الآية ٥٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٤ من سورة البقرة

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري ، رحمه الله ، في قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ) الآية [ الأعراف : 149 ] .

قال : فذلك حين يقول موسى : ( يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) وقال أبو العالية ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس : ( فتوبوا إلى بارئكم ) أي إلى خالقكم .

قلت : وفي قوله هاهنا : ( إلى بارئكم ) تنبيه على عظم جرمهم ، أي : فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره .

وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن هارون ، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن .

فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول .

وهذا قطعة من حديث الفتون ، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله ، إن شاء الله .

وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : قال أبو سعيد : عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال موسى لقومه : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) قال : أمر موسى قومه - من أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم قال : واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا ، وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، فأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظلة شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلة عنهم ، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة .

وقال ابن جريج : أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا يقولان في قوله تعالى : ( فاقتلوا أنفسكم ) قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضا ، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد ، حتى ألوى موسى بثوبه ، فطرحوا ما بأيديهم ، فكشف عن سبعين ألف قتيل .

وإن الله أوحى إلى موسى : أن حسبي ، فقد اكتفيت ، فذلك حين ألوى موسى بثوبه ، [ وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك ] .

وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر ، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ الله فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل ، فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة .

وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حندس ، فقتل بعضهم بعضا [ نقمة ] ثم انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك .

وقال السدي في قوله : ( فاقتلوا أنفسكم ) قال : فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيدا ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا ، حتى قتل بينهم سبعون ألفا ، وحتى دعا موسى وهارون : ربنا أهلكت بني إسرائيل ، ربنا البقية البقية ، فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدا ، ومن بقي مكفرا عنه ؛ فذلك قوله : ( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه ، حتى إذا أفنوا بعضهم ، قالوا : يا نبي الله ، ادع الله لنا .

وأخذوا بعضديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم ، بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله ، جل ثناؤه ، إلى موسى : ما يحزنك ؟

أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته .

فسر بذلك موسى ، وبنو إسرائيل .

رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه .

وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذراه في اليم ، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا ، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل .

فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نصبر لأمر الله .

فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده .

فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى ، وبهش إليه النساء والصبيان ، يطلبون العفو عنهم ، فتاب الله عليهم ، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه .

فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم .

فقالوا : يا موسى ، ما من توبة ؟

قال : بلى ، ( فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم ) الآية ، فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين .

قال : وبعث عليهم ضبابة .

قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضا .

قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري .

قال : ويتنادون [ فيها ] : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه ، قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، ثم قرأ : ( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وتأويل ذلك: اذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم .

وظلمهم إياها، كان فعلَهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها، مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى.

وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى .

وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم , هو ما أخبر الله عنهم: من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم.

ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم، بالتوبة إليه , والتسليم لطاعته فيما أمرهم به.

وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم .

* * * وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " التوبة ": الأوبة مما يكرهه الله إلى ما يرضاه من طاعته.

(120) * * * فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ركبوا من ذنوبهم إلى ربهم، على ما أمرهم به، كما:- 934 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة بن الحجاج , عن أبي إسحاق , عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: (فاقتلوا أنفسكم) قال: عمدوا إلى الخناجر , فجعل يطعن بعضهم بعضا.

935 - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج بن محمد، قال ابن جريج , أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد , (121) حتى ألوى موسى بثوبه , (122) فطرحوا ما بأيديهم , فتكشف عن سبعين ألف قتيل.

وإن الله أوحى إلى موسى: أن حسبي فقد اكتفيت !

فذلك حين ألوى بثوبه .

(123) 936 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، قال أبو سعيد , عن عكرمة , عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: (توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم).

قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم , قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا , (124) &; 2-74 &; وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة , فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل , (125) كل من قتل منهم كانت له توبة , وكل من بقي كانت له توبة.

937 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا إلى قوله: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [ طه: 86-87].

فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [ طه: 94].

فترك هارون ومال إلى السامري , ف قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ إلى قوله: ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [ طه: 95-97] ثم أخذه فذبحه , ثم حرقه بالمبرد , (126) ثم ذراه في اليم , فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه .

ثم قال لهم موسى: اشربوا منه .

فشربوا , فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب .

فذلك حين يقول: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة: 93] .

فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى , ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .

فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل , (127) فقال لهم موسى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم).

قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف .

فاجتلد الذين عبدوه &; 2-75 &; والذين لم يعبدوه بالسيوف , فكان من قتل من الفريقين شهيدا , حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا , وحتى دعا موسى وهارون (128) ربنا هلكت بنو إسرائيل!

ربنا البقية البقية!

(129) !

فأمرهم أن يضعوا السلاح , وتاب عليهم .

فكان من قتل شهيدا , ومن بقي كان مكفرا عنه .

فذلك قوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم).

(130) 938 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى: (باتخاذكم العجل)، قال: كان موسى أمر قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر, فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده , فتاب الله عليهم.

939 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " باتخاذكم العجل " ، قال : كان أمر موسى قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا، ولا يقتل الرجل أباه ولا أخاه.

فبلغ ذلك في ساعة من نهار سبعين ألفا.

(131) 940 - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم) الآية ، قال: فصاروا صفين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلى ما شاء الله , ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول.

941 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل , عن ابن شهاب قال، لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا &; 2-76 &; ومعهم موسى , فاضطربوا بالسيوف, (132) وتطاعنوا بالخناجر , وموسى رافع يديه .

حتى إذا فتر، أتاه بعضهم فقالوا: يا نبي الله ادع الله لنا.

وأخذوا بعضديه يسندون يديه .

(133) فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح.

وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟, (134) أما من قتل منكم، فحي عندي يرزق؛ وأما من بقي، فقد قبلت توبته!

فبشر بذلك موسى بني إسرائيل (135) .

942 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة في قوله: (فاقتلوا أنفسكم)، قال: قاموا صفين يقتل بعضهم بعضا، (136) حتى قيل لهم كُفوا.

قال قتادة: كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي.

943 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال، قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلى بعض، يقتل بعضهم بعضا, ما يترابأ الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نـزلت التوبة.

(137) قال ابن جريج, وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفا, ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل, وتاب عليهم.

قال ابن جريج: قاموا صفين فاقتتلوا بينهم, فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة , وكانت توبة لمن بقي .

وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال , فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا .

944 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه , وأحرق العجل وذراه في اليم، (138) وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه , فأخذتهم الصاعقة , ثم بعثوا - سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل , فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم .

قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله!

فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده.

فجلسوا بالأفنية، وأَصْلَتَ عليهم القوم السيوف , (139) فجعلوا يقتلونهم.

وبكى موسى، وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم , (140) فتاب عليهم وعفا عنهم , وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف .

(141) 945 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما رجع موسى إلى قومه , وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم .

فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟

قال: بلى!(اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم) &; 2-78 &; الآية .

فاخترطوا السيوف والجِرَزَة والخناجر والسكاكين .

(142) قال: وبعث عليهم ضبابة , قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي , ويقتل بعضهم بعضا.

قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري , ويتنادون فيها: رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه .

(143) وقرأ قول الله جل ثناؤه: وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ [ الدخان: 33].

قال: فقتلاهم شهداء , وتيب على أحيائهم، وقرأ: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) .

(144) .

* * * فالذي ذكرنا -عمن روينا عنه الأخبار التي رويناها- كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم، بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك.

* * * وأما معنى قوله: (فتوبوا إلى بارئكم)، فإنه يعني به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم، كما: - 946 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية: (فتوبوا إلى بارئكم)، أي: إلى خالقكم.

* * * وهو من " برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ" .

و " البرية ": الخلق.

وهي" فعيلة " بمعنى " مفعولة " , غير أنها لا تهمز.

كما لا يهمز " ملك " وهو من " لأك " , لكنه جرى بترك الهمزة كذلك (145) قال نابغة بني ذبيان: إلا ســليمان إذ قــال المليـك لـه قـم فـي البريـة فاحدُدْهـا عن الفَنَد (146) وقد قيل: إن " البرية " إنما لم تهمز لأنها " فعيلة " من " البَرَى " , والبَرَى: التراب .

فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب.

* * * وقال بعضهم: إنما أخذت " البرية " من قولك " بريت العود ".

فلذلك لم يهمز .

* * * قال أبو جعفر: وترك الهمز من " بارئكم " جائز , والإبدال منها جائز.

فإذ كان ذلك جائزا في" باريكم " فغير مستنكر أن تكون " البرية " من: " برى الله الخلق " بترك الهمزة.

* * * وأما قوله: (ذلكم خير لكم عند بارئكم)، فإنه يعني بذلك: توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم، خير لكم عند بارئكم، لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه.

* * * وقوله: (فتاب عليكم)، أي: بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا.

وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك .

لأن معنى الكلام: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم , ذلكم خير لكم عند بارئكم , فتبتم، فتاب عليكم.

فترك ذكر قوله: " فتبتم "، إذ كان في قوله: (فتاب عليكم) دلالة بينة على اقتضاء الكلام " فتبتم ".

* * * ويعني بقوله: (فتاب عيكم) رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم , والصفح عن جرمكم، (إنه هو التواب الرحيم) يعني: الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه.

ويعني ب " الرحيم "، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته.

----------------- الهوامش : (120) انظر ما سلف 1 : 547 .

(121) حن عليه : عطف عليه .

وفي ابن كثير 1 : 169"لا يحنو" ، وهو مثله في المعنى .

(122) ألوى بثوبه : لمع به أشار .

يأمرهم موسى بالكف عما هم فيه .

(123) في المطبوعة : "قد اكتفيت ، فذلك حين ألوى .

.

.

" وفي المخطوطة"بذلك" ، واخترت ما نقله ابن كثير 1 : 169 .

(124) في المخطوطة : "فاختبأ الذي عكفوا .

.

.

" ، وفي ابن كثير 1 : 169"فأخبر" ، وهو خطأ محض .

واحتبى بثوبه : ضم رجليه إلى يطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، يشده عليها ، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب .

وانظر البغوي 1 : 169 ، فهو دال على صواب ما استظهرته في قراءة الكلمة .

(125) أجلى عن كذا : انكشف عنه .

(126) حرق الحديد بالمبرد حرقا ، وحرقه (بتشديد الراء) : برده وحك بعضه ببعض .

وكذلك جاء عن ابن إسحاق في تاريخ الطبري 1 : 220 قال : "سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما كان إحراقه سحلة" .

والسحل : السحق والحك بالمبرد .

(127) في المطبوعة : "أن يقاتلوهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وتاريخ الطبري .

(128) في المخطوطة والمطبوعة : " وحتى دعا موسى" ، وأثبت ما في التاريخ بحذف واو العطف .

(129) البقية : الإبقاء عليهم ، يدعوان ربهما أن يبقى بقية ، فلا يستأصلهم بقتل أنفسهم .

(130) الأثر : 937 - في تاريخ الطبري 1 : 219 .

(131) الأثر : 939 - سقط هذا الأثر كله من المطبوعة .

(132) في المطبوعة : "فتضاربوا" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير 1 : 170 .

وتضارب الرجلان بسيفيهما واضطربا : تجالدا بالسيف ، بمعنى واحد .

(133) في المطبوعة : "يشدون" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .

يريد : يسندون يديه وموسى رافع يديه يدعو الله .

(134) في المطبوعة : "لا يحزنك" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .

(135) في المطبوعة وابن كثير : "فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل" .

(136) في المطبوعة : " فقتل بعضهم بعضا : ، ليست بشيء .

(137) في المطبوعة"ما يتوقى الرجل" ، وفي المخطوطة"ما يترانا" .

ورابأت فلانا : اتقيته واتقاني ومن مادته : "أربأ بك عن كذا" .

أي أرفعك عنه ولا أرضاه لك .

ويقال : "ما عبأت به ولا ربأت" : أي ما باليت به ولا حفلت .

فقوله : "ما يترابأ" أي ما يبالي الرجل أن يقتل أخاه .

(138) في صدر هذا الخبر من التاريخ 1 : 220 أن إحراق العجل : سحله ، كما مضى في ص : 70 تعليق : 1 .

(139) في المطبوعة : "وسلت القوم عليهم السيوف" .

وأثبت ما في تاريخ الطبري وابن كثير 1 : 170 وأصلت السيف : جرده من غمده .

(140) بهش إليه : أقبل عليه وأسرع إليه ، وتهيأ للبكاء .

(141) الأثر 944 - في تاريخ الطبري 1 : 221 ، وابن كثير 1 : 170 ، وفي التاريخ وحده : "أن يرفع عنهم السيف" .

هذا ، وفي النسخة المخطوطة التي اعتمدناها ، خرم من عند قوله في هذا الأثر : "سأل ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة" - إلى أن يأتي قوله : " القول في تأويل قوله تعالى : "ثم بعثناكم من بعد موتكم" .

وهو أول المجلد الثاني من هذه النسخة ، وتدل وثيقة الوقف التي كتبت على ظهر هذا المجلد ، أن هذه النسخة مجزأة في اثنين وعشرين جزءا .

(142) اخترط السيف : سله .

والجرزة (بكسر الجيم وفتح الزاي) جمع جرز (بضم فسكون) ، وهو عمود من الحديد ، سلاح يقاتل به .

(143) في المطبوعة : "صبر حتى يبلغ" بحذف"نفسه" .

والزيادة من ابن كثير 1 : 170 (144) الأثر : 945 - في ابن كثير 1 : 170 (145) انظر ما مضى 1 : 444 - 447 .

(146) ديوانه : 29 ، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه ، وقبل البيت : ولا أرى فـاعلا فـي النـاس يشـبهه ولا أحاشـي مـن الأقـوام مـن أحد حَدَدْتُ فلانا عن الشر : منعته وحبسته .

والفند : الخطأ في الرأى وفي القول .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيمقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه القوم الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى لا يسخر قوم من قوم ثم قال ولا نساء من نساء وقال زهير :وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء[ ص: 376 ] وقال تعالى ولوطا إذ قال لقومه أراد الرجال دون النساء وقد يقع القوم على الرجال والنساء قال الله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعاقوله تعالى : يا قوممنادى مضاف وحذفت الياء في يا قوم ؛ لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها ، وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول يا قومي ؛ لأنها اسم وهي في موضع خفض وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء فقلت يا قوميه وإن شئت أبدلت منها ألفا ؛ لأنها أخف فقلت يا قوما وإن شئت قلت يا قوم بمعنى يا أيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى .قوله تعالى : إنكم ظلمتم أنفسكم استغنى بالجمع القليل عن الكثير ، والكثير نفوس وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله تعالى ثلاثة قروء وقال وفيها ما تشتهيه الأنفس ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره إنما أسأت إلى نفسك ، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه .

ثم قال تعالى : باتخاذكم العجل قال بعض أرباب المعاني عجل كل إنسان نفسه فمن أسقطه وخالف مراده فقد برئ من ظلمه والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل والحمد للهقوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم قالوا كيف ؟

قال فاقتلوا أنفسكم قال أرباب الخواطر ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا ، والقتل إماتة الحركة وقتلت الخمر كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري لما قيل لهم فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم ، وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم وقيل قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل .

ويروى أن يوشع بن نون [ ص: 377 ] خرج عليهم وهم محتبون فقال ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم يعني من قتل ، وأقبل الرجل يقتل من يليه .

ذكره النحاس وغيره ، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول ; لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه ، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده ، وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ، ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى فلما استحر فيهم القتل ، وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما ، وإنما رفع الله عنهم القتل ؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة ، وقرأ قتادة " فأقيلوا أنفسكم " من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل .وله تعالى : بارئكم البارئ الخالق وبينهما فرق ، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال والبرية الخلق ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز وقرأ أبو عمرو " بارئكم " بسكون الهمزة ويشعركم وينصركم ويأمركم واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل ، وذلك في الشعر وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره : وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدواإذا اعوججن قلت صاحب قوم بالدو أمثال السفين العوموقال امرؤ القيسفاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغلوقال آخرقالت سليمى اشتر لنا سويقا[ ص: 378 ] وقال الآخررحت وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزرفمن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب .

قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات ، وأصل برأ من تبرى الشيء من الشيء ، وهو انفصاله منه فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود ومنه برأت من المرض برءا ( بالفتح ) كذا يقول أهل الحجاز وغيرهم يقول برئت من المرض برءا ( بالضم ) وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة ومنه المبارأة للمرأة .

وقد بارأ شريكه وامرأتهقوله تعالى : فتاب عليكم في الكلام حذف تقديره ففعلتم فتاب عليكم أي فتجاوز عنكم أي على الباقين منكم .إنه هو التواب الرحيم تقدم معناه ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ...} ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا؛ فعفا الله عنكم بسبب ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل.

{يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم} ضررتم بأنفسكم.

{باتخاذكم العجل} إلهاً قالوا: فأي شيء نصنع؟

قال: {فتوبوا} فارجعوا {إلى بارئكم} خالقكم.

قالوا: كيف نتوب؟

قال: {فاقتلوا أنفسكم} يعني ليقتل البريء منكم المجرم.

{ذلكم} أي القتل.

{خير لكم عند بارئكم} فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من مد حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف نفعل؟

فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا: يارب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى.

روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "كان عدد القتلى سبعين ألفاً فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول في الجنة، فكان من قتل شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه ذنوبه، فذلك قوله تعالى: {فتاب عليكم} أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم.

{إنه هو التواب} القابل التوبة.

{الرحيم} بخلقه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ قال موسى لقومه» الذين عبدوا العجل «يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل» إلهاً «فتوبوا إلى بارئكم» خالقكم من عبادته «فاقتلوا أنفسكم» أي ليقتل البريءُ منكم المجرم «ذلكم» القتل «خير لكم عند بارئكم» فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا «فتاب عليكم» قبل توبتكم «أنه هو التواب الرحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا، فتوبوا إلى خالقكم: بأن يَقْتل بعضكم بعضًا، وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار، فامتثلتم ذلك، فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم.

إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليلة ، وهي إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم وإخبارهم بقبول توبتهم ، فقال تعالى :( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ .

.

.

)المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل - لتنتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجي ربه بعيداً عنهم : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى - فإذا أردتم التكفير عن خطاياكم .

فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحاً ، واقتلوا أنفسكم لتنالوا عفو ربكم ، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإِقامة على المعصية ، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم؛ لأنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه الواضح .وفي نداء موسى - عليه السلام - لهم بقوله : " يا قوم " تلطف في الخطاب ليجذب قلوبهم إلى سماعه ، وليحملهم على تلقي أوامره بحسن الطاعة ، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه ، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم ، وإنما يريد لهم الخير .والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب ، فهو أخص من الخالق ، ولذا قال تعالى : ( هُوَ الله الخالق البارىء المصور ) وفي هذا التعبير الحكيم ، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذي أحسن كل شيء خلقه ، وفيه أيضاً تقريع لهم على غباوتهم ، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض ، وعبدوا عجلا ضرب به المثل في الغباوة فقالوا " أبلد من ثور " فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لقد اتخذتم هذا العجل إلهاً لتشابهكم معه في البلادة وضيق الأفق .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟

قلت : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ( مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ ) ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ، فكان فيه تقريع بما ان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف وحكمته على الأشكال المختلفة ، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في البعاوة والبلادة ، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شيء منها " اه .وقوله تعالى : ( فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ) أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة ، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه ، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحي لأنه تشريع من الله - تعالى - .والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه ، فيكون المعنى : ليقتل بعضكم بعضاً ، كما في قوله تعالى : ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً )أي فليسلم بعضكم على بعض .وقيل : المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقياً حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله ، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك ، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقي منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا ، وهذا هو معنى التوبة في قوله تعالى ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) ، ومعنى العفو في قوله تعالى : في الآية السابقة ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيراً من الآثار التي تحدثت عن كيفية حصول هذا القتل ، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عياس ، أنه قال : " قال تعالى لموسى : إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون ، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها .

وفعلوا ما أمروا به ، فغفر الله للقاتل والمقتول " .وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهري أنه قال : " لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم موسى ، فتضاربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه ، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم ، فقال له : يا نبي الله ادع الله لنا ، وأخذوا بعضديه يشدون يديه .

فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله - جل ثناؤه - إلى موسى ( لاَ تَحْزَنْ ) أما من قتل فحى عندي يرزق ، وأما من بقي ، فقد قبلت توبته ، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل " .وجملة ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) تعليله ، جيء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - واسم الإِشارة ( ذَلِكُمْ ) يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم .وجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) جواب لشرط محذوف للإِيجار ، أي فامتثلتم ما أمرتم به ، فقيل الباري توبتكم ، وهي خطاب من الله - تعالى - لبني إسرائيل على لسان موسى ، فيه تذكير بنعمته ، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم .وعطفت هذه الجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) جواب لشرط محذوف للإِيجار ، أي فامتثلتم ما أمرتم به ، فقيل الباري توبتكم ، وهي خطاب من الله - تعالى - لبني إسرائيل على لسان موسى ، فيه تذكير بنعمته ، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم .وعطفت هذه الجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) بالفاء ، لإِشعارهم بأنه - سبحانه - لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعاً بالقتل ، بل تداركهم بلطفه ورحمته ، فقبل توبتهم ، ورفع عقوبة القتل عمن بقي منهم .وقوله تعالى : ( إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ) إخبار وثناء على الله - تعالى - بما هو أهثله من عفو ورحمة .وأكدها - سبحانه - بتنزيلهم منزلة من يشك في قبول توبته ، لعظم جريمتهم وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد في طريق الشيطان .وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بني إسرائيل فإن الله - تعالى - لطف بهم ، ورحمهم ، وقبل توبتهم ، وعفا عن قتلهم أنفسهم ، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم في توبتهم ، كما تضمنت - أيضاً - تذكير بني إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بنعم الله عليهم ، لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدوا هم ، وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة الشريعة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول في الإِسلام لأنه إذا كان آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإِسلام تقول لهم : لقد جاءكم النبي الذي رفع عنكم إصركم والأغلال التي كانت على أسلافكم ، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون .سابعاً : نعمة بعثهم من بعد موتهم :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه، أحدها: أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً في تمام النعمة.

فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدوداً في نعم الله فجاز التذكير بها.

وثانيها: أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين.

وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام.

وثالثها: أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم: لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيهاً على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة.

ورابعها: أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى.

ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ﴾ أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل ﴿ يَا قَوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وللمفسرين في الظلم قولان: أحدهما: أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام، والثاني: أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علماً ولا طباً، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى، فلذلك قال: ﴿ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ باتخاذكم العجل ﴾ ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلهاً لم يكن فعلهم ظلماً، فالمراد باتخاذكم العجل إلهاً، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ففيه سؤالات.

السؤال الأول: قوله تعالى: ﴿ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه» يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به؟

والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل.

إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشيء مجازاً كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردماً غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا هاهنا.

السؤال الثاني: ما معنى قوله تعالى: ﴿ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ ﴾ والتوبة لا تكون إلا للبارئ، والجواب: المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله.

السؤال الثالث: كيف اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟

والجواب: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت  ﴾ ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة.

السؤال الرابع: ما الفرق بين الفاء في قوله: ﴿ فَتُوبُواْ ﴾ والفاء في قوله: ﴿ فاقتلوا ﴾ ؟

الجواب: أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله: ﴿ فَتُوبُواْ ﴾ أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم.

السؤال الخامس: ما المراد بقوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك؟

الجواب: اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين.

لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك.

الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حياً وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمي قتلاً على طريق المجاز.

إذا عرفت حقيقة القتل فنقول: إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحاً لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأفعال المستقبلة.

ولقائل أن يقول: لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنساناً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حياً لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلاً والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به؟

قوله: لابد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية، قلنا: أولاً لا نسلم أنه لابد فيه من مصلحة، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب، سلمنا أنه لابد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لابد من عود تلك المصلحة إليه، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه.

سلمنا أنه لابد من عود المصلحة إليه، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأموراً بذلك الفعل مصلحة له، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غداً فإن علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها، ثم فيه وجهان، الأول: أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضاً فقوله: ﴿ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ معناه ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة، وقيل في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ أي إخوانكم من المؤمنين، وفي قوله: ﴿ لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً  ﴾ أي بأمثالهم من المسلمين، وكقوله: ﴿ فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ  ﴾ أي ليسلم بعضكم على بعض.

ثم قال المفسرون: أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل.

الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله: ﴿ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي استسلموا للقتل، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات، فالأول: أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق.

الثاني: أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، قال: وكان القتلى سبعين ألفاً، هذه رواية الكلبي.

الثالث: أن بني إسرائيل كانوا قسمين: منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة، ثم قال المفسرون: إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم.

السؤال السادس: كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل؟

الجواب: ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم.

السؤال السابع: هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته؟

الجواب: لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ﴾ ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة، والأول أولى بالتحمل لأنه متناه، وضرر الآخرة غير متناه، ولأن الموت لابد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ففيه محذوف، ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، والآخر: أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم.

وأما معنى قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ﴾ ، فقد تقدم في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب والفرقان ﴾ يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل: يعني التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً ﴾ [الأنبياء: 48] يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقاناً وضياء وذكراً: أو التوراة.

والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر.

وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] يريد به يوم بدر.

حمل قوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ على الظاهر وهو البخع وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً.

وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة.

وروى أن الرجل كان يبصر ولده، ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر الله، فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحْتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن الله من مدّ طرفه أو حلّ حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة.

فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفاً.

فإن قلت: ما الفرق بين الفاآت؟

قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قِبَلِ أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.

ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم.

فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم.

وإمّا أن يكون خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات.

فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارؤكم.

فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟

قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ﴿ مَا ترِى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ﴾ [الملك: 3] ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عبادة البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة.

في أمثال العرب: أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ﴾ فاعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى مَن خَلَقَكم بُرَآءَ مِنَ التَّفاوُتِ، ومُمَيِّزًا بَعْضَكم عَنْ بَعْضٍ بِصُوَرٍ وهَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِخُلُوصِ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّقَصِّي كَقَوْلِهِمْ بَرِئَ المَرِيضُ مِن مَرَضِهِ والمَدْيُونُ مِن دِينِهِ، أوِ الإنْشاءِ كَقَوْلِهِمْ بَرَأ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الطِّينِ أوْ فَتُوبُوا.

﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ إتْمامًا لِتَوْبَتِكم بِالبَخْعِ، أوْ قَطْعِ الشَّهَواتِ كَما قِيلَ مَن لَمْ يُعَذِّبْ نَفْسَهُ لَمْ يُنَعِّمْها ومَن لَمْ يَقْتُلْها لَمْ يُحْيِها.

وقِيلَ أمَرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقِيلَ أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يُقْتَلَ العَبَدَةَ.

رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَرى بَعْضَهُ وقَرِيبَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى المُضِيِّ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ ضَبابَةً وسَحابَةً سَوْداءَ لا يَتَباصَرُونَ، فَأخَذُوا يَقْتَتِلُونَ مِنَ الغَداةِ إلى العَشِيِّ حَتّى دَعا مُوسى وهارُونُ فَكُشِفَتِ السَّحابَةُ ونَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وكانَتِ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا.

والفاءُ الأُولى لِلتَّسَبُّبِ، والثّانِيَةُ لِلتَّعْقِيبِ.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ طُهْرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، ووَصْلَةٌ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والبَهْجَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.

﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ إنْ جَعَلْتَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم تَقْدِيرُهُ: إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ، أوْ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ إنْ جَعَلْتَهُ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهُ قالَ: فَفَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ فَتابَ عَلَيْكم بارِئُكم.

وذِكْرُ البارِئِ وتَرْتِيبُ الأمْرِ عَلَيْهِ إشْعارٌ بِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الجَهالَةِ والغَباوَةِ، حَتّى تَرَكُوا عِبادَةَ خالِقِهِمُ الحَكِيمِ إلى عِبادَةِ البَقَرِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَباوَةِ، وأنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ مُنْعِمِهِ حَقِيقٌ بِأنْ لا يُسْتَرَدَّ مِنهُ، ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالقَتْلِ وفَكِّ التَّرْكِيبِ.

﴿ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ لِلَّذِي يُكْثِرُ تَوْفِيقَ التَّوْبَةِ، أوْ قَبُولَها مِنَ المُذْنِبِينَ، ويُبالِغُ في الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ} للذين عبدوا العجل {يا قوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل} معبوداً {فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ} هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} قيل هو على الظاهر وهو البخع وقيل معناه قتل بعضهم بعضاً وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل سبعون ألفاً

{ذلكم} التوبة والقتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} من الإصرار على المعصية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب} المفضال بقبول التوبة وإن كثرت {الرحيم} يعفوا الحوبة وإن كبرت والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ ﴾ نِعْمَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ في حَقِّ المَقْتُولِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ نالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداءِ كَما أنَّ العَفْوَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ في حَقِّ الباقِينَ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿ وإذْ آتَيْنا ﴾ إلَخْ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْدادُ النِّعَمِ، فَلَوِ اتَّصَلا لَصارا نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ في (لِقَوْمِهِ) لِلتَّبْلِيغِ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ خِطابَ مُوسى لِقَوْمِهِ كانَ مُشافَهَةً، لا بِتَوَسُّطِ مَن يَتَلَقّى مِنهُ، كالخِطاباتِ المَذْكُورَةِ سابِقًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْمُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ امْرُؤٌ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أقاوِيمَ، والمَشْهُورُ اخْتِصاصُهُ بِالرِّجالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ ﴾ وقالَ زُهَيْرٌ: فَما أدْرِي وسَوْفَ أخالُ أدْرِي أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ وقِيلَ: لا اخْتِصاصَ لَهُ بِهِمْ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ أيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ والأوَّلُ أصْوَبُ، وانْدِراجُ النِّساءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ والتَّغْلِيبِ والمَجازِ، خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِراكِ، وسُمِّيَ الرِّجالُ قَوْمًا لِأنَّهم يَقُومُونَ بِما لا يَقُومُ بِهِ النِّساءُ، وفي إقْبالِ مُوسى عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ، ونِداؤُهُ لَهم (بِياقَوْمِ) إيذانٌ بِالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مِنهُمْ، وهم مِنهُ، وهَزَّ لَهم لِقَبُولِهِمُ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ تَقْرِيعِهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، والباءُ في ﴿ بِاتِّخاذِكُمُ ﴾ سَبَبِيَّةٌ، وفي الِاتِّخاذِ هُنا الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ هُناكَ، ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ، وقَدْ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى ﴿ إنَّكم ظَلَمْتُمْ ﴾ والتَّوافُقُ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ إنَّما يُشْتَرَطُ في العَطْفِ بِالواوِ، وتُشْعِرُ عِباراتُ بَعْضِ النّاسِ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ دُونَ العَطْفِ، والتَّحْقِيقُ أنَّها لَهُما مَعًا، والبارِئُ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرْيًا مِنَ التَّفاوُتِ وعَدَمِ تَناسُبِ الأعْضاءِ وتَلائُمِ الأجْزاءِ بِأنْ تَكُونَ إحْدى اليَدَيْنِ في غايَةِ الصِّغَرِ، والرِّقَّةِ، والأُخْرى بِخِلافِهِ، ومُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، بِالخَواصِّ والأشْكالِ والحُسْنِ والقُبْحِ، فَهو أخَصُّ مِنَ الخالِقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِخُلُوصِ الشَّيْءِ وانْفِصالِهِ عَنْ غَيْرِهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّفَصِّي كَبُرْءِ المَرِيضِ، أوِ الإنْشاءِ، كَبَرَأ اللَّهُ تَعالى آدَمَ، أيْ خَلَقَهُ ابْتِداءً مُتَمَيِّزًا عَنْ لَوَثِ الطِّينِ، وفي ذِكْرِهِ في هَذا المَقامِ تَقْرِيعٌ بِما كانَ مِنهم مِن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ حَتّى عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، ونُزُولِ أمْرِهِ بِأنْ يَفُكَّ ما رَكَّبَهُ مِن خَلْقِهِمْ ويَنْثُرَ ما نَظَمَ مِن صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ، حِينَ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ في ذَلِكَ وغَمَطُوها بِعِبادَةِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، وهو مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (بارِئِكُمْ) بِالِاخْتِلاسِ، ورُوِيَ عَنْهُ السُّكُونُ أيْضًا، وهو مِن إجْراءِ المُتَّصِلِ مِن كَلِمَتَيْنِ مَجْرى المُنْفَصِلِ مِن كَلِمَةٍ، ولِلنّاسِ في تَخْرِيجِهِ وُجُوهٌ لا تَخْلُو عَنْ شُذُوذٍ.

﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُتَبادِرُ مِنَ القَتْلِ القَتْلُ المَعْرُوفُ مِن إزْهاقِ الرُّوحِ، وعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، فَإنْ كانَتْ تَوْبَتُهم هو القَتْلَ، إمّا في حَقِّهِمْ خاصَّةً، أوْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ مُطْلَقًا في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُوبُوا ﴾ اعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وإنْ كانَتْ هي النَّدَمَ، والقَتْلُ مِن مُتَمِّماتِها كالخُرُوجِ عَنِ المَظالِمِ في شَرِيعَتِنا، فَهو عَلى مَعْناهُ، ولا إشْكالَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّوْبَةَ جُعِلَتْ لِهَؤُلاءِ عَيْنَ القَتْلِ ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ (تُوبُوا) بِاعْزِمُوا، بَلْ تُجْعَلُ الفاءُ لِلتَّفْسِيرِ، كَما تُجْعَلُ الواوُ لَهُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُباشِرَ كُلٌّ قَتْلَ نَفْسِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَمَعْنى ﴿ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ حِينَئِذٍ لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ والمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يَقْتُلَ مَن عَبَدَهُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: اسْتَسْلِمُوا أنْفُسُكم لِلْقَتْلِ، وسَمّى الِاسْتِسْلامَ لِلْقَتْلِ قَتْلًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والقاتِلُ إمّا غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أوِ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي كَيْفِيَّةِ القَتْلِ أخْبارٌ لا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وجُمْلَةُ القَتْلى سَبْعُونَ ألْفًا، وبِتَمامِها نَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وسَقَطَتِ الشِّفارُ مِن أيْدِيهِمْ، وأنْكَرَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا، إذِ الأمْرُ لِمَصْلَحَةِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَ بَعْدَ القَتْلِ حالُ تَكْلِيفٍ لِيَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولَمْ يَدْرِ هَذا القاضِي بِأنَّ لِنُفُوسِنا خالِقًا بِأمْرِهِ نَسْتَبْقِيها، وبِأمْرِهِ نُفْنِيها، وأنَّ لَها بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي لَعِبٌ ولَهْوٌ حَياةً سَرْمَدِيَّةً، وبَهْجَةً أبَدِيَّةً، وأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، وأنَّ قَتْلَها بِأمْرِهِ يُوصِلُها إلى حَياةٍ خَيْرٍ مِنها، ومَن عَلِمَ أنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الدُّنْيا كَمُجاهِدٍ أُقِيمَ في ثَغْرٍ يَحْرُسُهُ، ووالٍ في بَلَدٍ يَسُوسُهُ، وأنَّهُ مَهْما اسْتَرَدَّ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَأْمُرَهُ المَلِكُ بِخُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ، أوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإخْراجِهِ، وهَذا واضِحٌ لِمَن تَصَوَّرَ حالَتَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَرَفَ قَدْرَ الحَياتَيْنِ، والمِيتَتَيْنِ فِيهِما، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ اسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ فَقالَ: مَعْنى ﴿ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ذَلِّلُوا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إنَّ الَّتِي عاطَيْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ قُتِلَتْ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ ولَوْلا أنَّ الرِّواياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَقُلْتُ بِهِ تَفْسِيرًا، ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ (فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ)، والمَعْنى أنَّ أنْفُسَكم قَدْ تَوَرَّطَتْ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي تَعاطَيْتُمُوهُ، وقَدْ هَلَكَتْ، فَأقِيلُوها بِالتَّوْبَةِ، والتِزامِ الطّاعَةِ، وأزِيلُوا آثارَ تِلْكَ المَعاصِي بِإظْهارِ الطّاعاتِ.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى التَّوْبَةِ أوْ مُعَلِّلَةٌ، والإشارَةُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وخَيْرٌ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ حُذِفَتْ هَمْزَتَهُ، ونَطَقُوا بِها في الشِّعْرِ قالَ الرّاجِزُ: بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ وقَدْ تَأْتِي، ولا تَفْضِيلَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم مِنَ العِصْيانِ والإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ، أوْ خَيْرٌ مِن ثَمَرَةِ العِصْيانِ، وهو الهَلاكُ الدّائِمُ، والكَلامُ عَلى حَدِّ العَسَلِ أحْلى مِنَ الخَلِّ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ كائِنٌ لَكم.

والعِنْدِيَّةُ هُنا مَجازٌ، وكُرِّرَ البارِئُ بِلَفْظِ الظّاهِرِ اعْتِناءً بِالحَثِّ عَلى التَّسْلِيمِ لَهُ في كُلِّ حالٍ، وتَلَقِّي ما يَرِدُ مِن قِبَلِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ، فَإنَّهُ كَما رَأى الإنْشاءَ راجِحًا فَأنْشَأ، رَأى الإعْدامَ راجِحًا فَأمَرَ بِهِ، وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ.

﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ قَدْ، إنْ كانَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمْ، تَقْدِيرُهُ إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ، ومَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، إنْ كانَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، كَأنَّهُ قالَ: فَفَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم بارِئُكُمْ، وفِيهِ التِفاتٌ لِتَقَدُّمِ التَّعْبِيرِ عَنْهم في كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ القَوْمِ، وهو مِن قَبِيلِ الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في (فَتابَ) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَتُبْنا، ورُجِّحَ العَطْفُ لِسَلامَتِهِ مِن حَذْفِ الأداةِ، والشَّرْطِ، وإبْقاءِ الجَوابِ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ مَقالٌ، وظاهِرُ الآيَةِ كَوْنُها إخْبارًا عَنِ المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ المُمْتَثِلِينَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قَتَلَ شَهادَةً، وتابَ عَنِ الباقِينَ، وعَفا عَنْهُمْ، فَمَعْنى (عَلَيْكُمْ) عِنْدَهُ عَلى باقِيكُمْ، ﴿ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَتُوبُوا، فَإنَّ التَّوْبَةَ بِالقَتْلِ لَمّا كانَتْ شاقَّةً عَلى النَّفْسِ هَوَّنَها سُبْحانَهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يُوَفِّقُ إلَيْها، ويُسَهِّلُها، ويُبالِغُ في الإنْعامِ عَلى مَن أتى بِها، أوْ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ وتُفَسَّرُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى حِينَئِذٍ بِالقَبُولِ لِتَوْبَةِ المُذْنِبِينَ، والتَّأْكِيدُ لِسَبْقٍ المُلَوِّحِ، أوْ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ إنْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ، وهو الأنْسَبُ لِدِلالَتِهِ عَلى كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى البارِئِ سُبْحانَهُ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا فَصْلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ، هَذا وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ هَواهُ بِمَنزِلَةِ عِجْلِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَّخِذَهُ إلَهًا، ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ نَفْسَهُ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ فَيْضِ اللَّهِ تَعالى، والدِّينِ القَوِيمِ، ومُتَهَيِّئَةً لِسُلُوكِ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، والتَّرَقِّي إلى جَنابِ القُدْسِ، وحَضْرَةِ الأُنْسِ، وهَذا هو الكِتابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى القَلْبُ، والفُرْقانُ الَّذِي يُهْتَدى بِنُورِهِ في لَيالِي السُّلُوكِ إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ، فَمَتى أخْلَدَتِ النَّفْسُ إلى الأرْضِ، واتَّبَعَتْ هَواها، وآثَرَتْ شَهَواتِها عَلى مَوْلاها أُمِرَتْ بِقَتْلِها بِكَسْرِ شَهَواتِها، وقَلْعِ مُشْتَهَياتِها، لِيَصِحَّ لَها البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، والصَّحْوُ بَعْدَ المَحْوِ، ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ سِوى مَحْوِ البَشَرِيَّةِ بِإثْباتِ الأُلُوهِيَّةِ، وهَذا هو الجِهادُ الأكْبَرُ، والمَوْتُ الأحْمَرُ.

لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وهَذا صَعْبٌ لا يَتَيَسَّرُ إلّا لِخَواصِّ الحَقِّ، ورِجالِ الصِّدْقِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِمُوتُوا، قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وقِيلَ: أوَّلُ قَدَمٍ في العُبُودِيَّةِ إتْلافُ النَّفْسِ وقَتْلُها بِتَرْكِ الشَّهَواتِ، وقَطْعِها عَنِ المَلاذِّ، فَكَيْفَ الوُصُولُ إلى شَيْءٍ مِن مَنازِلِ الصِّدِّيقِينَ، ومَعارِجِ المُقَرَّبِينَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ذاكَ بِمَعْزِلٍ عَنّا، ومَناطُ الثُّرَيّا مِنّا.

؎تَعالَوْا نُقِمْ مَأْتَمًا لِلْهُمُومِ ∗∗∗ فَإنَّ الحَزِينَ يُواسِي الحَزِينا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ، وأصله يا قومي بالياء ولكن حذف الياء وترك الكسر بدلاً عن الياء، وتكون في الإضافة إلى نفسه معنى الشفقة.

يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، يعني أضررتم بأنفسكم بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، يعني إلى خالقكم يقول: فارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة خالقكم، وتوبوا إليه فقالوا له: وكيف التوبة؟

قال لهم موسى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، يعني يقتل بعضكم بعضاً، يقتل من لم يعبد العجل الذين عبدوا العجل وإنما ذكر قتل الأنفس وأراد به الإخوان.

وهذا كما قال في آية أخرى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين، يعني لا تغتابوا إخوانكم.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، يعني التوبة خير لكم عند خالقكم، ومعناه قتل إخوانكم مع رضا الله خير لكم عند الله تعالى مَّنْ ترككم إلى عذاب الله.

قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، أي المتجاوز عن الذنوب الرحيم، حيث جعل القتل كفارة لذنوبكم.

وروي في الخبر أن الذين عبدوا العجل جلسوا على أبواب دورهم، وأتاهم هارون والذين لم يعبدوا العجل شاهرين سيوفهم، فكان موسى-  - يتقدم ويقول: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوا شاهرين سيوفهم، فاتقوا الله واصبروا له، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو حلّ حبوته، أو مدّ بطرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو برجل.

فيقولون: آمين، وذكر في رواية أبي صالح: أن هارون كان يتقدم ويقول ذلك، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء فكانت القتلى سبعين ألفاً، فكان موسى-  - يدعو ربه لما شق من كثرة الدماء، حتى نزلت التوبة.

فقيل لموسى: ارفع السيف عنهم، فإني قبلت توبتهم جميعاً، من قتل ومن لم يقتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء.

وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ...

الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «١» ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل:

انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقاً طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى- عليه السلام-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «٢» ، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «٣» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «٤» ، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.

وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ.

قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.

٢٠ أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل صلّى الله عليه وسلم «١» .

وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها.

قال ع «٢» : حدثني أبي- رضي الله عنه- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ- رحمه اللَّه- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول:

أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] .

ت: وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام.

قال ع «٣» : وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد.

وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهاً، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه

السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً [طه: ٨٧] ، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين.

وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون.

وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً.

وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك.

وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ.

ت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] ، قيل:

كانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] ، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ القَوْمُ: اسْمٌ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ  ﴾ .

وقالَ زُهَيْرٌ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أُقَوْمٌ آَلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟!

وَإنَّما سُمُّوا قَوْمًا، لِأنَّهم يَقُومُونَ بِالأُمُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكْسِرُونَ الهَمْزَةَ مِن غَيْرِ اخْتِلاسٍ ولا تَخْفِيفٍ.

ورَوى اليَزِيدِيُّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بارِئِكُمْ) بِجَزْمِ الهَمْزَةِ.

رَوى عَنْهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "بارِئِكُمْ" مَهْمُوزَةً غَيْرَ مُثَقَّلَةٍ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: كانَ أبُو عُمَرَ يَخْتَلِسُ الحَرَكَةَ فِي: "بارِئِكُمْ" و: "يَأْمُرُكُمْ" وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا تَتَوالى فِيهِ الحَرَكاتُ، فَيَرى مِن سَمْعِهِ أنَّهُ قَدْ أسْكَنَ ولَمْ يَسْكُنْ.

والبارِئُ: الخالِقُ.

ومَعْنى ﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ لِيَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَعْبُدْ لِيَقْتُلَ مَن عَبَدَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْعابِدِينَ فَحَسْبُ، أمَرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وفِيٌّ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ "ذا" في "ذَلِكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى القَتْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى التَّوْبَةِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا لِمُوسى: كَيْفَ يَقْتُلُ الآَباءُ الأبْناءَ، والإخْوَةُ الإخْوَةَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: فَما آَيَةُ تَوْبَتِنا؟

قالَ أنْ يَقُومَ السِّلاحُ فَلا يَقْتُلُ، وتُرْفَعَ الظُّلْمَةُ.

فَقَتَلُوا حَتّى خاضُوا في الدِّماءِ، وصاحَ الصِّبْيانُ: يا مُوسى: العَفْوَ العَفْوَ.

فَبَكى مُوسى، فَنَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وقامَ السِّلاحُ، وارْتَفَعَتِ الظُّلْمَةُ.

قالَ مُجاهِدٌ: بَلَغَ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا.

قالَ قَتادَةُ: جَعَلَ القَتْلَ لِلْقَتِيلِ شَهادَةً، ولِلْحَيِّ تَوْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ هَذا القَوْلُ مِن مُوسى  كانَ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُذِفَتِ الياءُ في "يا قَوْمِي" لِأنَّ النِداءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ وتَخْفِيفٍ، والضَمِيرُ في "اتِّخاذِكُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَعْنى، و"العَجَلُ" لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ اسْمٌ لِوَلَدِ البَقَرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهُ اسْتَعْجَلَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ هَلْ بَقِيَ العِجْلُ مِن ذَهَبٍ؟، قالَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: صارَ لَحْمًا ودَمًا، والأوَّلُ أصَحُّ.

و"تُوبُوا": مَعْناهُ: ارْجِعُوا عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بارِئِكُمْ" بِإظْهارِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "بارِئِكُمْ" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ.

ورُوِيَ عن سِيبَوَيْهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ وهو أحْسَنُ، وهَذا التَسْكِينُ يَحْسُنُ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَجُوزُ التَسْكِينُ مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ في حَرْفِ الإعْرابِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "بارِئِكُمْ" لَحْنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ العَرَبِ التَسْكِينُ في حَرْفِ الإعْرابِ، قالَ الشاعِرُ: إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبَ قَوْمٍ......................................

وقالَ امْرُؤُ القَيْسَ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقالَ آخَرُ: قالَتْ سُلَيْمى: اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗......................................

وقالَ الآخَرُ: ......................................

∗∗∗ وقَدْ بَدا هَنُكِ مِنَ المِئْزَرِ وقالَ جَرِيرٌ: ......................................

∗∗∗ ونَهْرُ تِيرَيْ وما تَعْرِفُكُمُ العَرَبُ وقالَ وضّاحُ اليَمَنِ: إنَّما شِعْرِي شَهْدٌ ∗∗∗ قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلانَ ومَن أنْكَرَ التَسْكِينَ في حَرْفِ الإعْرابِ فَحُجَّتُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ مِن حَيْثُ كانَ عَلَمًا لِلْإعْرابِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ ؟: وأمّا حَرَكَةُ البِناءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُحاةُ في جَوازِ تَسْكِينِها مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "بارِيكُمْ" بِكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ"، وقالَ: هي مِنَ الِاسْتِقالَةِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: "اقْتالَ" هَذِهِ افْتَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَيْنُها واوًا كاقْتادَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ياءً كاقْتاسَ.

والتَصْرِيفُ يَضْعُفُ أنْ تَكُونَ مِنَ الِاسْتِقالَةِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْسِنَ الظَنَّ بِهِ في أنَّهُ لَمْ يُورِدْ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلْتُمْ، وقَوْلُهُ: "عَلَيْكُمْ"، مَعْناهُ: عَلى الباقِينَ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قُتِلَ شَهادَةً، وتابَ عَلى الباقِينَ، وعَفا عنهم.

قالَ بَعْضُ الناسِ: "فاقْتُلُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وإماتَةُ عَوارِضِ النُفُوسِ مِن شَهْوَةٍ وتَعَنُّتٍ وغَضَبٍ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: "فَلْتُمِتْهُما طَبْخًا".

وبِقَوْلِ حَسّانَ: ......................................

∗∗∗ قُتِلْتَ قُتِلْتَ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى ﴾ ، يُرِيدُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، واخْتُلِفَ فِي وقْتِ اخْتِيارِهِمْ، فَحَكى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ عِبادَةِ العِجْلِ، اخْتارَهم لِيَسْتَغْفِرُوا لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وحَكى النَقّاشُ وغَيْرُهُ أنَّهُ اخْتارَهم حِينَ خَرَجَ مِنَ البَحْرِ، وطَلَبَ بِالمِيعادِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وقِصَّةُ السَبْعِينَ أنَّ مُوسى  لَمّا رَجَعَ مِن تَكْلِيمِ اللهِ، ووَجَدَ العِجْلَ قَدْ عُبِدَ، قالَتْ لَهُ طائِفَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ: نَحْنُ لَمْ نَكْفُرْ ونَحْنُ أصْحابُكَ، ولَكِنْ أسْمِعْنا كَلامَ رَبِّكَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنهم سَبْعِينَ شَيْخًا، فَلَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنَ الشَبابِ عَشْرَةً، فَفَعَلَ، فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وكانَ قَدِ اخْتارَ سِتَّةً مِن كُلِّ سِبْطٍ، فَزادُوا اثْنَيْنِ عَلى السَبْعِينَ، فَتَشاحُّوا فِيمَن يَتَأخَّرُ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ مَن تَأخَّرَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن مَضى، فَتَأخَّرَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وطالُوتُ بْنُ يُوقِنا، وذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَتَجَنَّبُوا النِساءَ ثَلاثًا ويَغْتَسِلُوا في اليَوْمِ الثالِثِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى قَوْمِهِ، ومَضى حَتّى أتى الجَبَلَ فَأُلْقِي عَلَيْهِمُ الغَمامُ.

قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: غَشِيَتْهم سَحابَةٌ، وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى بِالنُورِ فَوَقَعُوا سُجُودًا.

قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: وسَمِعُوا كَلامَ اللهِ يَأْمُرُ ويَنْهى، فَلَمْ يُطِيقُوا سَماعَهُ، واخْتَلَطَتْ أذْهانُهُمْ، ورَغِبُوا أنْ يَكُونَ مُوسى يَسْمَعُ ويُعَبِّرُ لَهم فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ وخَرَجُوا بَدَّلَتْ مِنهم طائِفَةٌ ما سَمِعَتْ مِن كَلامِ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ  ﴾ .

واضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، وامْتَحَنَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً ﴾ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنَ الرُؤْيَةِ مُحالًا، أمّا إنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ مُمْتَنَعٌ في الدُنْيا مِن طَرِيقِ السَمْعِ، فَأخَذَتْهم حِينَئِذٍ الصاعِقَةُ فاحْتَرَقُوا وماتُوا مَوْتَ هُمُودٍ يَعْتَبِرُ بِهِ الغَيْرُ.

وقالَ قَتادَةُ: ماتُوا وذَهَبَتْ أرْواحُهُمْ، ثُمَّ رُدُّوا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمْ، فَحِينَ حَصَلُوا في ذَلِكَ الهُمُودِ جَعَلَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ فِيهِمْ ويَقُولُ: أيْ رَبِّ.

كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهم فَيَهْلَكُونَ ولا يُؤْمِنُونَ بِي أبَدًا، وقَدْ خَرَجُوا مَعِي وهُمُ الأخْيارُ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي: وهم بِحالِ الخَيْرِ وقْتَ الخُرُوجِ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ ظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ السَبْعِينَ إنَّما عُوقِبُوا بِسَبَبِ عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أتُهْلِكُنا"، يَعْنِي السَبْعِينَ ﴿ بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا  ﴾ ؟

يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُعاقَبَةُ السَبْعِينَ لِإخْراجِهِمْ طَلَبُ الرُؤْيَةِ عن طَرِيقِهِ بِقَوْلِهِمْ لِمُوسى: "أرِنا"، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَقْدُورِ مُوسى  .

و"جَهْرَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأظْهَرُ أنَّها مِنَ الضَمِيرِ في "نَرى"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "نُؤْمِنَ"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "قُلْتُمْ"،.

والجَهْرَةُ العَلانِيَةُ ومِنهُ: الجَهْرُ ضِدُّ السِرِّ، وجَهَرَ الرَجُلُ الأمْرَ كَشَفَهُ.

وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "جَهْرَةً" بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِيما فِيهِ حَرْفُ الحَلْقِ ساكِنًا قَدِ انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ فِيهِ الفَتْحَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَهْرَةً" جَمْعُ جاهَرَ، أيْ: حَتّى نَرى اللهَ كاشِفِينَ هَذا الأمْرَ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأخَذَتْكُمُ الصَعْقَةُ"، ومَضى في صَدْرِ السُورَةِ مَعْنى "الصاعِقَةُ"، والصَعْقَةُ ما يَحْدُثُ بِالإنْسانِ عَنِ الصاعِقَةِ.

و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى حالِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَتّى أحالَهُمُ العَذابُ وأزالَ نَظَرَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه نعمة أخرى وهي نعمة نسخ تكليف شديد عليهم كان قد جعل جابراً لما اقترفوه من إثم عبادة الوثن فحصل العفو عنهم بدون ذلك التكليف فتمت المنة وبهذا صح جعل هذه منة مستقلة بعد المنة المتضمنة لها قوله تعالى: ﴿ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ﴾ [البقرة: 52] لأن العفو عن المؤاخذة بالذنب في الآخرة قد يحصل مع العقوبة الدنيوية من حد ونحوه وهو حينئذ منة إذ لو شاء الله لجعل للذنب عقابين دنيوي وأخروي كما كان المذنب النفس والبدن ولكن الله برحمته جعل الحدود جوابر في الإسلام كما في الحديث الصحيح، فلما عفا الله عن بني إسرائيل على أن يقتلوا أنفسهم فقد تفضل بإسقاط العقوبة الأخروية التي هي أثر الذنب، ولما نسخ تكليفهم بقتل أنفسهم فقد تفضل بذلك فصارت منتان.

فقول موسى لقومه: ﴿ إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ﴾ تشريع حكم لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد وإن جاز الاجتهاد للأنبياء فإن هذا حكم مخالف لقاعدة حفظ النفوس التي قيل قد اتفق عليها شرائع الله فهو يدل على أنه كلفهم بقتل أنفسهم قتلاً حقيقة إما بأن يقتل كل من عبد العجل نفسه فيكون المراد بالأنفس الأرواح التي في الأجسام فالفاعل والمفعول واحد على هذا وإنما اختلفا بالاعتبار كقوله ﴿ ظلمتم أنفسكم ﴾ وقول ابن أذينة: وإذا وجدت لها وساوس سلوءه *** شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه، وكلام التوراة في هذا الغرض في غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين الذين هم من سبط لاوي الذي منه موسى وهارون أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل أنفسهم منسوخاً بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضاً، فالأنفس مراد بها الأشخاص كما في قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتهم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ﴾ [البقرة: 84] أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 85] فالفاعل والمفعول متغايران.

ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذليل والقهر على نحو قول امرئ القيس: «في أعشار قلب مقتَّل» وقوله: خمر مقتلة أو مقتولة، أي مذللة سورتها بالماء.

قال بجير بن زهير: إن التي ناولْتَني فرددتُها *** قُتِلتْ قُتِلت فهاتها لم تُقتلِ وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة.

والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

والفاء في قوله: ﴿ فتوبُوا ﴾ فاء التسبب لأن الظلم سبب في الأمر بالتوبة فالفاء لتفريع الأمر على الخبر وليست هنا عاطفة عند الزمخشري وابن الحاجب إِذ ليس بين الخبر والإنشاء ترتب في الوجود، ومن النحاة من لا يرى الفاء تخرج عن العطف وهو الجاري على عبارات الجمهور مثل صاحب «مغني اللبيب» فيجعل ذلك عطف إنشاء على خبر ولا ضير في ذلك.

وذكر التوبة تقدم في قوله تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ﴾ [البقرة: 37].

والفاء في قوله: ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ ظاهرة في أن قتلهم أنفسهم بيان للتوبة المشروعة له فتكون الفاء للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى: ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ [النساء: 153] كما في «مغني اللبيب» وهو يقتضي أنها تفيد الترتيب لا التعقيب.

وأما صاحب «الكشاف» فقد جوز فيه وجهين أحدهما تأويل الفعل المعطوف عليه بالعزم على الفعل فيكون ما بعده مرتباً عليه ومعقباً وهذا الوجه لم يذكره صاحب «المغني» وهذا لا يتأتى في قوله تعالى: ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ﴾ ، وثانيهما جعل التوبة المطلوبة شاملة لأقوال وأعمال آخرها قتلهم أنفسهم فتكون الفاء للترتيب والتعقيب أيضاً.

وعندي أنه إذا كانت الجملة الثانية منزلة منزلة البيان من الجملة الأولى وكانت الأولى معطوفة بالفاء كان الأصل في الثانية أن تقطع عن العطف فإذا قرنت بالفاء كما في هذه الآية كانت الفاء الثانية مؤكدة للأولى، ولعل ذلك إنما يحسن في كل جملتين تكون أولاهما فعلاً غير محسوس وتكون الثانية فعلاً محسوساً مبين للفعل الأول فينزل منزلة حاصل عقبه فيقرن بالفاء لأنه لا يحصل تمامه إلا بعد تقرير الفعل الأول في النفس ولذلك قربه صاحب «الكشاف» بتأويل الفعل الأول بالعزم في بعض المواضع.

والبارئ هو الخالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق ولذلك أتبع به الخالق في قوله تعالى: ﴿ هو الله الخالق البارئ ﴾ [الحشر: 24].

وتعبير موسى عليه السلام في كلامه بما يدل على معنى لفظ البارئ في العربية تحريض على التوبة لأنها رجوع عن المعصية ففيها معنى الشكر وكون الخلق على مثال متناسب يزيد تحريضاً على شكر الخالق.

وقوله: ﴿ فتاب عليكم ﴾ ظاهر في أنه من كلام الله تعالى عند تذكيرهم بالنعمة وهو محل التذكير من قوله: ﴿ وإذ قال موسى لقومه ﴾ إلخ فالماضي مستعمل في بابه من الإخبار وقد جاء على طريقة الالتفات لأن المقام للتكلم فعدل عنه إلى الغيبة ورجحه هنا سبق معاد ضمير الغيبة في حكاية كلام موسى.

وعطفت الفاء على محذوف إيجازاً، أي ففعلتم فتاب عليكم أو فعزمتم فتاب عليكم، على حد ﴿ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63] أي فضرب، وعطف بالفاء إشارة إلى تعقيب جرمهم بتوبته تعالى عليهم وعدم تأخيرها إلى ما بعد استئصال جميع الذين عبدوا العجل بل نسخ ذلك بقرب نزوله بعد العمل به قليلاً أو دون العمل به وفي ذلك رحمة عظيمة بهم إذ حصل العفو عن ذنب عظيم بدون تكليفهم توبة شاقة بل اكتفاء بمجرد ندمهم وعزمهم على عدم العود لذلك.

ومن البعيد أن يكون ﴿ فتاب عليكم ﴾ من كلام موسى لما فيه من لزوم حذف في الكلام غير واضح القرينة؛ لأنه يلزم تقدير شرط تقديره فإن فعلتم يتب عليكم فيكون مراداً منه الاستقبال والفاء فصيحة، ولأنه يعرى هذه الآية عن محل النعمة المذكر به إلا تضمناً.

وجملة: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾ خبر وثناء على الله، وتأكيده بحرف التوكيد لتنزيلهم منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم لأن حالهم في عظم جرمهم حال من يشك في قبول التوبة عليه وإنما جمع التواب مع الرحيم لأن توبته تعالى عليهم كانت بالعفو عن زلّة اتخاذهم العجل وهي زلة عظيمة لا يغفرها إلا الغفار، وبالنسخ لحكم قتلهم وذلك رحمة فكان للرحيم موقع عظيم هنا وليس هو لمجرد الثناء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ﴾ يَعْنِي: فارْجِعُوا إلى طاعَةِ خالِقِكُمْ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلْقُ، وهي فَعِيلَةٌ، بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، غَيْرَ أنَّها لا تُهْمَزُ.

واخْتَلَفُوا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، يَبْرَؤُهم بَرْءًا.

والثّانِي: أنَّها فَعِيلَةٌ مِنَ البَرَءِ، وهو التُّرابُ.

والثّالِثُ: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن بَرِئَ الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ، وهو انْفِصالُهُ عَنْهُ، ومِنهُ البَراءَةُ مِنَ الدِّينِ لِانْفِصالِهِ عَنْهُ، وأبْرَأهُ اللَّهُ مِنَ المَرَضِ، إذا أزالَهُ عَنْهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: اسْتَسْلِمُوا لِلْقَتْلِ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَتْلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ.

وَأصْلُ القَتْلِ: إماتَةُ الحَرَكَةِ، ومِنهُ: قَتَلْتُ الخَمْرَ بِالماءِ، إذا مَزَجْتَها، لِأنَّكَ أمَتَّ حَرَكَتَها، وإنَّما جُعِلَ القَتْلُ تَوْبَةً، لِأنَّ مَن كَفَّ عَنِ الإنْكارِ لِعِبادَةِ العِجْلِ، إنَّما كَفَّ خَوْفًا مِنَ القِتالِ والقَتْلِ، فَجُعِلَتْ تَوْبَتُهم بِالقَتْلِ، الَّذِي خافُوهُ، هَكَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْتَبى الَّذِينَ عَكَفُوا عَلى العِجْلِ فَجَلَسُوا، وقامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَيْهِ، وأخَذُوا الخَناجِرَ، وأصابَتْهم ظُلْمَةٌ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا، حَتّى انْجَلَتِ الظُّلْمَةُ مِن سَبْعِينَ ألْفَ قَتِيلٍ في ساعَةٍ مِن نَهارٍ، وكانُوا يُنادُونَ في تِلْكَ الحالِ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَرَ حَتّى يَبْلُغَ اللَّهُ رِضاهُ، فَحَزِنَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ لِذَلِكَ القَتْلِ، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى مُوسى: لا تَحْزَنْ، أمّا مَن قُتِلَ مِنكم فَأحْياءٌ عِنْدِي يُرْزَقُونَ، وأمّا مَن بَقِيَ فَقَدْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، فَبَشَّرَ بِذَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، واحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟

قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه- والله لا يبالي من قتل- حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل، وتيب على من بقي.

وأخرج عبد حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنكم ظلمتم أنفسكم...

﴾ الآية.

قال: أمر القوم بشديدة من البلاء، فقاموا يتناحرون بالشفار، ويقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ الله نقمته فيهم وعقوبته، فلما بلغ ذلك سقطت الشفار من أيديهم وأمسك عنهم القتل، فجعله الله للحي منهم توبة وللمقتول شهادة.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن الزهري قال: لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم قالوا: يا نبي الله ادع لنا، وأخذوا بعضديه فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله إلى موسى: ما يحزنك...؟

أما من قتل منكم فحي عندي يرزق، وأما من بقي فقد قبلت توبته.

فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ إلى بارئكم ﴾ قال: خالقكم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول تبع: شهدت على أحمد أنه ** رسول من الله باري النسم وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ إلى بارئكم ﴾ قال: خالقكم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، ففعلوا فتاب الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ يعني (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ يَا قَوْمِ ﴾ والإثبات كقوله: ﴿يَا عِبَادِ (٨) (٩) ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ  ﴾ على قراءة من فتح (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وَطِرْتُ بِمُنْصُلِي (١٥) (١٦) يريد: الأيدي (١٧) وَأخُو الغَوَانِ مَتى يَشَأْ يَصْرِمْنَهُ ...

وَيَكُنَّ أَعْدَاءً بُعَيْدَ وِدَادِ (١٨) يريد: الغواني فاجتزأ بالكسرة من الياء، والنداء بهذا أولى لأنه باب حذف.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي نقصتم حظ أنفسكم باتخادكم العجل إلها (١٩) (٢٠) ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ خالقكم، يقال: برأ الله الخلق، أي: خلقهم (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقَا (٢٦) [فَنُزِّل] (٢٧) وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن النحويين من يقول: إن إسكانها لا يجوز، لأنها علم الإعراب، وسيبويه يجوز ذلك (٢٨) (٢٩) وقد روي ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم ترد بالقياس (٣٠) (٣١) وَقَدْ بَدَا (٣٢) (٣٣) وقوله: فَالْيَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ (٣٤) وقول جرير: سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فَالْأَهْوَازُ (٣٥) (٣٦) (٣٧) وجاز إسكان حركة الإعراب كما جاز إسكان (٣٨) (٣٩) فأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت عَلَمًا للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات (٤٠) (٤١) واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما على ضربين: أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: اللاختلاس والتخفيف.

وهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ  ﴾ .

وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا (٤٦) ﴿ إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك (٤٧) وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ قالوا: كيف؟

فقال (٤٨) ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (٤٩) (٥٠) (٥١) إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ...

قُتِلَتْ فَهَاتِهَا (٥٢) (٥٣) وتقول (٥٤) وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق (٥٥) ......

أَعْشَارِ (٥٦) (٥٧) (٥٨) قال زهير.

كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ...

مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً (٥٩) (٦٠) [قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي (٦١) (٦٢) ومعنى قوله: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: ليقتل البريء المجرم (٦٣) (٦٤) (٦٥) ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ (٦٦) (٦٧) وقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع (٦٨) وقوله تعالي: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (٧٣) قال ابن عباس: أبي الله عز وجل أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (٧٥) (٧٦) (١) بعد سياق الآية كاملة في (ب) كما هو النهج في هذه النسخة ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ يعني ...

(٢) في (ج): (منه).

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 226.

(٤) أي: إلى ياء المتكلم.

(٥) انظر: "الكتاب" 2/ 209، وذكر الزجاج في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أربع لغات، انظر: "معاني القرآن" 1/ 105، وذكر النحاس لست لغات، "إعراب القرآن" 1/ 226، وكذا أبو حيان في البحر 1/ 106، "السمين في الدر" 1/ 359، وهذا في غير القرآن.

(٦) يعني إثباتها ساكنة.

(٧) في (ب): (وحذفها).

(٨) قراءة جمهور القراء حذف الياء منها، وقرأ بالإثبات رويس وروح.

انظر: "النشر" 2/ 364، "وتحبير التيسير" ص 174.

(٩) في (ج): (عباد) وهي قراءة السبعة.

(١٠) في (ب): (حذف).

قرأ بالفتح نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم، وأبو جعفر من العشرة والبقية على الإسكان في الوقف، وحذفها في الوصل.

انظر: "التيسير" ص 190، "تحبير التيسير" ص 174.

(١١) قال الزجاج: فأما في القرآن فالكسر وحذف الياء لأنه أجود الأوجه، وهو إجماع القراء 1/ 105، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "البحر المحيط" 1/ 206.

(١٢) في (ب): (المواضع).

(١٣) في (ب): (تكون).

(١٤) في (ب): (أنشد).

(١٥) في (أ)، (ج) (لمنصلي) وما في (ب) موافق لرواية البيت في أكثر المصادر.

(١٦) البيت غير منسوب في "الكتاب"، ونسبه في اللسان لمضرس بن ربعي.

(المنصل): السيف، و (اليعملات): جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل و (السريح): جلود أو خرق تشد على أخفاف الناقة إذا حفيت من شدة السير، ورد البيت في "الكتاب" 1/ 27، 4/ 190، "المنصف" 2/ 73، "الخصائص" 2/ 269.

3/ 133، "الإنصاف" 2/ 429، "الخزانة" 1/ 242، "اللسان" (جزز) 1/ 615، و (خبط) 1039، و (ثمن) 1/ 59 و (يدى) 8/ 4951.

(١٧) فحذف (الياء) لضرورة الشعر وبقيت الكسرة تدل عليها.

انظر:"الكتاب" 1/ 27.

(١٨) في (ب): (واداد).

البيت للأعشى (قيس من ميمون) وفيه يصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر، يقول: من كان مشغوفًا بهن مواصلاً لهن، إذا تعرض لما يسبب صرمهن سارعن إليه لتغير أخلاقهن.

البيت من شواهد سيبويه 1/ 28، وورد في "المنصف" 2/ 73، "الإنصاف" ص 329، ص 419، و"الهمع" 5/ 344، "الخزانة" 1/ 242، "اللسان" (غنا) 6/ 3310، وديوان لأعشى ص 51.

(١٩) انظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.

(٢٠) مضى في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ .

(٢١) انظر: "غريب القرآن" للزبيدي 1/ 70، والطبري في "تفسيره" 2/ 78، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 106، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب.

(٢٢) هذا على رواية العراقيين عنه بالاختلاس، وروي عنه إسكان الهمزة، وبقية السبعة على كسر الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف، انظر "السبعة" ص 155، و"الحجة" لأبي على 2/ 76، "التيسير" ص 73، "الكشف" 1/ 240.

(٢٣) أخذه عن "الحجة" 2/ 78.

قال أبو علي: (حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين: أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون ..

، والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكن عنها، وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين: أحدهما أن تكون حركته حركة بناء، والآخر: أن تكون حركته حركة إعراب ..) وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 97، "الحجة" لابن خالويه ص 78، "الكشف" 1/ 241.

(٢٤) في "الحجة" (يقول من يخفف) 2/ 79.

(٢٥) أي: شبهوا المنفصل في كلمتين بالمتصل في كلمة.

(٢٦) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العذافر الكندي) وسبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بكل شَىءٍ عَلِيمٌ  ﴾ .

(٢٧) في جميع النسخ (فترك) وفي "الحجة" (فنزل) وهذا أقرب، والمعنى: أن (اشتر) == سكن آخره ونزل منزلة المتصل مثل (كتف) انظر "الحجة" 2/ 79، و"النوادر" لأبي زيد ص170، "الخصائص" 1/ 73 - 75.

(٢٨) انظر: "الكتاب" 4/ 203، وانظر: "الخصائص" 1/ 73 - 75.

(٢٩) في (ب): (القبيلتين).

(٣٠) وكأنه يشير إلى رد أبي العباس المبرد لهذه المسألة، انظر: "الخصائص" 1/ 75، "تفسير ابن عطية" 1/ 297، "الخزانة" 4/ 484.

(٣١) (قوله) ساقط من (ب).

(٣٢) في (ب).

(زيد).

(٣٣) البيت للأقيشر الأسدي وصدره: رُحْتِ وَفِي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا قاله يخاطب زوجته حين لامته لما شرب الخمر وبدت عورته، وقوله: (ما فيهما): من الاضطراب، و (الهن) كناية عن كل ما يقبح ذكره، وهو هنا كناية عن (الفرج).

البيت من شواهد سيبويه 4/ 203، وفي "الحجة" لأبي علي 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 3/ 95، و"الهمع" 1/ 187، "شرح المفصل" 1/ 48، "الخزانة" 4/ 484، 485، 8/ 351، "تفسير ابن عطية"1/ 298.

(٣٤) سبق تخريجه.

(٣٥) في (ج): (فالهواني).

(٣٦) في (أ)، (ج): (لايعرفكم) وما في (ب) موافق للحجة، والمصادر الأخرى التي ورد فيها البيت.

(٣٧) (الأهواز): مكان معروف في بلاد الفرس، وهو اسم للكورة بأسرها، ثم غلب على سوقها الذي أصبح مدينة يعينها، وفي الأهواز (نهر تيرى) المذكور في البيت.

انظر "معجم البلدان" 1/ 284، 5/ 319، ورد البيت في "الحجة" 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، "المخصص" 15/ 188، "تفسير ابن عطية" 1/ 298، "معجم البلدان" 5/ 319، "الخزانة" 4/ 484، "ديوان جرير" ص 45.

والشاهد (ولا تعرفكم) بالضم فأسكن الشاعر مضطرًّا.

انظر "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317.

(٣٨) (إسكان) ساقط من (ب).

وعبارة أبي علي: (وجاز إسكان حركة الإعراب، كما جاز تحريك إسكان البناء ...) "الحجة" 2/ 81.

(٣٩) أو اختلاسها كما سبق، قال أبو علي: (ذهب سيبويه إلى أن أبا عمرو اختلس الحركة ولم يشبعها فهو بزنة حرف متحرك، فمن روى عن أبي عمرو الإسكان في هذا النحو، فلعله سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانًا 2/ 84، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 107، "الحجة" لابن خالويه ص 78.

(٤٠) في (ب) (حركة).

(٤١) في (ب) (الأشياء).

(٤٢) في (ب) (فأما الضمة).

(٤٣) في (أ)، (ج) (بالمحذوف) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 2/ 83.

(٤٤) في "الحجة" (خفف) وهو أولى.

(٤٥) (الواو) ساقطة من (ب).

(٤٦) في "الحجة": (كما أبدلوا الألف في النصب) 2/ 83.

(٤٧) انتهى من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 78 - 83.

مع التصرف اليسير باختصار بعض المواضع.

(٤٨) في (ب) (قال).

(٤٩) انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.

(٥٠) نحوه في "التهذيب" عن الليث (قتل) 3/ 2884، انظر "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، "اللسان" (قتل) 6/ 3528.

(٥١) في (ج) (اوا).

(٥٢) في (أ)، (ج) (نهاتها) وما في (ب) موافق لنا في ديوان حسان، والمصادر الأخرى التي ذكر فيها البيت.

(٥٣) ورد البيت في الصحاح (قتل) 5/ 1797، "اللسان" 6/ 3530، "ديوان حسان" ص 181، "الخزانة" 4/ 385، 390.

(٥٤) في (ج): (ويقول).

(٥٥) انظر " التهذيب" (قتل) 3/ 2884، "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، 1798، "المحكم" (قتل) 6/ 204، 205.

(٥٦) في (ب): (في أعشار).

(٥٧) البيت لامرئ القيس، وسبق تخريجه وشرحه في مقدمة المؤلف.

(٥٨) انظر: "تهذيب اللغة" (قتل) 1/ 2884.

"المحكم" (قتل) 6/ 205.

(٥٩) في (ب): (جنها).

(٦٠) قوله: (غربي) الغرب: الدلو الكبير من جلد ثور وجمعه غروب، و (المقتلة): التي ذللت بكثرة العمل، لأنها ماهرة تخرج الدلو ملأى فتسيل من نواحيها، (الجنة) البستان، وأراد النخل.

(السحق): الواحد (سحوق) النخلة التي ذهبت جريدتها، وطالت، ورد البيت في المجمل (جنن) 1/ 175، "مقاييس اللغة" 1/ 421، "المخصص" 11/ 111،"اللسان" (سحق) 4/ 1956، و (قتل) 6/ 3530.

و (جنن) 2/ 705.

(٦١) انظر: "المخصص" 11/ 111.

(٦٢) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

(٦٣) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 355.

والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، الخازن في "تفسيره" 1/ 126، وقيل: ليقتل بعضكم بعضا، انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبه ص 49.

والطبري 2/ 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 108، "الكشاف" 1/ 281، "زاد المسير" 1/ 82، "البحر" 1/ 207.

ابن كثير في "تفسيره" 1/ 98.

(٦٤) (وأباه) ساقط من (ب).

(٦٥) في (ج): (خليفه).

(٦٦) كذا في (أ) (قتلوكم) بغير ألف، وهي قراءة حمزة والكسائي، وفي (ب)، (ج) (قاتلوكم) بالألف على قراءة بقية السبعة.

انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 179.

(٦٧) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 152، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، "تفسير الرازي" 3/ 81.

(٦٨) ذكره الماوردي عن أبي إسحاق 1/ 327، وكذا الرازي في "تفسيره" 3/ 82، وأبو حيان في البحر 1/ 207.

(٦٩) أو المعنى (توبتكم) خير لكم من إقامتكم على المعصية، ولو سلمتم من القتل.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، والنسفي في "تفسيره" 1/ 126، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.

(٧٠) وقيل: تعود إلى التوبة، وقيل: إلى القتل والتوبة، فأوقع المفرد موقع التثنية.

انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 82، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.

(٧١) (وقيل) ساقط من (ب).

(٧٢) انظر: "البحر المحيط" 1/ 209.

(٧٣) انظر: "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.

(٧٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب، وذكره الطبري في "تفسيره" عن السدي 1/ 286، "تفسير الماوردي" عن جريج 1/ 327.

(٧٥) في (ب): (فعلتم ذلك).

(٧٦) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 288، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 299، والبغوي في "تفسيره" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 209.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ هي شهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما خصّ الليالي بالذكر لأنّ العام بها، والأيام تابعة لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها ﴿ ثُمَّ اتخذتم العجل ﴾ اتخذتموه إلهاً، فحذف لدلالة المعنى ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي بعد غيبته في الطور ﴿ الكتاب ﴾ هنا التوراة ﴿ والفرقان ﴾ أي المفرق بين الحق والباطل، وهو صفة التوراة وآتينا محمداً الفرقان، وهذا بعيد لما فيه من الحذف من غير دليل عليه ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي يقتل بعضكم بعضاً كقوله: ﴿ سَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ [النور: 61]، وروي أنّ الظلام ألقي عليهم فقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ القتلى سبعون ألفاً فعفى الله عنهم.

وإنما خص هنا اسم الباري: الخالق ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بارئكم ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد الرحمن بن عبدوس.

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس ﴿ أنه هو ﴾ مدغماً: أبو عمرو غير عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل ﴿ ومن دونه هو ﴾ ﴿ وأنه هو ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ حتى ﴾ حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي ﴿ نرى الله ﴾ مكسورة الراء: روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء استقبلها ألف ولام مثل ﴿ ولو يرى الذين ﴾ ﴿ والنصارى المسيح ﴾ ﴿ جهرة ﴾ مفتوحة الهاء: قتيبة ﴿ السلوى ﴾ بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال "فعلى".

الوقوف: ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ عند بارئكم ﴾ (ط) لأن التقدير ففعلتم ﴿ فتاب عليكم ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ السلوى ﴾ (ط) {ما رزقناكم (ط) ﴿ يظلمون ﴾ (ه) التفسير: إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم النعم في الدين وأيضاً لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد  ، وأيضاً لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن بعثة محمد  لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك متى رجعوا عن كفرهم.

وفيه ترغيب لأمة محمد  في التوبة، فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب أحدنا في مجرد الندم كان أولى.

هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين ههنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم فبذلك استحقوا العذاب الأبدي.

والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلونه.

ومعنى ﴿ إلى بارئكم ﴾ النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس.

وقوله ﴿ ذَٰلكم ﴾ أي القتل ﴿ خير لكم عند بارئكم ﴾ جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير.

والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم.

وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله  لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر في الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل.

من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها.

والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل.

وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم  ﴾ ﴿ فسلموا على أنفسكم  ﴾ وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة.

ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم.

وقيل: لما أمرهم موسى  بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين.

روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء.

وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية يا الهنا.

فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله  إليه: قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل.

قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفاً.

وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد.

ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة.

والقائلون بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى لأن الهوى حياة النفس.

قوله: ﴿ وإذا قلتم يا موسى ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتل.

قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى  من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلاً من خيارهم.

فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه.

فسأل موسى ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا موسى  من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا.

وكان موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل النظر إليه.

وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل.

ومن جملة الكلام "إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري".

فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك ﴿ لن نؤمن لك ﴾ أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ عياناً، وهي مصدر قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب يخافت بها.

وانتصابها على نحو انتصاب "قعد القرفصاء" لأن هذه نوع من الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ذوي جهرة.

ومن قرأ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر.

وإنما أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه النائم ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ وهي ما صعقهم أي أماتهم.

فقيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وصعقة موسى في قوله ﴿ وخر موسى صعقاً  ﴾ لم تكن موتاً ولكن غشية بدليل ﴿ فلما أفاق  ﴾ والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون فيّ؟

فلم يزل يدعو حتى رد الله إليهم أرواحهم وذلك قولهم ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل.

قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً.

فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد منهم فماذا أقول لهم؟

فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً.

فقال موسى: إن هي إلا فتنتك.

فأحياهم الله  فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله  .

فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء.

فدعا بذلك فأجاب الله دعوته.

هذا ما قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب تخصيصه بقوله في حق موسى ﴿ فلما أفاق  ﴾ مع أن لفظة "الإفاقة" لا تستعمل في الموت.

ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا  عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.

ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي  بجحود أسلافهم نبوة موسى  مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي  مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم.

ومنها التسلية للنبي  وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.

ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد  لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه  بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً  وإن وجدوا في كتبهم أخبار نبوته  .

و منها لما أخبر محمد  عن هذه القصة مع كونه أمياً، تبين أن ذلك من الوحي.

بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله  لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ .

وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت.

وأيضاً لا يمتنع أن الله  علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة  ﴾ فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا يستحسنه قضية العزة والحشمة.

قوله  ﴿ وظللنا ﴾ أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، وينزل عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد.

مجاهد: المن صمغ حلو.

وهب: هو الخبز السميذ.

الزجاج: هو ما منّ الله  به عليهم، وهذا كما يروى مرفوعاً "الكمأة من المن وفيها شفاء للعين" وقيل: السلوى العسل.

وقيل: طائر أحمر ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا لهم كلوا ﴿ من طيبات ﴾ من حلالات ﴿ ما رزقناكم ﴾ وهذا للإباحة.

﴿ وما ظلمونا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفراً، وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ لأن وبال الظلم عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله  .

وإنما قال ههنا وفي الأعراف والتوبة والروم بزيادة لفظة "كانوا" لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا بخلاف قوله في آل عمران ﴿ ولكن أنفسهم يظلمون  ﴾ لأنه مثل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ .

وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم.

وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهاً إلى اتخاذ خالقكم إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

قال الفقيه أَبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أَنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع.

دليله قوله عز وجل: - ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ .

ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل.

وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم.

ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قتل سبعون أَلفاً في يوم واحد.

وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوماً إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا.

فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاءِ في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.

ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل إلهاً، وبعبادتهم إياه دون الله.

وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه.

فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

ثم صرْف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من الله -  - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان.

ولله أَن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أَنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ الآية: [النساء: 66] على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإِماتة.

فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس له.

فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم.

والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأَنها دار محنة.

وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، والله أعلم.

ثم قيل في قوله: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأَن قد قتلوا أَنفسهم.

ويجوز أَن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أَمراً بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 111] مذكور ذلك في التوراة.

وكذا قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ  ﴾ نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم.

وقد قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأَنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأْويل خَرَّج أَبو بكر قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ .

والله الموفق.

وقيل: أمر بعضاً بقتل بعض، كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً  ﴾ أَي: يسلم بعضهم على بعض.

وقيل: أَمر كلَّ من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم.

وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل.

ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم.

وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة - فيه وجهان: أَحدهما: أَنه كأَنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب.

وذلك أَن موسى  استنقذهم من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته.

ثم - مع ما أَراهم من الآيات - إذا فارقهم، دعاهم السامري إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ  ﴾ فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه.

وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي  ﴾ ، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم.

فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا.

فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، والله أَعلم، ونحو ذلك قوله: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ .

وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلاً عن المستدل عليه، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف.

كما روي أن امرأَة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأَشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل.

فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلاً - لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أَنَّه أَنزلها عليك.

ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عياناً.

فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية.

قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.

وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها.

وذلك أَن موسى -  - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا.

وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  ﴾ وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه.

وكذلك ما روي في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله  حيث قالوا: أَنرى ربنا؟

لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا.

وإنما أَخذ هؤلاء الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت.

دليل التعنت، فما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، والله أعلم.

أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ ، لا بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

وسنذكر هذه المسألة فى موضعها، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ .

قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك.

لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.

وهلاك العقل والذهن، كقوله: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً  ﴾ قيل: مغشيّاً.

وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أَي غشى.

والله أعلم.

وقيل: الصعقة: صياح شديد.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول.

وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ - الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عياناً جهاراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم.

ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون.

مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.

ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم.

وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.

وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...

﴾ الآية.

وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.

وقَدْ يحتمل وجهاً آخر: وهو النقصان؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم تنقص منه.

وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .

اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ .

أُمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.

وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.

غير أَن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ .

والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.

وقوله: ﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.

ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز، يقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن: كونه في أَمر هو فيه.

وقوله: ﴿ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان.

ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ  ﴾ .

ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي عن أَبي هريرة -  - عن رسول الله  قال: "إنَّ بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجداً فدخلوا منحرفين" فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.

ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاةً؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.

ويحتمل الأَمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ﴾ .

قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأَنهم أمروا بالإيمان والإسلام.

وقيل: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ : أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأَنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم.

وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما.

ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأَرسلنا - والقصة واحدة - حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والأَلسن تغيير المعنى والمراد.

وأَن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والأَلفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك.

ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، وكان كافراً إلى ذلك الوقت.

والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...

﴾ الآية [الليل: 5].

ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ...

﴾ الآية [القصص: 54].

وقوله: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ .

قوله: "بَدَّلَ" يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عز وجل.

ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم.

ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟

وليس لنا - إلى معرفة ذلك القول - حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى الله بيان ذلك بفضله، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: "الرجز" هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأَن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره.

ومنه عذاب ينزل من السماء - لا على أَيدي أَحد - نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما.

وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

مرة ذكر "يَفْسُقُونَ"، ومرة ذكر "يَظْلِمُونَ"، وهو واحد.

وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة محمد  وإِثباتُ نبوته.

وذلك أَن أَهل لكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول الله  يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول الله  والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأَول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا من هذه النعم أن وفقكم الله للتوبة من عبادة العجل، حيث قال موسى  لكم: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه، فتوبوا وارجعوا إلى خالقكم ومُوجدكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا؛ والتوبة على هذا النحو خير لكم من التمادي في الكفر المؤدي إلى الخلود في النار، فقمتم بذلك بتوفيق من الله وإعانة، فتاب عليكم؛ لأنه كثير التوبة رحيم بعباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.2YzBO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليًا له ومتأخرًا عنه: مهد أولًا للتذكير تمهيدًا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم.

ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء، يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبًا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها.

ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.

لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي  هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولاسيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة.

لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلهًا، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.

بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءًا بقوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ  ﴾ أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلًا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين الزماني والمكاني ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ  ﴾ إلهًا عبدتموه.

والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلهًا آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أن تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارًا.

والتوبة هي محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة.

هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ .

فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب.

وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع الله تعالى أو مع الناس.

ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفًا بالذنب معتذرًا عنه؟

وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم.

وقد قال ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ  ﴾ لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم.

ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم، والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم: دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه "بنو لاوي" فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضًا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم "نحو ثلاثة آلاف "وقال مفسرنا" الجلال"- كغيره- الذين قتلوا سبعون ألفًا، والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه.

قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ  ﴾ لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلًا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة وقوله ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  ﴾ من كلام الله تعالى لا تتمة لكلام موسى  في الظاهر وهو معطوف على محذوف تقديره ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي إنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولاسيما الشرك به.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان واتباع حتى نرى الله عيانًا جهرة فيأمرنا بالإيمان لك، ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون ذلك بأعينكم، وسيأتي بيان هذا التفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم.

سؤال بني إسرائيل رؤية الله تعالى واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، وذلك أن طائفة منهم قالوا لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله تعالى من دوننا؟!

وانتشر هذا القول في بني إسرائيل وتجرأ جماعة منهم بعد موت هارون وهاجوا على موسى وبني هارون وقالوا لهم إن نعمة الله على شعب إسرائيل هي لأجل إبراهيم وإسحاق فتشمل جميع الشعب، وقالوا لموسى لست أفضل منا فلا يحق لك أن تترفع وتسود علينا بلا مزية، وإننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهوة.

فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين، وهذه النار هي المعبر عنها بالصاعقة، وهل ثمة من نار غير الاشتغال بالكهرباء وهو ما تحدثه الصاعقة التي تحدث الانشقاق في الأرض أيضًا؟

وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى  وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى أماتت منهم خلقًا كثيرًا.

فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي  لم تكن بدعًا من أعمالهم.

قال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدَ مَوتِكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونُ  ﴾ إن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أن سينقرضوا بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.

والعبرة الاجتماعية في الآيات أن الخطاب في كل ما تقدم كان موجهًا إلى الذين في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب ألا لبيان معنى وحدة الأمة واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات وما يجازيها من النعم والنقم إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق كأنه وقع به، ليعلم الناس أن سنة الله تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَةً  ﴾ وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لترقيها لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين.

بعد هذا ذكر الله تعالى نعمة أخرى بل نعمتين من النعم التي مَنَّ بها على بني إسرائيل فكفروا بها ولكنه لم يذكر ما كان به الكفران، بل طواه وأشار إليه بما ختم به الآية من أنهم لم يظلموا الله تعالى بذلك الذنب المطوي وإنما ظلموا أنفسهم، وهذا أسلوب آخر من أساليب البيان في التذكير، وضرب من ضروب الإيجاز التي هي أقوى دعائم الإعجاز.

أما النعمة الأولى فقوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلنَا عَلَيكُمْ الغَمَامَ  ﴾ هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن ساق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسفعتهم الشموس ولفحت وجوههم.

ولا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر "الجلال" وغيره: بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل، الذي يفيده حرف التظليل، إلا بسحاب كثيف بمنع حر الشمس ووهجها.

وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.

وأما النعمة الثانية ففي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى  ﴾ ما منح الله تعالى يسمى إيجاده إنزالًا ومنه ﴿ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ  ﴾ على أن المن ينزل كالندى وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجين وبه فسر المن مفسرنا وغيره.

وأما السلوى فقد فسروها بالسماني وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضًا.

وظاهر أن قوله تعالى: ﴿ كَلَوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ مقدر فيه القول.

وفي "سفر الخروج" أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل وكان لهم بدلًا من الخبز وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ تقرير لقاعدة مهمة وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي.

فكل عمل ابن آدم له أو عليه (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده