الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 205 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض ، وإذا طلق الزوج قبل الدخول ، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الحالة والله أعلم .
وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء ، لا خلاف بينهم في ذلك ، فإنه متى كان قد سمى لها صداقا ثم فارقها قبل دخوله بها ، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق ، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج ، وإن لم يدخل بها ، وهو مذهب الشافعي في القديم ، وبه حكم الخلفاء الراشدون ، لكن قال الشافعي : أخبرنا مسلم بن خالد ، أخبرنا ابن جريج ، عن ليث بن أبي سليم ، عن طاوس ، عن ابن عباس أنه قال : في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها ليس لها إلا نصف الصداق ; لأن الله يقول : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) قال الشافعي : هذا أقوى وهو ظاهر الكتاب .
قال البيهقي : وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به ، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس فهو يقوله .
وقوله : ( إلا أن يعفون ) أي : النساء عما وجب لها على زوجها من النصف ، فلا يجب لها عليه شيء .
قال السدي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا أن يعفون ) قال : إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها .
قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ، رحمه الله : وروي عن شريح ، وسعيد بن المسيب ، وعكرمة ، ومجاهد ، والشعبي ، والحسن ، ونافع ، وقتادة ، وجابر بن زيد ، وعطاء الخراساني ، والضحاك ، والزهري ، ومقاتل بن حيان ، وابن سيرين ، والربيع بن أنس ، والسدي ، نحو ذلك .
قال : وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال : ( إلا أن يعفون ) يعني : الرجال ، وهو قول شاذ لم يتابع عليه .
انتهى كلامه .
وقوله : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) قال ابن أبي حاتم : ذكر عن ابن لهيعة ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ قال ] : " ولي عقدة النكاح الزوج " .
وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة ، به .
وقد أسنده ابن جرير ، عن ابن لهيعة ، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره ولم يقل : عن أبيه ، عن جده ، فالله أعلم .
ثم قال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : وحدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا جرير ، يعني ابن حازم ، عن عيسى يعني ابن عاصم قال : سمعت شريحا يقول : سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح .
فقلت له : هو ولي المرأة .
فقال علي : لا بل هو الزوج .
ثم قال : وفي إحدى الروايات عن ابن عباس ، وجبير بن مطعم ، وسعيد بن المسيب ، وشريح في أحد قوليه وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والشعبي ، وعكرمة ، ونافع ، ومحمد بن سيرين ، والضحاك ، ومحمد بن كعب القرظي ، وجابر بن زيد ، وأبي مجلز ، والربيع بن أنس ، وإياس بن معاوية ، ومكحول ، ومقاتل بن حيان : أنه الزوج .
قلت : وهذا هو الجديد من قولي الشافعي ، ومذهب أبي حنيفة .
وأصحابه ، والثوري ، وابن شبرمة ، والأوزاعي ، واختاره ابن جرير .
ومأخذ هذا القول : أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها ، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئا من مال المولية للغير ، فكذلك في الصداق .
قال : والوجه الثاني : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا محمد بن مسلم ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح قال : ذلك أبوها أو أخوها ، أو من لا تنكح إلا بإذنه ، وروي عن علقمة ، والحسن ، وعطاء ، وطاوس ، والزهري ، وربيعة ، وزيد بن أسلم ، وإبراهيم النخعي ، وعكرمة في أحد قوليه ، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه : أنه الولي .
وهذا مذهب مالك ، وقول الشافعي في القديم ; ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه ، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها .
وقال ابن جرير : حدثنا سعيد بن الربيع الرازي ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال : أذن الله في العفو وأمر به ، فأي امرأة عفت جاز عفوها ، فإن شحت وضنت عفا وليها وجاز عفوه .
وهذا يقتضي صحة عفو الولي ، وإن كانت رشيدة ، وهو مروي عن شريح .
لكن أنكر عليه الشعبي ، فرجع عن ذلك ، وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه .
وقوله : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) قال ابن جرير : قال بعضهم : خوطب به الرجال ، والنساء .
حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) قال : أقربهما للتقوى الذي يعفو .
وكذا روي عن الشعبي وغيره ، وقال مجاهد ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، والثوري : الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شطرها ، أو إتمام الرجل الصداق لها .
ولهذا قال : ( ولا تنسوا الفضل [ بينكم ] ) أي : الإحسان ، قاله سعيد .
وقال الضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وأبو وائل : المعروف ، يعني : لا تهملوه بل استعملوه بينكم .
وقد قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن إسحاق ، حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي ، عن عبد الله بن عبيد ، عن علي بن أبي طالب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليأتين على الناس زمان عضوض ، يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل ، وقد قال الله تعالى : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) شرار يبايعون كل مضطر ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر ، وعن بيع الغرر ، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه ، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه " .
وقال سفيان ، عن أبي هارون قال : رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي ، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء ويقول : صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هما ، حين رأيتهم أحسن ثيابا ، وأطيب ريحا ، وأحسن مركبا [ مني ] .
وجالست الفقراء فاسترحت بهم ، وقال : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له : رواه ابن أبي حاتم .
( إن الله بما تعملون بصير ) أي : لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم ، وسيجزي كل عامل بعمله .
وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم القول في تأويل قوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } وهذا الحكم من الله تعالى ذكره إبانة عن قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } وتأويل ذلك : لا جناح عليكم أيها الناس إن طلقتم النساء ما لم تماسوهن وقد فرضتم لهن فريضة , فلهن عليكم نصف ما كنتم فرضتم لهن من قبل طلاقكم إياهن , يعني بذلك : فلهن عليكم نصف ما أصدقتموهن .
وإنما قلنا : إن تأويل ذلك كذلك لما قد قدمنا البيان عنه من أن قوله : { أو تفرضوا لهن فريضة } بيان من الله تعالى ذكره لعباده حكم غير المفروض لهن إذا طلقهن قبل المسيس , فكان معلوما بذلك أن حكم اللواتي عطف عليهن بأو غير حكم المعطوف بهن بها .
وإنما كرر تعالى ذكره قوله : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } وقد مضى ذكرهن في قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } ليزول الشك عن سامعيه واللبس عليهم من أن يظنوا أن التي حكمها الحكم الذي وصفه في هذه الآية هي غير التي ابتدأ بذكرها وذكر حكمها في الآية التي قبلها .إلا أن يعفون وأما قوله : { إلا أن يعفون } فإنه يعني : إلا أن يعفو اللواتي وجب لهن عليكم نصف تلك الفريضة فيتركنه لكم , ويصفحن لكم عنه , تفضلا منهن بذلك عليكم , إن كن ممن يجوز حكمه في ماله , وهن بوالغ رشيدات , فيجوز عفوهن حينئذ عما عفون عنكم من ذلك , فيسقط عنكم ما كن عفون لكم عنه منه .
وذلك النصف الذي كان وجب لهن من الفريضة بعد الطلاق وقيل العفو إن عفت عنه , أو ما عفت عنه .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 4126 - حدثني المثنى .
قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فهذا الرجل يتزوج المرأة وقد سمي لها صداقا , ثم يطلقها من قبل أن يمسها , فلها نصف صداقها , ليس لها أكثر من ذلك .
4127 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : إن طلق الرجل امرأته وقد فرض لها فنصف ما فرض , إلا أن يعفون .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
4128 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وإذ طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فنسخت هذه الآية ما كان قبلها إذا كان لم يدخل بها وقد كان سمى لها صداقا , فجعل لها النصف , ولا متاع لها .
4129 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } قال : هو الرجل يتزوج المرأة وقد فرض لها صداقا , ثم طلقها قبل أن يدخل بها , فلها نصف ما فرض لها , ولها المتاع , ولا عدة عليها .
4130 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثنا الليث عن يونس , عن ابن شهاب : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } قال : إذا طلق الرجل المرأة وقد فرض لها ولم يمسها , فلها نصف صداقها , ولا عدة عليها .
ذكر من قال في قوله : { إلا أن يعفون } القول الذي ذكرناه من التأويل : 4131 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول : إذا طلقها قبل أن يمسها وقد فرض لها , فنصف الفريضة لها عليه , إلا أن تعفو عنه فتتركه .
4132 - حدثنا عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك , يقول في قوله : { إلا أن يعفون } قال : المرأة تترك الذي لها .
4133 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { إلا إذ يعفون } هي المرأة الثيب أو البكر يزوجها غير أبيها , فجعل الله العفو إليهن إن شئن عفون فتركن , وإن شئن أخذن نصف الصداق .
4134 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إلا إذ ينفون } تترك المرأة شطر صداقها , وهو الذي لها كله .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
4135 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { إلا إذ ينفون } قال : المرأة تدع لزوجها النصف .
4136 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثني عبد الله بن عون , عن محمد بن سيرين , عن شريح : { إلا أن يعفون } قال : إن شاءت المرأة عفت , فتركت الصداق .
* حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا عبد الله بن عون , عن محمد بن سيرين , عن شريح , مثله .
4137 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع قوله : { إلا أن يعفون } هي المرأة يطلقها زوجها قبل أن يدخل بها , فتعفو عن النصف لزوجها .
4138 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إلا أن يعفون } أما " أن يعفون " فالثيب أن تدع من صداقها أو تدعه كله .
4139 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , عن يونس , عن ابن شهاب : { إلا أن يعفون } قال : العفو إليهن إذا كانت المرأة ثيبا , فهي أولى بذلك , ولا يملك ذلك عليها ولي ; لأنها قد ملكت أمرها , فإن أرادت أن تعفو فتضع له نصفها الذي عليه من حقها جاز ذلك , وإن أرادت أخذه فهي أملك بذلك .
4140 - حدثني المثنى , قال .
ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا معمر , وقال : وحدثني ابن شهاب : { إلا أن يعفون } قال : النساء .
4141 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن السدي , عن أبي صالح : { إلا أن يعفون } قال : الثيب تدع صداقها .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو أسامة حماد بن زيد بن أسامة , قال : ثنا إسماعيل , عن الشعبي , عن شريح : { إلا أن يعفون } قال : قال : تعفو المرأة عن الذي لها كله .
قال أبو جعفر : ما سمعت أحدا يقول حماد بن زيد بن أسامة إلا أبا هشام .
4142 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : إن شاءت عفت عن صداقها , يعني في قوله : { إلا أن يعفون } * حدثنا ابن هشام , قالا : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن شريح , قال : تعفو المرأة وتدع نصف الصداق .
4143 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : قال الزهري : { إلا أن يعفون } الثيبات .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : قال مجاهد : { إلا أن يعفون } قال : تترك المرأة شطرها .
4144 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { إلا أن يعفون } يعني النساء .
4145 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { إلا أن يعفون } إن كانت ثيبا عفت .
4146 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري قوله : { إلا أن يعفون } يعني المرأة .
4147 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا زيد , وحدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران جميعا , عن سفيان : { إلا أن يعفون } قال : المرأة إذا لم يدخل بها أن تترك له المهر , فلا تأخذ منه شيئا .أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح القول في تأويل قوله تعالى : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره بقوله : { الذي بيده عقدة النكاح } فقال بعضهم : هو ولي البكر , وقالوا : ومعنى الآية : أو يترك الذي يلي على المرأة عقد نكاحها من أوليائها للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه , فيصفح له عنه إن كانت الجارية ممن لا يجوز لها أمر في مالها .
ذكر من قال ذلك : 4148 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , عن عمرو بن دينار , عن عكرمة , قال : قال ابن عباس رضي الله عنه : أذن الله في العفو وأمر به , فإن عفت فكما عفت , وإن ضنت وعفا وليها جاز وإن أبت .
4149 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } وهو أبو الجارية البكر , جعل الله سبحانه العفو إليه , ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره .
4150 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة : { الذي بيده عقدة النكاح } الولي .
* حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : قال علقمة : هو الولي .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة أنه قال : هو الولي .
* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معمر , عن حجاج , عن النخعي , عن علقمة , قال : هو الوفي .
4151 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبيد الله , عن بيان النحوي , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة , وأصحاب عبد الله , قالوا : هو الولي .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة أنه قال : هو الولي .
4152 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معمر , عن حجاج , أن الأسود بن زيد , قال : هو الولي .
4153 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو خالد , عن شعبة , عن أبي بشر , قال : قال طاوس ومجاهد : هو الولي ثم رجعا فقالا : هو الزوج .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو بشر , قال : قال مجاهد وطاوس : هو الولي ثم رجعا فقالا : هو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن فضيل , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة , قال : هو الولي .
4154 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : زوج رجل أخته , فطلقها زوجها قبل أن يدخل بها , فعفا أخوها عن المهر , فأجازه شريح , ثم قال : أنا أعفو عن نساء بني مرة .
فقال عامر : لا والله ما قضى قضاء قط أحق منه أن يجيز عفو الأخ في قوله : { إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } فقال فيها شريح بعد : هو الزوج إن عفا عن الصداق كله فسلمه إليها كله , أو عفت هي عن النصف الذي سمي لها , وإن تشاحا كلاهما أخذت نصف صداقها , قال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } 4155 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا جرير بن حازم , عن عيسى بن عاصم الأسدي : أن عليا سأل شريحا عن الذي بيده عقدة النكاح ؟
فقال : هو الولي .
4156 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : مغيرة : أخبرنا عن الشعبي , عن شريح أنه كان يقول : الذي بيده عقدة النكاح : هو الولي .
ثم ترك ذلك , فقال : هو الزوج .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا سيار , عن الشعبي : أن رجلا تزوج امرأة , فوجدها دميمة , فطلقها قبل أن يدخل بها , فعفا وليها عن نصف الصداق .
قال : فخاصمته إلى شريح , فقال لها شريح : قد عفا وليك .
قال : ثم إنه رجع بعد ذلك , فجعل الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
4157 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن , في الذي بيده عقدة النكاح , قال : الولي .
* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن منصور أو غيره , عن الحسن , قال : هو الولي .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن إدريس , عن هشام , عن الحسن , قال : هو الولي .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أبي رجاء , قال : سئل الحسن , عن الذي بيده عقدة النكاح ؟
قال : هو الولي .
4158 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع , عن يزيد بن إبراهيم , عن الحسن , قال : هو الذي أنكحها .
4159 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الذي بيده عقدة النكاح , هو الولي .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع وابن مهدي , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , قال : هو الولي .
4160 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن مهدي , عن أبي عوانة , عن مغيرة , عن إبراهيم والشعبي , قالا : هو الولي .
4161 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا ابن جريج , عن عطاء , قال : هو الولي .
4162 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن السدي , عن أبي صالح : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : ولي العذراء .
4163 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : قال لي الزهري : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } ولي البكر .
4164 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } هو الولي .
4165 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : أخبرنا ابن طاوس , عن أبيه , وعن رجل , عن عكرمة , قال معمر وقاله الحسن أيضا , قالوا : الذي بيده عقدة النكاح : الولي .
4166 - حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , قال : الذي بيده عقدة النكاح : الأب .
* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن منصور , عن إبراهيم عن علقمة , قال : هو الولي .
4167 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن سالم , عن مجاهد , قال : هو الولي .
4168 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { الذي بيده عقدة النكاح } هو ولي البكر .
4169 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في الذي بيده عقدة النكاح : الوالد .
ذكره ابن زيد , عن أبيه .
4170 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , عن مالك , عن زيد وربيعة : { الذي بيده عقدة النكاح } الأب في ابنته البكر , والسيد في أمته .
4171 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال مالك : وذلك إذا طلقت قبل الدخول بها , فله أن يعفو عن نصف الصداق الذي وجب لها عليه ما لم يقع طلاق .
4172 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , عن يونس , عن ابن شهاب , قال : { الذي بيده عقدة النكاح } هي البكر التي يعفو وليها , فيجوز ذلك , ولا يجوز عفوها هي .
4173 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول : { إلا أن يعفون } أن تعفو المرأة عن نصف الفريضة لها عليه فتتركه , فإن هي شحت إلا أن تأخذه فلها ولوليها الذي أنكحها الرجل , عم أو أخ أو أب , أن يعفو عن النصف , فإنه إن شاء فعل وإن كرهت المرأة .
* حدثنا سعيد بن الربيع المرادي , قال : ثنا سفيان , عن عمرو بن دينار , عن عكرمة , قال : أذن الله في العفو وأمر به , فإن امرأة عفت جاز عفوها , وإن شحت وضنت عفا وليها , وجاز عفوه .
* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم قال : الذي بيده عقدة النكاح : الولي .
وقال آخرون : بل الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
قالوا : ومعنى ذلك : أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملا .
ذكر من قال ذلك : 4174 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو شحمة , قال : ثنا حبيب , عن الليث , عن قتادة , عن خلاس بن عمرو , عن علي , قال : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج 4175 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا جرير بن حازم , عن عيسى بن عاصم الأسدي , أن عليا سأل شريحا عن الذي بيده عقدة النكاح , فقال : هو الولي .
فقال علي : لا , ولكنه الزوج .
* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا إبراهيم , قال : ثنا جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم , قال : سمعت شريحا قال : قال لي علي : من الذي بيده عقدة النكاح ؟
قلت : ولي المرأة .
قال : لا , بل هو الزوج .
4176 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن عمار بن أبي عمار , عن ابن عباس , قال : هو الزوج .
* حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : قلت لحماد بن سلمة , من الذي بيده عقده النكاح ؟
فذكر عن علي بن زيد , عن عمار بن أبي عمار , عن ابن عباس , قال : الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبيد الله , قال : أخبرنا إسرائيل , عن خصيف , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : هو الزوج .
4177 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن فضيل , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن ابن عباس وشريح , قالا : هو الزوج .
4178 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن مهدي , عن عبد الله بن جعفر , عن واصل بن أبي سعيد , عن محمد بن جبير بن مطعم : أن أباه تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها , فأرسل بالصداق وقال : أنا أحق بالعفو .
4179 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن صالح بن كيسان أن جبير بن مطعم تزوج امرأة , فطلقها قبل أن يبني بها وأكمل لها الصداق , وتأول : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } 4180 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن إدريس , عن محمد بن عمرو , عن نافع , عن جبير : أنه طلق امرأته قبل أن يدخل بها , فأتم لها الصداق وقال : أنا أحق بالعفو .
4181 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : حدثني عبد الله بن عون , عن محمد بن سيرين , عن شريح : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : إن شاء الزوج أعطاها الصداق كاملا .
* حدثنا حميد , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا عبد الله بن عون , عن محمد بن سيرين , بنحوه .
* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن شريح , قال : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
* حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر , أن شريحا قال : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
فرد ذلك عليه .
* حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن شريح , قال : الذي بيده عقدة النكاح : هو الزوج .
قال : وقال إبراهيم : وما يدري شريحا * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معمر , قال : ثنا حجاج , عن شريح , قال : هو الزوج .
* حدثنا أبو كريب , قال : أخبرنا الأعمش , عن إبراهيم , عن شريح , قال : هو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو أسامة حماد بن زيد بن أسامة , قال : ثنا إسماعيل , عن الشعبي , عن شريح : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } وهو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن شريح , قال : { الذي بيده عقدة النكاح } قال : الزوج يتم لها الصداق .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو معاوية , عن إسماعيل , عن الشعبي , وعن الحجاج , عن الحكم , عن شريح , وعن الأعمش , عن إبراهيم , عن شريح , قال : هو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا إسماعيل , عن الشعبي , عن شريح , قال : هو الزوج إن شاء أتم لها الصداق , وإن شاءت عفت عن الذي لها .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن محمد , قال : قال شريح : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أيوب , عن ابن سيرين , عن شريح : { أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : إن شاء الزوج عفا فكمل الصداق .
* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن منصور , عن إبراهيم , عن شريح , قال : هو الزوج .
4182 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن عبد الأعلى , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : الذي بيده عقدة النكاح : قال : هو الزوج .
* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : هو الزوج .
4183 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا ابن مهدي , عن حماد بن سلمة , عن قيس بن سعد , عن مجاهد , قال : هو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : الزوج .
* حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , وحدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل جميعا , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } زوجها أن يتم لها الصداق كاملا .
* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , وعن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , وعن أيوب , وعن ابن سيرين , عن شريح , قالوا : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : قال مجاهد : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج , { أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح } إتمام الزوج الصداق كله .
4184 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , عن عبد الله بن أبي مليكة , قال : قال سعيد بن جبير : { الذي بيده عقدة النكاح } الزوج .
4185 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو بشر , عن سعيد بن جبير , قال : الذي بيده عقدة النكاح : هو الزوج .
قال : وقال مجاهد وطاوس : هو الولي .
قال : قلت لسعيد : فإن مجاهدا وطاوسا يقولان : هو الولي ؟
قال سعيد : فما تأمرني إذا ؟
قال : أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة أكان يجوز ذلك ؟
فرجعت إليهما فحدثتهما , فرجعا عن قولهما وتابعا سعيدا .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا حميد , عن الحسن بن صالح , عن سالم الأفطس , عن سعيد , قال : هو الزوج .
* حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد , قال : هو الزوج , وقال طاوس ومجاهد : هو الولي , فكلمتهما في ذلك حتى تابعا سعيدا .
* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير وطاوس ومجاهد , بنحوه .
4186 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو الحسين , يعني زيد بن الحباب , عن أفلح بن سعيد , قال : سمعت محمد بن كعب القرظي , قال : هو الزوج أعطى ما عنده عفوا .
4187 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا أبو داود الطيالسي , عن زهير , عن أبي إسحاق , عن الشعبي , قال : هو الزوج .
4188 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبد الله , عن نافع , قال : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج , { إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : أما قوله : { إلا أن يعفون } فهي المرأة التي يطلقها زوجها قبل أن يدخل بها , فإما أن تعفو عن النصف لزوجها , وإما أن يعفو الزوج فيكمل لها صداقها .
4189 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { الذي بيده عقدة النكاح } الزوج .
4190 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن المسعودي , عن القاسم , قال : كان شريح يجاثيهم على الركب ويقول : هو الزوج .
4191 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا محمد بن حرب , قال : حدثنا ابن لهيعة , عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الذي بيده عقدة النكاح الزوج , يعفو , أو تعفو " .
4192 - حدثنا عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال : الزوج .
وهذا في المرأة يطلقها زوجها ولم يدخل بها , وقد فرض لها , فلها نصف المهر , فإن شاءت تركت الذي لها وهو النصف , وإن شاءت قبضته .
4193 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي , قال : ثنا زيد جميعا , عن سفيان : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } الزوج .
4194 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد بن هارون , قالا : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : الذي بيده عقدة النكاح : الزوج .
4195 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة , عن سعيد بن عبد العزيز , قال : سمعت تفسير هذه الآية : { إلا أن يعفون } النساء , فلا يأخذن شيئا , { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } الزوج , فيترك ذلك فلا يطلب شيئا .
* ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , قال : قال شريح في قوله : { إلا أن يعفون } قال : يعفو النساء , { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } الزوج .
وأولى القولين في ذلك بالصواب , قول من قال : المعني بقوله : { الذي بيده عقدة النكاح } : الزوج , وذلك لإجماع الجميع على أن ولي جارية بكر أو ثيب , صبية صغيرة كانت أو مدركة كبيرة , لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها , أو وهبه له , أو عفا له عنه , أن إبراءه ذلك , وعفوه له عنه باطل , وإن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه , فكان سبيل ما أبرأه من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأه منه قبل طلاقه إياها .
وأخرى أن الجميع مجمعون على أن ولي امرأة محجور عليها أو غير محجور عليها , لو وهب لزوجها المطلقها بعد بينونتها منه درهما من مالها على غير وجه العفو منه عما وجب لها من صداقها قبله أن وهبته ما وهب من ذلك مردودة باطلة , وهم مع ذلك مجمعون على أن صداقها مال من مالها , فحكمه حكم سائر أموالها .
وأخرى أن الجميع مجمعون على أن بني أعمام المرأة البكر وبني إخوتها من أبيها وأمها من أوليائها , وإن بعضهم لو عفا عن مالها , أو بعد دخوله بها , إن عفوه ذلك عما عفا له عنه منه باطل , وإن حق المرأة ثابت عليه بحاله , فكذلك سبيل عفو كل ولي لها كائنا من كان من الأولياء , والدا كان أو جدا أو أخا , لأن الله تعالى ذكره لم يخصص بعض الذين بأيديهم عقد النكاح دون بعض في جواز عفوه , إذا كانوا ممن يجوز حكمه في نفسه وماله .
ويقال لمن أبى ما قلنا ممن زعم أن الذي بيده عقدة النكاح ولي المرأة , هل يخلو القول في ذلك من أحد أمرين , إذ كان الذي بيده عقدة النكاح هو الولي عندك إما أن يكون ذلك كل ولي جاز له تزويج وليته , أو يكون ذلك بعضهم دون بعض ؟
فلن يجد إلى الخروج من أحد هذين القسمين سبيلا .
فإن قال : إن ذلك كذلك , قيل له : فأي ذلك عني به ؟
فإن قال : لكل ولي جاز له تزويج وليته .
قيل له : أفجائز للمعتق أمة تزويج مولاته بإذنها بعد عتقه إياها ؟
فإن قال نعم , قيل له : أفجائز عفوه إن عفا عن صداقها لزوجها بعد طلاقه إياها قبل المسيس , فإن قال نعم خرج من قول الجميع .
وإن قال لا قيل له : ولم وما الذي حظر ذلك عليه , وهو وليها الذي بيده عقدة نكاحها , ثم يعكس القول عليه في ذلك , ويسأل الفرق بينه , وبين عفو سائر الأولياء غيره .
وإن قال لبعض دون بعض , سئل البرهان على خصوص ذلك , وقد عمه الله تعالى ذكره فلم يخصص بعضا دون بعض , ويقال له : من المعني به إن كان المراد بذلك بعض الأولياء دون بعض ؟
فإن أومأ في ذلك إلى بعض منهم , سئل البرهان عليه , وعكس القول فيه وعورض في قوله ذلك , بخلاف دعواه , ثم لن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
فإن ظن ظان أن المرأة إذا فارقها زوجها , فقد بطل أن يكون بيده عقدة نكاحها , والله تعالى ذكره إنما أجاز عفو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة فكان معلوما بذلك أن الزوج غير معني به وأن المعني به هو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة بعد بينونتها من زوجها .
وفي بطول ذلك أن يكون حينئذ بيد الزوج , صحة القول أنه بيد الولي الذي إليه عقد النكاح إليها .
وإذا كان ذلك كذلك صح القول بأن الذي بيده عقدة النكاح , هو الولي , فقد غفل وظن خطأ .
وذلك أن معنى ذلك : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه , وإنما أدخلت الألف واللام في النكاح بدلا من الإضافة إلى الهاء التي كان " النكاح " لو لم يكونا فيه مضافا إليها , كما قال الله تعالى ذكره : { فإن الجنة هي المأوى } بمعنى : فإن الجنة مأواه , وكما قال نابغة بني ذبيان : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الناس فالأحلام غير عوازب بمعنى : فأحلامهم غير عوازب .
والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى .
فتأويل الكلام : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح , وهو الزوج الذي بيده عقدة نكاح نفسه في كل حال , قبل الطلاق وبعده , لأن معناه : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن .
فيكون تأويل الكلام ما ظنه القائلون أنه الولي : ولي المرأة , لا أن ولي المرأة لا يملك عقدة نكاح المرأة بغير إذنها إلا في حال طفولتها , وتلك حال لا يملك العقد عليها إلا بعض أوليائها في قول أكثر من رأى أن الذي بيده عقدة النكاح الولي , ولم يخصص الله تعالى ذكره بقوله .
{ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } بعضا منهم , فيجوز توجيه التأويل إلى ما تأولوه , لو كان لما قالوا في ذلك وجه .
وبعد , فإن الله تعالى ذكره إنما كنى بقوله : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون } عن ذكر النساء اللاتي قد جرى ذكرهن في الآية قبلها , وذلك قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } والصبايا لا يسمين نساء وإنما يسمين صبيا أو جواري , وإنما النساء في كلام العرب : جمع اسم المرأة , ولا تقول العرب للطفلة والصبية والصغيرة امرأة , كما لا تقول للصبي الصغير رجل .
وإذ كان ذلك كذلك , وكان قوله : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } عند الزاعمين أنه الولي , إنما هو : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } عما وجب لوليته التي تستحق أن يولي عليها مالها , إما لصغر , وإما لسفه , والله تعالى ذكره إنما اختص في الآيتين قصص النساء المطلقات , لعموم الذكر دون خصوصه , وجعل لهن العفو بقوله : { إلا أن يعفون } كان معلوما بقوله : { إلا أن يعفون } أن المعنيات منهن بالآيتين اللتين ذكرهن فيهما جميعهن دون بعض , إذ كان معلوما أن عفو من تولى عليه ماله منهن باطل .
وإذ كان ذلك كذلك , فبين أن التأويل في قوله : أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن , يوجب أن يكون لأولياء الثيبات الرشد البوالغ من العفو عما وهب لهن من الصداق بالطلاق قبل المسيس , مثل الذي لأولياء الأطفال الصغار المولى عليهن أموالهن السفه .
وفي إنكار المائلين إن الذي بيده عقدة النكاح الولي , عفو أولياء الثيبات الرشد البوالغ على ما وصفنا , وتفريقهم بين أحكامهم وأحكام أولياء الأخر , ما أبان عن فساد تأويلهم الذي تأولوه في ذلك .
ويسأل القائلون بقولهم في ذلك الفرق بين ذلك من أصل أو نظير , فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في خلافه مثله .وأن تعفوا أقرب للتقوى القول في تأويل قوله تعالى : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ; فقال بعضهم : خوطب بذلك الرجال والنساء .
ذكر من قال ذلك : 4196 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح , عن ابن عباس : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } قال : أمر بهما للتقوى الذي يعفو .
4197 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة , عن سعيد بن عبد العزيز , قال : سمعت تفسير هذه الآية : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } قال : يعفون جميعا .
فتأويل الآية على هذا القول : وأن تعفوا أيها الناس بعضكم عما وجب له قبل صاحبه من الصداق قبل الافتراق عند الطلاق , أقرب له إلى تقوى الله .
وقال آخرون : بل الذي خوطبوا بذلك أزواج المطلقات .
ذكر من قال ذلك .
4198 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي .
{ وأن تعفوا أقرب للتقوى } : وأن يعفو هو أقرب للتقوى .
فتأويل ذلك على هذا القول : وأن تعفوا أيها المفارقون أزواجهم , فتتركوا لهن ما وجب لكم الرجوع به عليهن من الصداق الذي سقتموه إليهن , أو .
.
.
لهن , بإعطائكم إياهن الصداق الذي كنتم سميتم لهن في عقدة النكاح , إن لم تكونوا سقتموه إليهن ; أقرب لكم إلى تقوى الله .
والذي هو أولى القولين بتأويل الآية عندي في ذلك : ما قاله ابن عباس , وهو أن معنى ذلك : وأن يعفو بعضكم لبعض أيها الأزواج والزوجات بعد فراق بعضكم بعضا عما وجب لبعضكم قبل بعض , فيتركه له إن كان قد بقي له قبله , وإن لم يكن بقي له , فبأن يوفيه بتمامه أقرب لكم إلى تقوى الله .
فإن قال قائل : وما في الصفح عن ذلك من القرب من تقوى الله , فيقال للصافح العافي عما وجب له قبل صاحبه : فعلك ما فعلت أقرب لك إلى تقوى الله ؟
قيل له : الذي في ذلك من قربه من تقوى الله مسارعته في عفوه ذلك إلى ما ندبه الله إليه , ودعاه وحضه عليه , فكان فعله ذلك إذا فعله ابتغاء مرضاة الله , وإيثار ما ندبه إليه على هوى نفسه , معلوما به , إذ كان مؤثرا فعل ما ندبه إليه مما لم يفرضه عليه على هوى نفسه , أنه لما فرضه عليه وأوجبه أشد إيثارا , ولما نهاه أشد تجنبا , وذلك هو قربه من التقوى .ولا تنسوا الفضل بينكم القول في تأويل قوله تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } يقول تعالى ذكره : ولا تغفلوا أيها الناس الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه , ولكن ليتفضل الرجل المطلق زوجته قبل مسيسها , فيكمل لها تمام صداقها إن كان لم يعطها جميعه وإن كان قد ساق إليها جميع ما كان فرض لها , فليتفضل عليها بالعفو عما يجب له , ويجوز له الرجوع به عليها , وذلك نصفه .
فإن شح الرجل بذلك , وأبى إلا الرجوع بنصفه عليها , فالتتفضل المرأة المطلقة عليه برد جميعه عليه إن كانت قد قبضته منه , وإن لم تكن قبضته فتعفو عن جميعه , فإن هما لم يفعلا ذلك وشحا وتركا ما ندبهما الله إليه من أخذ أحدهما على صاحبه بالفضل , فلها نصف ما كان فرض لها في عقد النكاح , وله نصفه .
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 4199 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا ابن أبي ذئب , عن سعيد بن جبير بن مطعم , عن أبيه جبير : أنه دخل على سعد بن أبي وقاص , فعرض عليه ابنة له فتزوجها , فلما خرج طلقها , وبعث إليها بالصداق .
قال : قيل له : فلم تزوجتها ؟
قال : عرضها علي , فكرهت ردها .
قيل : فلم تبعث بالصداق ؟
قال : فأين الفضل ؟
4200 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : إتمام الزوج الصداق , أو ترك المرأة الشطر .
* حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : إتمام الصداق , أو ترك المرأة شطره .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
4201 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : حدثنا أبي , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد : { ولا تنسوا الفضل بينكم } في هذا وفي غيره .
4202 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : يقول ليتعاطفا .
4203 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال .
ثنا سعيد , عن قتادة : { ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير } يرغبكم الله في المعروف , ويحثكم على الفضل .
4204 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : المرأة يطلقها زوجها وقد فرض لها ولم يدخل بها , فلها نصف الصداق , فأمر الله أن يترك لها نصيبها , وإن شاء أن يتم المهر كاملا ; وهو الذي ذكر الله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } 4205 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولا تنسوا الفضل بينكم } حض كل واحد على الصلة , يعني الزوج والمرأة على الصلة .
4206 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول في قول الله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } وذلك الفضل هو النصف من الصداق , وأن تعفو عنه المرأة للزوج , أو يعفو عنه وليها .
4207 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : يعفى عن نصف الصداق أو بعضه .
4208 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي , قال .
ثنا زيد جميعا , عن سفيان : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : حث بعضهم على بعض في هذا وفي غيره , حتى في عفو المرأة عن الصداق والزوج بالإتمام .
4209 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك : { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : المعروف .
- حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو , عن سعيد , قال : سمعت تفسير هذه الآية { ولا تنسوا الفضل بينكم } قال : لا تنسوا الإحسان .إن الله بما تعملون بصير القول في تأويل قوله تعالى : { إن الله بما تعملون بصير } يعني تعالى ذكره بذلك : إن الله بما تعملون أيها الناس مما ندبكم إليه , وحضكم عليه من عفو بعضكم لبعض عما وجب له قبله من حق , بسبب النكاح الذي كان بينكم وبين أزواجكم , وتفضل بعضكم على بعض في ذلك وبغيره مما تأتون وتذرون من أموركم في أنفسكم وغيركم , مما حثكم الله عليه , وأمركم به , أو نهاكم عنه , { بصير } يعني بذلك : ذو بصر لا يخفى عليه منه شيء من ذلك , بل هو يحصيه عليكم , ويحفظه , حتى يجازي ذا الإحسان منكم على إحسانه , وذا الإساءة منكم على إساءته .
قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير[ ص: 186 ] فيه ثمان مسائل :الأولى : اختلف الناس في هذه الآية ، فقالت فرقة منها مالك وغيره : إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع ، إذ يتناولها قوله تعالى : ( ومتعوهن ) .
وقال ابن المسيب : نسخت هذه الآية الآية التي في ( الأحزاب ) لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها .
وقال قتادة : نسخت هذه الآية الآية التي قبلها .قلت : قول سعيد وقتادة فيه نظر ، إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن .
وقال ابن القاسم في المدونة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف ، ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة ( الأحزاب ) فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية ، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط .
وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموما ، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها ، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها ، بل لها المتعة ونصف المفروض .الثانية : قوله تعالى : فنصف ما فرضتم أي فالواجب نصف ما فرضتم ، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع .
والنصف الجزء من اثنين ، فيقال : نصف الماء القدح أي بلغ نصفه .
ونصف الإزار الساق ، وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصفه .
وقرأ الجمهور ( فنصف ) بالرفع .
وقرأت فرقة " فنصف " بنصب الفاء ، المعنى فادفعوا نصف .
وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت " فنصف " بضم النون في جميع القرآن وهي لغة .
وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال : نصف ونصف ونصيف ، ، لغات ثلاث في النصف ، وفي الحديث : لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه أي نصفه .
والنصيف أيضا القناع . الثالثة : إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك : كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما ، وتواه عليهما جميعا ليس على المرأة منه شيء .
فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها إياه ، ونماؤه ونقصانه بينهما .
وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه ، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه ، وإن اشترت به أو منه شيئا تختص به فعليها [ ص: 187 ] أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه ، وكذلك لو اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف .الرابعة : لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث ، وعليها العدة .واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها ، فقال الكوفيون ومالك : عليه جميع المهر ، وعليها العدة ، لخبر ابن مسعود قال : قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة ، وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في ( النساء ) .
والشافعي لا يوجب مهرا كاملا ، ولا عدة إذا لم يكن دخول ، لظاهر القرآن .
قال شريح : لم أسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا ، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق ، وهو مذهب ابن عباس وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة ( النساء ) إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وقد أفضى بعضكم إلى بعض .الخامسة : قوله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح الآية .
إلا أن يعفون استثناء منقطع ؛ لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن .
و يعفون معناه يتركن ويصفحن ، ووزنه يفعلن .
والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج ، ولم تسقط النون مع " أن " ؛ لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم ، فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط ، ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر .
والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها ، فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه ، إذ جعله خالص حقهن ، فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن ، إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات .
وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين : ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها ، وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز .
وأما التي في حجر أب أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا ، ولا خلاف فيه فيما أعلم .السادسة : قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده معطوف على الأول مبني ، وهذا معرب .
وقرأ الحسن " أو يعفو " ساكنة الواو ، كأنه استثقل الفتحة في الواو .
واختلف الناس في المراد بقوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فروى الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها ، فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال : أنا أحق [ ص: 188 ] بالعفو منها ، قال الله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأنا أحق بالعفو منها .
وتأول قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده ، أي عقدة نكاحه ، فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله : فإن الجنة هي المأوى ؛ أي مأواه .
قال النابغة :لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازبأي أحلامهم .
وكذلك قوله : عقدة النكاح أي عقدة نكاحه .
وروى الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولي عقدة النكاح الزوج .
وأسند هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح .
قال : وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ، زاد غيره ومجاهد والثوري ، واختاره أبو حنيفة ، وهو الصحيح من قول الشافعي ، كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها ، للإجماع على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده .
وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها ، والمهر مالها .
وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الإخوة ، فكذلك الأب ، والله أعلم .
ومنهم من قال هو الولي أسنده الدارقطني أيضا عن ابن عباس قال : وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن ، زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم .
فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت ، بلغت المحيض أم لم تبلغه .
قال عيسى بن دينار : ولا ترجع بشيء منه على أبيها ، والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أول الآية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ، ثم قال : إلا أن يعفون فذكر النسوان ، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود ، وقد وجد وهو الولي فهو المراد .
قال معناه مكي وذكره ابن العربي .
وأيضا فإن الله تعالى قال : إلا أن يعفون ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو ، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما ، فبين الله القسمين فقال : إلا أن يعفون أي إن كن لذلك أهلا ، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي ؛ لأن الأمر فيه إليه .
[ ص: 189 ] وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته .
وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد ، ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها .
فإن قيل : لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج ، وهذا الاسم أولى به ؛ لأنه أملك للعقد من الولي على ما تقدم .
فالجواب - أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ابنته البكر ، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج ؛ لأن المعقود عليه هو بضع البكر ، ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه .
وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر ، وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما ، كان عما أو أبا أو أخا ، وإن كرهت .
وقرأ أبو نهيك والشعبي " أو يعفو " بإسكان الواو على التشبيه بالألف ، ومثله قول الشاعر :فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أبالسابعة : قوله تعالى : وأن تعفوا أقرب للتقوى ابتداء وخبر ، والأصل تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وهو خطاب للرجال والنساء في قول ابن عباس فغلب الذكور ، واللام بمعنى إلى ، أي أقرب إلى التقوى .
وقرأ الجمهور ( تعفو ) بالتاء باثنتين من فوق .
وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن يعفو " بالياء ، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح .قلت : ولم يقرأ " وأن تعفون " بالتاء فيكون للنساء .
وقرأ الجمهور ولا تنسوا الفضل بضم الواو ، وكسرها يحيى بن يعمر .
وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة ( ولا تناسوا الفضل ) وهي قراءة متمكنة المعنى ؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه .
قال مجاهد : الفضل إتمام الرجل الصداق كله ، أو ترك المرأة النصف الذي لها .الثامنة : قوله تعالى : إن الله بما تعملون بصير خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن ، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم .
أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس, وبعد فرض المهر, فللمطلقات من المهر المفروض نصفه, ولكم نصفه.
هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة, بأن تعفو عن نصفها لزوجها, إذا كان يصح عفوها, { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حل عقدته؛ ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة, لكونه غير مالك ولا وكيل.
ثم رغب في العفو, وأن من عفا, كان أقرب لتقواه, لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر, ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف, وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة, لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب, وهو: أخذ الواجب, وإعطاء الواجب.
وإما فضل وإحسان, وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق, والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة, ولو في بعض الأوقات, وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة, أو مخالطة, فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
وقوله تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض والمراد بالمس المذكور في الآية : الجماع واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن يدخل بها فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق ولا عدة عليها لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر ولم يوجب العدة وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله .
وقال قوم : يجب لها كمال المهر وعليها العدة لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق ومثله عن زيد بن ثابت وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على تقدير الصداق وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب " فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن " ( 49 - الأحزاب ) فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية وأوجب للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض ولا متاع لها .
وقوله تعالى ( وقد فرضتم لهن فريضة ) أي سميتم لهن مهرا ( فنصف ما فرضتم ) أي لها نصف المهر المسمى ( إلا أن يعفون ) يعني النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج .
قوله تعالى : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) اختلفوا فيه : فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي وبه قال ابن عباس رضي الله عنه معناه : إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى الزوج إن كانت ثيبا من أهل العفو أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكرا أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها وقال بعضهم : الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج وهو قول علي وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة وقالوا : لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا يجوز له أن يهب شيئا من مالها وقالوا : معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق فعلى هذا التأويل وجه الآية : الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) موضعه رفع بالابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى أي إلى التقوى والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر معناه : وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها حثهما جميعا على الإحسان ( إن الله بما تعملون بصير ) .
«وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم» يجب لهن ويرجع لكم النصف «إلا» لكن «أن يعفون» أي الزوجات فيتركنه «أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح» وهو الزوج فيترك لها الكل، وعن ابن عباس: الولي إذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك «وأن تعفوا» مبتدأ خبره «أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم» أي أن يتفضل بعضكم على بعض «إن الله بما تعملون بصير» فيجازيكم به.
وإن طلَّقتم النساء بعد العقد عليهن، ولم تجامعوهن، ولكنكم ألزمتم أنفسكم بمهر محدد لهن، فيجب عليكم أن تعطوهن نصف المهر المتفق عليه، إلا أنْ تُسامِح المطلقات، فيتركن نصف المهر المستحق لهن، أو يسمح الزوج بأن يترك للمطلقة المهر كله، وتسامحكم أيها الرجال والنساء أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تنسوا -أيها الناس- الفضل والإحسان بينكم، وهو إعطاء ما ليس بواجب عليكم، والتسامح في الحقوق.
إن الله بما تعملون بصير، يُرغِّبكم في المعروف، ويحثُّكم على الفضل.
ثم بين - سبحانه - حق المرأة فيما لو طلقت قبل الدخول بها وبعد تسمية مهر لها فقال - تعالى - : ( وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ) .أي : وإن طلقتم يا معشر الرجال والنساء من قبل أن تدخلوا بهن وتباشروهن ، ومن بعد أن قدرتم لهن صداقاً معلوماً ، فالواجب عليكم في هذه الحالة أن تدفعوا لهن نصف ما قدرتم لهن من صداق ، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها فتتركه لمطلقها بسماحة نفس ، بأن تكون هي الراغبة في الطلاق ، أو يتناول الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا أو ما هو أكثر من النصف لأنه هو الراغب في الطلاق .
وجملة ( وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) في موضع نصب على الحال من فاعل ( طَلَّقْتُمُوهُنَّ ) أو من مفعوله .
أي وإن طلقتموهن حالة كونكم فارضين لهن المهر أو حالة كونهن مفروضاً لهن المهر .والفاء في قوله : ( فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) واقعة في جواب الشرط ، والجملة في مجل جزم جواب الشرط ، و " نصف " مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي فالواجب نصف ، أو هو مبتدأ محذوف الخبر أي فلهن نصف ، وقد صحرت الآية الكريمة بوجوب النصف ، ولم تصرح بوجوب دفعة ، لأنه قد يكون قدم لها المهر كله أو بعضه ، فكان التعبير بالوجوب بياناً للحكم حتى يسترد المطلق ما دفعه زيادة عن النصف إن أراد ذلك ، أو يكمل لها النصف إن كان قد دفع أقل منه .وقوله : ( إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ) استثناء مفرغ من عموم الأحوال .
و ( يَعْفُونَ ) فعل مضارع الواو فيه لام الفعل ، ونونه ضمير جماعة الإِناث فهو هنا مبني على السكون في محل نصب بأن .
ووزنه يفعلن أي : فلهن نصف المهر الذي فرضتموه لهن في كل حال إلا في حال عفو المطلقات أي إبرائهن لكم وتنازلهن عن هذا الحق ، أو في حال عفو الذي بيده عقدة النكاح ، وهو الزوج المطلق - عند الأحناف والشافعية - لأنه هو المالك لعقد النكاح وحله ، والمراد بعفوه أن يزيد على نصف المهر المقرر .ويرى المالكية أن الذي بيده عقدة النكاح هو ولي المرأة ، لأنه هو الذي بيده عقدة النكاح ثابتة ، وأما الزوج فله ذلك حالة العقد المتقدم فقط .ويكون المعنى على هذا الرأي : عليكم يا معشر الرجال أن تدفعوا للنساء نصف المهر إذا طلقتموهن بعد أن قدرتم لهن مهراً وقبل أن تمسوهن إلا أن يتنازل النساء عن هذا الحق ، إذا كن يملكن ذلك ، أو يتنازل أولياؤهن إن كن لا يملكن حق التنازل ، كأن تكون البنت صغيرة ، أو غير جائزة التصرف .وقد دل كل فريق على مذهبه بما هو مبسوط في كتب الفقه .ثم حبب - سبحانه - إلى الناس التسامح والتعاطف فقال : ( وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .أي : من حق المرأة الملطقة على ملطقها أن يدفع لها نصف المهر إذا كان الطلاق قبل المباشرة وبعد تحديد المهر ، وإذا تنازل أحد الطرفين عن جزء من حقه لصاحبه كان هذا التنازل حسناً .
لأن هذا التنازل والتسامح يضفي على جو الطلاق لوناً من المودة والتقارب بين النفوس التي آلمها الفراق بتلك الصورة ، فاحرصوا - أيها الناس - على هذا الفعو بأن يتنازل كل فريق منكم لصاحبه عن شيء من حقه ، ويتسامح معه ، فإن ذلك أقرب إلى تقوى القلوب ، وصفاء النفوس ، ولا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض بالإِحسان ، وحب الخير ، وجميل الذكر ، فالله - تعالى - بصير بأعمالكم وسيحاسبكم عليها ، وسيجازي كل نفس بما عملت .فالجملة الكريمة توجيه حكيم للناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن والتباغض والتخاصم خصوصاً في حالات الطلاق التي هي من أشد الأحوال دفعاً إلى هذه الرذائل .ولقد حفظ لنا التاريخ الإِسلامي صوراً مشرقة لهذا العفو والفضل من ذلك ما ذكره الإِمام الزمخشري من أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها .
ثم طلقها قبل أن يدخل بها وبعث لها المهر كاملاً .
فقال له : لم تزوجتها؟
فقال : عرضها على فكرهت رده .
فقيل له : فلم بعثت بالصداق كاملا؟
قال : فأين الفضل .وروى أن أحد الصحابة تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها فأعطاها الصداق كاملاً ، فقيل له في ذلك فقال : أنا أحق بالعفو منها .وهكذا نرى مبلغ استحبابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ووصاياه ، فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام؟وبعد هذا الحديث المستفيض الذي لم ينته بعد عن الطلاق وأحكامه وآدابه ، أورد القرآن آيتيني كريمتين تأمران بالمحافظة على الصلاة وبالمداومة على طاعة الله ، وبالملازمة لذكره - عز وجل - فقال - تعالى :( حَافِظُواْ عَلَى الصلوات .
.
.
)
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها مهر، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر، وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر، ويعني بالخلوة الصحيحة: أن يخلوا بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو: الرتق والقرن والمرض، أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً، والشرعي نحو، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضاً أو نفلاً، حجة الشافعي أن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر وهاهنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط نصف المهر.
بيان المقدمة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ فقوله: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ليس كلاماً تاماً بل لابد من إضمار آخر ليتم الكلام، فأما أن يضمر ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ساقط، أو يضمر ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ثابت والأول هو المقصود، والثاني مرجوح لوجوه: أحدها: أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهراً، فلو حملناه على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق، لأنه غير منفي قبله، أما لو حملناه على السقوط، عملنا بقضية التعليق، لأنه منفي قبله.
وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ يقتضي وجوب كل المهر عليه، لأنه لما التزم لزمه الكل لقوله تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ فلم تكن الحاجة إلى بيان ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضاً لوجوب النصف إنما المحتاج إليه بيان سقوط النصف، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان الظاهر هو وجوب الكل، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على بيان الوجوب.
وثالثها: أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف.
ورابعها: وهو أن المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس، وكون الطلاق واقعاً قبل المسيس يناسب سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيء، فلما كان المذكور في الآية ما يناسب السقوط، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى، وإنما استقصينا في هذه الوجوه لأن منهم من قال: إن معنى الآية: فنصف ما فرضتم واجب، وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر، إلا من حيث دليل الخطاب، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع هذا السؤال.
بيان المقدمة الثانية: وهي أن هاهنا وجد الطلاق قبل المسيس، هو أن المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله، حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وجه التمسك به من وجهين: الأول: هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة، ومن ادعى التخصيص هاهنا فعليه البيان والثاني: أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء، وهي الخلوة، والإفضاء مشتق من الفضاء، وهو المكان الخالي، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر.
وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ حال من مفعول ﴿ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ والتقدير: طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة.
أما قوله تعالى: ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما لم تسقط النون من ﴿ يَعْفُونَ ﴾ وإن دخلت عليه ﴿ أن ﴾ الناصبة للأفعال لأن ﴿ يَعْفُونَ ﴾ فعل النساء، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم، والنون في ﴿ يَعْفُونَ ﴾ إذا كان الفعل مسنداً إلى النساء ضمير جمع المؤنث، وإذا كان الفعل مسنداً إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر، والساقط في ﴿ يَعْفُونَ ﴾ إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في ﴿ يَعْفُونَ ﴾ لا الواو التي هي ضمير الجمع، والله أعلم.
المسألة الثانية: المعنى: إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً.
أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان الأول: أنه الزوج، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعيد بن المسيب، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة.
والقول الثاني: أنه الولي، وهو قول الحسن، ومجاهد وعلقمة، وهو قول أصحاب الشافعي.
حجة القول الأول وجوه: الأول: أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني: أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول، كالأكلة واللقمة، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث: أن قوله تعالى: ﴿ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره، كما أن قوله: ﴿ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى ﴾ أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره، كانت الجنة ثابتة له، فتكون مأواه الرابع: ما روي عن جبير بن مطعم، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج.
حجة من قال: المراد هو الولي وجوه: الأول: أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر، وذلك يكون هبة، والهبة لا تسمى عفواً، أجاب الأولون عن هذا من وجوه: أحدها: أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.
وثانيها: سماه عفواً على طريق المشاكلة.
وثالثها: أن العفو قد يراد به التسهيل يقال: فلان وجد المال عفواً صفواً، وقد بينا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.
أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى العفو مطلقاً وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل، وأجابوا عن السؤال الثاني أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفواً؟.
وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل على إنسان شيئاً يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك.
الحجة الثانية: للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم بقوله عز وجل: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ فلو كان المراد بقوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ هو الزوج، لقال: أو تعفو على سبيل المخاطبة، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة، علمنا أن المراد منه غير الزواج.
وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو، والمعنى: إلا أن يعفو أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج، فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.
الحجة الثالثة: للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده ألبتة عقدة النكاح، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبياً عن المرأة، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه، فلا يكون له قدرة على إنكاحها ألبتة وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على إزالة النكاح، والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت أنه ليس المراد هو الزوج، أما الولي فله قدرة على إنكاحها، فكان المراد من الآية هو الولي لا الزوج، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال: المراد هو الزوج.
أما الحجة الأولى: فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء.
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح، قلنا: العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح ﴾ سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداءً، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضاً بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره.
وأما الحجة الثالثة: وهي قوله: إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه: أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل: فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا هاهنا.
المسألة الثانية: للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ إما الزوج وإما الولي، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح، فوجب حمله على الولي.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل: بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره، قال تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ أي لا لغيركم، فكذا هاهنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا خطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول: قائم.
ثم تريد التأنيث فتقول: قائمة.
فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل، والدال على المؤنث فرع عليه، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلباً.
المسألة الثانية: موضع ﴿ أن ﴾ رفع بالابتداء، والتقدير: والعفو أقرب للتقوى، واللام بمعنى إلى.
المسألة الثالثة: معنى الآية: عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى وإنما كان الأمر كذلك لوجهين: الأول: أن من سمح بترك حقه فهو محسن، ومن كان محسناً فقد استحق الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني: أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقرباً إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق، ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ ﴾ وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه، وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهراً من غير أن انتفع بها ألبتة صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة، فقال: ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ﴿ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ما لم تجامعوهن ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر.
وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمّى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة.
والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ فقوله: فنصف ما فرضتم: إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبي حنيفة، إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك.
فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها.
و ﴿ الموسع ﴾ الذي له سعة.
و ﴿ المقتر ﴾ الضيق الحال.
و ﴿ قَدَرُهُ ﴾ مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به.
وقرئ بفتح الدال.
والقدْر والقدَر لغتان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً، ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها» ؟
قال: لم يكن عندي شيء.
قال: «متعها بقلنسوتك» وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب.
﴿ متاعا ﴾ تأكيد لمتعوهن، بمعنى تمتيعاً ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة ﴿ حَقّاً ﴾ صفة لمتاعاً، أي متاعاً واجباً عليهم.
أو حق ذلك حقاً ﴿ عَلَى المحسنين ﴾ على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ يريد المطلقات.
فإن قلت: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون.
والنساء يعفون؟
قلت: الواو في الأوّل ضميرهم، والنون علم الرفع.
والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهنّ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل وهو في محل النصب ويعفو: عطف على محله.
و ﴿ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ الوليّ يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً، أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي.
وقيل هو الزوج، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبي حنيفة والأوّل ظاهر الصحة.
وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر، إلا أن يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.
أو سماه عفواً على طريق المشاكلة.
وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.
وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوّجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً، فقيل له: لم تزوّجتها؟
فقال: عرضها عليّ فكرهت ردّه.
قيل: فلم بعثت بالصداق؟
قال: فأين الفضل؟
و ﴿ الفضل ﴾ التفضل.
أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا، وقرأ الحسن ﴿ أن يعفوْ الذي ﴾ بسكون الواو وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها.
وقرأ أبو نُهيك: ﴿ وأن يعفو ﴾ ، بالياء.
وقرئ: ﴿ ولا تنسو الفضل ﴾ ، بكسر الواو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ لِما ذَكَرَ حُكْمَ المُفَوَّضَةِ أتْبَعَهُ حُكْمَ قَسِيمِها.
﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ أيْ فَلَهُنَّ، أوْ فالواجِبُ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجُناحَ المَنفِيَّ ثُمَّ تَبِعَهُ المَهْرُ وأنْ لا مُتْعَةَ مَعَ التَّشْطِيرِ لِأنَّهُ قَسِيمُها ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ فَلا يَأْخُذْنَ شَيْئًا، والصِّيغَةُ تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ أنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ وفي الثّانِي لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ ولِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هاهُنا ونُصِبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ.
﴿ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ﴾ أيِ الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِهِ وحِلِّهِ عَمّا يَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّشْطِيرِ فَيَسُوقُ المَهْرَ إلَيْها كامِلًا، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ المَسِيسِ مُخَيَّرٌ لِلزَّوْجِ غَيْرُ مُشَطَّرٍ بِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةِ.
وقِيلَ الوَلِيُّ الَّذِي يَلِي عَقْدَ نِكاحِهِنَّ وذَلِكَ إذا كانَتِ المَرْأةُ صَغِيرَةً، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿ وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ وعَفْوُ الزَّوْجِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ ظاهِرٌ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ، وتَسْمِيَتُها عَفْوًا إمّا عَلى المُشاكَلَةِ وإمّا لِأنَّهم يَسُوقُونَ المَهْرَ إلى النِّساءِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَمِن طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ اسْتَحَقَّ اسْتِرْدادَ النِّصْفِ فَإذا لَمْ يَسْتَرِدَّهُ فَقَدْ عَفا عَنْهُ.
وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَأكْمَلَ لَها الصَّداقَ وقالَ أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ.
﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ ولا تَنْسَوْا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا يُضِيعُ تَفَضُّلَكم وإحْسانَكم.
<div class="verse-tafsir"
ثم بين حكم التي سمى لها مهراً في الطلاق قبل المس فقال {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أن مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر أي من قبل مسكم إياهن {وَقَدْ فَرَضْتُمْ} في موضع الحال {لَهُنَّ فَرِيضَةً} مهراً {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ} يريد المطلقات وأن مع الفعل في موضع النصب على الاستثناء كأنه قيل فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من المهر والفرق بين الرجال يعفون والنساء يعفون أن الواو في الأول ضميرهم والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل {أو يعفو} عطف على محله {الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} هو الزوج كذا فسره على رضى الله عنه وهو قول سعيد بن جبير وشريح ومجاهد وأبي حنيفة والشافعي على الجديد رضى الله عنهم وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده والمعنى أن الواجب شرعاً هو النصف إلا أن تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلاً وعند مالك والشافعي في القديم هو الولي قلنا هو لا يملك التبرع بحق الصغير فكيف يجوز حمله عليه {وَأَن تَعْفُواْ} مبتدأ خبره {أَقْرَبُ للتقوى} والخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب ذكره الزجاج أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج {وَلاَ تنسوا الفضل} التفضيل {بينكم}
البقرة (٢٣٧ _ ٢٤٠)
أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على تفضلكم
﴿ وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ الَّتِي سُمِّيَ لَها مَهْرٌ وطُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، وجُمْلَةُ ( وقَدْ ) إلَخْ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( طَلَّقْتُمُوهُنَّ )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، ونَفْسُ الفَرْضِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، وإنْ لَمْ يُقارَنْ حالَةَ التَّطْلِيقِ، لَكِنَّ اتِّصافَ المُطْلَقِ بِالفارِضِيَّةِ فِيما سَبَقَ مِمّا لا رَيْبَ في مُقارَنَتِهِ لَها، وكَذا الحالُ في اتِّصافِ المُطَلَّقَةِ بِكَوْنِها مَفْرُوضًا فِيما سَبَقَ ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما قَدَّرْتُمْ وسَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ، أوْ فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنفِيَّ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ إنَّما هو تَبِعَةُ المَهْرِ، وقُرِئَ: فَنِصْفَ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى: فَأدَّوْا نِصْفَ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ حُكْمِ التَّسْمِيَةِ مَعَ أنَّها الأصْلُ في العَقْدِ، والأكْثَرُ في الوُقُوعِ، مِن بابِ التَّدَرُّجِ في الأحْكامِ، وذِكْرِ الأشَقِّ فالأشَقِّ، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في «أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ، وكانَتْ مُفَوَّضَةً فَطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، فَتَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ _ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ _: ”أمْتَعْتَها؟
قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ، قالَ: مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ»“ مِمّا لا أراهُ شَيْئًا، عَلى أنَّ في هَذا الخَبَرِ مَقالًا حَتّى قالَ الحافِظُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ المَفْرُوضِ، مُعَيَّنًا في كُلِّ حالٍ إلّا حالَ عَفْوِهِنَّ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ، والصِّيغَةُ في حَدِّ ذاتِها تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ بِالِاعْتِبارِ، فَإنَّ الواوَ في الأُولى ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، وفي الثّانِيَةِ لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هُنا مَعَ أنَّها ناصِبَةٌ لا مُخَفَّفَةٌ؛ بِدَلِيلِ عَطْفِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَعْفُوَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الواوِ فَهو عَلى حَدِّ أبى اللَّهُ أنْ أسْمُو بِأُمٍّ ولا أبٍ ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ﴾ وهو الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِ النِّكاحِ وحَلِّهِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _ _ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم _ ومَعْنى عَفْوِهِ: تَرْكُهُ تَكَرُّمًا ما يَعُودُ إلَيْهِ مِن نِصْفِ المَهْرِ الَّذِي ساقَهُ كامِلًا، عَلى ما هو المُعْتادُ، أوْ إعْطاؤُهُ تَمامَ المَهْرِ المَفْرُوضِ قَبْلُ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَفْوًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالزِّيادَةِ والفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ ﴾ وقَوْلِ زُهَيْرٍ: حَزْمًا وبِرًّا لِلْإلَهِ وشِيمَةً تَعْفُو عَلى خُلُقِ المُسِيءِ المُفْسِدِ فَمَرْجِعُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ إلى مَنعِ الزِّيادَةِ في المُسْتَثْنى مِنهُ، كَما أنَّهُ في الصُّورَةِ الأوْلى إلْى مَنعِ النُّقْصانِ فِيهِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ هَذا المِقْدارُ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إذْ ذاكَ لَهُنَّ القَدْرُ المَذْكُورُ، بَلْ يَنْتَفِي أوْ يَنْحَطُّ، أوْ في حالِ عَفْوِ الزَّوْجِ فَإنَّهُ وقْتَئِذٍ تَكُونُ لَهُنَّ الزِّيادَةُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ الأوَّلِ في فَنِصْفُ غَيْرِ مُلاحَظٍ فِيهِ الوُجُوبُ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِكَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ في صُورَةِ عَفْوِ الزَّوْجِ لا يُتَصَوَّرُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ فَلْيَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وعَلْقَمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في قَوْلِهِ القَدِيمِ إلى أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الوَلِيُّ الَّذِي لا تُنْكَحُ المَرْأةُ إلّا بِإذْنِهِ، فَإنَّ لَهُ العَفْوَ عَنِ المَهْرِ إذا كانَتِ المَنكُوحَةُ صَغِيرَةً في رَأْيِ البَعْضِ، ومُطْلَقًا في رَأْيِ الآخَرِينَ وإنْ أبَتْ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَأْثُورُ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ فَإنَّ إسْقاطَ حَقِّ الغَيْرِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْوى، وهَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، وغَلَبَ المُذَكَّرُ لِشَرَفِهِ وكَذا فِيما بَعْدُ، واللّامُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومِن قَواعِدِهِمُ الَّتِي قَلَّ مَن يَضْبِطُها أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وكَذا فِعْلَ التَّعَجُّبِ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُهُ؛ كَـ: أزْهَدُ فِيهِ مِن كَذا، وإنْ كانَ مِن مُتَعَدٍّ في الأصْلِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ يُفْهَمُ عِلْمًا أوْ جَهْلًا تَعَدّى بِالباءِ؛ كَـ: أعْلَمُ بِالفِقْهِ، وأجْهَلُ بِالنَّحْوِ، وإنْ كانَ لا يُفْهَمُ ذَلِكَ تَعَدّى بِاللّامِ؛ كَـ: أنْتَ أضْرَبُ لِعَمْرٍو، إلّا في بابِ الحُبِّ والبُغْضِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِفِي؛ كَـ: هو أحَبُّ في بَكْرٍ، وأبْعَضُ في عَمْرٍو، وإلى الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ بِإلى؛ كَـ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى خالِدٍ مِن بِشْرٍ، أوْ أبْغَضُ إلَيْهِ مِنهُ، وقُرِئَ: وأنْ يَعْفُوا بِالياءِ ﴿ ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، المَقْصُودُ مِنها الأمْرُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ أيْ: لا تَتْرُكُوا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كالشَّيْءِ المَنسِيِّ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَنْسَوُا )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفَضْلِ، وحَمْلُ الفَضْلِ عَلى الزِّيادَةِ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ الضَّعْفِ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْفَضْلِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، والفَضْلُ بِمَعْنى الإحْسانِ؛ أيْ: لا تَنْسَوُا الإحْسانَ الكائِنَ بَيْنَكم مِن قَبْلُ، ولْيَكُنْ مِنكم عَلى ذِكْرٍ حَتّى يُرَغَّبَ كُلٌّ في العَفْوِ مُقابَلَةً لِإحْسانِ صاحِبِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنْ لا إحْسانَ في الغالِبِ بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها قَبْلَ الدُّخُولِ، وقَرَأ عَلِيٌّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _: ولا تَناسَوْا، وبَعْضُهُمْ: ولا تَنْسُوا؛ بِسُكُونِ الواوِ ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَلا يَكادُ يَضِيعُ ما عَمِلْتُمْ.
<div class="verse-tafsir"
لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ، أي لا حرج عليكم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ قرأ حمزة والكسائي تَمَاسُّوهُنَّ بالألف من المفاعلة، وهو فعل بين اثنين وقرأ الباقون بغير ألف، لأن الفعل للرجال خاصة.
وقال بعضهم: المس هو الجماع خاصة، فما لم يجامعها لا يجب عليه تمام المهر.
وقال بعضهم: إذا جامعها أو خلا بها، وجب عليه جميع الصداق إذا كان سمى لها مهراً وإن لم يكن سمى لها مهراً، فلها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.
فذلك قوله تعالى: لاَ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، يعني إذا تزوج الرجل امرأة ثم لم يعجبه المقام معها، فلا بأس بأن يطلقها قبل أن يمسها.
قوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، يعني لا حرج عليكم أن تتزوجوا النساء ولم تسموا لهن مهراً وَمَتِّعُوهُنَّ، يعني إذا طلقها قبل أن يدخل بها، فعلى الزوج أن يمتعها عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: «قَدَرَهُ» بنصب الدال، وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد.
قوله: وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ قال ابن عباس في رواية الكلبي: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة وهكذا قال في رواية الضحاك حَقًّا، أي واجباً عَلَى الْمُحْسِنِينَ أن يمنعوا النساء على قدر طاقتهم.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، يعني من قبل أن تجامعوهن وقبل أن تخلوا بهن، هكذا قال في رواية الضحاك، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، يعني على الزوج نصف ما فرض لها من المهر.
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، يعني إلا أن تترك المرأة فلا تأخذ شيئاً، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، يعني الزوج يكمل لها جميع الصداق.
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، يقول: أن تعفو بعضكم بعضاً كان أقرب إلى البر، فأيهما ترك لصاحبه فقد أخذ بالفضل.
ويقال: إن الله تعالى ندب إلى الإنسانية، فأمر كل واحد منهما بالعفو، ثم قال تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، يعني لا تتركوا الفضل والإنسانية فيما بينكم في إتمام المهر أو في الترك.
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
ت: والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ:
يريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ...
الآية: تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيف على غفره وحلمه.
وقوله تعالى: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يفرض، ولمّا نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلباً للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن.
وقال قَوْمٌ: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ: معناه: لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ: إثباتُه، وتحديدُهُ، ٥٩ أوهذه الآية/ تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه قاله مالك في «المدوّنة» .
والفريضة: المصداق.
وقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ.
أي: أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن: يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ «١» ، وكذلك يقول مالك.
وقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ: دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ: أي: من اتسع حالُه، والمُقْتِر: المقلُّ القليلُ المالِ، ومَتاعاً:
نصبٌ على المصدر «١» .
وقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ، أي: لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله:
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، أي: في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال: هذا تأكيدٌ للوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، وحَقًّا: صفةٌ لقوله تعالى: مَتاعاً.
ت: وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ لوجوه، منها:
صيغةُ الأمر، ومنها: قولُه: حَقًّا، ومنْها: لفظةُ «على» ، ومنها: من جهة المعنى: ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب.
انتهى.
وقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ...
الآية: اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك: إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ إِذ يتناولها.
قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ: وقال قتادةُ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها «٢» ، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة» : كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة بقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٤١] ، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب» ، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ «٣» ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم أنها منسوخة «٤» ، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْماً.
وقال ابن القاسِمِ: إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال: إِن قولَه تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [البقرة: ٢٤١] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه
منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر «١» : المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي: مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ «٢» : «فَنِصْفُ» بالرفع، والمعنى: فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: استثناء منقطعٌ، و «يَعْفُونَ» : معناه: يتركْنَ ويصفحْنَ، أي: يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها.
واختلف في المرادِ بقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.
فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم: هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره «٣» ، ٥٩ ب وقالتْ فرْقَة: الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج «٤» ، فعلى القول الأول: / الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني: إِما أنْ تعفو هي أيضاً فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يحطّ، فيؤدّي جميع
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ أيْ: قَبْلَ الجِماعِ ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أيْ: أوْجَبْتُمْ لَهُنَّ شَيْئًا التَزَمْتُمْ بِهِ، وهو المَهْرُ.
﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ يَعْنِي: النِّساءَ، وعَفْوُ المَرْأةِ: تَرْكُ حَقِّها مِنَ الصَّداقِ.
وفي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الزَّوْجُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وشُرَيْحٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيُّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعَلْقَمَةَ، وطاوُوسٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ في آَخَرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو البِكْرِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيِّ، والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ عَفْوُ الزَّوْجِ: أنْ يُكْمِلَ لَها الصَّداقَ، وعَلى الثّانِي: عَفْوُ الوَلِيِّ: تُرْكُ حَقِّها إذا أبَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الشَّعْثاءِ.
وعَلى الثّالِثِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ يَخْتَصُّ بِالثَّيِّباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أوْ يَعْفُوَ ﴾ يَخْتَصُّ أبا البِكْرِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ عُقْدَةَ النِّكاحِ خَرَجَتْ مِن يَدِ الوَلِيِّ، فَصارَتْ بِيَدِ الزَّوْجِ، والعَفُوُّ إنَّما يُطْلَقُ عَلى مِلْكِ الإنْسانِ، وعَفْوُ الوَلِيِّ عَفْوٌ عَمّا لا يَمْلِكُ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ والفَضْلُ فِيهِ هِبَةُ الإنْسانِ مالُ نَفْسِهِ، لا مالَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ وحْدَهُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وكانَ يُقْرَأُ: "وَأنْ يَعْفُوَ" بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلزَّوْجَيْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هو إتْمامُ الرَّجُلِ الصَّداقُ، وتَرْكُ المَرْأةِ شَطْرَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَقالَتْ فِرْقَةٌ فِيها مالِكٌ، وغَيْرُهُ: إنَّها مُخْرِجَةُ المُطَلَّقَةِ بَعْدَ الفَرْضِ مِن حُكْمِ التَمْتِيعِ إذْ يَتَناوَلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ .
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الآيَةَ الَّتِي في الأحْزابِ، لِأنَّ تِلْكَ تَضَمَّنَتْ تَمْتِيعَ كُلِّ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها.
وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ في "المُدَوَّنَةِ": كانَ المَتاعُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ ، ولِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها بِالآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ الأحْزابِ فاسْتَثْنى اللهُ المَفْرُوضَ لَها قَبْلَ الدُخُولِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأثْبَتَ لِلْمَفْرُوضِ لَها نِصْفَ ما فَرَضَ فَقَطْ.
وزَعَمَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، حَكى ذَلِكَ في "المُدَوَّنَةِ" عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ زَعْمًا.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ: إنَّهُ اسْتِثْناءُ، والتَحْرِيرُ بِرَدِّ ذَلِكَ إلى النَسْخِ الَّذِي قالَ زَيْدٌ، لِأنَّ ابْنَ القاسِمِ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ﴾ عَمَّ الجَمِيعَ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ مِنهُ هَذِهِ الَّتِي فَرَضَ لَها قَبْلَ المَسِيسِ.
وقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم أبُو ثَوْرٍ: المُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ عُمُومًا، وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما بَيَّنَتْ أنَّ المَفْرُوضَ لَها تَأْخُذُ نِصْفَ ما فُرِضَ، ولَمْ يَعْنِ بِالآيَةِ لِإسْقاطِ مُتْعَتِها، بَلْ لَها المُتْعَةُ ونِصْفُ المَفْرُوضِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَنَصِفُ" بِالرَفْعِ، والمَعْنى: فالواجِبُ نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنِصْفَ" بِنَصْبِ الفاءِ، والمَعْنى: فادْفَعُوا نِصْفَ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: "فَنَصِفُ" بِضَمِّ النُونِ في جَمِيعِ القُرْآنِ وهي لُغَةٌ، وكَذَلِكَ رَوى الأصْمَعِيُّ قِراءَةً عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ عَفْوَهُنَّ عَنِ النِصْفِ لَيْسَ مِن جِنْسِ أخْذِهِنَّ و"يَعْفُونَ" مَعْناهُ: يَتْرُكْنَ ويَصْفَحْنَ، وزْنُهُ يَفْعُلْنَ.
والمَعْنى: إلّا أنْ يَتْرُكْنَ النِصْفَ الَّذِي وجَبَ لَهُنَّ عِنْدَ الزَوْجِ.
والعافِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ كُلُّ امْرَأةٍ تَمْلِكُ أمَرَ نَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ والتابِعِينَ: ويَجُوزُ عَفْوُ البِكْرِ الَّتِي لا ولِيَّ لَها.
وحَكاهُ سَحْنُونٌ في "المُدَوَّنَةِ" عن غَيْرِ ابْنِ القاسِمِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لِابْنِ القاسِمِ أنَّ وضْعَها نِصْفُ الصَداقِ لا يَجُوزُ.
وأمّا الَّتِي في حِجْرِ أبٍ أو وصِيٍّ فَلا يَجُوزُ وضْعُها لِنِصْفِ صَداقِها قَوْلًا واحِدًا فِيما أحْفَظُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ ﴾ .
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلْقَمَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وشُرَيْحٌ، والحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ، والزُهْرِيُّ، ومالِكٌ وغَيْرُهُمْ: هو الوَلِيُّ الَّذِي المَرْأةُ في حِجْرِهِ، فَهو الأبُ في ابْنَتِهِ الَّتِي لَمْ تَمْلِكْ أمْرَها، والسَيِّدُ في أمَتِهِ، وأمّا شُرَيْحٌ فَإنَّهُ جَوَّزَ عَفْوَ الأخِ عن نِصْفِ المَهْرِ، وقالَ: وأنا أعْفُو عن مُهُورِ بَنِي مُرَّةَ وإنْ كَرِهْنَ، وكَذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ: يَجُوزُ عَفْوُ الَّذِي عَقَدَ عُقْدَةَ النِكاحِ بَيْنَهُما، كانَ عَمًّا أو أخًا أو أبًا، وإنْ كَرِهَتْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ الزَوْجُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وشُرَيْحٌ أيْضًا رَجَعَ إلَيْهِ، وقالَهُ سَعِيدُ ابْنَ جُبَيْرٍ، وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ النَدْبُ لَهُما هو في النِصْفِ الَّذِي يَجِبُ لِلْمَرْأةِ، فَإمّا أنْ تَعْفُوَ هِيَ، وإمّا أنْ يَعْفُوَ ولَيُّها، وعَلى القَوْلِ الثانِي فالنَدْبُ في الجِهَتَيْنِ، إمّا أنْ تَعْفُوَ هي عن نِصْفِها، فَلا تَأْخُذُ مِنَ الزَوْجِ شَيْئًا، وإمّا أنْ يَعْفُوَ الزَوْجُ عَنِ النِصْفِ الَّذِي يَحُطُّ، فَيُؤَدِّي جَمِيعَ المَهْرِ، وهَذا هو الفَضْلُ مِنهُما، وبِحَسَبِ حالِ الزَوْجَيْنِ يَحْسُنُ التَحَمُّلُ والتَجَمُّلُ.
ويُرْوى أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ فَعَرَضَ عَلَيْهِ ابْنَةً لَهُ فَتَزَوَّجَها، فَلَمّا خَرَجَ طَلَّقَها وبَعَثَ إلَيْهِ بِالصَداقِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَها؟
فَقالَ: عَرَضَها عَلَيَّ فَكَرِهْتُ رَدَّهُ، قِيلَ: فَلِمَ تَبْعَثُ بِالصَداقِ؟
قالَ: فَأيْنَ الفَضْلُ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَجُّ القائِلُونَ بِأنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ هو الزَوْجُ بِأنَّ هَذا الوَلِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِن صَداقِها قَبْلَ الطَلاقِ، فَلا فَرْقَ بَعْدَ الطَلاقِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِن مالِها الَّذِي لَيْسَ مِنَ الصَداقِ، فَما لَهُ يَتْرُكُ نِصْفَ الصَداقِ؟
وأيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّهُ الوَلِيُّ، فَما الَّذِي يُخَصِّصُ بَعْضَ الأولِياءِ دُونَ بَعْضٍ وكُلُّهم بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ، وإنْ كانَ كافِلًا، أو وصِيًّا، أوِ الحاكِمُ، أوِ الرَجُلُ مِنَ العَشِيرَةِ؟
ويَحْتَجُّ مَن يَقُولُ: إنَّهُ الوَلِيُّ الحاجِرُ بِعِبارَةِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ ﴾ عِبارَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ في الوَلِيِّ، وهي في الزَوْجِ قَلِقَةٌ بَعْضَ القَلَقِ.
ولَيْسَ الأمْرُ في ذَلِكَ كَما قالَ الطَبَرِيُّ، ومَكِّيٌّ مِن أنَّ المُطَلِّقَ لا عُقْدَةَ بِيَدِهِ، بَلْ نِسْبَةُ العُقْدَةِ إلَيْهِ باقِيَةٌ، مِن حَيْثُ كانَ عَقَدَها قَبْلُ.
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَن لا تَمْلِكُ أمْرَها، لِأنَّها لا عَفْوَ لَها، فَكَذَلِكَ لا يُغْبَنُ النِساءُ بِعَفْوِ مَن يَمْلِكُ أمْرَ الَّتِي لا تَمْلِكُ أمْرَها.
وأيْضًا فَإنَّ الآيَةَ إنَّما هي نَدْبٌ إلى تَرْكِ شَيْءٍ قَدْ وجَبَ في مالِ الزَوْجِ، يُعْطِي ذَلِكَ لَفْظَ العَفْوِ الَّذِي هو التَرْكُ والِاطِّراحُ، وإعْطاءُ الزَوْجِ المَهْرَ كامِلًا لا يُقالُ فِيهِ عَفْوٌ، إنَّما هو انْتِدابٌ إلى فَضْلٍ.
اللهُمَّ إلّا أنْ تَقْدِرَ المَرْأةُ قَدْ قَبَضَتْهُ.
وهَذا إطارٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.
قالَ مَكِّيٌّ: وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ الأزْواجَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الزَوْجاتِ بِقَوْلِهِ: "يَعْفُونَ" فَكَيْفَ يُعَبِّرُ عَنِ الأزْواجِ بَعْدُ بِالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ؟
بَلْ هي دَرَجَةٌ ثالِثَةٌ، لَمْ يَبْقَ لَها إلّا الوَلِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو يَعْفُوَ" بِفَتْحِ الواوِ لِأنَّ الفِعْلَ مَنصُوبٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو يَعْفُو الَّذِي" بِواوٍ ساكِنَةٍ.
قالَ المَهْدَوِيُّ ذَلِكَ عَلى التَشْبِيهِ بِالألِفِ.
ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ: فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عن وِراثَةٍ أبى اللهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ اسْتَثْقَلَّ الفَتْحَةَ عَلى واوٍ مُتَطَرِّفَةٍ قَبْلَها مُتَحَرِّكٍ، لِقِلَّةِ مَجِيئِها في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ الخَلِيلُ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ يَجِئْ في الكَلامِ واوٌ مَفْتُوحَةٌ مُتَطَرِّفَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ إلّا في قَوْلِهِمْ "عَفَوَةٌ" وهو جَمْعُ "عَفَوٍ" وهو ولَدُ الحِمارِ، وكَذَلِكَ الحَرَكَةُ ما كانَتْ قَبْلَ الواوِ المَفْتُوحَةِ فَإنَّها ثَقِيلَةٌ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى الجَمِيعَ نادِبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ أيْ: يا جَمِيعَ الناسِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقٍ.
وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ، والشَعْبِيُّ: "وَأنْ يَعْفُوَ" بِالياءِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَناسَوُا الفَضْلَ" وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَناسٍ لا نِسْيانٍ إلّا عَلى التَشْبِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ ﴾ نَدَبَ إلى المُجامَلَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الفَضْلُ إتْمامُ الزَوْجِ الصَداقَ كُلَّهُ، أو تَرْكُ المَرْأةِ النِصْفَ الَّذِي لَها.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ الوَعْدُ لِلْمُحْسِنِ، والحِرْمانِ لِغَيْرِ المُحْسِنِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف تشريع لبيان حكم ما يترتب على الطلاق من دفع المهر، كله أو بعضه، وسقوطه وحكم المتعة مع إفادة إباحة الطلاق قبل المسيس.
فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ومناسبة موقعها لا تخفى، فإنه لما جرى الكلام في الآيات السابقة على الطلاق الذي تجب فيه العدة، وهو طلاق المدخول بهن، عرج هنا على الطلاق الواقع قبل الدخول، وهو الذي في قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية، في سورة الأحزاب (49)، وذكر مع ذلك هنا تنصيف المهر والعفو عنه.
وحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله: ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ [البقرة: 158].
ولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق، ووقع في «الكشاف» تفسير الجناح بالتبعة فقال: ﴿ لا جناح عليكم لا تبعة عليكم من إيجاب المهر ﴾ ثم قال: والدليل على أن الجناح تبعة المهر، قوله: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ إلى قوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فقوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ إثبات للجناح المنفي ثمة» وقال ابن عطية وقال قوم: لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر فعلمنا أن صاحب «الكشاف» مسبوق بهذا التأويل، وهو لم يذكر في «الأساس» هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازاً، فإنما تأوله من تأوله تفسيراً لمعنى الكلام كله لا لكلمة ﴿ جناح ﴾ وفيه بعد، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة عن التبعة بدفع المهر.
والوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح، وهو معناه المتعارف، وفي «تفسير ابن عطية» عن مكي بن أبي طالب «لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس» وقريب منه في الطيبي عن الراغب أي في «تفسيره».
فالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه، وكأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ﴾ إلى آخره تمهيد لذلك وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق، وأبعد من الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة، فكان أولى أنواع الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء.
قال ابن عطية وغيره: إنه لكثرة ما حض الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة، وكان ينهى عن فعل الذواقين الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن، ويكثر النهي عن الطلاق حتى قد يظن محرماً، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر.
والنساء: الأزواج، والتعريف فيه تعريف الجنس، فهو في سياق النفي للعموم، أي لا جناح في تطليقكم الأزواج، و(ما) ظرفية مصدرية، والمسيس هنا كناية عن قربان المرأة.
و (أو) في قوله: ﴿ أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ عاطفة على ﴿ تمسوهن ﴾ المنفي، و(أو) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوق عليه معاً، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات، وهو كون الحكم لأحد المتعاطفين، نبه على ذلك الشيخ ابن الحاجب في «أماليه» وصرح به التفتازاني في «شرح الكشاف»، وقال الطيبي: إنه يؤخذ من كلام الراغب، وهو التحقيق؛ لأن مفاد «أو» في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو الفرد المبهم، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعاً، ولهذا كان المراد في قوله تعالى: ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ [الإنسان: 24] النهي عن طاعة كليهما، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر، وعلى هذا انبنت المسألة الأصولية وهي: هل وقع في اللغة ما يدل على تحريم واحد لا بعينه، بناء على أن ذلك لا يكون إلا بحرف أو، وأن أو إذا وقعت في سياق النهي كانت كالتي تقع في سياق النفي.
وجعل صاحب «الكشاف» (أو) في قوله: ﴿ أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ بمعنى إلا أو حتى، وهي التي ينتصب المضارع بعدها بأن واجبة الإضمار، بناء على إمكانه هنا وعلى أنه أبعد عن الخفاء في دلالة أو العاطفة في سياق النفي، على انتفاء كلا المتعاطفين؛ إذ قد يتوهم أنها لنفي أحدهما كشأنها في الإثبات، وبناء على أنه أنسب بقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ﴾ حيث اقتصر في التفصيل على أحد الأمرين: وهو الطلاق قبل المسيس مع فرض الصداق، ولم يذكر حكم الطلاق قبل المسيس أو بعده، وقبل فرض الصداق، فدل بذلك على أن الصورة لم تدخل في التقسيم السابق، وذلك أنسب بأن تكون للاستثناء أو الغاية، لا للعطف، ولا يتوهم أن صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته، بل لأن غيره هنا أوضح وأنسب، يعني والمراد قد ظهر من الآية ظهوراً لا يدع لتوهم قصد نفي أحد الأمرين خطوراً بالأذهان، ولهذا استدركه البيضاوي فجوز تقديرها عاطفة في هذه الآية.
وقد أفادت الآية حكماً بمنطوقها وهو أن المطلقة قبل البناء إذا لم يسم لها مهر لا تستحق شيئاً من المال، وهذا مجمع عليه فيما حكاه ابن العربي، وحكى القرطبي عن حماد بن سليمان أن لها نصف صداق أمثالها، والجمهور على خلافه وأن ليس لها إلا المتعة، ثم اختلفوا في وجوبها كما سيأتي.
وهذا الحكم دلنا على أن الشريعة قد اعتبرت النكاح عقداً لازماً بالقول، واعتبرت المهر الذي هو من متمماته غير لازم بمجرد صيغة النكاح، بل يلزم بواحد من أمرين إما بصيغة تخصه، وهي تعيين مقداره بالقول، وهي المعبر عنها في الفقه بنكاح التسمية، وإما بالفعل وهو الشروع في اجتناء المنفعة المقصودة ابتداء من النكاح وهي المسيس، فالمهر إذن من توابع العقود التي لا تثبت بمجرد ثبوت متبوعها، بل تحتاج إلى موجب آخر كالحوز في عقود التبرعات، وفيه نظر، والنفس لقول حماد بن سليمان أميل.
والآية دلت على مشروعية أصل الطلاق، لما أشعرت بنفي الجناح عن الطلاق قبل المسيس وحيث أشعرت بإباحة بعض أنواعه: بالتصدي لبيان أحكامها، ولما لم يتقدم لنا موضع هو أنسب بذكر مشروعية الطلاق من هذه الآية، فنحن نبسط القول في ذلك: إن القانون العام لانتظام المعاشرة هو الوفاق في الطبائع والأخلاق والأهواء والأميال، وقد وجدنا المعاشرة نوعين: أولهما معاشرة حاصلة بحكم الضرورة، وهي معاشرة النسب، المختلفة في القوة والضعف، بحسب شدة قرب النسب وبعده كمعاشرة الآباء مع الأبناء، والإخوة بعضهم مع بعض، وأبناء العم والعشيرة، واختلافها في القوة والضعف يستتبع اختلافها في استغراق الأزمان، فنجد في قصر زمن المعاشرة، عند ضعف الآصرة، ما فيه دافع للسآمة والتخالف الناشئين عما يتطرق إلى المتعاشرين من تنافر في الأهواء والأميال، وقد جعل الله في مقدار قرب النسب تأثيراً في مقدار الملاءمة؛ لأنه بمقدار قرب النسيب، يكون التئام الذات مع الأخرى أقوى وأتم، وتكون المحاكة والممارسة والتقارب أطول، فنشأ من السببين الجبلي، والاصطحابي، ما يقوي اتحاد النفوس في الأهواء والأميال بحكم الجبلة، وحكم التعود والإلف، وهكذا يذهب ذلك السببان يتباعدان بمقدار ما يتباعد النسيب.
النوع الثاني: معاشرة بحكم الاختيار وهي معاشرة الصحبة والخلة والحاجة والمعاونة، وما هي إلا معاشرة مؤقتة تطول أو تقصر، وتستمر أو تغب، بحسب قوة الداعي وضعفه، وبحسب استطاعة الوفاء بحقوق تلك المعاشرة، والتقصير في ذلك، والتخلص من هذا النوع ممكن إذا لم تتحد الطباع.
ومعاشرة الزوجين في التنويع، هي من النوع الثاني، وفي الآثار محتاجة إلى آثار النوع الأول، وينقصها من النوع الأول سببه الجبلي لأن الزوجين يكثر ألا يكونا قريبين وسببه الاصطحابي، في أول عقد التزوج حتى تطول المعاشرة ويكتسب كل من الآخر خلقه، إلا أن الله تعالى جعل في رغبة الرجل في المرأة إلى حد أن خطبها، وفي ميله إلى التي يراها، مذ انتسبت به واقترنت، وفي نيته معاشرتها معاشرة طيبة، وفي مقابلة المرأة الرجل بمثل ذلك ما يغرز في نفس الزوجين نوايا وخواطر شريفة وثقة بالخير، تقوم مقام السبب الجبلي، ثم تعقبها معاشرة وإلف تكمل ما يقوم مقام السبب الاصطحابي، وقد أشار الله تعالى إلى هذا السر النفساني الجليل، بقوله: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ [الروم: 21].
وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذين السببين أو أحدهما، فاحتيج إلى وضع قانون للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين، وهذا لا إشكال فيه، وقد يكون مرغوباً لأحدهما ويمتنع منه الآخر، فلزم ترجيح أحد الجانبين وهو جانب الزوج لأن رغبته في المرأة أشد، كيف وهو الذي سعى إليها ورغب في الاقتران بها؛ ولأن العقل في نوعه أشد، والنظر منه في العواقب أسد، ولا أشد احتمالاً لأذى وصبراً على سوء خلق من المرأة، فجعل الشرع التخلص من هذه الورطة بيد الزوج، وهذا التخلص هو المسمى: بالطلاق، فقد يعمد إليه الرجل بعد لأي، وقد تسأله المرأة من الرجل، وكان العرب في الجاهلية تسأل المرأة الرجل الطلاق فيطلقها، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يذكر زوجتيه: تلك عِرساي تنطقان على عم *** د إلى اليوم قولَ زور وهَتْر سَالَتَانِي الطلاق أَن رأَتامَا *** لي قليلاً قد جئتماني بنُكْر وقال عبيد بن الأبرصْ: تلكَ عِرسي غضبى تريد زيالي *** أَلبَيْن تريد أم لِدَلال إن يكن طِبُّككِ الفراقَ فلا أح *** فِلُ أن تعطفي صُدور الجِمال وجعل الشرع للحاكم إذا أبى الزوج الفراق ولحق الزوجة الضرُّ من عشرته، بعد ثبوت موجباته، أن يطلقها عليه.
فالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة في البيع، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتُفي برضا واحد: وهو الزوج، تسهيلاً للفراق عند الاضطرار إليه، ومقتضى هذا الحكم أن يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعاً؛ إذ لم تقع تجربة الأخلاق، لكن لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، كيف يعمد راغب في امرأة، باذل لها ماله ونفسه إلى طلاقها قبل التعرف بها، لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في معاشرتها، فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف، أسهل منه بعد التعارف.
وقرأ الجمهور (ما لم تمسوهن) بفتح المثناة الفوقية مضارع مس المجرد، وقرأ حمزة والكسائي وخلف، (تماسوهن) بضم المثناة الفوقية وبألف بعد الميم مضارع ماس؛ لأن كلا الزوجين يمس الآخر.
وقوله: ﴿ ومتعوهن على الموسع قدره ﴾ الآية عطف على قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ عطف التشريع على التشريع، على أن الاتحاد بالإنشائية والخبرية غير شرط عند المحققين، والضمير عائد إلى النساء المعمول للفعل المقيد بالظرف وهو: ﴿ ما لم تَمسوهن أو تفرضوا ﴾ ، كما هو الظاهر، أي متعوا المطلقات قبل المسيس، وقبل الفرض، ولا أحسب أحداً يجعل معاد الضمير على غير ما ذكرنا، وأما ما يوجد من الخلاف بين العلماء في حكم المتعة للمطلقة المدخول بها، فذلك لأدلة أخرى غير هذه الآية.
والأمر في قوله: ﴿ ومتعوهن ﴾ ظاهره الوجوب وهو قول علي وابن عمر والحسن والزهريّ وابن جبير وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن أصل الصِّيغة للوجوب مع قرينة قوله تعالى: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ وقوله بعد ذلك، في الآية الآتية: ﴿ حقا على المتقين ﴾ لأن كلمة ﴿ حقا ﴾ تؤكد الوجوب، والمراد بالمحسنين عند هؤلاء المؤمنون، فالمحسن بمعنى المحسن إلى نفسه بإبعادها عن الكفر، وهؤلاء جعلوا المتعة للمطلقة غير المدخول بها وغير المسمى لها مهر واجبة، وهو الأرجح لئلا يكون عقد نكاحها خلياً عن عوض المهر.
وجعل جماعة الأمر هنا للندب لقوله بعدُ: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ فإنه قرينة على صرف الأمر إلى أحد ما يقتضِيه، وهو ندب خاص مؤكد للندب العام في معنى الإحسان، وهو قول مالك وشُريح، فجعلها حقاً على المحسنين، ولو كانت واجبة لجعلها حقاً على جميع الناس، ومفهوم جعلها حقاً على المحسنين أنها ليست حقاً على جميع الناس، وكذلك قوله ﴿ المتقين ﴾ في الآية الآتية، لأن المتقي هو كثير الامتثال، على أننا لو حملنا المتقين على كل مؤمن لكان بين الآيتين تعارض المفهوم والعموم، فإن المفهوم الخاص يخصص العموم.
وفي «تفسير الأبّي» عن ابن عرفة: «قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: المتعة واجبة يقضى بها إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا رجل سوء، ثم ذكر ابن عرفة عن ابن عبد السلام عن ابن حبيب أنه قال بتقديم العموم على المفهوم عند التعارض، وأنه الأصح عند الأصوليين، قلت: فيه نظر، فإن القائل بالمفهوم لا بد أن يخصص بخصوصه عموم العام إذا تعارضا، على أن لمذهببِ مالك أن المتعة عطية ومؤاساة، والمؤاساة في مرتبة التحسيني، فلا تبلغ مبلغ الوجوب، ولأنها مال بذل في غير عوض، فيرجع إلى التبرعات، والتبرعات مندوبة لا واجبة، وقرينة ذلك قوله تعالى: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ فإن فيه إيماء إلى أن ذلك من الإحسان لا من الحقوق، على أنه قد نفى الله الجناح عن المطلق ثم أثبت المتعة، فلو كانت المتعة واجبة لانتقض نفي الجناح، إلا أن يقال: إن الجناح نفي لأن المهر شيء معين، قد يجحف بالمطلق بخلاف المتعة، فإنها على حسب وسعه ولذلك نفى مالك ندبَ المتعة للتي طلقت قبل البناء وقد سمَّى لها مهراً، قال: فحسبها ما فرض لها أي لأن الله قصَرها على ذلك، رفقاً بالمطلق، أي فلا تندب لها ندب خاصاً، بأمر القرآن.
وقد قال مالك: بأن المطلقة المدخول بها يستحب تمتيعها، أي بقاعدة الإحسان الأعم ولما مضى من عمل السلف.
وقوله: ﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ الموسع من أوسع إذا صار ذا سعة، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قَتر وهو ضيق العيش، والقدر بسكون الدال وبفتحها ما به تعيين ذات الشيء أو حاله، فيطلق على ما يساوي الشيء من الأجرام، ويطلق على ما يساويه في القيمة، والمراد به هنا الحال التي يقدر بها المرء في مراتب الناس في الثروة، وهو الطبقة من القوم، والطاقة من المال، وقرأه الجمهور بسكون الدال، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بفتح الدال.
وقوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ مبتدأ محذوف الخبر إيجازاً لظهور المعنى، أي فنصف ما فرضتم لهن بدليل قوله: ﴿ وقد فرضتم لهن ﴾ لا يحسن فيها إلا هذا الوجه.
والاقتصار على قوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ يدل على أنها حينئذ لا متعة لها.
وقوله: ﴿ إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ﴾ استثناء من عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف، وتسمية هذا الإسقاط عفواً ظاهرة، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها، أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضر، فإسقاطه عفو لا محالة، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح.
وأل في النكاح للجنس، وهو متبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج، وإن كان كلاهما سمي عقداً، فهو غير النساء لا محالة لقوله: ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ فهو ذَكر، وهو غير المطلق أيضاً، لأنه لو كان المطلق، لقال: أو تعفو بالخطاب، لأن قبله ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ولا داعي إلى خلاف مقتضى الظاهر.
وقيل: جيء بالموصول تحريضاً على عفو المطلق، لأنه كانت بيده عقدة النكاح فأفاتها بالطلاق، فكان جديراً بأن يعفو عن إمساك النصف، ويترك لها جميع صداقها، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى، لقال أو يعفو الذي كان بيده عقدة النكاح، فتعين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها؛ إذ لا ينعقد نكاحها إلا به، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، فكونه بيده عقدة النكاح ظاهر، إلا أنه جعل ذلك من صفته باعتبار ما كان، إذ لا يحتمل غير ذلك، وإن كان المراد مطلق الولي، فكونه بيده عقدة النكاح، من حيث توقف عقد المرأة على حضوره، وكان شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم فالعفو في الموضعين حقيقة، والاتصاف بالصلة مجاز، وهذا قول مالك؛ إذ جعل في «الموطأ»: الذي بيده عقدة النكاح هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، وهو قول الشافعي في القديم، فتكون الآية ذكرت عفو الرشيدة والمولىَّ عليها، ونسب ما يقرب من هذا القول إلى جماعة من السلف، منهم ابن عباس وعلقمة والحسن وقتادة، وقيل: الذي بيده عقدة النكاح هو المطلق لأن بيده عقد نفسه وهو القبول، ونسب هذا إلى علي وشريح وطاووس ومجاهد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ومعنى ﴿ بيده عقدة النكاح ﴾ أن بيده التصرف فيها بالإبقاء، والفسخ بالطلاق، ومعنى عفوه: تكميله الصداق، أي إعطاؤه كاملاً.
وهذا قول بعيد من وجهين: أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفواً بل تكميلاً وسماحة؛ لأن معناه أن يدفع الصداق كاملاً، قال في «الكشاف»: «وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيه نظر» إلا أن يقال: كان الغالب عليهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق، فإذا ترك ذلك فقد عفا، أو سماه عفوا على طريق المشاكلة.
الثاني أن دفع المطلق المهر كاملاً للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع مخصوص، بخلاف عفو المرأة أو وليها، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركناً من العقد لا يصح إسقاط شيء منه.
وقوله: ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ تذييل أي العفو من حيث هو، ولذلك حذف المفعول، والخطاب لجميع الأمة، وجيء بجمع المذكر للتغليب، وليس خطاباً للمطلقين، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه، ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق، لأنه عبر عنه بعد بقوله: ﴿ وأن تعفوا ﴾ وهو ظاهر في المذكر، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله: ﴿ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾ [النساء: 128].
ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه.
وقوله: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ تذييل ثان، معطوف على التذييل الذي قبله، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي، وفي الطباع السليمة حب الفضل.
فأُمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ولا ينسوه؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه، فيضمحل منهم، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة.
والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى: ﴿ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ [السجدة: 14] وهو كثير في القرآن، وفي كلمة ﴿ بينكم، ﴾ إشارة إلى هذا العفو، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض.
وقوله: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ تعليل للترغيب في عدم إهمال الفضل وتعريض بأن في العفو مرضاة الله تعالى، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه، ونظيره قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ [السطور: 48].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ وهو أوَّلُ الطَّلاقَيْنِ لِمَن كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ كارِهًا، لِرِوايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُحِبُّ الذَّوّاقِينَ ولا الذَّوّاقاتِ)» .
يَعْنِي الفِراقَ بَعْدَ الذَّوْقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ يَعْنِي صَداقًا ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ لَيْسَ عَلَيْكم غَيْرُهُ لَهُنَّ، ﴿ إلا أنْ يَعْفُونَ ﴾ يَعْنِي بِهِ عَفْوَ الزَّوْجَةِ، لِيَكُونَ عَفْوُها أدْعى إلى خِطْبَتِها، ويُرَغِّبَ الأزْواجَ فِيها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الوَلِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ.
الثّانِي: هو الزَّوْجُ، وبِهِ قالَ عَلِيٌّ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، ومُجاهِدٍ، وأبُو حُذَيْفَةَ.
والثّالِثُ: هو أبُو بَكْرٍ، والسَّيِّدُ في أُمَّتِهِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ وفي المَقْصُودِ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقْرَبُ لِاتِّقاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ظُلْمَ صاحِبِهِ.
والثّانِي: أقْرَبُ إلى اتِّقاءِ مَعاصِي اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش.
أنه قرأ ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ من قبل أن تجامعوهن ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن...
﴾ الآية.
قال: هو الرجل يتزوّج المرأة وقد سمى لها صداقاً ثم يطلقها من قبل أن يمسها- والمس الجماع- فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون وهي المرأة الثيب، والبكر يزوّجها غير أبيها، فجعل الله العفو لهن إن شئن عفون بتركهن، وإن شئن أخذن نصف الصداق ﴿ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ وهو أبو الجارية البكر، جعل الله العفو إليه ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن سعيد بن المسيب.
أنه قال في التي طلقت قبل الدخول وقد فرض لها: كان لها المتاع في الآية التي في الأحزاب، فلما نزلت الآية التي في البقرة جعل لها النصف من صداقها ولا متاع لها، فنسخت آية الأحزاب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن.
أن أبا بكر الهذلي سأله عن رجل طلق امرأته من قبل أن يدخل بها: أَلهَا متعة؟
قال: نعم.
فقال له أبو بكر: أما نسخها ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ ؟
قال الحسن: ما نسخها شيء.
وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوّج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ﴾ .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: لها نصف الصداق وإن جلس بين رجليها.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ قال: إلا أن تدع المرأة نصف المهر الذي لها، أو يعطيها زوجها النصف الباقي فيقول: كانت في ملكي وحبستها عن الأزواج.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: حزماً وبراً للإِله وشيمة ** تعفو عن خلق المسيء المفسد وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند حسن عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي بيده عقدة النكاح: الزوج» .
وأخرج وكيع وسفيان والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ الزوج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ الزوج.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ أبوها، أو أخوها، أو من لا تنكح إلا بإذنه.
وأخرج الشافعي عن عائشة أنها كانت تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وشريح وابن المسيب والشعبي ونافع ومحمد بن كعب ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ الزوج.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بشر قال: قال طاوس ومجاهد ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ هو الولي.
وقال سعيد بن جبير: هو الزوج، فكلماه في ذلك فما برحا حتى تابعا سعيداً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن وعلقمة والزهري ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ هو الولي.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: رضي الله بالعفو وأمر به، فإن عفت فكما عفت، وإن ضنت فعفا وليها الذي بيده عقدة النكاح جاز وإن أبت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ يعني النساء ﴿ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ هو الولي.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: عفو الزوج إتمام الصداق، وعفوها أن تضع شطرها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قال: أقربهما إلى التقوى الذي يعفو.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ يعني بذلك الزوج والمرأة جميعاً، أمرهما أن يستبقا في العفو وفيه الفضل.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وأن تعفوا ﴾ قال: يعني الأزواج.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ قال: في هذا وفي غيره.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ قال: المعروف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يحثهم على الفضل والمعروف ويرغبهم فيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ قال: هو الرجل يتزوّج فتعينه، أو يكاتب فتعينه وأشباه هذا من العطية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ قال: إذا أتى أحدكم السائل وليس عنده شيء فليدع له.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوي الأخلاق والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: يوشك أن يأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر فيه على ما فيه يديه وينسى الفضل، وقد نهى الله عن ذلك قال الله تعالى ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ .
وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن علي مرفوعاً:.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أنه تزوّج امرأة لم يدخل بها حتى طلقها فأرسل إليها بالصداق تاماً، فقيل له في ذلك.
فقال: أنا أولى بالفضل.
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن نافع.
أن بنت عبد الله بن عمرو وأمها بنت زيد بن الخطاب كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقاً، فابتغت أمها صداقها فقال ابن عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمنعكموه ولم نظلمها، فأبت أن تقبل ذلك فجعل بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن علقمة.
أن قوماً أتوا ابن مسعود فقالوا: إن رجلاً منا تزوّج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال: ما سئلت عن شيء منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من هذه، فأتوا غيري فاختلفوا إليه فيها شهراً، ثم قالوا في آخر ذلك: من نسأل إذا لم نسألك وأنت آخر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في هذا البلد، ولا نجد غيرك؟
فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني والله ورسوله منه بريء: أرى أن أجعل لها صداقاً كصداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها ميراث وعليها العدة أربعة أشهر وعشر.
قال: وذلك بسمع ناس من أشجع فقاموا، منهم معقل بن سنان فقالوا: نشهد إنك قضيت بمثل الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق.
قال: فما رؤي عبد الله فرح بشيء ما فرح يومئذ إلا بإسلامه، ثم قال: اللهم إن كان صواباً فمنك وحدك لا شريك لك.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن علي بن أبي طالب.
أنه قال في المتوفى عنها ولم يفرض لها صداق: لها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها، وقال: لا نقبل قول الأعرابي من أشجع على كتاب الله.
وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس.
أنه سئل عن المرأة يموت زوجها وقد فرض لها صداقاً، قال: لها الصداق والميراث.
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن المسيب.
أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة يتزوّجها الرجل: أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن الأحنف بن قيس.
أن عمر وعلياً رضي الله عنهما قالا: إذا أرخى ستراً وأغلق باباً فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن زرارة بن أوفى قال: قضاء الخلفاء الراشدين المهديين أنه من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة.
وأخرج مالك والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: إذا دخل الرجل بامرأته فأرخيت عليهما الستور فقد وجب الصداق.
وأخرج البيهقي عن محمد بن ثوبان.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ الآية.
هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ولا عِدَّة عليها (١) (٢) والآية دلالة ظاهرة على أبي حنيفة حيث أوجب كمال الصداق (٣) (٤) قال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (٥) (٦) ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية (٧) وقال ابن مسعود: لها نصف المهر وإن قعد بين رجليها (٨) فأما ما ذكر عن زرارة ابن أبي أوفى (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ أي: فَعَلَيكم نصفُ ما فَرَضْتُم، أو فالواجب ذاك (١١) (١٢) (١٣) (١٤) تَرَى سَيْفَه لا ينصُفُ الساقَ نعلُه ...
أجَلْ لا وإن كانت طِوالا حَمَائِلُه (١٥) ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ يعنى: النساء، ولذلك لم تسقط (١٦) (١٧) (١٨) وقال الفراء: (لو) (١٩) (٢٠) ومعنى ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ إلا أن يترك النساء ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به، إذا كُنَّ بالغاتٍ رشيداتٍ، فيسقطُ عن الرجل أو بعضه، فيسقط ذلك القدر (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح.
فقال ابن عباس (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر، فإذا كانت ثيبا فلا يجوز عفوه عليها (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وهو الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء اليوم (٤٤) روي أن جُبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل البناء فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحقُّ بالعفو، وتأوَّل قوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ (٤٥) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، إلا أن الغلبة (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعًا أن يستبقا إلى العفو (٥٧) (١) تنظر الآثار في ذلك في "تفسير الطبري" 2/ 540، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 4.
(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1193، "تفسير البغوي" 1/ 286.
(٣) في (ي) (الطلاق).
(٤) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي ص 157، "الإشراف" 3/ 48، "تحفة الفقهاء" للسمرقندي 2/ 193.
(٥) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 234، ووكيع في "أخبار القضاة" 2/ 254، وذكره الثعلبي في "سننه" 2/ 1194، والقرطبي 3/ 205.
(٦) في (أ) و (م) (خلاها).
(٧) رواه الشافعي في "الأم" 5/ 230، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 290، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 236، قال ابن المنذر في "الإشراف" 3/ 49: فأما حديث ابن عباس فإنما رواه ليث بن أبي سليم، وليث يضعف.
(٨) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 286، وذكر القرطبي في "تفسيره" 3/ 205 عن ابن مسعود قال: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابًا أو أرخى سترًا أن لها الميراث وعلها العدة، وروي مرفوعا خرجه الدارقطني.
(٩) في (أ) و (ي) و (م): (ابن أوفى).
(١٠) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 288، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 234،== وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 235، والبيهقي 7/ 255 وقال: هذا مرسل، زرارة لم يدركهم، وقد رويناه عن عمر وعلي موصولا، وقد روى مالك في "الموطأ" 2/ 528، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 285، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 233، وابن أبي شية في "المصنف" 4/ 234 من طرق عن عمر وعلي بنحوه.
(١١) "تفسير القرطبي" 3/ 204.
(١٢) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك).
ساقط من (ي).
(١٣) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك): أنصف النهار.
ساقط من (ش).
(١٤) ينظر في (نصف) "تهذيب اللغة" 4/ 3586 - 3587، "المفردات" ص497، "لسان العرب" 9/ 330 - 332.
(١٥) وفي رواية: إلى ملك لا تنصف الساق نعلُه ...
أجل لا وإن كانت طوالا محامله ونسب لابن ميادة في "ديوانه" ص293، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3587 وروايته:== محاملهُ، وفي "اللسان" 8/ 4443 (نصف).
نسب البيت الثاني لذي الرمة في "ديوانه" ص 1266.
(١٦) في (أ) و (م): (يسقط).
(١٧) في (م): (مما).
(١٨) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 155 بنحوه، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 320، "تفسير الثعلبي" 2/ 1197، "التبيان" ص 142.
(١٩) ساقطة من (ي).
(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 155 بنحوه.
(٢١) ذكره القرطبي في "تفسيره" 3/ 205 - 206.
(٢٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 544.
(٢٣) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 284، والطبري في "تفسيره" 2/ 543، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 282، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٢٤) "تفسير الطبري" 2/ 543.
(٢٥) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 886، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، 545، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٢٦) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 283، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٢٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٢٨) انظر المصادر السابقة.
(٢٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 544، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1199.
(٣٠) في (ش) و (ي) (فأي).
(٣١) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 888، والطبري في "تفسيره" 2/ 545، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 444.
(٣٢) ينظر: "الموطأ" 2/ 528، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 559، "الإشراف" 3/ 48.
(٣٣) هو: عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، توفي بعد سنة 120هـ.
ينظر "الجرح والتعديل" 6/ 389، "التقريب" ص408 (4829).
(٣٤) أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 546، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٣٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 545، ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٣٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري في "تفسيره" 2/ 547، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 547، 548، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٣٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 96، والطبري 2/ 547 - 548، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 445.
(٣٩) أخرجه ابن أبى شيبة 4/ 280، والطبري في "تفسيره" 2/ 548، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٤٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 548، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445.
(٤١) ذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 439.
(٤٢) هو مقاتل بن حيان، ذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 445، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1202.
(٤٣) أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" 4/ 281، والطبري في "تفسيره" 2/ 548 - 549، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 549.
(٤٤) كذا ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 549.
(٤٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 284، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 280، والطبري في "تفسيره" 2/ 546.
(٤٦) ينظر في الاستدلال لهذا القول: "تفسير الطبري" 2/ 549، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 440، "تفسير الثعلبي" 2/ 1203 - 1207، "تفسير البغوي" 1/ 287.
(٤٧) في (أ) (الغلبة).
(٤٨) في (ي) و (ش) (المذكورة).
(٤٩) في (ش) (يريد).
(٥٠) في (ي) و (ش) (فالمزيد).
(٥١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 319 - 320، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1212، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287.
(٥٢) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 320، "تفسير الثعلبي" 2/ 1211، "التبيان" ص143، "تفسير القرطبي" 3/ 208، "المسير الكبير" 6/ 144.
(٥٣) قال السمين في "الدر المصون" 2/ 496: وهذا مذهب الكوفيين، أعني: التجوز في الحروف، ومعنى اللام وإلى في هذا الموضع يتقارب.
وينظر "التبيان" ص 143.
(٥٤) في (ي) (أقرب للتقوى).
(٥٥) "التفسير الكبير" 6/ 144 - 145.
(٥٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1212، "التفسير الكبير" 6/ 145.
(٥٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1213، "تفسير البغوي" 1/ 287.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ الآية: قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول، ولما نهي عن التزويج بمعنى الذوق، وأمر بالتزوج طلباً للعصمة ودوام الصحبة ظنّ قوم أن من طلق قبل البناء وقع في المنهي عنه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول، وذلك أن من طلق قبل الدخول فإن كان لم يفرض لها صداقاً وذلك في نكاح التفويض: فلا شيء عليه من الصداق؛ لقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ الآية، والمعنى: لا طلب عليكم بشيء من الصداق، ويؤمر بالمتعة لقوله تعالى: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ وإن كان قد فرض لها: فعلية نصف الصداق لقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ ولا متعة عليه، لأن المتعة إنما ذكرت فيما لم يفرض لها بقوله: أو تفرضوا أو فيه بمعنى الواو ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي أحسنوا إليهنّ، وأعطوهن شيئاً عند الطلاق، والأمر بالمتعة مندوب عند مالك، وواجب عند الشافعي ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ ﴾ أي يمتع كل واحد على قدر ما يجد، والموسع الغني، و ﴿ المقتر ﴾ الضَّيق الحال، وقرئ بإسكان دال قدرة وفتحها، وهما بمعنى واحد وبالمعروف هنا: أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين ﴾ تعلق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: حقاً، وتعلق مالك بالندب في قوله: على المحسنين؛ لأنّ الإحسان تطوع بما لا يلزم ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بيان أن المطلقة قبل البناء لها نصف الصداق؛ إذا كان فُرض لها صداقٌ مسمى، بخلاف نكاح التفويض ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ النون فيه نون جماعة النسوة: يريد المطلقات، والعفو هنا بمعنى الإسقاط، أي للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، إلاّ أن يسقطنه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوالي الذي تكون المرأة في حجره كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أمته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب له بالطلاق قبل الدخول، وأجاز شريح إسقاط غير الأب من الأولياء، وقال سقط عنه من الصداق، ولا يجوز عندهما أن يسقط الأب النصف الواجب لابنته، وحجة مالك أن قوله تعالى: ﴿ وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى ﴾ فإن الزوج إذا تطوّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضل، وأما إسقاط الأب لحق ابنته فليس فيه تقوى؛ لأنه إسقاط حق الغير ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ ﴾ قيل إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها أو دفع الرجل النصف الساقط عنه واللفظ أعم من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.
الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.
الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.
الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .
﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.
الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون بالإسكان.
الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.
﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.
التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.
قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.
وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.
وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.
وأيضاً إنه قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.
وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.
وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.
وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.
﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.
فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.
وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.
وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.
ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.
أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.
وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.
وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.
وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.
وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.
﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.
وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.
وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.
فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.
وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.
وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.
والتكليف: الإلزام.
قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.
فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.
وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.
والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.
من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.
ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.
وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.
ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.
وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.
ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.
وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.
قوله ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.
فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.
فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.
وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.
ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟
فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.
وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.
وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.
وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.
وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.
وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.
وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.
وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.
وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.
ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.
فحذف أحد المفعولين للعلم به.
وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.
ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.
ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.
ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.
ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.
فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.
﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.
وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.
وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.
ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .
الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.
ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.
والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟
فقال: الله.
وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.
فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.
والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ وقد مر.
﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.
قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.
وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.
وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.
وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.
قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.
وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.
وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي : "حللت فانكحي من شئت" .
وعن علي أنها تتربص أبعد الأجلين.
ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.
وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.
ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.
فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.
واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟
فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.
وقال الأكثرون: السبب هو الموت.
فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.
ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.
ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.
والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.
وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.
والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.
وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.
وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.
بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .
الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.
ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.
والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.
وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.
ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.
وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.
وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.
وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.
وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.
قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".
وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.
والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.
وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.
فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟
فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.
قد دخل رسول الله على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.
فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.
أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله عنه الحرج.
ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.
ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.
والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.
فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.
وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.
عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.
ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.
وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.
والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.
وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.
وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.
وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.
الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.
فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.
وقد يستنبط حكمها من قوله ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.
وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.
فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.
قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.
والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.
ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.
ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.
والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.
وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.
وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.
واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.
والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.
ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.
وقيل: إنها بمعنى الواو.
وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.
ثم إنه لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.
وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.
ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.
وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.
ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.
﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.
وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.
والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.
قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.
وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.
وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.
ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.
﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله .
الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.
واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.
وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.
فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.
والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.
وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.
ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟
والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.
وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.
وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.
وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.
حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.
أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.
فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.
حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.
والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.
ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.
والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.
وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.
وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.
عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.
فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟
فقال: عرضها علي فكرهت رده.
قيل: فلم بعثت بالصداق؟
قال: فأين الفضل؟
ثم إنه ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
فيه دليل رخصة طلاق غير المدخولات بهن في الأوقات كلها؛ إذ لا يتكلم بنفي الجناح إلا في موضع الرخصة، ولم يخص وقتاً دون وقت.
وأما المدخولات بهن فإنه عز وجل ذكر لطلاقهن وقتاً بقوله: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله -: أن لا بأس للرجل أن يطلق أمرأته في حال الحيض [إذا لم يدخل بها].
وجهه: أنه إذا كان دخل بها فعرف وقت طهرها ما سبق من الدخول بها، فأمر بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا ندم على طلاقها.
وأما التي لم يدخل بها لا يعرف وقت طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت.
ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق، لما لم يجعل له حق المراجعة قبلها ليكون بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك.
والله أعلم.
والثاني: أن المدخول بها يتوهم علوقها منه، فجعل لطلاقها وقتاً لتستبين حالها: أحامل، أم لا؟
لئلا يندم على طلاقها؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته ثم علم أنها حامل يندم على طلاقها؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا.
والله أعلم.
وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يملك إمساكها عند الندامة.
لأن الطلاق قبل الدخول تبين المرأة من زوجها.
والأصل في الأمرين - جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج.
وكل الأوقات في غير المدخول بها وقت الحل.
وقوله : ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ .
معناه - ولم تفرضوا لهن فريضة، كأنه عطف على قوله: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، إلى قوله عز وجل: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، دليله قوله : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ ، دل الأمر بالمتعة أن قوله : ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ ﴾ ، معناه - ولم تفرضوا لهن.
ودل قوله عز وجل: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، أن ذلك في غير المفروض لها؛ حيث أوجب في المفروض نصف المفروض وأوجب ثَمَّ المتعة.
ثم يجيء في القياس أن يوجب في غير المفروض نصف مهر المثل إلا المتعة؛ لأنه إذا دخل بها أوجب كل مهر المثل كما أوجب كل المفروض عند الدخول بها، ونصف المفروض عند عدم الدخول بها، لكن أوجب المتعة لوجهين: أحدهما: أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإذا لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها؟، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك.
والثاني: أنهم أوجبوا المتعة تخفيفاً وتيسيراً؛ لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ذلك في المتعة.
والله أعلم.
ثم قدر المتعة: يعتبر شأنه اعتباراً بقدرها؛ لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناءها وغناء أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفضيل المتعة على مهن المثل - وقدر ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفاً - ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع؛ لذلك وجب النظر إلى قدره اعتباراً بقدرها.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ ، أو نسق على قوله: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، فهو على: "مالم تفرضوا لهن فريضة"، وعلى ذلك قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ، وعلى هذا إجماع القول في جواز النكاح بغير تسمية.
وفي ذلك دليل أن قوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ﴾ ، هو ما يبتغي من النكاح بالمال، لا بتسمية المال، فيكون النكاح موجباً له، به يوصل إلى حق الاستمتاع، لا بالتسمية؛ ولهذا كان لها حق حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما منع عن الملك إلا مهر به مسمى أو غير مسمى، كقوله : ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، وقوله : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ...
﴾ .
وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى أحواله كأنه لم يكن، وعلى ذلك اتفاق فيما يتزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك أن يجوز؛ فيكون في ذلك أمران: أحدهما: أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد الشرط لا يفسد.
والثاني: أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفسد العقد؛ لأنه في جعل ذلك بدلاً للبضع، والله لم يجعل التسمية شرطاً لجوازه ليفسد لفسادها.
والله أعلم.
ثم جعل الطلاق قبل المماسة سبباً لإسقاط بعض ما أوجب العقد، فهو - والله أعلم - لما لم يوصل إليه كمال ما له قصد النكاح، إذ هو مجعول للتعفف، وحقيقته في إمكان الاستمتاع، لا بالعقد، ولولا ذلك لما جعل النكاح، ولم يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل، إذ هو في الحقيقة للملك، لا للاستمتاع.
دليل ذلك: ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع؛ فثبت أنه بدل الملك في التقلب فيه، إذ ليس هو سبباً لفسخ السبب الموجب للملك، الذي له وجب البدل، بل هو تقلب فيه، لم يرفع عنه البدل كله.
والله أعلم.
فأوجب عز وجل نصف المهر، وأسقط نصفه بما قد فقد أحد القصرين ووجد الآخر.
والله أعلم.
ثم إذا لم تكن التسمية جعل الله تبارك وتعالى المتعة مقام نصف المسمى عند التسمية، وإن كان لو تركا، والتدبير بعد بيان الواجب فيما لم يسم مهر المثل نحو وجوب المسمى فيما سمي، لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك تدبيرنا غير نصف مهر المثل، فتولى الله وتعالى بيان ذلك ليعلم الناس - والله أعلم - أن الله بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم ويبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم، بين لهم بالإشارة إليه تفضلاً منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع.
والله أعلم.
ثم لم يبين لنا ماهية المتعة بالإشارة إليها.
ومعلوم أن قدر الذي يتبين فيما علم قصور التدبير عن الإحاطة بدرك ذلك النوع من الحكمة فيما لم يبين، فهو - والله أعلم - بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير فيما يتبين وجه الوصول إليه.
ولا قوة إلا بالله.
ثم قد بين أن الحق أوكد عند التسمية، منه فيما لم يكن التسمية، بوجهين: أحدهما: بقوله : ﴿ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ ، فيما كان الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله وسعه أو لا.
ومعلوم أن الاحتمال على قدر الموسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من الوسع.
والله أعلم.
والثاني: بما علم من وقوع الاختلاف يكون بين الأمة فيما لا تسمية إذا مات أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل على أن الحق في أحد الزوجين أوكد منه في الآخر، على أن العقود والفسوخ كلها تثبت لها عند تسمية البدل، ولا يجب شيء من ذلك بنفس العقد البدل حتى يستوفي في بعض ذلك، ولا يجب شيء في البعض على كل حال؛ فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت - ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل؛ إذ قد ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤسس على التخفيف على المؤسس بالتغليظ في التغليظ.
ولم يبين لنا ماهية المتعة - ما هي؟
ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما قد يتمتع به.
فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة بما هو النهاية فيما كان مبنيّاً على التغليظ، فلا يجاوز بها.
ذلك مع ما فيه وجهان: أحدهما: إحالة وجوبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها سبباً لإسقاط الحق، وقد جعله الله سبباً لمنع السقوط؛ فثبت أن مهر المثل معتبر في المتعة.
والثاني: أنها بحكم البدل عن ذلك.
دليله وجهان: أحدهما: أن المطالبة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح لإيجابها؛ فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب بالطلاق.
والثاني: أنه متى وجب مهر المثل لم يوجد لها نحو أن يدخل بها.
ثبت أنها كانت بدلاً، فلا يزاد البدل، مع ما كان التحويل إلى غير نوع مهر المثل.
إنما هو - والله أعلم - لما قد يتعذر تعرفه، أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤمن وتكلف.
ثم بعد العلم بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك، ثم في أمرها منهم، فجعل الله تفضله من الوجه الذي للمرء سبيل العلم به عن ذلك التكلف.
أو لو رفع هو إلى الحاكم أمكنه الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر.
فكان ذلك - والله أعلم - نحو ما فرض الله من زكاة الإبل، لا فيها إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءاً يتعذر أخذ مثله، ثم التسليم إلى الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز؛ فمثله ما نحن فيه.
وهذا هو وجه جعل الله متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، لو رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة، فإذا طلقها فجعلت هي مكان مهر المثل إذا فات السبب الذي كان يجب بحقها، فجعلت واجبة بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن فيما تقدم، لو أريد بها الإمساك.
ومن البعيد أن يزداد كسوة المرأة على مهرها أو نصف مهرها في الحق.
ولا قوة إلا بالله.
ثم ليس ظاهر الآية إبطال المهر فيما لم يسم، ولا النصف فيما سمي.
وإنما في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض.
والقول: بأن نصف هذا العبد لفلان، أو لفلان، كذا من الحق لا يبطل عنه الحقوق جملة، أو عن النصف الآخر بذلك القول، بل فيه بيان ذلك أنه له وغيره متروك لدليله.
ولا قوة إلا بالله.
وكذلك قوله : ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ، ليسى في ذلك أن لا عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن تكون عليه، لا له.
وكذلك عندنا: العدة هي التي عقيب الخلوة لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه المؤمن فكأنها عليه، لا له في المعتبر.
فلما ذكرت يبطل قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة فيما لا مماسة فيه خلاف الظاهر - والله أعلم - مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من المسيس الإمكان، لا حقيقته.
ودليل ذلك: أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في الملأ من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك؛ فثبت أن المراد من ذلك معنى في المسيس، لا ما يلحقه اسمه.
ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان: أحدهما: قوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ ، فأعظم عليه أخذ شيء مما آتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض.
والإفضاء في اللغة معروف: أنه الانضمام، لا المجامعة، مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج، يضاف فعلها، وفي هذا إضافة الإفضاء إلى كل واحد منهما.
ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد منهما نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة.
والله أعلم.
والثاني: وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلفاء، رضوان الله عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم على حقيقته إذا كان بحيث احتمال الخفاء، والخاصة النجباء الذين يعلمون أنهم أئمة الخلق، وعلى الاقتداء بهم حثت الأمة، مع ما في ذلك عدول عن الظاهر، وقول بالذي لا يحتمل فهمه عنه؛ ثبت أن كان ذلك منهم عن بيان من رسول الله ، أو عن دليل شهدوه أظهر المراد.
ولا قوة إلا بالله.
على أن في الآية، لو كان في تصريح جماع، لكان يلزم ذلك بالخلوة لوجهين سوى ما ذكرت: أحدهما: جرى أحكام الكتاب والسنة في البدل لأشياء مقصودة اسماً وتحقيقاً يستوجب حق العرفاء بها بحق شرط الله القبض في الرهن، والقتال في المغانم، والإيتاء في الأجور والمهور والخروج لأمر الهجرة وأمر رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أسلما لأمر الله، فعلى ذلك أمر [المهور والعدة في الخلوة إذ هي سلمت نفسها لذلك، وعلى ذلك أمر] الخروج من الأمانات بقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا ﴾ ، ولو كان لا يخرج إلا بإدخال في الأيدي في الحقيقة، لكان لا سبيل إلى القيام بما كلف الله .
وعلى ذلك إجماع القول في الإجارات إذا أمكن الاتفاع بها.
والله أعلم.
والثاني: أن النساء لا يملكن من تسليم ما عليهن من الحق، ومحال أن يلزمهن من الحق أكثر مما ذكر، لكن الله وسعهن؛ فثبت أن ليس عليهن غير الذي فعلن، فاستوجبن ما لهن، وعلى ذلك قوله : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ والله أعلم.
ثم قد أجمع على وجوب المهر في موقت أحدهما، وأن الموت لا يسقطه، وإن لم يكن ثم دخول.
فهو - والله أعلم - أن المقصود بالنكاح الملك وقيام الزوجية إلى موت أحدهما، وإن كان ذلك الاستمتاع وقد وجد تمامه.
وقد بينا أن المهر للملك، لا لنفس الاستمتاع، فوجب كماله وإن مات أحدهما، لما بلغ الملك نهايته.
وعلى هذا يخرج قولنا فيما لم يسم لها المهر؛ إذ مهر المثل إنما هو بدل الملك.
دليله: أنه يوجب لها المطالبة به عند قيامه وإن لم يسم به.
وأصله: ما بينا من تعلق هذا الملك بالبدل حكماً، وإن لم يكن تعلق به شرطاً، وقد وجد ثم.
وعلى هذا روي عن ابن مسعود، رضي الله عنه، في ذلك، وقام معقل بن سنان فقال: "نشهد أن سول الله قضى في ربوع بنت واشق بمثل الذي قضيت أنت".
فسر به عبد الله لموافقة رأيه ما روي له عن رسول الله .
وإذا ثبت ذلك فعلى ذلك، إذ المعقول بالنكاح أن تبذل المرأة نفسها له ليستمتع بها، فإذا جاءت الخلوة وجد تمام المقصود منها بالنكاح، على ما وجد في موقت أحدهما، فيجب كمال المهر كما وجب بالأول، ويستوي في ذلك مهر المثل والمسمى.
والله أعلم.
وعلى ذلك فيما لم يوجب جعله بذل المنفعة، إذ هو قيمة البضع، ويجب قيمة الأشياء بإتلافها، ولم يوجد هاهنا.
وعندنا: أنه وإن كانت قيمة ذلك فهي بدل ملك ذلك، لا بدل الانتفاع نفسه، إذ لا يجب في الزنى؛ ثبت أنه للملك يجب أو لشبهته، وقد وجد في الأول على تمام ما رجع إليه المقصود، وجب على ما مر بيانه.
والله أعلم.
وأوجب قوم في المسماة بعد النكاح نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول استدلالاً بظاهر الآية.
ولكن التسمية عند الناس إنما تكون في العقد حتى لا يعرف لها وجود غيرها، وهي التسمية في العقد، فهي المرادة في الخطاب، إذ هي المعروفة من الفرض، ثم غيرها بحق الاستدلال، فإن ألزم الدليل لها حق التسمية في العقد لزم، وإلا لا.
ثم وجد جميع الأسباب التي تحتمل الاعتياض جعل ذكر الفرض بعد السبب كلا ذكر، فمثله أمر النكاح، فأوجب ذلك فساد التسمية، فلم يجب المسمى من بعد إلا حيث يوجبه الدليل، وقد قام دليل الوجوب عند وجود ما له حكم الدخول بها، يجب عند ذلك، وإلا لا.
ثم وجه لزوم القول بما يخرج على أحوال أحديهما أن لهذا التسمية إذا جازت بحق مهر المثل، إذ كل سبب ليس له عوض بالحكم لم يجز.
ثم كان مهر المثل يسقط قبل الدخول بها، كذلك الواجب به.
والله أعلم.
وأيضاً فإن الحكم يوجب تبيين مهر المثل ليدفع إليها، إذ لها حق الامتناع إلا به، فاصطلاحها على ما سميا من بعد له حق ما في الحكم ذلك وهو التبيين، ولو بينه الحاكم لكان يسقط.
فمثله هذا.
والله أعلم.
والثالث: أنه معلوم أنه لو كان الذي في علم الله من طلاقها، لو كان ظاهراً وقت التسمية، لكان حقها عليه المتعة، ولم يكن يجب النظر إلى مهر المثل إلا من وجه تحديد المتعة.
فكذلك إذا ظهر - والله أعلم - وأمكن أن يقال: الأصل في ذلك أن المتعة ليس يوجبها الطلاق، ولكن النكاح يوجب، ثم كان الواجب بالنكاح مجهول، لا يدري أهو مهر المثل أو المتعة؟؛ إذ لا يجوز أن يجبا، ولا أن يوجب الطلاق أحدهما، لما هو بيان ذلك، فثبت أن الواجب في الحقيقة أحدهما، لكن لها مطالبة مهر المثل في الظاهر، ولها التسمية عنه بما العرف في النكاح أنه للدوام ثم هو للاستمتاع، فحمل الأمر على ذلك الظاهر وبه أجيزت التسمية.
فلما ورد الطلاق قبل الدخول ظهر حقيقة الواجب، فبطل الذي كان بحق المهر، لما ظهر أن الواجب في علم الله المتعة.
والله أعلم.
وعلى أصل هذا المعتبر أمر المفروض الظاهر أنه نوع الإيمان، وذلك ما لا يزداد ولا ينتقص، فيجب بالطلاق نصف مهورهن.
ثم إذا كان من نوع ما يزاد وينقص فيحدث أحد الوجيهن، فليس في الكتاب تسمية ذلك النوع على المعروف، ولا القضاء فيه بشيء.
ومعلوم أن ذلك لو كان في يدي الزوج ليجب نصف ذلك فيما كان الطلاق قبل الدخول بها، فيصير بحكم المفروض.
وإن لم يكن بما كان حدث من الحق، أو بما كان في علم الله أن الحق في ذلك النصف؛ إذ ذلك حكم الطلاق قبل الدخول بها على حق المنصوص، فيكون الذي حدث من النصف حقه، أو بما كان ذلك مهراً والحادث محتمل جعله مهراً، فهو فيه على ما عليه معتبر الحقوق من لحوق الفروع الأصول.
فإذا كان ذلك بعد القبض فقد انتهى أمر الحق، وحدث ما حدث على ملكها، إذ على ذلك يحدث.
فقلنا: لو نقص المهر في العين لكان يصير النصف له بحق بعض القبض فيه، ثم نقض العقد، وإذا كان كذلك لا يخلوا أمر الزيادة من أن يرد عليه فيرجع بشيء لم يسلم إليها، وذلك فضل على ما أخذ من الحق يأخذه بالحكم، فيكون ربا؛ لأنه لم يسمه، ولا يسلم إليه، فأنزل المعنى الذي هو لها فيه، فيكون أخذه بلا عوض في عقد التبادل، فيصير ربا، ولو أبقى له على فسخ القبض في المهر والعقد فيصير ذلك لما فضل من أصل قد فسخ العقد فيه مما لم يكن لها إلا ببدل بلا بدل، وذلك وصف الربا، وقد حرم الله الربا؛ فيجب بالضرورة جعل المفروض كالهالك، فيجب نصف القيمة ليزول معنى الربا.
والله أعلم.
وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي يوسف، رحمه الله ، في العلة والهيئة: أنه يظهر الواجب في الحكم.
وعند أبي حنيفة، رضي الله عنه، ذلك في حق النقض يصير كذلك، دليله: ما لم يكن يجوز فيه تقلب الزوج، لو كان منه، ثم النقض لا يرد على ما ليس له حكم المهر، فيبقي ذلك للمرأة على ما كان لها قبل الطلاق؛ إذ الطلاق نقض الملك في المهر، وليس ذلك بمهر.
والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: والمذكور من المتعة فيما فيه الدخول يحتمل ما عليه في حال النكاح من الكسوة والنفقة، إلى تمام العدة، فتكون الآية في ذكر النفقة بعد الفراق؛ إذ لا يجوز أن يكون الطلاق سبباً لإيجاد حق غير واجب قبله.
ويحتمل أن يكون في حق المتبرع شرط عليه ليكون تسريحاً بالإحسان على ما رغب في غير المدخول بها من الإتمام؛ إذ لا يجوز أن يكون ذلك بدلاً فيكون لملك واحد بدلين، مع ما جعل الله الطلاق سبباً لتخفيف الحقوق على الزوج، ورفع المؤنة، ورد الأمر إلى الغناء بالآخر بقوله : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ، لم يحتمل به الوجوب، فيصير سبباً لإلزام المؤنة.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله : ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
فيه دليل لأبي حنيفة، رضي الله عنه، حيث قال: إن الذمي إذا تزوج امرأة ولم يسم لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، لا متعة لها؛ لأن الله إنما أوجب المتعة على المسحنين، والذمي ليس بمحسن.
والدليل على أن المتعة إنما أوجبت تخفيفاً، ومهر المثل لا؛ لأن مهر المثل أوجب على المرء احتمله ملكه أو لم يحتمل، والمتعة لم تلزم إلا ما احتمله ملكه؛ فبان أنها أوجبت تخفيفاً فإذا كان تخفيفا؛ لم يزد على مهر المثل.
والثاني: أن المتعة أوجبت بدلاً عن نصف مهر المثل، ثم لا جائز أن يراد بالبدل المبدل، كما قيل في سائر الأبدال.
والله أعلم.
والمتعة - هي ثلاثة أثواب؛ لأنه يخرجها من المنزل، وأقل ما تخرج المرأة من المنزل إنما تخرج بثلاثة أثواب.
فإن قال لنا قائل: إن الكتاب ذكر المتعة للمطلقة قبل المماسة إذا لم يفرض لها فرض، وذكر أنه في نصف المفروض إذا طلقها قبل المماسة، وأنتم أوجبتم كل المسمى وكل مهر المثل إذا خلا بها ولم يمسسها.
قيل له: في الآية بيان وجوب المتعة في حال وبيان وجوب نصف المهر في حال، وليس في بيان وجوب النصف نفي وجوب الكل؛ لأنه إذا قيل: "لفلان نصف هذا الشيء"، ليس فيه دليل أن النصف الآخر ليس له، فإذا كان ما ذكرنا ليس لمخالفنا الاحتجاج علينا بظاهر الكتاب، ولا السنة إلى مخالفة الآية، فصار معرفة ذلك بتدبير آخر من جهة الكتاب، مع ما أنه لا يوجب المهر كله لعين المسيس، فكانا - نحن وهو - اتفقنا جميعاً على إيجابه لا بالكتاب.
والله أعلم.
وإن شئت قلت: إن الخلوة لا توجب كمال الصداق، وإنما يوجبه صحة العقد.
دليله: مطالبة المرأة الزوج بكماله بعد صحة النكاح؛ فدل أن وجوبه لا بالخلوة، ولكن بصحة العقد، فالكلام إنما وقع في إسقاط البعض، فيسقط إذا قام دليل الإسقاط.
والله أعلم.
وإن شئت قلت: إن المرأة لا تملك سوى تسليم نفسها إليه، فالعقد إنما وقع على ما يقدر على تسلميه إليه، ليس على ما لا تقدر؛ لأنها لا تقدر على تسليم الاستمتاع إليه؛ إذ لو كان العقد واقعاً على ذلك لكان يبطل؛ لأن من باع ما لا يقدر على تسليمه إلى المشتري لبطل العقد بأصله، فعلى ذلك عقد النكاح إذا جعل واقعاً على تسليم الاستمتاع إليه كان باطلاً كالبيع للمعنى الذي وصفناه.
والله أعلم.
ثم اختلف في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولا فرض لها مهراً: روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: لها مهر مثلها، وروي عن رسول الله "أنه قضى لبروع بنت واشق بمهر مثلها".
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: لها المتعة بكتاب الله .
وقال: لا ندع كتاب الله بقول أعرابي.
ذهب - والله أعلم - إلى أن الكتاب ذكر المتعة في الطلاق، ثم كان ذلك الحكم في غير الطلاق كهو في الطلاق؛ فعلى ذلك الفرقة التي وقعت بالموت توجب المتعة كوجوبها في الفرقة الواقعة في غير الطلاق، كقوله : ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، ذكر (المطلقات)، ثم كانت التي وقعت الفرقة عليها بغير طلاق يلزمها ما يلزم المطلقة، ومثل ذلك كثير مما يكثر ذكره.
والله أعلم.
وأما عندنا فإنه لا تلزم المتعة، ولكن يلزم مهر المثل لوجوه: أحدهما: قوله : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، ذكر في الطلاق قبل الدخول نصف المفروض، وفي الدخول كل المفروض؛ فعلى ذلك ما أوجب من الحكم في التي لم يدخل بها ولم يسم لها مهراً دون ما أوجب في حكم الدخول.
والله أعلم.
والثاني: أن المقصود بالنكاح إنما يكون إلى موت أحد الزوجين، فإذا كان كذلك لزم كل المسمى أو كل مهر المثل.
والله أعلم.
والثالث: الخبر الذي ذكرنا: أنه قضى بمهر المثل، وخبر أمثال هؤلاء مقبول إذا كانت البلية في مثله بلية خاصة، إذ بمثل هذا لا يبلى إلا الخواص من الناس؛ لذلك كان ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
ذهب قوم إلى ظاهر الآية - أنه ذكر فيها ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، ولم يخص المفروض في العقد دون المفروض بعد العقد، فكله مفروض، فلها نصف المفروض سواء كان المفروض في العقد أو بعد العقد.
وعلى ذلك قال قوم: إن الرجل إذا تزوج امرأة على جارية ودفعها إليها، فولدت عندها ولداً، ثم طلقها قبل الدخول بها، أن لها نصف الجارية؛ لأن الله قال: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، وأنتم لا تجعلون له نصف ما فرضتم، فخالفتم ظاهر الكتاب.
أما الجواب لمن جعل المفروض بعد العقد كهو في العقد فيما جعل لها نصف ما فرض، فإن الخطاب من الله إنما خرج في المفروض في العقد لا في المفروض بعد العقد؛ [لأنه لم يتعارف الفرض بعد العقد، فإذا لم يتعارف في الناس الفرض بعد العقد] إنما يتعارف في العقد، خرج الخطاب على هذا المتعارف فيهم، وهو المفروض في العقد، فيجعل لها نصف ذلك وما يفرض بعد العقد وإنما يفرض بحق مهر المثل، فإذا وجد الدخول وجب ذلك، وإلا لم يجب.
وأما جواب من قال: بأنه إذا تزوجها على جارية ودفعها إليها، فولدت ولداً، أن له نصف ما فرض - فإنا نقول: إن الآية ليست في الفرض الذي معه آخر ولداً أو غيره؛ ألا ترى أن الجارية إذا كانت عند الزوج فولدت ولداً فإن لها نصف الجارية ونصف الولد، والولد لم يكن في الفرض وقت العقد؟
فعلى ذلك الآية ليست في الجارية التي ولدت عندها، ولكن في الفرض الذي لا زيادة معه.
ثم لا يخلو إما أن يجعل نصف الجارية لها دون الولد، فقد فسخ العقد في الأصل فبقي الولد بلا أصل، فذلك ربا.
أو يجعل له نصف الجارية مع نصف الولد، وهو غير مفروض، والله تبارك وتعالى إنما جعل له نصف ما فرض؛ فبطل قول من قال ذلك.
والله أعلم.
قال الشيخ، رضي الله عنه، في قوله: ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قيل: يريد به المؤمنين فيكون في هذا التأويل دلالة على ما قاله أبو حنيفة.
رضي الله عنه: أن لا تلزم الذمي المتعة.
وقيل: على من قصدهم الإحسان إلى الأزواج ويتقون الخلاف، لما كان عليه النكاح من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
الله الموفق.
واعتل قوم في حق العدة وكمال المهر، أنه ذكر فيه الطلاق لا على تخصيص الحكم له، بل بكل ما يكون به تسريحها فمثله يكون ذكر المماسة - لا على تخصيص، ولكن بكل ما يكون به تحقيقها.
ولا قوة إلا بالله.
قال: وقدرت المتعة في الاختيار بالقدر الذي كان يمتعها بالإمساك، إذ لا بد من كسوتها، ليعلم أن ليس للفرار عن ذلك الحق يطلق، أو بما به يخرجها من منزله فأمر أن يمتعها بما به التي تخرج من المنازل.
وأقل ذلك ثلاثة أثواب.
والله أعلم.
وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن الشيء التافه لا يحتمل أن يكون مهراً؛ لما أوجب عند العدم، فيما لا تسميه فيه، الشيء الخطير، وهو الذي يمتعها، وأقل ما تمتع هي له فيه ثلاثة أثواب وفيما سمى أمرا عند ذلك بالعفو وجب، لا يحث على العفو عنها، ولا يرغب بين الزوجين إلا الأخذ بالفضل بمثله دل أن لذلك حدّاً قد يجري بمثله التنازع، فيرغبون في إبقاء ذلك واختيار ما به التآلف على أن الله - جل ثناؤه - قد جعل بناء النكاح بالأموال وبها أحل، وقال في ذي العذر: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ...
﴾ ، الآية، ولو كان بحبة طول حرة لكان لا أحد يعجز عنها فيشترط ذلك في تزويج المملوكة وبخاصة على قول من لا يبيح إلا بالضرورة، فمن رأي يضطر إلى حبة يتوق إلى الاستمتاع فضلاً من أن يتخير، ثم على ذلك قال في الإماء: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ والحبة معلوم أنها أنكر من المنكر؛ فثبت أن مهر الحرائر بيِّن ويظهر في أهل الحاجة، وأن القول بجعل الحبة مهراً تامّاً ووصف ملكها بملك الطول قولاً مهجوراً، لا معنى له.
وبعد فإن الناس قد أجمعوا على أنها لا تملك (المعروف) ببضعها، والبدل للزوج بلا بدل يلزمه، فصار كمتولي العقد على ما ليس لها، وحظ القليل في مثله والكثير في المنع واحد.
فقياس ذلك ألا يكون الحط من مهر مثلها، والحبة لا تكون مهر مثل أخبث امرأة في العالم، فلا يجيء أن يجوز الحط ولكن أجيز العشرة بالاتفاق، ولم يجز الأكثر للتنازع، وقد بينا الفساد من طريق التدبير.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ .
قيل: المرأة.
وقوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ﴾ .
اختلف أهل التأويل فيه: قال علي وابن عباس - رضي الله عنهما هو: الزوج - وقال قوم: هو الولي.
وأمكن أن يكون قول من قال بأنه الولي؛ لما أن المهور في الابتداء كانت للأولياء.
دليل ذلك قول شعيب لموسى: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ شرط المهر لنفسه، وكما روي من الشغار، ثم نسخ من بعد وصار ذلك للنساء بقوله : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ ، ولأنهم أجمعوا على ألا يجوز لأحد المعروف في ملك الآخر إلا بإذنه؛ فعلى ذلك لما ثبت أن المهر لها لا يجوز للولي المعروف فيه.
وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ ، يعني المرأة تترك النصف ولا تأخذ منه شيئاً.
وقوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ﴾ ، يعني الزوج يجعل لها كل الصداق، يقول: كانت في حبالتي ومنعتها من الأزواج.
وتترك المرأة له النصف، فتقول: لم ينظر إلى عورتي، ولا تمتع بي.
وهو على الإفضال، وعلى ذلك يخرج قوله : ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ، [أن يتفضل أحدهما على الآخر بترك النصف أو بإتمام الكل، ومعنى قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ] أي لا تنسوا الفضل الذي في ابتداء الأمر؛ لأن أمر النكاح في الابتداء مبني على التشفع والإفضال، فرغبهما عز وجل على ختم ذلك على الإفضال على ما بني عليه.
والله أعلم.
وفيه دلالة على أن (العفو) هو الفضل في اللغة، وهو البذل، تقول العرب: عفوت لك، أي: بذلته.
فإن كان (العفو) هو البذل فكأن قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ، أي ترك له وبذل، ﴿ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، يكون فيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله - في ذلك.
وقوله : ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: حق على المتقي أن يرغب فيه، وكذا قوله: ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، أن يرغب فيه.
ثم لإضافة ذلك إلى الرجال وجهان: أحدهما: لما أنهم هم الذين تركوا حقهم، ومن عندهم جاء هذا التقصير.
والثاني: أن في تسليم ذلك من الرجال الكمال، وهم في الأصل موصوفون بالكمال، ومن عندهم يستوفي ما فيه الكمال.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ : يحتمل اشتراك الزوجين في ذلك، لا معنى الأخذ بالعفو والفضل أولى لمن يريد اتقاء دناءة الأخلاق، أو أولى الفضل ممن أكرم باتقاء الخلاف لله .
ويحتمل: الأزواج بما قد ضمنوا الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو أقرب إلى وفاء ذلك واتقاء الخلاف له، على أن سبب الفراق جاء منه، فذلك أقرب لاتقاء الجفاء منهم، وأظهر للعذر لهم فيما اختاروا.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
حرف وعيد عما فيه التعدي ومجاوزة الحدود والخلاف لأمره.
<div class="verse-tafsir"
وإن طلقتم زوجاتكم اللائي عقدتم عليهن قبل جماعهن وقد أوجبتم لهن مهرًا محددًا، فيجب عليكم دفع نصف المهر المسمى إليهن، إلا أن يسمحن لكم عنه -إن كنّ رشيدات- أو يسمح الأزواج أنفسهم ببذل المهر كاملًا لهن، وأن تتسامحوا في الحقوق بينكم أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تتركوا -أيها الناس- تفضل بعضكم على بعض، والمسامحة في الحقوق، فإن الله بما تعملون بصير، فاجتهدوا في بذل المعروف لتنالوا ثواب الله عليه.
من فوائد الآيات مشروعية العِدة على من توفي عنها زوجها بأن تمتنع عن الزينة والزواج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام.
معرفة المؤمن باطلاع الله عليه تَحْمِلُه على الحذر منه تعالى والوقوف عند حدوده.
الحث على المعاملة بالمعروف بين الأزواج والأقارب، وأن يكون العفو والمسامحة أساس تعاملهم فيما بينهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.175OX"
قالوا المراد بالجناح المنفي هنا هو التبعة من المهر ونحوه، لا الإثم والوزر، وأوردوا هذا وجهًا ضعيفًا وجهوه بأن النبي كان كثيرًا ما ينهى عن الطلاق فظن الناس أن فيه جناحًا فنفته الآية، وهو كما ترى يتبرأ منه السياق، فالمراد بنفي الجناح نفي المنع، وهو مقيد بقيدين: عدم المسيس، وعدم تسمية مهر.
والمسيس اسم مصدر لمسه مسًا.
"من باب تعب ونصر" إذا لمسه بيده من غير حائل، هكذا قيدوه كما في المصباح.
ويعبر عن إصابة كل شيء للإنسان من خير وشر ونفع وضر.
ويكنى به وبالمماسة والملامسة كالمباشرة عن الغشيان المعلوم بين الزوجين.
قرأ الجمهور ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بالفعل الثلاثي، وقرأ حمزة والكسائي "تماسوهن" بالصيغة الدالة على المشاركة هنا وفي سورة الأحزاب، لأن كلًا منهما يشترك فيه بحسب حاله، فهذه القراءة بيان للواقع، وتلك بيان لفعل الرجل الذي يجب به ما يجب من المهر والعدة.
وآية الأحزاب التي فيها القراءتان هي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ وأجمعوا على قراءة واحدة في قوله تعالى من سورة مريم حكاية عنها: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ لأنه نفي لسبب الولد من قبل الرجال لا معنى للمشاركة فيه.
والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، والآية تدل على أن عقد النكاح يصح بغير مهر، قالوا ويجب حينئذ مهر المثل.
والفرض هنا يصدق بما يكون بعد العقد كأن يقول: أمهرتك ألفًا، مثلًا.
يقول الله تعالى ﴿ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ أي لا يلزمكم شيء من المال تأثمون بتركه في حال طلاقكم النساء ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أي مدة عدم مسكم إياهن وتسمية المهر لهن، "فأو" هنا بمعني الواو، أو المعنى: إلى أن تفرضوا لهن، أو إلا أن تفرضوا لهن، أي فحينئذٍ يجب عليكم شيء وهو ما يذكر في الآية التالية لهذه.
والمعنى إذا تحقق الشرطان أو الفقيدان فلا تدفعوا لهن مهرًا ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي اعطوهن شيئًا يتمتعن به ولتكن هذه المتعة على حسب حالكم في الثروة ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ الموسع وصف من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة وهي البسطة والغنى، والمقتر من أقتر الرجل إذا قل ماله وافتقر، وقتر على عياله.
"من بابي قعد وضرب"..
وأقتر ضيق عليهم في النفقة.
ولعله من القتار بالضم وهو دخان الشواء والطبيخ وبخاره ورائحته، والقتر من النفقة الرمقة من العيش، ويقال أقتر أيضًا إذا قتر عمدًا فعاش عيشة الفقير، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال والباقون بسكونها وهما لغتان بمعنى، وقيل القدر بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار، والمراد لا يختلف، وهو أن المتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل وبسطته ولذلك لم تحدد بل تركت لاجتهاد المكلف لأنه أعرف بثروة نفسه، وقد علم أن الله فرضها عليه وأكدها بقوله ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ فأما المعروف فهو ما يتعارف الناس بينهم ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم وأحوال معايشهم وشرفهم، وأما كونه حقًا على المحسنين فمعناه أنها واجبة حاقة على أنها إحسان في التعامل لا عقوبة، فإن الحكمة فيها كما قالوا جبر إيحاش الطلاق، كأن المعنى: إن كنتم مؤمنين بالله محسنين في طاعته فعليكم أن تجعلوا هذا المتاع لائقًا مؤديًا إلى الغرض منه.
إن في هذا الطلاق غضاضة وإيهامًا للناس أن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه منها شيء، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله أي لعذر يختص به، لا من قبلها، أي لا لعلة فيها، لأن الله تعالى أمرنا أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة.
فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا، فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو آسف عليها معترف بفضلها، لا أنه رأى عيبًا فيها أو رابه شيء من أمرها، ويقال إن سيدنا الحسن السبط متع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم وقال: "متاع قليل من حبيب مفارق".
لهذا وكّل الله تعالى الأمر في ذلك إلى أريحية المؤمن فلم يحدده بل وصفه بالمعروف، وذكر المطلق عند إيجابه بالإحسان هنا وبالتقوى في الآية الآتية.
هذا هو المتبادر من الآية ولكن من الفقهاء من قال إن المتعة تستحب ولا تجب لأنها جعلت حقًا على المحسنين، كأن القيام بالواجب لا يوصف بالإحسان، ويكفي في إثبات الوجوب قوله تعالى ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وقوله ﴿ حَقًّا عَلَى ﴾ وإنما حسن ذكر الإحسان هنا لأن المفروض غير محدود، والشارع يحب بسط الكف فيه، فذكر بالإحسان لأجل ذلك، وليبيّن أن المتعة ليست من قبيل الغرامة، إذ لو كانت غرامة لا اختيار في قدرها كما أنه لا اختيار في أصلها لما تحققت بها الحكمة التي تقدم شرحها، وآية الأحزاب المتقدمة آمرة بالتمتيع أمرًا لم يذكر معه لفظ المحسنين، على أن الله تعالى ذكر الإحسان والمحسنين في مقام الأعمال الواجبة كقوله في سورة التوبة ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ والنصح لله ورسوله واجب حتم، وقوله في هذه السورة أيضًا ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وذكر هذا اللفظ كثيرًا بعد ذكر الصبر في مواضع اليأس وهو واجب، وبعد ذكر محاولة إبراهيم ذبح ولده وكان واجبًا عليه لولا افتداه الله تعالى.
وقال تعالى في سورة الزمر عند ذكر الجزاء: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وهل يصح أن يقال إن النفس تعذب على ترك النوافل المستحبة فتتمنى الرجعة لتؤديها؟
ومن تتبع الآيات التي ذكر فيها الإحسان يرى أن منها ما يراد به الأعمال المفروضة أولًا وبالذات، ومنها ما يراد به ما زاد عن الفرض من العمل الصالح، ومنها ما يراد به إحسان العمل وإتقانه مطلقا، وممن صرح بوجوب المتعة من علماء السلف علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك وغيرهم، واختلفوا أيضًا في مقدارها وقد علمت المختار فيه، واختلفوا أيضًا هل تشرع لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم لا؟
وسيأتي ذلك في تفسير ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ الآية الماضية في حكم غير الممسوسة إذا لم يفرض لها، وهذه في حكمها وقد فرض لها المهر، وهو أن لها نصف المهر المفروض.
قال (الجلال):"فنصف ما فرضتم يجب لهن ويرجع لكم النصف"، وهذا جري على أن الذي كان عليه العمل هو سوق المهر كله للمرأة عند العقد، خلافًا لما استحدثه الناس بعد من تأخير ثلث المهر أي في الغالب، وقد يؤخرون أكثر من الثلث أو أقل حتى كأن ذلك من سنن الدين، وما هو إلا عادة من العادات، والظاهر أن سببها حب الظهور بكثرة المهر والفخر به، مع اجتناب الإرهاق بدفعه كله.
وقدر غير (الجلال) فالواجب نصف ما فرضتهم -أو- فادفعوا نصف ما فرضتم والمعنى ظاهر على كل تقدير ﴿ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ ﴾ أي النساء المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه، وهو حق البالغة الرشيدة ﴿ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ قيل هو الولي مطلقًا وعليه جماعة من المفسرين أو الولي المجبر وهو الأب أو الجد فيعفو له عن النصف الواجب كله أو بعضه، والشيعة لا تبيح له العفو عن كله وقال كثير منهم إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج الذي بيده حلها.
عبر عنه بهذا للتنبيه على أن الذي ربط المرأة وأمسك العقدة بيده لا يليق به أن يحلها ويدعها بدون شيء، بل يستحب له العفو والسماح بكل ما كان قد أعطى وإن كان الواجب المحتم نصفه، فذلك تمهيد لقوله ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ والخطاب على هذا خاص بالرجال، وفيه وجه آخر أنه عام للنساء والرجال، أي من عفا فهو المتقي، ويروى عن جبير بن مطعم أنه تزوج بنتًا لسعد بن أبي وقاص ثم طلقها قبل الدخول وأعطاها جميع المهر، فسئل عن هذا فقال أما التزوج فلأنه عرضها علي فما رأيت أن أرده، وأما العفو فأنا أحق بالفضل.
هكذا قال من روى القصة بالمعنى، وفي التفسير الكبير أن جبيرًا قال: أنا أحق بالعفو، وإذا كان هذا لفظه فهو دليل على أن الخطاب عام على سبيل التغليب، ويرجحه اختلاف الأحوال، ففي بعض الأحوال تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر وفي بعضها تكون في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، ذلك لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا علة منها وقد يكون بالعكس، والذي تراه في عامة كتب التفسير أن المراد بالتقوى هنا تقوى الله تعالى المطلوبة في كل شيء، وذلك أن العفو أكثر ثوابًا وأجرًا، وعندي أن التقوى في هذا المقام اتقاء الريبة وما يترتب على الطلاق من التباغض وآثار التباغض، ولا يخفى ما في السماح بالمال، من التأثير في تغيير الحال، ولذلك قال بعد ذلك ﴿ وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ فسروا الفضل بالتفضيل والإحسان وجعلوه للترغيب في العفو.
والمراد به المودة والصلة، أي ينبغي لمن تزوج من بيت ثم طلق أن لا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم.
فأين هذا مما نحن عليه اليوم من التباغض والضرار؟
وقد ختمت الآية بقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ جريًا على السنة الإلهية بالتذكير والتحذير بعد تقرير الأحكام، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذي الإيمان وتبعث على الامتثال.
وفي التذكير باطلاع الله تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضًا، ترغيب في المحاسنة والفضل وترهيب لأهل المخاشنة والجهل.
من تدبر هذه الآيات وفهم هذه الأحكام يتجلى له نسبة مسلمي هذا العصر إلى القرآن، ومبلغ حظهم من الإسلام.
وأخص المصريين بالذكر، فإن الروابط الطبيعية في النكاح والصهر وسائر أنواع القرابة صارت في مصر أرَثّ وأضعف منها في سائر البلاد، فمن نظر أحوالهم وتبين ما يجري بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات والمضارات، وما يكيد بعضهم لبعض، يخيل إليه أنهم ليسوا من أهل القرآن، بل يجدهم كلهم لا شريعة لهم ولا دين بل آلهتهم أهواؤهم، وشريعتهم شهواتهم، وأن حال المماكسة بين التجار في السلع هي أحفظ وأضبط من حال الزواج، وأقوى في الصلة من روابط الأزواج.
إن رجلًا هجر زوجته -وهي ابنة عمه وله منها بنت- بغير ذنب غير الطمع في المال، فكان كلما كلموه في شأنها قال: لتشتر عصمتها مني!!
وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمرّ كالذين يتركون نساءهم بغير نفقات حتى قد يضطروهن إلى بيع أعراضهن، وكالمطلقات المعتدات بالقروء يزعمن أن حيضهن حبس فتمر السنون ولا تنقضي بزعمهن، وما الغرض إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقامًا منه، وكالذين يذرون أزواجهم كالمعلقات، لا يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان، أو يفتدين منهم بالمال، فأين الله وأين كتاب الله وشرعه من هؤلاء وأين هم منه؟
إنهم ليسوا من كتاب الله في شيء، ولكن المسرفين أهواءهم يتبعون...
<div class="verse-tafsir"