبد البر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة ، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره ؛ لأنه لا يعلم مبلغ مدته .

ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات ، وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين .

وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة .

وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة ، وهو قول الأوزاعي والطبري .

وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبي رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل .

قال الأوزاعي : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب - من أكثر [ ص: 80 ] الحيض وأقله وأقل الطهر ، وفى الاستظهار ، والحجة في ذلك - في " المقتبس في شرح موطإ مالك بن أنس " فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما ، ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما .

وقال مالك : لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها .

علي بن زياد عنه : تجلس قدر لداتها ، وهذا قول عطاء والثوري وغيرهما .

ابن حنبل : تجلس يوما وليلة ، ثم تغتسل وتصلي ولا يأتيها زوجها .

أبو حنيفة وأبو يوسف : تدع الصلاة عشرا ، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما ، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا ، فيكون هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها .

أما التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام ، عن مالك : ما لم تجاوز خمسة عشر يوما .

الشافعي : تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار .والثاني من الدماء : دم النفاس عند الولادة ، وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه ، فقيل : شهران ، وهو قول مالك .

وقيل : أربعون يوما ، وهو قول الشافعي .

وقيل غير ذلك .

وطهرها عند انقطاعه .

والغسل منه كالغسل من الجنابة .

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا : وهي وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه - وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة - والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق ، والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه ، وفي قراءة القرآن روايتان .والثالث من الدماء : دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة ، وإنما هو عرق انقطع ، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه ، فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض .

روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش : يا رسول الله ، إني لا أطهر!

أفأدع الصلاة ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي .

وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة ، وهو أصح ما روي في هذا الباب ، وهو يرد ما روي عن عقبة بن عامر ومكحول [ ص: 81 ] أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة ، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة .

وفيه أن الحائض لا تصلي ، وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة .

وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ، ولو لزمها غيره لأمرها به ، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة .

ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد ، وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح .

ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر .

ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك .

وفيه رد لقول من قال بالاستظهار ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي ، ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء ، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها .الخامسة : قوله تعالى : قل هو أذى أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض .

والأذى كناية عن القذر على الجملة .

ويطلق على القول المكروه ، ومنه قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ؛ أي بما تسمعه من المكروه .

ومنه قوله تعالى : ودع أذاهم ؛ أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم ، وفي الحديث : وأميطوا عنه الأذى يعني ب " الأذى " الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد ، يحلق عنه يوم أسبوعه ، وهي العقيقة .

وفي حديث الإيمان : وأدناها إماطة الأذى عن الطريق أي تنحيته ، يعني الشوك والحجر ، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار .

وقوله تعالى : ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر وسيأتي .السادسة : استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة ، فقالوا : كل دم فهو أذى ، يجب غسله من الثوب والبدن ، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس .

وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول ، هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبي وابن سيرين والزهري .

واختلف فيه [ ص: 82 ] عن الحسن ، وهو قول عائشة : لا يأتيها زوجها ، وبه قال ابن علية والمغيرة بن عبد الرحمن ، وكان من أعلى أصحاب مالك ، وأبو مصعب ، وبه كان يفتى .

وقال جمهور العلماء : المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وتقرأ ، ويأتيها زوجها .

قال مالك : أمر أهل الفقه والعلم على هذا ، وإن كان دمها كثيرا ، رواه عنه ابن وهب .

وكان أحمد يقول : أحب إلي ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها .

وعن ابن عباس في المستحاضة : ( لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها ) .

وقال مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة .

فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلي!

قال ابن عبد البر : لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء .السابعة : قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض أي في زمن الحيض ، إن حملت المحيض على المصدر ، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم .

ومقصود هذا النهي ترك المجامعة .

وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها ، فروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني ( أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت ) .

وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء .

وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه ، وقد وقفت علىابن عباس خالته ميمونة وقالت له : أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

!

وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من العلماء : له منها ما فوق الإزار ، لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟

فقال - : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت : شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك .

وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي : يجتنب موضع الدم ، لقوله عليه السلام : اصنعوا كل شيء إلا النكاح .

وقد تقدم .

وهو قول داود ، وهو الصحيح من قول الشافعي .

وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال : سألت عائشة ما [ ص: 83 ] يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟

فقالت : كل شيء إلا الفرج .

قال العلماء : مباشرة الحائض وهي متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة ، ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك من ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا ، والمحرم نفسه موضع الدم ، فتتفق بذلك معاني الآثار ، ولا تضاد ، وبالله التوفيق .الثامنة : واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهي حائض ماذا عليه ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة : يستغفر الله ولا شيء عليه ، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد ، وبه قال داود .

وروي عن محمد بن الحسن : يتصدق بنصف دينار .

وقال أحمد : ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : يتصدق بدينار أو نصف دينار .

أخرجه أبو داود وقال : هكذا الرواية الصحيحة ، قال : دينار أو نصف دينار ، واستحبه الطبري .

فإن لم يفعل فلا شيء عليه ، وهو قول الشافعي ببغداد .

وقالت فرقة من أهل الحديث : إن وطئ في الدم فعليه دينار ، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار .

وقال الأوزاعي : من وطئ امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار ، والطرق لهذا كله في " سنن أبي داود والدارقطني " وغيرهما .

وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار .

قال أبو عمر : حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس ، وأن مثله لا تقوم به حجة ، وأن الذمة على البراءة ، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه ، وذلك معدوم في هذه المسألة .التاسعة : قوله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن قال ابن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه : لا تلبس بالفعل ، وإن كان بضم الراء كان معناه : لا تدن منه .

وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه يطهرن بسكون الطاء وضم الهاء .

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل " يطهرن " بتشديد الطاء والهاء وفتحهما .

وفي مصحف أبي وعبد الله " يتطهرن " .

[ ص: 84 ] وفي مصحف أنس بن مالك " ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن " .

ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء ، وقال : هي بمعنى يغتسلن ، لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر .

قال : وإنما الخلاف في الطهر ما هو ، فقال قوم : هو الاغتسال بالماء .

وقال قوم : هو وضوء كوضوء الصلاة .

وقال قوم : هو غسل الفرج ، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ، ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء ، إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ثلاثي .العاشرة : قوله تعالى : فإذا تطهرن يعني بالماء ، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء ، وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب ، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره ، وبه قال مالك والشافعي والطبري ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم .

وقال يحيى بن بكير ومحمد بن كعب القرظي : إذا طهرت الحائض وتيممت - حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل .

وقال مجاهد وعكرمة وطاوس : انقطاع الدم يحلها لزوجها .

ولكن بأن تتوضأ .

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل ، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة .

وهذا تحكم لا وجه له ، وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها : عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل ، مع موافقة أهل المدينة .

ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين : أحدهما : انقطاع الدم ، وهو قوله تعالى : حتى يطهرن .

والثاني : الاغتسال بالماء ، وهو قوله تعالى : فإذا تطهرن أي يفعلن الغسل بالماء ، وهذا مثل قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية ، فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : أحدهما : بلوغ المكلف النكاح .

والثاني : إيناس الرشد ، وكذلك قوله تعالى في المطلقة : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة ، فوقف التحليل على الأمرين جميعا ، وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء .

احتج أبو حنيفة فقال : إن معنى الآية ، الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها ، فيكون قوله : حتى يطهرن مخففا هو بمعنى قوله : " يطهرن " مشددا بعينه ، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية ، كما قال تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين .

قال الكميت :[ ص: 85 ]وما كانت الأنصار فيها أذلة ولا غيبا فيها إذا الناس غيبوأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما .

ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى ، فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل ، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل ؛ لأنه لا يؤمن عوده : ونحمل القراءة الأخرى على ما إذا انقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل .

قال ابن العربي : وهذا أقوى ما لهم ، فالجواب عن الأول : أن ذلك ليس من كلام الفصحاء ، ولا ألسن البلغاء ، فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد ، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس ، فكيف في كلام العليم الحكيم!

وعن الثاني : أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأخرى ، فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة ، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه ، فهي إذا حائض ، والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا .

وأيضا فإن ما قالوه يقتضي إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظر ، وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر ، كما قال علي وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أحلتهما آية وحرمتهما أخرى ، والتحريم أولى .

والله أعلم .الحادية عشرة : واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا ، فقال مالك في رواية ابن القاسم : نعم ، ليحل للزوج وطؤها ، قال الله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن يقول بالماء ، ولم يخص مسلمة من غيرها .

وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض ؛ لأنها غير معتقدة لذلك ، لقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهو الحيض والحمل ، وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات ، وقال : لا إكراه في الدين وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم .الثانية عشرة : وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة ، وليس عليها نقض شعرها في ذلك ، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله ، إني أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة ؟

قال : لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين [ ص: 86 ] عليك الماء فتطهرين وفي رواية : أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟

فقال : ( لا ) زاد أبو داود : ( واغمزي قرونك عند كل حفنة ) .الثالثة عشرة : قوله تعالى : فأتوهن من حيث أمركم الله أي فجامعوهن .

وهو أمر إباحة ، وكنى بالإتيان عن الوطء ، وهذا الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء ؛ لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل .

والله أعلم .

و من بمعنى في ، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ، ونظيره قوله تعالى : أروني ماذا خلقوا من الأرض ؛ أي في الأرض ، : وقوله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي في يوم الجمعة .

وقيل : المعنى ، أي من الوجه الذي أذن لكم فيه ، أي من غير صوم وإحرام واعتكاف ، قاله الأصم .

وقال ابن عباس وأبو رزين : ( من قبل الطهر لا من قبل الحيض ) ، وقاله الضحاك .

وقال محمد ابن الحنفية : المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى .الرابعة عشرة : قوله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين اختلف فيه ، فقيل : التوابون من الذنوب والشرك .

والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث ، قاله عطاء وغيره .

وقال مجاهد : من الذنوب ، وعنه أيضا : من إتيان النساء في أدبارهن .

ابن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون .

وقيل : المتطهرون الذين لم يذنبوا .

فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب ، قيل : قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه ، كما ذكر في آية أخرى : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض, وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض, كما كانت قبل ذلك, أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟.

فأخبر تعالى أن الحيض أذى, وإذا كان أذى, فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده, ولهذا قال: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } أي: مكان الحيض, وهو الوطء في الفرج خاصة, فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض, يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها, في غير الوطء في الفرج جائز.

لكن قوله: { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج, وذلك فيما بين السرة والركبة, ينبغي تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض, أمرها أن تتزر, فيباشرها.

وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض { حَتَّى يَطْهُرْنَ } أي: ينقطع دمهن, فإذا انقطع الدم, زال المنع الموجود وقت جريانه, الذي كان لحله شرطان, انقطاع الدم, والاغتسال منه.

فلما انقطع الدم, زال الشرط الأول وبقي الثاني, فلهذا قال: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } أي: اغتسلن { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } أي: في القبل لا في الدبر, لأنه محل الحرث.

وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض, وأن انقطاع الدم, شرط لصحته.

ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده, وصيانة عن الأذى قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } أي: من ذنوبهم على الدوام { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.

ففيه مشروعية الطهارة مطلقا, لأن الله يحب المتصف بها, ولهذا كانت الطهارة مطلقا, شرطا لصحة الصلاة والطواف, وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة, والصفات القبيحة, والأفعال الخسيسة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلئي أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح " فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟

فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما .

قوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) أي عن الحيض وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا كالسير والمسير وأصل الحيض الانفجار والسيلان وقوله ( قل هو أذى ) أي قذر والأذى كل ما يكره من كل شيء ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) أراد بالاعتزال ترك الوطء ( ولا تقربوهن ) أي لا تجامعوهن أما الملامسة والمضاجعة معها فجائزة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني أن أتزر فيباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعد بن حفص أنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم سلمة قالت : " حضت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضي فلبستها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنفست؟

قلت : نعم ، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة " .

أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد حكيم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو أنا صدقة أنا وكيع أنا مسعر وسفيان ، عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في وأتعرق العرق فيتناوله فيضع فاه في موضع في " .

فوطء الحائض حرام ومن فعله يعصي الله عز وجل ويعزره الإمام إن علم منه ذلك واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه فذهب أكثرهم إلى أنه لا كفارة عليه فيستغفر الله ويتوب إليه .

وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه منهم : قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض قال : " إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار وإن كان صفرة فنصف دينار " .

ويروى هذا موقوفا عن ابن عباس ويمنع الحيض جواز الصلاة ووجوبها ويمنع جواز الصوم ولا يمنع وجوبه حتى إذا طهرت يجب عليها قضاء الصوم ولا يجب قضاء الصلاة وكذلك النفساء .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا علي بن حجر أنا علي بن مسهر عن عبيدة بن معتب الضبي عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت : " كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة " .

ولا يجوز للحائض الطواف بالبيت ولا الاعتكاف في المسجد ولا مس المصحف ولا قراءة القرآن ولا يجوز للزوج غشيانها .

أخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا القاسم بن جعفر ، أنا أبو علي اللؤلئي أنا أبو داود أنا مسدد أنا عبد الواحد بن زياد أنا أفلت بن خليفة قال : حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت : سمعت عائشة تقول : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال : " وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب .

قوله تعالى : ( حتى يطهرن ) قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء يعني : حتى يغتسلن وقرأ الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء فخفف ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع دمهن ( فإذا تطهرن ) يعني اغتسلن ) ( فأتوهن ) أي فجامعوهن ( من حيث أمركم الله ) أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه وهو الفرج قاله مجاهد وقتادة وعكرمة وقال ابن عباس : طئوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره أي اتقوا الأدبار وقيل ) ( من ) بمعنى ) ( في ) أي في حيث أمركم الله تعالى وهو الفرج كقوله تعالى : " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " 9 - الجمعة ) أي في يوم الجمعة وقيل ) ( فأتوهن ) الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن وهو الطهر وقال ابن الحنفية : من قبل الحلال دون الفجور وقيل : لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات : وأتوهن وغشيانهن لكم حلال واعلم أنه لا يرتفع تحريم شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء إلا تحريم الصوم فإن الحائض إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فوقع غسلها بالنهار صح صومها والطلاق في حال الحيض يكون بدعيا وإذا طلقها بعد انقطاع الدم قبل الغسل لا يكون بدعيا وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهي عدة عشرة أيام يجوز للزوج غشيانها قبل الغسل وقال مجاهد وطاووس : إذا غسلت فرجها جاز للزوج غشيانها قبل الغسل .

وأكثر أهل العلم على التحريم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء لأن الله تعالى علق جواز وطئها بشرطين : بانقطاع الدم والغسل فقال ( حتى يطهرن ) يعني من الحيض ( فإذا تطهرن ) يعني اغتسلن ) ( فأتوهن ) ومن قرأ يطهرن بالتشديد فالمراد من ذلك الغسل كقوله تعالى " وإن كنتم جنبا فاطهروا " ( 6 - المائدة ) أي فاغتسلوا فدل على أن قبل الغسل لا يحل الوطء .

قوله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي : يحب التوابين من الذنوب ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات وقال مقاتل بن حيان : يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك وقال سعيد بن جبير : التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب وقال مجاهد : التوابين من الذنوب لا يعودون فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها والتواب : الذي كلما أذنب تاب نظيره قوله تعالى : " فإنه كان للأوابين غفورا " ( 25 - الإسراء ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويسألونك عن المحيض» أي الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه «قل هو أذى» قذر أو محله «فاعتزلوا النساء» اتركوا وطأهن «في المحيض» أي وقته أو مكانه «ولا تقربوهن» بالجماع «حتى يَطْهُرن» بسكون الطاء وتشديدها والهاء وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء أي يغتسلن بعد انقطاعه «فإذا تطهرن فأتوهن» بالجماع «من حيث أمركم الله» بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تعدوه إلى غيره «إن الله يحب» يثيب ويكرم «التوابين» من الذنوب «ويحب المتطهرين» من الأقذار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة-، قل لهم -أيها النبي-: هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه، فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع الدم، واغتسلن، فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم، وهو القبل لا الدبر.

إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة، ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر الله - المسلم بأن يجعل التدين وحسن الخلق محط اختياره في الزواج ، اتبع ذلك بإرشاده إلى بعض الآداب التي يجب عليه أن يسلكها مع زوجه حتى تكون علاقتهما قائمة على ما يقتضيه الطبع السليم والخلق القويم وحتى تكون في أعلى درجات التطهر والتنزه والعفاف فقال - تعالى - :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا .

.

.

)روى الإِمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت أي لا يسكنون معهن - فسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى ) .

الآية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصنعوا كل شيء إلا النكاح .

فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه .

فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يارسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهن؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظنا أن قد وجد عليهما - أي غضب - فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد عليهما .والمحيض : الحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضا فهي حائض ، وأصله السيلان .

يقال حاض الوادي إذا سال ، ومنه الحوض لسيلان الماء إليه .ثم أطلق الحيض على ما يقذفه رحم المرأة من دم في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص .والأذى : الشيء الذي يتأذى منه الإِنسان ويصيبه الضرر بسببه .والسؤال كان من بعض الصحابة ، لأنه لقوة إيمانهم كانوا يحبون أن يعرفوا حكم الإِسلام في شئونهم الخاصة والعامة ، ولأنهم وجدوا أن اليهود وغيرهم يعاملون المرأة في حال حيضها معاملة غير كريمة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر الذي يتصل بأدق العلاقات بين الرجل والمرأة وهو حكم مباشرة النساء في حال الحيض ، فأجابهم الله - تعالى - جواباً شافياً .والمعنى : ويسألك أصحابك يا محمد عن حكم مباشرة النساء في حال الحيض فقل لهم معلماً وموجهاً : إن الحيض أي الدم الذي يلفظه رحم المرأة في وقت معين أذى يتأذى به الإِنسان تأذياً حسيماً جسيماً ، فرائحته يتأذى منها من يشمها ، وهو في ذاته شيء متقذر تعافه النفوس ، وتنفر منه الطباع .وقوله : ( فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ) بيان للحكم المتفرع على تلك الحالة التي يتأذى منها وهي حالة الحيض .والاعتزال : التباعد ، وهو هنا كناية عن ترك الجماع والمباشرة ، كما أن النهي عن قربهن كناية عن النهي عن جماعهن ، يقال : قرب الرجل امرأته إذا جامعها .و ( تَطَهَّرْنَ ) من الطهر - بضم الطاء - بمعنى النقاء من الوسخ والقذر - .والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تمتنعوا عن مباشرة النساء في زمن حيضهن ، ولا تجامعوهن حتى يطهرن من ذلك ، لأن غشيانهن في هذه الحالة يؤذيكم بسبب عدم نقاء المحل الذي يكون فيه الغشيان للمرأة ، والمرأة أيضاً تتأذى من مباشرتها في زمن الحيض لأنها لا تكون في حالة تستسيغ معها المباشرة ، فجهازها التناسلي في حالة اضطراب ، وهيئتها العامة في حالة تجعلها من شأنها أن تنفر من الجماع ، والولد الذي يأتي عن طريق الجماع في حالة الحيض - على فرض إتيانه في هذه الحالة - كثيراً ما يأتي مشوها ضعيفا ، لأن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض ، أخذت البويضات في التخلق قبل وقت صلاحيتها للتخلق النافع الذي يكون وقته بعد انتهاء فترة الحيض وقد قال بذلك الأطباء الثقاة .وعرفه العرب القدامى بالتجربة ، قال أبو كبير الهزلي .ومبرأ من كل غُبَّرِ حَيْضةٍ ...

وفساد مرضعة وداءٍ معضلِوقد أجمع العلماء - كما بينا - على أن المراد بالاعتزال هو اجتناب المباشرة ، إلا أنهم اختلفوا فيما يجب اعتزاله من المرأة بعد ذلك .فبعضهم يرى اعتزال جميع بدن المرأة ، وحجتهم أن الله أمر باعتزال النساء ولم يخصص من ذلك شيئا دون شيء .وبعضهم يرى اعتزال موضع الأذى - أي مكان خروج الدم - لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " .وبعضهم يرى اعتزال ما بين السرة إلى الركبة من المرأة وله ما سوى ذلك ، لقول عائشة : كانت إحدانا إذا كانت حائضة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر ثم يباشرها .

وقوله : ( وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ ) تأكيد لحكم الاعتزال وتقرير له ، وتنبيه على أن المراد به عدم جماعهن لا عدم القرب منهن أو مخالطتهن أو الأكل معهن كما كان يفعل اليهود وبعض العرب .والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض " .وروى البخاري عن عائشة - أيضاً - قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن " .وروى مسلم عنها أيضاً قالت : " كنت أشرب وأنا حائض ، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب " .وقوله : ( حتى يَطْهُرْنَ ) بيان لغاية الاعتزال .

وقرأ حمزة الكسائي ( حتى يَطْهُرْنَ ) بفتح الطاء والهاء مع التشديد .ومعناه عند جمهور الفقهاء ولا تجامعوهن حتى يغتسلن ، لأن القراءتين معناهما واحد ، ولأن الله - تعالى - قد علق الإِتيان على التطهر فقال : ( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ) والتطهر هو الاغتسال .

فالمرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد الاغتسال .ويرى الأحناف أن معنى ( حتى يَطْهُرْنَ ) أي حتى ينقطع الدم ، لأنه إذا كان سبب الأذى هو الدم فانقطاعه طهور منه ، وبناء على ذلك فيجوز للرجل أن يباشر زوجته قبل أن تغتسل متى انقطع دمها لأقصى مدة الحيض ، وهو عشرة أيام .أخذاً بالقراءة المشهورة ( يَطْهُرْنَ ) بالتخفيف .

أما إذا انقطع الدم قبل ذلك فلا تحل مباشرتها إلا بالتأكد من زوال الدم بعمل من جانبها وهو الاغتسال الفعلي ، لأن قراءة ( يَطْهُرْنَ ) بالتشديد عندهم معناها يغتسلن .وقال بعض الفقهاء يكفى في حلها أن تتوضأ عند انقطاع الدم .ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه .وفي هاتين الجملتين الكريمتين ( فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ ) من سمو التعبير ، وبديع الكناية ما يغرس في نس السامع حسن الأدب ، ويصون سمعه عن الألفاظ التي يجافي سماعها الأذواق السليمة ، وما أحود المسلمين إلى التأسي بهذا الأدب الذي يحفظ عليهم مرءوتهم وكرامتهم .ثم قال - تعالى - : ( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ) أي : فإذا تطهرن من المحيض فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره .والأمر في قوله - تعالى - : ( فَأْتُوهُنَّ ) المراد به إباحة المباشرة ، لأن من المقرر عند العلماء أن الأمر بعد النهي يكون للإِباحة ، خصوصاً إذا كان الموضع موضع حل وإباحة لا موضع تكليف وإلزام ، وليس المراد به الحتم واللزوم ، لأن الإِتيان مبني على الرغبة والطاقة وشبه بهذا التعبير قوله - تعالى - ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض ) وقوله : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ) قال الجمل : ومن في قوله : " من حيث " فيها قولان :أحدهما : أنها لابتداء الغاية ، أي من الجهة التي تنتهي إلى موضع الحيض .والثاني : أن تكون بمعنى في أي المكان الذي نهيتم عنه في الحيض .

ورجح بعهضم هذا بأنه ملائم لقوله ( فاعتزلوا النسآء فِي المحيض ) .وعلى كلا القولين فالمقصود أن يأتي الرجل وزوجته في المكان الفطري الطبيعي لتلك العلاقة الجنسية ، وهو القبل إذ هو مكان البذر والإِنسال ، ولا يخرج عن ذلك إلا الذينأصيبوا بشذوذ في عقولهم ، وضعف في دينهم .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين ) .والتواب صيغة مبالغة من تائب بمعنى راجع إلى ربه إذا زل وهفا .والمتطهر : هو الإِنسان المتنزه عن الفواحش والأقذار .أي : إن الله - تعالى - يحب عباده الذين يكثرون الرجوع إليه إذا ما ظلموا أنفسهم بسيئة من السيئات ، والذين يصونون أنفسهم وينزهونها عن المعاصي والآثام ، ويرىض عنهم في الدنيا والآخرة .قال الآلوسي : ( إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين ) مما عسى يبدر منهم من ارتكاب بعض الذنوب كالإِتيان في الحيض المستدى لعقاب الله - تعالى - فقد أخرج الإِمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال :" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أصبت امرأتي وهي حائض فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق نسمة " وهذا إذا كان الإِتيان في أول الحيض والدم أحمر ، أما إذا كان في آخره والدم أصفر فينبغي أن يتصدق بنصف دينار كما دلت عليه الآثار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السابع: في المحيض: في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألو عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا، والسؤال عن كذا.

المسألة الثانية: روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن، ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم»، فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، ثم جاء عباد بن بشير، وأسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بذلك وقالا: يا رسول الله أفلا ننكحهن في المحيض؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما فقاما، فجاءته هدية من لبن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما.

المسألة الثالثة: أصل الحيض في اللغة السيل يقال: حاض السيل وفاض، قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد.

إذا عرفت هذا فنقول: إن هذا البناء قد يجيء للموضع، كالمبيت، والمقيل، والمغيب، وقد يجيء أيضاً بمعنى المصدر، يقال: حاضت محيضاً، وجاء مجيئاً، وبات مبيتاً، وحكى الواحدي في البسيط عن ابن السكيت: إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة، نحو: كال يكيل، وحاض يحيض، وأشباهه فإن الإسم منه مكسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال ممالا، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً أو كسرهما في المصدر والاسم لجاز، تقول العرب: المعاش والمعيش، والمغاب والمغيب، والمسار والمسير، فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في موضوع الحيض، وهو أيضاً اسم لنفس الحيض وإذا ثبت هذا فاعلم أن أكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد بالمحيض هاهنا الحيض، وعندي أنه ليس كذلك، إذ لو كان المراد بالمحيض هاهنا الحيض لكان قوله: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ معناه: فاعتزلوا النساء في الحيض، ويكون المراد فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، فيكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة ولما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى الآية، ومعلوم أن ذلك خلاف الأصل أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، ويكون المعنى: فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص، ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركاً بين معنيين، وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإن حمل اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور أولى، هذا إذا سلمنا أن لفظ المحيض مشترك بين الموضع وبين المصدر، مع أنا نعلم أن استعمال هذا اللفظ في موضع أكثر وأشهر منه في المصدر.

فإن قيل: الدليل على أن المراد من المحيض الحيض أنه قال: ﴿ هُوَ أَذًى ﴾ أي المحيض أذى، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صح هذا الوصف.

قلنا: بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض، فالحيض في نفسه ليس بأذى لأن الحيض عبارة عن الدم المخصوص، والأذى كيفية مخصوصة، وهو عرض، والجسم لا يكون نفس العرض، فلابد وأن يقولوا: المراد منه أن الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضاً أن نقول: المراد أن ذلك الموضع ذو أذى، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد من المحيض الأول هو الحيض، ومن المحيض الثاني موضع الحيض، وعلى هذا التقدير يزول ما ذكرتم من الإشكال، فهذا ما عندي في هذا الموضع وبالله التوفيق.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ فقال عطاء وقتادة والسدي: أي قذر، واعلم أن الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء وقوله: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ الاعتزال التنحي عن الشيء، قدم ذكر العلة وهو الأذى، ثم رتب الحكم عليه، وهو وجوب الإعتزال.

فإن قيل: ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة في الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة.

قلنا: العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط، فكان أذى وقذر، أما دم الاستحاضة فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى، هذا ما عندي في هذا الباب، وهو قاعدة طيبة، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من الطعن والله أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما: المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم، قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ  ﴾ قيل في تفسيره: المراد منه الحيض والحمل، وأما دم الاستحاضة، فإنه لا يخرج من الرحم، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة: إنه دم عرق انفجر وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض عن تعليل القرآن.

والنوع الثاني: من صفات دم الحيض: الصفات التي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم دم الحيض بها أحدها: أنه أسود والثاني: أنه ثخين، والثالث: أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته.

الرابعة: أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلاناً، والخامسة: أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة: أنه بحراني، وهو شديد الحمرة وقيل: ما تحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية.

ثم من الناس من قال: دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفاً بهذه الصفات فهو دم الحيض، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان، ومن الناس من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن، وتصير المرأة به بالغة، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه.

المسألة الخامسة: اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه الله تعالى: أقلها يوم وليلة، وأكثرها خمسة عشر يوماً، وهذا قول علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد، وأكثره عشرة أيام، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء: إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، ثم تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة، فإن وجد ساعة فهو حيض، وإن وجد أياماً فكذلك، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال: لو كان المقدار ساقطاً في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة، لأن كل ذلك الدم يكون حيضاً على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة، ولأنه روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فلا أطهر، وأيضاً روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهما إن جميع ذلك حيض، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة، فبطل هذا القول والله أعلم.

واعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول: إنما يميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لدم الحيض، فإذا علمنا ثبوتها حكمنا بالحيض، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض، وإذا ترددنا في الأمرين كان طريان الحيض مجهولاً وبقاء التكليف الذي هو الأصل معلوم والمشكوك لا يعارض المعلوم، فلا جرم حكم ببقاء التكاليف الأصلية، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زمان معين، وحجة مالك من وجهين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين علامة دم الحيض وصفته بقوله: دم الحيض هو الأسود المحتدم فمتى كان الدم موصوفاً بهذه الصفة كان الحيض حاصلاً، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة».

الحجة الثانية: أنه تعالى قال في دم الحيض: ﴿ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الإعتزال، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللاً بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملاً بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح، وعندي أن قول مالك قوي جداً، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة وجهين: الحجة الأولى: أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ذلك فقد حصل الحيض، فيدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة، وفي الأكثر من خمسة عشر يوماً بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة، فوجب أن يبقى معمولاً به في هذه المدة.

الحجة الثانية: للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما وصف النسوان بنقصان الدين، فسر ذلك بأن قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضاً خمسة عشر يوماً فيكون الحيض نصف عمرها، ولو كان الحيض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها، أجاب أبو بكر الرازي عنه من وجهين: الأول: أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض والثاني: أنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها.

والجواب عن الأول: أن الشطر هو النصف، يقال: شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل: أجلب جلباً لك شطره، أي نصفه، وعن الثاني أن قوله عليه السلام: «تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي» إنما يتناول زمان هي تصلي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ، واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة من وجوه: الحجة الأولى: ما روى عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام».

قال أبو بكر: فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد.

الحجة الثانية: ما روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن القول إذا ظهر عن الصحابي ولم يخالفه أحد كان إجماعاً والثاني: أن التقدير مما لا سبيل إلى العقل إليه متى روى عن الصحابي فالظاهر أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم.

الحجة الثالثة: قوله عليه السلام لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء في كل شهر مقتضاه أن يكون حيض جميع النساء في كل شهر هذا القدر خالفنا هذا الظاهر في الثلاثة إلى العشرة فيبقى ماعداه على الأصل.

الحجة الرابعة: قوله عليه السلام في حق النساء: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن، فقيل ما نقصان دينهن؟

قال: تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي وهذا الخبر يدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليال، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة لأنه لا يقال في الواحد والإثنين لفظ الأيام، ولا يقال في الزائد على العشرة أيام، بل يقال: أحد عشر يوماً أما الثلاثة إلى العشرة فيقال فيها أيام، وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش دعى الصلاة أيام أقرائك ولفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة، وفي حديث أم سلمة في المرأة التي سألته أنها تهرق الدم، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر فلتترك الصلاة ذلك القدر من الشهر، ثم لتغتسل ولتصل.

فإن قيل: لعل حيض تلك المرأة كان مقدراً بذلك المقدار.

قلنا: إنه عليه السلام ما سألها عن قدر حيضها بل حكم عليها بهذا الحكم مطلقاً فدل على أن الحيض مطلقاً مقدر بما ينطلق عليه لفظ الأيام وأيضاً قال في حديث عدي ابن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، وذلك عام في جميع النساء.

الحجة الخامسة: وهي حجة ذكرها الجبائي من شيوخ المعتزلة في تفسيره فقال: إن فرض الصوم والصلاة لازم يتعين للعمومات الدالة على وجوبهما ترك العمل بها في الثلاثة إلى العشرة فوجب بقاؤها على الأصل فيما دون الثلاثة وفوق العشرة وذلك لأن فيما دون الثلاثة حصل اختلاف للعلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً وما زاد على العشرة ففيه أيضاً اختلاف العلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً، فأما من الثلاثة إلى العشرة فهو متفق عليه فجعلناه حيضاً فهذا خلاصة كلام الفقهاء في هذ المسألة وبالله التوفيق.

المسألة السادسة: اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة، فنقول: إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه، بل من يقول: إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى الجماع، أما من يفسر المحيض بالحيض، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ الله ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ أي ولا تجامعوهن، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ ويمكن أيضاً حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله: ﴿ فاعتزلوا النساء فِي المحيض ﴾ نهياً عن المباشرة في موضع الدم وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ يكون نهياً عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب الحضرمي، وأبو بكر عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة من الطهارة، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ بالتشديد، وكذلك حفص عن عاصم، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها، وذلك إذا انقطع الحيض، فالمعنى: لا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم، ومن قرأ: ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله: ﴿ يأَيُّهَا المزمل  ﴾ ، و ﴿ يا أيها المدثر  ﴾ أي المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق.

المسألة الثانية: أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال، حجة الشافعي من وجهين.

الحجة الأولى: أن القراءة المتواترة، حجة بالإجماع، فإذا حصلت قراءتان متواترتان وأمكن الجمع بينهما، وجب الجمع بينهما.

إذا ثبت هذا فنقول: قرئ ﴿ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ بالتخفيف وبالتثقيل ﴿ ويطهرن ﴾ بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع بين الأمرين ممكن، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين.

الحجة الثانية: أن قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ علق الإتيان على التطهر بكلمة ﴿ إِذَا ﴾ وكلمة ﴿ إِذَا ﴾ للشرط في اللغة، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر، حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ نهى عن قربانهن وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن، وإذا كان انقطاع الحيض غاية لهذا النهي وجب أن لا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض، أجاب القاضي عنه بأنه لو اقتصر على قوله: ﴿ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ لكان ما ذكرتم لازماً، أما لما ضم إليه قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم فلاناً حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه، فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعاً، وإذا ثبت أنه لابد بعد انقطاع الحيض من التطهر فقد اختلفوا في ذلك التطهر فقال الشافعي وأكثر الفقهاء: هو الاغتسال وقال بعضهم: وهو غسل الموضع، وقال عطاء وطاوس: هو أن تغسل الموضع وتتوضأ، والصحيح هو الأول لوجهين: الأول: أن ظاهر قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ حكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل هذا التطهر في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها والثاني: أن حمله على التطهر الذي يختص الحيض بوجوبه أولى من التطهر الذي يثبت في الاستحاضة كثبوته في الحيض، فهذا يوجب أن المراد به الاغتسال وإذا أمكن بوجود الماء وإن تعذر ذلك فقد أجمع القائلون بوجوب الاغتسال على أن التيمم يقوم مقامه، وإنما أثبتنا التيمم مقام الاغتسال بدلالة الإجماع، وإلا فالظاهر يقتضي أن لا يجوز قربانها إلا عند الاغتسال بالماء.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ وفيه وجوه: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة: فأتوهن في المأتي فإنه هو الذي أمر الله به، ولا تؤتوهن في غير المأتي، وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ أي في حيث أمركم الله، كقوله: ﴿ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِنْ يَوْمِ الجُمعة  ﴾ أي في يوم الجمعة.

الثاني: قال الأصم والزجاج: أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن، وذلك بأن لا يكن صائمات، ولا معتكفات، ولا محرمات الثالث: وهو قول محمد بن الحنفية فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور، والأقرب هو القول الأول لأن لفظة ﴿ حَيْثُ ﴾ حقيقة في المكان مجاز في غيره.

أما قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ فالكلام في تفسير محبة الله تعالى، وفي تفسير التوبة قد تقدم فلا نعيده إلا أنا نقول: التواب هو المكثر من فعل ما يسمى توبة، وقد يقال هذا من حق الله تعالى من حيث يكثر في قبول التوبة.

فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقاً والعقل يدل على أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب، فمن لم يكن مذنباً وجب أن لا تحسن منه التوبة.

والجواب من وجهين: الأول: أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير، فتلزمه التوبة دفعاً لذلك التقصير المجوز الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني ﴿ التوبة ﴾ في اللغة عبارة عن الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي، والترك في الحاضر، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي، ولأبي مسلم أن يجيب عنه فيقول: مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية، فقد صح اللفظ وسلم عن السؤال، وإن تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية، لئلا يتوجه الطعن والسؤال.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: المراد منه التنزيه عن الذنوب والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه، ولا ثالث لهذين القسمين، واللفظ محتمل لذلك، لأن الذنب نجاسة روحانية، ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  ﴾ فتركه يكون طهارة روحانية، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى بأنه طاهر مطهر من حيث كونه منزهاً عن العيوب والقبائح، ويقال: فلان طاهر الذيل.

والقول الثاني: أن المراد: لا يأتيها في زمان الحيض، وأن لا يأتيها في غير المأتى على ما قال: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ ومن قال بهذا القول قال: هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط ﴿ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ  ﴾ فكان قوله: ﴿ وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ ترك الإتيان في الأدبار.

والقول الثالث: أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ فلا جرم مدح المتطهر فقال: ﴿ وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ والمراد منه التطهر بالماء، وقد قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المتطهرين  ﴾ فقيل في التفسير: إنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المحيض ﴾ مصدر.

يقال: حاضت محيضاً، كقولك: جاء مجيئاً وبات مبيتاً ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاجتنبوهنّ؛ يعني فاجتنبوا مجامعتهنّ.

روي: أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت؛ وإن استأثرنا بها هلكت الحِيَّضُ: فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم» وقيل: إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين، وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال، فأبو حنيفة وأبو يوسف: يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة رضي الله عنها: أنّ عبد الله بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟

فقالت: تشدّ إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء.

وما روى زيد بن أسلم: أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: «لتشدّ عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة.

وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وقرئ ﴿ يطهرن ﴾ بالتشديد، أي يتطهرن، بدليل قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿ حتى يتطهرن ﴾ .

و ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف.

والتطهر: الاغتسال.

والطهر: انقطاع دم الحيض.

وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة.

وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتُطَهَّر، فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح.

ويعضده قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ .

﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين ﴾ مما عسى يندر منهم من ارتكاب مانهوا عنه من ذلك ﴿ وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ المتنزهين عن الفواحش.

أو إنّ الله يحبّ التوّابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار: كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل، وإتيان ما ليس بمباح، وغير ذلك ﴿ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ مواضع الحرث لكم.

وهذا مجاز، شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور.

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم.

لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى: جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحداً وهو موضع الحرث.

وقوله: ﴿ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء ﴾ ، ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ ، ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة.

وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدّبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم.

وروي: أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال كذبت اليهود ونزلت.

﴿ وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتكم عنه.

وقيل: هو طلب الولد، وقيل: التسمية على الوطء ﴿ واتقوا الله ﴾ فلا تجترئوا على المناهي ﴿ واعلموا أَنَّكُم ملاقوه ﴾ فتزوّدوا ما لا تفتضحون به ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ مما قبله؟

قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ يعني أنّ المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث، ترجمة له وتفسيراً، أو إزالة للشبهة، ودلالة على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهنّ إلا من المأتي الذي يتعلق به هذا الغرض.

فإن قلت: ما بال ﴿ يَسْألُونَكَ ﴾ جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ثلاثاً؟

قلت: كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة، فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ.

وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ﴾ رُوِيَ (أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُساكِنُونَ الحَيِّضَ ولا يُؤاكِلُونَها، كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى أنْ سَألَ أبُو الدَّحْداحِ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ عَنْ ذَلِكَ) فَنَزَلَتْ.

والمَحِيضُ مَصْدَرٌ كالمَجِيءِ والمَبِيتِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَرَ يَسْألُونَكَ بِغَيْرِ واوٍ ثَلاثًا ثُمَّ بِها ثَلاثًا، لِأنَّ السُّؤالاتِ الأُوَلَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ والثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ كانَتْ في وقْتٍ واحِدٍ فَلِذَلِكَ ذَكَرَها بِحِرَفِ الجَمْعِ.

﴿ قُلْ هو أذًى ﴾ أيِ الحَيْضُ شَيْءٌ مُسْتَقْذَرٌ مُؤْذٍ مَن يَقْرَبُهُ نَفْرَةً مِنهُ.

﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ﴾ فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهم لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ ولَمْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ» .

وهو الِاقْتِصادُ بَيْنَ إفْراطِ اليَهُودِ، وتَفْرِيطِ النَّصارى فَإنَّهم كانُوا يُجامِعُوهُنَّ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ.

وَإنَّما وصْفُهُ بِأنَّهُ أذًى ورَتَّبَ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّهُ العِلَّةُ.

﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وبَيانٌ لِغايَتِهِ، وهو أنْ يَغْتَسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطاعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وعاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ « يَطَّهَّرْنَ» أيْ يَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ والتِزامًا لِقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا طَهُرَتْ لِأكْثَرِ الحَيْضِ جازَ قُرْبانُها قَبْلَ الغُسْلِ.

﴿ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيِ المَأْتى الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ وحَلَّلَهُ لَكم.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ أيِ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ، كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ في غَيْرِ المَأْتى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال يارسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن فنزل

البقرة (٢٢٢ _ ٢٢٣)

هو مصدر يقال حاضت محيضاً كقولك جاء مجيئاً {قُلْ هُوَ أَذًى} أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن وقيل إن النصارى كانوا يجامعونهن لا يبالون بالحيض واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الازار ومحمد رحمه الله لا يوجب إلا اعتزال الفرج وقالت عائشة رضى الله عنها يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن {حتى يَطْهُرْنَ} بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله يتطهرن فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما غيرهم يطهرن أي ينقطع دمهن والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملاً بقراءة التخفيف وفي أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملاً بقراءة التشديد والحمل على هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف وعند الشافعى رحمه الله لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} فجامعوهن فجمع بينهما {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين} من ارتكاب ما نهوا عنه أو العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله حيث لا ييأس {وَيُحِبُّ المتطهرين} بالماء أو المتنزهين من أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ-: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ مِنهم أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ ولَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ”».

وعَنِ السُّدِّيِّ: إنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ ذَلِكَ ثابِتُ بْنُ الدَّحْداحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لَهُ أنَّهُ لَمّا نَهى عَنْ مُناكَحَةِ الكُفّارِ ورَغَّبَ في مُناكَحَةِ أهْلِ الإيمانِ بَيَّنَ حُكْمًا عَظِيمًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، وهو حُكْمُ النِّكاحِ في الحَيْضِ، ولَعَلَّ حِكايَةَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِالعَطْفِ لِوُقُوعِ الكُلِّ في وقْتٍ واحِدٍ عُرْفِيٌّ، وهو وقْتُ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَجْمَعُونَ لَكَ بَيْنَ السُّؤالِ عَنْهُما والسُّؤالِ عَنْ كَذا وكَذا؛ وحِكايَةُ ما عَداها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِكَوْنِها كانَتْ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَكانَ كُلُّ واحِدٍ سُؤالًا مُبْتَدَأً، ولَمْ يُقْصَدِ الجَمْعُ بَيْنَهُما بَلِ الإخْبارُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ، فَلِهَذا لَمْ يُورِدِ الواوَ بَيْنَها، وقالَ صاحِبُ الِانْتِصافِ في بَيانِ العَطْفِ والتَّرْكِ: إنَّ أوَّلَ المَعْطُوفاتِ عَيَّنَ الأوَّلَ مِنَ المُجَرَّدَةِ، ولَكِنْ وقَعَ جَوابُهُ أوَّلًا بِالمَصْرِفِ لِأنَّهُ الأهَمُّ، وإنْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ إنَّما هو المُنْفَقُ لا جِهَةُ مَصْرِفِهِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يَكُنْ في الجَوابِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ أُعِيدَ السُّؤالُ لِيُجابُوا عَنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ صَرِيحًا، وهو العَفْوُ الفاضِلُ فَتَعَيَّنَ إذا عَطَفَهُ لِيَرْتَبِطَ بِالأوَّلِ، وأمّا السُّؤالُ الثّانِي مِنَ المَقْرُونَةِ فَقَدْ وقَعَ عَنْ أحْوالِ اليَتامى، وهَلْ يَجُوزُ مُخالَطَتُهم في النَّفَقَةِ والسُّكْنى، فَكانَ لَهُ مُناسَبَةٌ مَعَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم إذا خالَطُوهم أنْفَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلِذا عَطَفَ عَلى سُؤالِ الإنْفاقِ، وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ فَلَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى اعْتِزالِ الحَيْضِ ناسَبَ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ اعْتِزالِ اليَتامى، وإذا اعْتُبِرَتِ الأسْئِلَةُ المُجَرَّدَةُ مِنَ الواوِ لَمْ تَجِدْ بَيْنَها مُداناةً ولا مُناسَبَةً ألْبَتَّةَ؛ إذِ الأوَّلُ مِنها عَنِ النَّفَقَةِ والثّانِي عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ والثّالِثُ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وبَيْنَها مِنَ التَّبايُنِ والتَّقاطُعِ ما لا يَخْفى، فَذُكِرَتْ كَذَلِكَ مُرْسَلَةً مُتَقاطِعَةً غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وهَذا مِن بَدائِعِ البَيانِ الَّذِي لا تَجِدُهُ إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ.

ولا أرى القَلْبَ يَطْمَئِنُّ بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما ذَكَرْناهُ فَتَدَبَّرْ، والمَحِيضُ كَما قالَ الزَّجّاجُ - وعَلَيْهِ الكَثِيرُ-: مَصْدَرُ حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحاضًا فَهو كالمَجِيءِ والمَبِيتِ، وأصْلُهُ السَّيَلانُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ومِنهُ قِيلَ: لِلْحَوْضِ حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ؛ أيْ يَسِيلُ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ؛ لِأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وقِيلَ: إنَّهُ هُنا اسْمُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - .

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: أنَّهُ إذا كانَ الفِعْلُ مِن ذَواتِ الثَّلاثَةِ نَحْوَ كالَ يَكِيلُ، وحاضَ يَحِيضُ، فاسْمُ المَكانِ مِنهُ مَكْسُورٌ، والمَصْدَرُ مِنهُ مَفْتُوحٌ، وحَكى غَيْرُهُ عَنْ غَيْرِهِ التَّخْيِيرَ في مِثْلِهِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ الكَسْرَ والفَتْحَ جائِزانِ في اسْمِ الزَّمانِ والمَكانِ والمَصْدَرِ وعَلى ما نُسِبَ لِلتُّرْجُمانِ، واخْتارَهُ الإمامُ يَحْتاجُ إلى الحَذْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو أذًى ﴾ أيْ: مَوْضِعِ أذى، وكَذا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ الزَّمانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ﴾ لِرَكاكَةِ قَوْلِنا: فاعْتَزِلُوا في مَوْضِعِ الحَيْضِ، وإنِ اخْتارَهُ الإمامُ، وقالَ: إنَّ المَعْنى: اعْتَزِلُوا مَواضِعَ الحَيْضِ، والأذى مَصْدَرُ مِن أذاهُ يُؤْذِيهِ إذًا وإذاءً، ولا يُقالُ في المَشْهُورِ: إيذاءً، وحَمْلُهُ عَلى المَحِيضِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى المَقْصُودُ مِنهُ المُسْتَقْذَرُ، وبِهِ فَسَّرَهُ قَتادَةُ، واسْتُعْمِلَ فِيهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمُرادُ مِنَ اعْتِزالِ النِّساءِ اجْتِنابُ مُجامَعَتِهِنَّ كَما يَفْهَمُهُ آخِرَ الآيَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ؛ بِحَيْثُ لا يُتَوَهَّمُ غَيْرُهُ أصْلًا، وقَدْ يُقالُ: لا وضْعَ، وحَدِيثُ الإعادَةِ أغْلَبِيٌ بَلْ يُعْتَبَرُ ما أشَرْنا إلى اعْتِبارِهِ فِيما أشَرْنا إلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ لِضِعْفِ النِّسْبَةِ، وقُوَّةِ الدّاعِي إلى التَّقْدِيرِ وعَدَمُهُ أوْلى، وإنَّما وُصِفَ بِأنَّهُ أذًى ورُتِّبَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالفاءِ ولَمْ يَكْتَفِ في الجَوابِ بِالأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العِلَّةُ، والحُكْمُ المُعَلَّلُ أوْقَعُ في النَّفْسِ.

﴿ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالِاعْتِزالِ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ القُرْبانِ وبِالعَكْسِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُقَرَّرًا وإنْ تَغايَرا بِالمَفْهُومِ، فَلِذا عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وفِيهِ بَيانٌ لِغايَتِهِ، فَإنَّ تَقْيِيدَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فِي المَحِيضِ ﴾ وتُرَتُّبَهُ عَلى كَوْنِهِ أذًى يُفِيدُ تَخْصِيصَ الحُرْمَةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، ويُفْهَمُ مِنهُ عَقْلًا انْقِطاعُها بَعْدَهُ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ صَرِيحًا بِخِلافِ ﴿ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ والغايَةُ انْقِطاعُ الدَّمِ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَإنْ كانَ الِانْقِطاعُ لِأكْثَرِ مُدَّةِ الحَيْضِ حَلَّ القُرْبانُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطاعِ، وإنْ كانَ لِأقَلَّ مِنها لَمْ يَحِلَّ إلّا بِالِاغْتِسالِ أوْ ما هو في حُكْمِهِ مِن مُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هي الِاغْتِسالُ بَعْدَ الِانْقِطاعِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وعاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ: (يَطِّهَّرْنَ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ (يَتَطَهَّرْنَ)، والمُرادُ بِهِ يَغْتَسِلْنَ، لا لِأنَّ الِاغْتِسالَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلتَّطْهِيرِ كَما يُوهِمُهُ بَعْضُ عِباراتِهِمْ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ فِيما عَدا الِاغْتِسالَ شائِعٌ في الكَلامِ المَجِيدِ والأحادِيثِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، بَلْ لِأنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ يُسْتَفادُ مِنها الطَّهارَةُ الكامِلَةُ، والطَّهارَةُ الكامِلَةُ لِلنِّساءِ عَنِ المَحِيضِ هو الِاغْتِسالُ، فَلَمّا دَلَّتْ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ عَلى أنَّ غايَةَ حُرْمَةِ القُرْبانِ هو الِاغْتِسالُ، والأصْلُ في القِراءاتِ التَّوافُقُ، حُمِلَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَلَيْها، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ الطُّهْرَ يَدُلُّ عَلى الِاغْتِسالِ أيْضًا بِحَسَبَ اللُّغَةِ، فَفي القامُوسِ: طَهُرَتِ المَرْأةُ انْقَطَعَ دَمُها واغْتَسَلَتْ مِنَ الحَيْضِ كَتَطَهَّرَتْ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ يَدُلُّ التِزامًا عَلى أنَّ الغايَةَ هي الِاغْتِسالُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَأخُّرَ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ، فَهو يُقَوِّي كَوْنَ المُرادِ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ الغُسْلَ لا الِانْقِطاعَ، ورُبَّما يَكُونُ قَرِينَةً عَلى التَّجَوُّزِ في الطُّهْرِ بِحَمْلِهِ عَلى الِاغْتِسالِ إنْ لَمْ يَسْلَمْ ما تَقَدَّمَ، وعَلى فَرْضِ عَدَمِ تَسْلِيمِ هَذا وذاكَ، والرُّجُوعِ إلى القَوْلِ بِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ مِنَ الطُّهْرِ وهو حَقِيقَةٌ في انْقِطاعِ الدَّمِ لا غَيْرَ ولا تَجُوزُ ولا قَرِينَةٌ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ مِنَ التَّطَهُّرِ، ويُسْتَفادُ مِنهُ الِاغْتِسالُ، يُقالُ أيْضًا في وجْهِ الجَمْعِ كَما في الكَشْفِ: إنَّ القِراءَةَ بِالتَّشْدِيدِ لِبَيانِ الغايَةِ الكامِلَةِ وبِالتَّخْفِيفِ لِبَيانِ النّاقِصَةِ، وحَتّى في الأفْعالِ نَظِيرٌ إلى في أنَّهُ لا يَقْتَضِي دُخُولَ ما بَعْدَها، فَتَكُونُ الكامِلَةَ ألْبَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الغايَةَ الكامِلَةَ ما يَكُونُ غايَةً بِجَمِيعِ أجْزائِهِ وهي الخارِجَةُ عَنِ المُغَيّا، والنّاقِصَةُ ما تَكُونُ غايَةً بِاعْتِبارِ آخِرِها وحَتّى الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ تَقْتَضِي دُخُولَ ما بَعْدَها لَوْلا الغايَةُ والدّاخِلَةُ عَلى الأفْعالِ مِثْلَ إلى لا تَقْتَضِي كَوْنَ ما بَعْدَها جُزْءًا لِما قَبِلَها، فانْقِطاعُ الدَّمِ غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، فَيَكُونُ وقْتُ الِانْقِطاعِ داخِلًا فِيها والِاغْتِسالُ غايَةً لَها بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ بَيانِ الغايَتَيْنِ بَيانُ مَراتِبِ حُرْمَةِ القُرْبانِ، فَإنَّها أشَدُّ قَبْلَ الِانْقِطاعِ مِمّا بَعْدَهُ، ولَمّا رَأى ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ أنَّ هَهُنا قِراءَتَيْنِ التَّخْفِيفَ والتَّشْدِيدَ، وأنَّ مُؤَدّى الأُولى انْتِهاءُ الحُرْمَةِ العارِضَةِ عَلى الحِلِّ بِانْقِطاعِ الدَّمِ مُطْلَقًا، فَإذا انْتَهَتِ الحُرْمَةُ العارِضَةُ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّ مُؤَدّى الثّانِيَةِ عَدَمُ انْتِهائِها عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسالِ، ورَأوْا أنَّ الطُّهْرَ إذا نُسِبَ إلى المَرْأةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاغْتِسالِ لُغَةً، بَلْ مَعْناهُ فِيها انْقِطاعُ الدَّمِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وفي تاجِ البَيْهَقِيِّ: طَهُرَتْ خِلافَ طَمَثَتْ، وفي شَمْسِ العُلُومِ: امِرْأةٌ طاهِرٌ بِغَيْرِ (هاءٍ) انْقَطَعَ دَمُها، وفي الأساسِ: امِرْأةٌ طاهِرٌ ونِساءٌ طَواهِرُ طَهُرْنَ مِنَ الحَيْضِ، ولا يُعارِضُ ذَلِكَ ما في القامُوسِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِعْمالِ - ولَوْ مَجازًا - عَلى ما هو طَرِيقَتُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الألْفاظِ، وأنَّ الحَمْلَ عَلى الِاغْتِسالِ مَجازًا مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُ مِمّا لا يَصِحُّ، واعْتِبارُ ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ قَرِينَةٌ - بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا - لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما ذَكَرُوهُ في وجْهِ الدَّلالَةِ مِنَ الِاقْتِضاءِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأنَّ الفاءَ الدّاخِلَةَ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا كالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي، ومَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ ولَوْ سَلِمَ فاللّازِمُ تَأخُّرُ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ في الجُمْلَةِ لا مُطْلَقًا، حَتّى يَكُونَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُرادَ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ أيْضًا الغُسْلُ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّ إحْدى الغايَتَيْنِ داخِلَةٌ في الحُكْمِ، والأُخْرى خارِجَةٌ خِلافَ المُتَبادَرِ احْتاجُوا لِلْجَمْعِ بِجَعْلِ كُلٍّ مِنهُما آيَةً مُسْتَقِلَّةً، فَحَمَلُوا الأوْلى عَلى الِانْقِطاعِ بِأكْثَرِ المُدَّةِ، والثّانِيَةَ لِتَمامِ العادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَيْضِ، كَما حَمَلَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ قِراءَةَ النَّصْبِ والجَرِّ في (أرْجُلِكُمْ) عَلى حالَةِ التَّخْفِيفِ وعَدَمِهِ وهو المُناسِبُ؛ لِأنَّ في تَوَقُّفِ قُرْبانِها في الِانْقِطاعِ لِلْأكْثَرِ عَلى الغُسْلِ إنْزالَها حائِضًا حُكْمًا، وهو مُنافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْها المُسْتَلْزِمِ لِإنْزالِهِ إيّاها طاهِرًا حُكْمًا بِخِلافِ تَمامِ العِدَّةِ، فَإنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْها بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الحَيْضُ بَعْدَهُ، ولِذا لَوْ زادَتْ ولَمْ يُجاوِزِ العَشَرَةَ كانَ الكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفاقِ، بَقِيَ أنَّ مُقْتَضى الثّانِيَةِ ثُبُوتُ الحُرْمَةِ قَبْلَ الغُسْلِ، فَرَفْعُ الحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِمُضِيِّ أوَّلِ وقْتِ الصَّلاةِ - أعْنِي أدْناهُ الواقِعَ آخِرًا - واعْتِبارُ الغُسْلِ حُكْمًا عَلى ما قالُوا مُعارِضَةُ النَّصِّ بِالمَعْنى، والجَوابُ أنَّ القِراءَةَ الثّانِيَةَ خُصَّ مِنها صُورَةُ الِانْقِطاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، فَجازَ أنْ يَخُصَّ ثانِيًا بِالمَعْنى كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولا يَخْفى ما في مَذْهَبِ الإمامِ مِنَ التَّيْسِيرِ والِاحْتِياطِ لا يَخْفى، وحُكِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ: أنَّ حِلَّ الإتْيانِ مَوْقُوفٌ عَلى التَّطَهُّرِ، وفَسَّرَهُ بِغَسْلِ مَوْضِعِ الحَيْضِ، وقَدْ يُقالُ لِتَنْقِيَةِ المَحَلِّ تَطْهِيرٌ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها-: «“أنَّ امْرَأةً سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ، فَأمَرَها قَبْلَ أنْ تَغْتَسِلَ قالَ: خُذِي فُرْصَةً مِن مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِها، قالَتْ: كَيْفَ أتَطَهَّرُ بِها؟

قالَ: تَطَهَّرِي بِها، قالَتْ: كَيْفَ؟

قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ!

تَطَهَّرِي بِها، فاجْتَذَبْتُها، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِها أثَرَ الدَّمِ”،» وذَهَبَ طاوُوسٌ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّ غَسْلَ المَوْضِعِ مَعَ الوُضُوءِ كافٍ في حِلِّ الإتْيانِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامِيَّةُ - ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ طِهارَةً كامِلَةً لِلنِّساءِ، وإنَّما هي طِهارَةٌ كامِلَةٌ لِأعْضائِهِنَّ، وهو خِلافُ المُتَبادَرِ في الآيَةِ، وإنَّما المُتَبادَرُ هو الأوَّلُ، وما في الحَدِيثِ، وإنْ كانَ أمْرًا بِالتَّطَهُّرِ لِتِلْكَ المَرْأةِ، لَكِنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَطْهِيرِ المَوْضِعِ، إلّا أنَّهُ لِأمْرٍ ما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وإطْلاقُ التَّطْهِيرِ عَلى تَنْقِيَةِ المَحَلِّ مِمّا لا نُنْكِرُهُ، وإنَّما نُنْكِرُ إطْلاقَ (يَطْهُرْنَ) عَلى مَن طَهَّرْنَ مَواضِعَ حَيْضِهِنَّ ودُونَ إثْباتِهِ حَيْضُ الرِّجالِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِالحائِضِ بِما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وإنَّما يَحْرُمُ الوَطْءُ، وسُئِلَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ما يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأتِهِ إذا كانَتْ حائِضًا؟

قالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إلّا الجِماعَ.

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى حُرْمَةِ الِاسْتِمْتاعِ بِما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ اسْتِدْلالًا بِما أخْرَجَهُ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: «“أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ماذا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأتِي وهي حائِضٌ؟

فَقالَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لِتَشُدَّ عَلَيْها إزارَها ثُمَّ شَأْنُكَ بِأعْلاها”».

وكَأنَّهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ في الجُمْلَةِ، ولِهَذا ورَدَ فِيما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ: والتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أفْضَلُ، والأمْرُ في الآيَةِ لِلْإباحَةِ عَلى حَدِّ ﴿ وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ فَفِيها إباحَةُ الإتْيانِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ - تَعالى - بِتَجَنُّبِهِ لِعارِضِ الأذى، وهو الفَرْجُ، ولا تَعْدُوا غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ فِيها أنْ تَقْرَبَ المَرْأةَ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَحِلُّ كَما إذا كُنَّ صائِماتٍ أوْ مُحْرِماتٍ أوْ مُعْتَكِفاتٍ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ لَوْ أرادَ الفَرْجَ لَكانَتْ فِي ( أظْهَرَ فِيهِ مِن ) مِن؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِمَعْنى الجِماعِ يُتَعَدّى بِها غالِبًا لا بِمِن، ولَعَلَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ﴾ مِمّا عَسى يَنْدُرُ مِنهم مِنِ ارْتِكابِ بَعْضِ الذُّنُوبِ كالإتْيانِ في الحَيْضِ المُورِثِ لِلْجُذامِ في الوَلَدِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ، والمُسْتَدْعِي عِقابَ اللَّهِ - تَعالى -، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“مَن أتى حائِضًا فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» -”وهو جارٍ مَجْرى التَّرْهِيبِ، فَلا يُعارِضُ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «“جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: "يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ امْرَأتِي وهي حائِضٌ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُعْتِقَ نَسَمَةً» وقِيمَةُ النَّسَمَةِ حِينَئِذٍ دِينارٌ، وهَذا إذا كانَ الإتْيانُ في أوَّلِ الحَيْضِ والدَّمُ أحْمَرُ، أمّا إذا كانَ في آخِرِهِ والدَّمُ أصْفَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصْفِ دِينارٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ.

﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ 222﴾ أيِ: المُتَنَزَّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ لا مِن حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى -، وحَمْلُ التَّطَهُّرِ عَلى التَّنَزُّهِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ، وهو مَجازٍ عَلى ما في الأساسِ وشَمْسِ العُلُومِ، وعَنْ عَطاءٍ: حَمْلُهُ عَلى التَّطَهُّرِ بِالماءِ، والجُمْلَتانِ تَذْيِيلٌ مُسْتَقِلٌّ لِما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ.

قال ابن عباس: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له: عمرو بن الدحداح، سأل رسول الله  فقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟

أنقربهن أم لا؟

فنزل قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ يقول عن النساء إذا حضن.

ويقال: ويسألونك عن مجامعة النساء في المحيض.

قُلْ هُوَ أَذىً، يعني الدم هو قذر نجس.

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أي لا تجامعوهن في حال الحيض.

وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، يعني لا تجامعوهن وهن حيض، حَتَّى يَطْهُرْنَ.

قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر: حَتَّى يَطْهُرْنَ بتشديد الطاء والهاء والنصب، والباقون بالتخفيف أي يغتسلن وأصله يتطهرون، فأدغمت التاء في الطاء فصار يَطْهُرْنَ.

فمن قرأ يَطْهُرْنَ أي يغتسلن، ومن قرأ يَطْهُرْنَ أي حتى يطهرن من الحيض.

قال الفقيه الزاهد نعمل بالقراءتين جميعاً فإن كانت المرأة أيام حيضها أقل من عشرة أيام فلا يجوز أن يقربها ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة وإن كانت أيام حيضها عشرة، فإذا انقطع عنها الدم وتمت العشرة، جاز له أن يقربها بغير غسل.

ثم قال تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ، يعني أي اغتسلن من الحيض، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي جامعوهن من حيث رخص لكم الله في موضع الجماع.

ويقال: لما نزلت هذه الآية فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، اعتزلوا النساء في أيام الحيض وأخرجوهن من البيوت فقدم أناس من الأعراب وقالوا: يا رسول الله البرد شديد وقد اعتزلنا النساء، وليس كلنا يجد سعة لذلك فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «إنَّمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ عَنْ مُجَامَعَتِهِنَّ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنَ البُيُوتِ كَمَا تَفْعَلُ الأعَاجِمُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، يعني التوابين من الشرك والذنوب.

وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، أي من الجنابة والأحداث.

ويقال: ويحب المتطهرين من إتيانهن في المحيض، في أدبارهن يتنزهون عن ذلك.

ويقال: ويحب التّوابين من الذنوب والمتطهرين الذين لم يذنبوا.

فإن قيل: كيف قدَّم بالذكر الذي تاب من الذنوب على الذي لم يذنب؟

قيل له: إنما قدمهم لكيلا يقنط التائب من الرحمة، ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: 32] .

ثم قال عز وجل: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.

يقول: مزرعة لكم للولد، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ.

والحرث في اللغة هو الزرع، فسمى النساء حرثاً على وجه الكناية، أي هن للولد كالأرض للزراعة.

قوله: أَنَّى شِئْتُمْ، أي كيف شئتم إن شئتم مستقبلين، وإن شئتم مستدبرين، إذا كان في صمام واحد.

وذلك أن اليهود كانوا يقولون: لا يجوز إتيان النساء إلا مستلقياً، وكانوا يقولون: إذا أتاها من خلفها، يكون الولد أحول، فنزل قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

قال النبيّ  : «لا يَنْظُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أوِ امْرَأةً فِي دبرها» .

وعن النبيّ  أنه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبرِهَا» .

ثم قال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد الصالح.

ويقال قدموا لأنفسكم من العمل الصالح.

ويقال: سموا الله أي قولوا بسم الله الرحمن الرحيم عند ذلك.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ، أي اخشوا الله ولا تقربوهن في حال الحيض ولا في أدبارهن.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ، أي تصيرون إليه يوم القيامة، فيجزيكم بأعمالكم.

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الذين يحافظون على حدود الله ويصدقون بوعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، ولَعَلَّهُمْ:

ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حسب التذكّر، فنجا.

قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ «١» ، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية «٢» .

وقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ يريدُ: جماعَهُنَّ بما فسّر من ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها.

قال أحمد بن نصر الداوديّ: روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» «٣» انتهى.

قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة «٤» وغيره «يَطَّهَّرْنَ» بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه» «٥» : سمعْتُ أبا بكر

الشَّاشِيَّ «١» يقولُ: إِذا قيل: لا تَقْرَبْ بفتح الراء، كان معناه: لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه.

انتهى.

وجمهورُ العلماء على أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ «٢» ، وجمهُورهم على أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ كطهر الجُنُب، ولا يجزىء من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره.

وقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ ...

الآية: الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ: تَطَهَّرْنَ، أي: اغتسلن بالماء «٣» بقرينةِ الأمر بالإِتيان لأنَّ صيغة الأمر من الله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ﴾ رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَتِ اليَهُودُ إذا حاضَتِ المَرْأةُ مِنهُنَّ لَمْ يُؤاكِلُوها، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ  ، عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ  ، أنْ يُؤاكِلُوهُنَّ ويُشارِبُوهُنَّ ويَكُونُوا مَعَهُنَّ في البُيُوتِ، وأنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ ما عَدا النِّكاحَ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ رَجُلٌ يُقالُ: لَهُ ابْنُ الدَّحْداحَةِ، مِنَ الأنْصارِ، إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِالنِّساءِ إذا حَضَنَّ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وفي المَحِيضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيْضِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَدْ حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحاضًا ومَحِيضًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَحِيضُ: الحَيْضُ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الحَيْضِ، كالمَقِيلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعُ القَيْلُولَةِ، والمَبِيتُ مَوْضِعُ البَيْتُوتَةِ.

وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ هَذا ظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ.

فَأمّا أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ؛ فَأكَّدُوهُ بِأنَّ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهُ وصَفَهُ بِالأذى، وذَلِكَ صِفَةٌ لِتَفْسِيرِ الحَيْضِ، لا لِمَكانِهِ.

وأمّا أرْبابُ القَوْلِ الثّانِي، فَقالُوا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المَحِيضُ صِفَةً لِلْمَوْضِعِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما قارَبَهُ وجاوَرَهُ، كالعَقِيقَةِ، فَإنَّها اسْمٌ لِشَعْرِ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ بِها الشّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ مَجازًا.

والرِّوايَةُ: اسْمٌ لِلْجَمَلِ، وسُمِّيَتِ المَزادَةُ راوِيَةً مَجازًا.

والأذى يَحْصُلُ لِلْواطِئِ بِالنَّجاسَةِ، ونَتْنِ الرِّيحِ.

وقِيلَ: يُورِثُ جِماعُ الحائِضِ عِلَّةً بِالغَةً في الألَمِ.

﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ﴾ المُرادُ بِهِ اعْتِزالُ الوَطْءِ في الفَرَجِ، لِأنَّ المَحِيضَ نَفْسُ الدَّمِ أوْ نَفْسُ الفَرَجِ ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ أيْ: لا تَقْرَبُوا جِماعَهُنَّ، وهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (حَتّى يَطْهُرْنَ) خَفِيفَةً.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ (يَطَّهَّرْنَ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والهاءِ وفَتْحِهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَطْهُرْنَ: يَنْقَطِعُ عَنْهُنَّ الدَّمُ، يُقالُ: طَهَرَتِ المَرْأةُ وطَهُرَتْ: إذا رَأتِ الطَّهْرَ، وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ بِالماءِ.

ومَن قَرَأ "يَطَّهَّرْنَ" بِالتَّشْدِيدِ أرادَ: يَغْتَسِلْنَ بِالماءِ.

والأصْلُ يَتَطَهَّرْنَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: حَتّى يَطْهُرْنَ مِنَ الدَّمِ، فَإذا تَطَهَّرْنَ اغْتَسَلْنَ بِالماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ إباحَةً مِن حَظَرٍ، لا عَلى الوُجُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مِن قَبْلِ الطُّهْرِ، لا مِن قَبْلِ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ لا تَقْرَبُوهُنَّ فِيهِ، وهو مَحَلُّ الحَيْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: إنَّما قالَ: ﴿ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ والمَعْنى: نَهاكم، لِأنَّ النَّهْيَ أمْرٌ بِتَرْكِ المَنهِيِّ عَنْهُ و"مَن" بِمَعْنى: "فِي": كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ  ﴾ .

والثّالِثُ: فَأْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ التَّزْوِيجِ الحَلالِ، لا مِن قَبْلِ الفُجُورِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوهُنَّ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ أنْ تُقْرَبَ فِيها المَرْأةُ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَنْبَغِي مِثْلَ أنْ كُنَّ صائِماتٍ أوْ مُعْتَكِفاتٍ أوْ مُحْرِماتٍ.

وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وابْنُ كَيْسانَ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: التَّوّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: التَّوّابِينَ مِن إتْيانِ الحَيْضِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: المُتَطَهِّرِينَ مِن إتْيانِ أدْبارِ النِّساءِ.

رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.

* فَصْلٌ أقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ.

والثّانِيَةُ: يَوْمٌ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أقَلُّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ.

وقالَ مالِكٌ وداوُدُ: لَيْسَ لِأقَلِّهِ حَدٌّ.

وفي أكْثَرِهِ رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ.

إحْداهُما: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.

والثّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْثَرُهُ عَشَرَةُ أيّامٍ.

والحَيْضُ مانِعٌ مِن عَشْرَةِ أشْياءَ: فِعْلُ الصَّلاةِ، ووُجُوبُها، وفِعْلُ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ، والجُلُوسُ في المَسْجِدِ، والِاعْتِكافُ، والطَّوافُ، وقِراءَةُ القُرْآَنِ، وحَمْلُ المُصْحَفِ، والِاسْتِمْتاعُ في الفَرْجِ، وحُصُولُ نِيَّةِ الطَّلاقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ إنَّ اللهُ يُحِبُّ التَوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ الناسِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، عَنِ السُدِّيِّ أنَّ السائِلَ ثابِتُ بْنُ الدَحْداحِ.

وقالَ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ: إنَّما سَألُوا لِأنَّ العَرَبَ في المَدِينَةِ وما والاها، كانُوا قَدِ اسْتَنُّوا بِسُنَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في تَجَنُّبِ مُؤاكَلَةِ الحائِضِ ومُساكَنَتِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَجَنَّبُونَ النِساءَ في الحَيْضِ ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

و"المَحِيضُ": مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، ومِثْلُهُ: المَقِيلُ، مِن قالَ يَقِيلُ.

قالَ الراعِي: بَنَيْتُ مَرافِقِهِنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مَقِيلًا وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَحِيضُ": اسْمُ الحَيْضِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ في العَيْشِ: إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ∗∗∗ ومَرَّ أعْوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي و"أذًى" لَفْظٌ جامِعٌ لِأشْياءَ تُؤْذِي: لِأنَّهُ دَمٌ وقَذَرٌ ومُنْتِنٌ، ومِن سَبِيلِ البَوْلِ: وهَذِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ لِلَّفْظَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْتَزِلُوا" يُرِيدُ: جِماعُهُنَّ بِما فَسَّرَ مِن ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  مِن أنْ يَشُدَّ الرَجُلُ إزارَ الحائِضِ ثُمَّ شَأْنُهُ بِأعْلاها، وهَذا أصَحُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الأمْرِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وجَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي يَجِبُ اعْتِزالُهُ مِنَ الحائِضِ الفَرْجُ وحْدَهُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عن عائِشَةَ، والشَعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْتَزِلَ الرَجُلُ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ.

وقَدْ وقَفَتْ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ عَلَيْهِ خالَتُهُ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقالَتْ لَهُ: أرَغِبَةٌ عن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ: "يُطْهِرْنَ" بِسُكُونِ الطاءِ وضَمَّ الهاءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ عنهُ: "يَطَّهَّرْنَ" بِتَشْدِيدِ الطاءِ والهاءِ وفَتْحِها.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وعَبْدِ اللهِ: "حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

وفي مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: "وَلا تَقْرَبُوا النِساءَ في مَحِيضِهِنَّ واعْتَزِلُوهُنَّ حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ تَشْدِيدِ الطاءِ وقالَ: هي بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ، لِإجْماعِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ حَرامًا عَلى الرَجُلِ أنْ يَقْرَبَ امْرَأتَهُ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَمِ حَتّى تَطْهُرَ.

قالَ: وإنَّما الِاخْتِلافُ في الطُهْرِ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَوْمٌ: هو الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وُضُوءٌ كَوُضُوءِ الصَلاةِ، وقالَ قَوْمٌ: هو غَسْلُ الفَرْجِ، وذَلِكَ يَحِلُّها لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ.

ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قِراءَةَ تَخْفِيفِ الطاءِ إذْ هو ثُلاثِيٌّ مُضادٌّ لِطَمَثَتْ وهو ثُلاثِيٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وأنْ يُرادَ بِها انْقِطاعُ الدَمِ وزَوالُ أذاهُ.

وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ مِن أنَّ قِراءَةَ شَدِّ الطاءِ مُضَمِّنُها الِاغْتِسالُ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ مُضَمِّنُها انْقِطاعُ الدَمِ، أمْرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وكَذَلِكَ ادِّعاؤُهُ الإجْماعَ.

أمّا إنَّهُ لا خِلافَ في كَراهِيَةِ الوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ.

وقالَ والأوزاعِيُّ: مَن فَعَلَهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ دِينارٍ، ومَن وطِئَ في الدَمِ تَصَدَّقَ بِدِينارٍ.

وأسْنَدَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَبِيِّ  في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ قالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينارٍ أو بِنِصْفِ دِينارٍ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِينارُ في الدَمِ، والنِصْفُ عِنْدِ انْقِطاعِهِ.

ووَرَدَتْ في الشِدَّةِ في هَذا الفِعْلِ آثارٌ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ يُتابُ مِنهُ، ولا كَفّارَةَ فِيهِ بِمالٍ.

وذَهَبَ مالِكٌ -يَرْحَمُهُ اللهُ- وجُمْهُورُ العُلَماءِ، إلى أنَّ الطُهْرَ الَّذِي يَحِلُّ جِماعَ الحائِضِ الَّتِي يَذْهَبُ عنها الدَمُ، هو تَطَهُّرُها بِالماءِ كَطَهُورِ الجُنُبِ، ولا يَجْزِي مِن ذَلِكَ تَيَمُّمٌ ولا غَيْرُهُ.

وقالَ يَحْيى بْنُ بِكِيرٍ، وابْنُ القُرَظِيِّ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ؛ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُوسٌ: انْقِطاعُ الدَمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ بِأنْ تَتَوَضَّأ.

وَ"حَتّى" غايَةٌ لا غَيْرَ، "وَتَقْرَبُوهُنَّ" يُرِيدُ بِجِماعٍ، وهَذا مِن سَدِّ الذَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ ﴾ الآيَةُ.

القِراءَةُ "تَطَهَّرْنَ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وهاءٍ مُشَدَّدَةٍ، والخِلافُ في مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ التَطْهِيرِ بِالماءِ أوِ انْقِطاعِ الدَمِ.

ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ هُنا: إنَّهُ أُرِيدَ الغَسْلَ بِالماءِ، ولا بُدَّ، بِقَرِينَةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ.

وإنْ كانَ قُرْبُهُنَّ قَبْلَ الغُسْلِ مُباحًا، لَكِنْ لا تَقَعُ صِيغَةً الأمْرِ مِنَ اللهِ تَعالى إلّا عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

"فَأْتُوهُنَّ" إباحَةٌ، والمَعْنى: "مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ" بِاعْتِزالِهِنَّ وهو الفَرْجُ، أو مِنَ السُرَّةِ إلى الرُكْبَتَيْنِ، أو جَمِيعِ الجَسَدِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.

هَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: المَعْنى مِن قَبْلِ الطُهْرِ لا مِن قَبْلِ الحَيْضِ، وقالَهُ الضَحّاكُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: المَعْنى مِن قَبْلِ الحَلالِ لا مِن قَبْلِ الزِنى، وقِيلَ: المَعْنى مِن قَبْلِ حالِ الإباحَةِ لا صائِماتٍ ولا مُحْرِماتٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

والتَوّابُونَ: الراجِعُونَ، وعَرَفَهُ: مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ.

والمُتَطَهِّرُونَ: قالَ عَطاءٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى بِالماءِ وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: مِنَ الذُنُوبِ.

وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن إتْيانِ النِساءِ في أدْبارِهِنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ نَظَرَ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن قَوْمِ لُوطٍ: ﴿ أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ  ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المُطَّهِّرِينَ" بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والرَبِيعُ: سَبَبُها أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ الرَجُلَ إذا أتى المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلٌ وعابَتْ عَلى العَرَبِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ، وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وغَيْرُها: سَبَبُها أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَأْتُونَ النِساءَ في الفَرْجِ عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ وتَزَوَّجُوا أنْصارِيّاتٍ أرادُوا ذَلِكَ فَلَمْ تُرِدْهُ نِساءُ المَدِينَةِ، إذْ لَمْ تَكُنْ عادَةُ رِجالِهِمْ إلّا الإتْيانَ عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، وهي الِانْبِطاحُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  ، وانْتَشَرَ كَلامُ الناسِ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً الهَيْئاتِ كُلِّها، إذا كانَ الوَطْءُ في مَوْضِعِ الحَرْثِ.

و"حَرْثٌ" تَشْبِيهٌ لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الذُرِّيَّةِ، فَلَفْظَةُ "الحَرْثِ" تُعْطِي أنَّ الإباحَةَ لَمْ تَقَعْ إلّا في الفَرْجِ خاصَّةً إذْ هو المُزْدَرَعُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ -مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ وأئِمَّةٍ- أيُّ وجْهٍ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً ومُدَبِّرَةً وعَلى جُنُبٍ.

و"أنّى" إنَّما تَجِيءُ سُؤالًا أو إخْبارًا عن أمْرِ لَهُ جِهاتٌ، فَهي أعَمُّ في اللُغَةِ مِن "كَيْفَ" ومِن "أيْنَ" ومِن "مَتى"، هَذا هو الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ.

وقَدْ فَسَّرَ الناسُ "أنّى" في هَذِهِ الآيَةِ، بِهَذِهِ الألْفاظِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ بِـ (كَيْفَ ومِن أيْنَ) بِاجْتِماعِهِما.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ فَسَّرَها بِـ "أيْنَ" إلى أنَّ الوَطْءَ في الدُبُرِ جائِزٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ورُوِيَ عنهُ خِلافُهُ وتَكْفِيرٌ مِن فِعْلِهِ، وهَذا هو اللائِقُ بِهِ.

ورُوِيَتِ الإباحَةُ أيْضًا عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، ورَواها مالِكٌ عن يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، عن سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عن مالِكٍ شَيْءٌ في نَحْوِهِ، وهو الَّذِي وقَعَ في العُتْبِيَّةِ، وقَدْ كَذَبَ ذَلِكَ عَلى مالِكٍ.

ورَوى بَعْضُهم أنَّ رَجُلًا فِعْلِ ذَلِكَ في عَهْدِ النَبِيِّ  فَتَكَلَّمَ الناسُ فِيهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ورَدَ عن رَسُولِ اللهِ  في مُصَنَّفِ النِسائِيِّ، وفي غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «إتْيانُ النِساءِ فِي أدْبارِهِنَّ حَرامٌ»، ووَرَدَ عنهُ فِيهِ أنَّهُ قالَ: «مَلْعُونٌ مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها».

ووَرَدَ عنهُ أنَّهُ قالَ: «مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ  »، وهَذا هو الحَقُّ المُتَّبَعُ، ولا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُعَرِّجَ في هَذِهِ النازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالَمٍ بَعْدَ أنْ تَصِحَّ عنهُ، واللهُ المُرْشِدُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ أيِ الأجْرَ في تَجَنُّبِ ما نُهِيتُمْ عنهُ، وامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى ذِكْرِ اللهِ عَلى الجِماعِ، كَما قالَ النَبِيُّ  : «لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى امْرَأتَهُ قالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنا الشَيْطانَ، وجَنِّبِ الشَيْطانَ ما رَزَقَتْنا، فَقُضِيَ بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرْهُ».

وقِيلَ: مَعْنى ( قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ) طَلَبَ الوَلَدِ، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ : تَحْذِيرٌ، ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَحْذِيرِ، أيْ فَهو مُجازِيكم عَلى البِرِّ والإثْمِ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَأْنِيسٌ لِفاعِلِي البِرِّ ومُتَّبِعِي سُنَنِ الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً ﴾ الآيَةُ "عُرْضَةً" فُعْلَةً بِناءٍ لِلْمَفْعُولِ، أيْ كَثِيرًا ما يَتَعَرَّضُ بِما ذَكَرَ، تَقُولُ: جَمَلٌ عُرْضَةٌ لِلرُّكُوبِ، وفَرَسٌ عُرْضَةٌ لِلْجَرْيِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ عَرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومَقْصِدُ الآيَةِ: ولا تُعَرِّضُوا اسْمَ اللهِ تَعالى لِلْأيْمانِ بِهِ، ولا تُكْثِرُوا مِنَ الأيْمانِ، فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ، وفِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ لِحَقِّ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ: المَعْنى: فِيما تُرِيدُونَ الشِدَّةَ فِيهِ، مَن تَرَكَ صِلَةَ الرَحِمِ والبَرَّ والإصْلاحَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: لِأنَّ لا تَبِرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا.

وقَدَّرَهُ المَهْدَوِيُّ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللهِ كاذِبِينَ إذا أرَدْتُمُ البِرَّ والتَقْوى والإصْلاحَ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "لا" بَعْدَ "أنَّ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَأْوِيلُ في الَّذِي يُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَ الناسِ، فَيَحْلِفُ حانِثًا لِيُكْمِلَ غَرَضَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى ما رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللهِ، نَهْيًا أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا"؟

فالمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ البِرَّ.

وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: أنْ يَكُونَ الرَجُلُ إذا طُلِبَ مِنهُ فِعْلُ خَيْرٍ ونَحْوُهُ اعْتَلَ بِاللهِ تَعالى فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ وهو لَمْ يَحْلِفْ.

و"أنْ تَبَرُّوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والبِرُّ جَمِيعُ وُجُوهِ الخَيْرِ.

بِرُّ الرَجُلِ إذا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُها ونَسَبُها، كالحاجِّ والمُجاهِدِ والعالِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مُضادٌّ لِلْإثْمِ إذْ هو الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعاصِي و"سَمِيعٌ" أيْ لِأقْوالِ العِبادِ، "عَلِيمٌ" بِنِيّاتِهِمْ، وهو مُجازٍ عَلى الجَمِيعِ.

وأمّا سَبَبُ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ إذْ حَلَفَ أنْ يَقْطَعَ إنْفاقَهُ عن مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ حِينَ تَكَلَّمَ مِسْطَحٌ في حَدِيثِ الإفْكِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَحْمَنِ في حَدِيثِ الضِيافَةِ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يَأْكُلَ الطَعامَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَهُ.

واليَمِينُ: الحِلْفُ، وأصْلُهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا تَحالَفَتْ أو تَعاهَدَتْ أخَذَ الرَجُلُ يَمِينَ صاحِبِهِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سُمِّيَ الحَلِفُ والعَهْدُ نَفْسُهُ يَمِينًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ [البقرة: 221]، بمناسبة أن تحريم نكاح المشركات يؤذن بالتنزه عن أحوال المشركين وكان المشركون لا يقربون نساءهم إذا كُنَّ حُيَّضاً وكانوا يفرطون في الابتعاد منهن مدة الحيض فناسب تحديد ما يكثر وقوعه وهو من الأحوال التي يخالف فيها المشركون غيرهم، ويتساءل المسلمون عن أحق المناهج في شأنها.

روي أن السائل عن هذا هو أبو الدحداح ثابت بن الدحداح الأنصاري، وروي أن السائل أُسيد بن حُضير، وروي أنه عباد بن بشر، فالسؤال حصل في مدة نزول هذه السورة فذكر فيها مع ما سيذكر من الأحكام.

والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في كثير من الأشياء، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم التوراة ففي الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين «إذا كانت امرأة لها سيل دماً في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء وكل ما تضطجع عليه يكون نجساً وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام».

وذكر القرطبي أن النصارى لا يمتنعون من ذلك ولا أحسب ذلك صحيحاً فليس في الإنجيل ما يدل عليه، وإن من قبائل العرب من كانت الحائض عندهم مبغوضة فقد كان بنو سليح أهل بلد الحضْر، وهم من قضاعة نصارى إن حاضت المرأة أخرجوها من المدينة إلى الربض حتى تطهر وفعلوا ذلك بنصرة ابنة الضيزن ملك الحضْر، فكانت الحال مظنة حيرة المسلمين في هذا الأمر تبعث على السؤال عنه.

والمحيض وهو اسم للدم الذي يسيل من رحم المرأة في أوقات منتظمة والمحيض اسم على زنة مفعل منقول من أسماء المصادر شاذاً عن قياسها لأن قياس المصدر في مثله فتح العين قال الزجاج «يقال حاضت حيضاً ومحاضاً ومحيضاً والمصدر في هذا الباب بابه المفعَل (بفتح العين) لكن المفعِل (بكسر العين) جيد» ووجه جودته مشابهته مضارعه لأن المضارع بكسر العين وهو مثل المجيء والمبيت، وعندي أنه لمَّا صار المحيض اسماً للدم السائل من المرأة عُدل به عن قياس أصله من المصدر إلى زنة اسم المكان وجيء به على زنة المكان للدلالة على أنه صار اسماً فخالفوا فيه أوزان الأحداث إشعاراً بالنقل فرقاً بين المنقول منه والمنقول إليه، ويُقال حيض وهو أصل المصدر: يقال حاضت المرأة إذا سال منها؛ كما يقال حاض السيل إذا فاض ماؤه ومنه سمي الحوض حوضاً لأنه يسيل، أبدلوا ياءه واواً وليس منقولاً من اسم المكان؛ إذ لا مناسبة للنقل منه، وإنما تكلفه من زعمه مدفوعاً بالمحافظة على قياس اسم المكان معرضاً عما في تصييره اسماً من التوسع في مخالطة قاعدة الاشتقاق.

والمراد من السؤال عن المحيض السؤال عن قربان النساء في المحيض بدلالة الاقتضاء، وقد علم السائلون ما سألوا عنه والجواب أدل شيء عليه.

والأذى: الضر الذي ليس بفاحش؛ كما دل عليه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ لن يضرونكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111]، ابتدأ جوابهم عما يصنع الرجل بامرأته الحائض فبين لهم أن الحيض أذى ليكون ما يأتي من النهي عن قربان المرأة الحائض نهياً معلَّلاً فتتلقاه النفوس على بصيرة وتتهيأُ به الأمة للتشريع في أمثاله، وعبر عنه بأذى إشارة إلى إبطال ما كان من التغليط في شأنه وشأن المرأة الحائض في شريعة التوراة، وقد أثبت أنه أذى منكَّر ولم يبين جهته فتعين أن الأذى في مخالطة الرجل للحائض وهو أذى للرجل وللمرأة وللولد، فأما أذى الرجل فأوله القذارة وأيضاً فإن هذا الدم سائل من عضو التناسل للمرأة وهو يشتمل على بييضات دقيقة يكون منها تخلق الأجنة بعد انتهاء الحيض وبعد أن تختلط تلك البييضات بماء الرجل فإذا انغمس في الدم عضو التناسل في الرجل يتسرب إلى قضيبه شيء من ذلك الدم بما فيه فربما احتبس منه جزء في قناة الذكر فاستحال إلى عفونة تحدث أمراضاً معضلة فتحدث بثوراً وقروحاً لأنه دم قد فسد ويرد أي فيه أجزاء حية تفسد في القضيب فساداً مثل موت الحي فتؤول إلى تعفن.

وأما أذى المرأة فلأن عضو التناسل منها حينئذ بصدد التهيؤ إل إيجاد القوة التناسلية فإذا أزعج كان إزعاجاً في وقت اشتغاله بعمل فدخل عليه بذلك مرض وضعف، وأما الولد فإن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض أخذت البييضات في التخلق قبل إبان صلاحيتها للتخلق النافع الذي وقته بعد الجفاف، وهذا قد عرفه العرب بالتجربة قال أبو كبير الهذلي: ومُبَرِّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حيضَةٍ *** وفساد مُرضعة ودَاءٍ مُعْضِلِ (غبر الحيضة جمع غُبرة ويجمع على غبر وهي آخر الشيء، يريد لم تحمل به أمه في آخر مدة الحيض).

والأطباء يقولون إن الجنين المتكون في وقت الحيض قد يجئ مجذوماً أو يصاب بالجذام من بعد.

وقوله: ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ تفريع الحكم على العلة، والاعتزال التباعد بمعزل وهو هنا كناية عن ترك مجامعتهن، والمجرور بفي: وقت محذوف والتقدير: في زمن المحيض وقد كثرت إنابة المصدر عن ظرف الزمان كما يقولون آتيك طلوع النجم ومَقْدَم الحاج.

والنساء اسم جمع للمرأة لا واحد له من لفظه، والمراد به هنا الأزواج كما يقتضيه لفظ ﴿ اعتزلوا ﴾ المخاطب به الرجال، وإنما يعتزل من كان يخالط.

وإطلاق النساء على الأزواج شائع بالإضافة كثيراً نحو: ﴿ يا نساء النبي ﴾ [الأحزاب: 30]، وبدون إضافة مع القرينة كما هنا، فالمراد اعتزلوا نساءكم أي اعتزلوا ما هو أخص الأحوال بهن وهو المجامعة.

وقوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ جاء النهي عن قربانهن تأكيداً للأمر باعتزالهن وتبييناً للمراد من الاعتزال وإنه ليس التباعد عن الأزواج بالأبدان كما كان عند اليهود بل هو عدم القِربان، فكان مقتضى الظاهر أن تكون جملة ﴿ ولا تقربوهن ﴾ مفصولة بدون عطف، لأنها مؤكدة لمضمون جملة ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ ومبينة للاعتزال وكلا الأمرين يقتضي الفصل، ولكن خولف مقتضى الظاهر اهتماماً بهذا الحكم ليكون النهي عن القربان مقصوداً بالذات معطوفاً على التشريعات.

ويكنى عن الجماع بالقربان بكسر القاف مصدر قرِب بكسر الراء ولذلك جيء فيه بالمضارع المفتوح العين الذي هو مضارع قرب كسمِع متعدياً إلى المفعول؛ فإن الجماع لم يجئ إلا فيه دون قرب بالضم القاصر يقال قرُب منه بمعنى دنا وقربه كذلك واستعماله في المجامعة، لأن فيها قرباً ولكنهم غلبوا قرب المكسور العين فيها دون قرب المضموم تفرقة في الاستعمال، كما قالوا بَعُدَ إذا تجافى مكانه وبَعِدَ كمعنى البُعد المعنوي ولذلك يدعو بلا يَبْعَدْ.

وقوله: ﴿ حتى يطهرن ﴾ غاية لاعتزلوا و ﴿ لا تقربوهن ﴾ ، والطهر بضم الطاء مصدر معناه النقاء من الوسخ والقذر وفعله طهر بضم الهاء، وحقيقة الطهر نقاء الذات، وأطلق في اصطلاح الشرع على النقاء المعنوي وهو طهر الحدث الذي يقدَّر حصوله للمسلم بسبب، ويُقال تطهر إذا اكتسب الطهارة بفعله حقيقة نحو ﴿ يحبون أن يتطهروا ﴾ [التوبة: 108] أو مجازاً نحو ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ [الأعراف: 82]، ويقال اطَّهر بتشديد الطاء وتشديد الهاء وهي صيغة تَطَهَّر وقع فيها إدغام التاء في الطاء قال تعالى: ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ [المائدة: 6] وصيغة التفعل في هذه المادة لمجرد المبالغة في حصول معنى الفعل ولذلك كان إطلاق بعضها في موضع بعض استعمالاً فصيحاً.

قرأ الجمهور ﴿ حتى يطهرن ﴾ بصيغة الفعل المجرَّد، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ﴿ يطَّهَّرْن ﴾ بتشديد الطاء والهاء مفتوحتين.

ولما ذُكر أن المحيض أذى عَلِم السامع أن الطهر هنا هو النقاء من ذلك الأذى فإن وصف حائض يقابل بطاهر وقد سميت الأقراء أطهاراً، وقد يراد بالتطهر الغسل بالماء كقوله تعالى: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ [التوبة: 108] فإن تفسيره الاستنجاء في الخلاء بالماء فإن كان الأول أفاد منع القربان إلى حصول النقاء من دم الحيض بالجفوف وكان قوله تعالى ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بعد ذلك شرطاً ثانياً دالا على لزوم تطهر آخر وهو غسل ذلك الأذى بالماء، لأن صيغة ﴿ تطهر ﴾ تدل على طهارة مُعْمَلة، وإن كان الثاني كان قوله فإذا تطهرن تصريحاً بمفهوم الغاية ليبنى عليه قوله ﴿ فأتوهن ﴾ ، وعلى الاحتمال الثاني جاء قراءة ﴿ حتى يطَّهَّرْن ﴾ بتشديد الطاء والهاء فيكون المراد الطهر المكتسب وهو الطهر بالغسل ويتعين على هذه القراءة أن يكون مراداً منه مع معناه لازمُه أيضاً وهو النقاء من الدم ليقع الغسل موقعه بدليل قوله قبله ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ وبذلك كان مآل القراءتين واحداً، وقد رجح المبرد قراءة حتى يطهرن بالتشديد قال لأن الوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد يراد بهما جميعاً الغسل وهذا عجيب صدوره منه فإن اختلاف المعنيين إذا لم يحصل منه تضاد أولى لتكون الكلمة الثانية مفيدة شيئاً جديداً.

ورجح الطبري قراءة التشديد قائلاً: «لإجماع الأمة على أنه حرام على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر» وهو مردود بأن لا حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع ولا إلى ترجيح القراءة به، لأن اللفظ كاف في إفادة المنع من قربان الرجل امرأته حتى تطهر بدليل مفهوم الشرط في قوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ .

وقد دلت الآية على أن غاية اعتزال النساء في المحيض هي حصول الطهر فإن حملنا الطهر على معناه اللغوي فهو النقاء من الدم ويتعين أن يحمل التطهر في قوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ على المعنى الشرعي، فيحصل من الغاية والشرط اشتراط النقاء والغسل وإلى هذا المعنى ذهب علماء المالكية ونظَّروه بقوله تعالى: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ [النساء: 6] وإن حمل الطهر في الموضعين على المعنى الشرعي لا سيما على قراءة (حتى يطَّهَّرْن) حصل من مفهوم الغاية ومن الشرط المؤكِّد له اشتراط الغسل بالماء وهو يستلزم اشتراط النقاء عادة، إذ لا فائدة في الغسل قبل ذلك.

وأما اشتراط طهارة الحدث فاختلف فقهاء الإسلام في مجمل الطهر الشرعي هنا فقال قوم هو غسل محل الأذى بالماء فذلك يحل قربانها وهذا الذي تدل عليه الآية، لأن الطهر الشرعي يطلق على إزالة النجاسة وعلى رفع الحدث، والحائض اتصفت بالأمرين، والذي يمنع زوجها من قربانها هو الأذى ولا علاقة للقربان بالحدث فوجب أن يكون المراد غسل ذلك الأذى، وإن كان الطهران متلازمين بالنسبة للمرأة المسلمة فهما غير متلازمين بالنسبة للكتابية.

وقال الجمهور منهم مالك والشافعي هو غسل الجنابة وكأنهم أخذوا بأكمل أفراد هذا الاسم احتياطاً، أو رجعوا فيه إلى عمل المسلمات والمظنون بالمسلمات يومئذ أنهن كن لا يتريثن في الغسل الذي يبيح لهن الصلاة فلا دليل في فعلهن على عدم إجزاء ما دُونه، وذهب مجاهد وطاووس وعكرمة إلى أن الطهر هو وضوء كوضوء الصلاة أي مع الاستنجاء بالماء وهذا شاذ.

وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى التفصيل فقالوا: إن انقطع الدم لأقصى أمد الحيض وهو عشرة أيام عندهم جاز قربانها قبل الاغتسال أي مع غسل المحل خاصة، وإن انقطع الدم لعادة المرأة دون أقصى الحيض لم يصح أن يقربها زوجها إلا إذا اغتسلت أو مضَى عليها وقتُ صلاة، وإن انقطع لأَقَلَّ من عادتها لم يحل قربانها ولكنها تغتسل وتصلي احتياطاً ولا يقربها زوجها حتى تكمل مدة عادتها، وعللوا ذلك بأن انقطاعه لأكثر أمده انقطاع تام لا يخشى بعده رجوعه بخلاف انقطاعه لأقل من ذلك فلزم أن يتقصى أثره بالماء أو بمضي وقت صلاة، ثم أرادوا أن يجعلوا من هذه الآية دليلاً لهذا التفصيل فقال عبد الحكيم السلكوتي (حتى يطهرن) قرئ بالتخفيف والتشديد فتنزل القراءتان منزلة آيتين، ولما كانت إحداهما معارضة الأخرى من حيث اقتضاء قراءة التخفيف الطهر بمعنى النقاء واقتضاء الأخرى كونه بمعنى الغسل جمع بين القراءتين بإعمال كل في حالة مخصوصة اه، وهذا مدرك ضعيف، إذ لم يعهد عدَ القراءتين بمنزلة آيتين حتى يثبت التعارض، سلمنا لكنهما وردتا في وقت واحد فيحمل مطلقهما على مقيدهما بأن نحمل الطهر بمعنى النقاء على أنه مشروط بالغسل، سلمنا العدول عن هذا التقييد فما هو الدليل الذي خص كل قراءة بحالة من هاتين دون الأخرى أو دون حالات أخَر، فما هذا إلا صنع باليد، فإن قلت لِمَ بنَوا دليلهم على تنزيل القراءتين منزلة الآيتين ولم يبنوه مثلنا على وجود (يطهُرن) و(يطَّهَّرْن) في موضعين من هذه الآية، قلت كَأَنَّ سببه أن الواقعين في الآية هما جزءا آية فلا يمكن اعتبار التعارض بين جزئي آية بل يحملان على أن أحدهما مفسر للآخر أو مقيد له.

وقوله: ﴿ فأتوهن ﴾ الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ [المائدة: 2] عبر بالإتيان هنا وهو شهير في التكني به عن الوطء لبيان أن المراد بالقِربان المنهي عنه هو الذي المعنى الكنائي فقد عبر بالاعتزال ثم قُفِّيَ بالقربان ثم قفي بالإتيان ومع كل تعبير فائدة جديدة وحكم جديد وهذا من إبداع الإيجاز في الإطناب.

وقوله: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ حيث اسم مكان مبهم مبنيٌ على الضم ملازمٌ الإضافة إلى جملة تحدده لِزوال إبهامها، وقد أشكل المراد من هذا الظرف على الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولاً إلى فطنهم ومعتاد تعبيرهم.

فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي (من) بمعنى في ونظره بقوله تعالى: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ [الأحقاف: 4] وقوله: ﴿ وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ [الجمعة: 9]، وعن ابن عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسُّدي وقتادة أن المعنى: من الصفة التي أمركم الله وهي الطهر، فحيث مجاز في الحال أو السبب و(من) لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل.

والذي أراه أن قوله: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ قد علم السامعون منه أنه أمر من الله كان قد حصل فيما قبل، وأما (حيث) فظرف مكان وقد تستعمل مجازاً في التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية ب (حتى) في قوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر هو الإذن، و(من) للابتداء المجازي، و(حيث) مستعملة في التعليل مجازاً تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهر.

أو المراد بأمر الله أمره الذي به أباح التمتع بالنساء وهو عقد النكاح، فحرف (من) للتعليل والسببية، و(حيث) مستعار للمكان المجازي وهو حالة الإباحة التي قبل النهي كأنهم كانوا محجوزين عن استعمال الإباحة أو حجر عليهم الانتفاع بها ثم أذن لهم باستعمالها فشبهت حالتهم بحالة من حبس عند مكان ثم أطلق سراحه فهو يأتي منه إلى حيث يريد.

وعلى هذين المعنيين لا يكون في الآية ما يؤذن بقصد تحديد الإتيان بأن يكون في مكان النسل، ويعضد هذين المعنيين تذييل الكلام بجملة: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ وهو ارتفاق بالمخاطبين بأن ذلك المنع كان لمنفعتهم ليكونوا متطهرين، وأما ذكر التوابين فهو ادماج للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما أمرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض أي إن التوبة أعظم شأناً من التطهر أي إن نية الامتثال أعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم، لأن التوبة تطهر روحاني والتطهر جثماني.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ على حقيقة (مِن) في الابتداء وحقيقة (حيث) للمكان والمراد المكان الذي كان به أذى الحيض.

وقد قيل: إن جملة ﴿ أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فإذا تطهرن ﴾ وجملة ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ [البقرة: 223] <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى ﴾ قالَ السُّدِّيِّ: السّائِلُ كانَ ثابِتَ بْنَ الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ، وكانَتِ العَرَبُ ومَن في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ يَجْتَنِبُونَ مُساكَنَةَ الحُيَّضِ ومُؤاكَلَتَهُنَّ ومُشارَبَتَهُنَّ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْتَزِلُونَ الحُيَّضَ في الفَرْجِ، ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ مُدَّةَ حَيْضِهِنَّ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والأذى هو ما يُؤْذِي مِن نَتْنِ رِيحِهِ ووِزْرِهِ ونَجاسَتِهِ.

﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالِاعْتِزالِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتَزَلَ جَمِيعَ بَدَنِها أنْ يُباشِرَهُ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ.

والثّانِي: ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وهَذا قَوْلُ شُرَيْحٍ.

والثّالِثُ: الفَرْجُ وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ ومَيْمُونَةَ وحَفْصَةَ وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: التَّخْفِيفُ وضَمُّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.

والثّانِيَةُ: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الهاءِ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، ومَعْناها حَتّى تَغْتَسِلَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ ﴾ يَعْنِي بِالماءِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إذا اغْتَسَلْنَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ.

والثّانِي: الوُضُوءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُسٍ.

والثّالِثُ: غَسْلُ الفَرْجِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القُبُلُ الَّذِي نَهى عَنْهُ في حالِ الحَيْضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَأْتُوهُنَّ مِن قِبَلِ طُهْرِهِنَّ، لا مِن قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: فَأْتُوا النِّساءَ مِن قِبَلِ النِّكاحِ لا مِن قِبَلِ الفُجُورِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ.

والرّابِعُ: مِن حَيْثُ أُحِلَّ لَكم، فَلا تَقْرَبُوهُنَّ مُحْرِماتٍ، ولا صائِماتٍ ولا مُعْتَكِفاتٍ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِن أدْبارِ النِّساءِ أنْ يَأْتُوها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ لا يَعُودُوا فِيها بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ أيْ مُزْدَرَعُ أوْلادِكم ومُحْتَرَثُ نَسْلِكم، وفي الحَرْثِ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ فانْكِحُوا مُزْدَرَعَ أوْلادِكم.

﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كَيْفَ شِئْتُمْ في الأحْوالِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ أُناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، جَلَسُوا يَوْمًا ويَهُودِيٌّ قَرِيبٌ مِنهم، فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: إنِّي لَآتِي امْرَأتِي وهي مُضْطَجِعَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي قائِمَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي عَلى جَنْبِها، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي بارِكَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: ما أنْتُمْ إلّا أمْثالُ البَهائِمِ ولَكِنّا إنَّما نَأْتِيها عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: يَعْنِي مِن أيِّ وجْهٍ أحْبَبْتُمْ في قُبُلِها، أوْ مِن دُبُرِها في قُبُلِها.

رَوى جابِرٌ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ يَأْتُونَ النِّساءَ مِن أعْجازِهِنَّ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأكْذَبَ اللَّهُ حَدِيثَهم وقالَ: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: يَعْنِي مِن أيْنَ شِئْتُمْ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِ.

والرّابِعُ: كَيْفَ شِئْتُمْ أنْ تَعْزِلُوا أوْ لا تَعْزِلُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: حَيْثُ شِئْتُمْ مِن قُبُلٍ، أوْ مِن دُبُرٍ، رَواهُ نافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَوى عَنْ غَيْرِهِ.

وَرَوى حُبَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن حِمْيَرَ أتَوُا النَّبِيَّ  يَسْألُونَهُ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّساءَ، فَكَيْفَ تَرى في ذَلِكَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما سَألُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ فِيما سَألَ عَنْهُ الرَّجُلُ: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ ﴾ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً إذا كانَ في الفَرْجِ)» .

﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ الخَيْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت.

فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح.

فبلغ اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه!

فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت كذا وكذا أفلا نجامعهن؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما» .

وأخرج النسائي والبزار واللفظ له عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ قال «أن اليهود قالوا: من أتى المرأة من دبرها كان ولده أحول، وكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض؟

فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ﴾ بالاغتسال ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ .

﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ إنما الحرث موضع الولد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أن القرآن أنزل في شأن الحائض، والمسلمون يخرجونهن من بيوتهن كفعل العجم، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ فظن المؤمنون أن الاعتزال كما كانوا يفعلون بخروجهن من بيوتهن حتى قرأ آخر الآية ففهم المؤمنون ما الإعتزال، إذ قال الله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ قال: الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ قال: أنزلت في ثابت بن الدحداح.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت ولم يؤاكلوهم في إناء، فأنزل الله الآية في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضاً، وأحل ما سوى ذلك.

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وقد حاضت: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده عن ابن مسعود قال: كان نساء بني إسرائيل يصلين مع الرجال في الصف، فاتخذن قوالب يتطاولن بها لتنظر إحداهن إلى صديقها، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وفي لفظ: فألقى عليهن الحيض فأخرن قال ابن مسعود: فأخروهن من حيث أخرهن الله.

وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشوفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن وسلطت عليهن الحيضة.

وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن يزيد بن بابنوس قال: قلت لعائشة: ما تقولين في العراك؟

قالت الحيض تعنون؟

قلنا: نعم.

قالت: سموه كما سماه الله.

وأخرج الطبراني والدارقطني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحائض تنتظر ما بينها وبين عشر، فإن رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة» .

وأخرج أبو يعلى والدارقطني عن أنس بن مالك قال: لتنتظر الحائض خمساً، سبعاً، ثمانياً، تسعاً، عشراً، فإذا مضت العشر فهي مستحاضة.

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: الحيض ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر.

وأخرج الدارقطني عن ابن مسعود قال: الحيض ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر، فإن زاد فهي إستحاضة.

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: أدنى الحيض ثلاث، وأقصاه عشر.

وأخرج الدارقطني عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشر أيام» .

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: لا يكون الحيض أكثر من عشرة.

وأخرج الدارقطني عن عطاء بن أبي رباح قال: أدنى وقت الحائض يوم.

وأخرج الدارقطني عن عطاء قال: أكثر الحيض خمسة عشر.

وأخرج الدارقطني عن شريك، وحسين بن صالح قال: أكثر الحيض خمسة عشر.

وأخرج الطبراني عن شريك قال: عندنا امرأة تحيض خمسة عشر من الشهر حيضاً مستقيماً صحيحاً.

وأخرج الدارقطني عن الأوزاعي قال: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية.

وأما قوله تعالى: ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ .

أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ قل هو أذى ﴾ قال: الأذى الدم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ قل هو أذى ﴾ قال: هو قذر.

وأخرج ابن المنذر عن أبي إسحاق الطالقاني عن محمد بن حمير عن فلان بن السري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا النساء في المحيض فإن الجذم يكون من أولاد الحيض» .

وأخرج أبو العباس السراج في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتى امرأته وهي حائض، فجاء ولده أجذم فلا يلومن إلا نفسه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً ثم صنع ما أراد» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والنحاس في ناسخه والبيهقي عن عائشة أنها سئلت ما للرجل من امرأته وهي حائض؟

فقالت: كل شيء إلا فرجها.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن عائشة قالت «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها.

قالت: وأيكم يملك أربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه؟» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ميمونة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين محتجزة به.

وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن عائشة قالت «كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده، وإن أصاب ثوبه مني شيء غسل مكانه لم يعده وصلى فيه» .

وأخرج أبو داود عن عمارة بن غراب «أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد؟

قالت: أخبرك ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل فمضى إلى مسجده فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد، فقال: أدني مني.

فقلت: إني حائض.

فقال: وإن اكشفي عن فخذيك، فكشفت عن فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ونام» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضت يأمرني أن أتزر ثم يباشرني» .

وأخرج مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد، وإنها وثبت وثبة شديدة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لك لعلك نفست؟» يعني الحيضة قالت: نعم.

فقال: «شدي عليك إزارك ثم عودي إلى مضجعك» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أم سلمة قالت «بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنفست؟

قلت: نعم.

فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة» .

وأخرج ابن ماجة عن أم سلمة قالت «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحافه فوجدت ما تجد النساء من الحيضة، فانسللت من اللحاف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟

قلت: وجدت ما تجد النساء من الحيضة.

قال: ذاك ما كتب على بنات آدم.

قالت: فانسللت فأصلحت من شأني ثم رجعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعالي فادخلي معي في اللحاف.

قالت: فدخلت معه» .

وأخرج ابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أم حبيبة: كيف كنت تصنعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض؟

قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزار إلى أنصاف فخذيها، ثم تضطجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن سعد الأنصاري «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

فقال: لك ما فوق الإِزار» .

وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن سعد قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مؤاكلة الحائض؟

فقال: واكلها» .

وأخرج أحمد وأبو داود عن معاذ بن جبل قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟

قال: ما فوق الإِزار، والتعفيف عن ذلك أفضل» .

وأخرج مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها» .

وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن نافع عن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟

فقالت: لتشد إزارها على أسفلها، ثم ليباشرها إن شاء.

وأخرج البيهقي عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يحل للرجل من المرأة الحائض؟

قال: ما فوق الإِزار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن عمر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟

قال: ما فوق الإِزار» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس «أن رجلاً قال: يا رسول الله ما لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: تشد إزارها ثم شأنك بها» .

وأخرج الطبراني عن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟

«قال: ما فوق الإِزار، وما تحت الإِزار منها حرام» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي سورة الدم ثلاثاً، ثم يباشر بعد ذلك» .

وأخرج ابن جرير عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟

قالت: كل شيء إلا الجماع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا بأس أن يلعب على بطنها وبين فخذيها.

أما قوله تعالى ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ قال: من الدم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ قال: حتى ينقطع الدم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» .

وأخرج أبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.

وأخرج الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار» .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس عن أن النبي صلى الله عليه وسلم «أمره أن يتصدق بخمسي دينار» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت امرأتي وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة، وقيمة النسمة يومئذ دينار» .

أما قوله تعالى ﴿ فإذا تطهرن ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ قال: بالماء.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر والنحاس عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ قال: إذا اغتسلن، ولا تحل لزوجها حتى تغتسل.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن طاوس قالا: إذا طهرت أمرها بالوضوء، وأصاب منها.

وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد وعطاء قالا: إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل.

وأخرج البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله إنَّا نكون بالرمل أربعة أشهر فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟

قال:عليكم بالصعيد» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة «أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف أن تغتسل قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها.

قالت: كيف أتطهر بها؟

قال: تطهري بها.

قالت: كيف؟

قال: سبحان الله.

!

تطهري بها.

فاجتذبتها فقلت: تتبعي أثر الدم» .

أما قوله تعالى: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: يعني أن يأتيها طاهراً غير حائض.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: طواهر غير حيض.

وأخرج الدارمي وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: حيث نهاكم الله أن تأتوهن وهن حيض، يعني من قبل الفرج.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: من قبل الطهر، ولا تأتوهن من قبل الحيض.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنفية ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: من قبل التزويج، من قبل الحلال.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مجاهد ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ قال: من حيث يخرج الدم، فإن لم يأتها من حيث أمر فليس من التوّابين ولا من المتطهرين.

أما قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ .

أخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ من الذنوب ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ قال: بالماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ قال: التوبة من الذنوب، والتطهر من الشرك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية: أن رأى رجلاً يتوضأ، فلما فرغ قال: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.

قال: إن الطهور بالماء حسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب.

وأخرج الترمذي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب.

أنه كان إذا فرغ من وضوئه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رب اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: كان حذيفة إذا تطهر قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.

وأخرج القشيري في الرسالة وابن النجار عن أنس «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبده لم يضره ذنب، ثم تلا ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ قيل: يا رسول الله وما علامة التوبة؟

قال: الندامة» .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الشعبي قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم قرأ ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوّابون» .

وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إن كان بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أنه قيل له أصب الماء على رأسي وأنا محرم؟

قال: لا بأس ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ الآية، قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم تؤاكلْها ولم تشاربها ولم تساكنها في بيت، كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح (١)  عن ذلك، وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حِضْن؟

فأنزل الله هذه الآية (٢) (٣) وأصل الحيض في اللغة: السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض.

وقال الفراء: حَاضَتِ السَّمُرَة تحيض إذا سَالَ منها لَثَاها (٤) (٥) أجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ (٦) (٧) (٨) قال: ومعنى حيّضت: سيِّلت (٩) قال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء (١٠) قال أبو إسحاق: وعند النحويين أن المصدر في هذا الباب المَفْعِل، ولذلك (١١) (١٢) بُنِيَتْ (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن السِّكِّيت: إذا كان المفعل من ذوات الثلاثة نحو: كَال يَكِيْلُ، وحاض يحيضُ وأشباهه، (فإن) (١٧) (١٨) (١٩) أنا الرَّجُلُ الذي قد عِبْتُمُوه ...

وما فيه لِعَيَّابٍ مَعَابُ (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ قال عطاء وقتادة (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ الاعتزال: التنحي عن الشيء.

قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت واعتزلوهن، فإذا اغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب وشكوا عزل الحيض عنهم، وقالوا: يا رسول الله!

البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن آثرنا أهل البيت هلكت الحيض، فقال رسول الله  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم" (٢٦) (٢٧) (٢٨) واعلم أن المرأة إذا حاضت حرم على الزوج جماعها ومباشرتها فيما بين السرة والركبة (٢٩) (٣٠) (٣١)  ، روت ندبة (٣٢)  ، قالت: كان رسول الله  يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ أي: لا تجامعوهن (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ أي: يَتَطَهَّرْنَ، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد النَّقَاء من الدم، فأدغمت التاء في الطاء، هذه قراءة أهل الكوفة (٣٧) ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا  ﴾ فكما أن الجنب يتطهر بالماء إذا وجده، كذلك الحائض، لاجتماعهما في وجوب الغسل عليهما (٣٨) وأما من قرأ بالتخفيف، فقال أهل اللغة: طَهَرت المرأة، وطهُرت طُهْرًا وطَهَارة، والفتح أقيس؛ لأنها خلاف طَمَثت، فينبغي أن يكون على بناء ما خالفه، مثل: عَطِشَ وَرَوِيَ، ونحو ذلك (٣٩) (٤٠) ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ يحتمل أن يكون المراد حتى يَنْقَطع الدم، ويحتمل أن يكون حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل؛ لأنه إنما يحكم لها بأنها طاهرة إذا اغتسلت، وهذا أولى؛ لما قدمنا أنها في حكم الحيض ما لم تغتسل (٤١) فإن قيل على هذه القراءة: وجب أن يحل الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، لأن التحريم قد تناهى، ودل ﴿ حَتَّى ﴾ على غاية التحريم؟

قيل: إن في الكلام حذفًا، قد دل عليه ما بعده، وأغنى (٤٢) (٤٣) ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ يفعلن (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وعند أبي حنيفة إذا طهرت لعشرة أيام حل وطؤها دون الاغتسال، وان طهرت لما دونها لم يحل وطؤها إلا بإحدى ثلاث: أن تغتسل (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ معناه: فجامعوهن، وهو إذن بعد الحظر، فهو كقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا  ﴾ (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أي: من حيث أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو الفرج، قاله مجاهد (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال ابن عباس في رواية الوالبي (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) وقال ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور (٦٤) وقال ابن كيسان: أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، أي: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات واقربوهن وغشيانهن لكم حلال (٦٥) (٦٦) وقال الواقدي: (من) هاهنا بمعنى (في) يريد: في حيث أمركم الله وهو الفرج، نظيره قوله: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ  ﴾ أي: فيها، وقوله: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ  ﴾ أي: فيه.

(٦٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ قال عطاء (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) وقال مجاهد: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من أدبار النساء (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (١) هو: ثابت بن الدحداح، وقيل الدحداحة بن نعيم بن غنم بن إياس، اشتهر بكنيته، صحابي أقبل يوم أحد والمسلمون أوزاع قائلًا: يا معشر الأنصار إليَّ أنا ثابت بن الدحداحة إن كان محمد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا معه حتى قتلوا.

ينظر: "معرفة الصحابة" 1/ 472، "الاستيعاب" 1/ 278.

(٢) عزاه السيوطي في "لباب النقول" ص 43 إلى البارودي في الصحابة بسنده عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 380 - 381 عن السدي مختصرا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 400 عن مقاتل بن حيان، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 191 وعنده: عمرو بن الدحداح، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 76 - 77، وابن حجر في "العجاب" 1/ 554، وقال في " التلخيص الحبير" 1/ 164: وقيل إن السائل هو أبو الدحداح، قاله الواقدي، والصواب ما في الصحيح أن السائل عن ذلك أسيد بن الحضير وعباد بن بشر.

اهـ-.

يعني ما رواه مسلم (302) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، عن أنس.

وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 80.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 296.

(٤) قوله: حاضت السمرة: خرج منها الدُّوَدِم، وهو شيء شبه الدم، وإنما ذلك على التشبيه.

ينظر: "اللسان" 2/ 1071 "حيض".

(٥) هو: عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية الخطفي، كان من الشعراء الفصحاء، قدم من اليمامة فمدح المأمون ووجوه قواده، اجتمع الناس وكتبوا شعره، عمر قبل موته.

انظر: "معجم الشعراء" للمرزباني ص 247، "الأعلام" 5/ 37.

(٦) ساقط من (ش).

(٧) في (م) (الطواحي).

(٨) البيت في "لسان العرب" 2/ 1071 "حيض"، 5/ 2645 "طعم".

والذَّوَاري والذاريات: الرياح.

(٩) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 706، "اللسان" 2/ 1071 "حيض".

(١٠) "تهذيب اللغة" 1/ 706 "حاض".

(١١) في (ش) (وكذلك).

(١٢) ليست في (م) (ساقطة).

(١٣) في (م) (وبُنَيَتْ).

(١٤) البيت في "ديوانه" ص 241، "لسان العرب" 2/ 752، 3/ 1856 "حس-زلل".

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 296 بمعناه، وقوله: "ولذلك ذهب قوم إلى أنه المأتي أي موضع الحيض" ليست عند الزجاج.

(١٦) ينظر في حيض: "تهذيب اللغة" 1/ 706، "المفردات" ص 144، "عمدة الحفاظ" 1/ 548، "اللسان" 2/ 1070.

(١٧) في (م) (لأن).

(١٨) زيادة من (م).

(١٩) في (م) و (ي) (فتحهما) (٢٠) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 5/ 3184 "عيب".

(٢١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 89، والدارمي في "السنن" 1/ 258، والطبري في "تفسيره" 2/ 381، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401.

(٢٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 381، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401.

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 382، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401.

(٢٤) رواه الدارمي في "السنن" 1/ 258، والطبري في "تفسيره" 2/ 382، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 401.

(٢٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 919.

(٢٦) أورد السيوطي مثله منسوبا إلى ابن عباس 1/ 461.

(٢٧) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 191، والسمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 250.

وبنحوه روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 400، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 924، وقال الحافظ في "الكشاف" 1/ 265: لم أجده.

(٢٨) بالنص والإجماع.

ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 72، "تفسير القرطبي" 3/ 86.

(٢٩) في (ي): (إلى الركبة).

(٣٠) في (م): (ولا ما).

(٣١) هذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والجمهور، وقال الثوري ومحمد ابن الحسن وداود وبعض أصحاب الشافعي وهو الصحيح من قول الشافعي: يجتنب موضع الدم؛ لقوله  : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".

ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 72، "تفسير القرطبي" 3/ 87.

(٣٢) ندبة: ويقال: بُرَيِّة، ويقال: بَدَنة، مولاة ميمونة أم المؤمنين، ذكرها ابن حبان في "الثقات" 5/ 487، وقال: روى عنها الزهري وذكرها الذهبي في النساء == المجهولات وقال: تفرد عنها حبيب الأعور.

ينظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 610، وقال الحافظ في "التقريب" ترجمة ص 754 (8692): مقبولة، ويقال: إن لها صحبة من الثالثة.

(٣٣) رواه البخاري (303) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، ومسلم (294) كتاب الحيض باب مباشرة الحائض فوق الإزار من طريق عبد الله بن شداد عن ميمونة بنحوه.

وأخرجه النسائي 1/ 151 - 152 كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض، وأبو داود (267) كتاب الطهارة، باب: في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، والإمام أحمد في "المسند" 6/ 332، 335.

(٣٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 947، "تفسير القرطبي" 3/ 81، "تفسير الرازي" 6/ 67.

(٣٥) في (ي) (يجامعوهن).

(٣٦) "المفردات" ص 400 - 401.

(٣٧) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم: يطْهُرن بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: يَطَّهَّرن مشددة.

ينظر: "السبعة" ص 182، "الحجة" 2/ 321.

(٣٨) من "الحجة" 2/ 322 - 323 بتصرف.

(٣٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، "تهذيب اللغة" 3/ 2225 - 2226 (طهر)، "اللسان" 5/ 2712 - 2713 (طهر)، قال الزجاج: ويقال: طَهَرت وطَهُرت جميعا، وطَهُرت أكثر.

(٤٠) ساقطة من (ش).

(٤١) من "الحجة" 2/ 321 - 323 بتصرف.

(٤٢) في (ي)، (ش) (وأغني).

(٤٣) في (ي) زيادة (ويطيب نفسه).

(٤٤) في (ش) (من الطهارة).

(٤٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، "تفسير الثعلبي" 2/ 953.

(٤٦) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، توفي سنة 106 هـ-.

انظر: "التقريب" ص 226 (2176)، "وفيات الأعيان" 2/ 349 - 350.

(٤٧) هو: أبو أيوب سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين، كان ثقة عالمًا فقيهًا كثير الحديث، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفي سنة 107هـ-.

انظر: "وفيات الأعيان" 2/ 399، "الأعلام" 3/ 138.

(٤٨) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، توفي سنة 106هـ انظر "تقريب التهذيب" ص 451 (5489)، "الأعلام" 5/ 181.

(٤٩) في (ي)، (ش): (ابن شباب).

(٥٠) ينظر في عزو هذه الأقوال إليهم: "تفسير الثعلبي" 2/ 952، "الموطأ" باب: ما يحل للرجل من امرأته برقم 96، "الأم" 1/ 76، "سنن البيهقي" 1/ 310، "الأوسط" لابن المنذر 1/ 213، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 165.

(٥١) في (م) و (أ): (يغتسل).

(٥٢) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 217، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 348، "تفسير الثعلبي" 2/ 951، "التفسير الكبير" 6/ 73.

(٥٣) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 254.

(٥٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 330، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 387 - 388.

(٥٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 232، والدارمي في "السنن" 1/ 259، والطبري في "تفسيره" 2/ 388.

(٥٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 388.

(٥٧) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 387.

(٥٨) في (ي): (الكلبي).

(٥٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 387، والبيهقي في "سننه"1/ 309.

(٦٠) تقدم الحديث عن الرواية.

(٦١) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 389، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 955.

(٦٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 389.

(٦٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 389، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402.

(٦٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 389، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 402.

(٦٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 283.

(٦٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 297، و"تفسير الرازي" 6/ 74.

(٦٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956.

وذكره ولم يعزه في "زاد المسير" 1/ 249.

(٦٨) رواه عنه الطبري "في تفسيره" 2/ 390، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 403.

(٦٩) "تفسير مقاتل" 1/ 192، "تفسير الثعلبي" 2/ 957.

(٧٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 956، البغوي في "تفسيره" 1/ 259.

(٧١) من قوله: قال عطاء.

ساقط من (ي).

(٧٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 391، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 403.

(٧٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 959، البغوي في "تفسيره" 1/ 259، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 249.

(٧٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 959، وفي "البحر المحيط" 2/ 169.

(٧٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 391، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 959.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ سأل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نجامع النساء في المحيض، خلافاً لليهود ﴿ هُوَ أَذًى ﴾ اجتنبوا جماعهن وقد فسر ذلك الحديث بقوله؛ لتشدّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها ﴿ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ أي ينقطع عنهن الدم ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلن بالماء، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند مالك والشافعي، فلا يجوز عندهما وطء حتى تغتسل، بالغاية الأولى عند أبي حنيفة فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل، وقرئ حتى يطهرن بالتشديد، ومعنى هذه الآية بالماء، فتكون الغايتان بمعنى واحد، وذلك حجة لمالك ﴿ مِنْ ﴾ قبل المرأة ﴿ التوابين ﴾ من الذنوب ﴿ المتطهرين ﴾ بالماء أو من الذنوب ﴿ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ أي موضع حرث، وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلأقاء البذر وانتظار الزرع ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ أي: كيف شئتم من الهيئات أو من شئتم، لنه يوهم الإتيان في الدبر، وقد افترى من نسب جوازه إلى مالك، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ أي الأعمال الصالحة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

دل جوابه على أن السؤال كان عن قربان النساء في الحيض، أو كان عن موضع الحيض.

فأخبر.

- عز وجل - أنه ﴿ أَذًى ﴾ .

والعرب تفعل ذلك - ربما أن تفهم من الجواب مراد السؤال، وربما تبين المراد في السؤال - وإذا جاز أن يتبع غير وقت الأذى وقت الأذى بالاتصال [ومن بعد انقطاع الدم قبل أن تغستل يجوز أن تتبع غير مكان الأذى مكان الأذى بالاتصال]، والله أعلم، ولا يحتمل أن يكون الأمر بالاعتزال يقع على اعتزال الأبدان والأشخاص بالاتفاق؛ إذ كل يجمع أن له أن يمسها باليد وأن يقبلها وغير ذلك، إلا أنهم اختلفوا في موضع الاستمتاع: قال أ بو حنيفة - رضي الله  عنه -: يستمتع بها ما فوق السرة ما تحت الركبة، ويجتنب غير ذلك.

وقال محمد - رضي الله  عنه -: يجتنب شعار الدم، على ما جاء عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "يتقي شعار الدم، وله ما سوى ذلك".

ثم دل هذا الخبر على أن النهي في الموضع الذي فيه الأذى.

دليله: أول الآية: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ .

وحجة أبي حنيفة، رضي الله  عنه، ما روي أنه قال: لها ما تحت السرة، وله ما فوقها، وما روي أن أزواج الرسول  إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن.

وأما محمد، رحمه الله  ، فإنه ذهب إلى ما ذكرنا: أنه ينهى عن قربان ذلك الموضع للأذى، وأما الموضع الذي لا أذى فيه فلا بأس.

ويجوز أن ينهى عن قربان هذه الأعضاء من نحو الفخذ وغيرها؛ لاتصالها بالموضع الذي فيه الأذى.

ويحتمل أن يكون ذكر الإزار كناية عن الموضع الذي فيه الأذى؛ وعلى ذلك روي عن عائشة، رضى الله  عنها، أنها سئلت: عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟

فقالت: "يحل له كل شيء إلا النكاح".

وسئلت: عما يحل للمحرم من امرأته؟

فقالت: لا يحل له شيء إلا الكلام.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ أي: لا تجامعوهن.

﴿ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ فيه لغتان: في حرف بعضهم ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ بضم الهاء وتخفيفها، وفي حرف آخرين بتشديد الهاء وفتحها: فمن قرأ بالتخفيف فهو عبارة عن انقطاع الدم، ومن قرأ بالتشديد فإنه عبارة عن حل قربانها بعد الاغتسال.

ثم من قول أصحابنا - رحمهم الله  -: إن المرأة إذا كانت أيامها عشرا تحل لزوجها أن يقربها قبل أن تغتسل، وإذا كانت أيامها دون العشر لم يحل له أن يقربها إلا بعد الاغتسال.

ويحتمل: أن تكون الآية فيما كانت أيامها دون العشر في اللغتين؛ إذ الغالب كان على أن الحيض لا يحيط بكل وقت، على ما روي أنه صلى الله  عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش: "تحيَّضِي في علم الله من الشهر ستا أو سبعاً" .

فعلى ذلك أنه إنما يحل قربانها بالاغتسال.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ : إنه على ما دون العشر من المدة [بما] الغالب كان على ألا يمتد إلى أكثر الوقت ولا يقصر عن الأقل، على ما روي عن رسول الله  ، أنه قال في النساء: "هن ناقصات عقل ودين" .

وصف نقصان دينهن: أن تحيض إحداهن في الشهر ستّاً أو سبعاً، ووصفهن جملة بنقصان دينهن، ثم ذكر ما بين في التفسير عن الجملة، ثبت أن ذلك كان الغالب في الجملة حتى خرج عليه الجواب أنه لا يمتد إلى الأكثر ولا يقصر عن الأقل.

والله أعلم.

وأيد هذا ما أخبر عن ابتداء الآية أنه الأذى، وأمر بالاعتزال، ثم جعل لها بعد الانقطاع قبل الاغتسال حكم الأذى؛ فلم يجز أن يجعل الحكم لما ليس بحقيقة حكم الأذى، فيجعل للطهر الذي هو ضده ذلك الحكم، والله أعلم، وبما [أنه] ليس لذلك حكم الأذى في العشر إن كان الوقت يضيق عنه في رفع الصلاة، فكذا في أمر القربان.

والله أعلم.

وعلى ما ذكرت من العرف ينصرف أمر الوقت: أنها لو أخرت الاغتسال عن وقت الصلاة فإن للزوج أن يقربها بما لزمها من قضاء الصلاة، وهذا النوع من الأذى لا يمنع لزوم القضاء.

وحصل الخطاب على الوقت بالعرف أنهن لا يتأخرن، وبما ذكرت عن لزوم القضاء الذي يمنعه حكم الأذى، وبذلك صار غسل الحيض كغسل غيره من الأحداث، وهو لا يمنع القربان.

والله أعلم.

وحرم إتيان الأدبار، بما عليه اتفاق الآثار، وبما خص المكان بالأمر بالقربان، وبما أمر بالاعتزال للحُيَّضِ، ولو كان يحل غِشْيانهن في الأدبار لم يكن للأمر بالاعتزال معنى؛ إذ قد بقي أحد الموضعين من المقصود بالغِشْيان لو احتمل.

والله أعلم.

والأصل في ذلك: أن الحل في الابتداء لم يتعلق بقضاء الشهوات، ولا كان هذا لها، وإنما القضاء للشهوات خاصة الجنة، فأما الدنيا فإنما جعلت لقضاء الحاجات؛ إذ بها يكون بقاء النسل والأبدان، وبها يكون قوام الأبدان ودوام الحياة إلى انقضاء الأعمار، وركبت فيهم الشهوات لتبعثهم على قضاء تلك الحاجات؛ إذ لولا الشهوات لكان كل أمر من ذلك على الطباع يكون كالأدوية الكريهة والمحنة الشديدة، فخلق الله  فيهم الشهوات ليدوم ما به جرى تدبيره في أمر العالم، ولا تتعلق الحاجات بإتيان الأدبار.

ولو أحلت لكان الحل لحق الشهوة خاصة، والدنيا لم يتخلق لها؛ فلذلك لم تجعل بها حل مع ما لو كان يحتمل ذلك لاحتمل التناكح في نوع؛ فإذا لم يحتمل بان أن ذلك إنما جعل للنسل.

والله الموفق.

وقال بشر: إذ حرم الغشيان للحُيَّضِ بما هو أذى، وهو يكون على ما يتقذر، فالذي مجراه الدبر والذي منه يخرج من الأذى أوحش وأخبث، وذلك قائم في كل الأوقات، كقيام الحيض في أوقاته، فالحرمة لذلك أشد، ذكر بوجه، أمكن أن يبسط ما قال على الذي وصفته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: معنى قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ : لا تأتوهن صائمات، ولا معتكفات، ولا مصليات.

ويحتمل: لا تأتوهن حُيَّضاً، ولكن ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ طهرا.

وقيل: ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ في الموضع الذي أباح لكم إتيانها، وهو القبل، ولا تأتوهن في أدبارهن.

ويشبه - إذ "حيث" يعبر به عن المكان - أن يكون ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ أن تبتغوا الولد، بقوله: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ ﴾ من الذنوب.

﴿ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ .

من الأحداث والأذى.

والثاني: ممن فعل هذا قبل النزول ﴿ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ أنفسهم بالتكفير، والتواب هو الرجاع عما ارتكب، والتارك عن العود إلى ذلك، غير مصر على الذنب.

ويحتمل: التواب: الذي لا يرتكب الذنب.

وقوله: ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ .

الحرث: هو الزرع.

وفيه دليل النهي عن الاعتزال عنها؛ لأن الزرع إذا ترك سُدىً فيضيع ويخرب.

وفيه دليل أن الإباحة في إتيان النساء طلب التناسل والتوالد، لا قضاء الشهوة؛ لأنه سمى ذلك حرثاً، والحرث ما يحرث فيتولد من ذلك الولد.

وفيه دليل أن الإتيان في غير موضع الحرث يحرم منهن، وعلى ذلك جاءت الآثار أنها سميت اللوطية الصغرى، ما جاء أنه نهى عن إتيان النساء في محاشهن، يعني: في أدبارهن، وفي بعض الأخبار: إتيان النساء في أدبارهن كفر.

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾ .

يعني: على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع، ولا بأس بالاعتزال عنها إذا أذنت؛ لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل، لا قضاء الشهوة.

فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية الولد، وأما الزوج فإنما عليه المؤنة، وذلك مما ضمن الله لكل ذي روح بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا  ﴾ ؛ لذلك نُهِي هو عن الاعتزال دون إذنها، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك.

والله أعلم.

وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس؛ لأنه لا يطلب النسل من الإماء في المتعارف؛ لذلك لم يكره، ولأن في إحبالهن إتلافاً، وللرجل ألا يتلف ملكه؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

والأصل: أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضي بها جرى تدبير العالم، وبه يكون دوام النسل، وبقاء الأبدان، والحاجة لا تحتمل الوقوع في الأدبار؛ لذلك لم يجعل فيها.

وقوله: ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَقَدِّمُواْ ﴾ العمل الصالح.

وقيل: ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ من الولد تحفظونه عند الزيغ عما لا يجب.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ ﴾ ، أي: ما قدمتم من العمل الصالح فتجزون على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ ﴾ ، أي: ملاقو ربكم بوعده ووعيده.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويسألك أصحابك -أيها النبي- عن الحيض (وهو دم طبيعي يخرج من رحم المرأة في أوقات مخصوصة)؟

قل مجيبًا إياهم: الحيض أذى للرجل والمرأة، فاجتنبوا جماع النساء في وقته، ولا تقربوهن بالوطء حتَّى ينقطع الدم عنهن، ويتطهرن منه بالغُسل، فإذا انقطع وتطهرن منه فجامعوهن على الوجه الَّذي أباح لكم: طاهرات في قُبُلهن، إن الله يحب المكثرين من التوبة من المعاصي، والمبالغين في الطهارة من الأخباث.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZWbXR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة التي وردت معطوفة بالواو وهو يتصل بما قبله وما بعده في أن ذلك من الأحكام المتعلقة بالنساء، وأما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فلم تكن في موضوع واحد فيعطف بعضها على بعض فجاءت على الأصل في سرد التعدد.

وقد كانت هذه الأسئلة في المدينة حيث الاختلاط بين العرب واليهود، وهؤلاء يشددون في مسائل الحيض والدم كما هو مذكور في الفصل الخامس عشر من سفر اللاويين من الأسفار التي يسمون جملتها التوراة.

ومنها أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسًا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وكل من مس متاعًا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسًا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسًا إلخ.

وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام عندهم.

وأما النصارى فقد نقل عنهم أنهم كانوا يتساهلون في أمر المحيض وكانوا مخالطين للعرب في مواطن كثيرة، وروي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كفعل اليهود والمجوس، ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم، فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المُصْلِحة، فسألوا كما في حديث أنس الآتي قريبًا فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ  ﴾ أي عن حكمته والمحيض هو الحيض المعروف، وهو الدم الذي يخرج من الرحم على وصف مخصوص في زمن معلوم، لوظيفة حيوية صحية تعد الرحم للحمل بعده إذا حصل التلقيح المقصود من الزوجية لبقاء النوع.

فالمحيض كالحيض مصدر كالمجيء والمبيت ويطلق على زمان الحيض ومكانه، والمرأة حائض بدون تاء لأنه وصف خاص وجمعه حيض بتشديد الياء (كراكع وركع) وورد حائضة وجمعه حائضات.

ولا حاجة إلى تقدير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الأحكام، ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ  ﴾ قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكمًا، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع، والمعنى أنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض لأن غشيانهن سبب للأذى والضرر، وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف.

وقد فسر (الجلال) الأذى بالقذر تبعًا لغيره، على أن أخذه على ظاهره وهو الضرر مقرر في الطب فلا حاجة إلى العدول عنه.

وقد جاء هذا الحكم وسطًا بين إفراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات، وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على ما فيه من الأذى والدنس.

وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت باعتزال النساء في زمن المحيض، وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه، ثم بينت مدة هذا الاعتزال بصيغة النهي.

والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء.

وكان يظن بعض الناس أن الاعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية، وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة، ولكن النبي  بين لهم أن المحرم إنما هو الوقاع.

عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي  عن ذلك فأنزل الله  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى  ﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله  :"اصنعوا كل شيء إلا الجماع".

وفي حديث حزم بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله  : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال:"لك ما فوق الإزار".

أي ما فوق السرة.

وقد حمل بعضهم النهي على من يخاف على نفسه الوقاع، وكأن السائل كان كذلك، وقال بعضهم إن هذا الحديث مخَصِّص للحديث الأول ولما في معناه فلا يجوز الاستمتاع إلا بما فوق السرة والركبة، وهو تخصيص بالمفهوم والخلاف فيه عند الأصوليين معلوم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم (يطهرن) بتشديد الطاء وأصله يتطهرن والباقون بالتخفيف.

﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ الطهر في قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ  ﴾ انقطاع دم الحيض وهو ما لا يكون بفعل النساء، وأما التطهر فهو من عملهن وهو يكون عقب الطهر، واختلفوا في المراد منه فقال بعض العلماء هو غسل أثر الدم وقال مجاهد وعكرمة إن انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ، والجمهور على أن المراد به الاغتسال بالماء إن وجد، ولا مانع منه وإلا فالتيمم.

وقالت الحنفية إن طهرت لأقل من عشرة فلا تحل إلا إذا اغتسلت وإن لعشر حلت ولو لم تغتسل وهو تفصيل غريب.

والأمر بإتيانهن لرفع الحظر في النهي عن قربهن وبيان شرطه وقيده.

والظاهر أن المراد بلفظ الأمر في قوله ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ الأمر التكويني أي فأتوهن من المأتى الذي برأ الله تعالى الفطرة على الميل إليه ومضت سنته بحفظ النوع به وهو موضع النسل ويحتمل أن يكون المراد بالأمر ما قضت به شريعة الله تعالى من طلب التزوج وتحريم الرهبانية فليس للمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى لأنه سبحانه قد امتن علينا بأن خلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها وأرشدنا إلى أن ندعوه بقوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ  ﴾ ولا يتقرب إليه تعالى بترك ما شرعه وامتن به على عباده وجعله من نعمه عليهم، فإتيان النساء بالزواج الشرعي من الجهة التي يبتغي بها النسل من أعظم العبادات، وتركه مع القدرة عليه وعدم المانع مخالفة لسنة الله تعالى في خليقته، وسنته في شريعته، ولما قال  ."وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟

قال.

"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" الحديث.

وكأن السائلين كانوا توهموا أن الإسلام يكون كالأديان الأخرى يجعل العبادة في تعذيب النفس ومخالفة الفطرة، كلا إنه دين الفطرة يحمل الناس على إقامتها مع القصد وعدم البغي فيها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ  ﴾ الذين إذا خالفوا سنة الفطرة بغلبة سلطان الشهوة فأتوا نساءهم في زمن المحيض أو في غير المأتى الذي أمر الله به يرجعون إليه تائبين ولا يصرون على فعلهم السيء، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ  ﴾ من الأحداث والأقذار، ومن إتيان المنكر، بل هؤلاء أحب إليه من الذين يقعون في الدنس ثم يتوبون منه.

ثم قال تعالى ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  ﴾ بين في الآية السابقة حكم المحيض وأحل غشيان النساء بعده، وبين في هذه الآية حكمة هذا الغشيان التي شرع الزواج لأجلها وكان من مقتضى الفطرة، وهي الاستنتاج والاستيلاد، لأن الحرث هو الأرض التي تستنبت، والاستيلاد كالاستنبات، وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله  ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ أو بيان له، فهو يقول إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر الدين وأسباب المثوبة والقربة، إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودًا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى.

وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث، وقوله تعالى ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ  ﴾ معناه كيف شئتم ﴿ وَأَنَّى  ﴾ تستعمل غالبًا بمعنى "كيف" وتستعمل بمعنى "أين" قليلًا، ولا يظهر هذا لأن الحرث له مكان واحد لا يتعداه، والأمر مقيد به، ولذلك أعاذ ذكر الحرث مظهرًا ولم يقل "فأتوهن أنى شئتم" فكأنه يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم ما دمتم تقصدون بها الحرث في موضعه الطبيعي، لأن الشارع لا يقصد إلى إعناتكم ومنعكم من لذاتكم، ولكن يريد ليوقفكم عند حدود المصلحة والمنفعة كيلا تضعوا الأشياء في غير مواضعها فتفوت المنفعة وتحل محلها المفسدة.

وهذا التفسير الذي ظهر به أن الآية متممة لمعنى ما قبلها يغنينا في فهمها عما روي في أسباب النزول.

وقد ذهب بعض المفسرين والمحدثين إلى أن ﴿ أَنَّى  ﴾ في الآية بمعنى المكان لا بمعنى الكيفية والصفة، وقالوا إنها نزلت في إباحة الإتيان في غير المزدرع والحرث، فمعناها في أي النافذتين شئتم...

وإن جنون المسلمين بالرواية هو الذي حمل بعضهم على تفسير الآية بهذا المعنى الذي تتبرأ منه عبارتها العالية، ونزاهتها السامية، ولم يلتفتوا إلى ذوق التعبير ومراعاة الأدب في بيان هذه الأحكام كما رأوا في الآية، فقد فاتهم فهم حكمها، كما فاتهم فهم حكمتها ونزاهتها وأدبها.

وما روي في إباحة الخروج عن سنة الفطرة فلا يصح منه شيء، ولئن صح سندًا فهو لن يصح متنًا، ولا نخرج عن هدى القرآن ومحجته البيضاء لرواية أفراد قيل إنه لا يعرف عنهم ما يجرح روايتهم.

ويؤيد التفسير المختار قوله تعالى بعدما تقدم ﴿ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ إلخ.

فهذه أوامر تدل على أن هنا شيئًا يرغب فيه وشيئًا يرغب عنه ويحذر منه.

أما ما يرغب فيه فهو ما يقدم للنفس وهو ما ينفعها في المستقبل، ولا أنفع للإنسان في مستقبله من الولد الصالح، فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر، وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه، وقد ورد في الحديث إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته، ولا يكون الولد صالحًا إلا إذا أحسن والداه تربيته، فالأمر بالتقديم للنفس، يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها، كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة، التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة، ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه.

وأما ما يحذر منه ويتقي الله فيه فهو إخراج النساء عن كونهن حرثًا بإضاعة مادة النسل في المحيض أو بوضعها في غير موضع الحرث، وكذلك اختيار المرأة الفاسدة التربية وإهمال تربية الولد.

فإن الأمر بالتقوى ورد بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض والأمر بإتيانهن من حيث أمر الله تعالى وهو موضع الحرث والأمر بالتقديم لأنفسنا فوجب تفسير التقوى بتجنب مخالفة هذا الهدي الإلهي.

وقوله تعالى ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ  ﴾ إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة كما يلاقونها في الدنيا، بفقد منافع الطاعة والامتثال، وتجرع مرارة عاقبة المخالفة والعصيان.

ثم قرن إنذار العاصين بتبشير المطيعين فقال ﴿ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ الذين يقفون عند الحدود ويتبعون هدى الله تعالى في أمر النساء والأولاد، وقد حذف ما به البشارة ليفيد أنه عام يشمل منافع الدنيا ونعيم الآخرة، ولا يعزب عن فكر العاقل أن من يختار لنفسه المرأة الصالحة ولا يخرج في شأن الزوجية عن سنة الفطرة والشريعة في ابتغاء الولد، ثم إنه يحسن تربية ما يرزقه الله من ولد، فإنه يكون في الدنيا قرير العين بحسن حاله وحال أهله وسعادة بيته.

وأما الذين تطغى بهم شهواتهم فتخرجهم عن الحدود والسنن فإنهم لا يسلمون من المنغصات والشقاء في حياتهم الدنيا، وهم في الآخرة أشقى وأضل سبيلًا، وإنما سعادة الدارين في تكميل النفس بالاعتقاد الصحيح والأخلاق المعتدلة، وتلك هي الفطرة السليمة.

والتعبير بالمؤمنين يشعر بأن العمل والامتثال والإذعان مما يتحقق به إيمان المؤمن وأن فائدة الإيمان بثمراته هذه، وإن شئت قلت بتمام أركانه وهي الاعتقاد والقول والفعل، كما ورد في الأحاديث الصحيحة المبينة للآيات الكريمة، الدامغة للذين يفصلون بين الاعتقاد والأعمال اللازمة له.

وإننا نعيد التنبيه للاقتداء بنزاهة القرآن في التعبير عن الأمور التي يستحيا من التصريح بها بالكنايات البعيدة التي يفهم منها المراد ولا تستحي من تلاوتها العذراء في خدرها، فإن الإتيان بمعنى المجيء فهو كناية لطيفة كقوله ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ  ﴾ وتشبيه النساء بالحرث لا يخفى حسنه.

فأين هذه النزاهة مما تراه لبعضهم في تفسيرها وتفسير أمثالها من الآيات المعجزة بنزاهتها كإعجازها ببلاغتها، ومما تراه في بعض كتب الدين الأخرى من العبارات المستهجنة التي قد يستغنى عنها في بيان المراد منها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل