الآية ٥٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٥ من سورة البقرة

وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق ، إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانا ، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم ، كما قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : علانية .

وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس ، أنه قال في قول الله تعالى : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) أي علانية ، أي حتى نرى الله .

وقال قتادة ، والربيع بن أنس : ( حتى نرى الله جهرة ) أي عيانا .

وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه .

قال : فسمعوا كلاما ، فقالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : فسمعوا صوتا فصعقوا ، يقول : ماتوا .

وقال مروان بن الحكم ، فيما خطب به على منبر مكة : الصاعقة : صيحة من السماء .

وقال السدي في قوله : ( فأخذتكم الصاعقة ) الصاعقة : نار .

وقال عروة بن رويم في قوله : ( وأنتم تنظرون ) قال : فصعق بعضهم وبعض ينظرون ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء .

وقال السدي : ( فأخذتكم الصاعقة ) فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ، ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ( لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) [ الأعراف : 155 ] .

فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل ، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجل رجل ، ينظر بعضهم إلى بعض : كيف يحيون ؟

قال : فذلك قوله تعالى : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله جهرة - عِيانا برفع الساتر بيننا وبينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتى ننظر إليه بأبصارنا , كما تجهر الرَّكيَّة , وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين , فنُقِّي ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا.

يقال منه: (147) " قد جَهَرْتُ الركية أجهرها جهرا وجهرة ".

(148) ولذلك قيل: " قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا "، (149) " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالب: مــن اللائــي يظـل الألـف منـه منيخًــا مــن مخافتــه جهــارا (150) 947 - وكما حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (حتى نرى الله جهرة)، قال: علانية.

948 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: (حتى نرى الله جهرة) يقول: عيانا.

949 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (حتى نرى الله جهرة)، حتى يطلع إلينا.

950 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (حتى نرى الله جهرة)، أي عيانا.

فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم , مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور , (151) وتطمئن بالتصديق معها النفوس.

وذلك مع تتابع الحجج عليهم , وسبوغ النعم من الله لديهم، (152) وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله.

ومرة يعبدون العجل من دون الله.

ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة .

وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا &; 2-82 &; قاعدون.

ومرة يقال لهم: قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم.

فيقولون: حنطة في شعيرة!

ويدخلون الباب من قبل أستاههم , مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام، التي يكثر إحصاؤها.

فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل، الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم لن يعدوا أن يكونوا -في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم, وجحودهم نبوته , وتركهم الإقرار به وبما جاء به , مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره- كأسلافهم وآبائهم الذين فصّل عليهم ققَصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى , مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم، وسبوغ آلائه عليهم.

(153) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) اختلف أهل التأويل في صفة الصاعقة التي أخذتهم .

فقال بعضهم بما: - 951 - حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (فأخذتكم الصاعقة)، قال: ماتوا.

952 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع: (فأخذتكم الصاعقة) قال: سمعوا صوتا فصَعِقوا ، يقول: فماتوا.

* * * وقال آخرون بما: - 953 - حدثني موسى بن هارون الهمداني قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، &; 2-83 &; حدثنا أسباط , عن السدي: (فأخذتكم الصاعقة)، والصاعقة: نار.

* * * وقال آخرون بما: - 954 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا.

* * * وأصل " الصاعقة " كل أمر هائل رآه [المرء] أو عاينه أو أصابه - (154) حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب, وإلى ذهاب عقل وغمور فهم , (155) أو فقد بعض آلات الجسم - صوتا كان ذلك أو نارا , أو زلزلة , أو رجفا .

ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت , قول الله عز وجل: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف: 143]، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية: وهــل كـان الفـرزدق غـير قـرد أصابتــه الصــواعق فاســتدارا (156) فقد علم أن موسى لم يكن -حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف: 143]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا .

ولكن معنى ذلك ما وصفنا .

* * * ويعني بقوله: (وأنتم تنظرون) ، وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم , يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها.

------------- الهوامش : (147) هذا نص كلام الأخفش (اللسان جهر) .

وفي المطبوعة"فنفى ما قد غطاه" ، ولا بأس بها ، ولكني أثبت ما في اللسان .

(148) قوله"وجهرة" ، مصدر لم أجده في اللسان ولا في غيره .

(149) في المطبوعة : "جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا" ، وليس حسنا أن يقال كذلك .

فإن"مجاهرة" لا تكون مصدر"جهر" ألبتة ، وإن جاز أن يكون"جهار" مصدرا له كما في اللسان : "جهر بكلامه يجهر جهرا وجهارا" .

فمن أجل ذلك آثرت أن أضع مكان"جهر""جاهر" ، حتى يستقيم على الجادة .

(150) ديوانه : 443 ، والنقائض : 255 ، يهجو جريرا ، وقبل البيت : عــوى , فأثــار أغلـب ضيغميـا فـويل ابـن المراغـة !

مـا استثارا? قوله"عوى" يعني جريرا.

وقوله"من اللائي"، أصله: من اللائين.

و"اللاؤون" جمع"الذي" من غير لفظه، بمعنى"الذين".

وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب.

واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال.

يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي: مـن النفـر اللائـي الـذين إذا همـو يهـاب اللئـام حلقـة البـاب قعقعـوا وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين"اللائي" و"الذين"، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما.

قول الفرزدق:"من اللائي"، يعني: من الذين.

ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير.

ثم استأنف فقال: يظل الألف منه..، والضمير في"منه" عائد إلى قوله:"أغلب ضيغميا"، هو الأسد، ويعني نفسه.

والألف: يعني ألف رجل.

وقوله:"منيخا": أي قد أناخ"الألف" ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق.

هذا، ورواية النقائض والديوان:"نهارا" مكان"جهارا" جاء تفسيرها في النقائض:"قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل.

فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل!".

رواية الطبري:"جهارا" قريبة المعنى من رواية من روى"نهارا".

وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا.

لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره.

أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.

(151) ثلجت نفسه بالشيء (بكسر اللام) تثلج وتثلج (بفتح اللام وضمها) ثلوجا : اشتفت واطمأنت وسكنت إليه ، ووثقت به .

(152) مضى في ص : 58 التعليق على مثل هذه الكلمة ، وكانت في المخطوطة : "شيوع آلائه لديهم" .

وسبوغ النعمة : كمالها وتمامها واتساعها .

ولا أزال أستحسن أن تكون هنا"شيوع" ، لقوله"لديهم" ، فأما إن قال"وسبوغ النعم عليهم" ، كما سيأتي في آخر هذه الفقرة ، فهي"سبوغ"ولا شك .

(153) انظر التعليق السالف : 77 تعليق : 2 (154) الزيادة بين القوسين من عندي .

ليستقيم بها الكلام .

(155) قوله"غمور فهم" لم أجد هذا المصدر في كتب اللغة.

وكأنه مصدر غمر عليه (بالبناء للمجهول): أغمى عليه.

وفي الحديث أنه أول ما اشتكي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة، اشتد مرضه حتى غمر عليه - أي: أغمى عليه، حتى كأنه غطى على عقله وستر، من قولهم: غمرت الشيء: إذا سترته، وغشي عليه وأغمي عليه من معنى الستر أيضًا (اللسان، الفائق).

(156) ديوانه : 281 ، والنقائض : 251 وبعده في هجاء الفرزدق ، وهو من أشده : وكــنت إذا حــللت بــدار قـوم رحــلت بِخَزْيَــةٍ وتـركت عـارا وما أشد ما قال!

وقال في النقائض في شرح البيت : "ولغته - يعني جريرا - الصواقع .

فاستدار : أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا" .

وكأنه أخطأ المعنى ، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا .

فقوله : "استدار" : عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أي عاد كما بدأ .

فهو يقول : كان الفرزدق في أصل نشأته قردا ، ثم تحول إنسانا ، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرونفيه خمس مسائل : الأولى : " وإذ قلتم " معطوف .

" يا موسى " نداء مفرد .

لن نؤمن لك أي نصدقك حتى نرى الله جهرة قيل هم السبعون الذين اختارهم موسى ، وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك لن نؤمن لك .

والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم فأرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى ثم بعثناكم من بعد موتكم وستأتي قصة السبعين في الأعراف إن شاء الله تعالى قال ابن فورك يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى أرنا الله جهرة وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام .وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية [ ص: 379 ] محالا ; وقد سألها موسى عليه السلام وسيأتي الكلام في الرؤية في " الأنعام " و " الأعراف " إن شاء الله تعالىالثانية : قوله تعالى : : جهرة مصدر في موضع الحال ومعناه علانية وقيل عيانا قاله ابن عباس وأصل الجهر الظهور ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها والمجاهرة بالمعاصي المظاهرة بها ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء وقرأ ابن عباس ( جهرة ) بفتح الهاء ، وهما لغتان مثل زهرة وزهرة وفي الجهر وجهان : أحدهما : أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير وإذ قلتم جهرة يا موسى .

الثاني : أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنامالثالثة قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة قد تقدم في أول السورة معنى الصاعقة ، وقرأ عمر وعثمان وعلي ( الصعقة ) وهي قراءة ابن محيصن في جميع القرآن .وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ويقال كيف يموتون وهم ينظرون ؟

فالجواب أن العرب تقول دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا ، وقيل المعنى تنظرون أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } إما الموت أو الغشية العظيمة، { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } وقوع ذلك, كل ينظر إلى صاحبه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله،فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخروا سجداً، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له ((لن نؤمن حتى نرى الله جهرة)) معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية، فقال جهرة ليعلم أن المراد منه العيان.

{فأخذتكم الصاعقة} أي الموت.

وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم.

{وأنتم تنظرون} أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت.

وقيل: تعلمون، والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: "ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟" {لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [155-الأعراف]، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلاً بعد رجل بعدما ماتوا يوماً وليلة، ينظر بعضهم إلى بعض، كيف يحيون فذلك..

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ قلتم» وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل وسمعتم كلامه «يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة» عيانا «فأخذتكم الصاعقة» الصيحة فمتم «وأنتم تنظرون» ما حل بكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة ، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة ، وهذه النعمة تتجلى في بعثهم من بعد موتهم ، فقال تعالى :( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى .

.

.

)جهرة : في الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف ، إلا أن الأول في المسموعات والثاني في المبصرات .والصاعقة : - كما قال ابن جرير - " كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل .

صوتاً كان ذلك أو ناراً أو زلزلة أو رجفة ، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقاً وهو حي غير ميت ، قوله - تعالى - : ( وَخَرَّ موسى صَعِقاً ) يعني مغشياً عليه ، فقد علم أن مسوى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتاً ، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال : ( سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ .

.

.

) وأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء من محله ، وتحريكه بعد سكون ومنه : بعث فلان الناقة : إذا أثارها من مبركها للسير ، ويستعمل بمعنى الإِيقاظ ، كما ورد في قصة أهل الكهف ( فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً .

ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ .

.

.

) أي : أيقظناهم .ويستعمل - أيضاً - بمعنى الإِحياء .

وهو المراد في الآية التي معنا ، بدليل قوله تعالى : ( مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) .ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم ، وتعنتم في الطلب ، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ، ولن نقر بما جئتنا به ، حتى نرى الله عياناً وعلانية ، فيأمرنا بالإِيمان بك ، وبما جئت به ، فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم - بسبب جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها بعيونكم ، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم الصاعقة ، لكي تشكروا الله على نعمة التي من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم .قال الإِمام ابن جرير : ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف آبائهم .

وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم ، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس ، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهاً غير الله ، ومرة يعبدون العجل من دون الله ، ومرة يقولون : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) .

وأخرى يقولون له إّذا دعوا إلى القتال : ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ومرة يقال لهم : ( وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) فيقولون حنطة في شعيرة ، ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم القبيحة التي يكثر إحصاؤها ، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم ، الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى ، وتمردهم على نبيه موسى - عليه السلام - تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم ، وسبوغ آلائه عليهم .والقائلون لموسى - عليه السلام - : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه ، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأي .من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : ( فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ) أنه قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه .

وقالوا : اطلب لنا ربك لنسمع كلامه .

قال : سمعوا كلاماً ، فقالوا : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) قال : فسمعوا صوتاً فصعقوا يقول : ماتوا ، فذلك قوله : ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) فبعثوا من بعد موتهم ، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم ، فبعثوا لبقية آجالهم .وقال ابن كثير : الذين قالوا لموسى : ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه .وقيل : إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين ، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير هذه الآية .

" قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل .

فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، فقال لهم موسى : ( إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به ، ونهيكم الذي نهاكم عنه ، فقالوا : ومن يأخذ بقلوك أنت؟

لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟!

وقرأ قول الله تعالى : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) ؛ قال : فجاءت غضبة من الله - تعالى - ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة .

فصعقتهم فماتوا جميعاً .

قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قوله تعالى : ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .

فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله ، فقالوا لا ، فقال : أي شيء أصابكم؟

فقالوا : أصابنا أننا متنا ثم أحيينا .

قال : خذوا كتاب الله ، قالوا لا ، فبعث الله ملائكة فنتفت الجبل فوقهم ) .قال الإِمام ابن كثير : ( وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا ثم قال : وقد حكى الماوردي في ذلك قولين :أحدهما : أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق .والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف .وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ، لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاماً من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون؛ وهذا واضح ، والله أعلم ) .وقال ابن جرير : " ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة ، فنسلم لهم ، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال : إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له ( ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) كما أخبر عنهم أنهم قالوه .

.

.

"وفي ندائهم لنبيهم باسمه " يا موسى " سوء أدب منهم معه ، لأنه كان من الواجب عليهم ، أن يقولوا له : يا رسول الله أو يا نبي الله ، من الصفات التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير ، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجرداً في كثير من المواطن .ومن أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون له : يا رسول الله ، استجابة لأمر الله - تعالى - في قوله : ( لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) وقولهم : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) دليل على تمردهم وعصيانهم ، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم ، وما شاهدوا من معجزات ، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عياناً ، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم .وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية ( جهرة ) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية ، أو العلم القلبي ، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية ، لغلظ قلوبهم ، وجفاء طباعهم .وقوله تعالى : ( فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ) إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة ، لأن الفاء تفيد التعقيب .وجملة ( وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ) تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونهنا وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم ، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم ، وإن أصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في أن ينالوا ما ليس من حقهم .والآية الكريمة تفيد أن بني إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة في الدنيا ، وأنهم علقوا إيمانهم عليها ، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق .

موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم ، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك ، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى - ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الإنعام السادس، بيانه من وجوه، أحدها: كأنه تعالى قال: اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب.

وثانيها: أن فيها تحذيراً لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.

وثالثها: تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهاً على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم.

ورابعها: فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.

وخامسها: فيه إزالة شبهة من يقول: إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته.

وسادسها: لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أمياً لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي.

البحث الثاني: للمفسرين في هذه الواقعة قولان، الأول: أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل، قال محمد بن اسحاق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال.

وحرق العجل وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له: افعل ولا تفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون فيّ، فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

القول الثاني: أن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً، فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟

فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  ﴾ ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى، فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته.

واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم.

أما قوله تعالى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة (أي) عياناً.

قال صاحب الكشاف: وهي مصدر من قولك: جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرئ جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء إذا كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت، إذا كان صوته عالياً، ويقال: وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة، وإنما قالوا: جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على (نحو) ما يراه النائم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد الجبار: إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض  ﴾ ، وقال أبو الحسين في كتاب التصفح: إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات.

أحدها: هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كقول الأمم لأنبيائهم: لن نؤمن إلا بإحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم  ﴾ ، فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة.

فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية.

قلت: الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به في الرؤية.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً  ﴾ فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال: لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت.

واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً ومنكراً، وذلك ممنوع.

وقوله: إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات.

قلنا: ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة.

وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً.

أما قول أبي الحسين: الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً ترك العمل به في البعض فيبقى معمولاً به في الباقي.

قلنا: إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة، والمثال لا ينفع في هذا الباب، فبطل قولك: الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً.

فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة.

فإن قال قائل: فما السبب في استعظام سؤال الرؤية؟

الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة، فكان طلبها في الدنيا مستنكراً.

وثانيها: أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف.

وثالثها: أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف.

ورابعها: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم.

البحث الثاني: للمفسرين في الصاعقة قولان.

الأول: أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله  ﴾ ، وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة.

وثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا  ﴾ أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي.

وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت.

ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون.

ولذلك قال: ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ منبهاً على عظم العقوبة، القول الثاني: وهو قول المحققين: إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف: ﴿ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة ﴾ واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم.

وثانيها: صيحة جاءت من السماء.

وثالثها: أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا  ثُمَّ بَعَثْنَٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا أَمَدًا  ﴾ .

فإن قلت: هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام؟

قلت: لا، لوجهين: الأول: أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام.

الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت، وقال ابن قتيبة: إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: ﴿ اعملوا ءالَ دَاوُودُ شُكْرَاً  ﴾ ، فإن قيل: كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت؟

قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الإحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء.

ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلاً لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلاً لحياتهم.

وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا.

وقيل: قاله عشرة آلاف منهم ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً.

وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنَّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى ذوي جهرة.

وقرئ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء، وهي إماّ مصدر كالغلبة.

وإما جمع جاهر.

وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط الله عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة.

و ﴿ الصاعقة ﴾ ما صعقهم، أي أماتهم.

قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم.

وقيل: صيحة جاءت من السماء.

وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وموسى عليه السلام، لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية، بدليل قوله: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ .

والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله: ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

وقرأ عليّ رضي الله عنه ﴿ فَأَخَذَتْكُم الصَّعْقَة ﴾ .

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.

﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ وجعلنا الغمام يظلكم.

وذلك في التيه، سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس؛ وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم ﴿ المن ﴾ وهو الترنجبين مثل الثلج.

من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم ﴿ السلوى ﴾ وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه ﴿ كُلُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ أيْ لِأجْلِ قَوْلِكَ، أوْ لَنْ نُقِرَّ لَكَ.

﴿ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ عِيانًا وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ، اسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، أوِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.

وقُرِئَ جَهَرَةً بِالفَتْحِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، أوْ جَمْعُ جاهِرٍ كالكَتَبَةِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ قَطْعًا، والقائِلُونَ هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمِيقاتِ.

وقِيلَ عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ والمُؤْمِنِ بِهِ: إنَّ اللَّهَ الَّذِي أعْطاكَ التَّوْراةَ وكَلَّمَكَ، أوْ إنَّكَ نَبِيٌّ.

﴿ فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ لِفَرْطِ العِنادِ والنَّعْتِ وطَلَبِ المُسْتَحِيلِ، فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهُ تَعالى يُشْبِهُ الأجْسامَ فَطَلَبُوا رُؤْيَتَهُ رُؤْيَةَ الأجْسامِ في الجِهاتِ والأحْيازِ المُقابِلَةِ لِلرّائِي، وهي مُحالٌ، بَلِ المُمْكِنُ أنْ يُرى رُؤْيَةً مُنَزَّهَةً عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ ولِأفْرادٍ مِنَ الأنْبِياءِ في بَعْضِ الأحْوالِ في الدُّنْيا.

قِيلَ جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأحْرَقَتْهم.

وقِيلَ صَيْحَةٌ.

وقِيلَ جُنُودٌ سَمِعُوا بِحَسِيسِها فَخَرُّوا صَعِقِينَ مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً.

﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ما أصابَكم بِنَفْسِهِ أوْ أثَرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} عياناً وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال من نرى أي ذوي جهرة {فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة} أي الموت قيل هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة فقال موسى سألته ذلك فأباه عليّ فقالوا إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت قلنا إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد

البقرة (٥٥ _ ٥٨)

{وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} إليها حين نزلت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ القائِلُ هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِي اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمِيقاتِ التَّوْراةِ، قِيلَ: قالُوهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وقَتْلِ عَبَدَةِ العِجْلِ، وتَحْرِيقِ عِجْلِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّ القائِلَ أهْلُ المِيقاتِ الثّانِيِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاعْتِذارِ عَنْ عَبَدَةِ العِجْلِ، وكانُوا سَبْعِينَ أيْضًا، وقِيلَ: القائِلُ عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الأعْرافِ ما يَنْفَعُكَ هُنا، واللّامُ مِن (لَكَ) إمّا لامُ الأجَلِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإقْرارِ عَلى أنَّ مُوسى مُقِرٌّ لَهُ والمُقَرُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ التَّوْراةَ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّمَهُ فَأمَرَهُ ونَهاهُ، وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ مُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهم نَفَوْا هَذا الإيمانَ المُعَيَّنَ والإقْرارَ الخاصَّ، وقِيلَ: أرادُوا نَفْيَ الكَمالِ أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ المُؤْمِنِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)،» والقَوْلُ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أصْلًا لَمْ نَرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ﴿ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ حَتّى هُنا حَرْفُ غايَةٍ، والجَهْرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ، إذا رَفَعْتَ صَوْتَكَ بِها، واسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ بِجامِعِ الظُّهُورِ التّامِّ، وقالَ الرّاغِبُ: الجَهْرُ يُقالُ لِظُهُورِ الشَّيْءِ بِإفْراطِ حاسَّةِ البَصَرِ، أوْ حاسَّةِ السَّمْعِ، أمّا البَصَرُ فَنَحْوُ: رَأيْتُهُ جِهارًا، وأمّا السَّمْعُ فَنَحْوُ: ﴿ وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى ﴾ وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مَنامًا، أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ، وقِيلَ: عَلى أنَّها حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ مُجاهِرِينَ، فَعَلى الأوَّلِ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى الثّانِي مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا (قَوْلًا) جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، ولا مُبالِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وغَيْرُهُ (جَهَرَةً) بِفَتْحِ الهاءِ، وهي إمّا مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ومَعْناها مَعْنى المَسْكَنَةِ، وإعْرابُها إعْرابُها، أوْ جَمْعُ جاهِرٍ كَفاسِقٍ، وفَسَقَةٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ.

﴿ فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكُمْ، وأحاطَتْ بِكُمْ، وأصْلُ الأخْذِ القَبْضُ بِاليَدِ، والصّاعِقَةُ هُنا نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهُمْ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهُمْ، فَماتُوا، أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ خَرُّوا لَها صَعِقِينَ، مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، واخْتُلِفَ في مُوسى هَلْ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؟

والصَّحِيحُ لا، وأنَّهُ صُعِقَ، ولَمْ يَمُتْ لَظاهِرٌ، ثُمَّ أفاقَ في حَقِّهِ، وثُمَّ بَعَثْناكم إلَخْ، في حَقِّهِمْ، وقَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (الصَّعْقَةُ)، ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الصّاعِقَةِ، أوْ أثَرِها الباقِي في أجْسامِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ، أوْ إحْياءِ كُلٍّ مِنهم كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: أحْيا عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكُمْ، أوْ: وأنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَ في البَحْرِ: ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إجابَةَ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَكم كانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ: فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أُمِّ جُنْدُبِ لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ مَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ، أي لن نصدقك حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أي عياناً، وذلك أن موسى-  - حين انطلق إلى طور سيناء للمناجاة، اختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فلما انتهوا إلى الجبل أمرهم موسى بأن يمكثوا في أسفل الجبل، وصعد موسى-  - فناجى ربه فأعطاه الله الألواح، فلما رجع إليهم قالوا له: إنك قد رأيت الله فأرناه حتى ننظر إليه، فقال لهم: إني لم أره، وقد سألته أن أنظر إليه، فتجلى للجبل، فدك الجبل، فلم يصدقوه وقالوا: لن نصدقك حتى نرى الله جهرة.

فأخذتهم الصاعقة فماتوا كلهم، فدعا موسى ربه فأحياهم الله تعالى، فذلك قوله عز وجل: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى الصاعقة.

ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، يقول أحييناكم من بعد هلاككم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ للحياة بعد الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية فذلك قوله سبحانه: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ وقال بعض المفسِّرين:

وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي: ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ «١» ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلّى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ حين عُبِدَ العِجْلُ.

وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول من الذنب أو غيره.

ت: ومنه الحديثُ: «فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا» .

قال ع «٢» : ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ، والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره: هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب؟

فقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصحُّ.

ت: وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ عن أبي العالية: إلى خالقكم «٣» مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي: خلقهم، فالبريئة: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة.

انتهى من «مختصر أبي عبد الله اللّخميّ النحوي للطبريّ» .

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى: يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف

في وقت اختيارهمْ.

فحكى أكثر المفسِّرين أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح.

وقصة السبعين أنَّ موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم اللَّه تعالى، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ: نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن اختر من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخّر له أجر من ٢١ أمضى، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسى عليه السلام/ بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش: غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجوداً، قال السُّدِّيُّ وغيره: وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: ٧٥] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالى بذلك، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، ولم يطلبوا من الرؤية محالاً أما إِنه عند أهل السُّنَّة «١» ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع،

فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ، فاحترقوا وماتوا موْتَ همودٍ يعتبر به الغير، وقال قتادة: ماتوا،

وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى

يناشد ربَّه فيهم، ويقول: أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم، فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا، وهم الأخيار.

قال ع «١» : يعني: هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ: بل ظن موسى أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله: أَتُهْلِكُنا [الأعراف: ١٥٥] ، يعني السبعين: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الأعراف: ١٥٥] يعني: عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك:

يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى:

أَرِنَا [النساء: ١٥٣] وليس ذلك من مقدورِ موسى عليه السلام.

قال ع «٢» : ومن قال: إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسى، واختصاصه بالتكليم.

وجَهْرَةً: مصدر في موضع الحالِ «٣» ، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجهر ضد السر،

وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ: كشفه، وفي «مختصر الطبريِّ» عن ابن عبَّاس: جَهْرَةً: قال علانيةً «١» ، وعن الربيع: جَهْرَةً: عياناً «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة، ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي: على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر.

وذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ أنَّ بني إِسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص «٣» التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين، فَعَصَوْا، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٦] .

وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسى: من لنا بالطعامِ؟

قال: اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلوى، قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟

فظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا: بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟

/ فأمر موسى بضرب الحَجَرِ، قالوا: من لنا ٢١ ب باللباس، فَأُعْطُوا ألاَّ يبلى لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ هذا قول فرقةٍ، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حُلْوٌ، وقيل: الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس كالثلج، فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ، فسد عليه إِلا في يوم الجمعة فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ، فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ.

والسلوى طيرٌ بإِجماع المفسّرين، فقيل: هو السّمانى.

وقيل: طائر مثل السّمانى.

وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب.

ص «١» : قال ابن عطيَّة: وغلط الهُذَلِيُّ «٢» في إِطلاقه السلوى على العَسَلِ حيث قال: [الطويل]

وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْداً لأنْتُمُ ...

أَلَذُّ مِنَ السلوى إِذَا مَا نَشُورُهَا

«٣» ت «٤» : قد نقل صاحبُ المختصر أنه يطلق على العَسَلِ لغةً فلا وجه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ.

﴾ فِي القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ أتاهم بِكِتابِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً؛ فَيَقُولُ هَذا كِتابِي.

وفي "جَهْرَةً" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، أيْ: جَهَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّها الرُّؤْيَةُ البَيِّنَةُ، أيْ: أرَناهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنّا بِشَيْءٍ، يُقالُ: فَلانٌ يَتَجاهَرُ بِالمَعاصِي، أيْ: لا يَسْتَتِرُ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

ومَعْنى "الصّاعِقَةِ": ما يُصْعَقُونَ مِنهُ، أيْ: يَمُوتُونَ.

ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم ماتُوا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ﴾ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، فَقالَ هُناكَ: ﴿ فَلَمّا أفاقَ ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ﴾ والإفاقَةُ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، والبَعْثِ لِلْمَيِّتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَقَعُ مَيِّتًا.

والثّانِي: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى إحْياءِ بَعْضٍ.

والثّالِثُ: تَنْظُرُونَ العَذابَ كَيْفَ يَنْزِلُ بِكم، وهو قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ نارٌ فَأحْرَقَتْهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ هَذا القَوْلُ مِن مُوسى  كانَ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُذِفَتِ الياءُ في "يا قَوْمِي" لِأنَّ النِداءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ وتَخْفِيفٍ، والضَمِيرُ في "اتِّخاذِكُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَعْنى، و"العَجَلُ" لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ اسْمٌ لِوَلَدِ البَقَرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهُ اسْتَعْجَلَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ هَلْ بَقِيَ العِجْلُ مِن ذَهَبٍ؟، قالَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: صارَ لَحْمًا ودَمًا، والأوَّلُ أصَحُّ.

و"تُوبُوا": مَعْناهُ: ارْجِعُوا عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بارِئِكُمْ" بِإظْهارِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "بارِئِكُمْ" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ.

ورُوِيَ عن سِيبَوَيْهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ وهو أحْسَنُ، وهَذا التَسْكِينُ يَحْسُنُ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَجُوزُ التَسْكِينُ مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ في حَرْفِ الإعْرابِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "بارِئِكُمْ" لَحْنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ العَرَبِ التَسْكِينُ في حَرْفِ الإعْرابِ، قالَ الشاعِرُ: إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبَ قَوْمٍ......................................

وقالَ امْرُؤُ القَيْسَ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقالَ آخَرُ: قالَتْ سُلَيْمى: اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗......................................

وقالَ الآخَرُ: ......................................

∗∗∗ وقَدْ بَدا هَنُكِ مِنَ المِئْزَرِ وقالَ جَرِيرٌ: ......................................

∗∗∗ ونَهْرُ تِيرَيْ وما تَعْرِفُكُمُ العَرَبُ وقالَ وضّاحُ اليَمَنِ: إنَّما شِعْرِي شَهْدٌ ∗∗∗ قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلانَ ومَن أنْكَرَ التَسْكِينَ في حَرْفِ الإعْرابِ فَحُجَّتُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ مِن حَيْثُ كانَ عَلَمًا لِلْإعْرابِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ ؟: وأمّا حَرَكَةُ البِناءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُحاةُ في جَوازِ تَسْكِينِها مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "بارِيكُمْ" بِكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ"، وقالَ: هي مِنَ الِاسْتِقالَةِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: "اقْتالَ" هَذِهِ افْتَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَيْنُها واوًا كاقْتادَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ياءً كاقْتاسَ.

والتَصْرِيفُ يَضْعُفُ أنْ تَكُونَ مِنَ الِاسْتِقالَةِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْسِنَ الظَنَّ بِهِ في أنَّهُ لَمْ يُورِدْ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلْتُمْ، وقَوْلُهُ: "عَلَيْكُمْ"، مَعْناهُ: عَلى الباقِينَ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قُتِلَ شَهادَةً، وتابَ عَلى الباقِينَ، وعَفا عنهم.

قالَ بَعْضُ الناسِ: "فاقْتُلُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وإماتَةُ عَوارِضِ النُفُوسِ مِن شَهْوَةٍ وتَعَنُّتٍ وغَضَبٍ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: "فَلْتُمِتْهُما طَبْخًا".

وبِقَوْلِ حَسّانَ: ......................................

∗∗∗ قُتِلْتَ قُتِلْتَ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى ﴾ ، يُرِيدُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، واخْتُلِفَ فِي وقْتِ اخْتِيارِهِمْ، فَحَكى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ عِبادَةِ العِجْلِ، اخْتارَهم لِيَسْتَغْفِرُوا لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وحَكى النَقّاشُ وغَيْرُهُ أنَّهُ اخْتارَهم حِينَ خَرَجَ مِنَ البَحْرِ، وطَلَبَ بِالمِيعادِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وقِصَّةُ السَبْعِينَ أنَّ مُوسى  لَمّا رَجَعَ مِن تَكْلِيمِ اللهِ، ووَجَدَ العِجْلَ قَدْ عُبِدَ، قالَتْ لَهُ طائِفَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ: نَحْنُ لَمْ نَكْفُرْ ونَحْنُ أصْحابُكَ، ولَكِنْ أسْمِعْنا كَلامَ رَبِّكَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنهم سَبْعِينَ شَيْخًا، فَلَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنَ الشَبابِ عَشْرَةً، فَفَعَلَ، فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وكانَ قَدِ اخْتارَ سِتَّةً مِن كُلِّ سِبْطٍ، فَزادُوا اثْنَيْنِ عَلى السَبْعِينَ، فَتَشاحُّوا فِيمَن يَتَأخَّرُ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ مَن تَأخَّرَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن مَضى، فَتَأخَّرَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وطالُوتُ بْنُ يُوقِنا، وذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَتَجَنَّبُوا النِساءَ ثَلاثًا ويَغْتَسِلُوا في اليَوْمِ الثالِثِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى قَوْمِهِ، ومَضى حَتّى أتى الجَبَلَ فَأُلْقِي عَلَيْهِمُ الغَمامُ.

قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: غَشِيَتْهم سَحابَةٌ، وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى بِالنُورِ فَوَقَعُوا سُجُودًا.

قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: وسَمِعُوا كَلامَ اللهِ يَأْمُرُ ويَنْهى، فَلَمْ يُطِيقُوا سَماعَهُ، واخْتَلَطَتْ أذْهانُهُمْ، ورَغِبُوا أنْ يَكُونَ مُوسى يَسْمَعُ ويُعَبِّرُ لَهم فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ وخَرَجُوا بَدَّلَتْ مِنهم طائِفَةٌ ما سَمِعَتْ مِن كَلامِ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ  ﴾ .

واضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، وامْتَحَنَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً ﴾ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنَ الرُؤْيَةِ مُحالًا، أمّا إنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ مُمْتَنَعٌ في الدُنْيا مِن طَرِيقِ السَمْعِ، فَأخَذَتْهم حِينَئِذٍ الصاعِقَةُ فاحْتَرَقُوا وماتُوا مَوْتَ هُمُودٍ يَعْتَبِرُ بِهِ الغَيْرُ.

وقالَ قَتادَةُ: ماتُوا وذَهَبَتْ أرْواحُهُمْ، ثُمَّ رُدُّوا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمْ، فَحِينَ حَصَلُوا في ذَلِكَ الهُمُودِ جَعَلَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ فِيهِمْ ويَقُولُ: أيْ رَبِّ.

كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهم فَيَهْلَكُونَ ولا يُؤْمِنُونَ بِي أبَدًا، وقَدْ خَرَجُوا مَعِي وهُمُ الأخْيارُ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي: وهم بِحالِ الخَيْرِ وقْتَ الخُرُوجِ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ ظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ السَبْعِينَ إنَّما عُوقِبُوا بِسَبَبِ عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أتُهْلِكُنا"، يَعْنِي السَبْعِينَ ﴿ بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا  ﴾ ؟

يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُعاقَبَةُ السَبْعِينَ لِإخْراجِهِمْ طَلَبُ الرُؤْيَةِ عن طَرِيقِهِ بِقَوْلِهِمْ لِمُوسى: "أرِنا"، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَقْدُورِ مُوسى  .

و"جَهْرَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأظْهَرُ أنَّها مِنَ الضَمِيرِ في "نَرى"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "نُؤْمِنَ"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "قُلْتُمْ"،.

والجَهْرَةُ العَلانِيَةُ ومِنهُ: الجَهْرُ ضِدُّ السِرِّ، وجَهَرَ الرَجُلُ الأمْرَ كَشَفَهُ.

وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "جَهْرَةً" بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِيما فِيهِ حَرْفُ الحَلْقِ ساكِنًا قَدِ انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ فِيهِ الفَتْحَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَهْرَةً" جَمْعُ جاهَرَ، أيْ: حَتّى نَرى اللهَ كاشِفِينَ هَذا الأمْرَ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأخَذَتْكُمُ الصَعْقَةُ"، ومَضى في صَدْرِ السُورَةِ مَعْنى "الصاعِقَةُ"، والصَعْقَةُ ما يَحْدُثُ بِالإنْسانِ عَنِ الصاعِقَةِ.

و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى حالِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَتّى أحالَهُمُ العَذابُ وأزالَ نَظَرَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفاء طبع فمحل المنة والنعمة هو قوله: ﴿ ثم بعثناكم ﴾ ، وما قبله تمهيد له وتأسيس لبنائه كما تقدم في قوله: ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ [البقرة: 51] الآية.

والقائلون هم أسلاف المخاطبين وذلك أنهم قالوا لموسى ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .

والظاهر أن هذا القول وقع منهم بعد العفو عن عبادتهم العجل كما هو ظاهر ترتيب الآيات، روى ذلك البغوي عن السدي، وقيل: إن ذلك سألوه عند مناجاته وأن السائلين هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وهم المعبر عنهم في التوراة بالكهنة وبشيوخ بني إسرائيل.

وقيل: سأل ذلك جمع من عامة بني إسرائيل نحو العشرة الآلاف وهذان القولان حكاهما في «الكشاف» وليس في التوراة ما هو صريح لترجيح أحد القولين ولا ما هو صريح في وقوع هذا السؤال ولكن ظاهر ما في سفر التثنية منها ما يشير إلى أن هذا الاقتراح قد صدر وأنه وقع بعد كلام الله تعالى الأول لموسى لأنها لما حكت تذكير موسى في مخاطبة بني إسرائيل ذكرت ما يغاير كيفية المناجاة الأولى إذ قال: فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدم إليّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم وقلتم هو ذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار...

إن عندما نسمع صوت الرب إلهنا أيضاً نموت...

تقدم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلخ.

فهذا يؤذن أن هنالك ترقباً كان منهم لرؤية الله تعالى وأنهم أصابهم ما بلغ بهم مبلغ الموت، وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه.

والظاهر أن ذلك كان في الشهر الثالث بعد خروجهم من مصر.

ومعنى ﴿ لا نؤمن لك ﴾ يحتمل أنهم توقعوا الكفر إن لم يروا الله تعالى أي إنهم يرتدون في المستقبل عن إيمانهم الذي اتصفوا به من قبل، ويحتمل أنهم أرادوا الإيمان الكامل الذي دليله المشاهدة أي إن أحد هذين الإيمانين ينتفي إن لم يروا الله جهرة لأن لن لنفي المستقبل قال سيبويه: «لا لنفي يفعل ولن لنفي سيفعل» وكما أن قولك سيقوم لا يقتضي أنه الآن غير قائم فليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا حين قولهم هذا ولكنها دالة على عجرفتهم وقلة اكتراثهم بما أوتوا من النعم وما شاهدوا من المعجزات حتى راموا أن يروا الله جهرة وإن لم يروه دخلهم الشك في صدق موسى وهذا كقول القائل إن كان كذا فأنا كافر.

وليس في القرآن ولا في غيره ما يدل على أنهم قالوا ذلك عن كفر.

وإنما عدى ﴿ نؤمن ﴾ باللام لتضمينه معنى الإقرار بالله ولن نقر لك بالصدق والذي دل على هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة التضمين.

والجهرة مصدر بوزن فَعلة من الجهر وهو الظهور الواضح فيستعمل في ظهور الذوات والأصوات حقيقة على قول الراغب إذ قال: «الجهر ظهور الشيء بإفراط إما بحاسة البصر نحو رأيته جهاراً ومنه جهر البئر إذا أظهر ماءها، وإما بحاسة السمع نحو: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ [طه: 7]» وكلام «الكشاف» مؤذن بأن الجهر مجاز في الرؤية بتشبيه الذي يرى بالعين بالجاهر بالصوت والذي يرى بالقلب بالمخافت، وكان الذي حداه على ذلك اشتهار استعمال الجهر في الصوت وفي هذا كله بعد إذ لا دليل على أن جهرة الصوت هي الحقيقة ولا سبيل إلى دعوى الاشتهارفي جهرة الصوت حتى يقول قائل إن الاشتهار من علامات الحقيقة على أن الاشتهار إنما يعرف به المجاز القليل الاستعمال، وأما الأشهرية فليست من علامات الحقيقة، ولأنه لا نكتة في هذه الاستعارة ولا غرض يرجع إلى المشبه من هذا التشبيه فإن ظهور الذوات أوضح من ظهور الأصوات.

وانتصب (جهرة) على المفعول المطلق لبيان نوع فعل ترى لأن من الرؤية ما يكون لمحة أو مع سائر شفاف فلا تكون واضحة.

ووجه العدول عن أن يقول عياناً إلى قوله (جهرة) لأن جهرة أفصح لفظاً لخفته، فإنه غير مبدوء بحرف حلق والابتداء بحرف الحلق أتعب للحلق من وقوعه في وسط الكلام ولسلامته من حرف العلة وكذلك يجتبي البلغاء بعض الألفاظ على بعض لحسن وقعها في الكلام وخفتها على السمع وللقرآن السهم المعلى في ذلك وهو في غاية الفصاحة.

وقوله: ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ أي عقوبة لهم عما بدا منهم من العجرفة وقلة الاكتراث بالمعجزات.

وهذه عقوبة دنيوية لا تدل على أن المعاقب عليه حرام أو كفر لا سيما وقد قدر أن موتهم بالصاعقة لا يدوم إلا قليلاً فلم تكن مثل صاعقة عاد وثمود.

وبه تعلم أن ليس في إصابة الصاعقة لهم دلالة على أن رؤية الله تعالى مستحيلة وأن سؤالها والإلحاح فيه كفر كما زعم المعتزلة وأن لا حاجة إلى الجواب عن ذلك بأن الصاعقة لاعتقادهم أنه تعالى يشبه الأجسام فكانوا بذلك كافرين إذ لا دليل في الآية ولا غيرها على أنهم كفروا، كيف وقد سأل الرؤية موسى عليه السلام.

والصاعقة نار كهربائية من السحاب تحرق من أصابته، وقد لا تظهر النار ولكن يصل هواؤها إلى الأحياء فيختنقون بسبب ما يخالط الهواء الذي يتنفسون فيه من الحوامض الناشئة عن شدة الكهربائية، وقد قيل: إن الذي أصابهم نار، وقيل: سمعوا صعقة فماتوا.

وقوله: ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ فائدة التقييد بهذا الحال عند صاحب «الكشاف» الدلالة على أن الصاعقة التي أصابتهم نار الصاعقة لا صوتها الشديد لأن الحال دلت على أن الذي أصابهم مما يرى، وقال القرطبي أي وأنتم ينظر بعضكم إلى بعض أي مجتمعون.

وعندي أين مفعول ﴿ تنظرون ﴾ محذوف وأن (تنظرون) بمعنى تحدقون الأنظار عند رؤية السحاب على جبل الطور طمعاً أن يظهر لهم الله من خلاله لأنهم اعتادوا أن الله يكلم موسى كلاماً يسمعه من خلال السحاب كما تقوله التوراة في مواضع، ففائدة الحال إظهار أن العقوبة أصابتهم في حين الإساءة والعجرفة إذ طمعوا فيما لم يكن لينال لهم.

وقوله: ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴾ إيجاز بديع، أي فمتم من الصاعقة ثم بعثناكم من بعد موتكم، وهذا خارق عهادة جعل الله معجزة لموسى استجابة لدعائه وشفاعته أو كرامة لهم من بعد تأديبهم إن كان السائلون هم السبعين فإنهم من صالحي بني إسرائيل.

فإن قلت إذا كان السائلون هم الصالحين فكيف عوقبوا؟

قلت قد علمت أن هذا عقاب دنيوي وهو ينال الصالحين ويسمى عند الصوفية بالعتاب وهو لا ينافي الكرامة، ونظيره أن موسى سأل رؤية ربه فتجلى الله للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك.

فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق؟

قلت: الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ [الدخان: 56] وإذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة، وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته.

والموت بالصاعقة إذا كان عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة ولكن هذا الحادث كان خارق عادة فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوماً وليلة كما روي في بعض الأخبار ويمكن دون ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عَلانِيَةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عِيانًا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَأصْلُ الجَهْرِ الظُّهُورُ، ومِنهُ الجَهْرُ بِالقِراءَةِ، إنَّما هو إظْهارُها، والمُجاهَرَةُ بِالمَعاصِي: المُظاهَرَةُ بِها.

﴿ فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ يَعْنِي المَوْتَ، ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ما نَزَلَ بِكم مِنَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ ماتُوا بِالصّاعِقَةِ، وهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِيَسْتَمِعُوا مُناجاةَ رَبِّهِ لَهُ بَعْدَ أنْ تابَ عَلى مَن عَبَدَ العِجْلَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إحْياؤُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِاسْتِكْمالِ آجالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم بَعْدَ الإحْياءِ سَألُوا أنْ يُبْعَثُوا أنْبِياءَ فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ أنْبِياءَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَأصْلُ البَعْثِ الإرْسالُ، وقِيلَ: بَلْ أصْلُهُ: إثارَةُ الشَّيْءِ مِن مَحِلِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ قال: علانية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ قال: ماتوا ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴾ فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: عوقب القوم فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ قال: العذاب، وأصله الموت.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وقد كنت أخشى عليك الحتوف ** وقد كنت آمنك الصاعقة <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ قال ابن عباس: حتى نراه علانية (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (٦) إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ...

أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (٧) أبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي (٨) (٩) والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (١٠) (١١) وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ...

بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي ..

جَمَعَ المَدَادَةَ (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ ﴾ يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ .

وقال مقاتل: الصاعقة: الموت (١٥) (١٦) قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (١٧) (١٨) فلما فرغ موسى وانكشف الغمام (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (٢٢) (٢٣) وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية (٢٧) (٢٨) ﴿ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ  ﴾ ، فلهذا عاقبهم الله عليه.

وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول  مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] (٢٩) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 81، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 355، وذكره القرطبي في "تفسيره" 1/ 136، "تفسير ابن كثير" 1/ 170، والسيوطي في الدر 1/ 70.

(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 289، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 356.

(٣) بياض في (ب).

(٤) في (ب) (قال).

(٥) انظر "الغريب" لابن قتيبة ص 49، "تفسير البغوي" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 210، "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345.

(٦) انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 267، "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "مقاييس اللغة" (جهر) 1/ 487، "الصحاح" (جهر) 2/ 618.

(٧) الرجز ذكره أبو زيد في "النوادر"، قال: أنشدتني شماء، وهي أعرابية فصيحة من بني كلاب.

تقول: إنهم من كثرتهم نزفوا مياه الآبار الآجنة من كثرة المكث، وعمروا المكان الخالي.

"نوادر أبي زيد" ص 574)، والبيتان في "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "الصحاح" (جهر) 2/ 618، "اللسان" (جهر) 2/ 711.

(٨) (أي) ساقط من (ب).

(٩) "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 677.

(١٠) في (ج): (الحال).

(١١) في (ب): (المال).

انظر: "الصحاح" (جهر) 2/ 619، "اللسان" 2/ 711.

(١٢) في (ب)، (ج): (المدارة).

(١٣) قوله: (الأريكة): سرير منجد مزين، و (المداد): طول القامة، والبيتان من قصيدة == للأعشى يهجو بها شيبان بن شهاب، انظر ديوانه ص 153، والبيت الأول في "الزاهر" 1/ 562، "الخزانة" 3/ 311، وروايته في "الزاهر": (وسبتك يوم تزينت).

(١٤) قوله: (يراد به المفعول) لم أجده فيما اطلعت عليه-، قال القرطبي: (جهرة: مصدر في موضع الحال) "تفسير القرطبي" 1/ 345، وانظر "فتح القدير" 1/ 137، وفي "الفتوحات الإلهية" قال: (إنه مفعول مطلق، لأن الجهرة نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في المعنى) 1/ 55.

والجهرة: قد تكون من صفات الرؤية، فهو مصدر من جهر أي: عيانا، ويحتمل: أن تكون من صفة الرائين، أي ذوي جهرة، أو مجاهرين بالرؤية، ويحتمل: أن تكون راجعة إلى معنى القول أو القائلين، أي قولا جهرة أو جاهرين بذلك.

انظر: "البحر المحيط" 1/ 210، 211.

(١٥) أخرج ابن جرير عن قتادة والربيع نحوه 2/ 82، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 356، وانظر "الدر" 1/ 70.

بعضهم فسر الصاعقة: بالموت، وبعضهم قال: هي سبب الموت، ثم اختلفوا فيها: هل هي نار أو صيحة أو جنود من السماء.

انظر "تفسير الرازي" 3/ 86.

(١٦) عند تفسير آية 19 من سورة البقرة.

(١٧) (إليه) ساقط من (ج).

(١٨) في (ب): (بني اسرائيل).

(١٩) (الغمام) ساقط من (ب).

(٢٠) (جاءت) ساقط من (ب).

(٢١) في (أ)، (ج): (فأحرقهم) وما في (ب) أولى للسياق، وموافق لما عند الثعلبي في "تفسيره"، والكلام أخذه ملخصا عن الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وأخرج الطبري نحوه عن محمد ابن إسحاق وعن السدي 1/ 291 - 292.

ثم قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر بعض الآثار: (فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم لموسى تقوم به حجة فيسلم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ..) 1/ 89، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 293، "تفسير ابن عطية" 1/ 301، "تفسير ابن كثير" 1/ 99.

(٢٢) ذكره الطبري ولم يعزه 1/ 290، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 74، "زاد المسير" 1/ 83، "تفسير القرطبي" 1/ 345، "تفسير ابن كثير" 1/ 99.

(٢٣) في (ب) (قال).

(٢٤) في (ج) (فهكذا).

(٢٥) انظر "تفسير الرازي" 3/ 86، "تفسير القرطبي" 1/ 344، و"تفسير النسفي" 1/ 128، "البحر المحيط" 1/ 211، 212.

(٢٦) في (ب): (يسألوه).

(٢٧) في (ج): (الرؤيا).

(٢٨) المعتزلة هي التي تقول بإحالة الرؤية وقد تمسكوا بمثل هذه الآية.

قال الزمخشري: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال ...) "الكشاف" 1/ 282، ورد عليه صاحب "الإنصاف" في حاشية على "الكشاف" بما أبطل زعمه، كما رد عليه الرازي في "تفسيره" 3/ 85، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345، "البحر المحيط" 1/ 211.

(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

انظر "تفسير الطبري" 1/ 290، "تفسير الرازي" 3/ 83.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ تعدى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً ﴿ الصاعقة ﴾ الموت، وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء أدبهم، وجراءتهم على الله ﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ أي جعلنا الغمام فوقهم كالظلة يقيهم حرّ الشمس، وكان ذلك في التيه، وكذا أنزل عليه فيه المنّ والسلوى، تقدّم في اللغات ﴿ كُلُواْ ﴾ معمول لقول محذوف ﴿ هذه القرية ﴾ بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل قريب من بيت المقدس ﴿ فَكُلُواْ ﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول، وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله: اسكنوا، لأنّ الدخول لا يتأتى معه السجود، وقيل متواضعين ﴿ حِطَّةٌ ﴾ تقدّم في اللغات ﴿ وَسَنَزِيدُ ﴾ أي نزيدهم أجراً إلى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بارئكم ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد الرحمن بن عبدوس.

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس ﴿ أنه هو ﴾ مدغماً: أبو عمرو غير عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل ﴿ ومن دونه هو ﴾ ﴿ وأنه هو ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ حتى ﴾ حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي ﴿ نرى الله ﴾ مكسورة الراء: روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء استقبلها ألف ولام مثل ﴿ ولو يرى الذين ﴾ ﴿ والنصارى المسيح ﴾ ﴿ جهرة ﴾ مفتوحة الهاء: قتيبة ﴿ السلوى ﴾ بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال "فعلى".

الوقوف: ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ عند بارئكم ﴾ (ط) لأن التقدير ففعلتم ﴿ فتاب عليكم ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ السلوى ﴾ (ط) {ما رزقناكم (ط) ﴿ يظلمون ﴾ (ه) التفسير: إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم النعم في الدين وأيضاً لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد  ، وأيضاً لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن بعثة محمد  لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك متى رجعوا عن كفرهم.

وفيه ترغيب لأمة محمد  في التوبة، فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب أحدنا في مجرد الندم كان أولى.

هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين ههنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم فبذلك استحقوا العذاب الأبدي.

والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلونه.

ومعنى ﴿ إلى بارئكم ﴾ النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس.

وقوله ﴿ ذَٰلكم ﴾ أي القتل ﴿ خير لكم عند بارئكم ﴾ جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير.

والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم.

وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله  لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر في الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل.

من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها.

والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل.

وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم  ﴾ ﴿ فسلموا على أنفسكم  ﴾ وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة.

ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم.

وقيل: لما أمرهم موسى  بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين.

روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء.

وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية يا الهنا.

فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله  إليه: قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل.

قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفاً.

وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد.

ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة.

والقائلون بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى لأن الهوى حياة النفس.

قوله: ﴿ وإذا قلتم يا موسى ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتل.

قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى  من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلاً من خيارهم.

فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه.

فسأل موسى ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا موسى  من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا.

وكان موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل النظر إليه.

وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل.

ومن جملة الكلام "إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري".

فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك ﴿ لن نؤمن لك ﴾ أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ عياناً، وهي مصدر قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب يخافت بها.

وانتصابها على نحو انتصاب "قعد القرفصاء" لأن هذه نوع من الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ذوي جهرة.

ومن قرأ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر.

وإنما أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه النائم ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ وهي ما صعقهم أي أماتهم.

فقيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وصعقة موسى في قوله ﴿ وخر موسى صعقاً  ﴾ لم تكن موتاً ولكن غشية بدليل ﴿ فلما أفاق  ﴾ والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون فيّ؟

فلم يزل يدعو حتى رد الله إليهم أرواحهم وذلك قولهم ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل.

قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً.

فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد منهم فماذا أقول لهم؟

فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً.

فقال موسى: إن هي إلا فتنتك.

فأحياهم الله  فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله  .

فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء.

فدعا بذلك فأجاب الله دعوته.

هذا ما قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب تخصيصه بقوله في حق موسى ﴿ فلما أفاق  ﴾ مع أن لفظة "الإفاقة" لا تستعمل في الموت.

ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا  عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.

ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي  بجحود أسلافهم نبوة موسى  مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي  مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم.

ومنها التسلية للنبي  وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.

ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد  لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه  بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً  وإن وجدوا في كتبهم أخبار نبوته  .

و منها لما أخبر محمد  عن هذه القصة مع كونه أمياً، تبين أن ذلك من الوحي.

بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله  لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ .

وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت.

وأيضاً لا يمتنع أن الله  علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة  ﴾ فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا يستحسنه قضية العزة والحشمة.

قوله  ﴿ وظللنا ﴾ أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، وينزل عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد.

مجاهد: المن صمغ حلو.

وهب: هو الخبز السميذ.

الزجاج: هو ما منّ الله  به عليهم، وهذا كما يروى مرفوعاً "الكمأة من المن وفيها شفاء للعين" وقيل: السلوى العسل.

وقيل: طائر أحمر ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا لهم كلوا ﴿ من طيبات ﴾ من حلالات ﴿ ما رزقناكم ﴾ وهذا للإباحة.

﴿ وما ظلمونا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفراً، وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ لأن وبال الظلم عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله  .

وإنما قال ههنا وفي الأعراف والتوبة والروم بزيادة لفظة "كانوا" لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا بخلاف قوله في آل عمران ﴿ ولكن أنفسهم يظلمون  ﴾ لأنه مثل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ .

وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم.

وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهاً إلى اتخاذ خالقكم إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

قال الفقيه أَبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أَنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع.

دليله قوله عز وجل: - ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ .

ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل.

وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم.

ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قتل سبعون أَلفاً في يوم واحد.

وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوماً إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا.

فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاءِ في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.

ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل إلهاً، وبعبادتهم إياه دون الله.

وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه.

فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

ثم صرْف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من الله -  - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان.

ولله أَن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أَنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ الآية: [النساء: 66] على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإِماتة.

فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس له.

فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم.

والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأَنها دار محنة.

وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، والله أعلم.

ثم قيل في قوله: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأَن قد قتلوا أَنفسهم.

ويجوز أَن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أَمراً بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 111] مذكور ذلك في التوراة.

وكذا قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ  ﴾ نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم.

وقد قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأَنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأْويل خَرَّج أَبو بكر قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ .

والله الموفق.

وقيل: أمر بعضاً بقتل بعض، كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً  ﴾ أَي: يسلم بعضهم على بعض.

وقيل: أَمر كلَّ من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم.

وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل.

ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم.

وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة - فيه وجهان: أَحدهما: أَنه كأَنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب.

وذلك أَن موسى  استنقذهم من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته.

ثم - مع ما أَراهم من الآيات - إذا فارقهم، دعاهم السامري إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ  ﴾ فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه.

وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي  ﴾ ، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم.

فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا.

فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، والله أَعلم، ونحو ذلك قوله: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ .

وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلاً عن المستدل عليه، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف.

كما روي أن امرأَة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأَشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل.

فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلاً - لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أَنَّه أَنزلها عليك.

ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عياناً.

فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية.

قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.

وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها.

وذلك أَن موسى -  - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا.

وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  ﴾ وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه.

وكذلك ما روي في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله  حيث قالوا: أَنرى ربنا؟

لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا.

وإنما أَخذ هؤلاء الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت.

دليل التعنت، فما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، والله أعلم.

أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ ، لا بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

وسنذكر هذه المسألة فى موضعها، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ .

قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك.

لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.

وهلاك العقل والذهن، كقوله: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً  ﴾ قيل: مغشيّاً.

وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أَي غشى.

والله أعلم.

وقيل: الصعقة: صياح شديد.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول.

وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ - الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عياناً جهاراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم.

ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون.

مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.

ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم.

وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.

وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...

﴾ الآية.

وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.

وقَدْ يحتمل وجهاً آخر: وهو النقصان؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم تنقص منه.

وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .

اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ .

أُمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.

وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.

غير أَن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ .

والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.

وقوله: ﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.

ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز، يقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن: كونه في أَمر هو فيه.

وقوله: ﴿ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان.

ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ  ﴾ .

ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي عن أَبي هريرة -  - عن رسول الله  قال: "إنَّ بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجداً فدخلوا منحرفين" فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.

ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاةً؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.

ويحتمل الأَمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ﴾ .

قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأَنهم أمروا بالإيمان والإسلام.

وقيل: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ : أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأَنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم.

وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما.

ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأَرسلنا - والقصة واحدة - حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والأَلسن تغيير المعنى والمراد.

وأَن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والأَلفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك.

ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، وكان كافراً إلى ذلك الوقت.

والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...

﴾ الآية [الليل: 5].

ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ...

﴾ الآية [القصص: 54].

وقوله: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ .

قوله: "بَدَّلَ" يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عز وجل.

ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم.

ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟

وليس لنا - إلى معرفة ذلك القول - حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى الله بيان ذلك بفضله، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: "الرجز" هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأَن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره.

ومنه عذاب ينزل من السماء - لا على أَيدي أَحد - نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما.

وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

مرة ذكر "يَفْسُقُونَ"، ومرة ذكر "يَظْلِمُونَ"، وهو واحد.

وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة محمد  وإِثباتُ نبوته.

وذلك أَن أَهل لكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول الله  يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول الله  والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأَول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا حين قال آباؤكم مخاطبين موسى  بجرأة: لن نؤمن لك حتَّى نرى الله عِيَانًا لا يُحْجب عنّا، فأخذتكم النار المحرقة، فقتلتكم وبعضكم ينظر إلى بعض.

<div class="verse-tafsir" id="91.k750p"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليًا له ومتأخرًا عنه: مهد أولًا للتذكير تمهيدًا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم.

ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء، يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبًا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها.

ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.

لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي  هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولاسيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة.

لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلهًا، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.

بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءًا بقوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ  ﴾ أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلًا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين الزماني والمكاني ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ  ﴾ إلهًا عبدتموه.

والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلهًا آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أن تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارًا.

والتوبة هي محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة.

هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ .

فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب.

وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع الله تعالى أو مع الناس.

ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفًا بالذنب معتذرًا عنه؟

وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم.

وقد قال ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ  ﴾ لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم.

ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم، والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم: دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه "بنو لاوي" فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضًا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم "نحو ثلاثة آلاف "وقال مفسرنا" الجلال"- كغيره- الذين قتلوا سبعون ألفًا، والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه.

قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ  ﴾ لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلًا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة وقوله ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  ﴾ من كلام الله تعالى لا تتمة لكلام موسى  في الظاهر وهو معطوف على محذوف تقديره ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي إنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولاسيما الشرك به.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان واتباع حتى نرى الله عيانًا جهرة فيأمرنا بالإيمان لك، ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون ذلك بأعينكم، وسيأتي بيان هذا التفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم.

سؤال بني إسرائيل رؤية الله تعالى واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، وذلك أن طائفة منهم قالوا لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله تعالى من دوننا؟!

وانتشر هذا القول في بني إسرائيل وتجرأ جماعة منهم بعد موت هارون وهاجوا على موسى وبني هارون وقالوا لهم إن نعمة الله على شعب إسرائيل هي لأجل إبراهيم وإسحاق فتشمل جميع الشعب، وقالوا لموسى لست أفضل منا فلا يحق لك أن تترفع وتسود علينا بلا مزية، وإننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهوة.

فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين، وهذه النار هي المعبر عنها بالصاعقة، وهل ثمة من نار غير الاشتغال بالكهرباء وهو ما تحدثه الصاعقة التي تحدث الانشقاق في الأرض أيضًا؟

وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى  وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى أماتت منهم خلقًا كثيرًا.

فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي  لم تكن بدعًا من أعمالهم.

قال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدَ مَوتِكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونُ  ﴾ إن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أن سينقرضوا بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.

والعبرة الاجتماعية في الآيات أن الخطاب في كل ما تقدم كان موجهًا إلى الذين في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب ألا لبيان معنى وحدة الأمة واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات وما يجازيها من النعم والنقم إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق كأنه وقع به، ليعلم الناس أن سنة الله تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَةً  ﴾ وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لترقيها لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين.

بعد هذا ذكر الله تعالى نعمة أخرى بل نعمتين من النعم التي مَنَّ بها على بني إسرائيل فكفروا بها ولكنه لم يذكر ما كان به الكفران، بل طواه وأشار إليه بما ختم به الآية من أنهم لم يظلموا الله تعالى بذلك الذنب المطوي وإنما ظلموا أنفسهم، وهذا أسلوب آخر من أساليب البيان في التذكير، وضرب من ضروب الإيجاز التي هي أقوى دعائم الإعجاز.

أما النعمة الأولى فقوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلنَا عَلَيكُمْ الغَمَامَ  ﴾ هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن ساق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسفعتهم الشموس ولفحت وجوههم.

ولا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر "الجلال" وغيره: بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل، الذي يفيده حرف التظليل، إلا بسحاب كثيف بمنع حر الشمس ووهجها.

وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.

وأما النعمة الثانية ففي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى  ﴾ ما منح الله تعالى يسمى إيجاده إنزالًا ومنه ﴿ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ  ﴾ على أن المن ينزل كالندى وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجين وبه فسر المن مفسرنا وغيره.

وأما السلوى فقد فسروها بالسماني وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضًا.

وظاهر أن قوله تعالى: ﴿ كَلَوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ مقدر فيه القول.

وفي "سفر الخروج" أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل وكان لهم بدلًا من الخبز وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ تقرير لقاعدة مهمة وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي.

فكل عمل ابن آدم له أو عليه (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله