الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 239 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قيل : إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى : ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 23 ] روي هذا عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة ، ومحمد بن كعب القرظي ، وخالد بن معدان ، وعطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن رجل من بني تميم ، قال : أتيت ابن عباس ، فسألته : [ قلت ] : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه ؟
قال : علم [ آدم ] شأن الحج .
وقال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، أخبرني من سمع عبيد بن عمير ، وفي رواية : [ قال ] : أخبرني مجاهد ، عن عبيد بن عمير ، أنه قال : قال آدم : يا رب ، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني ، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟
قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك .
قال : فكما كتبته علي فاغفر لي .
قال : فذلك قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : فتلقى آدم من ربه كلمات ، قال : قال آدم ، عليه السلام : يا رب ، ألم تخلقني بيدك ؟
قيل له : بلى .
ونفخت في من روحك ؟
قيل له : بلى .
وعطست فقلت : يرحمك الله ، وسبقت رحمتك غضبك ؟
قيل له : بلى ، وكتبت علي أن أعمل هذا ؟
قيل له : بلى .
قال : أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟
قال : نعم .
وهكذا رواه العوفي ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن معبد ، عن ابن عباس ، بنحوه .
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه وهكذا فسره السدي وعطية العوفي .
وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيها بهذا فقال : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال آدم ، عليه السلام : أرأيت يا رب إن تبت ورجعت ، أعائدي إلى الجنة ؟
قال : نعم .
فذلك قوله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة قال : يا رب ، أرأيت إن تبت وأصلحت ؟
قال الله : إذن أرجعك إلى الجنة فهي من الكلمات .
ومن الكلمات أيضا : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 23 ] .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) قال : الكلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فارحمني ، إنك خير الراحمين .
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم .
وقوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم ) أي : إنه يتوب على من تاب إليه وأناب ، كقوله : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) [ التوبة : 104 ] وقوله : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 11 ] ، وقوله : ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) [ الفرقان : 71 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب ويتوب على من يتوب وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده ، لا إله إلا هو التواب الرحيم .
وذكرنا في المسند الكبير من طريق سليمان بن سليم عن ابن بريدة وهو سليمان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، ثم قال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي ، فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما عندي فاغفر ذنوبي ، أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي .
قال فأوحى الله إليه إنك قد دعوتني بدعاء أستجيب لك فيه ولمن يدعوني به ، وفرجت همومه وغمومه ، ونزعت فقره من بين عينيه ، وأجرت له من وراء كل تاجر زينة الدنيا وهي كلمات عهد وإن لم يزدها رواه الطبراني في معجمه الكبير .
القول في تأويل قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ قال أبو جعفر: أما تأويل قوله: " فتلقى آدم "، فقيل: إنه أخذ وقَبِل (259) .
وأصله التفعُّل من اللقاء، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبلَه عند قدومه من غيبته أو سفره، فكأنَّ ذلك كذلك في قوله: " فتلقى " (260) ، كأنه استقبله فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه أو أخبر به.
فمعنى ذلك إذًا: فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا، فتاب الله عليه بقيله إياها، وقبوله إياها من ربه.
كما:- 774 - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن &; 1-542 &; زيد في قوله: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات " الآية.
قال: لقَّاهمَا هذه الآية: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (261) [سورة الأعراف: 23].
* * * وقد قرأ بعضهم: " فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ"، فجعل الكلمات هي المتلقية آدم.
وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع "آدم " على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف (262) ، على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات.
وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ.
واختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها.
آدمُ من ربه.
فقال بعضهم بما:- 775 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتابَ عليه "، قال: أي رب!
ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى، قال: أي رب، ألم تنفخ فيّ من روحك؟
قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسكني جَنتك؟
قال: بلى.
قال: أي رب، ألم تسبق رحمتُك غضبك؟
قال: بلى.
قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة ؟
قال: نعم.
قال: فهو قوله: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات " (263) .
776 - وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا محمد بن مُصعْب، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
777 - وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه "، قال: إن آدم قال لربه إذ عصاه: رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟
فقال له ربه: إني راجعك إلى الجنة (264) .
778 - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات "، ذكر لنا أنه قال: يا رب، أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟
قال: إني إذًا راجعك إلى الجنة، قال: وقال الحسن: إنهما قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
(265) 779 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات "، قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب، أرأيت إن تبت وأصلحت؟
فقال الله: إذًا أرجعك إلى الجنة.
فهي من الكلمات.
ومن الكلمات أيضًا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (266) .
780 - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات "، قال: رب، ألم تخلقني بيدك؟
قيل له: بلى.
قال: ونفخت فيّ من روحك؟
قيل له: بلى.
قال وسبقت رحمتك &; 1-544 &; غضبك؟
قيل له: بلى.
قال: ربّ هل كنتَ كتبتَ هذا عليّ؟
قيل له: نعم.
قال: رب، إن تبت وأصلحت، هل أنت راجعي إلى الجنة؟
قيل له: نعم.
قال الله تعالى: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (267) [سورة طه: 122].
وقال آخرون بما:- 781 - حدثنا به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، قال: حدثني من سمع عُبيد بن عُمير يقول: قال آدم: يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟
قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك.
قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي.
قال: فهو قول الله: " فتلقَّى آدم من ربه كلمات " (268) .
782 - وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، قال: أخبرني من سمع عُبيد بن عُمير، بمثله.
783 - وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عمن سمع عبيد بن عمير يقول: قال آدم، فذكر نحوه.
784 -وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: أخبرني من سمع عبيد بن عمير، بنحوه.
785 - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا الثوري ، عن عبد العزيز، عن عبيد بن عمير بمثله.
وقال آخرون بما:- 786 - حدثني به أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: حدثنا عبد الرحمن &; 1-545 &; بن شَريك، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن حميد بن نبهان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، أنه قال: قوله: " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه "، قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، تب عليّ إنك أنت التواب الرحيم.
(269) 787- وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو غسان، قال: أنبأنا أبو زهير -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: أخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، وقيس- جميعًا عن خُصَيف، عن مجاهد في قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات "، قال قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا ، حتى فرغ منها.
(270) 788- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثني شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، كان يقول في قول الله: " فتلقى آدم من ربه كلمات " الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين.
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إني ظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم.
(271) 789- وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: " فتلقى آدم من ربه كلمات " هو قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا الآية.
(272) 790- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن &; 1-546 &; ابن جُريج، عن مجاهد: " فتلقى آدم من ربه كلمات "، قال: أي رب، أتتوب عليّ إن تبت؟
قال نعم.
فتاب آدم، فتاب عليه ربه.
(273) 791- وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات "، قال: هو قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (274) .
792- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد: هو قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (275) .
وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته، معترفًا بذنبه، متنصِّلا إلى ربه من خطيئته، نادمًا على ما سلف منه من خلاف أمره، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه، وندمه على سالف الذنب منه.
والذي يدل عليه كتابُ الله، أن الكلمات التي تلقاهنّ آدمُ من ربه، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصِّلا بقيلها إلى ربه، معترفًا بذنبه، وهو قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قولٌ لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربّه عند إنابته إليه من ذنبه.
وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم -من قيله الذي لقَّاه إياه فقاله تائبًا إليه من خطيئته- تعريف منه جل ذكره جميعَ المخاطبين &; 1-547 &; بكتابه، كيفية التوبة إليه من الذنوب (276) ، وتنبيهٌ للمخاطبين بقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ [سورة البقرة: 28]، على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله، وأنّ خلاصهم مما هم عليه مُقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، مع تذكيره إياهم به السالفَ إليهم من النعم التي خَصَّ بها أباهم آدم وغيرَه من آبائهم.
القول في تأويل قوله تعالى: فَتَابَ عَلَيْهِ قال أبو جعفر: وقوله: " فتاب عليه "، يعني: على آدم.
والهاء التي في" عليه " عائدة على آدَمُ .
وقوله: " فتاب عليه "، يعني رَزَقه التوبة من خطيئته.
والتوبة معناها الإنابة إلى الله، والأوبةُ إلى طاعته مما يَكرَهُ من معصيته.
القول في تأويل قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " إنه هو التواب الرحيم "، أن الله جل ثناؤه هو التوّاب على من تاب إليه - من عباده المذنبين - من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه.
وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربّه، إنابتُه إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يَسْخَطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه.
فكذلك توبة الله على عبده، هو أن يرزقه ذلك، &; 1-548 &; ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه (277) ، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.
وأما قوله: " الرحيم "، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة.
ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جُرمه.
------------- الهوامش : (259) في المطبوعة : "أخذ .
وقيل : أصله" ، وهو خطأ .
(260) في المطبوعة : " .
.
.
يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر فكذلك ذلك في قوله" ، تصرف نساخ .
(261) الأثر : 774 - ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، والشوكاني 1 : 58 ، وسيأتي برقم : 792 .
(262) في المطبوعة : "لإجماع الحجة من القراء" .
والقَرَأَة : جمع قارئ ، كما سلف مرارًا ، انظر ما مضى ص 524 .
(263) الخبر : 775 - في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 58 ، والشوكاني 1 : 57 .
(264) الخبر : 777 - لم أجده بلفظه في مكان .
(265) الأثر 778 - في ابن كثير 1 : 147 .
(266) الأثر : 779 - في ابن كثير 1 : 147 .
(267) الأثر : 780 - لم أجده بنصه في مكان .
(268) الأثر : 781 - في ابن كثير 1 : 47 .
والدر المنثور 1 : 59 .
(269) الأثر : 786- لم أجده في مكان .
وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وقال مصعب الزبيري : "وكان رجلا صالحًا" .
وقال أبو زرعة : "معاوية ، وعبد الرحمن ، وخالد - بنو يزيد بن معاوية : كانوا صالحي القوم" .
وأما الراوي عنه"حميد بن نبهان" فلم أجد له ترجمة ولا ذكرًا ، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لا أعرفه .
(270) الأثر : 787- في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، والشوكاني 1 : 58 .
(271) الأثر : 788- في ابن كثير 1 : 147 .
(272) الأثر : 789- انظر الأثر السالف رقم : 787 .
(273) الأثر : 790- لم أجده في مكان .
(274) الأثر : 791- في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 .
(275) الأثر : 792- في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، ومضى رقم : 774 .
(276) في المخطوطة : "التوبة من الذنوب" ، بالحذف .
(277) في المطبوعة : "ويؤوب من غضبه عليه" ، بالحذف .
قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيمقوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلماتفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات تلقى قيل معناه فهم وفطن وقيل قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه تقول خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم ، وقيل : معنى تلقى تلقن .
هذا في المعنى صحيح ، ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ، ومثله تسريت من تسررت وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن ، فاعلم .
وحكى مكي أنه ألهمها فانتفع بها وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها .الثانية : واختلف أهل التأويل في الكلمات فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن مجاهد أيضا سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم وقالت طائفة رأى مكتوبا على ساق العرش " محمد رسول الله " فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء ، وقيل : الندم والاستغفار والحزن قال ابن عطية وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الاستغفار المعهود ، وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه ربنا ظلمنا أنفسنا الآية ، وقال موسى رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي [ ص: 306 ] وقال يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
وعن ابن عباس ووهب بن منبه أن الكلمات " سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي اغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " وقال محمد بن كعب هي قوله " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أرحم الراحمين " وقيل : الكلمات قوله حين عطس " الحمد لله " والكلمات جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم .الثالثة : قوله تعالى : فتاب عليه أي قبل توبته ، أو وفقه للتوبة .
وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وتاب العبد رجع إلى طاعة ربه ، وعبد تواب كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال تاب وثاب وآب وأناب : رجع .الرابعة : إن قيل : لم قال عليه ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال ولا تقربا هذه الشجرة و قالا ربنا ظلمنا أنفسنا فالجواب أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله اسكن خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ; ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله وعصى آدم ربه فغوى وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله ألم أقل لك وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء ؛ قاله الحسن وقيل : إنه مثل قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب وقال الشاعر :[ ص: 307 ]رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن فوق الطوي رمانيوفي التنزيل والله ورسوله أحق أن يرضوه فحذف إيجازا واختصاراالخامسة : إنه هو التواب الرحيم وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا واسما وفعلا وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال ابن العربي ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول ، وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته ، وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة .السادسة : لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى تائب اسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين ، وإن كان في اللغة محتملا جائزا هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) قال الله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وقال وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وإنما قيل لله عز وجل تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه .
اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ، ومن قال بقولهم وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين .الثامنة : قرأ ابن كثير فتلقى آدم من ربه كلمات والباقون برفع آدم ونصب كلمات والقراءتان ترجعان إلى معنى ؛ لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته وقيل لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه القراءة " فتلقت آدم من ربه كلمات " ولكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التأنيث ، وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام ، إذ جاء فعل المؤنث بغير علامة ، ومنه قولهم حضر القاضي اليوم امرأة ، وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر وقرأ الأعمش " آدم من ربه " مدغما وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب " أنه " بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الاستئناف وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم ، وقيل : لا يجوز لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط قال النحاس أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد :له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زميرفعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالابتداء .
" التواب " خبره ، والجملة خبر " إن " ويجوز أن يكون " هو " توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة ، على ما تقدم .
وقال سعيد بن جبير لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجى ولا لك في البر منه مخلص .
{ فَتَلَقَّى آدَمُ } أي: تلقف وتلقن, وألهمه الله { مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } وهي قوله: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته { فَتَابَ } الله { عَلَيْهِ } ورحمه { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } لمن تاب إليه وأناب.
وتوبته نوعان: توفيقه أولا, ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا.
{ الرَّحِيمِ } بعباده, ومن رحمته بهم, أن وفقهم للتوبة, وعفا عنهم وصفح.
{فتلقى} تلقى، والتلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم.
{آدم من ربه كلمات} قراءة العامة: آدم برفع الميم وكلمات بخفض التاء، قرأ ابن كثير: آدم بالنصب وكلمات برفع التاء يعني جاءت الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب توبته.
واختلفوا في تلك الكلمات؛ قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن: "هي قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا} الآية".
وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: "هي قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت ( التواب الرحيم )".
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين.
وقال عبيد بن عمير: "هي أن آدم قال يا رب أرأيت ما أتيت بشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟، قال الله تعالى: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يارب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر لي".
وقيل: هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء.
قال ابن عباس: "بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة".
وروى المسعودي عن يونس بن خباب وعلقمة بن مرثد قالوا: "لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة".
قال شهر بن حوشب: "بلغني أن آدم لما هبط إلى الأرض مكث ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى".
قوله: {فتاب عليه} فتجاوز عنه.
{إنه هو التواب} يقبل توبة عباده.
{الرحيم} بخلقه.
«فتلقى آدمُ من ربِّه كلماتٍ» ألهمه إياها وفي قراءة بنصب آدم ورفع كلمات، أي جاءه وهى (ربَّنا ظلمنا أنفسا) الآية فدعا بها «فتاب عليه» قبل توبته «إنه هو التواب» على عباده «الرحيم» بهم.
فتلقى آدمُ بالقبول كلماتٍ، ألهمه الله إياها توبة واستغفارًا، وهي قوله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (7:23)} فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العو والمغفرة من ربه فقال : ( فتلقى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ) .التلقي في الأصل : التعرض للقاء ، ثم استعمل بمعنى أخذ الشيء وقبوله ، تقول : تلقيت رسالة من فلان .
أي أخذتها منه وقبلتها .والكلمات : جمع كلمة ، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى ، وأرجح ما قيل في تعيين هذه الكلمات ، ما أشار إليه القرآن في سورة الأعراف بقوله :( قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ) والتوبة في أصل اللغة معناها : الرجوع ، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية إلى الطاعة ، وإذا عديت بعلى - كما في هذه الآية - كان معناها قبول التوبة ، فالعبد يتوب عن المعصية ، والله يتوب على العبد أي : يقبل توبته .وجملة ( إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ) واردة مورد التعليل لقوله : ( فَتَابَ عَلَيْهِ ) .والتواب وصف له - تعالى - من تاب ، أي : قبل التوبة ، وجاء التعبير بصيغة فعّال : للإِشعار بأنه كثير القبول للتوبة من عباده ، وليدل على أنه يقبل توبة العبد وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه ثم يعود إليه بعد التوبة ثم يتوب بعد العودة إليه توبة صادقة نصوحاً .
فيه مسائل المسألة الأولى: قال القفال: أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيم ﴾ ، أي تلقنه.
ويقال: تلقينا الحجاج أي استقبلناهم.
ويقال: تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه.
وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال: كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال: تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول، وجاز أن يقال: تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله: ﴿ لا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون).
المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لابد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل يجب حمله على أحد الأمور.
أحدها: التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين.
وثانيها: أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه.
قال الله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ ، أي أخذها وقبلها وعمل بها.
وثالثها: أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة.
ورابعها: أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي؟
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال: يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟
قال: بلى.
قال: ألم تسكني جنتك؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟
قال: بلى.
قال: يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة؟
قال: بلى فهو قوله: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ وزاد السدي فيه: يا رب هل كنت كتبت علي ذنباً؟
قال: نعم.
وثانيها: قال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه.
قال: علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما.
وثالثها: قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ .
ورابعها: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
وخامسها: قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي.
اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وأرضى بما قسمت لي.
فأوحى الله تعالى إلى آدم: يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.
المسألة الرابعة: قال الغزالي رحمه الله: التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة، علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث، والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضته سنة الله في الملك والملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم، فإذا كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندماً، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابساً له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر.
وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول (على التوبة).
ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر.
وبهذا الاعتبار قال عليه السلام: الندم توبة إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفاً بطرفيه، أعني مثمره وثمرته، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة وهو كلام حسن.
وقال القفال: لابد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فيما بين ذلك كله، أما أنه لابد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلاً له فلا يكون تائباً، وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضياً بكونه فاعلاً له والراضي بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائباً عنه، وأما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية معصية، وأما الإشفاق فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً، ولهذا قال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ ﴾ وقال عليه السلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا».
واعلم أن كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق، إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضرراً مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتباً على البعض ترتباً ضرورياً لم يكن ذلك داخلاً تحت قدرته فاستحال أن يكون مأموراً به.
والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل، لكن لقائل أن يقول: تحصيل العلم ليس أيضاً في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول؛ فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول، إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة.
فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضرورياً، فلا يكون ذلك داخلاً في القدرة والاختيار، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لابد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة.
فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة.
قلنا: العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه؛ وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم.
المسألة الخامسة: سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال: إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة؟
وأجاب بأن أبا علي قال: إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يعد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادماً أو مصراً لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب.
أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول: لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك، فإذا كان الترك واجباً عند الإمكان فلابد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان، وربما قال: تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله: لأن التوبة لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالاً بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة.
المسألة السادسة: قال القفال: أصل التوبة الرجوع كالأوبة.
يقال: توب كما يقال أوب.
قال الله تعالى: ﴿ قَابِلِ التوب ﴾ فقولهم تاب يتوب توباً وتوبة ومتاباً فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوباً وأوبة فهو آيب وأواب، والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاصٍ فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال: تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة، فقيل في العبد: تاب إلى ربه.
وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده، ثم يراجع خدمته، فيقال: فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه، إذا عرفت هذا فنقول: قبول التوبة يكون بوجهين، أحدهما: أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك، والثاني: أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة.
المسألة السابعة: المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين: الأول: أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك، فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل.
فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته، فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب.
الثاني: أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم.
المسألة الثامنة: في هذه الآية فوائد: إحداها: أنه لابد وأن يكون العبد مشتغلاً بالتوبة في كل حين وأوان، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار.
أما الأحاديث: (أ) روي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين: يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه، وقال علي: كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل.
(ب) وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة».
(ج) وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة».
(د) وأبو هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً».
أخرجاه في الصحيح.
(هـ) وقال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة».
واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات: أحدها: أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته.
وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك.
وثالثها: أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة.
ورابعها: وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر.
(و) أبو هريرة قال: قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً.
(ز) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى: يقول لملائكته: إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة رواه مسلم.
(ح) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول: يا كريم العفو، فقال جبريل: أو تدري ما كريم العفو؟
فقال: لا يا جبريل.
قال: أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة.
(ط) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب».
(ي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قد قتل تسعة وتسعين نفساً فهل للقاتل من توبة؟
فقال: لا، فقتله فكمل المائة.
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال: إنه قتل مائة نفس فهل من توبة؟
فقال: نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى.
وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط.
فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة».
رواه مسلم.
(يا) ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده، فقال الله سبحانه وتعالى: (جعلت صدورهم مساكن لك)، فقال: رب زدني، فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.
قال: رب زدني.
قال: تجري منه مجرى الدم.
قال: رب زدني.
قال: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد ﴾ ، قال: فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطه علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك، فقال الله تعالى: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.
قال: رب زدني.
قال: الحسنة بعشر أمثالها.
قال: رب زدني.
قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر.
(يب) أبو موسى الأشعري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه مسلم.
(يج) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له».
ثم قرأ: ﴿ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ .
(يد) أبو إمامة قال: بينا أنا قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي.
قال: فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك، وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم خرج قال أبو أمامة: فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يتبعه ويقول: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، فقال عليه السلام: «أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء؟» قال: بلى يا رسول، قال: «وشهدت معنا هذه الصلاة؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذبنك».
رواه مسلم.
(يه) عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة من أقصى المدينة وإني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا عليه هذه الآية: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ .
فقال واحد من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة، قال: «بل للناس عامة».
رواه مسلم.
(يو) أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «إن عبداً أصاب ذنباً فقال يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر.
فقال: يا رب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: إن عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء».
أخرجاه في الصحيح.
(يز) أبو بكر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لم يصر من استغفر الله ولو عاد في اليوم سبعين مرة».
(يح) أبو أيوب قال: قد كنت كتمتكم شيئاً سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم».
رواه مسلم.
(يط) قال عبد الله: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال: يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي، فقال عليه الصلاة والسلام: «ضعهن عنك» فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن، فقال عليه السلام: «أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها»، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال: «والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبياً لله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن».
فرجع بهن.
(ك) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا.
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
قال: وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاماً له.
وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة.
أولهن: الندم على ما مضى.
الثاني: العزم على ترك الذنوب في المستقبل.
الثالث: أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله تعالى.
الرابع: أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم.
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت من الحرم.
السادس: إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية.
وكان أحمد بن حارس يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.
الفائدة الثانية: من فوائد الآية: أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك.
الفائدة الثالثة: أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر».
المسألة التاسعة: إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك، وقد ذكرها في قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها.
وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات؛ على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به.
فإن قلت: ما هنّ؟
قلت: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا...
﴾ الآيه [الأعراف: 23] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟
قال: بلى.
قال: ألم تسكني جنتك؟
قال: بلى.
قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟
قال: نعم» ، واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعاً له، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك.
وقد ذكرها في قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ [الاعراف: 23] .
﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول.
فإن قلت: لم كرر: ﴿ قُلْنَا اهبطوا ﴾ ؟
قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ .
فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟
قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.
والمعنى: فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم؛ بدليل قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ﴾ فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟
قلت: للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب.
وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً، كان الإيمان به وتوحيده واجباً؛ لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال.
فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغيّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟
قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات.
وإنما جرى عليه ما جرى، تعظيماً للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلاً، ليكون ذلك لطفاً له ولذريّته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة.
وقرئ: ﴿ فمن تبع هُدَيَّ ﴾ على لغة هذيل، ﴿ فلا خوف ﴾ بالفتح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِها حِينَ عَلِمَها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ ورَفْعِ الكَلِماتِ عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ وبَلَغَتْهُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ الرُّوحَ مِن رُوحِكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ، قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تُسْكُنِّي جَنَّتَكَ، قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟
قالَ: نَعَمْ.
وأصْلُ الكَلِمَةِ: الكَلِمُ، وهو التَّأْثِيرُ المُدْرَكُ بِإحْدى الحاسَّتَيْنِ السَّمْعِ والبَصَرِ كالكَلامِ والجِراحَةِ والحَرَكَةِ.
﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ، وإنَّما رَتَّبَهُ بِالفاءِ عَلى تَلَقِّي الكَلِماتِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّوْبَةِ: وهو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ.
واكْتُفِيَ بِذِكْرِ آدَمَ لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَبَعًا لَهُ في الحُكْمِ ولِذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ القُرْآنِ والسُّنَنِ.
﴿ إنَّهُ هو التَّوّابُ ﴾ الرَّجّاعُ عَلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ، أوِ الَّذِي يُكْثِرُ إعانَتَهم عَلى التَّوْبَةِ، وأصْلُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ، فَإذا وُصِفَ بِها العَبْدُ كانَ رُجُوعًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وإذا وُصِفَ بِها البارِي تَعالى أُرِيدَ بِها الرُّجُوعُ عَنِ العُقُوبَةِ إلى المَغْفِرَةِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وعْدٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ مَعَ العَفْوِ.
<div class="verse-tafsir"
{فتلقى آدم مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها وبنصب آدم ورفع كلمات مكي على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به وهن قوله تعالى {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن أحب الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حيث اقترف الخطيئة سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال يا رب ألم تنفخ فيَّ من روحك ألم تسبق رحمتك غضبك ألم تسكنى جنتك وهو تعالى يقول بلى بلى قال فلم أخرجتني من الجنة قال بشؤم معصيتك قال تبت أراجعي أنت إليها قال نعم {فَتَابَ عَلَيْهِ} فرجع عليه بالرحمة والقبول واكتفى بذكر توبة آدم
لأن حواء كانت تبعاً له ولقد طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك {إِنَّهُ هُوَ التواب} الكثير القبول للتوبة {الرحيم} على عباده
﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ المُرادُ بِتَلَقِّي الكَلِماتِ اسْتِقْبالُها بِالأخْذِ، والقَبُولِ، والعَمَلِ بِها، فَهو مُسْتَعارٌ مِنَ اسْتِقْبالِ النّاسِ بَعْضَ الأحِبَّةِ، إذا قَدِمَ بَعْدَ طُولِ الغَيْبَةِ، لِأنَّهم لا يَدَعُونَ شَيْئًا مِنَ الإكْرامِ إلّا فَعَلُوهُ، وإكْرامُ الكَلِماتِ الوارِدَةِ مِنَ الحَضْرَةِ الأخْذُ والقَبُولُ والعَمَلُ بِها، وفي التَّعْبِيرِ بِالتَّلَقِّي إيماءٌ إلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ في مَقامِ البُعْدِ، (ومِن رَبِّهِ) حالٌ مِن كَلِماتٍ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَلَقّى)، وهي مِن تَلَقّاهُ مِنهُ، بِمَعْنى تَلَقَّنَهُ، ولَوْلا خُلُوُّهُ عَمّا في الأوَّلِ مِنَ اللَّطافَةِ لَتَلَقَّيْناهُ بِالقَبُولِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ آدَمَ، ورَفْعِ كَلِماتٍ، عَلى مَعْنى اسْتَقْبَلَتْهُ، فَكَأنَّها مُكَرِّمَةٌ لَهُ لِكَوْنِها سَبَبَ العَفْوِ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِقْبالُ مَجازًا عَنِ البُلُوغِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والمَرْوِيُّ في المَشْهُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ﴾ الآيَةَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، وقِيلَ: رَأى مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَفَّعْ بِهِ، وإذا أُطْلِقَتِ الكَلِمَةُ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْتُطْلَقِ الكَلِماتُ عَلى الرُّوحِ الأعْظَمِ والحَبِيبِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَما عِيسى بَلْ وما مُوسى بَلْ وما وما إلّا بَعْضٌ مِن ظُهُورِ أنْوارِهِ، وزَهْرَةٌ مِن رِياضِ أنْوارِهِ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ التَّوْبَةُ أصْلُها الرُّجُوعُ، وإذا أُسْنِدَتْ إلى العَبْدِ كانَتْ كَما في الإحْياءِ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: عِلْمٍ، وهو مَعْرِفَةُ ضَرَرِ الذَّنْبِ، وكَوْنِهِ حِجابًا عَنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ، وحالٍ، يُثَمِّرُهُ ذَلِكَ العِلْمُ وهو تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ، ونُسَمِّيهِ نَدَمًا، وعَمَلٍ، يُثَمِّرُهُ الحالُ، وهو التَّرْكُ والتَّدارُكُ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وكَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى النَّدَمِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ لازِمًا لِلْعِلْمِ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَمَلِ، وفي الحَدِيثِ: «(النَّدَمُ تَوْبَةٌ)» وطَرِيقُ تَحْصِيلِها تَكْمِيلُ الإيمانِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وضَرَرِ المَعاصِي فِيها، وإذا أُسْنِدَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كانَتْ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ، والعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ، ونَحْوِهِ، أوِ التَّوْفِيقِ لَها والتَّيْسِيرِ لِأسْبابِها بِما يُظْهِرُ لِلتّائِبِينَ مِن آياتِهِ، ويُطْلِعُهم عَلَيْهِ مِن تَخْوِيفاتِهِ حَتّى يَسْتَشْعِرُوا الخَوْفَ، فَيَرْجِعُوا إلَيْهِ، وتَرْجِعُ في الآخِرَةِ إلى مَعْنى التَّفَضُّلِ والعَطْفِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِعَلى، وأتى سُبْحانَهُ بِالفاءِ لِأنَّ تَلَقِّيَ الكَلِماتِ عَيْنُ التَّوْبَةِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَها، ولا شَكَّ أنَّ القَبُولَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، فَهي إذًا لِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّوْبَةَ لَمّا دامَ عَلَيْها صَحَّ التَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ آخِرِها، إذْ لا فاصِلَ حِينَئِذٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُما بَكَيا مِائَتَيْ سَنَةٍ عَلى ما فاتَهُما، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: فَتابَ عَلَيْهِما، لِأنَّ النِّساءَ تَبَعٌ يُغْنِي عَنْهُنَّ ذِكْرُ المَتْبُوعِ، ولِذا طَوى ذِكْرَهُنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ما يُقَوِّي رَجاءَ المُذْنِبِينَ ويَجْبُرُ كَسْرَ قُلُوبِ الخاطِئِينَ، حَيْثُ افْتَتَحَها (بِـإنَّ) وأتى بِضَمِيرِ الفَصْلِ، وعَرَّفَ المُسْنَدَ، وأتى بِهِ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ إشارَةً إلى قَبُولِهِ التَّوْبَةَ كُلَّما تابَ العَبْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَن يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وجَمَعَ بَيْنَ وصْفَيْ كَوْنِهِ تَوّابًا وكَوْنِهِ رَحِيمًا إشارَةً إلى مَزِيدِ الفَضْلِ، وقَدَّمَ التَّوّابَ لِظُهُورِ مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ في ذِكْرِ الرَّحِيمِ بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ والتَّفَضُّلِ، وأنَّهُ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، فَيَرْحَمُ عَبْدَهُ في عَيْنِ غَضَبِهِ، كَما جَعَلَ هُبُوطَ آدَمَ سَبَبَ ارْتِفاعِهِ، وبَعْدَهُ سَبَبَ قُرْبِهِ فَسُبْحانَهُ مِن تَوّابٍ، ما أكْرَمَهُ، ومِن رَحِيمٍ ما أعْظَمَهُ، وإذا فُسِّرَ التَّوّابُ بِالرَّجّاعِ إلى المَغْفِرَةِ كانَ الكَلامُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ أوْ بِالَّذِي يُكْثِرُ الإعانَةَ عَلى التَّوْبَةِ، كانَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ ﴾ إلَخْ، وقَرَأ نَوْفَلٌ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، قرأ ابن كثير فَتَلَقَّى آدَمُ بنصب آدم ورفع كلمات.
وقرأ غيره برفع آدم وكسر كلمات.
فأما من قرأ فَتَلَقَّى آدَمُ بالرفع فمعناه أخذ وقيل من ربه.
ومن قرأ ينصب آدم.
يعني استقبلته كلمات من ربه.
يقال: تلقيت فلاناً بمعنى استقبلته.
ومعنى ذلك كله: أن الله تعالى ألهمه كلمات، فاعتذر بتلك الكلمات وتضرع إليه، فتاب الله عليه.
وروي عن مجاهد أنه قال: تلك الكلمات هي قوله عز وجل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الآية.
وقال بعضهم: قال: بحق محمد أن تقبل توبتي.
قال الله له: ومن أين عرفت محمداً؟
قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك.
فتاب الله عليه.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الكلمات هي قوله سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ وارحمني، إنك أنت التواب الرحيم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الغافرين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين.
قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ، يعني قبل الله توبته.
يقال: تاب العبد إلى ربه وتاب الله على عبده، فهذا اللفظ مشترك إلا أنه إذا ذكر من العبد يقال: تاب إلى الله، وإذا ذكر من الله تعالى يقال: تاب الله على عبده، إذا رجع العبد عن ذنبه.
وتاب الله على عبده، إذا قبل توبته.
قوله: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يعني المتجاوز عن الذنوب الرحيم بعباده.
<div class="verse-tafsir"
وقيل: بِمَيْسَانَ «١» ، وأن إبليسَ نزل عند الأُبُلَّةِ «٢» .
قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ: المعنى: فقال الكلماتِ، فتابَ اللَّه علَيْه عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير «٣» «آدَمَ» بالنصب «مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ» بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ...
«٤» الآية [الأعراف: ٢٣] ، وقالت طائفة: إِنَّ آدم رأى مكتوباً على ساق العرش: محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ «٥» ، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال: يقول ما قاله أبواه: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] وما قاله موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] وتَابَ عَلَيْهِ: معناه: راجعٌ به، والتوبةُ، من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب، مع تركه فيما يستأنف.
ت: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالى آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه وأيضاً: فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [طه: ١٢١] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: هُوَ التَّوَّابُ تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي
نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى.
ت: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العبادات.
١٧ ب وجَمِيعاً: حالٌ من الضمير/ في «اهبطوا» ، واختلف في المقصود بهذا الخطاب.
فقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع «١» .
«وإِنْ» في قوله: فَإِمَّا هي للشرط، دخلت «مَا» عليها مؤكِّدة ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله: هُدىً فقيل: بيان وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة: الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ .
تَلَقّى: بِمَعْنى أخَذَ، وقَبِلَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ [وَسَيَتَقْبِلَهُ ] بِكَلامٍ مِن عِنْدِهِ، فَفَعَلَ [ذَلِكَ آَدَمُ ] فَتابَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " فَتَلَقّى آدَمَ " بِالنَّصْبِ، " كَلِماتٌ ": بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّ الكَلِماتِ هي الفاعِلَةُ.
وَفِي الكَلِماتِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا، وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ .
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ: أيْ: رَبِّ؛ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟
قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ إلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: ألَمْ تُسْجِدْ لِي مَلائِكَتَكَ، وتُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: أيْ: رَبِّ [أرَأيْتَ ] إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟
قالَ: نَعَمْ.
حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ، اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي، فَأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، [اللَّهُمَّ ] لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ.
رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَدْ ذُكِرَتْ أقْوالٌ مِن كَلِماتِ الِاعْتِذارِ تُقارِبُ هَذا المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ .
أصْلُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ، فالتَّوْبَةُ مِن آَدَمَ: رُجُوعُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى: رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، والثَّوابُ الَّذِي كُلَّما تَكَرَّرَتْ تَوْبَةُ العَبْدِ تَكَرَّرَ قَبُولُهُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ حَوّاءُ في التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَجِرْ لَها ذِكْرٌ، لا أنَّ تَوْبَتَها لَمْ تُقْبَلْ.
وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ مَعْنى فِعْلِ الِاثْنَيْنِ واحِدًا؛ جازَ أنْ يُذْكَرَ أحَدُهُما ويَكُونُ المَعْنى لَهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ المَعْنى: فَقالَ الكَلِماتُ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، و"آدَمُ" رُفِعَ بـِ "تَلَقّى" "كَلِماتٍ" نُصِبَ بِها، والتَلَقِّي مِن آدَمَ هو الإقْبالُ عَلَيْها، والقَبُولُ لَها، والفَهْمُ، وحَكى مَكِّيُّ قَوْلًا أنَّهُ أُلْهِمَها فانْتَفَعَ بِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "آدَمَ" بِالنَصْبِ ﴿ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ بِالرَفْعِ، فالتَلَقِّي مِنَ الكَلِماتِ هو نَيْلُ آدَمَ بِسَبَبِها رَحْمَةَ اللهِ وتَوْبَتَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الكَلِماتِ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ الآيَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي أنَّ آدَمَ، قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ الرَحِيمُ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ.
ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: أيْ رَبِّ.
ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟
قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ.
ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟
قالَ: بَلى، قالَ: أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأطَعْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟
قالَ: نَعَمْ.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ، أرَأيْتَ ما عَصَيْتُكَ فِيهِ أشِيءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ أمْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتَهُ؟
قالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيْكَ، قالَ: أيْ رَبِّ.
كَما كَتَبْتَهُ عَلَيَّ فاغْفِرْ لِي.
وقالَ قَتادَةُ: الكَلِماتُ هي أنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ.
أرَأيْتَ إنْ أنا تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟
قالَ: إذًا أُدْخِلُكَ الجَنَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ المُرادَ بِالكَلِماتِ نَدَمُهُ واسْتِغْفارُهُ وحُزْنُهُ، وسَمّاها كَلِماتٍ مَجازًا لِما هي في خَلْقِها صادِرَةٌ عن كَلِماتٍ، وهي كُنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّ آدَمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إلّا الِاسْتِغْفارَ المَعْهُودَ.
وسُئِلَ بَعْضُ سَلَفِ المُسْلِمِينَ عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ المُذْنِبُ فَقالَ: يَقُولُ ما قالَ أبَواهُ: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ وما قالَ مُوسى: ﴿ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي ﴾ .
وما قالَ يُونُسُ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ ﴾ .
"وَتابَ عَلَيْهِ" مَعْناهُ: رَجَعَ بِهِ، والتَوْبَةُ مِنَ اللهِ تَعالى: الرُجُوعُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَحْمَةِ والتَوْفِيقِ، والتَوْبَةُ مِنَ العَبْدِ: الرُجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والنَدَمُ عَلى الذَنْبِ مَعَ تَرْكِهِ فِيما يَسْتَأْنِفُ وإنَّما خَصَّ اللهُ تَعالى آدَمَ بِالذِكْرِ هُنا في التَلَقِّي والتَوْبَةِ، وحَوّاءَ مُشارِكَةً لَهُ في ذَلِكَ بِإجْماعٍ لِأنَّهُ المُخاطَبُ في أوَّلِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ ، فَلِذَلِكَ كَمَلُتِ القِصَّةُ بِذَكَرِهِ وحْدَهُ، وأيْضًا فَلِأنَّ المَرْأةَ حُرْمَةٌ ومَسْتُورَةٌ، فَأرادَ اللهُ السَتْرَ لَها، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْها في المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى تابَ عَلى آدَمَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.
وكُنْيَةُ آدَمَ أبُو مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: أبُو البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَقْرَبَ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّهُ.
وبِنْيَةُ "التَوّابُ" لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ، تَأْكِيدٌ فائِدَتُهُ أنَّ التَوْبَةَ عَلى العَبْدِ إنَّما هي نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ لا مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ، لِئَلّا يَعْجَبَ التائِبَ، بَلِ الواجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُ اللهِ تَعالى في تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ.
وكَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لَمّا عَلَّقَ بِكُلِّ أمْرٍ مِنهُما حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الآخَرِ، فَعَلَّقَ بِالأوَّلِ العَداوَةَ، وعَلَّقَ بِالثانِي إتْيانَ الهُدى، وقِيلَ: كَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ عَلى جِهَةِ تَغْلِيظِ الأمْرِ وتَأْكِيدِهِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُمْ قُمْ.
وحَكى النَقّاشُ أنَّ الهُبُوطَ الثانِيَ إنَّما هو مِنَ الجَنَّةِ إلى السَماءِ، والأوَّلُ في تَرْتِيبِ الآيَةِ إنَّما هو إلى الأرْضِ وهو الآخَرُ في الوُقُوعِ، فَلَيْسَ في الأمْرِ تَكْرارٌ عَلى هَذا.
و"جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "اهْبِطُوا"، ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، ولا اسْمَ فاعِلٍ، ولَكِنَّهُ عَوَّضَ مِنهُما، دالٌّ عَلَيْهِما، كَأنَّهُ قالَ: هُبُوطًا جَمِيعًا، أو هابِطَيْنِ جَمِيعًا.
واخْتَلَفَ في المَقْصُودِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُمْ، وقِيلَ: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في آدَمَ وحَوّاءَ، لِأنَّ إبْلِيسَ لا يَأْتِيهِ هُدًى، وخُوطِبا بِلَفْظِ الجَمْعِ تَشْرِيفًا لَهُما، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ إبْلِيسَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِإجْماعٍ.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ: "فَإمّا" هي لِلشَّرْطِ، دَخَلَتْ "ما" عَلَيْها مُؤَكِّدَةٌ لِيَصِحَّ دُخُولُ النُونِ المُشَدَّدَةِ، فَهي بِمَثابَةِ لامِ القَسَمِ الَّتِي تَجِيءُ لِتَجِيءَ النُونُ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: "مِنِّي" إشارَةٌ إلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقُ اللهِ تَعالى، واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ "هُدًى" فَقِيلَ: بَيانٌ وإرْشادٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يُقالَ: بَيانٌ ودُعاءٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الهُدى الرُسُلُ، وهي إلى آدَمَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإلى بَنِيهِ مِنَ البَشَرِ، هو فَمَن بَعْدَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ ﴾ ، شَرْطٌ جَوابُهُ ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: الشَرْطُ الثانِي وجَوابُهُ هُما جَوابُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، جَوابُ الشَرْطَيْنِ جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حُكِيَ هَذا، وفِيهِ نَظَرٌ، ولا يَتَوَجَّهُ أنْ يُخالِفَ سِيبَوَيْهِ هُنا، وإنَّما الخِلافُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ ﴾ ، فَيَقُولُ سِيبَوَيْهِ: جَوابُ الشَرْطَيْنِ.
وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالمَعْنى يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ﴿ فَلا خَوْفٌ ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ "هُدًى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ يَرْثِي بَنِيهِ: سَبَقُوا هُوِيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وكَذَلِكَ يَقُولُونَ: عَصِيَّ وما أشْبَهَهُ، وعِلَّةُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّ ياءَ الإضافَةِ مِن شَأْنِها أنْ يُكْسَرَ ما قَبْلَها، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ في هَذا الوَزْنِ كَسْرُ الألِفِ الساكِنَةِ أُبْدِلَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ" نُصِبَ بِالتَبْرِئَةِ.
ووَجْهُهُ أنَّهُ أعَمُّ وأبْلَغُ في رَفْعِ الخَوْفِ، ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّهُ أعْدَلُ في اللَفْظِ لِيَنْعَطِفَ المَرْفُوعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى مَرْفُوعٍ.
و"لا" في قِراءَةِ الرَفْعِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عنهُ: "فَلا خَوْفُ" بِالرَفْعِ وتَرَكَ التَنْوِينَ، وهي عَلى أنْ تَعْمَلَ "لا" عَمَلَ لَيْسَ، لَكِنَّهُ حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الدُنْيا ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى ما فاتَهم مِنها.
ويُحْتَمَلُ أنْ ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَيْثُ لا خَوْفٌ ولا حَزَنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، عَطْفُ جُمْلَةٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مَرْفُوعَةٍ، وقالَ: "وَكَذَّبُوا" وكانَ في الكُفْرِ كِفايَةٌ، لِأنَّ لَفْظَةَ "كَفَرُوا" يَشْتَرِكُ فِيها كُفْرُ النِعَمِ، وكُفْرُ المَعاصِي، ولا يَجِبْ بِهَذا خُلُودٌ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو الشِرْكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ، والآيَةُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَلامَةَ المَنصُوبَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذا الكِتابِ القَوْلُ عَلى لَفْظِ آيَةٍ، و"أُولَئِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والصُحْبَةُ الِاقْتِرانُ بِالشَيْءِ في حالَةِ ما في زَمَنٍ ما، فَإنْ كانَتِ المُلازَمَةُ والخُلْطَةُ فَهو كَمالُ الصُحْبَةِ، وهَكَذا هي صُحْبَةُ أهْلِ النارِ لَها، وبِهَذا القَوْلِ يَنْفَكُّ الخِلافُ في تَسْمِيَةِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ؛ لِأنَّ مَراتِبَهم مُتَبايِنَةً، أقَلُّها الِاقْتِرانُ في الإسْلامِ والزَمَنُ، وأكْثَرُها الخُلْطَةُ والمُلازَمَةُ، ﴿ وَهم فِيها خالِدُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
جاء بالفاء إيذاناً بمبادرة آدم بطلب العفو.
والتلقي استقبال إكرام ومسرة قال تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ [الأنبياء: 103] ووجه دلالته على ذلك أنه صيغة تفعل من لقيه وهي دالة على التكلف لحصوله وتطلبه وإنما يتكلف ويتطلب لقاء الأمر المحبوب بخلاف لاقى فلا يدل على كون الملاقى محبوباً بل تقول لاقى العدو.
واللقاء الحضور نحو الغير بقصد أو بغير قصد وفي خير أو شر، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ [الأنفال: 45] الآية فالتعبير بتلقى هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له فعلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ بل كلمات عفو ومغفرة ورضى وهي إما كلمات لقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالباً المغفرة وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك في العقوبة، ومما يدل على أنها كلمات عفو عطف ﴿ فتاب عليه ﴾ بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب.
وتلقي آدم للكلمات إما بطريق الوحي أو الإلهام.
ولهم في تعيين هذه الكلمات روايات أعرضنا عنها لقلة جدوى الاشتغال بذلك، فقد قال آدم الكلمات فتيب عليه فلنهتم نحن بما ينفعنا من الكلام الصالح والفعل الصالح.
ولم تذكر توبة حواء هنا مع أنها مذكورة في مواضع أخرى نحو قوله: ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ [الأعراف: 23] لظهور أنها تتبعه في سائر أحواله وأنه أرشدها إلى ما أرشد إليه، وإنما لم يذكر في هذه الآية لأن الكلام جرى على الابتداء بتكريم آدم وجعله في الأرض خليفة فكان الاعتناء بذكر تقلباته هو الغرض المقصود.
وأصل معنى تاب رجع ونظيره ثاب بالمثلثة، ولما كانت التوبة رجوعاً من التائب إلى الطاعة ونبذاً للعصيان وكان قبولها رجوعاً من المتوب إليه إلى الرضى وحسن المعاملة وصف بذلك رجوع العاصي عن العصيان ورجوع المعصي عن العقاب فقالوا تاب فلان لفلان فتاب عليه لأنهم ضمنوا الثاني معنى عطف ورضى فاختلاف مفادي هذا الفعل باختلاف الحرف الذي يتعدى به وكان أصله مبنياً على المشاكلة.
والتوبة تتركب من علم وحال وعمل، فالعلم هو معرفة الذنب والحال هو تألم النفس من ذلك الضرر ويسمى ندماً، والعمل هو الترك للإثم وتدارك ما يمكن تداركه وهو المقصود من التوبة، وأما الندم فهو الباعث على العمل ولذلك ورد في الحديث: «الندم توبة» قاله الغزالي، قلت: أي لأنه سببها ضرورة أنه لم يقصر لأن أحد الجزءين غير معرفة.
ثم التعبير بتاب عليه هنا مشعر بأن أكل آدم من الشجرة خطيئة إثم غير أن الخطيئة يومئذ لم يكن مرتباً عليها جزاءُ عقاب أخروي ولا نقص في الدين ولكنها أوجبت تأديباً عاجلاً لأن الإنسان يومئذ في طور كطور الصبا فلذلك لم يكن ارتكابها بقادح في نبوءة آدم على أنها لا يظهر أن تعد من الكبائر بل قصارها أن تكون من الصغائر إذ ليس فيها معنى يؤذن بقلة اكتراث بالأمر ولا يترتب عليه فساد، وفي عصمة الأنبياء من الصغائر خلاف بين أصحاب الأشعري وبين الماتريدي وهي في كتب الكلام، على أن نبوءة آدم فيما يظهر كانت بعد النزول إلى الأرض فلم تكن له عصمة قبل ذلك إذ العصمة عند النبوءة.
وعندي وبعضه مأخوذ من كلامهم أن ذلك العالم لم يكن عالم تكليف بالمعنى المتعارف عند أهل الشرائع بل عالم تربية فقط فتكون خطيئة آدم ومعصيته مخالفة تأديبية ولذلك كان الجزاء عليها جارياً على طريقة العقوبات التأديبية بالحرمان مما جره إلى المعصية، فإطلاق المعصية والتوبة وظلم النفس على جميع ذلك هو بغير المعنى الشرعي المعروف بل هي معصية كبيرة وتوبة بمعنى الندم والرجوع إلى التزام حسن السلوك، وتوبة الله عليه بمعنى الرضى لا بمعنى غفران الذنوب، وظلم النفس بمعنى التسبب في حرمانها من لذات كثيرة بسبب لذة قليلة فهو قد خالف ما كان ينبغي أن لا يخالفه ويدل لذلك قوله بعد ذلك: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي إلى قوله خالدون ﴾ [البقرة: 38، 39] فإنه هو الذي بين به لهم أن المعصية بعد ذلك اليوم جزاؤها جهنم فأورد عليّ بعض الحذاق من طلبة الدرس أنه إذا لم يكن العالم عالم تكليف فكيف كفر إبليس باعتراضه وامتناعه من السجود؟
فأجبته بأن دلالة ألوهية الله تعالى في ذلك العالم حاصلة بالمشاهدة حصولاً أقوى من كل دلالة زيادة على دلالة العقل لأن إبليس شاهد بالحس الدلائل على تفرده تعالى بالألوهية والخلق والتصرف المطلق وبعلمه وحكمته واتصافه بصفات الكمال كما حصل العلم بمثله للملائكة فكان اعتراضه على فعله والتغليط إنكاراً لمقتضى تلك الصفات فكان مخالفة لدلائل الإيمان فكفر به.
وأما الأمر والنهي والطاعة والمعصية وجزاء ذلك فلا يتلقى إلا بالإخبارات الشرعية وهي لم تحصل يومئذ وإنما حصلت بقوله تعالى لهم: ﴿ فمن تبع هداي ﴾ الآية فظهر الفرق.
وقرأ الجمهور ﴿ آدم ﴾ بالرفع و ﴿ كلمات ﴾ بالنصب، وقرأه ابن كثير بنصب (آدم) ورفع (كلمات) على تأويل (تلقى) بمعنى بلغته كلمات فيكون التلقي مجازاً عن البلوغ بعلاقة السببية.
وقوله: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾ تذييل وتعليل للجملة السابقة وهي ﴿ فتاب عليه ﴾ لأنه يفيد مفادها مع زيادة التعميم والتذييل من الإطناب كما تقرر في علم المعاني.
ومعنى المبالغة في التواب أنه الكثير القبول للتوبة أي لكثرة التائبين فهو مثال مبالغة من تاب المتعدي بعلى الذي هو بمعنى قبول التوبة إيذان بأن ذلك لا يخص تائباً دون آخر وهو تذييل لقوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه ﴾ المؤذن بتقدير تاب آدم فتاب الله عليه على جعل التواب بمعنى الملهم لعباده الكثيرين أن يتوبوا فإن أمثلة المبالغة قد تجيء من غير التكاثر فالتواب هنا معناه الملهم التوبة وهو كناية عن قبول توبة التائب.
وتعقيبه بالرحيم لأن الرحيم جار مجرى العلة للتواب إذ قبوله التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم وإلا لكانت التوبة لا تقتضي إلا نفع التائب نفسه بعدم العود للذنب حتى تترتب عليه الآثام، وأما الإثم المترتب فكان من العدل أن يتحقق عقابه لكن الرحمة سبقت العدل هنا بوعد من الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ : أمّا (الكَلامُ) فَمَأْخُوذٌ مِنَ التَّأْثِيرِ، لِأنَّ لَهُ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي; ولِذَلِكَ سُمِّيَ الجُرْحُ كَلْمًا لِتَأْثِيرِهِ في البَدَنِ، واللَّفْظُ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِكَ: لَفَظْتُ الشَّيْءَ، إذا أخْرَجْتَهُ مِن قَلْبِكَ.
واخْتُلِفَ في الكَلِماتِ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: قَوْلُ آدَمَ: اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي، إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ، اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ آدَمَ قالَ لِرَبِّهِ إذْ عَصاهُ: رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟
فَقالَ رَبُّهُ: إنِّي راجِعُكَ إلى الجَنَّةِ، وكانَتْ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها مِن رَبِّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ ، أيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ، والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، فَهي مِنَ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ الذَّنْبِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ، والإقْلاعِ عَنْهُ، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، رُجُوعٌ لَهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: فَتابَ عَلَيْهِما، والتَّوْبَةُ قَدْ تَوَجَّهَتْ إلَيْهِما؟
قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: لَمّا ذَكَرَ آدَمَ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ ، ذَكَرَ بَعْدَهُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَوْبَةَ حَوّاءَ وإنْ كانَتْ مَقْبُولَةَ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها.
والثّانِي: أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانَ مَعْنى فِعْلِهِما واحِدًا، جازَ أنْ يُذْكَرَ أحَدُهُما، ويَكُونَ المَعْنى لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وكَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ، أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، لِئَلّا يُخَلِّيَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ مِن نِعَمِهِ.
وَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ إلّا لِلْأرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَعْصِ لَخَرَجَ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ، وقالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ لِلْأرْضِ إنْ عَصى، ولِغَيْرِها إنْ لَمْ يَعْصِ.
وَلَمْ يُخْرِجِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ويُهْبِطُهُ عَلى الأرْضِ عُقُوبَةً، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ صَغِيرًا.
والثّانِي: أنَّهُ أُهْبِطَ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ.
وَإنَّما أُهْبِطَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا تَأْدِيبًا، وإمّا تَغْلِيظًا لِلْمِحْنَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي؟
فأوحى الله إليه: ومن محمد؟
فقال: تبارك اسمك.
لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب» لا إله إلا الله محمد رسول الله «فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك.
فأوحى الله إليه: يا آدم انه آخر النبين من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى.
قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟
قال: بلى.
قال: أي رب ألم تسبق إلي رحمتك قبل غضبك؟
قال: بلى.
قال: أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟
قال: نعم.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر بسند ضعيف عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما أهبط الله آدم إلى الأرض قام وجاء الكعبة فصلى ركعتين، فألهمه الله هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي.
اللهم أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي، فأوحى الله إليه: يا آدم قد قبلت توبتك، وغفرت ذنبك، ولن يدعوني أحد بهذا الدعاء إلا غفرت له ذنبه، وكفيته المهم من أمره، وزجرت عنه الشيطان، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأقبلت إليه الدنيا راغمة وإن لم يردها» .
وأخرج الجندي والطبراني وابن عساكر في فضائل مكة عن عائشة قالت: لما أراد الله أن يتوب على آدم أذن له فطاف بالبيت سبعاً والبيت يومئذ ربوة حمراء فلما صلى ركعتين قام استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي.
اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قسمت لي.
فأوحى الله إليه: إني قد غفرت ذنبك، ولن يأتي أحد من ذريتك يدعوني بمثل ما دعوتني إلا غفرت ذنوبه، وكشفت غمومه وهمومه، ونزعت الفقر من بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها.
وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات وابن عساكر بسند لا بأس به عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت أسبوعاً، وصلى حذاء البيت ركعتين ثم قال: اللهم أنت تعلم سري وعلانيتي فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي.
أسألك إيماناً يباهي قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني بقضائك.
فأوحى الله إليه: يا آدم إنك دعوتني بدعاء فاستجبت لك فيه، ولن يدعوني به أحد من ذريتك إلا استجبت له، وغفرت له ذنبه، وفرجت همه وغمه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا راغمة وإن كان لا يريدها» .
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية عن عبيد بن عمير الليثي قال: قال آدم: يا رب أرأيت ما أتيت أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته على نفسي؟
قال: بلى شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك قال: يا رب فكما كتبته علي فاغفره لي.
فذلك قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: ذكر لنا أنه قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت؟
قال: فإني إذن أرجعك إلى الجنة ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ [ الأعراف: 23] فاستغفر آدم ربه وتاب إليه فتاب عليه.
وأما عدو الله إبليس فوالله ما تنصل من ذنبه، ولا سأل التوبة حين وقع بما وقع به، ولكنه سأل النظرة إلى يوم الدين، فأعطى الله كل واحد منهما ما سأل.
وأخرج الثعلبي من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: قوله: ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال هو قوله: ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ فتلقلى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: هو قوله: ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا...
﴾ الآية.
ولو سكت الله عنها لم يخبرنا عنها لتفحص رجال حتى يعلموا ما هي.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: هو قوله: ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعن الضحاك.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن اسحق التميمي قال: قلت لابن عباس ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟
قال: علم شأن الحج.
فهي الكلمات.
وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن زيد في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك.
رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك.
رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك.
رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أنس في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ قال: سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم.
وذكر أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن شك فيه.
وأخرج هناد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: لما أصاب آدم الخطيئة فزع إلى كلمة الاخلاص فقال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم.
وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.
إن آدم عليه السلام طلب التوبة مائتي سنة حتى أتاه الله الكلمات، ولقنه إياها قال: بينا آدم عليه السلام جالس يبكي، واضع راحته على جبينه إذ أتاه جبريل فسلم عليه، فبكى آدم وبكى جبريل لبكائه فقال له: يا آدم ما هذه البلية التي أجحف بك بلاؤها وشقاؤها، وما هذا البكاء؟
قال: يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حوّلني ربي من ملكوت السموات إلى هوان الأرض، ومن دار المقام إلى دار الظعن والزوال، ومن دار العنة إلى دار البؤس والشقاء، ومن دار الخلد إلى دار الفناء؟
كيف أحصي يا جبريل هذه المصيبة؟
فانطلق جبريل إلى ربه فأخبره بمقالة آدم فقال الله عز وجل: انطلق يا جبريل إلى آدم فقل: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟
قال: بلى يا رب قال: ألم أنفخ فيك من روحي؟
قال: بلى يا رب قال: ألم أسجد لك ملائكتي؟
قال: بلى يا رب قال ألم أسكنك جنتي؟
قال: بلى يا رب قال: ألم آمرك فعصيتني؟
قال: بلى يا رب قال: وعزتي وجلالي وارتفاعي في علو مكاني لو ان ملء الأرض رجالاً مثلك ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين، غير أنه يا آدم قد سبقت رحمتي غضبي، قد سمعت صوتك وتضرعك، ورحمت بكاءك، وأقلت عثرتك، فقل: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين.
لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءاً وظلمت نفسي.
فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم.
فذلك ﴿ فتلقى آدم من ربّه كلمات...
﴾ الآية.
واخرج ابن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه، واشتد ندمه.
فجاءه جبريل فقال: يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟
قال بلى يا جبريل قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وامدح، فليس شيء أحب إلى الله من المدح قال: فأقول ماذا يا جبريل؟
قال: فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير.
ثم تبوء بخطيئتك فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت.
رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي.
قال: ففعل آدم فقال الله: يا آدم من علمك هذا؟
فقال: يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله» فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك.
قال: صدقت.
وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك قال: فحمد آدم ربه وشكره وانصرف بأعظم سرور، لم ينصرف به عبد من عند ربه.
وكان لباس آدم النور قال الله: ﴿ ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ﴾ ثياب النور قال: فجاءته الملائكة أفواجاً تهنئه يقولون: لتهنك توبة الله يا أبا محمد.
وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال: اليوم الذي تاب الله فيه على آدم يوم عاشوراء.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسندٍ واهٍ عن علي قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ﴾ فقال: إن الله أهبط آدم بالهند، وحوّاء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان.
وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكياً على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟
ألم أنفخ فيك من روحي؟
ألم أسجد لك ملائكتي؟
ألم أزوّجك حواء أمتي؟
قال: بلى.
قال: فما هذا البكاء؟
قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن!
قال: فعليك بهؤلاء الكلمات.
فإن الله قابل توبتك، وغافر ذنبك.
قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم.
فهولاء الكلمات التي تلقى آدم» .
وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، إلا تبت علي فتاب عليه» .
وأخرج الخطيب في أماليه وابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن آدم لما أكل من الشجرة أوحى الله إليه: اهبط من جواري.
وعزتي لا يجاورني من عصاني.
فهبط إلى الأرض مسوداً، فبكت الأرض وضجت.
فأوحى الله: يا آدم صم لي اليوم يوم ثلاثة عشر.
فصامه فأصبح ثلثه أبيض، ثم أوحى الله إليه: صم لي هذا اليوم يوم أربعة عشر.
فصامه فأصبح ثلثاه أبيض، ثم أوحى الله إليه صم لي هذا اليوم يوم خمسة عشر.
فصامه فأصبح كله أبيض.
فسميت أيام البيض» .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض قال له: يا آدم أربع احفظهن: واحدة لي عندك، وأخرى لك عندي، وأخرى بيني وبينك، وأخرى بينك وبين الناس.
فأما التي لي عندك فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك عندي فأوفيك عملك لا أظلمك شيئاً، وأما التي بيني وبينك فتدعوني فاستجيب لك، وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس أن تأتي إليهم بما ترضى أن يؤتوا إليك بمثله.
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان قال: لما خلق الله آدم قال: يا آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك.
فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من شيء جزيتك به وأن أغفر فأنا غفور رحيم، وأما التي بيني وبينك فمنك المسألة والدعاء وعلي الاجابة والعطاء.
وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن سلمان رفعه.
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم قال له بنوه: يا أبانا تكلم.
فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال: إن الله أمرني فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري» .
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض أكثر ذريته فنمت، فاجتمع إليه ذات يوم ولده وولد ولده، فجعلوا يتحدثون حوله وآدم ساكت لا يتكلم فقالوا: يا أبانا ما لنا نحن نتكلم وأنت ساكت لا تتكلم؟!
فقال: يا بني إن الله لما أهبطني من جواره إلى الأرض عهد إلي فقال: يا آدم أقل الكلام حتى ترجع إلى جواري.
وأخرج ابن عساكر عن فضالة بن عبيد قال: إن آدم كبر حتى تلعب به بنو بنيه فقيل له: ألا تنهى بني بينك أن يلعبوا بك قال: إني رأيت ما لم يروا، وسمعت ما لم يسمعوا، وكنت في الجنة وسمعت الكلام، وإن ربي وعدني إن أنا أسكت فمي أن يدخلني الجنة.
وأخرج ابن الصلاح في أماليه عن محمد بن النضر قال: قال آدم: يا رب شغلتني بكسب يدي فعلمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح.
فأوحى الله إليه: يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثاً، وإذا أمسيت فقل ثلاثاً.
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده فذلك مجامع الحمد والتسبيح.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة قال: كان آدم عليه السلام يشرب من السحاب.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن كعب قال: أوّل من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن يحيى قال: أوّل من ضرب الدينار والدرهم آدم، ولا تصلح المعيشة إلا بهما.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: أوّل من مات آدم عليه السلام.
وأخرج ابن سعد والحاكم وابن مردويه عن أبي كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما حضر آدم قال لبنيه: أنطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة، فخرجوا فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟
قالوا: بعثنا أبونا لنجني له من ثمار الجنة فقالوا: ارجعوا فقد كفيتم.
فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم، فلما رأتهم حواء ذعرت منهم وجعلت تدنو إلى آدم وتلصق به فقال: إليك عني، فمن قبلك أتيت.
خلّي بيني وبين ملائكة ربي قال: فقبضوا روحه، ثم غسلوه وحنطوه وكفنوه، ثم صلوا عليه، ثم حفروا له ودفنوه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم في موتاكم فكذلكم فافعلوا» .
وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبيّ.
موقوفاً.
وأخرج ابن عساكر عن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن آدم لما حضرته الوفاة أرسل الله إليه بكفن وحنوط من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة جزعت فقال: خليّ بيني وبين رسل ربي.
فما لقيت إلا منك، ولا أصابني الذي أصابني إلا منك» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان لآدم بنون: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر.
فكان أكبرهم يغوث فقال له: يا بني انطلق.
فإن لقيت أحداً من الملائكة فأمره يجيئني بطعام من الجنة، وشراب من شرابها.
فانطلق فلقي جبريل بالكعبة فسأله عن ذلك قال: ارجع فإن أباك يموت.
فرجعنا فوجداه يجود بنفسه، فوليه جبريل فجاءه بكفن، وحنوط، وسدر، ثم قال: يا بني آدم أترون ما أصنع بأبيكم؟
فاصنعوه بموتاكم فغسلوه، وكفنوه، وحنطوه، ثم حملوه إلى الكعبة فكبر عليه أربعاً، ووضعوه مما يلي القبلة عند القبور، ودفنوه في مسجد الخيف.
وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن عباس قال: صلى جبريل على آدم وكبر عليه أربعاً.
صلى جبريل بالملائكة يومئذ في مسجد الخيف، وأخذ من قبل القبلة، ولحد له، وسنم قبره.
واخرج أبونعيم في الحلية عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة فصلى عليها وكبر أربعاً وقال: كبرت الملائكة على آدم أربع تكبيرات» .
وأخرج ابن عساكر عن أبي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألحد آدم، وغسل بالماء وتراً.
فقالت الملائكة: هذه سنة ولد آدم من بعده» .
وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن أبي فراس قال: قبر آدم في مغارة فيما بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، ورجلاه عند الصخرة، ورأسه عند مسجد إبراهيم.
وبينهما ثمانية عشر ميلاً.
وأخرج ابن عساكر عن عطاء الخرساني قال: بكت الخلائق على آدم حين توفي سعبة أيام.
وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد، وليس أحد من أهل الجنة إلا وهم جرد مرد إلا ما كان من موسى بن عمران فإن لحيته تبلغ سرته» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة ليست لهم كنى إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد تعظيماً وتوقيراً» .
وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم عليه السلام له لحية سوداء إلى سرته: وذلك أنه لم يكن له في الدنيا لحية وإنما كانت اللحى بعد آدم، وليس أحد يكنى في الجنة غير آدم.
يكنى فيها أبا محمد.
وأخرج أبو الشيخ عن بكر بن عبدالله المزني قال: ليس أحد في الجنة له كنية إلا آدم يكنى أبا محمد.
أكرم الله بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن عساكر عن غالب بن عبدالله العقيلي قال: كنية آدم في الدنيا أبو البشر، وفي الجنة أبو محمد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن خالد بن معدان قال: أهبط آدم بالهند، وإنه لما توفي حمله خمسون ومائة رجل من بنيه إلى بيت المقدس، وكان طوله ثلاثين ميلاً ودفنوه بها، وجعلوا رأسه عند الصخرة، ورجليه خارجاً من بيت المقدس ثلاثين ميلاً.
وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال: إن آدم لما طؤطئ منع كلام الملائكة وكان يستأنس بكلامهم بكى على الجنة مائة سنة فقال الله عز وجل له: يا آدم ما يحزنك؟
قال: كيف لا أحزن وقد اهبطتني من الجنة ولا أدري أعود إليها أم لا؟
فقال الله تعالى: يا آدم قل: اللهم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك سبحانك وبحمدك.
رب إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين.
والثانية: اللهم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك سبحانك وبحمدك.
رب إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت أرحم الراحمين.
والثالثه: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك لا شريك لك، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التوّاب الرحيم.
فهي الكلمات التي أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التوّاب الرحيم ﴾ قال: وهي لولده من بعده وقال آدم لآبن له يقال له هبة الله.
ويسميه أهل التوراة وأهل الإِنجيل شيث: تعبد لربك واسأله أيردني إلى الجنة أم لا؟
فتعبد لله وسأل.
فأوحى الله إليه: إني راده إلى الجنة فقال: أي رب إني لست آمن أن أبي سيسألني العلامة، فألقى الله سواراً من أسورة الحور، فلما أتاه قال: ما وراءك؟
قال: ابشر.
قال: أخبرني أنه رادك إلى الجنة.
قال: فما سألته العلامة.
فأخرج السوار فرآه فعرفه، فخر ساجداً فبكى حتى سال من عينيه نهر من دموع، وآثاره تعرف بالهند.
وذكر أن كنز الذهب بالهند مما ينبت من ذلك السوار، ثم قال: استطعم لي ربك من ثمر الجنة.
فلما خرج من عنده مات آدم، فجاءه جبريل فقال: إلى أين؟
قال: إن أبي أرسلني أن اطلب إلى ربي أن يطعمه من ثمر الجنة قال: فإن ربه قضى أن لا يأكل منها شيئاً حتى يعود إليها، وأنه قد مات فارجع فواره، فأخذه جبريل عليه السلام فغسله، وكفنه، وحنطه، وصلى عليه، ثم قال جبريل: هكذا فاصنعوا بموتاكم.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: قبر آدم عليه السلام بني في مسجد الخيف، وقبر حواء بجدة.
وأخرج ابن أبي حنفيه في تاريخه وابن عساكر عن الزهري والشعبي قالا: لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً، فأرّخوا ببعث نوح حتى كان العرق، فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم، فأرّخ بنو اسحق من نار إبراهيم إلى بعث يوسف، ومن بعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى ملك عيسى، ومن مبعث عيسى إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى بناء البيت حين بناه إبراهيم وإسمعيل.
فكان التاريخ من بناء البيت حتى تفرقت معد، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا مخرجهم حتى مات كعب بن لؤي فأرّخوا من موته إلى الفيل، فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب الهجرة.
وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن عمران قال: لم يزل للناس تاريخ كانوا يؤرخون في الدهر الأوّل من هبوط آدم من الجنة، فلم يزل ذلك حتى بعث الله نوحاً، فارخوا من دعاء نوح على قومه، ثم أرخوا من الطوفان، ثم أرخوا من نار إبراهيم، ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان الكعبة، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من عام الفيل، ثم أرخ المسلمون بعد من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ الآية.
(التلقي) في اللغة معناه: الاستقبال، [منه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان (١) (٢) والليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج، أي نستقبلهم (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ويقال لَقَّيْتُه الشيء فَتَلَقَّى، أي عرضته لأن يراه فتعرض له، فَلَقَّيْتُه من (لقى) مثل: رَأيْتُه من (يري)، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ ثم صار التلقي بمعنى الأخذ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يحرص عليه، فكل كلام استقبلته فأنت مريد أخذه، وإلا أعرضت عنه (٨) (٩) كان يتلقى الوحي من جبريل) (١٠) (١١) الأصمعي: تلقت الرحم ماء الفحل، إذا قبلته وارْتَجَّت عليه (١٢) فمعنى قوله تعالى ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ أي: أخذها عنه وتلقنها (١٣) (١٤) وبعض الناس يقولون: تلقى هاهنا: تلقن فجعل النون (ياء) كما قالوا تَظَنَّى من الظن (١٥) تَقَضِّي البَازِي إِذَا (١٦) (١٧) بمعنى تقضض، فأما إذا لم يجتمع (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) و (الكلمات): جمع الكلمة، والكلمة تقع على الكثير والقليل، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء.
قال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة، وقالوا (٢٢) (٢٣) (٢٤) وتجمع (الكلمة)، (كَلِمًا) (٢٥) (٢٦) لَا يَسْمَعُ (٢٧) (٢٨) وتميم تقول: (كِلْمَة)، وفي الجمع (كِلَم).
وأما استعمال الكلمة في القليل فإن سيبويه [قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد، فأما الكلام فإن سيبويه] (٢٩) (٣٠) (٣١) واختلف القراء في هذه الآية، فقرأ ابن كثير (آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع (٣٢) (٣٣) ومنها: ما لا يكون [فيه] (٣٤) ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى كإسناده إلى المفعول به، [وذلك] (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ الظَّالِمُونَ ﴾ (٣٩) وتقول: لقيت زيدا، وتلقاني وتلقيته، قال: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الفُحْشِ واْلخَنَا ...
أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ (٤٠) قال الله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ﴾ (٤١) ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ ، فأسند الفعل إلى المخاطبين، والمفعول به كلام يُتَلَقَّى (٤٧) (٤٨) (٤٩) ومعنى التلقي للكلمات هو أن الله تعالى ألهم (٥٠) بذنبه، وقال: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ﴾ الآية [الأعراف: 23]، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات في قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد (٥١) وقال ابن عباس: الكلمات هي: أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟
قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك لي غضبك؟
قال: بلى، قال ألم تسكني جنتك؟
قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟
قال: بشؤم معصيتك، قال يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟
قال: نعم قال: فهو الكلمات (٥٢) قال أبو إسحاق: وفي الآية تعريف للمذنب، كف السبيل إلى التنصل من الذنوب، وأنه لا ينفع إلا الاعتراف (٥٣) وسئل بعض السلف عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ﴾ وما قاله (٥٤) ﴿ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴾ وما قاله (٥٥) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (٥٦) ﴿ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ﴾ (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .
معنى التوبة في اللغة: الرجوع.
وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) فمعنى قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ أي عاد عليه بالمغفرة (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ (٦٥) (١) حديث النهي عن تلقي الركبان، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رقم (2150) كتاب (البيوع) باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم ..).
وأخرج البخاري عن ابن عباس رقم (2158) باب (هل يبيع حاضر لباد)، وعن أبي هريرة رقم (2162) باب (النهي عن تلقي الركبان، وعن ابن عباس (2274) كتاب (الإجارة) باب (أجر السمسرة)، وأخرجه مسلم عن ابن عباس (1521) كتاب (البيوع) باب: (تحريم بيع الحاضر للباد).
وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 368، 2/ 42.
وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 256، 257.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب).
(٣) في (أ): (يستقبلهم)، وما في (ب)، (ج) أصح.
والكلام لم أجده منسوبًا لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، و (العين) (لقو) 5/ 212 و (لقى) 5/ 215، "اللسان" (لقا) 7/ 4067.
(٤) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بسنده، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، وسبق تخريج حديث النهي عن تلقي الركبان.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة: (أنه نهى أن يتلقى الجلب) رقم (1519) كتاب (البيوع) باب: (تحريم تلقي الجلب).
وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 257، واخرجه أبو داود رقم (3437) (البيوع) باب (التلقي).
وأخرجه الدارمي (البيوع) 3/ 1671 (2608).
وأخرجه أحمد في "المسند" بلفظ (الأجلاب) 2/ 284، 410.
وأخرجه ابن ماجه في (البيوع) رقم (2178) باب: النهي عن تلقي الجلب.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، "الصحاح" (لقي) 6/ 2484، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.
(٦) في (أ)، (ج): (يفعل).
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243.
(٨) (عنه) ساقطة من (ب).
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، والطبري فىِ "تفسيره" 1/ 242 - 243، (تفسير أبي الليث) 1/ 112، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 260.
ومنهم من فسر تلقي آدم للكلمات: بأنه تعلمها ودعا بها، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85، "تهذيب اللغة" 4/ 3291.
(١٠) بهذا النص ذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" 1/ 38.
وبهذا المعنى أخرج أحمد في "مسنده" بسنده عن ابن عباس: أن أبيا قال لعمر يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن ممن تلقاه، وقال عفان: ممن يتلقاه من جبريل وهو رطب، "المسند" 5/ 117، وعفان أحد رواة الحديث والأحاديث بمعناه في البخاري رقم (5044) كتاب (فضائل القرآن) باب (الترتيل في القراءة)، ونحوه في مسلم رقم (448) كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.
(١١) "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38.
(١٢) "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.
(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، "تفسير ابن عطية" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291.
(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.
(١٥) في "تفسير القرطبي": (تظني من تطنن) 1/ 276، وكذا في "البحر" 1/ 165.
(١٦) (إذا البازى) ساقط من (ب).
(١٧) من أرجوزة يمدح فيها عمر بن عبيد الله بن معمر، يقول: انقض انقاض البَازِي ضم جناحيه، فهو في سرعته سرعة انقاض البَازي إذا كسر، أي ضم جناحيه، وهذا أسرع ما يكون في انقضاضه، ورد البيت في "الخصائص" 2/ 90، "همع الهوامع" 5/ 340، "اللسان" (قضض) 6/ 3661، "المشوف المعلم" 2/ 646، "ديوان العجاج" ص 28.
(١٨) في (أ)، (ج): (تجتمع) والصحيح بالياء.
(١٩) انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 276، "البحر" 1/ 165، "الدر المصون" 1/ 295.
(٢٠) في (ب): (الثاني).
(٢١) (صحيح) ساقط من (ب).
(٢٢) (قالوا) ساقط من (ب).
(٢٣) هو قس بن ساعدة بن جدامة بن زفر الإيادي، الخطيب البليغ، سمع النبى حكمته، ومات قبل البعثة، انظر ترجمته في "الإصابة" 3/ 279، "الخزانة" 2/ 89 (٢٤) عن "الحجة" لأبي علي بتصرف 2/ 31، وانظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180 (٢٥) في (ب): (كما).
قال الجوهري (الكلم لا يكون أقل من ثلاث من كلمات، لأنه جمع كلمة، "الصحاح" (كلم) 5/ 2043.
(٢٦) مكان البيت بعد قوله: (تميم تقول: (كِلْمَة) وفي الجمع (كِلَمُ) لأنه شاهد على هذه اللغة.
انظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180، "اللسان" (كلم) 7/ 3922 (٢٧) في (أ)، (ج): (تسمع)، وفي (ب) غير منقوط وضبطته مثل "التهذيب" وغيره.
(٢٨) ورد البيت في ملحق ديوان رؤبة مع الأبيات المنسوبة له وليست في "ديوانه" ص 182، وفي "تهذيب اللغة" (هنم) 4/ 3807، و (كلم) 4/ 3180، وفي "اللسان" (كلم) 7/ 3922.
(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٠) "الحجة" لأبي علي 2/ 32، وانظر "الصحاح" (كلم) 5/ 2023.
(٣١) (لا) ساقطة من (ب).
(٣٢) قرأ ابن كثير وحده بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وبقية العشرة برفع (آدم) ونصب (كلمات)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 154، "التبصرة" ص 250، "النشر" 2/ 211، "الإقناع" لابن الباذش 2/ 597، "البدور الزاهرة" ص30.
(٣٣) في "الحجة": (منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولًا به، ومنها ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلًا له)، 2/ 40، وما عند الواحدي هو صحيح.
(٣٤) (فيه) ساقطة من (ب)، (ج)، وثابت في (أ)، "الحجة" 1/ 40.
(٣٥) (وذلك) ساقط من (ب) (٣٦) في (ب): (أصب).
(٣٧) في (ب): (خيرًا) في كل المواضع الأربعة بالنصب.
(٣٨) ذكر قراءة ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 1/ 532.
والفراء في "المعاني" 1/ 28.
وانظر.
"الكشاف" 1/ 309.
"البحر" 1/ 377.
(٣٩) الاستشهاد بهذه القراءة ورد في "الحجة" في غير هذا الموضوع فنقله الواحدي بين هذه الأمثلة.
انظر: "الحجة" 2/ 41، 42.
(٤٠) البيت ينسب لزهير، وينسب لابنه كعب كذا قال ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 77.
وورد البيت في "الحجة" 2/ 41.
"المخصص" 15/ 161.
وفي "ديوان زهير بن أبي سلمى" وراوية: (إذا أنت لم تقصر عن الجهل.) من قصيدة في سنان ابن أبي حارثة المُري، "ديوان زهير" مع شرحه ص 300، وورد في "ديوان كعب بن زهير مع قصائد لكعب لم تذكر في ديوانه" ص 257.
(٤١) في (أ): (قد) سقطت الواو من الآية، وكذا من الآية التي تليها.
(٤٢) من أن بعض الأفعال المتعدية إسنادها إلى الفاعل في المعنى كإسنادها إلى المفعول به.
(٤٣) أي أن قراءة ابن كثير في المعنى كقراءة الجمهور.
(٤٤) بنصه من "الحجة" لأبي علي 2/ 40، 41، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الحجة" لابن خالويه ص 75.
أما مكي فقال في توجيه قراءة ابن كثير: (علَّه من نصب (آدم) ورفع (الكلمات) أنه جعل (الكلمات) استنقذت (آدم) بتوفيق الله له لقوله إياها الدعاء بها فتاب الله عليه ..
فهي الفاعلة وهو المُسْتَنْقَذ بها ..)، "الكشف" 1/ 237.
(٤٥) وهي قراءة العشرة عدا ابن كثير كما سبق.
(٤٦) في "الحجة": (ومن حجة من رفع أن عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله ..) 2/ 41.
(٤٧) في (ج): (تلقى).
(٤٨) (له) ساقط من (ج).
(٤٩) (الحجة) لأبي علي 2/ 41، 42، وقال مكي: وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (الكلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات، لأنه هو قبلها ودعا بها، وعمل بها، فتاب الله عليه، فهو الفاعل لقبول الكلمات ...) "الكشف" 1/ 237، وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 95، "الحجة" لابن خالويه ص 75.
(٥٠) وكذا قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، وقال ابن قتيبة: كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، "غريب القرآن" ص 38، وقال ابن جرير: (...
كأنه استقبله، فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه وأخبره ..)، "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، فهو وحي، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 260 - 261، و"زاد المسير" 1/ 69.
(٥١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن وأبي العالية 1/ 243 - 244، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخرساني، والربيع 1/ 90 - 91، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" بسنده عن ابن عباس قال: وكذلك قال مجاهد والحسن 1/ 66 أ، وانظر: "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 86 - 87.
ورجح ابن جرير هذا القول، قال: (والذي يدل عليه كتاب الله أن == الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ، وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ..) "تفسير الطبري" 1/ 244.
(٥٢) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس بنحوه من عدة طرق، وأخرج نحوه عن أبي العالية والسدي في "تفسيره" 1/ 243، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن ابن عباس نحوه، قال المحقق: في سنده ضعف وانقطاع 1/ 311، وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس نحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 2/ 545، وذكر الثعلبي 1/ 65 ب، وذكره ابن كثير في "تفسيره"، وفي الهامش قال المحقق: (سنده حسن من أجل الحسن بن عطية ..
وهذا الأثر كغيره من الآثار المتلقاة عن أهل الكتاب التي لا يجوز الاعتماد عليها في تفسير كتاب الله) 1/ 149.
ذكر الواحدي أشهر الأقوال في المراد بالكلمات، وفيها أقوال أخرى، انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 243 - 244، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 90 - 91، و"الثعلبي" 1/ 65 ب، و"ابن عطية" 1/ 261، "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87، و"الرازي" 3/ 19.
(٥٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85 (٥٤) في (ب): (وما قال).
(٥٥) في (ج): (وما قال).
(٥٦) قوله (لا إله إلا أنت) ساقط من (ب).
(٥٧) الأثر أورده أبو حيان في البحر 1/ 165.
(٥٨) التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها، (مفردات الراغب) ص 76، وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج ص 61، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417، "تفسير الطبري" 1/ 246، و"ابن عطية" 1/ 261 - 262، و"القرطبي" 1/ 277 - 278، "زاد المسير" 1/ 70، "البحر" 1/ 166.
(٥٩) في (ب): (إليه).
(٦٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦١) ذكر الأزهري نحوه عن الليث، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417.
(٦٢) (تاب عليه) أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة، انظر: "تفسير الطبري" == 1/ 246، و"تفسير ابن عطية" 1/ 262، "زاد المسير" 1/ 70، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87.
(٦٣) في (ب): (يحتاج) في الموضعين.
(٦٤) انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" و"الرازي" 3/ 22.
(٦٥) (إنه) ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.
ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.
فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.
وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.
وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.
﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.
فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.
وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.
واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.
فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.
الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.
﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.
وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).
التفسير: لما خصص الله أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.
وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.
والله أعلم بذلك.
ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله وآدم كالقبلة.
فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟
وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.
وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.
وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.
قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.
واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.
فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.
وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ فلا يكون من الملائكة.
وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.
والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.
وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.
وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار ﴾ وأنهم من نور لقوله "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.
ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.
وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.
قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.
وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.
وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.
ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.
المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.
وعورض بما حكى عنه "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.
قالوا: الآية تدل على أنه يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.
وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.
الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.
وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.
أن رآه استغنى ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.
وإنا لنحن المسبحون ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.
وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.
والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.
وعلى الآية سؤال.
روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟
فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.
وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.
وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.
يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.
ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.
الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.
أولئك المقربون ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.
ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.
السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.
السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.
ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.
كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.
فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.
وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.
فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟
قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.
لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد .
الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.
ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.
ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.
وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.
ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.
وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد .
التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.
ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.
العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.
ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.
ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.
الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.
ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.
ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.
وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.
وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.
الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها ﴾ .
الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.
وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.
ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.
الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.
ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.
وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.
الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.
ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.
ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".
السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.
السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد لأن الله وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.
ذي قوة عند ذي العرش مكين.
مطاع ثم أمين ﴾ ثم وصف محمداً بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ وشتان بين الوصفين.
ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ .
الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.
كالعلم بذات الله ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.
التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.
ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.
العشرون: قال حكاية عن الرب "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.
ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.
واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.
وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.
والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.
الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.
ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.
وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.
ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.
الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.
ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.
ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.
وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.
الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.
فأين أحدهما من الآخر؟
ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.
السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.
وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.
فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ الآية.
ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.
لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.
السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.
وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟
وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.
واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.
الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.
التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.
فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.
وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.
وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله .
العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.
واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.
الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟
أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟
فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟
وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.
الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.
وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.
فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.
وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.
حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.
الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.
الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.
الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ والعالم كل ما سوى الله ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.
ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.
الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.
السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.
السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.
ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل ﴾ .
فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.
الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.
التاسع: روي أن جبريل أخذ بركاب محمد حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.
العاشر: قوله "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.
أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.
ثم إنه لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .
وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.
وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟
وما الحكمة في خلقه إياي؟
الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟
وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟
الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟
وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟
والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟
والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟
والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟
وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟
والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟
ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟
فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله .
فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.
فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال ﴾ لا أسجد إلا لك.
فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين ﴾ وشبه النبي كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.
فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.
فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.
ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".
وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.
وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.
نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.
ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟
قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.
وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.
ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.
فبعث الله ناراً فأحرقتهم.
وكان إبليس من أولئك.
وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.
فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.
واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴾ .
وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.
ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.
وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.
قوله ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.
روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.
فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.
وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.
فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.
لا تصير الدار ملكاً له.
وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.
ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ﴾ وقال "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.
فسألها من أنت؟
قالت امرأة.
قال: ولم خلقت؟
قالت: لتسكن إليّ.
فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟
فقال: حواء.
قالوا: ولم؟
قال: لأنها خلقت من شيء حي.
قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.
قال: فما صداقها؟
قالوا: أن تصلي على محمد وآله.
قال: ومن محمد؟
قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.
وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.
فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟
وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟
فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.
وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.
وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.
واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.
و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.
و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.
وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.
وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.
والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.
لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.
وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.
والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله .
ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ﴾ .
وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.
قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.
واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.
فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.
كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.
﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.
﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.
قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.
تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ فالضمير للشجرة.
وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.
فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.
واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.
أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.
وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.
وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.
ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.
وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.
وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.
والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.
وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.
والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ .
الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.
يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .
[الأحزاب: 57].
الرابع: أنه لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.
الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.
السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ .
السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.
الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.
التاسع: أنه حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.
إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً ﴾ فكذا غيرهما.
العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.
الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.
الثاني عشر: النبي أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.
الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.
الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله على وفق دعواه فقال : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟
فصدقه رسول الله فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.
المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.
والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.
قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.
قالوا: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ .
قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.
إلاّ ما شاء الله ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.
والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾ .
قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.
قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.
فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.
قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.
والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.
ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.
قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله : أفراراً مني؟
فقال: بل حياء منك.
فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟
قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.
وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.
وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.
وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول ﴾ .
الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.
ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.
ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.
ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.
وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.
فمراد الله من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.
وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.
واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟
وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.
وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.
وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.
فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.
وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.
وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.
قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.
فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟
قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.
يعني الحيات.
وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.
وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.
وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟
ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.
فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟
قلنا: هي التي حكاها الله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.
ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.
﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.
وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.
و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.
والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.
وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.
ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.
ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.
وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.
﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.
والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.
فمضت لحظة طلقت.
وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟
وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.
تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.
أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.
تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ الآية.
وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟
قال: بلى.
قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟
قال: بلى.
قال: ألم تسكني جنتك؟
قال: بلى.
قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟
قال: نعم.
وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟
قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله إليهما إني قبلت توبتكما.
وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
وقالت عائشة: لما أراد أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.
فأوحى الله إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.
وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.
فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.
ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.
وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.
والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.
وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.
روي عن رسول الله أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.
والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ .
قيل في تأويل الحديث: إن الله أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.
قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.
وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.
وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب في دفع تلك الخواطر.
وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.
فقال : جعلت صدورهم مساكن لك.
فقال: رب زدني.
فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.
قال: رب زدني.
قال: تجري منه مجرى الدم.
قال: رب زدني.
قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.
قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.
فقال الله : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.
قال: رب زدني.
قال: الحسنة بعشر أمثالها.
قال: رب زدني.
قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.
وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.
وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.
وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ الآية.
(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.
قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.
وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.
وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.
وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.
تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.
عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.
أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.
وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.
وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.
وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.
والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.
وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله بيده إلى فيه" .
وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.
قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.
وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.
ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.
ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.
وقال "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.
التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.
﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .
ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ .
ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.
وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.
وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.
تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.
خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.
أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.
﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟
وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟
فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.
فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.
وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.
فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.
فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وقال "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟
فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .
ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .
قال الشيخ - -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.
ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 27].
وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...
﴾ الآية [النحل: 50].
وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .
وما جاءَت به الآثار عن رسول الله من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.
وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله ، وبالله المعونةُ والعصمة.
قال الله لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...
﴾ الآية.
زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!
كالمنكرين لفعله.
وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.
وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...
﴾ الآية.
قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.
ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.
ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.
ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.
ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ .
وقوله لرسول الله : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...
﴾ الآية [الإسراء: 75].
ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ ﴾ .
واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.
ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.
وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.
فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.
فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.
وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!
أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!
فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.
وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.
فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.
وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.
والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.
وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.
مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.
وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.
ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.
فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.
كما قد عاتب الله نبيه في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...
﴾ الآية [التوبة: 43].
وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 37].
ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...
﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.
ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.
ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.
ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .
قال قوم: يريد به آدم ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.
وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم - - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.
ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.
وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله ودينه، كقوله لداود : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.
وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قيل: بأَمرك.
وقيل: بمعرفتك.
وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.
ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.
ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟
فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.
وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.
ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.
ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .
يحتمل: أن يكون علم لهم.
ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.
وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.
وإما أن يكون الله خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله أَنه علم.
وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .
وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.
وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ﴾ ، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.
وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.
ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.
أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و .
وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.
أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.
وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله .
قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله .
وفي قصة آدم دلالة نبوة محمد ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.
ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.
وفيها دلالة فضل آدم أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.
وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.
والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.
وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.
دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.
ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الحج: 18].
وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.
والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.
فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.
وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.
والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.
وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.
ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف ، والله أعلم.
والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله ، نحو السجود إلى الكعبة لله تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.
كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.
ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.
وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.
وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...
﴾ الآية [الحج: 52].
أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.
فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.
ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.
وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.
وبه أَمر الله نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...
﴾ الآية: [الإسراء: 36].
وسُئل أَبو حَنيفة - - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟
فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله .
ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.
وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.
والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.
وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.
وكذلك قال رسول الله : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...
﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.
وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.
وعن ابن عباس - ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.
وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم إكراماً له، والله أعلم.
ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.
وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...
﴾ الآية [التحريم: 6].
وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 27].
وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 19].
وصف الله طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.
والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.
والثالث: قوله : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.
ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.
وذلك جائِز في اللغة.
ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.
وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.
وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ أي صار من الجن.
وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ .
وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.
وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.
ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟
قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.
وقيل: كفر لما رأَى أَن الله وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.
وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.
وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.
وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ .
وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ أي: صار.
وقيل: كان في علم الله أَنَّه سيكفر.
وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.
دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .
وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.
ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟
إذ ليس في الآية بيان ذلك.
وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.
ثم مضى الأَمر من الله لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.
وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .
قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .
أَي: لا تأْكلا.
دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.
واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.
ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.
وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.
وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ﴾ والله أعلم.
والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.
ولا وحي في تلاوتها.
ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.
ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.
وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.
ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.
ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.
ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.
وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.
وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .
أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.
وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .
أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.
وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.
وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.
ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.
وأَبى ذلك قوم.
واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله - - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.
والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...
﴾ الآية [الأعراف: 20].
وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ .
ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.
فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.
أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.
وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.
ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.
والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.
وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.
وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.
وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.
ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.
والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.
وعلى ما ذكر في أَمر يونس من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.
وكذلك ما عوتب محمد فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.
والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ ﴾ ، وبالله التوفيق.
وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.
والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.
والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.
يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.
وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.
واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.
وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.
وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.
وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.
والأَصل في هذا أَن فعله إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.
وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.
وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 23].
وقد قال الله : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .
وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.
ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.
وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.
والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.
وكذلك فعل أَولاد يعقوب.
ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.
وقد كان عذب آدم - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.
ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.
وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.
وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.
وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.
وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.
كما قال يوسف - -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...
﴾ الآية [يوسف: 53].
وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ .
ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.
وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.
وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.
فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.
والأَصل فيه أَن الله فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .
أي: تصيران منهم.
وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.
ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.
ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم - - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.
وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.
وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...
﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.
وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.
ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.
ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.
ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.
وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ .
وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ﴾ .
وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.
﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ .
حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.
ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.
وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.
وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.
وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.
وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.
وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.
بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.
ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!
بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.
وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.
ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.
ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.
ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.
وجائز أَن يكون آدم - - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.
والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.
فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].
وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.
ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم - - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.
لا أَدري ما هذا؟
أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟
لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .
أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.
وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.
وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ .
من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله - - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.
ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟
ومن أَين كان؟
ولماذا كان؟.
قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.
وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.
ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟
أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟
فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.
وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.
فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.
وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.
ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟
قيل: بلى.
فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟
قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.
وكذلك روي عن أبى حنيفة - - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.
والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .
قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً ﴾ أي: انزلوا فيه.
ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.
وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .
قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.
والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.
وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.
فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.
غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .
يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.
ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.
وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .
أي: أخذ.
وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.
وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.
وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.
وقيل: إن التوبة هي الرجوع.
رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.
وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.
والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.
فآدم - - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.
ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.
والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 23].
وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
أي: قابل التوبة.
وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ ما احتمل فيه.
﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.
وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .
ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.
وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .
أي: ليأْتينكم.
وهذا جائز في اللغة.
وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.
وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .
تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.
فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.
﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.
وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
فأخذ آدم ما ألقى الله اليه من كلمات، وألهمه الدعاء بهن، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23] فقبل الله توبته، وغفر له، فهو سبحانه كثير التوبة على عباده، رحيمٌ بهم.
من فوائد الآيات الواجب على المؤمن إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض خلقه وأَمْرِهِ أن يسلِّم لله في خلقه وأَمْرِهِ.
رَفَعَ القرآن الكريم منزلة العلم، وجعله سببًا للتفضيل بين الخلق.
الكِبْرُ هو رأس المعاصي، وأساس كل بلاء ينزل بالخلق، وهو أول معصية عُصِيَ الله بها.
<div class="verse-tafsir" id="91.WrnJv"
مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى.
ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن کل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحًا واحدًا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك، والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقة، فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟
لا يقال ذلك لأنه كان مستعدًا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى، ولا وجد خلقًا مستعدًا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه، كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجود كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.
ومجمل الآيات اللاحقة أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها، ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم، وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده، ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله، ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه.
وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر، وتسلية النبي عما يلاقي من الإنكار، وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة، وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر وهو أن المعصية من شأن البشر، كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم، تغلب عليهم الوساوس وتذهب بصبرهم الدسائس، انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنة الله مع ذلك لا تتبدل، فقد عوقب آدم علی خطيئته بإهباطه مما كان فيه ، وإن کان قد قبل توبته، و غفر هفوته، فالمعصية دائمًا مجلبة الشقاء، وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.
وأما تفسير هذه الآيات فقد أختلف علماء من أهل السنة وغيرهم في "الجنة" هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة، أم هي الدار الموعود بها في الآخرة؟
والمحققون من أهل السنة على الأول .
قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.
وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي: أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليقة فيها فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة.
أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم.
أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون.
أنها ليست محلًا للتكليف.
أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.
أنه لا يقع فيها العصيان.
وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.
قال تعالى ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ ولم يقل (ادخل) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال، فقوله ﴿ اسْكُنْ ﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أَكلًا رغدًا واسعًا هنيئًا من أي مكان منها إلا شيئًا واحدًا نهاهما عنه بقوله ﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئًا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانًا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.
قال تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ أي حولها وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة (فأزالهما) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين الله تعالى كيفية الإخراج بقوله ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا ﴾ ، يعني آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا (الجلال)، فإن العداوة في قوله ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ تنافي هذا التقدير فإن العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته.
والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عالٍ إلى أسفل منه، ولذلك احتج به من قال إن آدم كان في السماء، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى، وقال الراغب: الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا أو سمي بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد كقوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ أي أن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان: إحداهما- أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع بها.
والثانية - أن طبيعة الحياة فيها تنافي الخلود والدوام، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهي عنها (شجرة الخلد وملك لا يبلى) يعني أن الله أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض، وعبر عن ذلك بالمتاع، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين.
ثم قال ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ أي ألهمه الله إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾ تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ أي قبل توبته، وعاد عليه بفضله ورحمته، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرًا فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسيء أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته.
وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة .
وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجًا من جنسنا ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر، فليس في القرآن نص يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ على ذلك، لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة فی خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، و كونه قد أعطي استعدادًا في العلم والعمل لا نهاية لهما، ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية، ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة لا غير، لذلك لم يبين الزمان والمكان كما جاء في سفر التكوين، وكان سببًا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة دين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.
وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ ، إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة.
وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانًا، فسمي تفخيمًا لأمره، عصيانًا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلًا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.
وأما تفسير الآيات على طريق الخلف في التمثيل فيقال فيه: إن القرآن كثيرًا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان، والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ والمعنى في التمثيل الظاهر.
وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب، هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض.
وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادًا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض.
وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها.
وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته.
وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.
هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.
وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.
ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.
وفي الحديث تشبيه المزمن بشجرة النخل، ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان: أمر تكوين وأمر تكليف، والتكوين هو المراد بقوله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ .
فأولها طور الطفولية: وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائمًا في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا -وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير- والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وإن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر، أي أن إلهام التقوى والخير أقوى في قطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه - والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.
وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة.
وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه القطرة ويرده الوحي المحكم المتواتر.
فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فالإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه.
كان تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتداء ساذجًا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرًا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونًا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلًا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائمًا في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم.
ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الحرير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.
وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكيل وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال البداية الإنسانية، وبيانه في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"