الآية ٢٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤ من سورة البقرة

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 168 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) ولن : لنفي التأبيد أي : ولن تفعلوا ذلك أبدا .

وهذه - أيضا - معجزة أخرى ، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا وكذلك وقع الأمر ، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن ، وأنى يتأتى ذلك لأحد ، والقرآن كلام الله خالق كل شيء ؟

وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين ؟

!

ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى ، قال الله تعالى : ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) [ هود : 1 ] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف ، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى ، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء ، وأمر بكل خير ، ونهى عن كل شر كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام ، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء ، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها ، كما قيل في الشعر : إن أعذبه أكذبه ، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر ، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع ، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح ، ثم تجد له فيها بيتا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته .

وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير ، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة ، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة ، وسواء تكررت أم لا ، وكلما تكرر حلا وعلا ، لا يخلق عن كثرة الرد ، ولا يمل منه العلماء ، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات ، فما ظنك بالقلوب الفاهمات ، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان ، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن ، كما قال في الترغيب : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [ السجدة : 17 ] وقال : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) [ الزخرف : 71 ] ، وقال في الترهيب : ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ) [ الإسراء : 68 ] ، ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ) [ الملك : 16 ، 17 ] وقال في الزجر : ( فكلا أخذنا بذنبه ) [ العنكبوت : 40 ] ، وقال في الوعظ : ( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) [ الشعراء : 205 - 207 ] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة ، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي ، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب ، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف : إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا ) فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه .

ولهذا قال تعالى : ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) الآية [ الأعراف : 157 ] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم ، بشرت به وحذرت وأنذرت ؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات ، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى ، وثبتت على الطريقة المثلى ، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم ، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم .

ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة لفظ مسلم .

وقوله : وإنما كان الذي أوتيته وحيا أي : الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه ، بخلاف غيره من الكتب الإلهية ، فإنها ليست معجزة [ عند كثير من العلماء ] والله أعلم .

وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته ، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر ، ولله الحمد والمنة .

[ وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصوفية ، فقال : إن كان هذا القرآن معجزا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته ، فقد حصل المدعى وهو المطلوب ، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له ، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله ؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته ، كما قررنا ، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر ) و إنا أعطيناك الكوثر ) ] .

وقوله تعالى : ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) أما الوقود ، بفتح الواو ، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، كما قال : ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) [ الجن : 15 ] وقال تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) [ الأنبياء : 98 ] .

والمراد بالحجارة هاهنا : هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا الله منها .

قال عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله تعالى : ( وقودها الناس والحجارة ) قال : هي حجارة من كبريت ، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا ، يعدها للكافرين .

رواهابن جرير ، وهذا لفظه .

وابن أبي حاتم ، والحاكم في مستدركه وقال : على شرط الشيخين .

وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود ، يعذبون به مع النار .

وقال مجاهد : حجارة من كبريت أنتن من الجيفة .

وقال أبو جعفر محمد بن علي : [ هي ] حجارة من كبريت .

وقال ابن جريج : حجارة من كبريت أسود في النار ، وقال لي عمرو بن دينار : أصلب من هذه الحجارة وأعظم .

[ وقيل : المراد بها : حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) الآية [ الأنبياء : 98 ] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول ؛ قال : لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى ، وهذا الذي قاله ليس بقوي ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها ، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة - أيضا - مشاهد ، وهذا الجص يكون أحجارا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك .

وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها .

وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها ، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال : ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) [ الإسراء : 97 ] .

وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال : ليكون ذلك أشد عذابا لأهلها ، قال : وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل مؤذ في النار وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف ثم قال القرطبي : وقد فسر بمعنيين ، أحدهما : أن كل من آذى الناس دخل النار ، والآخر : كل ما يؤذي فهو في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك ] .

وقوله تعالى : ( أعدت للكافرين ) الأظهر أن الضمير في ( أعدت ) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة ، ويحتمل عوده على الحجارة ، كما قال ابن مسعود ، ولا منافاة بين القولين في المعنى ؛ لأنهما متلازمان .

و ( أعدت ) أي : أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله ، كما قال [ محمد ] بن إسحاق ، عن محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أعدت للكافرين ) أي : لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر .

وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله : ( أعدت ) أي : أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها : تحاجت الجنة والنار ومنها : استأذنت النار ربها فقالت : رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، وحديث ابن مسعود سمعنا وجبة فقلنا ما هذه ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة ، الآن وصل إلى قعرها وهو عند مسلم وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى ، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس .

تنبيه ينبغي الوقوف عليه : قوله : ( فأتوا بسورة من مثله ) وقوله في سورة يونس : ( بسورة مثله ) [ يونس : 38 ] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة ؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه ، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها ، وهذا ما أعلم فيه نزاعا بين الناس سلفا وخلفا ، وقد قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره : فإن قيل : قوله : ( فأتوا بسورة من مثله ) يتناول سورة الكوثر وسورة العصر ، و ( قل يا أيها الكافرون ) ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن .

فإن قلتم : إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور البشر كان مكابرة ، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين : قلنا : فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا : إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن كذلك ، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزا ، فعلى التقديرين يحصل المعجز ، هذا لفظه بحروفه .

والصواب : أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة .

قال الشافعي ، رحمه الله : لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [ سورة العصر ] .

وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم ، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين ؟

فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال : وما هي ؟

فقال : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل علي مثلها ، فقال : وما هو ؟

فقال : يا وبر يا وبر ، إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حقر فقر ، ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟

فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فإن لم تفعلوا "، إن لم تأتوا بسورة من مثله, فقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم (172) ، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعَجزُ جميع خلقي عنه, وعلمتم أنه من عندي, ثم أقمتم على التكذيب به.

وقوله: " ولن تفعلوا "، أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا.

501- كما حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا "، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه (173) .

502- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا "، فقد بَين لكم الحق (174) .

القول في تأويل قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله " فاتقوا النار "، يقول: فاتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنـزيلي, بعدَ تبيُّنكم أنه كتابي ومن عندي, وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي, بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله.

ثم وصف جل ثناؤه النارَ التي حَذرهم صِلِيَّها فأخبرهم أنّ الناس وَقودها, وأن الحجارة وَقُودها, فقال: " التي وَقودها الناس والحجارة "، يعني بقوله: " وَقُودُها " حَطبها, والعرب تَجعله مصدرًا وهو اسم، إذا فتحت الواو، بمنـزلة الحطب.

فإذا ضَمت الواو من " الوقود " كان مصدرًا من قول القائل: وَقدَت النارُ فهي تَقِد وُقودًا وقِدَة ووَقَدانًا وَوقْدًا, يراد بذلك أنها التهبتْ.

فإن قال قائل: وكيف خُصَّت الحجارة فقرنت بالناس، حتى جعلت لنار جهنم حَطبًا؟

&; 1-381 &; قيل: إنها حجارةُ الكبريت, وهي أشد الحجارة -فيما بلغنا- حرًّا إذا أحميت.

503- كما حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا أبو معاوية, عن مسعر, عن عبد الملك بن مَيسرة الزرَّاد, عن عبد الرحمن بن سَابط, عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله بن مسعود، في قوله: " وقُودها الناس والحجارة "، قال: هي حجارة من كبريت، خَلقها الله يومَ خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدّها للكافرين.

504- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق, قال: أنبأنا ابن عُيينة, عن مِسعر، عن عبد الملك الزرَّاد، عن عمرو بن ميمون, عن ابن مسعود في قوله: " وقودها الناسُ والحجارة "، قال: حجارة الكبريت، جعلها الله كما شاء (175) .

505- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار التي وَقودُها الناس والحجارة "، أما الحجارة، فهي حجارةٌ في النار من كَبريت أسْوَد، يُعذبون به مع النار (176) .

506- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج في قوله: " وقودها الناس والحجارة "، قال: حجارة من كبريت أسودَ في النار، قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارةٌ أصلب من هذه وأعظم (177) .

507- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن مسعر, عن عبد الملك بن مَيسرة, عن عبد الرحمن بن سابط, عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود, قال: حجارةٌ من الكبريت خَلقها الله عنده كيفَ شاء وكما شاء (178) .

* * * القول في تأويل قوله: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا، على أن " الكافر " في كلام العرب، هو الساتر شيئًا بغطاء (179) ، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا، لجحوده آلاءه عنده, وتغطيته نَعماءَه قِبَله.

فمعنى قوله إذًا: " أعدت للكافرين "، أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم, الذي جَعل لهم الأرض فراشًا, والسماء بناءً, وأنـزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأندادَ والآلهة (180) ، وهو المتفرد لهم بالإنشاء، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق (181) .

508- كما حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد, عن ابن عباس: " أعدت للكافرين "، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر (182) .

--------------- الهوامش : (172) في المطبوعة : "وقد تظاهرتم" ، وما في المخطوطة أجود ، وسيأتي بعد قليل بيان ذلك .

(173) الأثر 501- ذكره السيوطي 1 : 35 بنحوه ، ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير .

وكتب فيه خطأ مطبعيًّا"ابن جريج" .

(174) الأثران 501 ، 502- في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 .

ولفظ الطبري في تفسير هذه الآية وفي التي تليها ، وما استدل به من الأثر الأخير ، يدل على أنه يرى أن جواب الشرط محذوف ، لأنه معلوم قد دل عليه السياق؛ وجواب الشرط"فقد بين لكم الحق ، وأقمتم على التكذيب به وبرسولي" ، ثم قال مستأنفًا : "فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي ، أنه جاءكم بوحيي وتنزيلي ، بعد أن تبين لكم أنه كتابي ومن عندي" .

ولم أجد من تنبه لهذا غير الزمخشري ، فإنه قال في تفسير الآية من كتابه"الكشاف" ما نصه : "فإن قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار ، انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟

قلت : إنهم إذا لم يأتوا بها ، وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وإذا صح عندهم صدقه ، ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار .

فقيل لهم : إن استبنتم العجز فاتركوا العناد .

فوضع"فاتقوا النار" موضعه ، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث إنه من نتائجه .

لأن من اتقى النار ترك المعاندة .

ونظيره أن يقول الملك لحشمه : "إن أردتم الكرامة عندي ، فاحذروا سخطي" .

يريد : فأطيعوني واتبعوا أمري ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط .

وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة .

وفائدته : الإيجاز ، الذي هو حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد ، بإنابة اتقاء النار منابه ، وإبرازه في صورته ، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها" .

فقد تبين بهذا مراد الطبري ، وأنه أراد أن يبين أن اتقاء النار غير داخل في الشرط ، ولا هو من جوابه ، ليخرج بذلك من أن يكون معنى الكلام : قصر اتقائهم النار ، على عجزهم عن الإتيان بمثله .

وتفسير الآتي دال على هذا المعنى تمام الدلالة .

وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري .

(175) الخبر 503 ، 504- مسعر ، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين : هو ابن كدام - بكسر الكاف وتخفيف الدال ، وهو ثقة معروف ، أحد الأعلام .

عبد الملك بن مَيسرة الهلالي الكوفي الزراد ، نسبة إلى عمل الزرود : ثقة كثير الحديث ، من صغار التابعين .

عبد الرحمن بن سابط الجمحي المكي : تابعي ثقة .

عمرو بن ميمون الأودي : من كبار التابعين المخضرمين ، كان مسلمًا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يره .

وهذا الخبر رواه الطبري بهذين الإسنادين وبالإسناد الآتي : 507 .

وفي الأول والثالث أن عبد الملك ابن ميسرة يرويه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون ، وفي الثاني : 504"عبد الملك الزراد عن عمرو بن ميمون" مباشرة ، بحذف"عبد الرحمن بن سابط" .

ولو كان هذا الإسناد وحده لحمل على الاتصال ، لوجود المعاصرة ، فإن عبد الملك الزراد يروي عن ابن عمر المتوفى سنة 74 ، وعمرو بن ميمون مات سنة 74 أو 75 .

ولكن هذين الإسنادين : 503 ، 504 دلا على أنه إنما رواه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون .

والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 261 ، من طريق محمد بن عبيد عن مسعر عن عبد الملك الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود .

فهذه طريق ثالثة تؤيد الطريقين اللذين فيهما زيادة عبد الرحمن في الإسناد .

وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

وذكره ابن كثير 1 : 1101 - 111 من رواية الطبري ، ونسبه لابن أبي حاتم والحاكم ، ونقل تصحيحه إياه ولم يتعقبه .

وذكره السيوطي 1 : 36 وزاد نسبته إلى : عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، والفريابي ، وهناد بن السري في كتاب الزهد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير ، والبيهقي في الشعب .

(176) الخبر 505- ذكره ابن كثير 1 : 111 دون أن ينسبه ، والسيوطي 1 : 36 ، ونسبه لابن جرير وحده .

(177) الأثر 506- في ابن كثير 1 : 111 دون نسبة .

(178) الخبر 507- سبق تفصيل إخراجه مع 503 ، 504 .

(179) انظر ما مضى : 255 .

(180) قوله"المشركين" من صفة قوله آنفًا : "للجاحدين" .

(181) في المخطوطة : "بالأشياء" ، وهو خطأ .

(182) الخبر 508- في ابن كثير 1 : 111 ، والدر المنثور 1 : 36 ، والشوكاني 1 : 41 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرينقوله تعالى : فإن لم تفعلوا يعني فيما مضى ولن تفعلوا أي تطيقوا ذلك فيما يأتي .

والوقف على هذا على صادقين تام .

وقال جماعة من المفسرين : معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا ، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار ، فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على صادقين .فإن قيل : كيف دخلت إن على لم ولا يدخل عامل على عامل ؟

فالجواب أن إن هاهنا غير عاملة في اللفظ ، فدخلت على لم كما تدخل على الماضي ; لأنها لا تعمل في لم كما لا تعمل في الماضي ، فمعنى إن لم تفعلوا إن تركتم الفعل .قوله تعالى ولن تفعلوا نصب ب " لن " ، ومن العرب من يجزم بها ، ذكره أبو عبيدة ، ومنه بيت النابغة :فلن أعرض أبيت اللعن بالصفدوفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه : فقيل لي " لن ترع " .

هذا على تلك اللغة .

وفي قوله : " ولن تفعلوا " إثارة لهممهم ، وتحريك لنفوسهم ، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع ، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها وقال ابن كيسان : ولن تفعلوا توقيفا لهم على أنه الحق ، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب ، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر ، وأنه أساطير الأولين ، وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله .وقوله : فاتقوا النار جواب ( فإن لم تفعلوا ) أي اتقوا النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى .

وقد تقدم معنى التقوى فلا معنى لإعادتها .

ويقال : إن لغة تميم وأسد " فتقوا النار " .

وحكى سيبويه : تقى يتقي ، مثل قضى يقضي .

" النار " مفعولة .

( التي ) من نعتها .

وفيها ثلاث لغات : التي واللت ( بكسر التاء ) واللت ( بإسكانها ) .

وهي اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة ، ولا يجوز نزع الألف واللام منها للتنكير ، ولا تتم إلا بصلة ، وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا : اللتان واللتا ( بحذف النون ) واللتان ( بتشديد النون ) وفي جمعها خمس لغات : اللاتي ، وهي لغة القرآن .

واللات ( بكسر التاء بلا ياء ) .

واللواتي .

واللوات ( بلا ياء ) ، وأنشد أبو عبيدة :من اللواتي واللتي واللاتي زعمن أن قد كبرت لداتيواللوا ( بإسقاط التاء ) ، هذا ما حكاه الجوهري وزاد ابن الشجري : اللائي ( بالهمز وإثبات الياء ) .

واللاء ( بكسر الهمزة وحذف الياء ) .

واللا ( بحذف الهمزة ) فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي وفي اللائي : اللوائي .

قال الجوهري : وتصغير التي اللتيا ( بالفتح والتشديد ) ، قال الراجز العجاج :بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفس تردتوبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء ، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله ، وحده .

فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها ، وقال :من أجلك يا التي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني[ ص: 225 ] ويقال : وقع فلان في اللتيا والتي ، وهما اسمان من أسماء الداهية .

والوقود ( بالفتح ) : الحطب .

وبالضم : التوقد .

والناس عموم ، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها ، أجارنا الله منها .

والحجارة هي حجارة الكبريت الأسود - عن ابن مسعود والفراء - وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الاتقاد ، نتن الرائحة ، كثرة الدخان ، شدة الالتصاق بالأبدان ، قوة حرها إذا حميت .

وليس في قوله تعالى : وقودها الناس والحجارة دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة ، بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها .

وقيل : المراد بالحجارة الأصنام ، لقوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أي حطب جهنم .

وعليه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس .

وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة .

وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل مؤذ في النار .

وفي تأويله وجهان : أحدهما - أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار .

الثاني - أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار .

وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة .

والله أعلم .

روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت : يا رسول الله ، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، فهل نفعه ذلك ؟

قال : ( نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح - في رواية - ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ) .

وقودها مبتدأ .

الناس خبره .

والحجارة عطف عليهم .

وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف : " وقودها " ( بضم الواو ) .

وقرأ عبيد بن عمير : " وقيدها الناس " .

قال الكسائي والأخفش : الوقود ( بفتح الواو ) : الحطب ، و ( بالضم ) : الفعل ، يقال : وقدت النار تقد وقودا ( بالضم ) ووقدا وقدة ووقيدا ووقدا ووقدانا ، أي توقدت .

وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضا .

والاتقاد مثل التوقد ، والموضع موقد ، مثل مجلس ، والنار موقدة .

والوقدة : شدة الحر ، وهي عشرة أيام أو نصف شهر .

قال النحاس : يجب على هذا ألا يقرأ إلا " وقودها " بفتح الواو ; لأن المعنى [ ص: 226 ] حطبها ، إلا أن الأخفش قال : وحكي أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود بمعنى الحطب والمصدر .

قال النحاس : وذهب إلى أن الأول أكثر ، قال : كما أن الوضوء الماء ، والوضوء المصدر .قوله تعالى : أعدت للكافرين ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك ، بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة ، على ما يأتي .

وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة ، خلافا للمبتدعة في قولهم إنها لم تخلق حتى الآن .

وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي .

روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تدرون ما هذا قال قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها .

وروى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجت النار والجنة فقالت هذه : يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه : يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه : أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها .

وأخرجه مسلم بمعناه .

يقال : احتجت بمعنى تحتج ، للحديث المتقدم حديث ابن مسعود ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف ، ورآهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة ، فلا معنى لما خالف ذلك .

وبالله التوفيق .

وأعدت يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة ، وأضمرت معه قد ، كما قال : أو جاءوكم حصرت صدورهم فمعناه قد حصرت صدورهم ، فمع ( حصرت ) قد مضمرة لأن الماضي لا يكون حالا إلا مع قد ، فعلى هذا لا [ ص: 227 ] يتم الوقف على الحجارة .

ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله ، كما قال : " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم " .

وقال السجستاني : " أعدت للكافرين " من صلة " التي " كما قال في آل عمران : واتقوا النار التي أعدت للكافرين .

ابن الأنباري : وهذا غلط ; لأن التي في سورة البقرة قد وصلت بقوله : وقودها الناس فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية ، وفي آل عمران ليس لها صلة غير ( أعدت ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وصحة ما جاء به، فقال: { وإن كنتم } معشر المعاندين للرسول, الرادين دعوته, الزاعمين كذبه في شك واشتباه, مما نزلنا على عبدنا, هل هو حق أو غيره ؟

فهاهنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم, ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم, لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله, وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون, فأتوا بسورة من مثله, واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم, فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة, والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله, فهو كما زعمتم, وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز, ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا التقييم على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى, ودليل واضح [جلي] على صدقه وصدق ما جاء به, فيتعين عليكم اتباعه, واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة [والشدة], أن كانت وقودها الناس والحجارة, ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب, وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله.

فاحذروا الكفر برسوله, بعد ما تبين لكم أنه رسول الله.

وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي, وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } وكيف يقدر المخلوق من تراب, أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟

أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه, أن يأتي بكلام ككلام الكامل, الذي له الكمال المطلق, والغنى الواسع من كل الوجوه؟

هذا ليس في الإمكان, ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [بأنواع] الكلام, إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء, ظهر له الفرق العظيم.

وفي قوله: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } إلى آخره, دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة: [هو] الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق إن كان صادقا في طلب الحق.

وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه, فهذا لا يمكن رجوعه, لأنه ترك الحق بعد ما تبين له, لم يتركه عن جهل, فلا حيلة فيه.

وكذلك الشاك غير الصادق في طلب الحق, بل هو معرض غير مجتهد في طلبه, فهذا في الغالب أنه لا يوفق.

وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم, دليل على أن أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم, قيامه بالعبودية, التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين.

كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وفي مقام الإنزال، فقال: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } وفي قوله: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ونحوها من الآيات, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة، وفيها أيضا, أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار, لأنه قال: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } فلو كان [عصاة الموحدين] يخلدون فيها, لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج والمعتزلة.

وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه, وهو الكفر, وأنواع المعاصي على اختلافها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{فإن لم تفعلوا} فيما مضى.

{ولن تفعلوا} أبداً فيما بقي.

وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله.

{فاتقوا النار} أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار.

{التي وقودها الناس والحجارة} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً، وقيل: جميع الحجارة وهودليل على عظمة تلك النار، وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [98-الأنبياء].

{أعدت} هُيِّئَت {للكافرين}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن لم تفعلوا» ما ذكر لعجزكم «ولن تفعلوا» ذلك أبداً لظهور إعجازه- اعتراض «فاتقوا» بالإيمان بالله وانه ليس من كلام البشر «النارَ التي وقودها الناس» الكفار «والحجارة» كأصنامهم منها، يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه «أعدَّت» هُيئت «للكافرين» يعذَّبون بها، جملة مستأنفة أو حال لازمة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى.

هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة، أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة ) .المعنى : فإن لم تفعلوا أي : تعارضوا القرآن ، وتبين لكم أن أحداً لا يستطيع معارضته ، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة " .والوقود : ما يلقى في النار لإِضرامها كالحطب ونحوه ، والحجارة : الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله كما قال - تعالى - : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جيء ب " إذا " الذي للوجوب دون " إن " الذي للشك؟

قلت : فيه وجهان :أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم ، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام .والثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه : إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكماً به .وقال : فإن لم تفعلوا ، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله ، لأن قوله ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ) جار مجرى الكناية التي تعطي اختصاراً ووجازة تغني عن طول المكنى عنه ، ولأن الإِتيان ما هو إلا فعل من الأفعال ، تقول : أتيت فلانا .

فيقال لك : نعم ما فعلت .وجملة ( وَلَن تَفْعَلُواْ ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء ، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته .

فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها في الحال .قال الإِمام الرازي : ( فإن قيل : فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟

فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، وجعل قوله : ( فاتقوا النار ) قائماً مقام قوله فاتركوا العناد ، وهذا هو الإِيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة ، وفيه تهويل لشأن العناد ، لإِنابه اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار ) .ومعنى ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) هيئت لهم ، لأنهم الذين يخلدون فيها ، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين - أيضاً لأنه يريد بذلك ناراً مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال - تعالى - ( إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ) وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإِخبار بالغيب ، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر .قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت : من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون معجزة؟

قلت : لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه ، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال ، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه ، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به ، فكان معجزة ) .وقال بعض العلماء : ( هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدى الكافرين بالتزيل الكريم ) .

وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص :( قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وقال في سورة الإِسراء : ( قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )وقال في سورة يونس : ( أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وكل هذه الآيات مكية .ثم تحداهم أيضا في المدينة بهذه الآية ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) .

.

إلخ .

فعجزوا عن آخرهم ، وهم فرسان الكلام ، وأرباب النظام ، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقه وفيهم غريزة وقوة .

يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون ، ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصلون ، ويرفعون ، ويضعون ، فيأتون بالسحر الحلال .

.

.

ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد ، ولم ينهض - لمقدار سورة منه - ناهض من بلغائهم ، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإِفراط في المضارة والمضادة .

وقد جرد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجة أولا ، والسيف آخراً فلم يعارضوا إلا السيف وحده ، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة ، وبذلك يظهر أن في قوله - تعالى - ( وَلَن تَفْعَلُواْ ) معجزة أخرى ، فإنهم ما فعلوا ، وما قدروا .

.

.وحيث عجزت عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر .

.

.

فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر ، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقاً لرسوله ، وتحقيقاً لمقوله .

.

.وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم ، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم في حياتهم الباقية ، كما هي سنة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد فقال - تعالى - :( وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الكلام في النبوة في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً.

واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية.

وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً، أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم.

وثانيها: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما.

ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى.

وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين.

والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.

ورابعها: أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول.

وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً.

وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة.

وسادسها: أنهم قالوا إن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل.

وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين  ﴾ وقال في الترهيب: ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر تِ  ﴾ وقال: ﴿ ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ  أَمْ أَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ  ﴾ الآية وقال: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان  ﴾ وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله: ﴿ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا  ﴾ وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِين  ﴾ وقال في الإلهيات: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى مَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَاد  ﴾ إلى آخره.

وسابعها: أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه.

وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل كتابنا في دلائل الإعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى، الطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز.

وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ نَزَّلْنَا ﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله ومخالفاً لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأَنزله على خلاف هذه العادة جملة.

﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة  ﴾ والله سبحانه وتعالى ذكر هاهنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرئ على عبادنا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته.

المسألة الثالثة: السورة هي طائفة من القرآن، وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في أنفسها طوال وأوساط وقصار.

أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه.

فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سوراً قلنا من وجوه: أحدها: ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبواباً وفصولاً.

وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن.

وثالثها: أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشطه للسير.

ورابعها: أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث: إنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن.

المسألة الخامسة: اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى  ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ  ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة منه، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً.

فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز.

المسألة السادسة: الضمير في قوله: ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ إلى ماذا يعود وفيه وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى ما في قوله: ﴿ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا ﴾ أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني: أنه عائد إلى عبدنا أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين، ويدل على الترجيح له وجوه: أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ  ﴾ .

وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا ﴾ فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله.

وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.

ورابعها: أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم.

وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى.

وخامسها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن.

ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى.

المسألة السابعة: في المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من ادعوا فيه الإلهية وهي الأوثان، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر، فيكون في الكلام محاجة من وجهين: أحدهما: في إبطال كونها آلهة.

والثاني: في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله.

الثاني: المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر.

فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى؟

قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول: الأولى حمله على الأكابر، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة، وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال: المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم، والإضمار خلاف الأصل، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام، لأنه يصير كأنه قال: وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار.

فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة في قوله شهداءكم، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.

المسألة الثامنة: أما (دون) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون، وهو الحقير الدني، ودوَّن الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حداً إلى حد، قال الله تعالى: ﴿ لاَ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين  ﴾ أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان: أحدهما: أن متعلقه شهداءكم وهذا فيه احتمالان: الأول: المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، والثاني: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما: أن متعلقه هو الدعاء، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم: الله يشهد إنا لصادقون.

المسألة التاسعة: قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدي أصلاً وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز.

وثانيها: أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً.

وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم.

وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول.

ورابعها: أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة، فإذا كان قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز.

وخامسها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقاً له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم يكن داخلاً في الإعجاز.

وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله، والجواب.

أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصداً أو أن يقع ذلك منه اتفاقاً، والثاني باطل، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال، وإن كان من الله تعالى فحينئذٍ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز.

وثانيها: وهو أنه عليه السلام وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق.

وثالثها: أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام.

ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً في أمره.

ورابعها: أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه.

ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال، وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون إن الذي للشك الجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.

الثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه: إن غلبتك، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ ولم يقل فإن لم تأتوا به؟

الجواب: لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله.

السؤال الثالث: ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ ما محلها؟

الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية.

السؤال الرابع: ما حقيقة لن في باب النفي؟

الجواب: لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في لن توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك: لا أقيم غداً عندك، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غداً، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أصله لا أن، وهو قول الخليل.

وثانيها: لا، أبدلت ألفها نوناً، وهو قول الفراء.

وثالثها: حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل.

السؤال الخامس: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟

الجواب: إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: ﴿ فاتقوا النار ﴾ قائماً مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار.

السؤال السادس: ما الوقود؟

الجواب: هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح، قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً، ثم قال والوقود أكثر، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده.

السؤال السابع: صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟

الجواب، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم: ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة  ﴾ .

السؤال الثامن: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وهاهنا معرفة؟

الجواب: تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً.

السؤال التاسع: ما معنى قوله: ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ الجواب: أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين: الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق.

الثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر.

السؤال العاشر: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟

الجواب: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ وهذه الآية مفسرة لها فقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم، وقيل هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدل على فساده، وذلك لأن الغرض هاهنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا، أما قوله: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيراناً أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق؛ فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب.

وفيه دليلان على إثبات النبوّة: صحة كون المتحدي به معجزاً، والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله.

فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء ب (إذا) الذي للوجوب دون (إن) الذي للشك.

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.

والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكماً به.

فإن قلت: لم عبر عن الإتيان بالفعل وأي فائدة في تركه إليه؟

قلت: لأنه فعل من الأفعال.

تقول: أتيت فلاناً.

فيقال لك: نعم ما فعلت.

والفائدة فيه أنه جار مجري الكناية التي تعطيك اختصاراً ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه.

ألا ترى أنّ الرجل يقول: ضربت زيداً في موضع كذا على صفة كذا، وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالاً، فتقول: بئسما فعلت.

ولو ذكرت ما أنبته عنه، لطال عليك، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله.

ولن تأتوا بسورة من مثله.

فإن قلت: ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ ما محلها؟

قلت: لا محل لها لأنها جملة اعتراضية.

فإن قلت: ما حقيقة (لن) في باب النفي؟

قلت: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل، إلا أن في (لن) توكيداً وتشديداً.

تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً؛ كما تفعل في: أنا مقيم، وإني مقيم، وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه أصلها (لا أن) وعند الفراء (لا) أبدلت ألفها نوناً.

وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل: حرف مقتضب لتأكيد نفي المستقبل.

فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟

قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة.

فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟

قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار؛ فقيل لهم: إن استبتم العجز فاتركوا العناد؛ فوضع ﴿ فاتقوا النار ﴾ موضعه، لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث أنه من نتائجه؛ لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة.

ونظيره أن يقول الملك لحشمه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي.

يريد: فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط.

وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة.

وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته، مشيعاً ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها.

والوقود: ما ترفع به النار.

وأمّا المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح.

قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقوداً عالياً.

ثم قال: والوقود أكثر، والوقود الحطب.

وقرأ عيسى بن عمر الهمدانيّ بالضم تسمية بالمصدر، كما يقال: فلان فخر قومه وزين بلده.

ويجوز أن يكون مثل قولك: حياة المصباح السليط، أي ليس حياته إلا به؛ فكأنّ نفس السليط حياته، فإن قلت: صلة (الذي) و (التي) يجب أن تكون قصة معلومة، للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟

قلت: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ [التحريم: 6] فإن قلت: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم، وههنا معرّفة؟

قلت: تلك الآية نزلت بمكة، فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة.

ثم نزلت هذه بالمدينة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ ؟

قلت: معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أوقدت أوّلا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما يحرق ويحمي بالنار، وبأنها لإفراط حرّها وشدّة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار، اشتعلت وارتفع لهبها.

فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟

قلت: بل هي نيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا ﴾ [التحريم: 6] ، ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ [الليل: 14] ولعل لكفار الجن وشياطينهم نارا وقودها الشياطين، كما أنّ لكفرة الإنس ناراً وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب.

فإن قلت: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً.

قلت: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً أو عبدوها من دونه: قال الله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه.

فقوله: (إنكم ما تعبدون من دون الله) في معنى الناس والحجارة، و(حصب جهنم) في معنى وقودها.

ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغاً في إيلامهم وإعراقاً في تحسيرهم، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدّة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم.

وقيل: هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل ﴿ أُعِدَّتْ ﴾ هيئت لهم وجعلت عدّة لعذابهم.

وقرأ عبد الله، أعتدت، من العتاد بمعنى العدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ لَمّا بَيَّنَ لَهم ما يَتَعَرَّفُونَ بِهِ أمْرَ الرَّسُولِ  وما جاءَ بِهِ، ومَيَّزَ لَهُمُ الحَقَّ عَنِ الباطِلِ، رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو كالفَذْلَكَةِ لَهُ، وهو أنَّكم إذا اجْتَهَدْتُمْ في مُعارَضَتِهِ وعَجَزْتُمْ جَمِيعًا عَنِ الإتْيانِ بِما يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ، ظَهَرَ أنَّهُ مُعْجِزٌ والتَّصْدِيقُ بِهِ واجِبٌ، فَآمَنُوا بِهِ واتَّقَوُا العَذابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ المُكَيَّفِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَعُمُّ الإتْيانَ وغَيْرَهُ إيجازًا، ونَزَلَ لازِمُ الجَزاءِ مُنْزِلَتَهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ تَقْرِيرًا لِلْمُكَنّى عَنْهُ، وتَهْوِيلًا لِشَأْنِ العِنادِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ مَعَ الإيجازِ، وصَدَّرَ الشُّرْطِيَّةَ بِإنِ الَّتِي لِلشَّكِّ والحالُ يَقْتَضِي إذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ، فَإنَّ القائِلَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَكُنْ شاكًّا في عَجْزِهِمْ، ولِذَلِكَ نَفى إتْيانَهم مُعْتَرِضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وخِطابًا مَعَهم عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّ العَجْزَ قَبْلَ التَّأمُّلِ لَمْ يَكُنْ مُحَقَّقًا عِنْدَهم.

و ﴿ تَفْعَلُوا ﴾ جُزِمَ بِ ﴿ لَمْ ﴾ لِأنَّها واجِبَةُ الإعْمالِ مُخْتَصَّةٌ بِالمُضارِعِ مُتَّصِلَةٌ بِالمَعْمُولِ، ولِأنَّها لَمّا صَيَّرَتْهُ ماضِيًا صارَتْ كالجُزْءِ مِنهُ، وحَرْفُ الشَّرْطِ كالدّاخِلِ عَلى المَجْمُوعِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنْ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ، ولِذَلِكَ ساغَ اجْتِماعُهُما.

﴿ وَلَنْ ﴾ كَلا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ وهو حَرْفٌ مُقْتَضَبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى أصْلُهُ لا أنْ، وعِنْدَ الفَرّاءِ لا فَأُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا.

والوَقُودُ بِالفَتْحِ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ بِالفَتْحِ قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَمِعْنا مَن يَقُولُ وقَدَتِ النّارُ وقُودًا عالِيًا، والِاسْمُ بِالضَّمِّ ولَعَلَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ كَما قِيلَ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ وزَيْنُ بَلَدِهِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الِاسْمُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ فَعَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وقُودُها احْتِراقُ النّاسِ، والحِجارَةُ: وهي جَمْعُ حَجَرٍ.

كَجِمالَةٍ جَمْعُ جَمَلٍ وهو قَلِيلٌ غَيْرُ مُنْقاسٍ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي نَحَتُوها وقَرَنُوا بِها أنْفُسَهم وعَبَدُوها طَمَعًا في شَفاعَتِها والِانْتِفاعِ بِها واسْتِدْفاعِ المَضارِّ لِمَكانَتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ .

عُذِّبُوا بِما هو مَنشَأُ جُرْمِهِمْ كَما عُذِّبَ الكافِرُونَ بِما كَنَزُوهُ.

أوْ بِنَقِيضِ ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ زِيادَةً في تَحَسُّرِهِمْ.

وقِيلَ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ الَّتِي كانُوا يَكْنِزُونَها ويَغْتَرُّونَ بِها، وعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ إعْدادِ هَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ بِالكُفّارِ وجْهٌ، وقِيلَ: حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وإبْطالٌ لِلْمَقْصُودِ، إذِ الغَرَضُ تَهْوِيلُ شَأْنِها وتَفاقُمُ لَهَبِها بِحَيْثُ تَتَّقِدُ بِما لا يَتَّقِدُ بِهِ غَيْرُها، والكِبْرِيتُ تَتَّقِدُ بِهِ كُلُّ نارٍ وإنْ ضَعُفَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَلَعَلَّهُ عَنى بِهِ أنَّ الأحْجارَ كُلَّها لِتِلْكَ النّارِ كالحِجارَةِ الكِبْرِيتِ لِسائِرِ النِّيرانِ.

ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً نَزَلَتْ بَعْدَ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ .

وسَمِعُوهُ صَحَّ تَعْرِيفُ النّارِ.

ووُقُوعُ الجُمْلَةِ صِلَةً « بِإزائِها» فَإنَّها يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً.

﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ هُيِّئَتْ لَهم وجُعِلَتْ عُدَّةً لِعَذابِهِمْ.

وقُرِئَ: « اعْتُدَّتْ» مِنَ العَتادِ بِمَعْنى العُدَّةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مِنَ النّارِ لا الضَّمِيرِ الَّذِي في ﴿ وَقُودُها ﴾ ، وإنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ.

وفي الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما فِيهِما مِنَ التَّحَدِّي والتَّحْرِيضِ عَلى الجِدِّ وبَذْلِ الوُسْعِ في المُعارَضَةِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ، وتَعْلِيقِ الوَعِيدِ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِما يُعارِضُ أقْصَرَ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ واشْتِهارِهِمْ بِالفَصاحَةِ وتَهالُكِهِمْ عَلى المُضادَّةِ لَمْ يَتَصَدَّوْا لِمُعارَضَتِهِ، والتَجَؤُوا إلى جَلاءِ الوَطَنِ وبَذْلِ المُهَجِ.

الثّانِي: أنَّهُما يَتَضَمَّنانِ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ لامْتَنَعَ خَفاؤُهُ عادَةً سِيَّما والطّاعِنُونَ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ الذّابِّينَ عَنْهُ في كُلِّ عَصْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ  لَوْ شَكَّ في أمْرِهِ لَما دَعاهم إلى المُعارَضَةِ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ، مَخافَةَ أنْ يُعارَضَ فَتُدْحَضُ حُجَّتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ مُعَدَّةٌ الآنَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة} لما أرشدهم إلى الجهة التى منها يتعرفون صدق النبي عله السلام قال لهم فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعَدَّ لمن كذب وعاند وفيه دليلا على إثبات النبوة صحة كون المتحدى به معجزاً والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله

البقرة (٢٤ _ ٢٥)

ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم فجئ بان الذي للشك دون إذا الذي للوجوب وعبَّر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية ٢ التي تعطيك اختصاراً إذ لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ولا محل لقوله ولن تفعلوا لأنها جملة اعتراضية وحسّن هذا الاعتراض أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله ولت تفعلوا ولا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في لن تأكيداً وعن الخليل أصلها لا أن وعند الفراء لا أبدلت ألفها نوناً وعند سيبويه حرف موضع لتأكيد نفي المستقبل وإنما علم أنه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة لانهم لو عارضوه بشئ لاشتهر فكيف والطاعنون فيه أكثر عدداً من الذابين عنه وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله لأنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول وإذا صح

عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع فاتقوا النار موضعه لأن اتقاء النار سبب ترك العناد وهو من باب الكناية وهي من شعب البلاغة وفائدته الإيجاز الذي هو من حيلة القرآن والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح وصلة الذى والتى يجب أن تكون معلوماً للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب أو من رسول الله أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة إنما جاءت النار منكرة ثم ومعرفة هنا لأن تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه الآية بالمدينة مشارابها إلى ما عرفوه أولاً ومعنى قوله تعالى وقودها الناس والحجارة أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي حجارة الكبريت فهي أشد توقداً وأبطأ خموداً وأنتن رائحة وألصق بالبدن أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيراً وإنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها وجعلوها لله أنداداً ونحوه قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} حَصَبُ جهنم أي حطبها فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في إيلامهم {أُعِدَّتْ للكافرين} هيئت لهم فيه دليل على أن النار مخلوقة خلافاً لما يقوله جهم سنة الله في

كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لا كتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقثراف ما يتلف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، فَلِذا أتى بِالفاءِ أيْ إذا بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزْتُمْ في الحَدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، مُتَشَبِّثِينَ بِالذُّيُولِ، راكِبِينَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وعَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وما يُدانِيهِ في أُسْلُوبِهِ وفَضْلِهِ ظَهَرَ أنَّهُ مُعْجِزٌ، والتَّصْدِيقُ بِهِ لازِمٌ، فَآمِنُوا واتَّقُوا النّارَ، وأتى بِأنْ، والمَقامُ لِإذا، لِاسْتِمْرارِ العَجْزِ، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، تَهَكُّمًا بِهِمْ كَما يَقُولُ الواثِقُ بِالغَلَبَةِ لِخَصْمِهِ: إنْ غَلَبْتُكَ لَمْ أُبْقِ عَلَيْكَ، وتَحْمِيقًا لَهم لِشَكِّهِمْ في المُتَيَقَّنِ الشَّدِيدِ الوُضُوحِ، فَفي الآيَةِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَرْفِيَّةٌ، أوْ حَقِيقَةٌ وكِنايَةٌ كَسائِرٍ ما جاءَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وقَدْ يُقالُ: عَبَّرَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِحالِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ العَجْزَ كانَ قَبْلَ التَّأمُّلِ، كالمَشْكُوكِ فِيهِ لَدَيْهِمْ لِاتِّكالِهِمْ عَلى فَصاحَتِهِمْ، (وتَفْعَلُوا) مَجْزُومٌ بِلَمْ، ولا تَنازُعَ بَيْنَها وبَيْنَ إنْ، وإنْ تُخِيِّلَ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بَيْنَ الحُرُوفِ، لِأنَّها لا دِلالَةَ لَها عَلى الحَدَثِ، حَتّى تَطْلُبَ المَعْمُولاتِ، إلّا أنَّ ابْنَ العِلْجِ أجازَهُ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ ورَدَّ بِأنَّ إنْ تَطْلُبُ مُثْبَتًا، ولَمْ مَنفِيًّا، وشَرْطُ التَّنازُعِ الِاتِّحادُ في المَعْنى، فَإنْ هُنا داخِلَةٌ عَلى المَجْمُوعِ عامِلَةٌ في مَحَلِّهِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ فَيُفِيدُ الكَلامُ اسْتِمْرارَ عَدَمِ الإتْيانِ المُحَقَّقِ في الماضِي، وبِهَذا ساغَ اجْتِماعُهُما، وإلّا فَبَيْنَ مُقْتَضاهُما الِاسْتِقْبالُ والمُضِيُّ تَنافٍ، نَعَمْ قِيلَ في ذَلِكَ إشْكالٌ لَمْ يُحَرَّرْ دَفْعُهُ بَعْدُ بِما يَشْفِي العَلِيلَ: وهو أنَّ المَحَلَّ إنْ كانَ لِلْفِعْلِ وحْدَهُ لَزِمَ تَوارُدُ عامِلَيْنِ في نَحْوِ: إنْ لَمْ يَقُمْنَ، وإنْ كانَ لِلْجُمْلَةِ يَرُدُّ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوها مِمّا لَها مَحَلٌّ، أوْ لِلْمَحَلِّ مَعَ الفِعْلِ، فَلا نَظِيرَ لَهُ، فَلَعَلَّهم يَتَصَيَّدُونَ فِعْلًا مِمّا بَعْدَها ويَجْزِمُونَهُ بِها، وهو كَما تَرى، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنِ الفِعْلِ الخاصِّ حَيْثُ كانَ الظّاهِرُ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، بِالفِعْلِ المُطْلَقِ العامِّ ظاهِرًا لِإيجازِ القَصْرِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيفِ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ، لا تَحْصِيلُ المَفْعُولِ ضَرُورَةَ اسْتِحالَتِهِ، وإنَّ مَناطَ الجَوابِ في الشَّرْطِيَّةِ أعْنِي الأمْرَ بِالِاتِّقاءِ هو عَجْزُهم عَنْ إيقاعِهِ لا فَوْتُ حُصُولِ المَقْصُودِ، وقِيلَ: أُطْلِقَ الفِعْلُ وأُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ، مَعَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ اللّازِمِ، وإرادَةِ المَلْزُومِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ المُصَحِّحِ لِلِانْتِفالِ بِمَعُونَةِ قَرائِنِ الحالِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَنِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بِالضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها حَذَرًا مِنَ التَّكْرِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ فِيما عَبَّرَ عَنْهُ إيجازًا، وكِنايَةً، وإيهامَ نَفْيِ الإتْيانِ بِالمِثْلِ، وما يُدانِيهِ، بَلْ وغَيْرَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادًا، (ولَنْ) كَلّا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وإنْ فارَقَتْها بِالِاخْتِصاصِ بِالمُضارِعِ وعَمَلِ النَّصْبِ، إلّا فِيما شَذَّ مِنَ الجَزْمِ بِها في قَوْلِهِ: لَنْ يَخِبِ الآنَ مَن رَجاكَ ومَن حَرَّكَ مِن دُونِ بابِكَ الحَلْقَةْ ولا تَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، وإنْ أفادَتِ التَّأْكِيدَ والتَّشْدِيدَ، ولا طُولَ مُدَّةٍ أوْ قِلَّتَها خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، ولَيْسَ أصْلُها (لا أنْ)، كَما رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ: فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَتِها، وسَقَطَتِ الألِفُ لِلسّاكِنَيْنِ، وتَغَيَّرَ الحُكْمُ وصارَ (لَنْ) تَضْرِبُ كَلامًا تامًّا دُونَ أنْ ومَصْحُوبِها، وقِيلَ بِهِ لِقَوْلِهِ: يُرَجِّي المَرْءُ ما لا أنْ يُلاقِيَهُ ∗∗∗ ويَعْرِضَ دُونَ أقْرَبِهِ الخُطُوبُ واحْتِمالُ زِيادَةِ (أنْ) يُوهِنُ الِاحْتِجاجَ، ولا لا، كَما عِنْدَ الفَرّاءِ، فَأُبْدِلَتْ ألِفُهُ نُونًا، إذْ لا داعِيَ إلى ذَلِكَ، وهو خِلافُ الأصْلِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْئَيِ الشَّرْطِيَّةِ ظاهِرًا، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها، ومُؤَكِّدٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِتالِيها، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ حَيْثُ أخْبَرَ بِالغَيْبِ الخاصِّ عِلْمَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ وقَعَ الأمْرُ كَذَلِكَ كَيْفَ لا، ولَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ يُدانِيهِ لِتَناقَلَهُ الرُّواةُ، لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي، وما أتى بِهِ نَحْوُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابِ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى، لَمْ يَقْصِدْ بِهِ المُعارَضَةَ، وإنَّما ادَّعاهُ وحْيًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: فاتَّقُوا، جَوابٌ لِلشَّرْطِ، عَلى أنَّ التِقاءَ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ إعْجازِهِ المُقْتَضِي لِلتَّصْدِيقِ والإيمانِ بِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ نَفْسِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ اتِّقاءَ النّارِ لازِمٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَما مَعْنى التَّعْلِيقِ، وأيْضًا الشَّرْطُ سَبَبٌ أوْ مَلْزُومٌ لِلْجَزاءِ، ولَيْسَ عَدَمُ الفِعْلِ سَبَبًا لِلِاتِّقاءِ، ولا مَلْزُومًا لَهُ، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لَهُ؟

وبَعْضُهم قَدَّرَ لِذَلِكَ جَوابًا، والتِزامُهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لِأنَّ الإنْشائِيَّةَ لا تَقَعُ جَزاءً كَما لا تَقَعُ خَبَرًا، إلّا بِتَأْوِيلٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ لا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيها، لِعَدَمِ الحَمْلِ المُقْتَضِي لَهُ، والوَقُودُ بِالفَتْحِ كَما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ ما يُوقَدُ بِهِ النّارُ، وكَذا كُلُّ ما كانَ عَلى فَعُولٍ، اسْمٌ لِما يُفْعَلُ بِهِ في المَشْهُورِ، وقَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا عِنْدَ بَعْضٍ، وحَكَوْا ولُوعًا، وقَبُولًا، ووَضُوءًا، وطَهُورًا، ووَزُوعًا، ولَغُوبًا، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وقِيدُها)، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ (وقُودُها) بِالضَّمِّ، فَإنْ كانَ اسْمًا لِما يُوقَدُ بِهِ، كالمَفْتُوحِ فَذاكَ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا كَما قِيلَ في سائِرِ ما كانَ عَلى فَعُولٍ فَحَمْلُهُ عَلى النّارِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِلتَّجَوُّزِ فِيهِ، أوْ في التَّشْبِيهِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوَّلًا كَذُو وقُودِها، أوْ ثانِيًا كاحْتِراقٍ، وهو نَفْسُهُ خارِجًا غَيْرُهُ مَفْهُومًا، وذاكَ مِصْداقُ الحَمْلِ، وحُكِيَ إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ المَفْتُوحَ مَصْدَرًا، والمَضْمُومَ اسْمًا، فَيَنْعَكِسُ الحالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ، والحِجارَةُ كَحِجارٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِحَجَرٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ أحْجارٌ، وجَمْعُ فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى فِعالٍ شاذٌّ، وابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ يَقُولُ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِغَلَبَةِ وزْنِهِ في المُفْرَداتِ، وهو الظّاهِرُ، والمُرادُ بِها عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ حُكْمُ الرَّفْعِ حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وفِيها مِن شِدَّةِ الحَرِّ وكَثْرَةِ الِالتِهابِ، وسُرْعَةِ الإيقادِ، ومَزِيدِ الِالتِصاقِ بِالأبْدانِ، وإعْدادُ أهْلِ النّارِ أنْ يَكُونُوا حَطَبًا مَعَ نَتْنِ رِيحٍ وكَثْرَةِ دُخانٍ ووُفُورِ كَثافَةٍ ما نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِشَأْنِ النّارِ وتَنْفِيرٌ عَمّا يَجُرُّ إلَيْها بِما هو مَعْلُومٌ في الشّاهِدِ، وإنْ كانَ الأمْرُ وراءَ ذَلِكَ فالعالَمُ وراءَ هَذا العالَمِ، وعَيْلَمُ قُدْرَةِ الجَبّارِ سُبْحانَهُ وتَعالى يَضْمَحِلُّ فِيهِ هَذا العَيْلَمُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي يَنْحِتُونَها، وقَرَنَها بِهِمْ في الآخِرَةِ زِيادَةً لِتَحَسُّرِهِمْ حَيْثُ بَدا لَهم نَقِيضُ ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ، وهُناكَ يَتِمُّ لَهم نَوْعانِ مِنَ العَذابِ، رُوحانِيٌّ وجِسْمانِيٌّ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وحَمْلُها عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ لِأنَّهُما يُسَمَّيانِ حَجَرًا كَما في القامُوسِ دُونَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، الأصَحُّ أوَّلُهُما عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، وثانِيهُما عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وألْ فِيها عَلى كُلٍّ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لَهُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ النّارَ الَّتِي وُعِدُوا بِها صالِحَةٌ لِأنْ تَحْرِقَ ما أُلْقِيَ فِيها مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ صَلاحِيَّتِها، واسْتِعْدادِها بِالأمْرِ المُحَقَّقِ، وذَكَرَ النّاسَ والحِجارَةَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ جَهَنَّمَ، وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ وقُودِها لِيَقَعَ ذَلِكَ مِنَ النُّفُوسِ أعْظَمَ مَوْقِعٍ، ويَحْصُلَ بِهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَقِيقَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمُتَبادِرِ مِنَ الآياتِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ سُوءُ ظَنٍّ بِالقُدْرَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ أنْ لا يَكُونَ في النّارِ غَيْرُهُما بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كَوْنِ الجِنِّ والشَّياطِينِ فِيها أيْضًا، نَعَمْ قالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهم لَهَبُها، وأُولَئِكَ جَمْرُها، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالنّاسِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ الآلامَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ إيقادًا مِنَ الجَمادِ، لِما فِيهِمْ مِنَ الجُلُودِ واللُّحُومِ والشُّحُومِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ مَزِيدَ التَّخْوِيفِ، وإنَّما عَرَّفَ النّارَ وجَعَلَ الجُمْلَةَ صِلَةً، وأنَّها يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً، لِأنَّ المُنْكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ نَزَلَ أوَّلًا، فَسَمِعُوهُ بِصِفَتِهِ، فَلَمّا نَزَلَ هَذا بَعْدُ جاءَ مَعْهُودًا، فَعُرِّفَ وجُعِلَتْ صِفَتُهُ صِلَةً، وكَوْنُ الصِّفَةِ كَذَلِكَ الخَطْبُ فِيهِ هَيِّنٌ لِما أنَّ المُخاطَبَ هُناكَ المُؤْمِنُونَ، وظاهِرٌ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إلّا أنَّ في كَوْنِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ نَزَلَتْ أوَّلًا مَقالًا فَتَأمَّلْ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ قُطِعَ عَمّا قَبْلَهُ، مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى الصِّلَةِ السّابِقَةِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، بِجَعْلِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بِالإفادَةِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ، وجَعْلُهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِأنْ يُقَدَّرَ: لِمَن أُعِدَّتْ؟

أوْ لِمَ كانَ وقُودُها؟

كَذا، وكَذا فَمَعَ عَدَمِ مُساعَدَةِ عَطْفِ بَشَرٍ الآتِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْجَوابِ، إلّا أنْ يُقالَ المَعْطُوفُ عَلى الِاسْتِئْنافِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا يَأْبى عَنْهُ الذَّوْقُ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ السِّياقَ لا يَقْتَضِيهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَقْصِدَ مِنَ الصِّلَةِ التَّهْوِيلُ، فالسُّؤالُ بِلِمَ كانَ شَأْنُ النّارِ كَذا، مِمّا لا مَعْنى لَهُ، والجَوابُ غَيْرُ وافٍ بِهِ، وجَعَلَهُ حالًا مِنَ النّارِ بِإضْمارِ قَدْ، والخَبَرُ مِن أجْزاءِ الصِّلَةِ لِذِي الحالِ، لا مِن ضَمِيرِ وقُودِها لِلْجُمُودِ، أوْ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بِالخَبَرِ الأجْنَبِيِّ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يَحْسُنُ التَّقْيِيدُ بِهَذِهِ الحالِ، إلّا أنْ يُقالَ إنَّها لازِمَةٌ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، فَيُفِيدُ المَعْنى الَّذِي تُفِيدُهُ الصِّلَةُ، ولِذا قِيلَ: إنَّها صِلَةٌ بَعْدَ صِلَةٍ، وتَعَدُّدُ الصِّلاتِ كالصِّفاتِ، والأخْبارِ كَثِيرٌ بِعاطِفٍ وبِدُونِهِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ، وإنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ السَّعْدُ، أوْ مَعْطُوفٌ بِحَذْفِ الحَرْفِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ، وجَعَلَهُ صِلَةً، (ووَقُودُها النّاسُ) إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ حالٌ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، ومَعْنى (أُعِدَّتْ) هُيِّئَتْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اعْتَدَّتْ) مِنَ العَتادِ، بِمَعْنى العُدَّةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ) والمُرادُ إمّا جِنْسُهُمْ، والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ هم خاصَّةً، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ حِينَئِذٍ لِذَمِّهِمْ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ، وكَوْنُ الإعْدادِ لِلْكافِرِينَ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ فِيها عَلى جِهَةِ التَّطَفُّلِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ نارَ العُصاةِ غَيْرُ نارِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَكانِها في واسِعِ مُلْكِهِ، وجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ لِتَحَقُّقِهِ ماضِيًا، كَنُفِخَ في الصُّوَرِ، والإعْدادُ مِثْلُهُ في ﴿ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا ﴾ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ خِلافَ الظّاهِرِ، والَّذِي ذَهَبَ أهْلُ الكَشْفِ إلَيْهِ أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرَ أنَّها لَمْ تَتِمَّ، وهي الآنَ عِنْدَهم دارٌ حَرَّرُوها، هَواءٌ مُحْتَرِقٌ لا جَمْرَ لَها البَتَّةَ، ومَن فِيها مِنَ الزَّبانِيَةِ في رَحْمَةٍ مُنَعَّمُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى لا يَفْتَرُونَ، وتَحْدُثُ فِيها الآلامُ بِحُدُوثِ أعْمالِ الإنْسِ والجِنِّ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها، ولِذا يَخْتَلِفُ عَذابُ داخِلِيها وحْدَها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحِسابِ، ودُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ مِن مُقَعَّرِ فَكِّ الثَّوابِتِ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، فَلِهَذا كُلِّهِ يُزادُ إلى ما هو الآنَ، ولِذا كانَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إذا رَأى البَحْرَ: يا بَحْرُ مَتّى تَعُودُ نارًا، وكانَ يَكْرَهُ الوُضُوءَ بِمائِهِ، ويَقُولُ: التَّيَمُّمُ أحَبُّ إلَيَّ مِنهُ، وقالَ تَعالى: ﴿ وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ أيْ أُجِّجَتْ، ولَيْسَ لِلْكُفّارِ اليَوْمَ مُكْثٌ فِيها، وإنَّما يُعْرَضُونَ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ وهي نارانِ حِسِّيَّةٌ مُسَلَّطَةٌ عَلى ظاهِرِ الجِسْمِ، والإحْساسِ، والحَيَوانِيَّةِ، ومَعْنَوِيَّةٌ وهي الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، وبِها يُعَذَّبُ الرُّوحُ المُدَبَّرُ لِلْهَيْكَلِ الَّذِي أُمِرَ فَعَصى، والمُخالَفَةُ وهي عَيْنُ الجَهْلِ بِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ أشَدُّ العَذابِ، وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ، وأتَوْا بِالعَجَبِ العُجابِ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ عِنْدِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا شَيْءَ أحْسَنُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفِيَّةُ ما في تِلْكَ النَّشْأةِ الأُخْرَوِيَّةِ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ تُعْلَمَ كَما يَنْبَغِي لِمَن غَرِقَ في بِحارِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وماذا عَلَيَّ إذا آمَنتُ بِما جاءَ مِمّا أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ مِنَ الأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ مِمّا لا يَسْتَحِيلُ عَلى ما جاءَ، وفَوَّضْتُ الأمْرَ إلى خالِقِ الأرْضِ والسَّماءِ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنا عَلى دِينِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا، «لم» تستعمل للماضي «ولن» تستعمل للمستقبل، فكأنه قال: فإن لم تفعلوا، أي لم تأتوا في الماضي ولن تفعلوا، أي لن تأتوا في المستقبل، وتجحدون بغير حجة فَاتَّقُوا النَّارَ، قال قتادة: معناه، فإن لم تفعلوا، ولن تقدروا أن تفعلوا ولن تطيقوا فَاتَّقُوا النَّارَ، أي: احذروا النار الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، يعني حطبها الناس إذا صاروا إليها، والحجارة قبل أن يصيروا إليها.

ويقال معناه: إن مع كل إنسان من أهل النار حجراً معلقاً في عنقه حتى إذا طفئت النار، رسبه به الحجر إلى أسفل.

ويقال: وقودها الناس والحجارة، أي حجارة الكبريت، وإنما جعل حطبها من حجارة الكبريت لأن لها خمسة أشياء ليست لغيرها: أحدها: أنها أسرع وقوداً، والثاني: أنها أبطأ خموداً، والثالث: أنها أنتن رائحة، والرابع: أنها أشد حراً، والخامس: أنها ألصق بالبدن.

قوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي خلقت وهيئت للكافرين وقدِّرت لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...

الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «١» .

قال ع «٢» : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:

يا أَيُّهَا النَّاسُ.

وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.

اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «٣» ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ...

نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «٤»

انتهى.

قال ع «١» : وقال سيبويه «٢» : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]

إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ...

رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «٣»

فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» .

وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا

ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «١» : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.

قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:

الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «٢» ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «٣» : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته.

ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / ١٢ ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.

وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «٤» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.

وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ في هَذِهِ الآَيَةِ مُضْمَرٌ مُقَدَّرٌ، يَقْتَضِي الكَلامُ تَقْدِيمَهُ، وهو أنَّهُ لَمّا تَحَدّاهم بِما في الآَيَةِ الماضِيَةِ مِنَ التَّحَدِّي، فَسَكَتُوا عَنِ الإجابَةِ؛ قالَ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَفْعَلُوا.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ .

والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ: الحَطَبُ، وبِضَمِّها: التَّوَقُّدُ، كالوَضُوءِ بِالفَتْحِ: الماءُ، وبِالضَّمِّ: المَصْدَرُ، وهُوَ: اسْمُ حَرَكاتِ المُتَوَضِّئِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وقُودُها، بِضَمِّ الواوِ، والِاخْتِيارُ الفَتْحُ.

والنّاسُ أوْقَدُوا فِيها بِطَرِيقِ العَذابِ، والحِجارَةِ، لِبَيانِ قُوَّتِها وشِدَّتِها، إذْ هي مُحْرِقَةٌ لِلْحِجارَةِ.

وفي هَذِهِ الحِجارَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها أصْنامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّانِي: أنَّها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وهي أشَدُّ الأشْياءِ حَرًّا، إذا أُحْمِيَتْ يُعَذَّبُونَ بِها.

ومَعْنى "أُعِدَّتْ": هُيِّئَتْ.

وإنَّما خَوْفُهم بِالنّارِ إذا لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ القُرْآَنِ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوهُ، وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثَبَتَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، وصارَ الخِلافُ عِنادًا، وجَزاءُ المُعانِدِينَ النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النارَ الَّتِي وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ "الرَيْبُ" الشَكُّ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ المُتَقَدِّمَ إنَّما هو لِجَماعَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ تَحَدَّوْا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظِ "سُورَةٍ" في صَدْرٍ هَذا التَعْلِيقِ.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ: "أنْزَلْنا" بِألِفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى مَن يَعُودُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الأكْثَرُ: مِن مِثْلِ نَظْمِهِ ورَصْفِهِ وفَصاحَةِ مَعانِيهِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، ولا يُعْجِزُهم إلّا التَأْلِيفُ الَّذِي خُصَّ بِهِ القُرْآنُ، وبِهِ وقَعَ الإعْجازُ عَلى قَوْلِ حُذّاقِ أهْلِ النَظَرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ في غُيُوبِهِ، وصِدْقِهِ، وقِدَمِهِ، فالتَحَدِّي عِنْدَ هَؤُلاءِ وقَعَ بِالقِدَمِ، والأوَّلُ أبْيَنُ، و"مِن" عَلى هَذا القَوْلِ زائِدَةٌ، أو لِبَيانِ الجِنْسِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي لِلتَّبْعِيضِ، أو لِبَيانِ الجِنْسِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا.

فَقالَتْ طائِفَةٌ: مِن أُمِّيٍّ صادِقٍ مِثْلِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِن ساحِرٍ، أو كاهِنٍ، أو شاعِرٍ مِثْلِهِ عَلى زَعْمِكم أيُّها المُشْرِكُونَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ الضَمِيرُ في "مِثْلِهِ" عائِدٌ عَلى الكُتُبِ القَدِيمَةِ: التَوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَبُورُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: دُعاءُ اسْتِصْراخٍ، والشُهَداءُ مَن شَهِدَهم وحَضَرَهم مِن عَوْنٍ ونَصِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقِيلَ عن مُجاهِدٍ: إنَّ المَعْنى دُعاءُ اسْتِحْضارٍ.

والشُهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، أيْ مَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم عارَضْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: شُهَداؤُكُمْ، يُرادُ بِهِمْ آلِهَتُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ، أيْ: فِيما قُلْتُمْ مِنَ الرَيْبِ.

هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قَدْ حَكى عنهم في آيَةٍ أُخْرى ﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ ، دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى "لَمْ" لِأنَّ "لَمْ تَفْعَلُوا" مَعْناهُ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ، فَ "إنْ" لا تُؤَثِّرُ، كَما لا تُؤَثِّرُ في الماضِي مِنَ الأفْعالِ، و"تَفْعَلُوا" جُزِمَ بِ "لَمْ"، وجَزَمَتْ "لَمْ" لِأنَّها أشْبَهَتْ "لا" في التَبْرِيَةِ في أنَّهُما يَنْفِيانِ، فَكَما تَحْذِفُ "لا" تَنْوِينَ الِاسْمِ، كَذَلِكَ تَحْذِفُ "لَمْ" الحَرَكَةُ أوِ العَلامَةُ مِنَ الفِعْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ نُصِبَتْ بـِ "لَنْ"، ومِنَ العَرَبِ مَن يَجْزِمُ بِها، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

ومِنهُ بَيْتُ النابِغَةِ عَلى بَعْضِ الرِواياتِ: فَلَنْ أُعَرِّضَ -أبَيْتَ اللَعْنَ- بِالصَفَدِ.

وفِي الحَدِيثِ في مَنامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ "فَقِيلَ لِي: لَنْ تَرْعَ" هَذا عَلى تِلْكَ اللُغَةِ، وفي قَوْلِهِ: ( لَنْ تَفْعَلُوا ) إثارَةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتَحْرِيكٌ لِنُفُوسِهِمْ لِيَكُونَ عَجْزُهم بَعْدَ ذَلِكَ أبْدَعَ، وهو أيْضًا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا النارَ ﴾ أمْرٌ بِالإيمانِ وطاعَةِ اللهِ، خَرَجَ في هَذِهِ الألْفاظِ المُحَذِّرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقُودُها" بِفَتْحِ الواوِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وَمُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وُقُودُها" بِضَمِّ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، إلّا أنَّ طَلْحَةَ اسْتَثْنى الحَرْفَ الَّذِي في البُرُوجِ.

و"بِفَتْحِ الواوِ" هو الحَطَبُ، و"بِضَمِّها" هو المَصْدَرُ، وقَدْ حُكِيا جَمِيعًا في الحَطَبِ، وقَدْ حُكِيا في المَصْدَرِ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الواوِ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: ذُو وقُودُها، لِأنَّ الوَقُودَ بِالضَمِّ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِالناسِ.

وقَدْ جاءَ عنهُمُ "الوَقُودُ" بِالفَتْحِ في المَصْدَرِ، ومِثْلُهُ: "وُلِعْتُ بِهِ وُلُوعًا" بِفَتْحِ الواوِ، وكُلُّهُ شاذٌّ، والبابُ هو الضَمُّ.

وقَوْلُهُ: "الناسُ" عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِدُخُولِها.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الحِجارَةِ، أنَّها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وخُصَّتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَزِيدُ عَلى جَمِيعِ الأحْجارِ بِخَمْسَةِ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: سُرْعَةُ الِاتِّقادِ، ونَتْنُ الرائِحَةِ، وكَثْرَةُ الدُخانِ، وشِدَّةُ الِالتِصاقِ بِالأبْدانِ، وقُوَّةُ حَرِّها إذا حَمِيَتْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: "أُعِدَّتْ" رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ النارَ لَمْ تُخْلَقْ حَتّى الآنَ وهو القَوْلُ الَّذِي سَقَطَ فِيهِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلى أنَّ هَذِهِ النارَ المُخَصَّصَةَ بِالحِجارَةِ هي نارُ الكافِرِينَ خاصَّةً، وأنَّ غَيْرَها هي لِلْعُصاةِ.

وقالَ الجُمْهُورُ: بَلِ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ النارِ، لا إلى نارٍ مَخْصُوصَةٍ، وإنَّما ذَكَرَ الكافِرِينَ لِيَحْصُلَ المُخاطَبُونَ في الوَعِيدِ، إذْ فِعْلُهم كُفْرٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُعِدَّتْ لِمَن فَعَلَ فِعْلَكُمْ، ولَيْسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أعَدَّها اللهُ لِلْكافِرِينَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على الشرط وجوابه، أي فإن لم تأتوا بسورة أو أتيتم بما زعمتم أنه سورة ولم يستطع ذلك شهداؤكم على التفسيرين فاعلموا أنكم اجترأتم على الله بتكذيب رسوله المؤيد بمعجزة القرآن فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم.

ومفعول ﴿ تفعلوا ﴾ محذوف يدل عليه السياق أي فإن لم تفعلوا ذلك أي الإتيان بسورة مثله وسيأتي الكلام على حذف المفعول في مثله عند قوله تعالى: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته ﴾ في سورة المائدة (67).

وجيء بإن الشرطية التي الأصل فيها عدم القطع مع أن عدم فعلهم هو الأرجح بقرينة مقام التحدي والتعجيز؛ لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر مبالغة في توفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة والتحريض واستقصاء لهم في إمكانها وذلك من استنزال طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرته ومجادلة له بالتي هي أحسن حتى إذا جاء للحق وأنصف من نفسه يرتَقي معه في درجات الجدل؛ ولذلك جاء بعده ولن تفعلوا} كأن المتحدي يتدبر في شأنهم، ويزن أمرهم فيقول أولاً ائتوا بسورة، ثم يقول: قدروا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله وأعدوا لهاته الحالة مخلصاً منها ثم يقول: ها قد أيقنت وأيقنتم أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله، مع ما في هذا من توفير دواعيهم على المعارضة بطريق المخاشنة والتحذير.

ولذلك حسن موقع (لن) الدالة على نفي المستقبل فالنفي بها آكد من النفي بلا، ولهذا قال سيبويه لا لنفي يفعل، ولن لنفي سيفعل فقد قال الخليل إن لن حرف مختزل من لا النافية وأن الاستقبالية وهو رأي حسن وإذا كانت لنفي المستقبل تدل على النفي المؤبد غالباً لأنه لما لم يوقت بحد من حدود المستقبل دل على استغراق أزمنته إذ ليس بعضها أولى من بعض ومن أجل ذلك قال الزمخشري بإفادتها التأبيد حقيقة أو مجازاً وهو التأكيد، وقد استقريت مواقعها في القرآن وكلام العرب فوجدتها لا يؤتى بها إلا في مقام إرادة النفي المؤكد أو المؤبد.

وكلام الخليل في أصل وضعها يؤيد ذلك فمن قال من النحاة إنها لا تفيد تأكيداً ولا تأبيداً فقد كابر.

وقوله: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ من أكبر معجزات القرآن فإنها معجزة من جهتين: الأولى أنها أثبتت أنهم لم يعارضوا لأن ذلك أبعث لهم على المعارضة لو كانوا قادرين، وقد تأكد ذلك كله بقوله قبل ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 23] وذلك دليل العجز عن الإتيان بمثله فيدل على أنه كلام مَن قدرتهُ فوق طوق البشر.

5 الثانية أنه أخبر بأنهم لا يأتون بذلك في المستقبل فما أتى أحد منهم ولا ممن خلَفهم بما يعارض القرآن فكانت هاته الآية معجزة من نوع الإعجاز بالإخبار عن الغيب مستمرة على تعاقب السنين فإن آيات المعارضة الكثيرة في القرآن قد قرعت بها أسماع المعاندين من العرب الذين أبوا تصديق الرسول وتواترت بها الأخبار بينهم وسارت بها الركبان بحيث لا يسع ادعاء جهلها، ودواعي المعارضة موجودة فيهم، ففي خاصتهم بما يأنسونه من تأهلهم لقول الكلام البليغ وهم شعراؤهم وخطباؤهم.

وكانت لهم مجامع التقاول ونوادي التشاور والتعاون، وفي عامتهم وصعاليكهم بحرصهم على حث خاصتهم لدفع مسبة الغلبة عن قبائلهم ودينهم والانتصار لآلهتهم وإيقاف تيار دخول رجالهم في دين الإسلام، مع ما عرف به العربي من إباءة الغلبة وكراهة الاستكانة.

فما أمسك الكافة عن الإتيان بمثل القرآن إلا لعجزهم عن ذلك وذلك حجة على أنه منزل من عند الله تعالى، ولو عارضه واحد أو جماعة لطاروا به فرحاً وأشاعوه وتناقلوه فإنهم اعتادوا تناقل أقوال بلغائهم من قبل أن يغريهم التحدي فما ظنك بهم لو ظفروا بشيء منه يدفعون به عنهم هذه الاستكانة وعدم العثور على شيء يدعى من ذلك يوجب اليقين بأنهم أمسكوا عن معارضته، وسنبين ذلك بالتفصيل في آخر تفسير هذه الآية.

و ﴿ تفعلوا ﴾ الأول مجزوم بلم لا محالة لأن (إن) الشرطية دخلت على الفعل بعد اعتباره منفياً فيكون معنى الشرط متسلطاً على (لم) وفعلها فظهر أن ليس هذا متنازع بين إن ولم في العمل في ﴿ تفعلوا ﴾ لاختلاف المعنيين فلا يفرض فيه الاختلاف الواقع بين النحاة في صحة تنازع الحرفين معمولاً واحداً كما توهمه ابن العلج أحد نحاة الأندلس نسبه إليه في «التصريح على التوضيح» على أن الحق أنه لا مانع منه مع اتحاد الاقتضاء من حيث المعنى وقد أخذ جوازه من كلام أبي علي الفارسي في «المسائل الدمشقيات» ومن كتاب «التذكرة» له أنه جعل قول الراجز: حتى تراها وكأنَّ وكأنْ *** أعناقُها مُشَرَّفَات في قَرَن من قبيل التنازع بين كأنَّ المشددة وكأنْ المخففة.

وقوله: ﴿ فاتقوا النار ﴾ أثر لجواب الشرط في قوله: ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ دل على جمل محذوفة للإيجاز لأن جواب الشرط في المعنى هو ما جيء بالشرط لأجله وهو مفاد قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ﴾ [البقرة: 23]، فتقدير جواب قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أنه: فأيقنوا بأن ما جاء به محمد منزل من عندنا وأنه صادق فيما أمركم به من وجوب عبادة الله وحده واحذروا إن لم تمتثلوا أمره عذاب النار، فوقع قوله: ﴿ فاتقوا النار ﴾ موقع الجواب لدلالته عليه وإيذانه به وهو إيجاز بديع وذلك أن اتقاء النار لم يكن مما يؤمنون به من قبل لتكذيبهم بالبعث فإذا تبين صدق الرسول لزمهم الإيمان بالبعث والجزاء.

وإنما عُبّر بلم تفعلوا ولن تفعلوا دون فإن لم تأتوا بذلك ولن تأتوا كما في قوله تعالى: ﴿ ائتوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ إلى قوله: ﴿ فإن لم تأتوني به ﴾ [يوسف: 59، 60] الخ لأن في لفظ ﴿ تفعلوا ﴾ هنا من الإيجاز ما ليس مثلُه في الآية الأخرى إذ الإتيان المتحدَّى به في هذه الآية إتيان مكيف بكيفية خاصة وهي كون المأتيِّ به مثلَ هذا القرآن ومشهوداً عليه ومستعاناً عليه بشهدائهم فكان في لفظ ﴿ تفعلوا ﴾ من الإحاطة بتلك الصفات والقيود إيجاز لا يقتضيه الإتيان الذي في سورة يوسف.

والوَقود بفتح الواو اسم لما يوقد به، وبالضم مصدر وقيل بالعكس، وقال ابن عطية حُكي الضم والفتح في كل من الحطب والمصدر.

وقياس فَعول بفتح الفاء أنه اسم لما يُفعل به كالوَضوء والحَنوط والسَّعوط والوَجور إلاَّ سبعة ألفاظ وردت بالفتح للمصدر وهي الوَلوع والقَبول والوَضوء والطَّهور والوَزوع واللَّغوب والوَقود.

والفتح هنا هو المتعين لأن المراد الاسم وقرئ بالضم في الشاذ وذلك على اعتبار الضم مصدراً أو على حذف مضاف أي ذَوُو وَقودِها الناسُ.

والناس أريد به صنف منهم وهم الكافرون فتعريفه تعريف الاستغراق العرفي ويجوز أن يكون تعريف العهد لأن كونهم المشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة.

والحجارة جمع حجر على غير قياس وهو وزن نادر في كلامهم جمعوا حجراً عن أحجار وألحقوا به هاء التأنيث قال سيبويه كما ألحقوها بالبُعولة والفُحولة.

وعن أبي الهيثم أن العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعال أو فُعول لأنه إذا وقف عليه اجتمع فيه عند الوقف ساكنان أحدهما الألف الساكنة والثاني الحرف الموقوف عليه أي استحسنوا أن يكون خفيفاً إذا وقفوا عليه، وليس هو من اجتماع الساكنين الممنوع، ومن ذلك عِظامة ونِفارة وفِحالة وحِبالة وذِكارة وفُحولة وحُمولة (جموعاً) وبِكارة جمع بَكرٍ (بفتح الباء) ومِهارة جمع مُهر.

ومعنى وقودها الحجارة أن الحجر جعل لها مكانَ الحطب لأنه إذا اشتعل صار أشد إحراقاً وأبطأَ انطفاءً ومن الحجارة أصنامهم فإنها أحجار وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنم ﴾ [الأنبياء: 98].

وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن تكونوا أنتم وما عبدتم وَقود النار وقرينة التعريض قوله: ﴿ فاتقوا ﴾ وقوله: ﴿ والحجارة ﴾ لأنهم لما أمروا باتقائها أَمْرَ تحذير علموا أنهم هم الناس، ولما ذكرت الحجارة علموا أنها أصنامهم، فلزم أن يكون الناس هم عُبَّاد تلك الأصنام فالتعريض هنا متفاوت فالأول منه بواسطة واحدة والثاني بواسطتين.

وحكمة إلقاء حجارة الأصنام في النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء أن ذلك تحقير لها وزيادةُ إظهارِ خطإ عَبَدَتِها فيما عَبَدوا، وتكررٌ لحسرتهم على إهانتها، وحسرتِهم أيضاً على أنْ كان ما أعدوه سبباً لعزهم وفخرهم سبباً لعذابهم، وما أعدوه لنجاتهم سبباً لعذابهم، قال تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ الآية.

وتعريف (النار) للعهد ووصفها بالموصول المقتضي علم المخاطبين بالصلة كما هو الغالب في صلة الموصول لتنزيل الجاهل منزلة العالم بقصد تحقيق وجود جهنم، أو لأن وصف جهنم بذلك قد تقرر فيما نزل قبلُ من القرآن كقوله تعالى في سورة التحريم (6): ﴿ يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ وإن كانت سورة التحريم معدودة في السور التي نزلت بعد سورة البقرة فإن في صحة ذلك العد نظراً، أو لأنه قد عُلم ذلك عندهم من أخبار أهل الكتاب.

وفي جعل الناس والحجارة وقوداً دليل على أن نار جهنم مشتعلة من قبل زَجِّ الناس فيها وأن الناس والحجارة إنما تتقد بها لأن نار جهنم هي عنصر الحرارة كلها كما أشار إليه حديث الموطأ}: «إن شدة الحر من فيح جهنم» فإذا اتصل بها الآدمي اشتعل ونضج جلده وإذا اتصلت بها الحجارة صهرت، وفي الاحتراق بالسيال الكهربائي نموذج يقرِّب ذلك للناس اليوم.

وروي عن ابن عباس أن جهنم تتقد بحجارة الكبريت فيكون نَموذَجُها البراكين الملتهبة.

وقوله: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ استئناف لم يُعطف لقصد التنبيه على أنه مقصود بالخبرية لأنه لو عطف لأوهم العطف أنه صفة ثانية أو صلة أخرى وجعلة خبراً أهول وأفخم وأدخل للروع في قلوب المخاطبين وهو تعريض بأنها أعدت لهم ابتداء لأن المحاورة معهم.

وهذه الآية قد أثبتت إعجاز القرآن إثباتاً متواتراً امتاز به القرآن عن بقية المعجزات، فإن سائر المعجزات للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام إنما ثبتت بأخبار آحاد وثبت من جميعها قدر مشترك بين جميعها وهو وقوع أصل الإعجاز بتواتر معنوي مثل كرم حاتم وشجاعة عمرو فأما القرآن فإعجازه ثبت بالتواتر النقلي أدرك معجزته العرب بالحس، وأدركها عامة غيرهم بالنقل، وقد تدركها الخاصة من غيرهم بالحس كذلك على ما سنبينه.

أما إدراك العرب معجزة القرآن فظاهر من هذه الآية وأمثالها فإنهم كذبوا النبيء صلى الله عليه وسلم وناوؤُه وأعرضوا عن متابعته فحاجهم على إثبات صدقه بكلام أوحاه الله إليه، وجعل دليل أنه من عند الله عجزهم عن معارضته فإنه مركب من حروف لغتهم ومن كلماتها وعلى أساليب تراكيبها، وأودع من الخصائص البلاغية ما عرفوا أمثاله في كلام بلغائهم من الخطباء والشعراء ثم حاكمهم إلى الفصل في أمر تصديقه أو تكذيبه بحكم سهل وعدل، وهو معارضتهم لما أتى به أو عجزهم عن ذلك نطق بذلك القرآن في غير موضع كهاته الآية فلم يستطيعوا المعارضة فكان عجزهم عن المعارضة لا يعدو أمرين: إما أن يكون عجزهم لأن القرآن بلغ فيما اشتمل عليه من الخصائص البلاغية التي يقتضيها الحال حد الإطاقة لأذهان بلغاء البشر بالإحاطة به، بحيث لو اجتمعت أذهانهم وانقدحت قرائحهم وتآمروا وتشاوروا في نواديهم وبطاحهم وأسواق موسمهم، فأبدى كل بليغ ما لاح له من النكت والخصائص لوجدوا كل ذلك قد وفت به آيات القرآن في مثله وأتت بأعظم منه، ثم لو لحق بهم لاحق، وخلف من بعدهم خلف فأبدى ما لم يبدوه من النكت لوجد تلك الآية التي انقدحت فيها أفهام السابقين وأحصت ما فيها من الخصائص قد اشتملت على ما لاح لهذا الأخير وأوفر منه، فهذا هو القدر الذي أدركه بلغاء العرب بفطرهم، فأعرضوا عن معارضته علماً بأنهم لا قبل لهم بمثله، وقد كانوا من علو الهمة ورجاحة الرأي بحيث لا يعرضون أنفسهم للافتضاح ولا يرضون لأنفسهم بالانتقاص لذلك رأوا الإمساك عن المعارضة أجدى بهم واحتملوا النداء عليهم بالعجز عن المعارضة في مثل هذه الآية، لعلهم رأوا أن السكوت يقبل من التأويل بالأنفة ما لا تقبله المعارضة القاصرة عن بلاغة القرآن فثبت أنه معجز لبلوغه حداً لا يستطيعه البشر فكان هذا الكلام خارقاً للعادة ودليلاً على أن الله أوجده كذلك ليكون دليلاً على صدق الرسول فالعجز عن المعارضة لهذا الوجه كان لعدم القدرة على الإتيان بمثله وهذا هو رأي جمهور أهل السنة والمعتزلة وأعيان الأشاعرة مثل أبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وهو المشهور عن الأشعري.

وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله ممكنة منهم المعارضة ولكنهم صرفهم الله عن التصدي لها مع توفر الدواعي على ذلك فيكون صدهم عن ذلك مع اختلاف أحوالهم أمراً خارقاً للعادة أيضاً وهو دليل المعجزة، وهذا مذهب من قول ذهب إليه فريق وقد ذكره أبو بكر الباقلاني في كتابه في «إعجاز القرآن» ولم يعين له قائلاً وقد نسبه التفتزاني في كتاب «المقاصد» إلى القائلين إن الإعجاز بالصرفة وهو قول النظام من المعتزلة وكثير من المعتزلة ونسبه الخفاجي إلى أبي إسحاق الإسفرائيني ونسبه عياض إلى أبي الحسن الأشعري ولكنه لم يشتهر عنه وقال به الشريف المرتضى من الشيعة كما في «المقاصد» وهو مع كونه كافياً في أن عجزهم على المعارضة بتعجيز الله إياهم هو مسلك ضعيف.

وقد تقدم الكلام على وجوه إعجاز القرآن تفصيلاً في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ترك العرب للمعارضة تعاجزاً لا عجزاً؟

وبعد فمن آمننا أن يكون العرب قد عارضوا القرآن ولم ينقل إلينا ما عارضوا به؟

قلت يستحيل أن يكون فعلهم ذلك تعاجزاً فإن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث في أمة مناوئة له معادية لا كما بعث موسى في بني إسرائيل موالين معاضدين له ومشايعين فكانت العرب قاطبة معارضة للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ كذبوه ولمزوه بالجنون والسحر وغير ذلك لم يتبعه منهم إلا نفر قليل مستضعفين بين قومهم لا نصير لهم في أول الدعوة ثم كان من أمر قومه أن قاطعوه ثم أمروه بالخروج بين هم بقتله واقتصار على إخراجه كل هذا ثبت عنهم في أحاديثهم وأقوالهم المنقولة نقلاً يستحيل تواطؤنا عليه على الكذب وداموا على مناوأته بعد خروجه كذلك يصدونه عن الحج ويضطهدون أتباعه إلى آخر ما عرف في التاريخ والسير ولم تكن تلك المناوأة في أمد قصير يمكن في خلاله كتم الحوادث وطي نشر المعارضة فإنها مدة تسع عشرة سنة إلى يوم فتح مكة.

لا جرم أن أقصى رغبة لهم في تلك المدة هي إظهار تكذيبه انتصاراً لأنفسهم ولآلهتهم وتظاهراً بالنصر بين قبائل العرب كل هذا ثبت بالتواتر عند جميع الأمم المجاورة لهم من فرس وروم وقبط وأحباش.

ولا جرم أن القرآن قصر معهم مسافة المجادلة وهيأ لهم طريق إلزامه بحقية ما نسبوه إليه فأتاهم كتاباً منزلاً نجوماً ودعاهم إلى المعارضة بالإتيان بقطعة قصيرة مثله وأن يجمعوا لذلك شهداءهم وأعوانهم نطق بذلك هذا الكتاب، كل هذا ثبت بالتواتر فإن هذا الكتاب متواتر بين العرب ولا يخلو عن العلم بوجوده أهل الدين من الأمم وإن اشتماله على طلب المعارضة ثابت بالتواتر المعلوم لدينا فإنه هو هذا الكتاب الذي آمن المسلمون قبل فتح مكة به وحفظوه وآمن به جميع العرب أيضاً بعد فتح مكة فألفوه كما هو اليوم شهدت على ذلك الأجيال جيلاً بعد جيل.

وقد كان هؤلاء المتحدون المدعوون إلى المعارضة بالمكانة المعروفة من أصالة الرأي واستقامة الأذهان، ورجحان العقول وعدم رواج الزيف عليهم، وبالكفاءة والمقدرة على التفنن في المعاني والألفاظ تواتر ذلك كله عنهم بما نقل من كلامهم نظماً ونثراً وبما اشتهر وتواتر من القدر المشترك من بين المرويات من نوادرهم وأخبارهم فلم يكن يعوزهم أن يعارضوه لو وجدوه على النحو المتعارف لديهم فإن صحة أذهانهم أدركت أنه تجاوز الحد المتعارف لديهم فلذلك أعرضوا عن المعارضة مع توفر داعيهم بالطبع وحرصهم لو وجدوا إليه سبيلاً ثبت إعراضهم عن المعارضة بطريق التواتر إذ لو وقع مثل هذا لأعلنوه وأشاعوه وتناقله الناس لأنه من الحوادث العظيمة فعدلوا عن المعارضة باللسان إلى المحاربة والمكافحة، ثبت ذلك بالتواتر لا محالة عند أهل التاريخ وغيرهم.

وأياً ما جعلت سبب إعراضهم عن المعارضة من خروج كلامه عن طوق البشر أو من صرف الله أذهانهم عن ذلك فهو دليل على أمر خارق للعادة كان بتقدير من خالق القدر ومعجز البشر.

ووراء هذا كله دليل آخر يعرفنا بأن العرب بحسن فطرتهم قد أدركوا صدق الرسول وفطنوا لإعجاز القرآن وأنه ليس بكلام معتاد للبشر وأنهم ما كذبوا إلا عناداً أو مكابرة وحرصاً على السيادة ونفوراً من الاعتراف بالخطأ، ذلك الدليل هو إسلام جميع قبائل العرب وتعاقبهم في الوفادة بعد فتح مكة فإنهم كانوا مقتدين بقريش في المعارضة مكبرين المتابعة لهذا الدين خشية مسبة بعضهم وخاصة قريش ومن ظاهرهم، فلما غلبت قريش لم يبق ما يصد بقية العرب عن المجيء طائعين معترفين عن غير غلب فإنهم كانوا يستطيعون الثبات للمقارعة أكثر مما ثبتت قريش إذ قد كان من تلك القبائل أهل البأس والشدة من عرب نجد وطئ وغيرهم ممن اعتز بهم الإسلام بعد ذلك فإنه ليس مما عرف في عوائد الأمم وأخلاقها أن تنبذ قبائل عظيمة كثيرة أدياناً تعتقد صحتها وتجيء جميعها طائعاً نابذاً دينه في خلال أشهر من عام الوفود لم يجمعهم فيه ناد ولم تسر بينهم سفراء ولا حشرهم مجمع لولا أنهم كانوا متهيئين لهذا الاعتراف لا يصدهم عنه إلا صاد ضعيف وهو المكابرة والمعاندة.

ثم في هذه الآية معجزة باقية وهي قوله: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ فإنها قد مرت عليها العصور والقرون وماصدقها واضح إذ لم تقع المعارضة من أحد من المخاطبين ولا ممن لحقهم إلى اليوم.

فإن قلت: ثبت بهذا أن القرآن معجز للعرب وبذلك ثبت لديهم أنه معجزة وثبت لديهم به صدق الرسول ولكن لم يثبت ذلك لمن ليس مثلهم فما هي المعجزة لغيرهم؟

قلت إن ثبوت الإعجاز لا يستلزم مساواة الناس في طريق الثبوت فإنه إذا أعجز العرب ثبت أنه خارق للعادة لما علمت من الوجهين السابقين فيكون الإعجاز للعرب بالبداهة ولمن جاء بعدهم بالاستدلال والبرهان وهما طريقان لحصول العلم.

وبعد فإن من شاء أن يدرك الإعجاز كما أدركه العرب فما عليه إلا أن يشتغل بتعلم اللغة وأدبها وخصائصها حتى يساوي أو يقارب العرب في ذوق لغتهم ثم ينظر بعد ذلك في نسبة القرآن من كلام بلغائهم ولم يخل عصر من فئة اضطلعت بفهم البلاغة العربية وأدركت إعجاز القرآن وهم علماء البلاغة وأدب العربية الصحيح.

قال الشيخ عبد القاهر في مقدمة «دلائل الإعجاز» فإن قال قائل إن لنا طريقاً إلى إعجاز القرآن غير ما قلت (أي من توقفه على علم البيان) وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم بالعجز عنه ولو كان الأمر كذلك ما قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب وما استوى الناس فيه قاطبة فلم يخرج الجاهل بلسان العرب عن أن يكون محجوجاً بالقرآن قيل له خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر أتعرف له معنى غير ألا يزال البرهان منه لائحاً معرضاً لكل من أراد العلم به والعلم به ممكناً لمن التمسه وألا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي كان به معجزاً قائم فيه أبداً ا ه.

وقال السكاكي في معرض التنويه ببعض مسائل التقديم قوله: «متوسلاً بذلك إلى أن يتأنق في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلاً مما أجمله عجز المتحدين به عندك إلى التفصيل» وقد بينت في المقدمة العاشرة تفاصيل من وجوه إعجازه فقد اشتملت هذه الآية على أصناف من الإعجاز إذ نقلت الإعجاز بالتواتر وكانت ببلاغتها معجزة، وكانت معجزة من حيث الإخبار عن المستقبل كله بما تحقق صدقه فسبحان منزلها ومؤتيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ، عَلى عَبْدِنا: يَعْنِي مُحَمَّدًا  ، والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ، وهو التَّذَلُّلُ، وسُمِّيَ المَمْلُوكُ مِن جِنْسِ ما يَعْقِلُ عَبْدًا، لِتَذَلُّلِهِ لِمَوْلاهُ.

﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مِثْلِهِ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ  مِنَ البَشَرِ، لِأنَّ مُحَمَّدًا بَشَرٌ مِثْلُهم.

﴿ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْوانَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: آلِهَتَكُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها تَشْهَدُ لَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّالِثُ: ناسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ الوَقُودُ بِالفَتْحِ الحَطَبُ، والوُقُودُ بِالضَّمِّ التَّوَقُّدُ، والحِجارَةُ مِن كِبْرِيتٍ أسْوَدَ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُعَذَّبُونَ فِيها بِالحِجارَةِ مَعَ النّارِ، الَّتِي وقُودُها النّاسُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحِجارَةَ وقُودُ النّارِ مَعَ النّاسِ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنّارِ، كَأنَّها تَحْرِقُ الحِجارَةَ مَعَ إحْراقِها النّاسَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها وإنْ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، فَهي مُعَدَّةٌ لِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ مِن غَيْرِ الكافِرِينَ، وهي نارٌ واحِدَةٌ، وإنَّما يَتَفاوَتُ عِقابُهم فِيها.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ نارٌ غَيْرُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ الآية.

قال: هذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ قال: في شك ﴿ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴾ قال: من مثل هذا القرآن حقاً وصدقاً، لا باطل فيه ولا كذب.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ قال: مثل القرآن ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله ﴾ قال: ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها أنه مثله.

وأخرج ابن جرير وابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وادعوا شهداءكم ﴾ قال: أعوانكم على ما أنتم عليه ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فقد بين لكم الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جريج عن قتادة ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ يقول: لن تقدروا على ذلك ولن تطيقوه.

أما قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود قال: إذا مر أحدكم في الصلاة بذكر النار فليستعذ بالله من النار.

وإذا مر أحدكم بذكر الجنة فليسأل الله الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة عن أبي ليلى قال: «صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فمر بآية فقال: أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن بشير قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: أنذركم النار، أنذركم النار حتى سقط أحد عطفي ردائه على منكبيه» .

وأما قوله تعالى: ﴿ التي وقودها الناس والحجارة ﴾ .

أخرج عبد بن حميد من طريق طلحة عن مجاهد.

أنه كان يقرأ كل شيء من القرآن ﴿ وقودها ﴾ برفع الواو الأولى إلا التي في ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ ﴿ النار ذات الوقود ﴾ [ البروج: 5] بنصب الواو.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وهناد بن السري في كتاب الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله: ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض، في السماء الدنيا فأعدها للكافرين.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ فقال: أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» .

وأخرج أحمد ومالك والبخاري والبيهقي في البعث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟

قال: فإنها قضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها» .

وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون؟

إنها لأشد سواداً من القار.

وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لكل جزء منها حرها» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم منها بشيء، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» .

وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من تلك النار، ولولا أنها ضربت في البحر مرتين ما انتفعتم منها بشيء.

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ضربت بماء البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إن ناركم هذه تعوّذ من نار جهنم.

وأما قوله تعالى: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ .

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ قال: أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ الآية.

(لم) حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حرف (١) (٢) (٣) وأما (لن) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وروى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل عنه أنه (٩) (١٠) (١١) وزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، ولو كان كذلك لم يجز (زيدا لن أضرب) لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها، لأن ذلك يؤدي إلى تقديم الصلة على الموصول (١٢) وللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: الحروف إذا ركبت خرجت عما كانت عليه، ألا ترى أن (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لو قلت (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ كلام (٢٣) (٢٤) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ ﴾ الآية [الكهف: 30].

فقوله: (إنا لا نضيع) اعتراض، والخبر: (أولئك).

وقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ .

أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد  (٢٥) و (الفاء) في قوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ ﴾ للعطف، وفي قوله: ﴿ فَاَتَّقُواْ ﴾ للإتباع دون العطف (٢٦) وإنما (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ومن ذلك قولك (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ .

قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ (٤٠) (٤١) (٤٢) وقال غيره (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) و (الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار (٤٨) (٤٩) (٥٠) فهي (٥١) وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة (٥٢) وقوله: ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ لا يدل (٥٣) (٥٤) (٥٥) ﴿ أُعِدَّتْ ﴾ أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا (٥٦) وإنما قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وإن (٥٧) (٥٨) ولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم (٥٩) (١) في (ج): (حروف).

(٢) ذهب الزجاج إلى أنها جزمت الفعل بعدها، لأنها نقلته من المستقبل إلى الماضي، ولأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم.

انظر "معاني القرآن" 1/ 66 - 67، ونحوه قال الليث فيما نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3294، وكذا الرماني في "معاني الحروف": ص 100.

وقد رد أبو علي الفارسي قول الزجاج وأطال في بيان عدم صحته.

انظر.

"الإغفال".

ص 95 - 101.

(٣) (الجزاء) ساقط (ب).

(٤) في (ب): (لم).

(٥) فلا تؤول معه بمصدر كما تؤول (أن) وما بعدها بمصدر.

(٦) (لن) ساقطة من (ب).

(٧) في (ب): (فما).

(٨) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134 - 135، وانظر: "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "البحر المحيط" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 203.

(٩) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134، وفي "الكتاب" (أما الخليل فزعم أنها (لا أن (..)، 3/ 5، وانظر: "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303.

(١٠) في (ب): (أن).

(١١) حذفت الهمزة استخفافا، ثم حذفت الألف من (لا) لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة على حرفين، "المسائل الحلبيات": ص 45.

(١٢) انظر رد سيبويه على الخليل في "الكتاب" 3/ 5، وانظر "معاني القرآن" الزجاج 1/ 134 - 135، "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص100، والرأي المشهور فيها كما عند سيبويه وغيره أنها حرف بسيط ثنائي غير مركب، انظر: "البحر" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 204.

(١٣) (قلت) ساقطة من (ب).

(١٤) (فإذا زيد) ساقط من (ب).

(١٥) في (ب): (ولا دخلها).

(١٦) ذكر هذا الدفاع عن قول الخليل الرماني في "معاني الحروف": ص 100، ونحوه قال أبو علي في "المسائل الحلبيات": ص 46.

(١٧) في (ب): (صفة).

(١٨) في (ب): (ظاهر).

(١٩) في (ب): (إن).

(٢٠) (أن) ساقطة من (ج).

(٢١) فتكون (لن) حرف نفي بسيط ثنائي غير مركب، ولا يعدل بها عن هذا الأصل إلا بدليل، انظر: "البحر" 1/ 102.

(٢٢) ذكره الثعلبي 1/ 57ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 167، "تفسير أبي الليث" 1/ 103، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، "زاد المسير" 1/ 51، "تفسير القرطبي" 1/ 201.

(٢٣) في (ب): (الكلام).

(٢٤) انظر: "الكشاف" 1/ 247، "البحر" 1/ 107، "الدر المصون" 1/ 203.

(٢٥) انظر: "الطبري" 1/ 168.

(٢٦) ذكر أبو الفتح بن جني أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم، وهي ليست من أصل الكلمة، فإنها على ثلاثة أضرب: ضرب تكون للعطف والإتباع جميعًا، وضرب تكون فيه للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 251.

وتكون للإتباع دون العطف إذا وقعت في جواب الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا ﴾ ، انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 149، "الدر المصون" 1/ 203.

(٢٧) الكلام عن الفاء إذا وقعت في جواب الشرط، نقله الواحدي عن كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، قال أبو الفتح: (...

وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط ...

فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟

فالجواب: أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى (المجازاة ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 252.

(٢٨) في "سر صناعة الإعراب": (..

أو الكلام ..) وفي هامشه في (ل) و (ش): (والكلام) 1/ 253.

(٢٩) قوله: (نحو: الأمر والنهي)، ليست عند أبي الفتح 1/ 253.

(٣٠) في (ب): الجملة.

(٣١) اختصار كلام أبي الفتح، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 253.

(٣٢) (قولك) ساقط من (ب).

(٣٣) في (ب): (إن تفعل).

(٣٤) عند أبي الفتح (فقولك لا تضربه جملة نهيية) 1/ 253.

(٣٥) في (ب): (واحد).

(٣٦) في (ب): (بها) ومثله عند أبي الفتح 1/ 253.

(٣٧) عند أبي الفتح: (يعهد).

(٣٨) في (ب): (ليسا على ما بعد بما قبلهما في الكلام).

(٣٩) انتهى نقل الواحدي من أبي الفتح من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 252 - 253.

(٤٠) في (ج): (يقد) وفي (أ) غير منقوط.

وأثبت ما في (ب).

(٤١) في (ب): (وقود).

(٤٢) في (ب): (الحطب).

"إصلاح المنطق": ص 332، والنص من "تهذيب اللغة" (وقد) 4/ 3929.

(٤٣) في (التهذيب) (ويقال: وقدت ..)، "التهذيب" 4/ 3929.

(٤٤) من قوله: (ويقال: ما أجود هذا الوقود ...

إلى قوله: تقد وقودا) مكرر في (أ) و (ج).

(٤٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٦) في (ب) (وانفتح).

(٤٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 67، "تهذيب اللغة" 4/ 3929، و"الطبري" 1/ 169، والثعلبي 1/ 57 ب.

(٤٨) ذكر الأزهري نحوه عن الليث.

"تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، "اللسان" (حجر) 2/ 781.

(٤٩) (أن) ساقط من (ب).

(٥٠) أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج 1/ 168 - 169، وذكره ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وعمرو بن دينار، 1/ 64/ 65، وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 20، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 67، "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب.

ذكر الثعلبي في الحجارة قولا آخر، وهو أن المراد بها: الأصنام، ودليله قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ ، وذكره بعض المفسرين، انظر "الكشاف" 1/ 252، "القرطبي" 1/ 252، "الدر" 1/ 78.

قال الزمخشري رادًا على من قال: إنها حجارة الكبريت: (وهو تخصيص بغير دليل، وذهاب عما هو المعنى == الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل ...) "الكشاف" 1/ 252، وإليه مال الشنقيطي في "أضواء البيان"1/ 117.

أما ابن كثير فمال للقول الأول، وقال في معرض رده على الرازي: (وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولاسيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ..) "تفسير ابن كثير" 1/ 64.

(٥١) في (ب) و (ج): (وهي).

(٥٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب، "الكشاف" 1/ 252، والرازي 1/ 122.

(٥٣) في (ج): (لا تدل).

(٥٤) في (ج): (لا).

(٥٥) في (أ) و (ج) (متقد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.

(٥٦) ذكره الثعلبي 1/ 57 ب، وهذا منهج أهل السنة وهو: أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وذهب بعض المبتدعة من المعتزلة والجهمية إلى أنهما لم تخلقا بعد، وأنهما ستخلقان، انظر.

"تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205.

"لقرطبي" 1/ 203.

وابن كثير 1/ 66.

والبيضاوي 1/ 16.

"البحر" 1/ 108.

(٥٧) في (ب): (فإن).

(٥٨) انظر.

"تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205.

"القرطبي" 1/ 203.

"البحر" 1/ 109.

(٥٩) قوله: (ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم) مكرر في (أ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾ الآية إثبات لنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الدليل على أنّ القرآن جاء به من عند الله، فلما قدّم إثبات الألوهية أعقبها بإثبات النبوة، فإن قيل: كيف قال إن كنتم في ريب، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟

فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أنّ الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2].

﴿ على عَبْدِنَا ﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم، والعبودية على وجهين: عامة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصة وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد.

ولله در القائل: لا تدعني إلاّ بيا عبدها ** فإنّه أشرف أسمائي ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ الضمير عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل: يعد على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحكم العجيبة والبراهين الواضحة ﴿ شُهَدَآءَكُم ﴾ آلهتكم أو أعوانكم أو من يشهد لكم ﴿ مِّن دُونِ الله ﴾ أي غير الله، وقيل: هو من الدين الحقير، فهو مقلوب اللفظ ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير مصداقة في الوجود إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى، وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين: أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح، والثاني: أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على الوجهين، وقد بينّا سائر وجوه إعجازه في المقدمة ﴿ فاتقوا النار ﴾ أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبر باللازم عن ملازمه، لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف ﴿ وَقُودُهَا ﴾ حطبها ﴿ الناس ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدّة حرها وقبح رائحتها، وقيل: الحجارة المعبودة، وقيل: الحجارة على الإطلاق ﴿ للكافرين ﴾ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافاً لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.

الوقوف: "من مثله" (ص) "صادقين" "والحجارة" (ج) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله "أعدت" بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي "للكافرين" (ه).

التفسير: لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد  وحقية ما نزل عليه  .

وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان: الأول: أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها.

والأولان باطلان لأنهم - وهم زعماء وملوك الكلام - تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟

فتعين القسم الثالث.

الطريق الثاني: أن يقال: إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز.

فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن؟

قلت: لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق.

وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار  بقوله "ولن تفعلوا" كما يجيء.

واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق.

ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته.

فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله  البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم.

وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل.

وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم.

فإن قيل: كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟

قلنا: لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة.

لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله  ، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال.

فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة.

والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان.

والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل.

وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات.

والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك.

ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً.

منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير.

ومنها أنه  راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه.

ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما.

ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه.

ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة.

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوّع ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد.

ومنها أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحاً في كل فن من فنون الكلام.

فانظر في الترغيب إلى قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين  ﴾ وفي الترهيب ﴿ وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت  ﴾ وفي الزجر ﴿ فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا  ﴾ وفي الوعظ ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون  ﴾ وفي الإلهيات ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال  ﴾ .

ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر.

"فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح" *** وإنما قيل: "وإن كنتم" دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير ﴿ لا ريب فيه ﴾ .

وإنما اختير "نزلنا" على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة { ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة.

وإنما قيل: "على عبدنا" دون أن يقال على محمد كقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ تشريفاً له  وإعلاماً بأنه  ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله  : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ﴾ وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ .

وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية ﴿ في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر  ﴾ "وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله.

وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.

ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا.

ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.

و "من مثله" متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا.

ويجوز أن يتعلق بقوله "فأتوا" والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب" أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج.

وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون.

ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر ﴿ فأتو بسورة مثله  ﴾ ﴿ فأتوا بعشر سور مثله  ﴾ ، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله.

ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمداً  منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله.

وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين.

ولو عاد إلى النبي  اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولا سيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي  ، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن.

وأيضاً الأول هو الملائم لقوله "وادعوا شهداءكم" إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات.

والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل: إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين: من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن.

وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم.

ومعنى "دون" أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها.

ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب.

وقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك.

واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم.

قال الله  : ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين  ﴾ أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.

و "من دون الله" متعلق بـ "شهداءكم" أو بـ "ادعوا" وعلى الأول يحتمل ثلاثة معان: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو ادعوا الذين زعمتم أنهم يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى: تريك القذى من دونها وهي دونه *** أي تريك القذى قدام الزجاجة والحال أن الخمر قدام القذى لرقتها وصفائها، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، أو ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم - وهم فرسان البلاغة - تأبى بهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد.

وعلى الثاني يحتمل معنيين: ادعوا من دون الله شهداءكم يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم "الله يشهد إنا لصادقون".

سئل بعض العرب عن نسبه فقال: قرشي والحمد لله، فقيل له: قولك: "الحمد لله" في هذا المقام ريبة.

أو المراد بالشهداء، الله  ، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس.

فكأنه قيل لهم ادعوا غير الله من الجن والإنس من أردتم كقوله ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن  ﴾ الآية وإنما استثنى الله لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد.

واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول: إني مخصوص من الله تعالى بمزيد الكرامة والنور، وجعلني واسطة بينكم وبين هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد، وإن كنتم في ريب مما أقول، فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار الله تعالى إياه على يدي وأنتم لا تقدرون عليه لعدم إقداره، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق فيما أقول، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة الله  ونور هدايته اتبعوه واهتدوا، وإلا بقوا في الضلالة خائبين.

وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط الله  بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد، ولا يلزم من هذا أن يكون للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها، بل الله يهدي من يشاء وكل بقدر.

وقوله "إن كنتم صادقين" قيد لقوله "فأتوا" ولقوله "وادعوا" المعطوف عليه.

ويجوز أن يكون قيداً لقوله "وادعوا" لأن قوله "فأتوا" مقيد بقوله و "إن كنتم" وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير: وإن كنتم في ريب فأتوا، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم، أو في أن القرآن غير معجز، فادعوا شهداءكم.

وإنما قلنا: الجواب محذوف، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك "أنت مكرم إن جئتني" وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل موضع.

وأما قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ الآية.

فأقول أولاً: إنها تدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد  من وجوه: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه  أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك.

فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزاً.

وثانيها: أنه  إن كان متهماً عندهم فيما يتعلق بالنبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل.

فلو خاف  عاقبة أمره لتهمة فيه  - حاشاه عن ذلك - لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية.

وثالثها: أنه  لو لم يكن قاطعاً بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزوّر لا يقطع في الكلام قطعاً، وحيث جزم دل على صدقه.

ورابعها: أن قوله "ولن تفعلوا" وفي "لن"، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين، إخبار بالغيب.

وقد وقع كما قال  ، لأن أحداً لو عارضه  لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه  أكثف عدداً من الذابين عنه  .

وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن غلب على الظن، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبداً لاستقرار الإسلام وقلة شوكة الطاعنين.

وإنما جيء بـ "إن" الذي للشك دون "إذا" الذي للوجوب والقطع، مع أن انتفاء إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم.

وأيضاً فيه تهكم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك.

وإنما اختير قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ على قوله ﴿ فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ﴾ ، طلباً للوجازة، فإن الإتيان فعل من الأفعال، وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً يغنيك عن طول المكنى عنه، كما لو قلت: أتيت فلاناً وأعطيته درهماً.

فيقال لك: نعم ما فعلت.

وقوله "ولن تفعلوا" جملة معترضة لا محل لها.

وليس الواو للحال وإنما هو للاستئناف.

والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو، وقد اجتمعتا في قوله: ﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم  ﴾ وإنما لم يقل فإن لم تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه، لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ونظيره قول الملك لجيشه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي.

يريد فاتبعون وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، فهو من باب الكناية.

وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار، ولهذا شنع بتفظيع أمرها.

والوقود ما ترفع به النار، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح.

فإن قلت: صلة "الذي" و "التي" يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟

قلنا: لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله، أو يكون إشارة إلى ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة  ﴾ ولهذا عرّفت ههنا مشاراً بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلاً، والمعنى: اتقوا ناراً ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتقّد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها.

ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب.

والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت.

وقيل: هي ما نحتوها أصناماً ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضارّ عن أنفسهم، جعلها الله عذابهم إبلاغاً في إيلامهم وتوريثاً لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث ﴿ يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم  ﴾ والتاء في الحجارة لتأكيد التأنيث في الجماعة نحو: صقورة.

وقد يدور في الخلد من هذه الآية، ومن قوله ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ﴾ } [البقرة: 74] ومن قوله ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ أن المراد بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم.

وتخصيص القلب بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصراً في درك ما خلق الإنسان لأجله.

ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدّة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدّت هذه النار؟

فقيل أعدت للكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .

فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.

وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ : وحدوا ربكم.

جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أَي: أَطيعوا له.

والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.

والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ  ﴾ ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.

ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .

والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟!

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم.

فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل قوله: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.

قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.

﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أي: كي تتقوا.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.

﴿ وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ أي: رفع السماء بناء.

والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.

وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.

ثم بين بقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.

بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.

وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، ومنه: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ  ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ  ﴾ مما يكثر من الآيات.

أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.

فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.

ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: ﴿ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً  ﴾ .

وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.

أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ فُتنَّا بها؛ وكقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.

فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً ﴾ .

أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.

ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ .

من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .

أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.

وقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.

ويقال: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم ﴾ .

يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.

ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول  : أَنه كلام رب العالمين.

فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله  .

وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .

الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.

أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ .

والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت.

وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.

وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم.

وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.

ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.

فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.

وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.

وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ﴾ .

الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.

ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.

وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .

يعني بساتين.

وقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.

وقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.

وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.

وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.

دليله [قوله  ]: "تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل فيه وجوه: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ في الدنيا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، في الجنة قبل هذا.

وقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في المنظر، مختلفاً في الطعم.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الحسن والبهاءِ.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ مختارة مهذبة.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

أي: يقيمون أَبدا.

فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله  هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.

لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله  هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.

ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.

وأيضاً: فإن الله  جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.

ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن لم تفعلوا ذلك -ولن تقدروا عليه أبدًا- فاتقوا النار التي توقد بالناس المستحقين للعذاب، وبأنواع الحجارة مما كانوا يعبدونه وغيرها، هذه النار قد أعدها الله وهيأها للكافرين.

من فوائد الآيات أن الله تعالى يخذل المنافقين في أشد أحوالهم حاجة وأكثرها شدة؛ جزاء نفاقهم وإعراضهم عن الهدى.

من أعظم الأدلة على وجوب إفراد الله بالعبادة أنَّه تعالى هو الَّذي خلق لنا ما في الكون وجعله مسخَّرًا لنا.

عجز الخلق عن الإتيان بمثل سورة من القرآن الكريم يدل على أنَّه تنزيل من حكيم عليم.

<div class="verse-tafsir" id="91.darYR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم، فالآيات متصل بعضها ببعض كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين، وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة - بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعو إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ فقال: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضيق الوساوس، وتتسللوا من مآزق الهواجس، وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد، أن تهرعوا إلى الحق بذاته، فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن من رجل، أي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد  ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة، وعصركم أرقى عصور الفصاحة، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان، ولم يكن محمد  ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله، فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي، وإمداد سماوي، لم يسم عقله إلى علمه، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه.

وعبر عن كون الريب"بإن"للإيذان بأن من شأن هذا التنزيل أن لا يرتاب فيه، لأن الحق فيه ظاهر بذاته، يتلألأ نوره في كل آية من آياته، ولكن: إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر والتنزيل من مادة النزول كالإنزال، وتقدم تفسيره، إلا أن صيغة (التفعيل) الدالة على التدريج أو التكثير، تفيد أن القرآن نزل نجومًا متفرقة، وهو الواقع، وصيغة أنزل لا تنفيه.

وقوله تعالى ﴿ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ فيه وجهان: (أحدهما) أن الضمير في"مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا  ﴾ .

(والثاني) أنه لعبدنا ..

وهو أرجح بدليل من الداخلة على"مثله"الدالة على النشوء، أي فإن كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة فليفعل، قال تعالى ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ  ﴾ الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله تعالى بالضرورة، أي ادعوا كل من تعتمدون عليه ليشهد لكم ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ، أو ادعوا كل أحد غير الله تعالى ليؤيد دعواكم كما أيد الله تعالى دعوة عبده  ، وانظروا هل يغنيكم دعؤكم شيئًا ﴿ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في دعواكم أن عندكم فيه ريبًا، وإنما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجة، وغلبت الشبهة، وكان جادًا في النظر، فهو يقول: إن كنتم صدقتم في أنكم مرتابون فلديكم ما يمحص الحق فجدوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وأتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبي الأمي، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمر بنفوسكم، وإلا فما وجه إعراضكم عن دعوته، وإبطائكم عن تلبيته؟

أي إذا تجردت نفوسكم وخلصت عقولكم مما أنتم عليه من التقاليد والأهواء، ونظرتم في القرآن نظر إنصاف، فلا يمكن أن يحوّم الريب حولكم، ولا أن يدنو الشك فيه منكم، ولو فرضنا أن طائفًا منه مس قلوبكم فإن أمام أعينكم ما يدفعه وهو إعجاز القرآن.

ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ الخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وتجتثوا دليله من أصله.

وما أنتم بفاعلين، لأن هذا ليس في طاقة المخلوقين، فاتقوا النار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين، وقوله تعالى ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجوابه، وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم بتكلف المعارضة، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي  في أمر ممكن عقلًا لولا أن أنطقه الله الذي خصه بالوحي، وهو الذي يعلم غيب السموات والأرض، بأنه غير ممكن لأحد.

وعبر عن النفي وقوع الفعل منهم"بإن"التي يعبر بها عما يشك في شرطه، أو يجزم المتكلم بعدم وقوعه، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بإذا لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية، مع القطع بأن الله تعالى منزه عن الشك، ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه، فههنا يخاطب الله المرتابين، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين، خطابًا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم، وداخلة في حدود إمكانهم، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومئ إلى القدرة على المعارضة، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة، ثم كر على هذا الإيذان، بل الإبهام، بالنقض، بلا تلبث أو تريث، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم، بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذَّماء، واستبدل اليأس بالرجاء، كأنه يقول إن إعراضكم عن الإيمان، بعد سماع هذا القرآن، الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم، وأظهر معجزات البلاغة على من لم يكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم، يدل على أنكم تدعون استطاعة الإتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين، ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة، وتهيج الغيرة، مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام، ارتقاء لم تعرف مثله الأيام، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون، ويباهون ويفاخرون، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق، ثم يطيرون بأخبارهم في الآفاق، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة، ولم ينهض بليغ من مصاقعهم إلى المناهضة.

فلا شك أن الله قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرقى البشر إليها، وهو تعالى جدّه العالم بمبلغ استطاعتهم، المالك لأعنة قدرتهم.

قال المتكلمون في بلاغة القرآن: إننا نجده لم يلتزم شيئًا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم، ورجزهم، وأشعارهم، بل جاء على النمط الفطري، والأسلوب العادي، الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله، ثم نلاحظ أيضًا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب على تفرق ديارهم، وتنائي أقطارهم، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به، فعمت الدعوة وبلغت مبلغًا، لم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا.

ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه وإحساس كل بليغ بالضعف في نفسه عن الانبراء لمباراته، والتسامي لمحاكاته، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القُدَر، خارقًا لما يعتاد من كسب البشر؟

بلى، وإن لهذا الإعجاز وجهين: أحدهما -كونه معجزًا بذاته لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقي إليها.

وثانيهما -أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغة ولم يؤثر عنه شيء من العلم.

وقد ذكروا وجوهًا أخرى للإعجاز ينطوي عليها القرآن منها قوله هنا ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ بناء على أن المخبر هو الله تعالى عالم الغيب وما يكون في المستقبل.

ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله، وقبل ظهور تأويله، أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضي أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ويقوم البرهان، بالإعجاز المقتضي للإيمان لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم، وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  ﴾ ، وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهي إلى عجزه ويبادر إلى الإيمان به وبرسالة من أنزل عليه، للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعًا على الغيب، فهو خبر عن الله  .

ثم قال تعالى مخاطبًا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ  ﴾ وهي موطن عذاب الآخرة، نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به، ولا نبحث عن حقيقتها ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ولا إنها غير شبيهة بها، وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها كما في قوله تعالى بها كقوله ﴿ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ ، ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها.

والوقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم مصدر وقد، وسمع المصدر بالفتح أيضًا.

وقال بعضهم في تفسير (وقودها): إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضًا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم، والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم، فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار، وفي الكلام تقديم السبب وهو الناس والحجارة على المسبب وهو قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ فإنها اسمية مُعَرَّفة الطرفين، وخص الحجارة بالذكر لأنها أظهر المعبودات عند العرب.

والمراد بالكافرين الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء عليهم السلام والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها، وتقاليد يحدثونها، وتأويلات يلفقونها.

فهؤلاء هم الذين أعدت وهيئت النار لهم لأنهم الذين يستحقون الخلود فيها، ومن وردها ورودًا وانتهى إلى موطن آخر فذلك الموطن هو الذي أعد له.

وليس بعد الدنيا موطن إلا الجنة جعلنا الله من أهلها بالتوفيق للتقوى، أو النار نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها من قول وعمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله