الآية ٢٥٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٧ من سورة البقرة

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير ، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات ، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات ; لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [ الأنعام : 153 ] وقال تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] وقال تعالى : ( عن اليمين والشمائل ) [ النحل : 48 ] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق ، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال : يبعث أهل الأهواء أو قال : يبعث أهل الفتن ، فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة ، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة ، ثم قرأ هذه الآية : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " الله ولي الذين آمنوا "، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه= (1) " يخرجهم من الظلمات " يعني بذلك: (2) .

يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

وإنما عنى ب " الظلمات " في هذا الموضع، الكفر.

وإنما جعل " الظلمات " للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه.

فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر [عن ] أبصار القلوب.

(3) .

ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: " والذين كفروا "، يعني الجاحدين وحدانيته=" أولياؤهم "، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم=" الطاغوت "، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله=" يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يعني ب " النور " الإيمان، على نحو ما بينا=" إلى الظلمات "، ويعني ب " الظلمات " ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 5856 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، يقول: من الضلالة إلى الهدى=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت "، الشيطان: =" يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يقول: من الهدى إلى الضلالة.

5857 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يخرجونهم من الإيمان إلى الكفر.

(4) .

5858 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله تعالى ذكره: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، يقول: من الكفر إلى الإيمان=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يقول: من الإيمان إلى الكفر.

&; 5-426 &; 5859- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد أو مقسم في قول الله: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، قال: كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى= أي: يخرج الذين كفروا بعيسى إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم= (5) " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت "، آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم= قال: " يخرجونهم من النور إلى الظلمات ".

(6) .

5860 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، إلى أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به، وأنـزلت فيهم هذه الآية.

(7) .

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة &; 5-427 &; يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها -إذ كان الأمر كما وصفنا- نـزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى، وسائر الملل التي كان أهلها يكذِّب بعيسى.

* * * فإن قال قائل: أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فكذَّبوا به؟

قيل: من كان منهم على ملة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق، وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: 136].

* * * فإن قال قائل: فهل يحتمل أن يكون قوله: " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وعبدة: (8) أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى، أو غير أهل الردة والإسلام؟

(9) .

قيل: نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإيمان، ويضلونهم فيكفرون، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإيمان، يعني صدهم إياهم عنه، وحرمانهم إياهم خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل، كقول الرجل: " أخرجني والدي من ميراثه "، إذا ملك ذلك في حياته غيره، فحرمه منه حظَّه= (10) ولم يملك ذلك القائل هذا &; 5-428 &; الميراث قط فيخرج منه، ولكنه لما حرمه، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه، قيل: " أخرجه منه "، وكقول القائل: " أخبرني فلان من كتيبته "، يعني لم يجعلني من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك.

فكذلك قوله: " يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، محتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر على هذا المعنى، (11) وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية.

(12) .

* * * فإن قال لنا قائل: وكيف قال: " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور "، فجمع خبر " الطاغوت " بقوله: " يخرجونهم "، و " الطاغوت " واحد؟

قيل: إن " الطاغوت " اسم لجماع وواحد، وقد يجمع " طواغيت ".

وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد، كان نظير قولهم: " رجل عدل، وقوم عدل " و " رجل فطر وقوم فطر "، (13) وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي موحدا في اللفظ واحدها وجمعها، (14) وكما قال العباس بن مرداس: فَقُلْنَـــا أَسْــلِمُوا إِنَّــا أَخُــوكُمْ فَقَـدْ بَـرِئَتْ مِـنَ الإِحَـنِ الصُّـدُورُ (15) * * * &; 5-429 &; القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: هؤلاء الذين كفروا=" أصحاب النار "، أهل النار الذين يخلدون فيها- يعني في نار جهنم- دون غيرهم من أهل الإيمان، إلى غير غاية ولا نهاية أبدا.

(16) .

--------------- الهوامش : (1) انظر تفسيره"الولى" فيما سلف 2 : 488 ، 489 / ثم : 563 ، 564 .

(2) انظر القول في"الظلمات" فيما سلف 1 : 338 .

(3) الزيادة بين القوسين ، لا غنى عنها ، وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .

(4) في المخطوطة : "من الظلمات إلى الكفر" ، وهو خطأ بين جدا .

(5) في المطبوعة : "أي : يخرج الذين آمنوا إلى الإيمان بمحمد..." ، وهو لايستقيم ، وفي المخطوطة : "فلما بعث الله محمدا آمن به الذين كفروا بعيسى ، وكفر به الذين آمنوا بعيسى إلى الإيمان بمحمد..." سقط من الناسخ لعجلته : "أي يخرج الذين كفروا بعيسى" ، وهو ما أثبته استظهارا من سياق الكلام ، ومن الأثر بالتالي ، على خطئه فيه ، ومن الدر المنثور 1 : 230 ، وانظر التعليق على الأثر التالي .

(6) الأثر : 5859 ، -"عبدة بن أبي لبابة الأسدي" روي عن ابن عمر وزر بن حبيش وأبي وائل ومجاهد وغيرها من ثقات أهل الكوفة .

مترجم في التهذيب ، وكان في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع"عبدالله بن أبي لبابة"" ، وهو خطأ ، وسيأتي فيهما على الصواب في الأثر التالي .

(7) في المطبوعة والمخطوطة : "فلما جاءهم محمد صلى الله عليه آمنوا به" .

والصواب ما أثبت ، أخطأ في نسخه وعجل .

وانظر الدر المنثور 1 : 230 ، ففيه الصواب ، وهو الذي يدل عليه سياق الطبري فيما سيأتي أيضًا .

(8) في المطبوعة : "مجاهد وغيره" .

وهي في المخطوطة : "عنده" غير منقوطة وإنما عنى عبدة ابن أبي لبابة ، كما في الآثار السالفة ، وما بعدها .

(9) في المخطوطة والمطبوعة : "الردة والإسلام" وهو هنا عطف لا يستقيم ، فإنه إنما عنى المرتدة عن الإسلام .

(10) في المطبوعة : "فحرمه منه خطيئة" ، وهو كلام خلو من المعنى .

وفي المخطوطة : "فحرمه منه حطه" غير منقوطة ، وكلها فاسدة .

أن المعنى : إذا ملك الميراث غير أبيه ، فحرمه حظه من ميراث أبيه .

والحظ : النصيب .

(11) في المطبوعة : "يحتمل" بالياء في أوله ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12) في المطبوعة والمخطوطة معا : "مجاهد وغيره" ، وهو خطأ ، وانظر التعليق السالف : ص : 427 تعليق : 1 .

(13) أي رجل مفطر ، وقوم مفطرون .

(14) في المطبوعة : "التي تأتي موحدة في اللفظ..." ، وفي المخطوطة : "التي يأتي موحد في اللفظ"والصواب ما أثبت .

(15) سيرة ابن هشام 4 : 95 واللسان (أخو) ومجاز القرآن 1 : 79 ، من قصيدة له طويلة في يوم حنين ، وفي هزيمة هوازن : ويذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه ، وذا الخمار وحبسه قومه للموت ، وبعد البيت: كــأن القــوم - إذ جــاؤوا إلينـا مـن البغضـاء بعـد السـلم - عـور وهو يخاطب هوازن بن منصور بن عكرمة ، إخوة سليم بن منصور ، وهم قوم العباس بن مرداس السلمي .

وهذا البيت يجعلونه شاهدا على جمع"أخ" بالواو والنون كقول عقيل بن علقة المري: وكــان بنــو فــزارة شـر عـم وكــنت لهـم كشـر بنـي الأخينـا فقوله : "أخوكم" ، أي : إخوتكم .

فهذا وجه آخر غير الذي استشهد له بهذا البيت والشاهد على قوله الطبري ما جاء في الأثر : "أنتم الوالد ونحن الولد" .

والإحن جمع إحنة : وهي الحقد الغالب .

(16) انظر تفسير"أصحاب النار""وخالدون" فيما سلف 2 : 286 ، 287/ 4 : 317 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدونقوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا الولي فعيل بمعنى فاعل .

قال الخطابي : الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين ، قال الله عز وجل : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقال ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ، قال قتادة : الظلمات الضلالة ، والنور الهدى ، وبمعناه قال الضحاك والربيع .

وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : قوله الله ولي الذين آمنوا نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات .

قال ابن عطية : فكأن هذا المعتقد أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى الظلمات ، ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص ، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب ، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه مغويه ، كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو معه معد وأهل للدخول فيه ، وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم ، عدلا منه ، لا يسأل عما يفعل .

وقرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " يعني الشياطين ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال: { الله ولي الذين آمنوا } وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } فتولوا الشيطان وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة، فلهذا قال تعالى: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا ) ناصرهم ومعينهم وقيل : محبهم ، وقيل متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره وقال الحسن : ولي هدايتهم ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) أي من الكفر إلى الإيمان قال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام ، وجعل الظلمات والنور " فالمراد منه الليل والنهار سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) قال مقاتل : يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رءوس الضلالة ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) يدعونهم من النور إلى الظلمات والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال تعالى في المذكر والواحد : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) ( 60 - النساء ) وقال في المؤنث : " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها " ( 17 - الزمر ) وقال في الجمع : ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) فإن قيل : قال : يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟

قيل : هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته فلما بعث كفروا به وقيل : هو على العموم في حق جميع الكفار قالوا : منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج كما يقول الرجل لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه كما قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : " إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله " ( 37 - يوسف ) ولم يكن قط في ملتهم ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله ولي» ناصر «الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات» الكفر «إلى النور» الإيمان «والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات» ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله يخرجهم من الظلمات أو في كل من آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به «أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه، يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان.

والذين كفروا أنصارهم وأولياؤهم الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يُخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، أولئك أصحاب النار الملازمون لها، هم فيها باقون بقاء أبديًا لا يخرجون منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - :( الله وَلِيُّ الذين .

.

.

)( وَلِيُّ ) : الناصر والمعين الحليف .

مأخوذ من الولاية بمعنى النصرة .والمعنى : الله الذي بيده ملكوت كل شيء ( وَلِيُّ الذين آمَنُواْ ) أي معينهم وناصرهم ومتولي أمورهم ، فهو - سبحانه - الذي يخرجهم من ظلمات الكفر ، ومن ضلالات الشرك والفسوق والعصيان إلى نور الحق والهداية والتحرر من الأوهام .

أما الذين كفروا فأولياؤهم ونصراؤهم الطاغوت الذي يتمثل في الشيطاطين والأصنام والأوهام المورثة والكبرياء والمضلين ، وهؤلاء يخرجونهم بسبب انطماس بصيرتهم وانتكاسهم في المعاصي من نور الإِيمان والهداية إلى ظلمات الكفر والضلالة .

أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا مؤبداً .وأفرد - سبحانه - النور وجمع الظلمات ، لأن الحق واحد أما الظلمات فقد تعددت فنونها وألوانها وأسبابها .

وفي تقديم ( والذين كفروا ) في قوله :( والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت ) إشارة إلى أنهم هم الذين ارتضوا سأن يكون الطغيان مسيطراً على قلوبهم لأن كفرهم بالله - تعالى - هو الذي جعل الشيطان ينفذ إلى أقطار نفوسهم بسهولة ويسر .وقوله : ( والذين كفروا ) مبتدأ ( أَوْلِيَآؤُهُمُ ) مبتدأ ثان ، و ( الطاغوت ) خبره والجملة خبر المبتدأ الأول .ولم يقل - سبحانه - والطاغوت ولي الذين كفروا للاحتراز عن وضع اسم الطاغوت في مقابل لفظ الجلالة .فإن قيل : وهل كان الكافرون في نور ثم أخرجوا منه؟

فالجواب أن المراد يخرجونهم من النور الفطري الذي جعل عليه الناس كافة أو من نور الحجج الواضحات التي من شأنها أن تحمل كل عاقل على الدخول في الإِسلام .

وقيل المراد بهؤلاء المخرجين من النور إلى الظلمات أولئك الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ثم كفروا به بعدها والإِشارة في قوله : ( أولئك ) تعود إلى الذين كفروا .

وفي التعبير " بأصحاب النار " إشعار بأنهم ملازمون لها كما يلازم المالك ما يملكه والرفيق رفيقه .

وقوله ( هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) تأكيد لبقائهم فيها واختصاصهم بها .وبذلك تكون الآية الكريمة قد ساقت أحسن البشارات للمؤمنين ، وأشد العقوبات للكافرين الذين استحبوا العمى على الهدى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: (الولى) فعيل بمعنى فاعل من قولهم: ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي، وأصله من الولي الذي هو القرب، قال الهذلي: وعدت عواد دون وليك تشغب *** ومنه يقال: داري تلي دارها، أي تقرب منها، ومنه يقال: للمحب المعاون: ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك، ومنه الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنه المولى ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، بأن قالوا: الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سبباً لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ولأجله قال تعالى: ﴿ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاءهُ إِلاَّ المتقون  ﴾ فجعل القيم بعمارة المسجد ولياً له ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح، ثم إنه تعالى جعل نفسه ولياً للمؤمنين على التخصيص، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم، قالت المعتزلة: هذا التخصيص محمول على أحد وجوه: الأول: أن هذا محمول على زيادة الألطاف، كما ذكره في قوله: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلساً يجري فيه الوعظ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار، ويكون حاله مفارقاً لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولاً على ذلك.

والوجه الثاني: أنه تعالى يثيبهم في الآخرة، ويخصهم بالنعيم المقيم والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولاً عليه.

والوجه الثالث: وهو أنه تعالى وإن كان ولياً للكل بمعنى كونه متكفلاً بمصالح الكل على السوية، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن، فصح تخصيصه بهذه الآية، كما في قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

الوجه الرابع: أنه تعالى ولي المؤمنين، بمعنى: أنه يحبهم، والمراد أنه يحب تعظيمهم.

أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم، ولا يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب، وهذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر، بل المؤمن فعل مالأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف.

أما السؤال الثاني: وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضاً بعيد، لأن ذلك الثواب واجب على الله تعالى، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقاً على الله ذلك الثواب، فيكون وليه هو نفسه ولا يكون الله هو ولياً له.

وأما السؤال الثالث: وهو أن المنتفع بولاية الله هو المؤمن، فنقول: هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا من الله تعالى، فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير.

وأما السؤال الرابع: وهو أن الولاية هاهنا معناها المحبة والجواب: أن المحبة معناها إعطاء الثواب، وذلك هو السؤال الثاني، وقد أجبنا عنه.

أما قوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله، لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان، وذلك يناقض صريح الآية.

أجابت المعتزلة عنه من وجهين: الأول: أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل، وإرسال الأنبياء، وإنزال الكتب، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه، وقال القاضي: قد نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضالهم، فإن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى.

والوجه الثاني: أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة قال القاضي: هذا أدخل في الحقيقة، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله.

والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل، مجاز في الحث والترغيب، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة والثاني: أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجباً، والمرجوح ممتنعاً، وحينئذ يبطل قول المعتزلة وإن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج.

وأما السؤال الثاني: وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضاً مدفوع من وجهين: الأول: قال الواقدي: كل ما كان في القرآن ﴿ مِنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ فإنه يعني به الليل والنهار، وقال: وجعل الكفر ظلمة، لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

والجواب الثاني: أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان، ثم هاهنا قولان: القول الأول: أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافراً ثم أسلم، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما: قال مجاهد: هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام وثانيتها: أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمةً وكفراً، لأن القول بالاتحاد كفر، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام وثالثتها: أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

والقول الثاني: أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات ألبتة، ويدل على جوازه: القرآن والخبر والعُرْف، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا  ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال: ﴿ لَمَّا ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى  ﴾ ولم يكن نزل بهم عذاب ألبتة، وقال في قصة يوسف عليه السلام: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله  ﴾ ولم يكن فيها قط، وقال: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر  ﴾ وما كانوا فيه قط، وأما الخبر فروي أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال على الفطرة، فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال خرج من النار، ومعلوم أنه ما كان فيها، وروي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال: تتهافتون في النار تهافت الجراد، وها أنا آخذ بحجزكم، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له: أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئاً، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات.

فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع مشابهة، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ فاعلم أنه قرأ الحسن ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطواغيت ﴾ واحتج بقوله تعالى بعده ﴿ يُخْرِجُونَهُم ﴾ إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضاً قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع.

أما قوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات ﴾ فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى، قالوا: لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازاً باتفاق، لأن المراد من الطاغوت على أظهر الأقوال هو الصنم ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ فأضاف الإضلال إلى الصنم، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازاً، خرجت عن أن تكون حجة لكم.

ثم قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معاً، فيكون زجراً للكل ووعيداً، لأن لفظ ﴿ أولئك ﴾ إذا كان جمعاً وصح رجوعه إلى كلا المذكورين، وجب رجوعه إليهما معاً، والله تعالى أعلم بالصواب.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ ﴾ أي أرادوا أن يؤمنوا يلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان ﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ أي صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك.

أو الله وليّ المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ﴾ الشياطين ﴿ يُخْرِجُونَهُم ﴾ من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مُحِبُّهُمْ، أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ مَن أرادَ إيمانَهُ وثَبَتَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُؤْمِنُ.

﴿ يُخْرِجُهُمْ ﴾ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.

﴿ مِنَ الظُّلُماتِ ﴾ ظُلُماتِ الجَهْلِ واتِّباعِ الهَوى وقَبُولِ الوَساوِسِ والشُّبَهِ المُؤَدِّيَةِ إلى الكُفْرِ.

﴿ إلى النُّورِ ﴾ إلى الهُدى المُوصِلِ إلى الإيمانِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِنهُما، أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ، أوْ مُقَرِّرٌ لِلْوِلايَةِ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أوِ المُضِلّاتُ مِنَ الهَوى والشَّيْطانِ وغَيْرِهِما.

﴿ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ ﴾ مِنَ النُّورِ الَّذِي مُنِحُوهُ بِالفِطْرَةِ، إلى الكُفْرِ وفَسادِ الِاسْتِعْدادِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ، أوْ مِن نُورِ البَيِّناتِ إلى ظُلُماتِ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى الطّاغُوتِ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ لا يَأْبى تَعَلُّقَ قُدْرَتِهِ تَعالى وإرادَتِهِ بِهِ.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُقابَلَتِهِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله ولي الذين آمنوا} أرادوا أن يؤمنوا أي ناصرهم ومتولي أمورهم {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات} من ظلمات الكفر والضلالة وجمعت لاختلافها {إِلَى النور} إلى الإيمان والهداية ووحد لاتحاد الإيمان {والذين كَفَرُواْ} مبتدأ والجملة هى {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت} خبره {يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات} وجمع لأن الطاغوت في معنى الجمع يعني والذين صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات الذي يظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة {أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ مُعِينُهم أوْ مُحِبُّهم أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ مَن أرادَ الإيمانَ أوْ ثَبَتَ في عِلْمِهِ تَعالى إيمانُهُ أوْ آمَنَ بِالفِعْلِ ﴿ يُخْرِجُهُمْ ﴾ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وهو تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ ولِيُّ ﴾ ، ﴿ مِنَ الظُّلُماتِ ﴾ التّابِعَةِ لِلْكُفْرِ أوْ ظُلُماتِ المَعاصِي أوِ الشُّبَهِ كَيْفَ كانَتْ، ﴿ إلى النُّورِ ﴾ أيْ نُورِ الإيمانِ أوْ نُورِ الطّاعاتِ أوْ نُورِ الإيقانِ بِمَراتِبِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ الإخْراجَ هُنا بِالمَنعِ فالمَعْنى يَمْنَعُهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الظُّلُماتِ واقْتَصَرَ الواقِدِيُّ في تَفْسِيرِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ والإيمانِ وحَمْلِ كُلِّ ما في القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ سِوى ما في الأنْعامِ [1] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما هُناكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ الظُّلُماتُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِها ويُحْمَلُ النُّورُ أيْضًا عَلى ما يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِهِ، ويُجْعَلُ في مُقابَلَةِ كُلِّ ظُلْمَةٍ مَخْرَجٌ مِنها نُورٌ مُخْرَجٌ إلَيْهِ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيُخْرِجُ مَن شاءَ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلى نُورِ العِيانِ، ومِن ظُلْمَةِ الوَحْشَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ، ومِن ظُلْمَةِ عالَمِ الأشْباحِ إلى نُورِ عالَمِ الأرْواحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ «مِمّا لا، ولا» وأفْرَدَ النُّورَ لِوَحْدَةِ الحَقِّ كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، أوْ أنَّ الأوَّلَ: إيماءٌ إلى القِلَّةِ، والثّانِي: إلى الكَثْرَةِ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ أرادُوا الكُفْرَ أوْ ثَبَتَ كُفْرُهم في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أوْ كَفَرُوا بِالفِعْلِ ﴿ أوْلِياؤُهُمُ ﴾ حَقِيقَةً أوْ فِيما عِنْدَهم ﴿ الطّاغُوتُ ﴾ أيِ الشَّياطِينُ أوِ الأصْنامُ أوْ سائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طُرُقِ الحَقِّ، والمَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(أوْلِياؤُهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(اَلطّاغُوتُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والجُمْلَةُ الحاصِلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، قِيلَ: ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ وضْعِ الطّاغُوتِ في مُقابَلَةِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ مَعَ الإيماءِ إلى التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى مِن جِهَةِ التَّعْبِيرِ أيْضًا، وقُرِئَ (اَلطَّواغِيتُ) عَلى الجَمْعِ وصَحَّ جَمْعُهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ صارَ اِسْمًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ يُخْرِجُونَهُمْ ﴾ بِالوَساوِسِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِكَوْنِهِمْ بِحالَةٍ جَرَّتْ اِعْتِقادَهم فِيهِمُ النَّفْعَ والضُّرَّ وأنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ تَعالى زُلْفى، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهم مِنهم حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِمْ مَجازٌ مِن بابِ النِّسْبَةِ إلى السَّبَبِ فَلا يَأْبى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ ﴿ مِنَ النُّورِ ﴾ أيِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً، أوْ نُورِ البَيِّناتِ المُتَتابِعَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها بِتَنْزِيلٍ تُمَكِّنُهم مِنَ الِاسْتِضاءَةِ بِها مَنزِلَةَ نَفْسِها فَلا يَرِدُ أنَّهم مَتى كانُوا في نُورٍ لِيَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُقابَلَةِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْراجَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ وهو لا يَقْتَضِي سابِقِيَّةِ الدُّخُولِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ اِرْتَدُّوا فَلا شَكَّ في أنَّهم حِينَئِذٍ أُخْرِجُوا مِنَ النُّورِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهو نُورُ الإيمانِ ﴿ إلى الظُّلُماتِ ﴾ وهي ظُلُماتُ الكُفْرِ والِانْهِماكِ في الغَيِّ وعَدَمِ الِارْعِواءِ والِاهْتِداءِ بِما يَتْرى مِنَ الآياتِ ويُتْلى، والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِوِلايَةِ الطّاغُوتِ فالِانْفِصالُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا كَما مَرَّ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اِتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الكُفّارِ وأوْلِيائِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ أصْحابُ النّارِ ﴾ أيْ مُلابِسُوها ومُلازِمُوها لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ماكِثُونَ أبَدًا، وفي هَذا وعْدٌ وتَحْذِيرٌ لِلْكافِرِينَ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُقابَلَتِهِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِتَعْظِيمِهِمْ وأنَّ أمْرَهم غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى البَيانِ وأنَّ شَأْنَهم أعْلى مِن مُقابَلَةِ هَؤُلاءِ، أوْ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم لا تَفِي بِبَيانِهِ العِبارَةُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ولِيُّ المُؤْمِنِينَ) دَلَّ عَلى الوَعْدِ وكَفى بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، أي حافظهم ومعينهم وناصرهم.

يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، يعني من الكفر إلى الإيمان.

واللفظ لفظ المستقبل والمراد به الماضي، يعني أخرجهم.

ويقال: ثبتهم على الاستقامة كما أخرجهم من الظلمات.

ويقال: يخرجهم من الظلمات، أي من ظلمة الدنيا ومن ظلمة القبر ومن ظلمة الصراط إلى الجنة.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، يعني اليهود أولياؤهم كعب بن الأشرف وأصحابه.

ويقال: المشركون أولياؤهم الشياطين.

يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، يعني يدعونهم إلى الكفر، كما قال في آية أخرى: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ [إبراهيم: 5] ، يعني ادع قومك.

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، يعني أهل النار هُمْ فِيهَا خالدون أي دائمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ» ، عن غَالِبٍ القَطَّان «١» ، قال: مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ: يَا غَالِبُ قُلْ: يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ.

انتهى من «غاية المغنم» .

قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ: الدِّينُ، في هذه الآية:

هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف «٢» ، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة «٣» ، وقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ:

معناه: بنصب الأدلّة، ووجود الرسول صلّى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ:

مصْدَر من قولك: رَشِدَ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، والغيُّ مصدر من: غَوِيَ يغوى، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال: الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من: طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره: هو الشَّيْطَان «٤» ، وقيل: هو السَّاحِر، وقيل: الكَاهِنُ، وقيل:

الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء: كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ.

ع «١» : وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد: العروةُ الوثقَى:

الإِيمانُ «٢» ، وقال السُّدِّيُّ: الإِسلام «٣» ، وقال ابن جُبَيْر وغيره: لا إِله إِلا الله «٤» .

قال ع «٥» : وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ.

والاِنْفِصَامُ: الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة «٦» ، والقَصْم كسر بالبينونة.

ت: وفي «الموطّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ» «٧» .

قال أبو عُمَر في «التمهيد» : قوله: «فَيَفْصِمُ عَنِّي» : معناه: ينفرجُ عنِّي، ويذهب كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها/، قال الله عز وجلّ: ٦٥ ب فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب: أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: مُتَوَلِّي أُمُورَهم، يَهْدِيهِمْ، ويَنْصُرُهم، ويُعِينُهم.

والظُّلُماتُ: الضَّلالَةُ، والنُّورِ: الهُدى، والطّاغُوتُ: الشَّياطِينُ، هُنا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ في آَخَرِينَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ اليَهُودُ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والطّاغُوتُ هاهُنا: واحِدٌ في مَعْنى جَماعَةٍ، وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى الجَماعَةِ.

قالَ الشّاعِرُ: بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ أرادَ جُلُودَها، فَإنْ قِيلَ: مَتى كانَ المُؤْمِنُونَ في ظُلْمَةٍ؟

ومَتى كانَ الكُفّارُ في نُورٍ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ عِصْمَةَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُواقَعَةِ الضَّلالِ، إخْراجٌ لَهم مِن ظَلامِ الكُفْرِ، وتَزْيِينِ قُرَناءَ الكُفّارِ لَهُمُ الباطِلَ الَّذِي يَحِيدُونَ بِهِ عَنِ الهُدى، إخْراجٌ لَهم مِن نُورِ الهُدى، و"الإخْراجُ" مُسْتَعارٌ هاهُنا.

وقَدْ يُقالُ: لِلْمُمْتَنِعِ مِنَ الشَّيْءِ: خَرَجَ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهِ.

قالَ تَعالى: ﴿ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  ﴾ وقالَ: ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ  ﴾ .

وقَدْ سَبَقَتْ شَواهِدُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابِ بِالنَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ نُورٌ لَهم، وكَفْرُهم بِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ، خُرُوجٌ إلى الظُّلُماتِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُ رَسُولِ اللَّهِ  ، كانَ المُخالِفُ لَهُ خارِجًا مِن نُورٍ قَدْ عَلِمَهُ، والمُوافِقُ لَهُ خارِجًا مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أولِياؤُهُمُ الطاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُورِ إلى الظُلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ الوَلِيُّ: فَعِيلٌ مِن ولِيَ الشَيْءَ إذا جاوَرَهُ ولَزِمَهُ، فَإذا لازَمَ أحَدٌ أحَدًا بِنَصْرِهِ ووُدِّهِ واهْتِبالِهِ فَهو ولِيُّهُ، هَذا عُرْفُهُ في اللُغَةِ.

قالَ قَتادَةُ: "الظُلُماتِ" الضَلالَةُ و"النُورِ" الهُدى، وبِمَعْناهُ قالَ الضَحّاكُ، والرَبِيعُ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وعَبْدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ - نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ  كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ النُورِ إلى الظُلُماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا القَوْلَ أحْرَزَ نُورًا في المُعْتَقَدِ خَرَجَ مِنهُ إلى ظُلُماتٍ، ولَفْظُ الآيَةِ مُسْتَغْنٍ عن هَذا التَخْصِيصِ، بَلْ هو مُتَرَتِّبٌ في كُلِّ أُمَّةٍ كافِرَةٍ آمَنَ بَعْضُها كالعَرَبِ، ومُتَرَتِّبٌ في الناسِ جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم فاللهُ ولِيُّهُ، أخْرَجَهُ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومَن كَفَرَ بَعْدَ وُجُودِ الداعِي النَبِيِّ المُرْسَلِ فَشَيْطانُهُ ومُغْوِيهِ كَأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الإيمانِ إذْ هو مُعَدٌّ وأهْلٌ لِلدُّخُولِ فِيهِ.

وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن مَنَعَكَ الدُخُولَ في أمْرٍ: أخْرَجْتَنِي يا فُلانُ مِن هَذا الأمْرِ، وإنْ كُنْتَ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ البَتَّةَ.

ولَفْظَةُ الطاغُوتِ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ولِذَلِكَ قالَ "أولِياؤُهُمُ" بِالجَمْعِ، إذْ هي أنْواعٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أولِياؤُهُمُ الطَواغِيتُ" يَعْنِي الشَياطِينَ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالخُلُودِ في النارِ لِكُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وقع قوله: ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ الآية موقع التعليل لقوله: ﴿ لا انفصام لها ﴾ [البقرة: 256] لأنّ الذين كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله قد تولّوا الله فصار وليّهم، فهو يقدّر لهم ما فيه نفعهم وهو ذبّ الشبهات عنهم، فبذلك يستمر تمسّكهم بالعروة الوثقى ويأمنون انفصامها، أي فإذا اختار أحد أن يكون مسلماً فإنّ الله يزيده هدى.

والولي الحَليف فهو ينصر مولاه.

فالمراد بالنور نور البرهان والحق، وبالظلمات ظلمات الشبهات والشك، فالله يزيد الذين اهتدوا هدى لأنّ اتِّباعهم الإسلام تيسير لطرق اليقين فهم يزدادون توغّلا فيها يوماً فيوماً، وبعكسهم الذين اختاروا الكفر على الإسلام فإنّ اختيارهم ذلك دل على ختم ضُرب على عقولهم فلم يهتدوا، فهم يزدادون في الضلال يوماً فيوماً.

ولأجل هذا الازدياد المتجدّد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في يخرجهم ويخرجونهم وبهذا يتضّح وجه تعقيب هذه الآيات بآية ﴿ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم ﴾ [البقرة: 258] ثم بآية ﴿ أوْ كالذي مر على قرية ﴾ [البقرة: 259] ثم بآية ﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تُحْيي الموتى ﴾ فإنّ جميعها جاء لبيان وجوه انجلاء الشك والشبهات عن أولياء الله تعالى الذين صدق إيمانهم، ولا داعي إلى ما في «الكشاف» وغيره من تأويل الذين آمنوا والذين كفروا بالذين أرادوا ذلك، وجَعْل النور والظلمات تشبيهاً للإيمان والكفر، لِما علمت من ظهور المعنى بما يدفع الحاجة إلى التأويل بذلك، ولا يحسن وقعُه بعدَ قوله: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ﴾ ، ولِقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ فإنّه متعينّ للحمل على زيادة تضليل الكافر في كفره بمزيد الشك كما في قوله: ﴿ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله إلى قوله وما زادوهم غير تتبيب ﴾ [هود: 101]، ولأن الطاغوت كانوا أولياء للذين آمنوا قبل الإيمان فإنّ الجميع كانوا مشركين، وكذلك ما أطال به فخر الدين من وجود الاستدلال على المعتزلة واستدلالهم علينا.

وجملة يخرجهم خبر ثاننٍ عن اسم الجلالة.

وجملة يخرجونهم حال من الطاغوت.

وأعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنّه أسند إليهم ما هو من فِعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مُخرجين.

وتقدم الكلام على الطاغوت عند قوله تعالى: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ [البقرة: 256].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَوَلّاهم بِالنُّصْرَةِ.

والثّانِي: بِالإرْشادِ.

﴿ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ظُلُماتِ الضَّلالَةِ إلى نُورِ الهُدى، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ العَذابِ في النّارِ، إلى نُورِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ ﴾ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الهُدى إلى ظُلُماتِ الضَّلالَةِ.

والثّانِي: يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الثَّوابِ إلى ظُلْمَةِ العَذابِ في النّارِ.

وَعَلى وجْهٍ ثالِثٍ لِأصْحابِ الخَواطِرِ: أنَّهم يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ الحَقِّ إلى ظُلُماتِ الهَوى.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ، وهم لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ؟

فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن لَمْ يَزَلْ كافِرًا، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ لَدَخَلُوا فِيهِ، فَصارُوا بِما فَعَلُوهُ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ أخْرَجَهم مِنهُ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا عَلى الفِطْرَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا حَمَلُوهم عَلى الكُفْرِ أخْرَجُوهم مِن نُورِ فِطْرَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ قال: هم قوم كانوا كفروا بعيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ قال: هم قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد كفروا به.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ومقسم.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ يقول: من الضلالة إلى الهدى.

وفي قوله: ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ يقول: من الهدى إلى الضلالة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: الظلمات الكفر، والنور الإِيمان.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: ما كان فيه الظلمات والنور فهو الكفر والإِيمان.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال: يبعث أهل الأهواء وتبعث الفتن، فمن كان هواه الإِيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية، الوَلِيُّ: فعيل بمعنى فاعل، من قولهم: وَلِيَ فلانٌ الشيءَ يَلِيهِ ولايةً فهو والٍ وَوَليِّ (١) (٢) عدَتْ عَوَادٍ دَون وَليك تَشْعَبُ (٣) ومِنْ هذا يقال: داري تَلِي دارَه، أي، تَقْرُبُ منه، ومن هذا المعنى يقال للنصير المعاون المحب: وَلِيّ، لأنه يقرب منك (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ أىِ: من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية (٨) قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير التي في الأنعام ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  ﴾ ، فإنه يعني الليل والنهار.

وجعل الكفر ظلمات؛ لأنه كالظلمة في المنع من إدراك الحق (٩) وقال الزجاج: لأن أمر الضلالة مظلمٌ غيُر بَيِّن، وأمر الهدى بَيِّنٌ واضح كبيان النور (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ أي: الذين يتولون أمرهم الطاغوت، والطاغوت هاهنا جمع، وقد ذكرناه (١١) وقرأ الحسن: (أوليائهم الطواغيت) على الجمع (١٢) وقال مقاتل: يعنى بالطاغوت هاهنا: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ قال قتادة (١٥) (١٦)  قبل أن يبعث لِما يجدونه في كتبهم من نعته وصفته، فلما بعث جحدوه وأنكروه (١٧) (١٨) ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ  ﴾ وعلى هذا، الطاغوتُ: علماؤهم، يخرجون أتباعهم عما كانوا عليه من الإيمان بمحمد قبل مبعثه، بقولهم: إنه ليس ذلك الذي نُعت (١٩) (٢٠) ووجه إخراجهم من النور ولم يكونوا فيه، أنّ منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجٌ لهم منه، كما تقول: أخرجني والدي من ميراثه، تأويله: أنه (٢١) ﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ  ﴾ ، يريد: ينقل، لأنه لم يكن فيه قط، فسمى النقل ردًا، لأن صورتهما واحدة، ومثله: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  ﴾ أي: صار (٢٢) وروي عن مجاهد: أن هذا في قوم ارتدوا عن الإسلام (٢٣) وأضاف الإضلال والإخراج من النور إلى الطاغوت؛ لأن سبب ذلك من الطاغوت، وهو التزيين والوسوسة والدعاء إليه، فالإضافة إليه لأجل السبب.

وحقيقة الهداية والإضلال لله تعالى: ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ والشيطان يزين ويسول، كما قال النبي  : "بعثت داعيًا وليس إليَّ من الهداية شيء، وخُلِقَ إبليسُ مُزِيِّنًا (٢٤) (٢٥) (١) ليست في (ي).

(٢) خويلد بن خالد بن محرث الهذلي: شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وحسن إسلامه، تقدمت ترجمته.

(٣) عجز بيت وصدره: هجرتْ غضوبُ وحبَّ من يتجنبُ.

ورد في "لسان العرب" 8/ 4922؛ ونُسب لساعدة (مادة: ولى).

(٤) في (ش): (منه ومنك).

(٥) ساقط من (ي).

(٦) ينظر في الولي: "تهذيب اللغة" 4/ 3956، "المفردات" ص 547 - 549، "اللسان" 8/ 4921.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 339.

(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1479.

(٩) نقله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 339، "تفسير الثعلبي" 2/ 1479، "تفسير البغوي" 1/ 315.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 339.

(١١) في (ش): (وقد ذكرنا).

(١٢) ينظر: "المحتسب" لابن جني 1/ 131، وابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص 23، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1481.

(١٣) هو: حيي بن أخطب النضري اليهودي، جاهلي من الأشداء العتاة، كان ينعت بسيد الحاضر والبادي، أدرك الإسلام وآذى المسلمين فأسروه يوم قريظة ثم قتلوه.

ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 229، "الأعلام" 2/ 292.

(١٤) "تفسير مقاتل" 1/ 215، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 315، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 253.

(١٥) ذكره ابن أبي حاتم 2/ 498، والثعلبي 2/ 1482.

(١٦) ذكره عن مقاتل بن حيان: ابن أبي حاتم 2/ 497، والثعلبي 2/ 1482، وقول مقاتل في "تفسيره" 1/ 215.

(١٧) زيادة من (ي).

(١٨) في (ش): (ببيانه).

(١٩) في (ش): (بعث).

(٢٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1482.

(٢١) في (ي): (أن).

(٢٢) قال معد الكتاب للشاملة: هذه الحاشية سقطت من المطبوع، وأصل الحاشية في الصفحة السابقة، بسبب ترحيل الحواشي في أغلب الكتاب، وحقها أن تنقل هنا، وما بقي من هذه الحاشية هو: ....

2/ 1483.

(٢٣) ذكره في "النكت والعيون" 1/ 329.

(٢٤) في (أ) و (م): (من نار).

(٢٥) رواه العقيلي في "الضعفاء" من حديث عمر بن الخطاب، وفيه خالد أبو الهيثم، وابن عدي في "الكامل" في الضعفاء 3/ 471، وقال: في قلبي منه شيء، ولا أدري سمع خالد من سماك أم لا، قال الدارقطني وابن حجر: مجهول، ينظر تنزيه الشريعة1/ 315، "كنز العمال" 1/ 116حديث رقم 546.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت ﴾ جمع الطاغوت هنا وأفرد في غير هذا الموضع؛ فكأنه اسم جنس لما عبد من دون الله، ولمن يضل الناس من الشياطين وبني آدم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: تعرف ممَّا مرَّ.

الوقوف: ﴿ إلا هو ﴾ ج، لأن قوله: ﴿ الحي القيوم ﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿ القيوم ﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ ولا نوم ﴾ ط، ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لابتداء الاستفهام.

﴿ بإذنه ﴾ ط لانتهاء الاستفهام.

﴿ وما خلفهم ﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي.

﴿ بما شاء ﴾ ج لاختلاف الجملتين.

﴿ حفظهما ﴾ ج ﴿ العظيم ﴾ هـ.

﴿ الغي ﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الوثقى ﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي: استمسك بها غير منفصمة ﴿ لها ﴾ ط.

﴿ عليم ﴾ هـ.

﴿ آمنوا ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجهم ﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ ولي ﴾ تقديره: الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿ إلى النور ﴾ ط للفصل بين الفريقين: ﴿ الطاغوت ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجونهم ﴾ حال.

إلى الظلمات ط.

﴿ النار ﴾ ج.

﴿ خالدون ﴾ هـ.

التفسير: قد جرت عادته  في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام، وعلم القصص بعضها ببعض.

والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وفي هذا النسق أيضاً رحمة شاملة ولطف كامل؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه.

وإذ قد تقدَّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد.

فقال ﴿ الله لا إله إلا هو الحى القيوم ﴾ عن النبي  أنه قال " "ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " .

وعن عليّ  : "سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره والأبيات حوله" وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي  : أين أنتم من آية الكرسي؟.

ثم قال: قال رسول الله  "يا علي سيد البشر آدم  ، وسيد العرب أنت، وسيد العالمين محمد  ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي" .

وعن عليّ  أنه قال: "لما كان يوم بدر قاتلتُ ثم جئتُ إلى رسول الله  أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوملا يزيد على ذلك.

ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو  يقول ذلك.

فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له" .واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله  بل هو متعالٍ عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات.

ولنشتغل بالتفسير.

أما لفظ "الله" فقد مرَّ تفسيره في أول الكتاب.

وأما قوله ﴿ لا إله إلاَّ هو ﴾ فقد سبق تفسيره في قوله ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  ﴾ وأما ﴿ الحي القيوم ﴾ فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، إلا أنا نزيد ههنا فنقول: عن ابن عباس: إن أعظم أسماء الله "الحي القيوم".

ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذٍ في السجود.

وأما الدليل العقلي فإن "الحي" قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك.

ونحن نقول إن "الحي" في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملاً في جنسه فإنه يسمَّى حيًّا.

ومن ههنا يصحُّ أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض.

فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة.

ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة.

فالمفهوم من "الحي" هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته.

وأما "القيوم" فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره.

والثاني أنَّ غيره يفتقر في قوامه إليه، وبهذا الثاني يزيد على مفهوم "الحي".

ومن هذين الأصلين يتشعَّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوماً؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيُّن فيكون كلّ منهما مركّباً من جزأين فلا يكون قيوماً ولا حيَّا، فإن كلّ مركّب مفتقِرٌ وكل مفتقِرٍ ممكنٌ؛ ومنها أن لا يكون متّحيزاً لأن كلَّ متّحيزٍ منقسمٌ، قد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ليس في جهة يُشار إليها، وإلا كان متحيزاً؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، وإذا كان حيًّا قيوماً كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، والعلم بالعلة يوجبُ العلم بالمعلول فيكون عالماً بما سواه.

ومنها أنه قادر على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر.

"والحي" أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله "حيو" بدليل الحيوان، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً، جعلنا ياء مشددة، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو.

"والقيوم" مبالغة قائم، وأصله "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة.

ولو كان "قوّوما" على "فعول" لقيل "قووم"، وعن عمر أنه قرأ "الحي القيام".

وقرىء "القيم" ثم لما بين أنه "حي قيوم" أكد ذلك بقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمَّى النعاس، أي: لا/ يأخده نعاس، فضلاً أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولاً، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولاً ضمناً ثم ثانياً صريحاً.

ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم، والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لوسنان نائم.

ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم.

وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجباً بجميع صفاته، فلا يكون حيًّا ولا قيوماً وهذا خلف.

"روي عن النبي  أن موسى  سأل الملائكة: هل ينام ربنا؟

فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه قاروتين مملؤتين ماء في كل يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ.

فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا" .

وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرضين.

وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبيّ الله تجويز النوم على "الحي القيوم" والتجويز شك، والشك في مثله كفر.

ثم لما بيَّن كونه "قيوماً" وأكده بما أكد، رتّب عليه حكماً وهو قوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به، فيكون ملكاً له، ويلزم منه أن يكون حكمه جارياً في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: لا يشفع، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجهٍ من الوجوه إلا بأمره كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ، وإلى الثاني بقوله ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يَكون بعدهم والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول ﴿ مَنْ ذا ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء.

عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة؛ وعن الضحاك والكلبي: ﴿ ما بين أيديهم ﴾ : الآخرة لأنهم يقدمون عليها، "وما خلفهم" الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.

وعن ابن عباس: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من السماء إلى الأرض، "وما خلفهم" يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد/ ذلك، والغرض أنه  عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا بإعلامه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول  ﴾ وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئاً إلا بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى.

ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما عدا السموات والأرضين أعظم وأجلّ، وأنّ ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ يقال وسع فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به.

قال  : " لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" " أي: لم يحتمل غير ذلك.

وأما "الكرسي" فأصله من التركيب والتلبد، ومنه الكرس بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته، وللمفسرين في معناه ههنا أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه.

وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا.

وعن السدي أنه تحت الأرض.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى التشيبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله  .

وههنا أسرارا لا أحبُّ إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبداً من عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره.

وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمِّي أصل كل شيء الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه؛ فإن الملك مكانه الكرسي.

وقيل: المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد عليه.

ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض.

وقيل: المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد.

واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم؛ فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له/ يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم.

وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله مقبل الناس كما تقبَّل أيدي الملوك.

وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين.

وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ ووصف عرشه فقال: ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ ثم قال ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش  ﴾ ثم قال ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية  ﴾ ثم أثبت لنفسه كرسياً.

ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي ﴿ ولا يؤده ﴾ لا يثقله ولا يشق عليه؛ ﴿ حفظهما ﴾ حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة.

ثم بيَّن أنه مع كونه مقوِّماً للممكنات مقيماً للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة.

وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان.

وقوله  : ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للأعذار ذكر بعد ذلك.

أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار.

ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين.

والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه.

أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات.

﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ قال النحويون: وزنه "فعلوت" نحو جبروت وأصله من "طغى"، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: هم رضا وعدل.

ولهذا قال  : ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والأصل فيه التذكير.

قال  : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به  ﴾ فأما قوله  : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها  ﴾ فالتأنيث لإرادة الآلهة.

وأما معنى "الطاغوت" فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو الشيطان.

وعن سعيد بن جبير: الكاهن.

وقال أبو العالية: الساحر.

وعن بعضهم: الأصنام.

وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما جعلت/ هذه الأشياء أسباباً للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ ويعلم من قوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ ثم من قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ ، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلاً، ثم يؤمن بعد ذلك، ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به.

والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية.

والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصَمْتُه فانفصم.

والمقصود من قوله ﴿ لا انفصام لها ﴾ هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول ههنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي مَن له.

وقيل: معنى قوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه.

ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحُكْم المجوس حُكْمهم.

وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام.

وقيل يقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون.

"روي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصَّرا قبل أن يبعث رسول الله  ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما.

فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما" .

وقيل معنى قوله ﴿ لا إكراه ﴾ أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرهاً لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحَّ إسْلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ .

﴿ والله سميع عليم ﴾ يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث.

"وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله  يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سراً وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك" قوله  : ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم "فعيل"/ بمعنى "فاعل" والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله  في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين.

والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله  لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه  سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار.

"ويروى أنه  سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: على الفطرة فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: خرج من النار" ومن المعلوم أنه ما كان فيها.

قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه  أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ فإنه عنى به الليل والنهار.

قال: وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه.

كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود.

وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً.

﴿ أولئك ﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿ أصحاب النار ﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.

التأويل: ﴿ الحي القيوم ﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه "الحي" مشتمل على جميع أسمائه وصفاته.

فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال، واسمه "القيوم" دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلي صفته "القيوم" فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها/ بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا "الحي القيوم" إذ سلب "الحي" جميع أسماء الله وسلب "القيوم" قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة.

فيذكره عند شهود عظمة الواحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه.

فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم.

كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.

﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة.

﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي  كأنه قيل: من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد  فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ .

﴿ ويعلم ﴾ محمد  ﴿ ما بين أيديهم ﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله  "أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ﴿ وما خلفهم ﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل  ﴾ ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿ إلا بما شاء ﴾ أن يخبرهم عنه ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ ومثال الكرسي: سره.

وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله  في قوله ﴿ الرحمن علىالعرش استوى  ﴾ وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.

﴿ ولا يؤده حفظهما ﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه.

ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ كما قال  : " ليس الدين بالتمني" " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو/ الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.

ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ يتبرأ منه؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله.

وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى.

وشهود القلب مع المولى.

وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر.

ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿ تبت إليك  ﴾ أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿ إن بطش ربك لشديد  ﴾ ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال  : " "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.

ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿ أنداداً يحبونهم كحب الله  ﴾ ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية/ والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿ أولئك ﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قيل: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: لا يكره على الدين.

فإن كان التأويل هذا فهو على بعض دون بعض.

وقال بعضهم: نزلت في المجوس، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنه يقبل منهم الجزية، ولا يكرهون على الإسلام.

ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل منهم الجزية، فإن أسلموا وإلا قتلوا.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  ، أنه كتب إلى المنذر بن فلان: "أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية" .

وعلى ذلك نطق به الكتاب ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وقال قوم: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ أي: لا دين يقبل بإكراه، بل ليس ذلك بإيمان.

والثاني: أن ﴿ ٱلرُّشْدُ ﴾ قد تبين من الغي، وبين ذلك لكل أحد حتى إذا قبل الدين قبل عن بيان وظهور، لا عن إكراه.

وقال آخرون: قوله: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: لا إكراه على هذه الطاعات بعد الإسلام؛ لأن الله  حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين فلا يكرهون على ذلك.

ومعناه: أن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة، ورفع الله عز وجل تلك الشدائد عن هذه الأمة وخففها عليهم، دليله قوله  : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، ومثل ذلك كثير، كانت على الأمم السالفة ثقيلة وعلى هذه الأمة مخففة، فإذا كانت مخففة عليهم لا يكرهون على ذلك.

وقال آخرون: هو منسوخ بقوله  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" وقال آخرون: إن قوماً من الأنصار كانت ترضع لهم اليهود، فلما جاء الإسلام أسلم الأنصار، وبقي من عند اليهود من ولد الأنصار على دينهم، فأرادوا أن يكرهوهم، فنزل الآية ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويحتمل ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ما قال في قوله  : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ﴾ .

يعني قد تبين الإسلام من الكفر بالله فلا تكرهون على ذلك.

وقوله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ ، الشياطين.

وقيل: كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت من الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله.

وقيل: ﴿ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ ، الكهنة الذين يدعون الناس إلى عبادة غير الله بكفر هؤلاء وتكذيبهم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ومن جملته: ومن يكفر بالذى يدعو إلى عبادة غير الله، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذى يدعو إلى عبادة الله، ويصدقه، أنه داع إلى حق.

وقوله  : ﴿ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ ﴾ .

فيه دلالة: أن الإيمان بالله هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعاً، إذ لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان بالله؛ لأنه [في آخر السورة ذكر ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ ، على طريق التفضيل -] من آمن بالله آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه - لكن الذي قال: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ  ﴾ ، لقول قوم حيث قالوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ ، وإلا لكان في الإيمان بالله إيمان بجميع ذلك.

وقوله  : ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فقد عقد لنفسه عقداً وثيقاً لا انفصام لذلك العقد ولا انقطاع، لا تقوم الحجة ببعضه.

ويحتمل: ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ ، بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال.

ثم فيه نقض على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أن من آمن بالله فقد استمسك بكذا.

والمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن بالله، فأية عروة أوهى من هذا على قولهم؟

وأن له زوالاً وانقطاعاً من ثوابه الذي وعد له عز وجل بإيمانه وتصديقه به.

وبالله العصمة.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لقولهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بثوابهم.

أو ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، بإيمانهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بجزاء إيمانهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قيل: الولي: الحافظ.

وقيل: الولي: الناصر، وهو ناصر المؤمنين وحافظهم.

وقيل: سمي وليّاً لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره.

وعلى ذلك يسم الولي وليّاً لما يلي أمور الناس.

وقيل: قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، أي: الله أولى بهم إليه رجاؤهم أطعمهم، وهو الذي يكرمهم، وأن الطاغوت أولى بالكافرين، كما قال: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ  ﴾ ، أي أولى بهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ ﴾ ، بمعنى: أخرجهم.

وجائز هذا في اللغة (يفعل) بمعنى (فعل)، و(فعل) بمعنى (يفعل)، جاز فيها، غير ممتنع عنه.

وقوله  : ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، و ﴿ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ ، هو ابتداء نشوئهم عليه، ليس أن كانوا فيه ثم أخرجهم، كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ  ﴾ ، رفعها ابتداء، ليس أن كانت موضوعة ثم رفعها.

فعلى ذلك الأول.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ إذ من قولهم: إن جميع ما أعطى مؤمن من الإخراج من الكفر، أعطى مثله الكافر؛ فكأنهم يقولون: أخرجهم جميعاً من الظلمة، وعليه إخراج الكفار أيضاً من الظلمات، إذ ذلك هو الأصلح له، وعليه أن يعطي ما هو الأصلح لهم في الدين.

فإذا كان هذا قولهم، فهو ولي الكفرة والمؤمنين جميعاً على قولهم؛ إذ هو بالسبب الذي ذكر الولاية للمؤمنين فيعطي أيضاً للكفرة.

فإن قالوا: إنه أضاف (الكفر) إلى الطاغوت، وأنتم تضيفونه إلى الله عز وجل؟

قل: هو ظاهر الكذب؛ لأنا لا نضيف ذلك إليه (الكفر).

إنما نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكافر كفراً، وخلق فعل النور من المؤمن نورا.

على أنه إن كان هذا في الكفرة فما القول في [الأول] من قولكم: إنه منعم على المؤمن، ثم لا نعمة فيه على المؤمن إلا بالأمر والأقدار، والأقدار منه موجود للكافر في كفره على قولكم، ثم لا نعمة تقع في الأمر والدعاء للمؤمن إلا ويقع مثله للكافر، إذ هو في الأمر والدعاء كالمؤمن سواء.

ولا قوة إلا بالله.

وليس في القول: إنه خالق، بأنه خالق فعل كل أحد على ما عليه إضافة الكفر إليه، بل إنما يضيف الخير إليه بما منه فيه من الإفضال على الشكر له.

فدل أن له عز وجل في المؤمن فضل صنع، ليس ذلك له في الكافر.

و(الكفر) في اللغة الستر، وكذلك (الظلمة): هي الستر.

يقال: (كفرت الشيء) أي سترته، وكذلك يقال: (ليل مظلم)؛ لأنه يستر ضوء النهار ونوره، فيستر الأشياء عن أبصار الخلق.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ...

﴾ الآية: دلت هذه الآية على أن كان من الله إلى الذين آمنوا معنى لم يكن منه إلى الذين كفروا به كان إيمانهم، ولو لم يكن إلا الأمر والأقدار أو البيان، على ما قالت المعتزلة، لكان كل ذلك عندهم إلى الكفرة، فلا وجه لتخصيص المؤمنين بما ذكر، وجعل الطاغوت أولى بالكافرين، وصنع الله إلى كل واحد، ولم تكن من الله تلك الزيادة، فإذا كان الذي ذكر لهم في أنفسهم فلا وجه للامتنان بذلك.

ومن البعيد ذكر الامتنان فيما به الإلزام والأمر.

وما ذكرت المعتزلة إنما هي أسباب الإلزام، ولولا ذلك كان أيسر عليهم وأقل لائمة.

فكيف بمن بها ثابت أن كان منه فضل، ليس ذلك في أعدائه فيه استوجب الحمد منهم؛ ولهذا يضاف إليه الخيرات على الشكر له، وتوجيه الحمد إليه، ولا يضاف إليه الشر بما ليس في ذلك تشكر، إنما منه الخذلان بما علم من إيثار الكافر عداوته واختياره الكفر به؛ فلذلك لم يجز الإضافة إليه، والإضافة إلى الله جل ثناؤه لا باسم الخلق يخرج مخرج التعظيم له والخضوع من العبد بالحمد له والشكر.

ولا يجوز مثله فيما ليس فيه ذلك على ما لا يضاف إليه الأنجاس والخبائث والجواهر القبيحة، وإن كان من طريق الخلقة جرى عليها تدبيره وخرجت على تقديره.

فعلى ذلك أفعال الخلق، وعلى ذلك القول بأنه رب كل شيء، وإله كل شيء.

ثم على الإشارة لا يوصف بذلك في الأشياء الخاملة المستخف بها.

فمثله الأول.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك يخرج على وجوه: أحدهما: أنه لا يهديهم وقت اختيارهم ذلك، ويكون على ألا يخلق منهم فعل الهداية، وهم يختارون فعل الضلال.

ويحتمل: من في علمه أنه لا يهتدي، فيرجع المراد به إلى الخاص.

ويحتمل: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة من كفر بالله في الدنيا.

ويحتمل: لا يجعلهم في حكمهم، كقوله  : ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكر أن الكفرة هم أصحاب النار، وذكر في آية أخرى أن الملائكة أصحاب النار بقوله  : ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ، لكنه ذكر الملائكة أصحاب النار؛ لما يتولون تعذيب الكفرة فيها، فسماهم بذلك، وذكر الكفرة أصحاب النار؛ لأنهم هم المعذبون فيها، والملائكة هم معذبوهم بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله يتولى الذين آمنوا به، يوفقهم وينصرهم، ويخرجهم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، والذين كفروا أولياؤهم الأنداد والأوثان، الذين زينوا لهم الكفر، فأخرجوهم من نور الإيمان والعلم إلى ظلمات الكفر والجهل، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدًا.

ولما ذكر الله الفريقين ضرب مثالين على الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.9bZPm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان معهودًا عند بعض الملل لا سيما النصارى حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه.

وهذه المسألة ألصق بالسياسة منه بالدين، لأن الإيمان، وهو أصل الدين وجوهره، عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد نفي الإكراه ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ  ﴾ أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غي وضلال.

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ  ﴾ وهو كل ما تكون عبادته والإيمان به سببًا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق بعيد، ورئيس يقلد، وهوى يتبع، ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ  ﴾ فلا يعبد إلا إياه، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، يرجوه ويخشاه لذاته، وبما سنه من الأسباب والسنن في عباده ﴿ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا  ﴾ .

الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فتلًا لا يقع ولا يتفلت.

وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام.

﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ تذكر للترغيب والتهديد أي فهي تفسر بحسب المقام كما قلنا فهي جامعة هنا بين الأمرين.

وإنما تكف الفتن بأحد أمرين: الأول- إظهار المعاندين الإسلام ولو باللسّان، لأن من فعل ذلك لا يكون من خصومنا ولا يبارزنا بالعداء، وبذلك تكون كلمتنا بالنسبة إليه هي العليا ويكون الدين لله ولا يفتن صاحبه فيه ولا يمنع من الدعوة إليه.

والثاني- وهو أدل على عدم الإكراه قبول الجزية وهي شيء من المال يعطوننا إياه جزاء حمايتنا لهم بعد خضوعهم لنا وبهذا الخضوع نكتفي شرهم وتكون كلمة الله هي العليا فقوله تعالى ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ﴾ قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه.

وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه إذ أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن متعمدين على أن نبين الرشد من الغي بالبرهان، هو الصراط المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة.

ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم.

وتأمل مع ما ذكرناك به من الآيات قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  ﴾ ، ذهب كثير من المفسرين في معنى الآية إلى أن الله تعالى هو متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويمدهم في الهداية بمحض القدرة كما أن الطاغوت يمدون الكافرين في الغواية، ويخرجونهم بالإغواء من نور الحق إلى ظلمات الضلالة، وهذا تفسير العوام الذين لا يفهمون أساليب اللغة العالية أو تفسير الأعاجم الذين هم أجدر بعدم الفهم.

ومعنى الآية الذي يلتئم مع معنى سابقتها ظاهر أتم الظهور وهو أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى ومتى كان كذلك فإنه يهتدي إلى استعمال الهدايات التي وهبها الله له على وجهها وهي الحواس والعقل والدين.

فهؤلاء المؤمنون كلما عرضت لهم شبهة لاح لهم بسلطان الولاية الإلهية على قلوبهم شعاع من نور الحق يطرد ظلمتها فيخرجون منها بسهولة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ جولان الحواس في رياض الأكوان وإدراكها ما فيها من بديع الصنع والإتقان يعطيهم نورًا، ونظر العقل في فنون المعقولان يعطيهم نورًا، وما جاء به الدين من الآيات البينات يتم لهم نورهم ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  ﴾ أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه بادر إلى إطفائه بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونه من حجب الشبهات وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد.

وإذا كان الطاغوت من غير الأحياء فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه لا يقصرون في تنميق هذه الشبهات، وتزيين تلك الشهوات.

الظلمات هي الضلالات التي تعرض على الإنسان في كل طور من أطوار حياته كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين فتصد عن النظر الصحيح فيه أو تحول دون فهمه والإذعان له وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر.

لا توجد مرآة يرى فيها عبدة الطاغوت أنفسهم كما هي أجلى من القرآن..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد