الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته ، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، فقال : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) قال سعيد بن جبير : في طاعة الله .
وقال مكحول : يعني به : الإنفاق في الجهاد ، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك ، وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : الجهاد والحج ، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف ; ولهذا قال الله تعالى : ( كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) وهذا المثل أبلغ في النفوس ، من ذكر عدد السبعمائة ، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل ، لأصحابها ، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة ، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف ، قال الإمام أحمد : حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش ، حدثنا واصل مولى ابن عيينة ، عن بشار بن أبي سيف الجرمي ، عن عياض بن غطيف قال : دخلنا على أبي عبيدة [ بن الجراح ] نعوده من شكوى أصابه وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه قلنا : كيف بات أبو عبيدة ؟
قالت : والله لقد بات بأجر ، قال أبو عبيدة : ما بت بأجر ، وكان مقبلا بوجهه على الحائط ، فأقبل على القوم بوجهه ، وقال : ألا تسألوني عما قلت ؟
قالوا : ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ، ومن أنفق على نفسه وأهله ، أو عاد مريضا أو ماز أذى ، فالحسنة بعشر أمثالها ، والصوم جنة ما لم يخرقها ، ومن ابتلاه الله عز وجل ، ببلاء في جسده فهو له حطة " .
وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به ، ومن وجه آخر موقوفا .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سليمان ، سمعت أبا عمرو الشيباني ، عن ابن مسعود : أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة " .
ورواه مسلم والنسائي ، من حديث سليمان بن مهران ، عن الأعمش ، به .
ولفظ مسلم : جاء رجل بناقة مخطومة ، فقال : يا رسول الله ، هذه في سبيل الله .
فقال : " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة " .
حديث آخر : قال أحمد : حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي ، أخبرنا إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل ، جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصوم ، والصوم لي وأنا أجزي به ، وللصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " .
حديث آخر : قال [ الإمام ] أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم يضاعف ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى ما شاء الله ، يقول الله : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشهوته من أجلي ، وللصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك .
الصوم جنة ، الصوم جنة " .
وكذا رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي سعيد الأشج ، كلاهما عن وكيع ، به .
حديث آخر : قال أحمد : حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن الركين ، عن يسير بن عميلة عن خريم بن فاتك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف " .
حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ، حدثنا ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب ، عن زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف " .
حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن الخليل بن عبد الله ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أرسل بنفقة في سبيل الله ، وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة ، ومن غزا في سبيل الله ، وأنفق في جهة ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم " .
ثم تلا هذه الآية : ( والله يضاعف لمن يشاء ) وهذا حديث غريب .
وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة ، عند قوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) [ البقرة : 245 ] .
حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز ، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب ، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي ، أخبرنا أبي ، عن عيسى بن المسيب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رب زد أمتي " قال : فأنزل الله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) قال : " رب زد أمتي " قال : فأنزل الله : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] .
وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن حاجب بن أركين ، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقرئ ، عن أبي إسماعيل المؤدب ، عن عيسى بن المسيب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فذكره .
وقوله هاهنا : ( والله يضاعف لمن يشاء ) أي : بحسب إخلاصه في عمله ( والله واسع عليم ) أي : فضله واسع كثير أكثر من خلقه ، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق .
القول في تأويل قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ قال أبو جعفر: وهذه الآية مردودة إلى قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة: 245 ] والآياتُ التي بعدها إلى قوله: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله )، من قصص بني إسرائيل وخبرهم مع طالوت وجالوت, وما بعد ذلك من نبإ الذي حاجّ إبراهيم مع إبراهيم, وأمْرِ الذي مرّ على القرية الخاوية على عروشها, وقصة إبراهيم ومسألته ربَّه ما سأل، مما قد ذكرناه قبل = (62) .
اعتراض من الله تعالى ذكره بما اعترضَ به من قصصهم بين ذلك، احتجاجًا منه ببعضه على المشركين الذين كانوا يكذبون بالبعث وقيام الساعة = وحضًّا منه ببعضه للمؤمنين على الجهاد في سبيله الذي أمرهم به في قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة: 244 ]، يعرّفهم فيه أنه ناصرهم وإن قل عددهم وكثر عدَد عدوّهم, ويعدهم النصرة عليهم, ويعلّمهم سنته فيمن كان على منهاجهم من ابتغاء رضوان الله أنه مؤيدهم, وفيمن كان على سبيل أعدائهم من الكفار بأنه خاذلهم ومفرِّق جمعهم ومُوهِنُ كيدهم = وقطعًا منه ببعض عذرَ اليهود الذين كانوا بين ظهرَانَيْ مُهاجرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, بما أطلع نبيَّه عليه من خفي أمورهم, &; 5-513 &; ومكتوم أسرار أوائلهم وأسلافهم التي لم يعلمها سواهم, ليعلموا أن ما آتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله, وأنه ليس بتخرُّص ولا اختلاق, = وإعذارًا منه به إلى أهل النفاق منهم, ليحذروا بشكِّهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يُحلَّ بهم من بأسه وسطوته, مثل الذي أحلَّهما بأسلافهم الذين كانوا في القرية التي أهلكها, فتركها خاوية على عروشها.
ثم عاد تعالى ذكره إلى الخبر عن الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما عنده له من الثواب على قَرْضه, فقال: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) يعني بذلك: مثل الذين ينفقون أموالهم على أنفسهم في جهاد أعداء الله بأنفسهم وأموالهم =( كمثل حبة ) من حبات الحنطة أو الشعير, أو غير ذلك من نبات الأرض التي تُسَنْبل رَيْعَها سنبلة بذرها زارع (63) .
=" فأنبتت ", يعني: فأخرجت =( سبع سنابلَ في كل سنبلة مائة حبة ), يقول: فكذلك المنفق ماله على نفسه في سبيل الله, له أجره سبعمائة ضعف على الواحد من نفقته.
كما: - 6028 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) فهذا لمن أنفق في سبيل الله, فله أجره سبعمائة.
(64) .
6029 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء )، قال: هذا الذي ينفق على نفسه في سبيل الله ويخرُج.
&; 5-514 &; 6030 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) الآية، فكان من بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة, ورابط مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة, ولم يلق وجهًا إلا بإذنه, (65) .
كانت الحسنة له بسبعمائة ضعف, ومن بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وهل رأيتَ سنبلة فيها مائة حبة أو بلغتْك فضرب بها مثل المنفقَ في سبيل الله ماله؟
(66) .
قيل: إن يكن ذلك موجودًا فهو ذاك, (67) .
وإلا فجائز أن يكون معناه: كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة, إنْ جَعل الله ذلك فيها.
ويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حبة; يعني أنها إذا هي بذرت أنبتت مائة حبة = فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبة، مضافًا إليها، &; 5-515 &; لأنه كان عنها.
وقد تأوّل ذلك على هذا الوجه بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 6031 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك قوله: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة )، قال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة, فهذا لمن أنفق في سبيل الله =: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( والله يضاعف لمن يشاء ).
فقال بعضهم: الله يضاعف لمن يشاء من عباده أجرَ حسناته = بعد الذي أعطى غير منفق في سبيله، دون ما وعد المنفق في سبيله من تضعيف الواحدة سبعمائة.
فأما المنفق في سبيله, فلا ينقصة عما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة.
(68) .
* ذكر من قال ذلك: 6032 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك, قال: هذا يضاعف لمن أنفق في سبيل الله -يعني السبعمائة- &; 5-516 &; ( والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )، يعني لغير المنفق في سبيله.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: والله يضاعف لمن يشاء من المنفقين في سبيله على السبعمائة إلى ألفي ألف ضعف.
وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده، فتركت ذكره.
* * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل قوله: ( والله يضاعف لمن يشاء ) والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله.
لأنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق في سبيل الله، فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره في هذه الآية من التضعيف، إلى أنه عِدَة منه على [ العمل في غير سبيله، أو ] على غير النفقة في سبيل الله.
(69) .
* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ( والله واسع )، أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده = (70) .( عليم ) من يستحق منهم الزيادة، كما: - 6033 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) قال: ( واسع ) أن يزيد من سعته =( عليم )، عالم بمن يزيده.
* * * &; 5-517 &; وقال آخرون: معنى ذلك: ( والله واسع )، لتلك الأضعاف =( عليم ) بما ينفق الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله.
--------------- الهوامش : (62) سياق الجملة : "والآيات التي بعدها...
اعتراض من الله تعالى..." مبتدأ وخبره .
(63) في المطبوعة : "تسنبل سنبلة بذرها زارع" ، وضع"سنبلة" مكان"ريعها" ، ظنها محرفة .
وريع البذر : فضل ما يخرج من البزر على أصله .
وهو من"الريع" بمعنى النماء والزيادة .
والمعنى : تسنبل أضعافها زيادة وكثرة .
(64) في المطبوعة : "فله سبع مائة" بحذف"أجره" ، وفي المخطوطة : "فله سبعمائة" بياض بين الكلمتين ، وأتممت العبارة من الدر المنثور 1 : 336 ، وفيه : "فله أجره سبعمائة مرة" .
(65) في المخطوطة : "لم يلف وجها" ، والذي في المطبوعة لا بأس به ، وإن كنت في شك منه .
وفي الدر المنثور 1 : 336"لم يذهب وجها" .
(66) في هامش المخطوطة تعليق على هذا السؤال ، وهو أول تعليق أجده على هذه النسخة بخط غير حط كاتبها ، وهو مغربي كما سيتبين مما كتب ، وبعض الحروف متآكل عند طرف الهامش ، فاجتهدت في قراءتها : "أقول : بل ذلك ثابت محقّق مشاهدٌ في البلاد ، وأكثر منه .
فإن سنبل تلك البلاد يكثر حبّه وفروعه إلى ما يقارب الفتر .
ولقد عدت من فروع حبة واحدة ثلاثة وستين فرعًا ، وشاهدت من ذلك مرارًا .
فقد أراني بعض أصحابي جملة من ذلك...
، كان أقل ما عددناه للحبة ثلاثة عشر سنبلة إلى ما يبلغ أو يزيد على ما ذكرت أولًا من العدد .
كتبه محمد بن محمود الجزائري الحنفي" ثم انظر ما قاله القرطبي وغيره في سائر كتب التفسير .
(67) في المخطوطة : "قيل قيل أن يكون ذلك موجود فهو ذاك" ، وهو خطأ ولا شك ، وما في المطبوعة جيد في السياق .
(68) كانت هذه الجملة كلها في المطبوعة : "والله يضاعف لمن يشاء من عباده أجر حسناته ، بعد الذي أعطى المنفق في سبيله من التضعيف الواحدة سبعمائة .
فأما المنفق في سبيله فلا نفقة ما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة" .
وقد غيروا ما كان في المخطوطة لأنه فاسد بلا شك وهذا نصه : "والله يضاعف لمن يشاء أجر حسناته ، بعد الذي أعطى المنفق في سبيله من التضعيف الواحدة سبعمائة .
فأما المنفق في سبيله عما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة" .
ولكنى استظهرت من سياق التفسير بعد ، أن الصواب غير ما في المطبوعة ، وأن في الكلام تصحيفًا وسقطًا ، أتممته بما يوافق المعنى الذي قاله هؤلاء ، كما يتبين من كلام أبي جعفر فيما بعد .
(69) زدت ما بين القوسين ، لأنه مما يقتضيه سياق الكلام والتركيب .
(70) انظر تفسير"واسع" و"عليم" فيما سلف 2 : 537 ، وانظر فهارس اللغة أيضًا .
قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليمفيه خمس مسائل :الأولى : لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين ، حث على الجهاد ، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم .
روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي ) فنزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي ) فنزلت إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .
وهذه الآية لفظها بيان [ ص: 276 ] مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها ، وضمنها التحريض على ذلك .
وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة .
وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل ، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ، ثم قال تعالى : والله يضاعف لمن يشاء يعني على سبعمائة ، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع ، إن كان حاذقا في عمله ، ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر ، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر ، خلافا لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة ، على ما نبينه إن شاء الله .الثانية : روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله ، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ) .
وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له ، فنزلت هذه الآية فيهما .
وقيل : نزلت في نفقة التطوع .
وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة ، ولا حاجة إلى دعوى النسخ ؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت .
وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا .الثالثة : قوله تعالى : كمثل حبة الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب ، ومنه قول المتلمس :آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوسوحبة القلب : سويداؤه ، ويقال ثمرته وهو ذاك .
والحبة بكسر الحاء : بذور البقول مما ليس بقوت ، وفي حديث الشفاعة : فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل والجمع [ ص: 277 ] حبب .
والحبة بضم الحاء الحب يقال : نعم وحبة وكرامة .
والحب المحبة وكذلك الحب بالكسر .
والحب أيضا الحبيب ، مثل خدن وخدين ، وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال .
وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه .
والجمع سنابل .
ثم قيل : المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد .قلت : هذا ليس بشيء فإن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر ، على ما شاهدناه .
قال ابن عطية : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة ، فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر .
وقال الطبري في هذه الآية : إن قوله في كل سنبلة مائة حبة معناه إن وجد ذلك ، وإلا فعلى أن يفرضه ، ثم نقل عن الضحاك أنه قال : في كل سنبلة مائة حبة معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة .
قال ابن عطية : فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال ، وذلك غير لازم من قول الضحاك .
وقال أبو عمرو الداني : وقرأ بعضهم " مائة " بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة .قلت : وقال يعقوب الحضرمي : وقرأ بعضهم " في كل سنبلة مائة حبة " على : أنبتت مائة حبة ، وكذلك قرأ بعضهم " وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم " على وأعتدنا لهم عذاب السعير وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم .
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أنبتت سبع سنابل " بإدغام التاء في السين ؛ لأنهما مهموستان ، ألا ترى أنهما يتعاقبان .
وأنشد أبو عمرو :يا لعن الله بني السعلاة عمرو بن ميمون لئام الناتأراد الناس فحول السين تاء .
الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما كلمتان .الرابعة : قوله تعالى : ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها ، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف .
واختلف العلماء في معنى قوله والله يضاعف لمن يشاء فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة ، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة .
وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف .[ ص: 278 ] قلت : وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية .
وروى ابن ماجه حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن عن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم - ثم تلا هذه الآية والله يضاعف لمن يشاء .
وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف .
قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه .الخامسة : في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ، ولذلك ضرب الله به المثل فقال : مثل الذين ينفقون أموالهم الآية .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة .
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التمسوا الرزق في خبايا الأرض يعني الزرع ، أخرجه الترمذي .
وقال صلى الله عليه وسلم في النخل : هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل .
وهذا خرج مخرج المدح والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار .
ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهري فقال : دلني على مال أعالجه ، فأنشأ ابن شهاب يقول :أقول لعبد الله يوم لقيته وقد شد أحلاس المطي مشرقاتتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوما أن تجاب فترزقافيؤتيك مالا واسعا ذا مثابة إذا ما مياه الأرض غارت تدفقاوحكي عن المعتضد أنه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يناولني مسحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض .[ ص: 279 ]
هذا بيان للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} وهنا قال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة، {والله يضاعف} هذه المضاعفة {لمن يشاء} أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون {والله يضاعف} أكثر من هذه المضاعفة {لمن يشاء} فيعطيهم أجرهم بغير حساب {والله واسع} الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو {عليم} بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته.
قوله تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) فيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم ( كمثل ) زارع ( حبة ) وأراد بسبيل الله الجهاد وقيل جميع أبواب الخير ( أنبتت ) أخرجت ( سبع سنابل ) جمع سنبلة ( في كل سنبلة مائة حبة ) فإن قيل فما رأينا سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب المثل به؟
قيل : ذلك متصور غير مستحيل وما لا يكون مستحيلا جاز ضرب المثل به وإن لم يوجد معناه : ( في كل سنبلة مائة حبة ) فما حدث من البذر الذي كان فيها كان مضاعفا إليها وكذلك تأوله الضحاك فقال : كل سنبلة أنبتت مائة حبة ( والله يضاعف لمن يشاء ) قيل : معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وقيل : معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله ( والله واسع ) غني يعطي عن سعة ( عليم ) بنية من ينفق ماله .
«مثل» صفة نفقات «الذين ينفقون أموالهم في سبيل لله» أي طاعته «كمَثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة» فكذلك نفقاتهم تضاعفت لسبعمائة ضعف «والله يضاعف» أكثر من ذلك «لمن يشاء والله واسع» فضله «عليم» بمن يستحق المضاعفة.
ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله.
ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة، فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة.
والله يضاعف الأجر لمن يشاء، بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام.
وفضل الله واسع، وهو سبحانه عليم بمن يستحقه، مطلع على نيات عباده.
ثم حض الله - تعالى - عباده على الإِنفاق في سبيله ، ووعدهم على ذلك بجزيل الثواب ، فقال - تعالى - :( مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ .
.
.
)ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا في صدقة عبد الرحمن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ، وذلك " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حث الناس حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك ، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أفرضتها لربي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر الرسول صلى الله عليه وسلم قال عبد الرحمن بن سمرة - راوى الحديث - فرأيته صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها ويقبلها ويقول : " ماضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لثعمان " ويقول : " يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه " .ونزول هاتين الآيتين في شأن صدقة هذين الصحابين الجليلين لا يمنع من شمولهما لكل من نهج نهجهما ، وبذل من ماله في سبيل الله .و " المثل " ، الشبه والنظير .
ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثة مضربة لمورده الذي ورد فيه أولا .
ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية .و " المحبة " كما يقول القرطبي - اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته ، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب .وسنبلة - بوزن فنعلة - من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال .
وقيل : معنه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه .
والجمع سنابل .والمعنى : مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، أي : في طاعته ، كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة ، أصابها الغيث ، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإِنباتها سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة .فأنت ترى أن الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التي ببذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئة الله - تعالى - عليها بالثواب العظيم ، بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب ، في كل سنبة ، وفي كل سنبة مائة حبة .
وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإِنفاق في وجه الخير ، ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله .قال ابن كثير : " وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة .
فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - تعالى - لأصحابها كما ينمى الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة " .وقال - سبحانه - : ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ ) فأسند الإِنبات إلى الحبة ، مع أن المنبت في الحقيقة هو الله ، وذلك لأنهاه سبب لوجود تلك السنابل المليئة بالحبات ، ولأنها هي الأصل لما تولد عنها .ثم قال - تعالى - : ( والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ) أي والله - تعالى - يضاعف الثواب والجزاء أضعافاً كثيرة لمن يشاء من عباده ، فيعطي بعضهم سبعمائة ضعف ، ويعطي بعضهم أكثر من ذلك ، لأن الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق ، فمتى خرجت منه بنية خالصة ، وقلب سليم ، ونفس صافية ، ومن مال حلال ، ووضعت في موضعها المناسب ، متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر ، والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف .
إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود ، وثوابه ليس له حساب معدود .ولذا ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) أي والله - تعالى - عطاؤه واسع ، وجوده عميم ، وفضله كبير ، وهو - تعالى - عليم بنيات عباده وبأقوالهم وبأفعالهم وبسائر شئونهم ، فيجازي كل إنسان على حسب نيته وعمله .
اعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف.
فالحكم الأول: في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الأول: قال القاضي رحمه الله: إنه تعالى لما أجمل في قوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال، فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فصارت الواحدة سبعمائة.
الوجه الثاني: في بيان النظم ما ذكره الأصم، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.
والوجه الثالث: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.
المسألة الثانية: في الآية إضمار، والتقدير: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة.
المسألة الثالثة: معنى ﴿ يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني في دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل: جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله.
فإن قيل: فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟.
قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة، وسبعمائة، وإذا كان هذا المعنى معقولاً سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلاً مستقيماً، وهذا قول القَفّال رحمه الله وهو حسن جداً.
والجواب الثاني: أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس، وهذا الجواب في غاية الركاكة.
المسألة الرابعة: كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين في قوله: ﴿ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ لأنهما حرفان مهموسان، والباقون بالإظهار على الأصل.
ثم قال: ﴿ والله يضاعف لِمَن يَشَاء ﴾ وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين، ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب.
ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والإفضال عليهم، بمقادير الانفاقات، وكيفية ما يستحق عليها، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعاً عند الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ ﴾ لابد من حذف مضاف، أي مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة.
والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.
ومعنى إنباتها سبع سنابل، أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة وهذا التمثيل تصوير للإضعاف، كأنها ماثلة بين عيني الناظر.
فإن قلت: كيف صحّ هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟
قلت: بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المقلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحاً على سبيل الفرض والتقدير: فإن قلت: هلا قيل: سبع سنبلات، على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال: ﴿ وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ ﴾ [يوسف: 53] ؟
قلت: هذا لما قدمت عند قوله: ﴿ ثلاثة قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228] من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها ﴿ والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ ﴾ أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، لتفاوت أحوال المنفقين.
أو يضاعف سَبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ أيْ مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ.
﴿ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ أسْنَدَ الإنْباتَ إلى الحَبَّةِ لِما كانَتْ مِنَ الأسْبابِ، كَما يُسْنِدُ إلى الأرْضِ والماءِ والمَنبَتِ عَلى الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى والمَعْنى: أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها ساقٌ يَتَشَعَّبُ لِكُلٍّ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ، لِكُلٍّ مِنها سُنْبُلَةٌ فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ.
وهو تَمْثِيلٌ لا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ وقَدْ يَكُونُ في الذَّرَّةِ والدَّخَنِ في البَرِّ في الأراضِي المَغِلَّةَ.
﴿ واللَّهُ يُضاعِفُ ﴾ تِلْكَ المُضاعَفَةَ.
لِمَن يَشاءُ بِفَضْلِهِ وعَلى حَسَبِ حالِ المُنْفِقِ مِن إخْلاصِهِ وتَعَبِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ تَفاوَتَتِ الأعْمالُ في مَقادِيرِ الثَّوابِ.
﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ وقَدْرِ إنْفاقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ولما برهن على قدرته على الإحياء حث على الإنفاق في سبيل الله وأعلم أن من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال {مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله} لا بد من حذف مضاف أي مثل نفقتهم {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} أو مثلهم كمثل باذر حبة {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ} المنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر والممثل به موجود في الدخن والذرة وربما
فرخت ساق البرة فى الأرض القوية المعلة فيبلغ حبها هذا المبلغ على أن التمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض والتقدير ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع أقراء {والله يضاعف لِمَن يَشَاء} أي
البقرة (٢٦١ _ ٢٦٤)
يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء يضعف شامى ويضعف مكي {والله واسع} واسع الفضل والجود {عَلِيمٌ} بنيات المنفقين
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ في وُجُوهِ الخَيْراتِ الشّامِلَةِ لِلْجِهادِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ الإنْفاقُ في الجِهادِ لِأنَّهُ الَّذِي يُضاعِفُ هَذِهِ الأضْعافَ، وأمّا الإنْفاقُ في غَيْرِهِ فَلا يُضاعِفُ كَذَلِكَ وإنَّما تَجْزِي الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّمْثِيلُ، والحَبَّةُ واحِدَةُ الحَبِّ وهو ما يُزْرَعُ لِلِاقْتِياتِ وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى البُرِّ، وبَذْرُ ما لا يُقْتاتُ بِهِ مِنَ البَقْلِ حِبَّةٌ بِالكَسْرِ، ﴿ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ﴾ أيْ أخْرَجَتْ تِلْكَ الحَبَّةُ ساقًا تَشَعَّبَ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها سُنْبُلَةٌ.
﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ كَما نَرى ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الحَبِّ في الأراضِي المُغَلَّةِ بَلْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، والسُّنْبُلَةُ عَلى وزْنِ فُنْعُلَةٍ، فالنُّونُ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِمْ أسْبَلَ الزَّرْعُ بِمَعْنى سَنْبَلَ إذا صارَ فِيهِ السُّنْبُلُ، وقِيلَ: وزْنُهُ فُعْلُلَةٌ فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وإسْنادُ الإنْباتِ إلى الحَبَّةِ مَجازٌ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإنْباتِ والمُنْبِتُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْإضْعافِ كَأنَّها حاضِرَةً بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
﴿ واللَّهُ يُضاعِفُ ﴾ هَذِهِ المُضاعَفَةَ أوْ فَوْقَها إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الأوَّلِ، وبَعْضٌ عَلى الثّانِي، والتَّعْمِيمُ أتَمُّ نَفْعًا ﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ المُنْفِقِينَ عَلى حَسَبِ حالِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وإيقاعِ الإنْفاقِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كُلِّهِمْ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَ: «”مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ“ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ،» وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: «إنَّ غُزاةَ المُنْفِقِينَ قَدْ خَبَّأ اللَّهُ تَعالى لَهم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَنْقَطِعُ عَنْهُ عَلَمُ العِبادِ».
﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ [ 261 ] ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ وسائِرِ أحْوالِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المارِّ عَلى القَرْيَةِ وقِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانا مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ ذَكَرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ يَوْمَ البَعْثِ وما يَجِدُ جَزاءَهُ هُناكَ وهو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى كَما أعْقَبَ قِصَّةَ ﴿ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وكَما عَقَّبَ قَتْلَ داوُدَ جالُوتَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ الخ.
وفِي ذِكْرِهِ الحَبَّةَ في التَّمْثِيلِ هُنا إشارَةٌ أيْضًا إلى البَعْثِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ إذْ مَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُخْرِجَ مِن حَبَّةٍ واحِدَةٍ في الأرْضِ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ بِجامِعٍ اِشْتَرَكا فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ والنُّمُوِّ.
<div class="verse-tafsir"
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وذلك أن رسول الله ، لما حثّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم فضة وقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضتها لربي.
فقال له رسول الله : «بارك الله لك فيما أَمْسَكْتَ وَفِيْمَا أَعْطَيْتَ» .
وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي الآية مضمر، ومعناه مثل النفقة التي تنفق فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ.
وطريق آخر مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم، كمثل زارع زرع في الأرض حبة ف أَنْبَتَتْ الحبة سَبْعَ سَنابِلَ، أي أخرجت سَبْعَ سَنَابِلَ.
فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فيكون جملتها سبعمائة.
فشبه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، أي يزيد على سبع مائة لمن يشاء، فيكون مثل المتصدق كمثل الزارع إذا كان الزارع حاذقاً في عمله، ويكون البذر جيداً، وتكون الأرض عامرة، يكون الزرع مخصباً طيباً فكذلك المتصدق، إذا كان صالحاً، والمال طيباً ويوضع في موضعه، فيصير الثواب أكثر.
وَاللَّهُ واسِعٌ، أي واسع الفضل لتلك الأضعاف، عَلِيمٌ بما ينفقون وبما نووا فيها.
قرأ ابن كثير وابن عامر: والله يضعّف بتشديد العين وحذف الألف، وقرأ الباقون يُضاعِفُ بالألف ومعناهما واحد.
فالذي قرأ يضعّف من التضعيف، والذي قرأ يُضاعِفُ من المضاعفة.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي يتصدقون بأموالهم ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً، أي لا يمنون عليهم بما تصدقوا عليهم ولا يؤذونهم ولا يعيرونهم بذلك، ومعنى الأذى والتعيير هو أن يقع بينه وبين الفقير خصومة، فيقول له: إني أعطيتك كذا وكذا.
وقال بعضهم: المنَّ يشبَّه بالنفاق، والأذى يشبّه بالرياء.
ثم تكلم الناس في ذلك، فقال بعضهم: إذا فعل ذلك، لا أجر له في صدقته وعليه وزرٌ فيما منَّ على الفقير به.
وقال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه.
وقال بعضهم له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمنِّ.
ثم قال تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أي ثوابه في الآخرة.
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب.
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من أمر الدنيا.
ويقال: الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان، حين اشترى بئر رومة، ثم جعلها سبيلاً على المسلمين.
<div class="verse-tafsir"
قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «١» ، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «٢» : صُرْهُنَّ: اضممهن «٣» ، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «٤» ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن «٥» .
وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير.
قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في ٦٧ ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة
الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ.
ت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ...
» الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «١» .
انتهى.
وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...
[البقرة: ٢٤٥] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ...
«٢» [الزمر: ١٠] .
وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «٣» ، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج
في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً «١» ، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» .
وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ.
ت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ» ، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «٢» ، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب ٦٨ أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «٣» ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «٤» : في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ» ، يريد: من أكثر
منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب:
إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال.
انتهى.
وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «١» .
هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» .
انتهى.
قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟
فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» .
وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم.
ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ.
وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «٢» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «٣»
الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ:
نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «١» .
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ...
الآية.
العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «٢» : وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية.
ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا ٦٨ ب خير فيه من الناس.
قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً.
وقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه.
وقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ حَدَّثَنا عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما المَثَلُ - واللَّهُ أعْلَمُ - لِلنَّفَقَةِ، لا لِلرِّجالِ، ولَكِنَّ العَرَبَ إذا دَلَّ المَعْنى عَلى ما يُرِيدُونَ، حَذَفُوا، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ فَأُضْمِرَ "الحَبَّ" لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ، فَكَذَلِكَ هاهُنا.
أرادَ: مِثْلَ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم.
ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .
يُرِيدُ: بُخْلَ الباخِلِينَ، فَحَذَفَ البُخْلَ.
وفي المُرادِ: بِـ "سَبِيلِ" اللَّهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ أبْوابِ البِرِّ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والآَيَةُ مَرْدُودَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ، أنَّ الحَسَنَةَ في النَّفَقَةِ في سَبِيلِهِ تُضاعَفُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ تُضاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يَزِيدُ عَلى السَّبْعِمِائَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها بَيانُ مَثَلٍ بِشَرَفِ النَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ وبِحُسْنِها، وضَمَّنَها التَحْرِيضَ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في نَفَقَةِ التَطَوُّعِ، وسُبُلُ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي جَمِيعُ ما هو طاعَةٌ وعائِدٌ بِمَنفَعَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ والمِلَّةِ، وأشْهَرُها وأعْظَمُها غِناءً الجِهادُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا.
والحَبَّةُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَزْرَعُهُ ابْنُ آدَمَ ويَقْتاتُهُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ البُرُّ، وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالحَبِّ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدَهْرَ أطْعَمُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُوسُ وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرُ ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُبَيِّنَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ السَبْعِ المِائَةِ، ولَيْسَ ثَمَّةَ تَضْعِيفٌ فَوْقَ سَبْعِمِائَةٍ.
وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هو إعْلامٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَضْعِيفَ يَنْتَهِي - لِمَن شاءَ اللهُ - إلى ألْفَيْ ألْفٍ، ولَيْسَ هَذا بِثابِتِ الإسْنادِ عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ "رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ﴾ فَقالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ .» و"سُنْبُلَةٍ" فُنْعُلَةٌ مِن أسْبَلَ الزَرْعُ أيْ أرْسَلَ ما فِيهِ، كَما يُسْبَلُ الثَوْبُ، والجَمْعُ سَنابِلٌ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ إنْفاقِ الَّذِينَ، أو تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ ذِي حَبَّةٍ.
وقالَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ، وإلّا فَعَلى أنْ نَفْرِضَهُ، ثُمَّ أدْخَلَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ سُنْبُلَةٍ أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ، فَجَعَلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ نَحْوَ ما قالَ هُوَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن لَفْظِ الضَحّاكِ.
قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ بَعْضُهُمْ: "مِائَةَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ ﴾ الآيَةُ.
لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ذِكْرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ عَلى العُمُومِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ إنَّما هو لِمَن لَمْ يُتْبِعْ إنْفاقَهُ مَنًّا ولا أذىً.
وذَلِكَ أنَّ المُنْفِقَ في سَبِيلِ اللهِ إنَّما يَكُونُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ - إمّا أنْ يُرِيدَ وجْهَ اللهِ تَعالى ويَرْجُوَ ثَوابَهُ، فَهَذا لا يَرْجُو مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ شَيْئًا ولا يَنْظُرُ مِن أحْوالِهِ في حالٍ سِوى أنْ يُراعِيَ اسْتِحْقاقَهُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ جَزاءً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهَذا لَمْ يُرِدْ وجْهَ اللهِ، بَلْ نَظَرَ إلى هَذِهِ الحالِ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى أخْلَفَ ظَنَّهُ مَنَّ بِإنْفاقِهِ وآذى، وإمّا أنْ يُنْفِقَ مُضْطَرًّا دافِعَ غُرْمٍ إمّا لِماتَّةٍ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أو قَرِينَةٍ أُخْرى مِنَ اعْتِناءِ مُنْفِقٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا قَدْ نَظَرَ في حالٍ لَيْسَتْ لِوَجْهِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى تُوبِعَ وحَرِجَ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحَرَجِ آذى.
فالمَنُّ والأذى يَكْشِفانِ مِمَّنْ ظَهَرا مِنهُ أنَّهُ إنَّما كانَ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَقاصِدِ، وأنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ لِوَجْهِ اللهِ، فَلِهَذا كانَ المَنُّ والأذى مُبْطِلَيْنِ لِلصَّدَقَةِ مِن حَيْثُ بَيَّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّها لَمْ تَكُنْ صَدَقَةً.
وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: في عُثْمانَ وابْنِ عَوْفٍ.
والمَنُّ: ذِكْرُ النِعْمَةِ عَلى مَعْنى التَعْدِيدِ لَها والتَقْرِيعِ بِها - والأذى: السَبُّ والتَشَكِّي، وهو أعَمُّ مِنَ المَنِّ، لِأنَّ المَنَّ جُزْءٌ مِنَ الأذى لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.
وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ في الجِهادِ، بَلْ يُنْفِقُونَ وهم قُعُودٌ، وأنَّ الأُولى الَّتِي قَبْلَها هي في الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، قالَ: وَلِذَلِكَ شَرَطَ عَلى هَؤُلاءِ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلى الأوَّلِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ، لِأنَّ التَحَكُّمَ فِيهِ بادٍ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سَلامَكَ يَثْقُلُ عَلى مَن أنْفَقْتَ عَلَيْهِ تُرِيدُ وجْهَ اللهِ فَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ" وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: "يا أبا أُسامَةَ، دُلَّنِي عَلى رَجُلٍ يَخْرُجُ في سَبِيلِ اللهِ حَقًّا فَإنَّهم إنَّما يَخْرُجُونَ لِيَأْكُلُوا الفَواكِهَ، فَإنَّ عِنْدِي أسْهُمًا وجَعْبَةً"، فَقالَ لَها: "لا بارَكَ اللهُ في أسْهُمِكِ وجَعْبَتِكِ فَقَدْ آذَيْتِهِمْ قَبْلَ أنْ تُعْطِيهِمْ".
وضَمِنَ اللهُ الأجْرَ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللهِ، والأجْرُ الجَنَّةُ، ونَفِي عنهُ الخَوْفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِما يَسْتَقْبِلُ، والحُزْنَ عَلى ما سَلَفَ مِن دُنْياهُ، لِأنَّهُ يَغْتَبِطُ بِآخِرَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
عود إلى التحريض على الإنفاق في سبيل الله، فهذا المثَل راجع إلى قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ [البقرة: 254].
وهو استئناف بياني لأنّ قوله: ﴿ من قبللِ أن يأتي يوم لا بيع فيه ﴾ [البقرة: 254] الآية يثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله يومئذ بعد أن أعقب بدلائل ومواعظ وعبر وقد تهيّأت نفوس السامعين إلى التمحّض لهذا المقصود فأطيل الكلام فيه إطالة تناسب أهميته.
وقوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ تشبيه حال جزائهم وبركتهم، والصلة مؤذنة بأنّ المراد خصوص حال إنفاقهم بتقدير مَثَلُ نفقةِ الدين.
وقد شبه حالُ إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها وما أعطي من الثواب لهم بحال حبَّة أنبتت سبع سنابل إلخ، أي زُرعت في أرض نقية وتراب طيّب وأصابها الغيث فأنبتت سبع سنابل.
وحذف ذلك كله إيجازاً لظهور أنّ الحبّة لا تنبت ذلك إلاّ كذلك، فهو من تشبيه المعْقول بالمحسوس والمشبه به هيأة معلومة، وجعل أصل التمثيل في التضعيف حبّة لأنّ تضعيفها من ذاتها لا بشيء يزاد عليها، وقد شاع تشبيه المعروف بالزرع وتشبيه الساعي بالزارع، وفي المثل «رُب ساع لقاعد وزَارع غيرِ حاصد».
ولما كانت المضاعفة تنسب إلى أصل وحدة، فأصل الوحدة هنا هي ما يثيبُ الله به على الحسنات الصغيرة، أي ما يقع ثواباً على أقلّ الحسنات كمن همّ بحسنة فلم يعملها، فإنّه في حسنة الإنفاق في سبيل الله يكون سبعمائة ضعف.
` قال الواحدي في أسباب النزول وغيرُه: إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف؛ ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك حث الناس على الإنفاق في سبيل الله.
وكان الجيشُ يومئذ بحاجة إلى الجهاز وهو جيش العُسْرة فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال عثمان بن عفان: «عَلَيّ جهاز من لا جهاز له» فجَهّز الجيش بألف بعير بأقْتَابها وأحْلاسِهَا وقيل جاء بألف دينار ذهباً فصبّها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قوله: ﴿ والله يضعاف لمن يشاء ﴾ أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه.
وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم.
وأعاد قوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ إظهاراً للاهتمام بهذه الصلة.
وقوله: ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ جاء في عطفه بشم مع أنّ الظاهر أن يعطف بالواو، قال في «الكشاف»: «لإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق»؛ يعني أنّ ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة الزمنية ترفيعاً لرتبة ترك المنّ والأذى على رتبة الصدقة؛ لأنّ العطاء قد يصدر عن كرم النفس وحبّ المحمدة فللنفوس حظّ فيه مع حظّ المعطَى، بخلاف ترك المنّ والأذى فلا حظ فيه لِنفس المعطي؛ فإنّ الأكثر يميلون إلى التبجّح والتطاول على المعطَى، فالمهلة في (ثم) هنا مجازية؛ إذ شُبِّه حصول الشيء المهم في عزّة حصوله بحصول الشيء المتأخّر زمنه، وكأنّ الذي دعا الزمخشري إلى هذا أنّه رأى معنى المهلة هنا غير مراد لأنّ المراد حصول الإنفاق وترك المنّ معاً.
والمنّ أصله الإنعام والفضل، يقال مَنّ عليه مَنَّا، ثم أطلق على عدّ الإنعام على المنعَم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ [المدثر: 6]، وَهو إذا ذُكر بعد الصدقة والعطاء تعيّن للمعنى الثاني.
وإنّما يكون المنّ في الإنفاق في سبيل الله بالتطاول على المسلمين والرياء بالإنفاق، وبالتطاول على المجاهدين الذين يُجَهِّزهم أو يَحْملهم، وليس من المنّ التمدّح بمواقف المجاهد في الجهاد أو بمواقف قومِه، فقد قال الحُريش بن هلال القريعي يذكر خَيْله في غزوة فتح مكة ويوم حنين: شَهِدنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ *** حُنينا وهْيَ دَاميَةُ الحَوامِي ووقْعَةَ خالدٍ شَهِدَت وحَكَّتْ *** سَنَابِكَها علَى البَلَد الحَرَامِ وقال عباس بن مرداس يتمدّح بمواقع قومه في غزوة حنين: حَتَّى إذا قال النبيءُ محمدٌ *** أبَنِي سُلَيْممٍ قَدْ وَفَيْتُم فأرجِعوا عُدْنَا ولَوْلاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعَهُمْ *** بالمُسْلمين وأحرَزُوا مَا جَمَّعوا والأذى هو أن يؤذي المنفِق من أنفق عليه بإساءة في القول أو في الفعل قال النابغة: عليّ لِعمروٍ نعمة بعد نعمة *** لوالده ليست بذات عقارب فالمقصد الشرعي أن يكون إنفاق المنفق في سبيل الله مراداً به نصر الدين ولا حظّ للنفس فيه، فذلك هو أعلى درجات الإنفاق وهو الموعود عليه بهذا الأجر الجزيل، ودون ذلك مراتب كثيرة تتفاوت أحوالها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: في أبْوابِ البِرِّ كُلِّها.
﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ ذَلِكَ مَثَلًا في أنَّ النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وفي مُضاعَفَةِ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ في غَيْرِ ذَلِكَ بِعَشَرَةِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: يَجُوزُ مُضاعَفَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: يُضاعِفُ هَذِهِ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ.
والثّانِي: يُضاعِفُ الزِّيادَةَ عَلى ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ.
﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واسِعٌ لا يَضِيقُ عَنِ الزِّيادَةِ، عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: واسِعُ الرَّحْمَةِ لا يَضِيقُ عَنِ المُضاعَفَةِ، عَلِيمٌ بِما كانَ مِنَ النَّفَقَةِ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: واسْعُ القُدْرَةِ، عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة...
﴾ الآية.
قال: فذلك سبعمائة حسنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: هذا لمن أنفق في سبيل الله فله أجره سبعمائة مرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ والله واسع عليم ﴾ قال: واسع أن يزيد في سعته، عالم بمن يزيده.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: «كان من بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ورابط معه بالمدينة ولم يذهب وجهاً إلا باذنه كانت له الحسنة بسبعمائة ضعف، ومن يبيع على الإِسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها» .
وأخرج ابن ماجة عن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامه الباهلي وعبدالله بن عمر وجابر بن عبدالله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ح.
وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ والله يضاعف لمن يشاء ﴾ » .
وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «النفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف» .
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود «أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال عند الله سبعة: عملان موجبان، وعملان أمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا لله.
فأما الموجبان: فمن لقي الله يعبده مخلصاً لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزي بمثلها، ومن هم بحسنة جزي بمثلها، ومن عمل حسنة جزي عشراً، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة والدينار بسبعمائة، والصيام لله لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل» .
وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله، فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف مع الذي له عند الله من المزيد» .
قيل: يا رسول الله النفقة؟
قال: «النفقة على قدر ذلك» .
قال عبد الرحمن: فقلت لمعاذ: إنما النفقة بسبعمائة ضعف؟
فقال معاذ: قل فهمك، إنما ذاك إذا أنفقوها وهم مقيمون في أهلهم غير غزاة، فإذا غزا وأنفقوا خبأ الله لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد وصفتهم، فأولئك حزب الله وحزب الله هم الغالبون.
وأخرج الحاكم وصححه عن عدي بن حاتم «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟
قال: خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط أو طروقة فحل في سبيل الله» .
وأخرج الترمذي وصححه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، أو منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا» .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عمر بن الخطاب «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في أهله بخير وأنفق على أهله كان له مثل أجره» .
وأخرج مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: «أيكم خلف الخارج في أهله فله مثل أجره» .
وأخرج أحمد والحاكم والبيهقي عن سهل بن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان مجاهداً في سبيل الله، أو غارماً في عسرته، أو مكاتباً في رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» .
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن بنى مسجداً لله يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة» .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن صعصعه بن معاوية قال: قلت لأبي ذر حدثني.
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من عبد مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حَجَبَةُ الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده.
قلت: وكيف ذاك؟
قال: إن كانت رحالاً فرحلين، وإن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ﴾ الآية.
قال: نفقة الحج والجهاد سواء، الدرهم سبعمائة لأنه في سبيل الله.
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة ضعف» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة» .
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الآية.
قال أهل المعاني: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ وما بين الآيتين من الآيات اعتراض بالاستدعاء إلى الحق بالحجج والعبر التي ذكرها.
وقال الزجاج: لما قصَّ الله عز وجل ما فيه الدلالة على توحيده، وما أتاه الرسل من البينات، حث على الجهاد، وأعْلَمَ أن من جاهد من كفر بعد هذا البرهان فله في جهاده ونفقته الثواب العظيم، وقد وعد الله في الحسنات أن فيها عشر أمثالها من الجزاء، ووعد في الجهاد أن الواحد يضاعف سبعمائة مرة، فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) فإن قيل: فهل رؤي سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟
قيل: قد يتصور ذلك وإن لم ير، وليس القصد في المثل تصوير سنبلة فيها مائة حبة، وإنما القصد التشبيه بمثل هذه السنبلة، على تقدير التصوير، لا على تحقيق التصوير، والعادة في الأمثال التي تضرب أن يشبه الشيء بما يجوز أن يتصور، وإن لم ير ذلك الشيء، وقد قيل: إنه رأى ذلك في سنبل الدُّخن، وقد قيل: المراد بقوله: ﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ (٥) (٦) ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من أهل النفقة في طاعته ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة، (عليم) بمن ينفق (٧) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 346.
(٢) سقطت من (ي).
(٣) زيادة من (م).
(٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1558، "التبيان" ص 158، قال: وإنما قدر المحذوف لأن الذين ينفقون لا يشبهون بالحبة، بل إنفاقهم أو نفقتهم.
"البحر المحيط" 2/ 303.
(٥) سقطت من (ي).
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 61، "تفسير السمعاني" 2/ 422، "تفسير الثعلبي" 2/ 1560، "تفسير البغوي" 1/ 325.
(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1560.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾ ظاهرة الجهاد، وقد يحمل على جميع وجوه البر ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ كل ما يزرع ويقتات وأشهره: القمح وفي الكلام حذف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة أو يقدر في آخر الكلام كمثل صاحب حبة ﴿ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ بيان أن الحسنة بسبعمائة كما جاء في الحديث أن رجلاً جاء بناقة فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة» ﴿ يضاعف لِمَن يَشَآءُ ﴾ أي يزيده على سبعمائة وقيل هو تأكيد وبيان للسبعمائة، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث ما يدل عليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.
﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.
الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.
الباقون بالهمزة.
﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.
الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.
الباقون بالتاء للخطاب.
الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟
﴿ تتفكرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.
قال القاضي في كيفية النظم: إنه لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.
وعن الأصم أنه ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.
وقيل: إنه لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.
قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.
وسبيل الله دينه.
فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.
والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.
ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.
وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.
وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.
﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.
﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.
ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.
وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.
وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.
وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.
ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.
﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.
ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.
ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.
احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.
الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟
﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.
وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.
ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟
﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.
ثم إنه ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.
وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.
والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.
وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.
وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.
فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.
وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.
ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟
وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.
وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ .
﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.
وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.
وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.
وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.
قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.
وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.
ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.
والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.
وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.
قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.
واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.
وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.
ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.
ثم إنه رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.
قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.
الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.
والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.
قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ﴾ .
ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.
وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.
وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟
فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.
التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .
فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.
رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.
﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .
ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.
وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.
لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.
" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.
﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.
﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.
﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.
ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.
جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل الله بالحبة التي ذكر وجهان: أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة فصارت سبعمائة وأكثر.
والثاني: قال: ﴿ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ ﴾ ، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟
فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض بعد ما تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة.
فعلى ذلك الصدقة في طاعة الله والنفقة فيما يربي وإن كانت تالفة.
وقيل: إنها منسوخة بالفرائض.
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد فهو حالة.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، غني.
وقيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، جواد، يوسع على ما يشاء.
وقوله : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .
قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا.
والله أعلم.
لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق الله ، وينصروا دينه وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمي الطاعات كلها والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل الله وطاعته، كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .
اختلف فيه: قيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الله، و ﴿ أَذًى ﴾ ، للفقير.
وقيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الفقير، و ﴿ أَذًى ﴾ ، له.
ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك.
وأما منّه على الله ؛ كقوله : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وقوله : ﴿ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب.
وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، يستغفر الله ذنوبه في السر و ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ له، يغفر له، ويتجاوز عن مظلمته.
وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند الله من صدقة فيها أذى ومن.
فإن قيل: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير من كذا..)، وأحدهما خير والآخر شر، وإنما يفعل هذا إذا كانا جميعاً خيرين، فيقال: "أيهما أخير"؟
قيل: معناه - والله أعلم - هذا خبر لكم من ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ ﴾ ، [أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة] في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند الله، فعلى ذلك الأول.
ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر.
قال الشيخ - رحمه الله -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا أتبعها الأذى أبطلها، فيكون ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، والصدقة [لا]، وإن كان ينتفع بها الفقير.
والله أعلم.
وقال بعضهم: (المن) و(الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك الله فيه لك.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ ، عن صدقاتكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ، لا يعجل بالعقوبة عليكم بالمن والأذى.
<div class="verse-tafsir"
مَثَل ثواب المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة يضعها الزارع في أرض طيبة فتنبت سبع سنابل، في كل سنبلة منها مئة حبة، والله يضاعف الثواب لمن يشاء من عباده، فيعطيهم أجرهم دون حساب، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يستحق المضاعفة.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZbaDy"
قلنا إن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ولقد قلنا مرارًا إن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس لا سيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفرادًا من أهل الشح المطاع، وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء، ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب، فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران، فإن زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم، وذلك منتهى الجود والسخاء.
وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه لأنه فطر على أن لا يعمل عملًا لا يتصور لنفسه فائدة منه، وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصنائع وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة، فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافًا كثيرة فهو مفيد لهم في دنياهم، وحثهم على أن يجعلوا الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ليكون مفيدًا لهم في آخرتهم أيضًا، فذكر أولًا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافًا كثيرة، ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله، ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة.
أي بعد أن قرر البعث بالدلائل والأمثال إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.
والمراد بالإنفاق الإنفاق في خدمة الدين، ولكن كلمة في سبيل الله تشمل جميع المصالح العامة، وهو ما جرينا عليه آنفًا.
ثم قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى ﴾ الآية إن هذه الآية لبيان ثواب الإنفاق في الآخرة بعد التنويه بمنفعته في الدنيا.
وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى، فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه، يظهر به تفضله عليه، وأما الأذى فهو أعم ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له.
قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التي تفيد التراخي مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر، وأجدر بأن يجعل تركه شرطًا لتحصيل الأجر، وجوابه أن من يقرن النفقة بالمن أو الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلًا لا يستحق أن يدخل في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أو يوصف بالسخاء المحمود عند الله.
وإذا كان من يمن أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بإنفاقه ولا يؤجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟
بلى وإنما الكلام في السخي الذي ينفق في سبيل الله مخلصًا متحريًا للمصلحة والمنفعة لا باغيًا جزاء مما ينفق عليه ولا مكافأة ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطًا لحقه أو إعراضًا عنه وتركًا لما كان من احترامه إياه فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذي ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.
ثم قال تعالى ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾ : القول المعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه وتارةً يتوجه إلى المصلحة العامة كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضى عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وأن تظهر في هيئة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك.
والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيئة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردًا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكيك الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى.
ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم.
ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وأن أضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.
﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد هنا، لأنه لو أريد لكان تحريضًا على الأذى، ولكل مقال مقام يعينه، فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معاجلتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ﴾ استدل المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة كأنها لم تعمل...
وأجيب عن الآية بأن المراد بها: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة، وهي التخفيف من بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم، إذا كانت الصدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمة ومساعدتهم إذا كانت الصدقة في مصلحة عامة.
فإذا أتبعت الصدقة بالمن والأذى كان ذلك هدمًا لما بنته وإبطالًا لما عملته، وكل عمل لا يؤدي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل وكأنه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضد الغاية ونقيضها؟!
كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأن الغرض منها لم يحصل، وهو توجه القلب إلى الله تعالى واستشعار سلطانه والإذعان لعظمته والشكر لإحسانه، وقلب المرائي إنما يتوجه إلى من يرائيه.
هذا هو معنى إبطال المن والأذى للصدقة، والذي يزعمه المعتزلة هو أن ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة السابقة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه ولم يعرفوا فطرة البشر التي جاء الدين لتأديبها، وقد رأيت كلام من أيد مذهبه بهدم مذهبهم، هكذا يتجاذب القرآن أهل المذاهب، كل يجذبه إلى مذهبه الذي رضيه لنفسه، فتراهم عندما يشاغب بعضهم بعضًا يتعلقون بالكلمة المفردة إذا كانت تحتمل ما قالوا ويجعلونها حجة للمذهب ويؤولون ما عداها بالتمحل.
وأهل الخلاف ليسوا من أهل القرآن، فلا يعول على أقوالهم في بيان معانيه.
ثم شبه تعالى أصحاب المن والأذى بالمرائي أو إبطال عملهم للصدقة بإبطال ريائه لها فقال: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ أي لأجل ريائهم أو مرائيًا لهم أي لأجل أن يروه فيحمدوه لا ابتغاء مرضاة الله تعالى بتحري ما حث عليه من رحمة عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة، فهو إنما يحاول إرضاء الناس ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ فيتقرب إليه تعالى بالإنفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ ، أي صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شيء من ذلك التراب ووجه الشبه بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلًا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له، كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل.
كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم، فهم ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ أي لا ينتفعون بشيء من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم، ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك، والرياء لا يخفى على الناس، فهو كما قال الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عار فلا تكاد تجد منانًا ولا مرائيًا غير مذموم ممقوت.
وأما الآخرة فلأن المن أو الأذى كالرياء في منافاة الإخلاص، ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن الله تعالى في تزكية نفوسهم وإصلاح حال الناس ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي مضت سنته بأن الإيمان هو الذي يهدي قلب صاحبه إلى الإخلاص ووضع النفقات في مواضعها، والاحتراس من الإتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها، فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محرومًا من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة.
بعد هذا ضرب الله المثل للمخلصين في الإنفاق، لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين، وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir"