الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ) أي : كما أن الحذر لا يغني من القدر كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده ، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى : ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) [ آل عمران : 168 ] وقال تعالى : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 77 ، 78 ] وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه ، أنه قال وهو في سياق الموت : لقد شهدت كذا وكذا موقفا ، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة ، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير !
!
فلا نامت أعين الجبناء .
يعني : أنه يتألم لكونه ما مات قتيلا في الحرب ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه .
القول في تأويل قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وقاتلوا "، أيها المؤمنون=" في سبيل الله "، يعني: في دينه الذي هداكم له, (214) لا في طاعة الشيطان= أعداء دينكم, (215) الصادين عن سبيل ربكم, ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم, ولا تجبنوا عن حربهم، (216) فإن بيدي حياتكم وموتكم.
ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم, فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم, (217) فتذلوا, ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه, (218) كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت, الذين قصصت عليكم قصتهم, فلم ينجهم فرارهم منه من نـزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي, ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم , وصرفتها عن حوبائهم, (219) فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني, فإن من حيي منكم فأنا أحييه, (220) ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله.
&; 5-281 &; ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم " سميع " لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي: لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا=" عليم " بما تجنه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم، (221) وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم، ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي.
يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين: فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي, وغير ذلك من أمري ونهيي, إذ كفر هؤلاء نعمي.
واعلموا أن الله سميع لقولهم، وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، محيط بذلك كله, حتى أجازي كلا بعمله, إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
* * * قال أبو جعفر: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم.
لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، لا يخلو- إن كان الأمر على ما تأولوه- من أحد أمور ثلاثة: = إما أن يكون عطفا على قوله: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، وذلك من المحال أن يميتهم، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.
= أو يكون عطفا على قوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، وذلك أيضا مما لا معنى له.
لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله بالقتال, وقوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، خبر عن فعل قد مضى.
وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض، لو كانا جميعا خبرين، لاختلاف معنييهما.
فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟
= أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله, ثم أسقط" القول ", &; 5-282 &; كما قال تعالى ذكره: إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [سورة السجدة: 12]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا.
وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر.
فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه, فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها.
----------------- الهوامش : (214) انظر ما سلف في تفسير : "سبيل الله" 3 : 583 ، 592 ، والمراجع هناك .
(215) "أعداء .
.
.
" مفعول"قاتلوا" ، والسياق : "قاتلوا أيها المؤمنون .
.
.
أعداء دينكم" .
(216) في المخطوطة"ولا تحموا عن قتاله عند لقائهم ، ولا تحبوا عن حربهم" غير منقوطة ، بإفراد ضمير"قتاله" ، فغيرها مصححوا المطبوعة ، إذ لم يحسنوا قراءتها فجعلوها : "ولا تجبنوا عن لقائهم ، ولا تقعدوا عن حربهم" غيروا وبدلوا واسقطوا وفعلوا ما شاءوا!!
.
وقوله : "ولا تحتموا عن قتالهم" من قولهم : احتميت من كذا وتحاميته : إذا اتقيته وامتنعت منه .
و"من" و"عن" في هذا الموضع سواء .
(217) في المطبوعة : "فيدعوه ذلك إلى التفريد" ، وهو خطأ ، وزاده خطأ بعض من علق على التفسير ، بشرح هذا اللفظ المنكر .
والتعريد : الفرار وسرعة الذهاب في الهزيمة .
يقال : "عرد الرجل عن قوله" ، إذا أحجم عنه ونكل وفر .
(218) وأل إلى المكان يئل ، وؤولا ووئيلا ووألا : لجأ إليه طلب النجاة .
والموئل : الملجأ .
(219) الحوباء : النفس ، أو ورع القلب .
(220) في المطبوعة : "فأنا أحيحه" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(221) في المطبوعة : "بما تخفيه صدورهم" ، وأثبت ما في المخطوطة .
وأجن الشيء : ستره وكتمه وأخفاه .
قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليمهذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور .
وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا .
وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل ، قال الله تعالى : قل هذه سبيلي .
قال مالك : سبل الله كثيرة ، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها ، وأعظمها دين الإسلام ، لا خلاف في هذا .
وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل ، وروي عن ابن عباس والضحاك .
والواو على هذا في قوله " وقاتلوا " عاطفة على الأمر المتقدم ، وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا .
وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم ، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام .
قال النحاس : ( وقاتلوا ) أمر من الله [ ص: 216 ] تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء .
واعلموا أن الله سميع عليم أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به ، وقال الطبري : لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أحيوا .
والله أعلم .
ثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك.
( وقاتلوا في سبيل الله ) أي في طاعة الله أعداء الله ( واعلموا أن الله سميع عليم ) قال أكثر أهل التفسير : هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا : وقيل : الخطاب لهذه الأمة أمرهم بالجهاد .
«وقاتلوا في سبيل الله» أي لإعلاء دينه «واعلموا أن الله سميع» لأقوالكم «عليم» بأحوالكم فمجازيكم.
وقاتلوا -أيها المسلمون- الكفار لنصرة دين الله، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنيَّاتكم وأعمالكم.
ثم أمر الله - تعالى - عباده بالجهاد في سبيله فقال : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .والسبيل : الطريق .
وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله لأن الإِنسان يسلكها فيصل إلى ما يرضى الله ، ويعلى كلمته .ويعز دينه .أي ، قالتوا أيها المسلمون في سبيل إعلاء كلمة الله ، والدفاع عن دينه ، واعلمو أنه - سبحانه - عليم بكل أقوالكم صالحها وطالحها ، عليم بكل ما يدور في نفوسكم وخواطركم ، وسيجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته .فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على القتال من أجل إظهار الدين الحق ، وتحذير لهم من القعود عنه ، وحث لهم على صدق النية وإخلاص العمل لله ، " فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله؟
فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " .
فيه قولان الأول: أن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد.
واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره: وقيل لهم قاتلوا.
والقول الثاني: وهو اختيار جمهور المحققين: أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
أما قوله تعالى: ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ فالسبيل هو الطريق، وسميت العبادات سبيلاً إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها، ويتوصل إلى الله تعالى بها، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين، فكان طاعة، فلا جرم كان المجاهد مقاتلاً في سبيل الله ثم قال: ﴿ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، وفي تنفير الغير عنه، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم.
ويجوز أن يخاطب به من لم يَرَ ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب.
روي: أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيها الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم الله وقضائه.
وقيل مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى، فأوحى إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن الله، فنادى، فنظر إليهم قياماً يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت.
وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ فيه دليل على الألوف الكثيرة.
واختلف في ذلك، فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.
ومن بدع التفاسير.
﴿ أُلُوفٌ ﴾ متآلفون، جمع آلف كقاعد وقعود.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ﴾ ؟
قلت: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل الله.
﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم.
أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث.
والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله.
﴿ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ غَيْرُ مُخَلِّصٍ مِنهُ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَحالَةَ واقِعٌ، أمَرَهم بِالقِتالِ إذْ لَوْ جاءَ أجْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ وإلّا فالنَّصْرُ والثَّوابُ.
﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ والسّابِقُ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يُضْمِرانِهِ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ.
﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَوْضِعِ بِالِابْتِداءِ، وذا خَبَرُهُ، والَّذِي صِفَةُ ذا أوْ بَدَلُهُ، وإقْراضُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ ثَوابُهُ.
﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ إقْراضًا حَسَنًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ أوْ مُقْرِضًا حَلالًا طَيِّبًا.
وقِيلَ: القَرْضُ الحَسَنُ بِالمُجاهَدَةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ ﴾ فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، أخْرَجَهُ عَلى صُورَةِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ في مَعْنى أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « فَيُضَعِّفُهُ» بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ.
﴿ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ كَثْرَةٌ لا يُقَدِّرُها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وقِيلَ الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ، و « أضْعافًا» جَمْعُ ضِعْفٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لِتَضَمُّنِ المُضاعَفَةِ مَعْنى التَّصْيِيرِ أوِ المَصْدَرُ عَلى أنَّ الضِّعْفَ اسْمُ مَصْدَرٍ وجَمَعَهُ لِلتَّنْوِيعِ.
﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ يَقْتُرُ عَلى بَعْضٍ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ حَسَبِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم كَيْلا يُبَدِّلَ حالَكم.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالصّادِ ومِثْلُهُ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وقاتلوا في سبيل الله} فحرض على الحهاد بعد الاعلام بأن الفرار من الموت لا يغني وهذا الخطاب لأمة محمد عليه السلام أو لمن أحياهم {واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ} يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عَلِيمٌ} بما يضمرونه
﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهو عَطْفٌ في المَعْنى عَلى ﴿ ،ألَمْ تَرَ ﴾ ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى انْظُرُوا وتَفَكَّرُوا، والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ لِكَوْنِها سَنامَ القُرْآنِ؛ ذَكَرَ فِيها كُلِّيّاتِ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ؛ مِنَ الصِّيامِ، والحَجِّ، والصَّلاةِ، والجِهادِ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، مُسْتَطْرِدًا تارَةً؛ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِها يَكُرُّ عَلَيْها كُلَّما وُجِدَ مَجالٌ، ومَقْصُودًا أُخْرى؛ دَلالَةً عَلى أنَّ المُؤْمِنَ المُخْلِصَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْغَلَهُ حالٌ عَنْ حالٍ، وإنَّ المَصالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَرائِعُ إلى الفَراغَةِ لِلْمَشاغِلِ الأُخْرَوِيَّةِ، والجِهادُ لَمّا كانَ ذُرْوَةَ سَنامِ الدِّينِ، وكانَ مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ؛ حَرَّضَهم عَلَيْهِ مِن طُرُقٍ شَتّى، مُبْتَدِئًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ مُنْتَهِيًا إلى هَذا المَقالِ الكَرِيمِ، مُخْتَتِمًا بِذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ لِلتَّتْمِيمِ _ قالَهُ في الكَشْفِ _ وجُوِّزَ في العَطْفِ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يُعَيِّنُهُ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قُصَّ عَلَيْكُمْ، وقاتِلُوا في سَبِيلِهِ؛ لِما عَلِمْتُمْ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ الحِمامِ، وأنَّ المُقَدَّرَ لا يُمْحى، فَإنْ كانَ قَدْ حانَ الأجَلُ؛ فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرُ سَبِيلٍ، وإلّا فَنَصْرٌ وثَوابٌ، الثّانِي: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ القِصَّةِ؛ أيِ: اثْبُتُوا ولا تَهْرَبُوا كَما هَرَبَ هَؤُلاءِ، وقاتِلُوا، الثّالِثُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ إلى ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، وما جاءَ جاءَ كالِاعْتِراضِ، الرّابِعُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( قالَ لَهُمُ اللَّهُ ) والخِطابُ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهو كَما تَرى ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ عَنِ الجِهادِ؛ مِن تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وما يَقُولُهُ السّابِقُ إلَيْهِ؛ مِن تَرْغِيبٍ فِيهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يُضْمِرُهُ هَذا وذَلِكَ؛ مِنَ الأغْراضِ والبَواعِثِ، فَيُجازِي كُلًّا حَسَبَ عَمَلِهِ ونِيَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما أحياهم الله قال لهم: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ويقال: هذا أمر بالجهاد لأمة محمد قال لهم: قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أي سميع لمقالتهم، عليم بالأرض التي وقع فيها الوباء.
<div class="verse-tafsir"
الَّذِي في «سورة النساءِ» «١» ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «٢» ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «٣» : ومَتاعاً نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه:
ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ...
الآية:
معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.
وقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «٤» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ.
وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦] ، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «٥» .
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ...
الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،
ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية «١» .
وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» .
قال ع «٣» : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «٤» ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية.
والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «٥» ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «٦» .
٦١ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ...
الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا
طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر.
وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «١» .
وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «٢» ، قال الطبريُّ «٣» : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ...
الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «٤» : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟
قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «٥» ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت
رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «١» .
واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟
قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!
قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!
قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» .
انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «٣» ، قال ابنُ العَرَبِيِّ «٤» : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى.
وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته.
وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة.
ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك صلّى الله عليه وسلم ٦١ ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١] .
قال ع: رُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «١» ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ:
«القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ.
انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في المُخاطِبِينَ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أحْياهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
فَمَعْناهُ: لا تَهْرُبُوا مِنَ المَوْتِ، كَما هَرَبَ هَؤُلاءِ، فَما يَنْفَعُكُمُ الهَرَبُ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ واعْلَمُوا أنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ الواوُ في هَذِهِ الآيَةِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ.
هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو الَّذِي يُنْوى بِهِ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا حَسَبَ الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: الأمْرُ بِالقِتالِ هو لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالواوُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ عَلى الأمْرِ المُتَقَدِّمِ، المَعْنى: وقالَ لَهُمْ: قاتِلُوا، قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ هو لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ لِلْأقْوالِ، "عَلِيمٌ" بِالنِيّاتِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ﴾ الآيَةُ فَدَخَلَ في ذَلِكَ المُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يُقْرِضُ رَجاءَ الثَوابِ كَما فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ «قالَ أبُو الدَحْداحِ: يا رَسُولَ اللهِ أوَ أنَّ اللهَ يُرِيدُ مِنّا القَرْضَ؟"، قالَ: "نَعَمْ يا أبا الدَحْداحِ ".
قالَ: "فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ اللهَ حائِطِي" لِحائِطٍ فِيهِ سِتُّمائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جاءَ الحائِطُ وفِيهِ أُمُّ الدَحْداحِ فَقالَ: "اخْرُجِي فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي هَذا"، قالَ: فَكانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ: "كَمْ مِن عَذْقٍ مُذَلِّلٍ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ فِيهِ ابْنُ الدَحْداحَةِ، واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ، واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ لَكِنَّهُ تَعالى شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ في الدُنْيا ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَما شَبَّهَ إعْطاءَ النُفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِراءِ، وقَدْ ذَهَبَتِ اليَهُودُ في مُدَّةِ النَبِيِّ إلى التَخْلِيطِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِظاهِرِ الِاسْتِقْراضِ، وقالُوا: إلَهُكم مُحْتاجٌ يَسْتَقْرِضُ، وهَذا بَيِّنُ الفَسادِ.
وَقَوْلُهُ: "حَسَنًا"، مَعْناهُ: تُطَيِّبُ فِيهِ النِيَّةُ، ويُشْبِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ وجَوْدَتِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ فِي: تَشْدِيدِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها -وَرَفْعُ الفاءِ ونَصْبُها- وإسْقاطُ الألِفِ وإثْباتُها مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَيُضاعِفَهُ"، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فَيُضَعِّفُهُ" بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ العَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ الفاءَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ووافَقَهُ عاصِمٌ عَلى نَصْبِ الفاءِ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ الألِفَ في "فَيُضاعِفُهُ" في جَمِيعِ القُرْآنِ وكانَ أبُو عَمْرٍو لا يُسْقِطُ الألِفَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ﴾ مِن سُورَةِ الأحْزابِ فَإنَّهُ بِغَيْرِ ألِفٍ كانَ يَقْرَؤُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالألِفِ ورَفْعِ الفاءِ.
فالرَفْعُ في الفاءِ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما العَطْفُ عَلى ما في الصِلَةِ، وهو "يُقْرِضُ"، والآخِرُ أنْ يَسْتَأْنِفَ الفِعْلَ ويَقْطَعَهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرَفْعُ في هَذا الفِعْلِ أحْسَنُ، لِأنَّ النَصْبَ إنَّما هو بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَرَتَّبُ إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ عن نَفْسِ الفِعْلِ الأوَّلِ ثُمَّ يَجِيءُ الثانِي مُخالِفًا لَهُ.
تَقُولُ: أتُقْرِضُنِي فَأشْكُرُكَ؟
وهاهُنا: إنَّما الِاسْتِفْهامُ عَنِ الَّذِي يُقْرِضُ لا عَنِ الإقْراضِ، ولَكِنَّ تَحَمُّلَ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ في النَصْبِ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ عن فاعِلِ الإقْراضِ إلّا مِن أجْلِ الإقْراضِ، فَكَأنَّ الكَلامَ: أيُقْرِضُ أحَدٌ اللهَ فَيُضاعِفَهُ لَهُ.
ونَظِيرُ هَذا -فِي الحَمْلِ عَلى المَعْنى- قِراءَةُ مَن قَرَأ: مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ، ويَذَرُهُمْ" بِجَزْمٍ "وَيَذَرُهُمْ" لَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ فَلا يُهْدَهُ.
وهَذِهِ الأضْعافُ الكَثِيرَةُ هي إلى السَبْعِمائَةِ الَّتِي رُوِيَتْ ويُعْطِيها مِثالُ السُنْبُلَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَبْسُطُ" بِالسِينِ، ونافِعٌ بِالصادِّ، في المَشْهُورِ عنهُ.
وقالَ الحَلْوانِيُّ، عن قالُونَ، عن نافِعٍ: إنَّهُ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأ: "بَسْطَةً ويَبْسُطُ" بِالسِينِ أو بِالصادِّ.
ورَوى أبُو قُرَّةَ، عن نافِعٍ: "يَبْسُطُ" بِالسِينِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُسَعِّرُ بِسَبَبِ غَلاءٍ خِيفَ عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ هو الباسِطُ القابِضُ، وإنِّي لَأرْجُو أنْ ألْقى اللهَ ولا يُتْبِعُنِي أحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ في نَفْسٍ ولا مالٍ».
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.
وقد تقدم أن هذه السورة نزلت في مدة صلح الحديبية وأنها تمهيد لفتح مكة، فالقتال من أهم أغراضها، والمقصود من هذا الكلام هو قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ الآية.
فالكلام رجوع إلى قوله: ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216] وفصلت بين الكلامين الآيات النازلة خلالهما المفتتحة ب ﴿ يسألونك ﴾ [البقرة: 217، 219، 220، 222].
وموقع ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ قبل قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ موقع ذكر الدليل قبل المقصود، وهذا طريق من طرق الخطابة أن يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد، إذ افتتح الخطبة فقال: «ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بُسْراً هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود الشام قد اطلع اليمن، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم» فقوله: «ما هي إلا الكوفة» موقعه موقع الدليل على قوله: «لأظن هؤلاء القوم إلخ» وقال عيسى بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجل «ما كنا نعدك للصراع، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك، وبصرك، ولسانك، وعقلك، وإحدى رجليك» فقدم قوله: ما كنا نعدك للصراع، والمقصود من مثل ذلك الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقاً للدعوى، أو حملاً على التعجيل بالامتثال.
واعلم أن تركيب (ألم تر إلى كذا) إذا جاء فعل الرؤية فيه متعدياً إلى ما ليس من شأن السامع أن يكون رآه، كان كلاماً مقصوداً منه التحريض على علم ما عدي إليه فعل الرؤية، وهذا مما اتفق عليه المفسرون ولذلك تكون همزة الاستفهام مستعملة في غير معنى الاستفهام بل في معنى مجازي أو كنائي، من معاني الاستفهام غير الحقيقي، وكان الخطاب به غالباً موجهاً إلى غير معين، وربما كان المخاطب مفروضاً متخيلاً.
ولنا في بيان وجه إفادة هذا التحريض من ذلك التركيب وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن يكون الاستفهام مستعملاً في التعجب أو التعجيب، من عدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية، ويكون فعل الرؤية علمياً من أخوات ظن، على مذهب الفراء وهو صواب؛ لأن إلى ولام الجر يتعاقبان في الكلام كثيراً، ومنه قوله تعالى: ﴿ والأمر إليك ﴾ [النمل: 33] أي لك وقالوا: ﴿ أحمد الله إليك ﴾ كما يقال: ﴿ أحمد لك الله ﴾ والمجرور بإلى في محل المفعول الأول، لأن حرف الجر الزائد لا يطلب متعلقاً، وجملة ﴿ وهم ألوف ﴾ في موضع الحال، سادة مسد المفعول الثاني، لأن أصل المفعول الثاني لأفعال القلوب أنه حال، على تقدير: ما كان من حقهم الخروج، وتفرع على قوله: ﴿ وهم ألوف ﴾ قوله: ﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ فهو من تمام معنى المفعول الثاني أو تجعل (إلى) تجريداً لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم، أو قرينة عليها، أو لتضمين فعل الرؤية معنى النظر، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك بالنظر، لكونه بين الصدق لمن علمه، فيكون قولهم: ﴿ ألم تر إلى كذا ﴾ في قوله: جملتين: ألم تعلم كذا وتنظر إليه.
الوجه الثاني: أن يكون الاستفهام تقريرياً فإنه كثر مجيء الاستفهام التقريري في الأفعال المنفية، مثل: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ [البقرة: 106].
والقول في فعل الرؤية وفي تعدية حرف (إلى) نظير القول فيه في الوجه الأول.
الوجه الثالث: أن تجعل الاستفهام إنكارياً، إنكاراً لعدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية، والقول في حرف (إلى) نظير القول فيه على الوجه الأول، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكارياً: حقيقة أو تنزيلاً، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار كالمثل، وقريب منه قول الأعشى: ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه *** واستفادة التحريض، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه، أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه، وذلك مما يحرض على علمه.
واعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب، سوى أنهم غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده، وإفراد وضده، نحو ألم ترَيْ في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين، في التثنية والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصراً للمخطاب أو مطلقاً.
وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبناً، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: ﴿ وهم ألوف ﴾ فإنه جملة حال وهي محل التعجيب، وإنما تكون كثرة العدد محلاً للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفاً وهلعاً والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف ﴿ لا يغلب من قلة.
﴾ فقيل هم من نبي إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم، بجامع الجبن وكانت الحالة الشبه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع، مثل تمثيل حال المتردد في شيء بحال من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فلا يقال إن ذلك يرجع إلى تشبيه الشيء بمثله، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل.
وقيل هم من قوم من بني إسرائيل من أهل داوردان قرب واسط وقع طاعون ببلدهم فخرجوا إلى واد أفيح فرماهم الله بداء موت ثمانية أيام، حتى انتفخوا ونتنت أجسامهم ثم أحياها.
وقيل هم من أهل أذرعات، بجهات الشام.
واتفقت الروايات كلها على أن الله أحياهم بدعوة النبي حزقيال بن بوزى فتكون القصة استعارة شبه الذين يجبنون عن القتال بالذين يجبنون من الطاعون، بجامع خوف الموت، والمشبهون يحتمل أنهم قوم من المسلمين خامرهم الجبن لما دُعوا إلى الجهاد في بعض الغزوات، ويحتمل أنهم فريق مفروض وقوعه قبل أن يقع، لقطع الخواطر التي قد تخطر في قلوبهم.
وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل لا قصة واقعة، وهذا بعيد يبعده التعبير عنهم بالموصول وقوله: ﴿ فقال لهم الله ﴾ .
وانتصب ﴿ حذر الموت ﴾ على المفعول لأجله، وعامله ﴿ خرجوا ﴾ .
والأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم، مع كثرتهم، وأخلوا له الديار، فوقعت لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك، ثم نجوا، أو أوبئة وأمراض، كانت أعراضها تشبه أعراض الموت، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم تلك مثَل قول الراجز: وخارججٍ أَخرجه حب الطمع *** فَرَّ من الموت وفي الموت وقع ويؤيد أنها إشارة إلى حادثةٍ وليست مثلاً قولُه: ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ الآية ويؤيد أن المتحدث عنهم ليسوا من بني إسرائيل قوله تعالى بعد هذه ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ [البقرة: 246] والآية تشير إلى معنى قوله تعالى: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ [النساء: 78] وقوله ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [آل عمران: 154].
فأما الذين قالوا إنهم قوم من بني إسرائيل أحياهم الله بدعوة حزقيال، والذين قالوا إنما هذا مثَل لا قصةٌ واقعةٌ، فالظاهر أنهم أرادوا الرؤيا التي ذكرت في كتاب حزقيال في الإصحاح 37 منه إذ قال: «أخرجَني روحُ الرب وأنزلني في وسط بقعة ملآنة عظاماً ومرَّ بي من حولها وإذا هي كثيرة ويابسة فقال لي يابن آدم أتحيا هذه العظام؟
فقلت يا سيدي أنت تعلم، فقال لي تنبأْ على هذه العظام وقُل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب، فتقاربت العظام، وإذا بالعصَب واللحم كساها وبُسط الجلدُ عليها من فوق وليس فيها روح فقال لي تنبأْ للروح وقل قال الرب هلم يا روح من الرياح الأربععِ وهِبِّ على هؤلاء القتلى فتنبأْتُ كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً» وهذا مثل ضربهُ النبي لاستماتة قومه، واستسلامهم لأعدائهم، لأنه قال بعده «هذه العظام وهي كل بيوت إسرائيل هم يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا قد انقطعنا فتنبأْ وقل لهم قال السيد الرب هأنذا أفتح قبوركم وأصعدكم منها يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وأجعل روحي فيكم فتحيَوْن» فلعل هذا المثل مع الموضع الذي كانت فيه مرائي هذا النبي، وهو الخابور، وهو قرب واسط، هو الذي حدا بعض أهل القصص إلى دعوى أن هؤلاء القوم من أهل دَاوَرْدَان: إذ لعل دَاوَرْدَان كانت بجهات الخابور الذي رأى عنده النبي حزقيال ما رأى.
وقوله تعالى: ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ القَولُ فيه إما مجاز في التكوين والموت حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس، استعيرت حالة تلقي المكوَّن لأثر الإرادة بتلقي المأمور للأمر، فأطلق على الحالة المشبهة المركبُ الدال على الحالة المشبَّه بها على طريقة التمثيل، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت، والموتُ حقيقة، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت، ثم فرج الله عنهم فأحياهم.
وإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله، لبعض الأنبياء، والموتُ موت مجازي، وهو أمر للتحقير شتماً لهم، ورَماهم بالذل والصغار، ثم أحياهم، وثبتَ فيهم روح الشجاعة.
والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضُرب بهم هذا المثلُ خرجوا من ديارهم خائفين من الموت، فلم يغن خوفهم عنهم شيئاً، وأراهم الله الموت ثم أحياهم، ليصير خُلُق الشجاعة لهم حاصلاً بإدراك الحس.
ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئاً، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله، كما قال تعالى: ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ﴾ [الأحزاب: 16].
وجملة: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ الآية هي المقصود الأول، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمتَ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ عطفاً على الاستئناف، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216]، لقُلنا: إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يُلحقها بها بدون عطف.
وجملة ﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات: ظاهرها وباطنها.
وقدِّم وصف سميع، وهو أخص من عليم، اهتماماً به هنا؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل الله من الأمور المسموعة، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل.
ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلُق الخوف، وتسويل النفس القعودَ عن القتال، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد.
وافتتاح الجملة بقوله: ﴿ واعلموا ﴾ للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض، وقد تقدم قريباً عند قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ.
﴿ وَهم أُلُوفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ.
والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ.
واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.
والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ.
﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ.
﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج وكيع والفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا.
فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان، خرجوا فارين من الطاعون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي عن أبي مالك في الآية قال: كانت قرية يقال لها داوردان قريب من واسط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة وهربت طائفة، فوقع الموت فيمن أقام وسلم الذين أجلوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا إليهم، فقال الذين بقوا: اخواننا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن بقينا إلى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا.
فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعاً، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فساروا حتى أتوا وادياً فسيحا فنزلوا فيه وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم ملكين، ملكاً بأعلى الوادي وملكاً بأسفله، فناداهم: أن موتوا فماتوا.
فمكثوا ما شاء الله، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فرأى تلك العظام فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم من جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء.
فرجعوا إلى بلادهم فأقاموا لا يلبسون ثوباً إلا كان عليهم كفناً دسماً، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك قال أسباط: وقال منصور عن مجاهد: كان كلامهم حين بعثوا أن قالوا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت...
!
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ قال: هم من أذرعات.
وأخرج عن أبي صالح في الآية قال: كانوا تسعة آلاف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ قال: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.
وأخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينا عمر يصلي ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟
فلما انتعل عمر قال: أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو؟
قالا: إنا نجده في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله.
فقال عمر: ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى.
قال: أما تجد في كتاب الله ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ [ النساء: 164] ؟
فقال عمر: بلى.
قال: وأما احياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل، فقام عليهم فقال ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف في الآية قال: هؤلاء قوم من بني إسرائيل، كانوا إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم فاستحر القتل على المقيمين ولم يصب الآخرين شيء، فلما كان عام من تلك الأعوام قالوا: لو صنعنا كما صنعوا نجونا، فظعنوا جميعاً فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاماً تبرق، فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك.
فقال: قل كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تركب، ثم تكلم فإذا العظام تكسى لحماً، ثم تكلم فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله قبل آجالهم عقوبة ومقتاً، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه.
أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل من بوزى وهو ابن العجوز، وإنما سمي ابن العجوز لأنها سألت الله الولد وقد كبرت فوهبه لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن وهب قال: أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة من زمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه، فأوحى الله إلى حزقيل أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا واستراحوا، وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت؟
فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال الله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ فقم فناد فيهم، وكانت عظامهم قد تفرقت كما فرقتها الطير والسباع، فنادى حزقيل: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم معاً، ثم قال: أيتها العظم إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب، فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب، ثم نادى جزقيل فقال: أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي اللحم.
فاكتست اللحم وبعد اللحم جلداً فكانت أجساداً، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك.
فقاموا بإذن الله فكبروا تكبيرة رجل واحد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ يقول: عدد كثير خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله تعالى ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ وهم الذين قالوا لنبيهم ﴿ ابعث ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ [ البقرة: 246] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريرج عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم ثم أحياهم فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: خرجوا فراراً من الطاعون وهم ألوف ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال قلوبهم مؤتلفة، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة قال الله لهم: موتوا، ومر رجل بها وهي عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: ﴿ أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ﴾ [ البقرة: 259] .
وأخرج البخاري والنسائي عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء وجعله رحمة للمؤمنين، فليس من رجل يقع الطاعون ويمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» .
وأخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فإن الموت في أعناقكم، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب» .
وأخرج عبد بن حميد عن أم أيمن «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بعض أهله فقال: وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الطواعين وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون.
قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟
قال: غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن خزيمة والطبراني عن جابر بن عبد الله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...
﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الإِسلام اقرضوا الله من أموالكم يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة.
فقال له ابن الدحداحة: يا رسول الله لي مالان مال بالعالية ومال في بني ظفر، فابعث خارصك فليقبض خيرهما.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمر: انطلق فانظر خيرهما فدعه واقبض الآخر، فانطلق فأخبره فقال: ما كنت لاقرض ربي شر ما أملك ولكن أقرض ربي خير ما أملك، إني لا أخاف فقر الدنيا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رب عذق مدلل لابن الدحداح في الجنة» .
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: «استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمراً فلم يقرضه قال: لو كان هذا نبياً لم يستقرض، فأرسل إلى أبي الدحداح فاستقرضه فقال: والله لأنت أحق بي وبمالي وولدي من نفسي، وإنما هو مالك فخذ منه ما شئت واترك لنا ما شئت، فلما توفي أبو الدحداح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة» .
وأخرج ابن اسحق وابن المنذر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...
﴾ الآية.
في ثابت بن الدحداحة حين تصدق بماله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قال: النفقة في سبيل الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه الآية قال: أنا أقرض الله، فعمد إلى خير مال له فتصدق به.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له؟
فقال: ليس هذا قلت: ولم يحفظ الذي حدثك، إنما قلت أن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (١) قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (٢) (٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (٤) فهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد وهذا أظهر (٥) (٦) قال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم فلا ينفعكم الهرب (٧) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ كأنه قال: واشكروا وقاتلوا في سبيل الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لما يقوله المُتَعَلل (٨) ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يضمره، فإياكم والتعلل بالباطل، وقيل: ﴿ سَمِيعُ ﴾ لقولكم إن قلتم، كقول الذين تقدم ذكرهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بضمائركم (٩) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 591 - 592، "تفسير أبي المظفر السمعاني" 1/ 267، "تفسير الثعلبي" 2/ 1309، "تفسير البغوي" 1/ 194.
(٢) في (ي) و (ش) (يعادوا).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 459، وتنظر روايات أخرى عن ابن عباس وغيره، فيها الأمر بالجهاد، عند الطبري في "تفسيره" 2/ 586، 587، ورد الطبري هذا الوجه من التفسير في "تفسيره" 2/ 591 - 592 قائلًا: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: (وقاتلوا في سبيل الله)، أمر من الله للذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعدما أحياهم، ثم ذكر تفصيلًا مطولًا في المسألة.
(٤) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 165، "تفسير البغوي" 1/ 294.
وتقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة ص 92.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 323.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 591، "بحر العلوم" 1/ 216، "تفسير القرطبي" 3/ 154، وذكر أنه قول الجمهور.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 323.
(٨) في (ي)، (م): (المعلل).
(٩) "زاد المسير" 1/ 289، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 324.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ رؤية قلب ﴿ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، وقيل: بل فرّوا من الطاعون ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ جمع ألف، قيل ثمانون ألفاً، وقيل: ثلاثون ألفاً، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: هو من الألفة، وهو ضعيف ﴿ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ﴾ عبارة عن إماتتهم، وقيل: إن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا ﴿ ثُمَّ أحياهم ﴾ ليستوفوا آجالهم ﴿ وقاتلوا ﴾ خطاب لهذه الأمة، وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيضاعفه ﴾ بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل "فيضعفه" بالتشديد والنصب: ابن عامر ويعقوب غير روح.
فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح.
الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد ﴿ ويبصط ﴾ بالصاد: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني من قالون مخير.
الباقون بالسين.
الوقوف: ﴿ الموت ﴾ ص ﴿ أحياهم ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ ويبسط ﴾ ص ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: قد جرت عادته أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتباراً للسامعين ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: ﴿ ألم تر ﴾ وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من حالهم.
ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي بإلى.
وعلى هذا يجوز أن يكون النبي لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إنه أنزل الآية على وفق ذلك.
روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه.
ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف أحيهم؟
فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي.
فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.
ثم أوحى الله إليه: نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فصارت لحماً ودماً.
ثم نادها إن الله يأمرك أن تقومي فقامت.
فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت.
ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.
وعن ابن عباس أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء.
فأماتهم الله بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا.
وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله بعد الثمانية، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك.
فأرسل الله عليهم الموت فلما رآه ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله .
أما قوله ﴿ وهم ألوف حذر الموت ﴾ ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا.
فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.
وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفراً يسيراً.
فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت.
و ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول لأجله.
﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله { إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون } [مريم: 35] ويدل عليه قوله ﴿ ثم أحياهم ﴾ وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة.
ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا.
والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة.
وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم.
﴿ إن الله لذو فضلٍ على الناس ﴾ تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولاً، وإذا كان ممكناً في نفسه، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به.
وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ولهذا أتبعت بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ ثم إن كان هذا الأمر خطاباً للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد من إضمار تقديره، وقيل لهم: قاتلوا.
وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر.
﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.
ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد.
و "ذا" في ﴿ من ذا ﴾ إما زائدة و "من" استفهام في موضع الرفع، و "الذي" مع صلتها خبره أو موصولة و "الذي" بدلها أو اسم إشارة خبر "من" و "الذي" نعت له، أو بدل منه.
قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "من" و "ذا" بمنزلة اسم واحد كما كانت "ماذا" لأن "ما" أشد إبهاماً من "من" إذا كانت "من" لمن يعقل.
وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر.
وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، وإنما ورد مستأنفاً في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ كالزجر.
وهو إنما يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم.
وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
وعن النبي "من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة" ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق.
وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه.
وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.
وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا المال المأخوذ ملك الله.
ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضاً تنبيهاً على أن ذلك لا يضيع عند الله.
فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة.
وقوله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدراً بمعنى الإقراض.
ومعنى كونه حسناً حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ولا يشوبه منٌ ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصاً لوجه الله .
و ﴿ أضعافاً ﴾ نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ويجوز أن يكون مصدراً لأن الضعف وإن كان اسماً إلا أنه قد يقع موقع المصدر كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد عطائك المائة الرتاعا؟
وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في المقدار والإخلاص وغير ذلك.
والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر.
قيل: الواحد بسبعمائة.
وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود ﴿ والله يقبض ويبسط ﴾ يقتر على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة.
وأيضاً من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له الغنى فليس له إلا ذلك.
فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى.
وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله.
ويحتمل أن يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال.
﴿ وإليه ترجعون ﴾ فيجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال الخير و الله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، حرف تعجب وتنبيه، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد الإنباء عنه، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه، ليتجدد بالنظر فيه عهداً.
وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر مرة وإلى العلم به ثانية، وإلى النظر فيه ثالثاً، على اختلاف ما قيل.
وفيه كل ذلك.
والله أعلم.
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، "ألم تخبر"، و"ألم تنظر"، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة.
فالقصد فيه - والله أعلم - أنه جواب قوله: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ ، أخبرهم الله عز وجل عن قصة هؤلاء: أن جهلهم بآجال أولئك حملهم على هذا القول؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ديارهم حذر الموت، ثم لم ينفعهم ذلك بل أميتوا.
كذلك هذا.
ثم اختلف في قصة هذه:- قال بعضهم: أخرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله.
وقال آخرون: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقى أناس، فمن خرج أكبر ممن بقى، فنجا الخارجون، وهلك الباقون، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلاً، فأماتهم الله، ثم أحياهم.
فلا تدري كيف كانت القصة.
فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سيل الله، وله نظير في الآيات، قوله : ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ ، ومثله كثير في القرآن.
وإن كانت القصة في الطاعون، فقد جاء الخبر عن رسول الله ، أنه قال: "إذا كنتم في أرض وفيها وباء فلا تخرجوا فراراً منها.
[وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها" .
ومعناه والله أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا،] أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم الله، يظنون أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك.
ففي الوجهين سيان القضاء.
وقد جاء: "أن لا دعوى ولا هامة".
فإن قيل: روي عن رسول الله : أنه كان إذا مر على حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟
قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر سبق منهم، فحق مثله الفرار إلى الله، لا إلى غيره.
وأما انكسار الحائط فليس لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره.
هذا هو الفرق بينهما.
والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: ويجوز أن يكون فعله ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصاناً في الدين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب والأغذية للبدن، لا على ظن بالله أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل منه.
و ﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق بذلك.
هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم في الدين، ولو فعل غير ذلك كان جائزاً.
فإذا كان هذه عليه، فإنى يكون الأفضل؟
وإنما يقال (ذو فضل)، و(ذو من)، إذا أعطى ما ليس عليه.
وأما من أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (من)، كمن يقضي ديناً عليه لآخر لا يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك الله إذا أخبر أنه (ذو فضل) و(ذو من) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك.
وبالله التوفيق.
ثم الكلام في أن أولئك ماتوا بآجالهم، أو لا بآجالهم؟
قالت المعتزلة: لم تكن آجالهم.
ومن قولهم: أن لكل أحد أجلين: إن قتل فأجله كذا، وإن مات فكذا.
قيل: ذلك تأجيل من لا يعلم أنه يقتل أو يموت، فإذا علم الله أنه يموت لم يكتب له أجل القتل.
وكذلك ما روي في الخبر: "أن صلة الرحم تزيد العمر" .
إذا كان في علم الله في الأول أنه يصل الرحم فكتب عمره أزيد ممن يعلم في الأول أنه يقطع ولا يصل؛ إذ لو حمل ذلك على ما يقولون هم لخرج فعله فعل من يجهل العواقب.
فإن قيل: فلِمَ يلام القاتل إذا قتل غيره بغير حق؟
قيل له: لأنه كتب أجل المقتول بقتل هو معصية بما علم الله أنه ينقضي به.
وكتاب الآجال هو بيان النهايات والأعمار.
وقوله: ﴿ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قد ذكرناه متضمناً فيما تقدم.
وقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
عامل الله بلطفه وكرمه الخلق معاملة من لا حق له في أموالهم، لا كمعاملة العباد بعضهم بعضاً، وإن كان العبيد وأموالهم كلهم له حيث طلب منهم الإقراض لبعضهم من بعض ثم وعد لهم الثواب على ذلك فقال: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ .
ثم لما سمع اليهود ذلك قالوا: إن إله محمد فقير، وهو قوله: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ .
ومرة قالوا لما رأوا الشدة على بعض الناس فقالوا: إنما يفعل ذلك ببخله حيث قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ .
فرأوا المنع إمال للبخل وإما للفقر.
فأكذبهم الله في قولهم ذلك فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ .
قيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ، أي يقتر، و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ، أي يوسع.
وقيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ما أعطى، أي يأخذ.
و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ويترك ما أعطى، ولا يأخذ منه شيئاً.
وقيل: إنها نزلت في أبي الدحداح؛ وذلك أن النبي قال: "من صدق بصدقة فله مثلها في الجنة.
فقال أبو الدحداح: إن تصدقت بحديقتي، فلي مثلها في الجنة؟
فقال: نعم.
وقال: وأم الدحداح معي؟
قال: نعم.
وقال: والصبية معي؟
قال: نعم.
فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح والصبية فيها، فقام على باب الحديقة، فنادى يا أم الدحداح إني جعلت حديقتي هذه صدقة، واشترطت مثيلتها في الجنة، وأم الدحداح والصبية فيها معي.
قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت أربيت.
فخرجوا منها، فتركوا ما كانوا اجتنبوا منها، وسلموا الحديقة للنبي .
فنزل قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...
﴾ " الآية.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ الآية، في توجيه الآية إليه: فمنهم من يوجهها إلى جميع المحاسن يؤثرها ويختارها لله، فله أضعاف ذلك في الموعود - آجلاً وعاجلا - فالآجل ما وعد، والعاجل ثناء الناس وجلالة القدر له في القلوب، متعارف ذلك للأخيار.
وسماه قرضاً بما هو اسم المعروف، ليذكره عظم نعمه عليه، إن قبله قول المعروف بالشكر له في ذلك، وإن كان ذلك حقّاً له عليه.
والله أعلم.
والثاني: ليعرف الخلق كيفية الصحبة والمعاشرة بينهم.
إن الله عامل عبده فيما هو له معاملة من يستحق الشكر منه بما يسدي إليه من النعم، ولله حقيقة ذلك، ليعقل الحكماء أن مثل ذلك في معاملة الإخوان، وفما كان نعمه في الحقيقة أوجب وأحق، وليعظموا المعروفين بالمعروف بما أكرمهم الله بالأسماء الجليلة.
ولا قوة إلا بالله.
ومنهم من يوجهها إلى الصدقات خاصة؛ سماها قرضاً لوجوه: أحدها: أن يجعل معاملة الفقراء والتصدق عليهم معاملة الله تفضيلاً لهم، على ما نسب مخادعة المؤمنين إلى الله تعظيماً لهم، فمثله الصدقة.
ثم وعد فيه العوض لتصير الصدقة بمعنى الإقراض، إذ يرجع في عوضه، فيزول وجه الامتنان عن الفقير بما يأخذ منه البدل.
وبالله التوفيق.
والثاني: سمى ذلك قرضاً بما هو له على ما لم يزل الله عود به عباده بالذي عرفوا به كرمه وجوده حتى سمى تسليم الذي له في الحقيقة قرضاً كالتسليم إلى من لاحق له في الحقيقة، وعلى ذلك أمر الشراء بقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، والله أعلم.
والثالث: أنه ذكرهم وجه القصد في الصدقات، والموقع لها، ليكون ذلك تبيناً لعظيم منه الفقر عليه إذ وصل به إلى الله ذكره وأجل محله عنده، فيصير عنده أحد الأعوان له والأنصار على عظيم الموعود وجليل القدر عند الله.
فيحمده على ذلك ويشكر له دون أن يمن عليه أو يؤذيه.
والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
وقاتلوا -أيها المؤمنون- أعداء الله، نصرة لدينه ورفعة لكلمته، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأفعالكم، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.bgjZY"
لما ذكر تعالى من الأحكام ما ذكر في الآيات السابقة قفى عليه بذكر بعض أخبار الماضين لأجل العظة والاعتبار، بما تتضمنه الوقائع والآثار، كما هي سنة القرآن، في تنويع التذكير والبيان، بل الانتقال هنا إنما هو من الأحكام مسرودة مع بيان حكمتها، والتنبيه لفائدتها إلى حكم سبقته حكمته، وتقدمته فائدته، في ضمن واقعة مضت زيادة في البصيرة ومبلغة في الحمل على الاعتبار، وهو حكم القتال في سبيل الله، ويتلوه حكم بذل المال في سبيله.
الأحكام السابقة تتعلق بالأشخاص في أنفسهم وبيوتهم، وهذان الحكمان في أمر عام يتعلق بالأمم من حيث حفظ وجودها، ودوام استقلالها، بمدافعة المعتدين عنها، وبذل الروح والمال في حفظ مصالحها، وتوفير منافعها، ولذلك كان الأسلوب أشد تأثيرًا، وأعظم تذكيرًا لأن الإشارة في سياق التذكير بمنافع الشخص ومصالحه في نفسه وفيمن يتصل به، كافية للتذكر والعمل بما يوعظ به لموافقة ذلك لهواه، فلها من النفس عون لا يغيب، ووازع لا يعصى، وأما المصالح العامة فإنه لا يفطن لها ولا يرغب فيها إلا الأقلون، فالعناية بالدعوة إليها، يجب أن تكون بمقدار بعد الجماهير عنها، فمن ثم جاءت هذه الآيات ببيان أجلى، وأسلوب أفعل وأقوى، كما ستعلم تفسيرها.
رووا في قصة - الذين خرجوا من ديارهم وهم ألف حذر الموت - روايات من الإسرائيليات التي ولع بها المفسرون وكلفوا بتطبيق كتاب الله تعالى عليها، أشهرها أبعدها عن السياق وهي رواية السدي قال: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع جميع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرض: هؤلاء أحرص منا لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانيًا لنخرجن كما خرجوا، فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، فلما خرجوا من ذلك الوادي ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه "أتريد أريك كيف أحييهم؟" فقال نعم فقيل له ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.
ثم أوحى الله تعالى إليه ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا ودمًا، ثم ناد: إن الله يأمرك أن تقومي: فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا وكانوا يقولون سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم وكانت أمارات أنهم ماتوا في وجوههم، ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.
أهـ.
على هذه الرواية اقتصر (الجلال) مع علمه بأن السدي هذا هو محمد ابن مروان الكوفي المفسر الكذاب كما قال ابن جرير وغيره وذكر في عددهم أقوالًا أربعة آلاف وأكثرها سبعون ألفًا، وأنهم عاشوًا دهرًا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم!!!
وهناك رواية أخرى وهي أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل استنفر عسكره للقتال فأبوا؛ لأن الأرض التي دعوا إلى قتالها موبوءة، فأماتهم الله ثمانية أيام حتى انتفخوا وعجز بنو إسرائيل عن دفنهم فأحياهم الله تعالى وبقي فيهم شيء من ذلك النتن.
وفي بعض القصص أن ذلك انتقل إلى ذريتهم وسيبقى فيهم حتى ينقرضوا!
وقلما تجد في العلماء من ينبه الناس لهذه الأكاذيب.
والرواية الثالثة هي أن حزقيل النبي ندب قومه إلى القتال فكرهوا وجبنوا فأرسل الله عليهم الموت فكثر فيهم فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، فدعا عليهم نبيهم فأرسل الله الموت على الخارجين، ثم ضاق صدره فدعا الله فأحياهم، ولكن هذا لم يذكر في نبوة حزقيال من كتب العهد العتيق، ولا في غيرها.
قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ والاستفهام هنا للتعجب والعبرة، والخطاب لكل من بلغه، والرؤية بمعنى العلم، والعبارة استعملت استعمال المثل فهي توجه إلى من لم ير ولم يعلم ذلك، والتقدير: ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ فإن حالهم عجيبة من حقها ألا تجهل، فإنهم في كثرتهم أحقاء بأن يكونوا لهم من الشجاعة ما يربأ بهم عن الخروج من وطنهم حذرًا من الموت.
وفي تفسير ابن كثير عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل أي لا قصة واقعة.
أطلق القرآن القول في هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ولم يعين عددهم ولا أمتهم ولا بلدهم ولو علم لنا خيرًا في التعيين والتفصيل لتفضل علينا بذلك في كتابه المبين، فنأخذ القرآن على ما هو عليه لا ندخل فيه شيئًا من الروايات الإسرائيلية التي ذكروها، وهي صارفة عن العبرة لا مزيد كمال فيها، والمتبادر من السياق أن أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفًا أي كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت.
وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله، وقال أبو الطيب: يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم وقال (الجلال):"إن الاستفهام بها استفهام تعجيب وتشويق".
أي أن الاستفهام الحقيقي ممتنع من الله تعالى ولذلك كان أكثر استفهام القرآن للإنكار أو للتقرير.
ولكن الاستفهام هنا لشيء آخر وهو ما يحدث العجب للنبي ويوجب الشوق له إلى ما يقص عليه، والمعنى ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم إلخ، والرؤية بمعنى العلم يمتنع أن تكون بصرية.
ولم يقل ألم تعلم للإشعار بأن الأمر المحكي عنه قد انتهى في الوضوح والتحقيق إلى مرتبة المرئي.
وهذا لا يمنع أن يكون بين الجملة المبدوءة بواو الاستئناف وبين ما قلبها تناسب وارتباط في المعنى غير ارتباط العطف والمشاركة في الإعراب، كما هو الشأن هنا، فإن الآية الأولى مبينة لفائدة القتال في الدفاع عن الحق أو الحقيقة، والثانية آمرة به بعد تقرير حكمته وبيان وجه الحاجة إليه، فالارتباط بينهما شديد الأواخي، لا يعتريه التراخي.
خرجوا فارين ﴿ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ أي أماتهم بإمكان العدو منهم، فالأمر أمر التكوين لا أمر التشريع أي قضيت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أتوه من سبب الموت، وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار، ففتك بهم وقتل أكثرهم، ولم يصرح بأنهم ماتوا لأن أمر التكوين عبارة عن مشيئته سبحانه فلا يمكن تخلفه وللاستغناء عن التصريح بقوله بعد ذلك ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ وإنما يكون الإحياء بعد الموت.
والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصية، لأن المراد بيان سنته تعالى في الأمم التي تجبن فلا تدافع العادين عليها، ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف.
فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم، وأزال استقلال أُمتهم، حتى صارت لا تعد أُمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم، مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم.
وذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبًا لهم، ومطهرًا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة.
أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم قوية فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال، فهذا معنى حياة الأمم وموتها.
يموت قوم منهم باحتمال الظلم، ويذل الآخرون حتى كأنهم أموات، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحية، من حفظ سياج الوحدة، وحماية البيضة، بتكافل أفراد الأمة ومنعتهم، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات، والاستعداد لما هو آت، ويتعلمون من فعل عدوهم بهم كيف يدفعونه عنهم.
قال علي كرم الله وجهه: إن بقية السيف هي الباقية، أي التي يحيا بها أولئك الميتون، فالموت والإحياء واقعان على القوم في مجموعهم، على ما عهدنا في أسلوب القرآن إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأولين، بمثل قوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ وغير ذلك، وقلنا إن الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمة وتكافلها، وتأثير سيرة بعضها في بعض حتى كأنها شخص واحد، وكل جماعة منها كعضو منه، فإن انقطع العضو العامل لم يكن ذلك مانعًا من مخاطبة الشخص بما عمله قبل قطعه، وهذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربي يقال: هجمنا على بني فلان حتى أفنيناهم أو أتينا عليهم، ثم أجمعوا أمرهم وكروا علينا (مثلًا) وإنما كر عليهم من بقي منهم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ كافًة بما جعل في موتهم من الحياة إذ جعل المصائب والعظائم محيية للهمم والعزائم، كما جعل الهلع والجبن وغيرهما من الأخلاق التي أفسدها الترف والسرف من أسباب ضعف الأمم، وجعل ضعف أمة مغزيًا لأمة قوية بالوثبان عليها، والاعتداء على استقلالها، وجعل الاعتداء منبهًا للقوى الكامنة في المعتدى عليه، وملجئًا له إلى استعمال مواهب الله فيما وهبت لأجله، حتى تحيا الأمم حياة عزيزة، ويظهر فضل الله تعالى فيها.
والمراد بالفضل هنا الفضل العام وهو أنه تعالى جعل إماتة الناس بما يسلط على الأمة من الأعداء ينكلون بها بمثابة هدم البناء القديم المتداعي، والضرورة قاضية ببناء، فلا جرم تنبعث الهمة إلى هذا البناء الجديد فيكون حياة جديدة للأمة، تفسد الأخلاق بالأمم فتسوء الأعمال، فيسلط الله على فاسدي الأخلاق النكبات ليتأدب الباقي منهم، فيجتهدوا في إزالة الفساد وإدالة الصلاح، ويكون ما هلك من الأمة بمثابة العضو الفاسد المصاب "بالغنغرينا" يبتره الطبيب ليسلم الجسد كله، ومن لا يقبل هذا التأديب الإلهي فإن عدل الله في الأرض يمحقه منها ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ فهذه سنة من سنن الاجتماع بيّنها القرآن وكان الناس في غفلة عنها ولهذا قال: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ أي لا يقومون بحقوق هذه النعمة، ولا يستفيدون من بيان هذه السنة، أي هذا شأن أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة بهم، فلا تكونوا كذلك أيها المؤمنون بل اعتبروا بما نزل عليكم وتأدبوا به لتستفيدوا من كل حوادث الكون حتى مما ينزل بكم من البلاء إذا وقع منكم تفريط في بعض الشؤون، واعملوا أن الجبن عن مدافعة الأعداء، وتسليم الديار بالهزيمة والفرار، هو الموت المحفوف بالخزي والعار، وأن الحياة العزيزة الطيبة هي الحياة الملية المحفوظة من عدوان المعتدين، فلا تقصروا في حماية جامعتكم في الملة والدين.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ القتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمته، وتأمين دينه ونشر دعوته، والدفاع عن حزبه كي لا يغلبوا على حقهم، ولا يصدوا عن إظهار أمرهم، فهو أعم من القتال لأجل الدين، لأنه يشمل مع الدفاع عن الدين وحماية دعوته الدفاع عن الحوزة إذا هم الطامع المهاجم باغتصاب بلادنا والتمتع بخيرات أرضنا، أو أراد العدو الباغي إذلالنا، والعدوان على استقلالنا، ولو لم يكن ذلك لأجل فتنتنا في ديننا، فهذا الأمر مطلق كأنه أمر لنا بأن نتحلى بحلية الشجاعة، ونتسربل بسرابيل القوة والعزة، لتكون حقوقنا محظوظة، وحرمتنا مصونة، لا نؤخذ من جانب ديننا، ولا نغتال من جهة دنيانا، بل نبقى أعزاء الجانبين، جديرين بسعادة الدارين، ألا ترى أن من ساق الله لنا العبرة بحالهم، وذكرنا بسنته في موتهم وحياتهم، لم يذكر أنهم قوتلوا لأجل الدين، فالقتال لحماية الحقيقة كالقتال لحماية الحق كله جهاد في سبيل الله، فتفسير (الجلال) سبيل الله بإعلاء دينه تقييد لمطلق وتخصيص لقول عام من غير دليل، وقد اتفق الفقهاء على أن العدو إذا دخل دار الإسلام، يكون قتاله فرض عين.
ذكرنا الله تعالى بعد هذا الأمر بأنه سميع عليم لينبهنا على مراقبته فيما عسى أن نعتذر به عن أنفسنا في تقصيرها عن امتثال هذا الأمر في وقته، وأخذ الأهبة له قبل الاضطرار إليه، أمرنا أن نعلم أنه سميع لأقوال الجبناء في اعتذارهم عن أنفسهم، ماذا نعمل؟
ما في اليد حيلة، ليس لها من دون الله كاشفة، ليس لنا من الأمر شيء، لو كان لنا الأمر شيء ما قعدنا ههنا.
فهذه الألفاظ في هذا المقام مفتاح الجبن، وعلل الخوف والحزن، فهي عند أهلها تعلات وأعذار، وعند الله تعالى ذنوب وأوزار، وما كان منها حقًا في نفسه فهو من الحق الذي أريد به الباطل.
وأن نعلم أنه عليم بما يأتيه مرضى القلوب وضعفاء الإيمان من الحيل والمراوغة، والفرار من الاستعداد والمدافعة، فإذا علمنا هذا وحاسبنا به أنفسنا، عرفنا أن كلًا من المعتذر بلسانه، والمتعلل بفعاله، مخادع لربه ولنفسه وقومه، وكثير من الناس يهزأ بنفسه وهو لا يدري إذ يصدق ما يعتاده من التوهم، وهذه شنشنة المخذولين الذين ضربت عليهم الذلة وخيم عليهم الشقاء، تعمل فيهم هذه الوساوس ما لا تعمل الحقائق، وقد أنذرنا الله تعالى أن نكون مثلهم بتذكيرنا بأنه سميع عليم، لا يخادع ولا يخفى عليه شيء.
<div class="verse-tafsir"