الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) قال البخاري : حدثني محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قيل لبني إسرائيل : ( ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) فدخلوا يزحفون على استاههم ، فبدلوا وقالوا : حطة : حبة في شعرة .
ورواه النسائي ، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن مهدي به موقوفا وعن محمد بن عبيد بن محمد ، عن ابن المبارك ببعضه مسندا ، في قوله تعالى : ( حطة ) قال : فبدلوا .
فقالوا : حبة .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله لبني إسرائيل : ( وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ) فبدلوا ، ودخلوا الباب يزحفون على استاههم ، فقالوا : حبة في شعرة .
وهذا حديث صحيح ، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر ، ومسلم عن محمد بن رافع .
والترمذي عن عبد بن حميد ، كلهم عن عبد الرزاق ، به .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، وعمن لا أتهم ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا - يزحفون على استاههم ، وهم يقولون : حنطة في شعيرة .
وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، وحدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله لبني إسرائيل : ( ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ) ثم قال أبو داود : حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن هشام بن سعد ، مثله .
هكذا رواه منفردا به في كتاب الحروف مختصرا .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن مهدي ، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل ، أجزنا في ثنية يقال لها : ذات الحنظل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل : ( ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ) .
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : ( سيقول السفهاء من الناس ) [ البقرة : 142 ] قال اليهود : قيل لهم : ادخلوا الباب سجدا ، قال : ركعا ، وقولوا : حطة : أي مغفرة ، فدخلوا على استاههم ، وجعلوا يقولون : حنطة حمراء فيها شعيرة ، فذلك قول الله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) .
وقال الثوري ، عن السدي ، عن أبي سعد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن ابن مسعود : ( وقولوا حطة ) فقالوا : حنطة حبة حمراء فيها شعيرة ، فأنزل الله : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) وقال أسباط ، عن السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود أنه قال : إنهم قالوا : هطي سمعاتا أزبة مزبا فهي بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء ، فذلك قوله : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) وقال الثوري ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس في قوله : ( ادخلوا الباب سجدا ) ركعا من باب صغير ، فدخلوا من قبل استاههم ، وقالوا : حنطة ، فهو قوله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) وهكذا روي عن عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ويحيى بن رافع .
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق من الحديث أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا سجدا ، فدخلوا يزحفون على استاههم من قبل استاههم رافعي رؤوسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، أي : احطط عنا ذنوبنا ، فاستهزؤوا فقالوا : حنطة في شعرة .
وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم ، وهو خروجهم عن طاعته ؛ ولهذا قال : ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب .
وهكذا روي عن مجاهد ، وأبي مالك ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، أنه العذاب .
وقال أبو العالية : الرجز الغضب .
وقال الشعبي : الرجز : إما الطاعون ، وإما البرد .
وقال سعيد بن جبير : هو الطاعون .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد - يعني ابن أبي وقاص - عن سعد بن مالك ، وأسامة بن زيد ، وخزيمة بن ثابت ، رضي الله عنهم ، قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم .
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به .
وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت : إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها الحديث .
قال ابن جرير : أخبرني يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا الوجع والسقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم .
وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين ، من حديث الزهري ، ومن حديث مالك ، عن محمد بن المنكدر ، وسالم أبي النضر ، عن عامر بن سعد ، بنحوه .
القول في تأويل قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ وتأويل قوله: (فبدل)، فغير .
ويعني بقوله: (الذين ظلموا)، الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله .
ويعني بقوله: (قولا غير الذي قيل لهم)، بدلوا قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه.
وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم .
وكان تبديلهم - بالقول الذي أمروا أن يقولوا - قولا غيره , (20) ما:- 1019 - حدثنا به الحسن بن يحيي قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله لبني إسرائيل: " ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم " , فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعيرة .
(21) 1020 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد قالا حدثنا محمد بن إسحاق , عن صالح بن كيسان , عن صالح مولى التوأمة , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:- 1021 - وحدثت عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت , عن سعيد &; 2-113 &; بن جبير , أو عن عكرمة , عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا منه سجدا - يزحفون على أستاههم، يقولون: حنطة في شعيرة.
(22) 1022 - وحدثني محمد بن عبد الله المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك , عن معمر , عن همام , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: حِطَّةٌ ، قال: بدلوا فقالوا: حبة .
(23) 1023 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان , عن السدي , عن أبي سعيد ، عن أبي الكنود , عن عبد الله: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة .
فأنـزل الله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1024 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان , عن الأعمش , عن المنهال بن عمرو , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس في قوله: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) قال: ركوعا - من باب صغير ، فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة .
فذلك قوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1025 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال، حدثنا أبو أسامة , عن سفيان , عن الأعمش , عن المنهال , عن سعيد , عن ابن عباس قال: أمروا &; 2-114 &; أن يدخلوا ركعا ويقولوا: حطة .
قال أمروا أن يستغفروا ، قال: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون: حنطة - يستهزئون .
فذلك قوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1026 - حدثنا الحسن بن يحيي قال، أنبأنا عبد الرازق قال، أنبأنا معمر , عن قتادة والحسن: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) قالا دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها , فدخلوها متزحفين على أوراكهم , وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم , فقالوا حبة في شعيرة.
1027 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي .
قال، حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا: حطة , وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة .
(24) 1028 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا المسجد ويقولوا: حطة .
وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم , فلم يسجدوا ودخلوا على أستاهم إلى الجبل -وهو الجبل الذي تجلى له ربه- وقالوا: حنطة .
فذلك التبديل الذي قال الله عز وجل: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
(25) 1029 - حدثني موسى بن هارون الهمداني [قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة الهمداني]،عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: " هطى سمقا يا ازبة هزبا " , وهو بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء .
فذلك قوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1030 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، &; 2-115 &; عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قال: فدخلوا على أستاهم مقنعي رءوسهم .
1031 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي عن النضر بن عدي , عن عكرمة: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فدخلوا مقنعي رءوسهم - وَقُولُوا حِطَّةٌ فقالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة .
فذلك قوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1032 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ، قال: فكان سجود أحدهم على خده .
و (قولوا حطة) نحط عنكم خطاياكم , فقالوا: حنطة .
وقال بعضهم: حبة في شعيرة، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم .
1033 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال: فاستهزءوا به - يعني بموسى - وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا، حطة حطة !!
أي شيء حطة؟
وقال بعضهم لبعض: حنطة .
1034 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج , وقال ابن عباس: لما دخلوا قالوا: حبة في شعيرة .
1035 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي سعد بن محمد بن الحسن قال، أخبرني عمي , عن أبيه , عن ابن عباس قال: لما دخلوا الباب قالوا: حبة في شعيرة ," فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم ".
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ يعني بقوله: (فأنـزلنا على الذين ظلموا)، = على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، من تبديلهم القول - الذي أمرهم الله جل وعز أن يقولوه - قولا غيره , ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به، وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه، = (رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) .
* * * و " الرِّجز " في لغة العرب، العذاب , وهو غير " الرُّجز ".
(26) وذلك أن الرِّجز: البثر، (27) ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعون أنه قال: " إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم " .
1036 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس , عن ابن شهاب قال، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص , عن أسامة بن زيد , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن هذا الوجع -أو السقم- رجز عذب له بعض الأمم قبلكم " .
(28) 1037 - وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عمر بن حفص قال، حدثنا أبي، عن الشيباني، عن رياح بن عبيدة , عن عامر بن سعد قال: شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى &; 2-117 &; الله عليه وسلم: إن الطاعون رجز أنـزل على من كان قبلكم - أو على بني إسرائيل.
(29) * * * وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 1038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (رجزا)، قال: عذابا .
1039 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (فأنـزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء)، قال: الرجز، الغضب.
1040 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما قيل لبني إسرائيل: - ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعز عليهم الطاعون , فلم يبق منهم أحدا.
وقرأ: (فأنـزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) ، قال: وبقي الأبناء = ففيهم الفضل والعبادة -التي توصف في بني إسرائيل- والخير = وهلك الأباء كلهم , أهلكهم الطاعون .
1041 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: االرِّجز العذاب .
وكل شيء في القرآن " رِجز "، فهو عذاب .
&; 2-118 &; 1042 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله: (رجزا)، قال: كل شيء في كتاب الله من " الرِّجز " يعني به العذاب .
* * * وقد دللنا على أن تأويل " الرِّجز " العذاب .
وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة .
وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنـزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء .
وجائز أن يكون ذلك طاعونا , وجائز أن يكون غيره .
ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، (30) أي أصناف ذلك كان .
فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: فأنـزلنا عليهم رجزا من السماء بفسقهم.
غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد، للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الطاعون أنه رجز , وأنه عذب به قوم قبلنا .
وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا، لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيان فيه أي أمة عذبت بذلك .
وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به، كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى " الفسق "، الخروج من الشيء .
(31) فتأويل قوله: (بما كانوا يفسقون) إذا: بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل, فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره.
------------------ الهوامش : (20) قوله : "قولا" مفعول"تبديلهم" .
وأما خبر"كان" فهو قوله : "ما حدثنا به الحسن .
.
.
" .
(21) الحديث: 1019 - رواه أحمد في المسند: 8213 (ج 2 ص 318 حلبي)، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولكن بلفظ"حبة في شعرة".
وكذلك رواه البخاري 6: 312، و8 : 228- 229 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرازق.
وذكر الحافظ (8: 229) أن لفظ "شعرة" رواية أكثر رواة البخاري، وأن رواية الكشميهني"شعيرة".
وذكره ابن كثير 1: 180، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي، من رواية عبد الرزاق.
(22) الحديث: 1020، 1021 - هو الحديث السابق، ولكن رواه الطبري هنا بإسنادين.
أحدهما صحيح متصل، والآخر ضعيف فيه راو مبهم بين ابن إسحاق ومحمد ابن أبي محمد.
صالح بن كيسان المدني: تابعي ثقة.
وصالح مولى التوأمة: هو ابن نبهان، وهو ثقة أيضًا، إلا أنه تغير بأخرة، فمن روى عنه قديما فحديثه صحيح.
وصالح بن كيسان قديم، وهو بلديه، فالراجح أن يكون ممن سمع منه قبل تغيره.
(23) الحديث : 1022 - هو مختصر من الحديث : 1019 .
وقد رواه أحمد في المسند : 8095 (ج 2 ص 312 حلبي) عن يحيى بن آدم ، عن ابن المبارك ، بهذا الإسناد ، مطولا .
وكذلك رواه البخاري 8 : 125 (فتح الباري) ، مطولا ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي .
عن ابن المبارك .
(24) الأثر : 1027 .
سيأتي تمامه في رقم : 1116 .
(25) الأثر : 1028 - انظر ما سيأتي رقم : 1117 ، فهو منه .
(26) الرجز (بضم فسكون) ، وهو الذي جاء في قوله تعالى في سورة المدثر : "والرجز فاهجر" .
وذكر الطبري فرق ما بينهما في 29 : 92 (بولاق) فقال : "الرجز بضم الراء .
.
.
الأوثان" (27) البثر : خراج صغار ، كالذي يكون من الطاعون والجدري .
(28) الحديث : 1036 - إسناده صحيح .
وقد ذكره ابن كثير 1 : 182 ، وقال : "وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين ، من حديث الزهري ، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر - عن عامر بن سعد ، بنحوه" .
ورواه أحمد في المسند ، من طريق الزهري (5 : 207 - 208 حلبي) .
ورواية أيضًا (5 : 209) ، من طريق حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أسامة بن زيد ، مطولا .
(29) الحديث 1037 - وهذا إسناد آخر صحيح، للحديث السابق.
أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة: هو"إبراهيم بن عبد الله بن محمد"، وهو ثقة، روى عنه أيضًا النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 1 /1/ 110.
عمر بن حفص بن غياث: ثقة، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين.
أبوه حفص بن غياث: ثقة مأمون، معروف، أخرج له الجماعة.
الشيباني: هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان، ثقة حجة.
رياح بن عبيدة: هو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة، ووقع في المطبوعة"رباح" بالوحدة، وهو تصحيف.
و"عبيدة" بفتح العين وكسر الباء الموحدة، ورياح هذا بصري ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وهو مترجم في التهذيب 3: 299 - 300، والكبير للبخاري 2 / 1 /300، وابن أبي حاتم 1 / 2 /511، والمشتبه للذهبي، ص: 212.
وهو غير"رياح بن عبيدة السلمى الكوفي"، فرق بينهما المزى في التهذيب.
والذهبي في المشتبه.
وأنكر الحافظ ابن حجر ذلك على المزى، ولكنه تبع الذهبي في تبصير المنتبه، ولم يعقب عليه، وهو الصواب، إن شاء الله.
(30) انظر تفسير قوله"ظاهر القرآن" فيما مضى : 2 : 15 والمراجع.
(31) انظر ما سلف 1 : 409 - 410 ، وقد ذكر الآية هناك في أثر عن ابن عباس ، فيه : "أي بما بعدوا عن امري" ، (ص 410 ) .
قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقونفيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا الذين في موضع رفع أي : فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم ، وذلك أنه قيل لهم : قولوا : حطة فقالوا : حنطة - على ما تقدم - فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا ؛ تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب ، فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود ، هذا والقول أنقص من العمل ، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل ؟
!
.الثانية : قوله تعالى : فبدل تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ عسى ربنا أن يبدلنا [ ص: 390 ] على الوجهين قال الجوهري وأبدلت الشيء بغيره ، وبدله الله من الخوف أمنا وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل واستبدل الشيء بغيره وتبدله به ، إذا أخذه مكانه .والمبادلة : التبادل والأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر ، قال ابن دريد الواحد بديل ، والبديل البدل ، وبدل الشيء غيره ، يقال : بدل وبدل لغتان مثل شبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل قال أبو عبيد لم يسمع في " فعل وفعل " غير هذه الأربعة الأحرف ، والبدل وجع يكون في اليدين والرجلين ، وقد بدل ( بالكسر ) يبدل بدلا .الثالثة : قوله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا كرر لفظ ظلموا ولم يضمره تعظيما للأمر والتكرير يكون على ضربين : أحدهما استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية وقوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم قال بعد : فويل لهم مما كتبت أيديهم ولم يقل مما كتبوا وكرر الويل تغليظا لفعلهم ، ومنه قول الخنساء :تعرقني الدهر نهسا وحزا وأوجعني الدهر قرعا وغمزاأرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها ، والضرب الثاني مجيء تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة الآية و القارعة ما القارعة الآية كان القياس - لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم - الحاقة ما هي ، والقارعة ما هي ، ومثله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة كرر أصحاب الميمنة تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ أصحاب المشأمة لما ينالهم من أليم العذاب ، ومن هذا الضرب قول الشاعر :ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداجوقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرافكرر لفظ الموت ثلاثا وهو من الضرب الأول ، ومنه قول الآخر :ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعدفكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها .الرابعة : قوله تعالى : رجزا قراءة الجماعة " رجزا " بكسر الراء وابن محيصن [ ص: 391 ] بضم الراء والرجز العذاب ( بالزاي ) و ( بالسين ) النتن والقذر ومنه قوله تعالى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي : نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء الرجز هو الرجس ، قال أبو عبيد : كما يقال : السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى ، قال الفراء : وذكر بعضهم أن الرجز ( بالضم ) اسم صنم كانوا يعبدونه ، وقرئ بذلك في قوله تعالى : والرجز فاهجر والرجز ( بفتح الراء والجيم ) نوع من الشعر ، وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها .بما كانوا يفسقون أي : بفسقهم ، والفسق الخروج ، وقد تقدم ، وقرأ ابن وثاب والنخعي يفسقون بكسر السين .
{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم, ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا { قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله, واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم, ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: { فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم { رِجْزًا } أي: عذابا { مِنَ السَّمَاءِ } بسبب فسقهم وبغيهم.
{فبدل} فغير.
{الذين ظلموا} أنفسهم وقالوا: {قولاً غير الذي قيل لهم} وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثاً أي حنطة حمراء، استخفافاً بأمر الله تعالى.
وقال مجاهد: "طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فأبوا أن يدخلوها سجداً فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول وقالوا قولاً غير الذي قيل لهم".
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة".
{فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء} قيل: أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً.
{بما كانوا يفسقون} يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى.
«فبدل الذين ظلموا» منهم «قولا غير الذي قيل لهم» فقالوا: حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم «فأنزلنا على الذين ظلموا» فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح شأنهم «رجزاً» عذاباً طاعوناً «من السماء بما كانوا يفسقون» بسب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل.
فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة، واستهزءوا بدين الله.
فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.
إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله ، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله ، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل ، ولذا قال تعالى : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) .أخرج البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم ، وقالوا : حبة في شعيرة " .قال الإِمام ابن كثير : ( وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق ، أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا الباب سجداً ، فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعين رؤسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا : حطنة في شعيرة ، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته ) .فقوله تعالى : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) بيان للسبب الذي من أجله نزل عليهم العذاب ، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله - تعالى - ، لأن تبديل الشيء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التي كان عليها .والفعل ( بدل ) يقتضي بدلا ومبدلا منه ، إلا أن مقام الإِيجاز في الآية استدعى الاكتفاء بذكر البدل - وهو القول الذي لم يقل لهم - دون ذكر المبدل منه - وهو القول الذي قيل لهم - والتقدير : فاختار الذين ظلموا بالقول الذي أمرهم الله به ، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان .قال صاحب الكشاف : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) أي : وضعوا مكان ( حِطَّةٌ ) قولا غيرها ، يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر الله ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه .
وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل ، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك .
أو اللهم أعف عنا وما أشبه ذلك " .والعبرة التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة ، أن من أمره الله - تعالى - بقول أو يفعل ، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله ، ودخل في زمرة الظالمين ، وعرض نفسه لسوء المصير .وقوله تعالى : ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله - تعالى - والرجز في لغة العرب : هو العذاب سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها .وفي النص على أن الرجز قد أناهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لم يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوى أو نحوها ، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء .
فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم ، ولم يقل القرآن ( فَأَنزَلْنَا عَلَى ) بالإِضمار ، وإنما قال ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ ) بالإِظهار ، تأكيداً لوصفهم بأفبح النعوت وهو الظلم ، وإشعاراً بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم .وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بني إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها ، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها ، وأرشدوا إلى القلو الذي يكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل ، فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة التي حين ، ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم ، وفي هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النعمة ، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة ، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوي على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم وفيه أيضاً تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم .عاشراً : نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش .
اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل (عليهم) من المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة.
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين: النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير فنقول: أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ﴾ فاعلم أنه أمر تكليف، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة.
الثاني: أن قوله: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ دليل على ما ذكرناه.
أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار، وفيه أقوال: أحدها: وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد.
وثانيها: أنها نفس مصر.
وثالثها: وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس.
وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية: أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة.
أما قوله تعالى: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا ﴾ ففيه بحثان.
الأول: اختلفوا في الباب على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس، وثانيهما: حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلاً إليها.
الثاني: اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو الصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك، ومنهم من حمله على غير السجود، وهؤلاء ذكروا وجهين: الأول: رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر.
الثاني: أراد به الخضوع وهو الأقرب، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لابد أن يكون خاضعاً مستكيناً.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو قول القاضي: المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذلك من عرف بمذهب خطأ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق.
ثانيها: قول الأصم: إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية.
وثالثها: قال صاحب الكشاف (حطة) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلي *** والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب.
ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك بأن قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به.
وخامسها قول القفال: معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك، فحط عنا ذنوبنا.
فإن قال قائل: هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا؟
قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين.
أحدهما: أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية، وثانيهما: وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم: ﴿ حِطَّةٌ ﴾ اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً، لأن المقصود من التوبة، إما القلب وإما اللسان، أما القلب فالندم، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها.
أما قوله تعالى: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ ﴾ فالكلام في المغفرة قد تقدم.
ثم هاهنا بحثان: الأول: أن قوله: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ذكره الله تعالى في معرض الامتنان، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان.
الثاني: هاهنا قراءات.
أحدها: قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء.
وثانيها: قرأ نافع بالياء وفتحها.
وثالثها: قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء.
ورابعها: قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء.
قال القفال: والمعنى في هذه القراءات كلها واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله: ﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة ﴾ والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد.
أما قوله تعالى: ﴿ خطاياكم ﴾ ففيه قراءات، أحدها: قرأ الجحدري خطيئتكم بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة.
وثانيها: الأعمش خطيئاتكم بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء.
وثالثها: الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء.
ورابعها: الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء.
وخامسها: ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف.
وسادسها: الكسائي بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء فقط.
أما قوله تعالى: ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف.
أما على التقدير الأول: فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين.
أما الاحتمال الأول: وهو أن تكون من منافع الدنيا، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وأما الاحتمال الثاني: وهو أن تكون من منافع الآخرة، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً، وأكثر من ذلك، وأما إن كان المراد من المحسنين من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة، وفي الآية تأويل آخر، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين.
أما قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ ففيه قولان.
الأول: قال أبو مسلم قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ ﴾ يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة، قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون مّنَ الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله ﴾ ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا هاهنا، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه.
الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل، فلابد من حصول البدل، وهذا كما يقال: فلان بدل دينه، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ﴾ ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان؟
فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم، قائلين حنطة من شعيرة، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا: حنطة استهزاء، وقال ابن زيد: استهزاء بموسى.
وقالوا: ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة.
أما قوله تعالى: ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم، وذلك ظلم على ما تقدم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء ﴾ ففيه بحثان: الأول: أن في تكرير: ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم.
الثاني: أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العقوبة، وكذا قوله تعالى: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز ﴾ وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب.
وأما قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه، فقال ابن عباس: مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة، وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً، ولم يبق منهم أحد.
أما قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ ، فالفسق من الخروج المضر، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته، قال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿ عَلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ ولأنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لابد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولاً: وصفهم بالفسق، ثانياً: ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر.
الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار.
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية: اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ﴾ يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ وقال في الأعراف: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام: ﴿ اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ثم أخذ يعدد (نعمه) نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة.
السؤال الثاني: لم قال في البقرة: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا ﴾ وفي الأعراف: ﴿ اسكنوا ﴾ ؟
الجواب: الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة.
السؤال الثالث: لم قال في البقرة: ﴿ فَكُلُواْ ﴾ بالفاء وفي الأعراف: ﴿ وَكُلُواْ ﴾ بالواو؟
والجواب هاهنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا ﴾ وفي الأعراف: ﴿ فَكُلاًّ ﴾ .
السؤال الرابع: لم قال في البقرة: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وفي الأعراف: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم ﴾ ، الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ﴾ لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة (ة) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة.
السؤال الخامس: لم ذكر قوله: ﴿ رَغَدًا ﴾ في البقرة وحذفه في الأعراف؟
الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه.
السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ وفي الأعراف قدم المؤخر؟
الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله: ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لابد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً حطة ثم يدخلوا الباب سجداً، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانياً: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.
السؤال السابع: لم قال: ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ في البقرة مع الواو وفي الأعراف: ﴿ سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ من غير الواو؟
الجواب: أما في الأعراف فذكر فيه أمرين: أحدهما: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة.
وثانيها: دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزأين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وهو واقع في مقابلة قول الحطة.
والآخر: قوله: ﴿ سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين.
وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة.
السؤال الثامن: قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً ﴾ وفي الأعراف: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً ﴾ فما الفائدة في زيادة كلمة منهم في الأعراف؟
الجواب: سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة هاهنا مبني على التخصيص بلفظ من لأنه تعالى قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ فذكر لفظة: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وهاهنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق.
السؤال التاسع: لم قال في البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا ﴾ وقال في الأعراف: ﴿ فَأَرْسَلْنَا ﴾ الجواب: الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
السؤال العاشر: لم قال في البقرة: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ وفي الأعراف: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ ، الجواب: أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القرية ﴾ بيت المقدس.
وقيل: أريحاء من قرى الشام، أمروا بدخولها بعد التيه ﴿ الباب ﴾ باب القرية.
وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام.
أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً.
وقيل: (السجود) أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات.
وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم ﴿ حِطَّةٌ ﴾ فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أوأمرك حطة.
والأصل: النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة.
وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات، كقوله: صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلاَنَا مُبْتَلَى والأصل صبراً، على: اصبر صبراً.
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل.
وقيل معناه: أمرنا حطة، أي أن نحط في هذه القرية ونستقرّ فيها.
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها ب (قولوا)، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟
قلت: لا يبعد.
والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر ب (قولوا).
وقرئ ﴿ يغفر لكم ﴾ على البناء للمفعول بالياء والتاء ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ أي من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة.
﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي وضعوا مكان حطة ﴿ قَوْلاً ﴾ غيرها.
يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله.
وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به.
كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك.
أو اللَّهم اعف عنا وما أشبه ذلك.
وقيل: قالوا مكان حطة: حنطة.
وقيل: قالوا: بالنبطية: (حطا سمقاثا) أي حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا.
وفي تكرير ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم.
وقد جاء في سورة الأعراف: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ﴾ [الأعراف: 133] على الإضمار.
والرجز: العذاب.
وقرئ بضم الراء وروى: أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً.
وقيل: سبعون ألفاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ بَدَّلُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ بِطَلَبِ ما يَشْتَهُونَ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.
﴿ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ كَرَّرَهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّ الإنْزالَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ بِوَضْعِ غَيْرِ المَأْمُورِ بِهِ مَوْضِعَهُ، أوْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ تَرَكُوا ما يُوجِبُ نَجاتَها إلى ما يُوجِبُ هَلاكَها.
﴿ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ عَذابًا مُقَدَّرًا مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والرِّجْزُ في الأصْلِ: ما يُعافُ عَنْهُ، وكَذَلِكَ الرِّجْسُ.
وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ والمُرادُ بِهِ الطّاعُونُ.
رُوِيَ أنَّهُ ماتَ في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.
<div class="verse-tafsir"
{فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ} فيه حذف وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم فبدل يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء فالذي مع الباء متروك والذي بغير باء موجود يعني وضعوا مكان حطة قولاً غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار
البقرة (٥٩ _ ٦١)
فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله وقيل قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا {فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا} عذاباً وفي تكرير الذين ظلموا زيادة في تقبيح امرهم وإيزان بإنزال الرجز عليهم لظملهم {مِّنَ السماء} صفة لرجز {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فسقهم روي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً وقيل سبعون ألفا
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ أيْ بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالقَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم قَوْلًا غَيْرَهُ، (فَبَدَّلَ) يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما بِنَفْسِهِ، والآخَرُ بِالياءِ، ويَدْخُلُ عَلى المَتْرُوكِ، فالذَّمُّ مُتَوَجِّهٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بَدَّلَ) مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، أيْ فَقالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا إلَخْ، والقَوْلُ بِأنَّ (غَيْرَ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَغَيَّرُوا قَوْلًا بِغَيْرِهِ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القَوْلِ، وصَرَّحَ سُبْحانَهُ بِالمُغايَرَةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ التَّبْدِيلِ بِدُونِها تَحْقِيقًا لِمُخالَفَتِهِمْ، وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وظاهِرُ الآيَةِ انْقِسامٌ مِن هُناكَ إلى ظالِمِينَ، وغَيْرِ ظالِمِينَ، وأنَّ الظّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا، وإنْ كانَ المُبَدِّلُ الكُلَّ، كانَ وضْعُ ذَلِكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ، واخْتُلِفَ في القَوْلِ الَّذِي بَدَّلُوهُ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّهم قالُوا: حَبَّةٌ في شُعَيْرَةٍ، ورَوى الحاكِمُ حِنْطَةٌ بَدَلَ حِطَّةٍ، وفي المَعالِمِ: إنَّهم قالُوا بِلِسانِهِمْ: حِطًّا سِمْقاثًا، أيْ حِنْطَةٌ حَمْراءُ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِما قِيلَ لَهُمْ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وإذا صَحَّتْ يُحْمَلُ اخْتِلافُ الألْفاظِ عَلى اخْتِلافِ القائِلِينَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم تَبْدِيلٌ، ومَعْنى (فَبَدَّلُوا) لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا أنَّهم أتَوْا بِبَدَلٍ لَهُ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وظاهِرُ الآيَةِ، والأحادِيثِ تُكَذِّبُهُ، ﴿ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإشْعارًا بِكَوْنِ ظُلْمِهِمْ وإضْرارِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ ما يُوجِبُ نَجاتَها، أوْ وضْعُهم غَيْرَ المَأْمُورِ بِهِ مَوْضِعَهُ سَبَبًا لِإنْزالِ الرِّجْزِ، وهو العَذابُ، وتُكْسَرُ راؤُهُ، وتُضَمُّ، والضَّمُّ لُغَةُ بَنِي الصُّعُداتِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ، يُرْوى أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وقالَ وهْبٌ: طاعُونٌ غَدَوْا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلْجٌ هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، فَإنْ فُسِّرَ بِالثَّلْجِ كانَ كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا، وإنْ بِغَيْرِهِ، فَهو إشارَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها القَضاءُ، أوْ مُبالَغَةٌ في عُلُوِّهِ بِالقَهْرِ، والِاسْتِيلاءِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِرِجْزًا، و ﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، لِنِيابَتِهِ عَنِ العامِلِ عِلَّةً لَهُ، وكَلِمَةُ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: أنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا لِظُلْمِهِمْ عَذابًا مُقَدَّرًا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الفِسْقِ في الزَّمانِ الماضِي، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـأنْزَلْنا، لِظُهُورِهِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ، ولِئَلّا يَحْتاجَ في تَعْلِيلِ الإنْزالِ بِالفِسْقِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالظُّلْمِ إلى القَوْلِ بِأنَّ الفِسْقَ عَيْنُ الظُّلْمِ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ أنَّ الظُّلْمَ أعَمُّ، والفِسْقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَبائِرِ، فَبَعْدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وُصِفُوا بِالفِسْقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ مِنَ الكَبائِرِ، فَإنَّ الأوَّلَ بِضاعَةُ العاجِزِ، والثّانِيَ لا يَدْفَعُ رَكاكَةَ التَّعْلِيلِ، وما قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلظُّلْمِ، فَيَكُونُ إنْزالُ العَذابِ مُسَبَّبًا عَنِ الظُّلْمِ المُسَبَّبِ عَنِ الفِسْقِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ ظُلْمُهُمُ المَذْكُورُ سابِقًا الَّذِي هو سَبَبُ الإنْزالِ، لا يَحْتاجُ إلى العِلَّةِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فَبَدَّلَ) إلَخْ، وتَرَتَّبَ العَذابُ عَنِ التَّبْدِيلِ عَلى أنَّ ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ مِنَ الأقْوالِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ ولا تَبْدِيلُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الكَلِمَةُ الثّانِيَةُ تَسُدُّ الأُولى، وعَلى هَذا جَرى الخِلافُ، كَما في البَحْرِ في قِراءَةِ القُرْآنِ بِالمَعْنى، ورِوايَةِ الحَدِيثِ بِهِ، وجَرى في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، وفي تَجْوِيزِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ، والبَيْعِ، والتَّمْلِيكِ، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ، هَذا وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الإمامُالرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ذُكِرَتْ في الأعْرافِ مَعَ مُخالَفَةٍ مِن وُجُوهٍ لِنِكاتٍ، الأوَّلُ: قالَ هُنا: ﴿ وإذْ قُلْنا ﴾ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ النِّعَمِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ المُنْعِمِ، وهُناكَ، ﴿ وإذَ قِيلَ ﴾ إذْ لا إبْهامَ بَعْدَ تَقْدِيمِ التَّصْرِيحِ بِهِ، الثّانِي: قالَ هُنا: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ وهُناكَ ﴿ اسْكُنُوا ﴾ لِأنَّ الدُّخُولَ مُقَدَّمٌ، ولِذا قُدِّمَ وضْعًا المُقَدَّمُ طَبْعًا، الثّالِثُ: قالَ هُنا: ﴿ خَطاياكُمْ ﴾ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ لَمّا أضافَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى نَفْسِهِ، واللّائِقُ بِجُودِهِ غُفْرانُ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ، وهُناكَ ﴿ خَطِيئاتِكُمْ ﴾ بِجَمْعِ القِلَّةِ، إذْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالفاعِلِ، الرّابِعُ: قالَ هُنا: ﴿ رَغَدًا ﴾ دُونَ هُناكَ لِإسْنادِ الفِعْلِ إلى نَفْسِهِ هُنا، فَناسَبَ ذِكْرَ الإنْعامِ الأعْظَمِ، وعَدَمَ الإسْنادِ هُناكَ.
الخامِسُ: قالَ هُنا: ”ادْخِلُوا الباب سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّة“وهُناكَ بِالعَكْسِ، لِأنَّ الواوَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وأيْضًا المُخاطَبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم مُذْنِبِينَ، والبَعْضُ الآخَرُ ما كانُوا كَذَلِكَ، فالمُذْنِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ اشْتِغالُهُ بِحَطِّ الذَّنْبِ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِ بِالعِبادَةِ، فَلا جَرَمَ، كانَ تَكْلِيفُ هَؤُلاءِ أنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، ثُمَّ يَدْخُلُوا، وأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُذْنِبًا، فالأوْلى بِهِ أنْ يَشْتَغِلَ أوَّلًا بِالعِبادَةِ، ثُمَّ يَذْكُرَ التَّوْبَةَ ثانِيًا، لِلْهَضْمِ، وإزالَةِ العَجَبِ، فَهَؤُلاءِ يَجِبُ أنْ يَدْخُلُوا، ثُمَّ يَقُولُوا، فَلَمّا احْتَمَلَ كَوْنُ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ مُنْقَسِمِينَ إلى ذَيْنِ القِسْمَيْنِ لا جَرَمَ ذُكِرَ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في سُورَةٍ أُخْرى، السّادِسُ: قالَ هُنا: ﴿ وسَنَزِيدُ ﴾ بِالواوِ، وهُناكَ بِدُونِهِ، إذْ جَعَلَ هُنا المَغْفِرَةَ مَعَ الزِّيادَةِ جَزاءً واحِدًا لِمَجْمُوعِ الفِعْلَيْنِ، وأمّا هُناكَ فالمَغْفِرَةُ جَزاءُ قَوْلِ (حِطَّةٌ)، والزِّيادَةُ جَزاءُ الدُّخُولِ، فَتَرْكُ الواوِ يُفِيدُ تَوَزُّعِ كُلٍّ مِنَ الجَزاءَيْنِ عَلى كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ، السّابِعُ: قالَ هُناكَ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ وهُنا لَمْ يَذْكُرْ مِنهُمْ، لِأنَّ أوَّلَ القِصَّةِ هُناكَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّخْصِيصِ بِمِن، حَيْثُ قالَ: ﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ فَخَصَّ في آخِرِ الكَلامِ لِيُطابِقَ أوَّلَهُ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآياتِ الَّتِي قَبْلُ (فَبَدَّلَ) هُنا تَمْيِيزًا وتَخْصِيصًا لَمْ يَذْكُرْ في آخِرِ القِصَّةِ ذَلِكَ، الثّامِنُ: قالَ هُنا: ﴿ فَأنْزَلْنا ﴾ وهُناكَ ﴿ فَأرْسَلْنا ﴾ لِأنَّ الإنْزالَ يُفِيدُ حُدُوثَهُ في أوَّلِ الأمْرِ، والإرْسالَ يُفِيدُ تَسْلِيطَهُ عَلَيْهِمْ، واسْتِئْصالَهُ لَهُمْ، وذَلِكَ يَكُونُ بِالآخِرَةِ، التّاسِعُ: قالَ هُنا: ﴿ فَكُلُوا ﴾ بِالفاءِ، وهُناكَ بالأمْرِ في ”فَكُلًّا مِنها رَغْدًا“ وهو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وكانَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ عُطِفَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، فَلَمّا تَعَلَّقَ الأكْلُ بِالدُّخُولِ قِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ فَكُلُوا ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الأكْلُ بِالسُّكُونِ في الأعْرافِ قِيلَ: ﴿ وكُلُوا ﴾ العاشِرُ: قالَ هُنا: ﴿ يَفْسُقُونَ ﴾ وهُناكَ ﴿ يَظْلِمُونَ ﴾ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ هُنا كَوْنَ الفِسْقِ ظُلْمًا اكْتَفى بِلَفْظِ الظُّلْمِ هُناكَ انْتَهى، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأجْوِبَةِ مِنَ النَّظَرِ، أمّا في الأوَّلِ والثّانِي والثّامِنِ والعاشِرِ، فَلِأنَّها إنَّما تَصِحُّ إذا كانَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مُتَقَدِّمَةً عَلى سُورَةِ الأعْرافِ نُزُولًا، كَما أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْها تَرْتِيبًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ، وسُورَةَ الأعْرافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ داخِلٌ في الآياتِ المَكِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا تَصِحُّ الأجْوِبَةُ المَذْكُورَةُ، وأمّا ما ذُكِرَ في التّاسِعِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَنعُ عَدَمِ تَعَلُّقِ الأكْلِ بِالسُّكُونِ، لِأنَّهم إذا سَكَنُوا القَرْيَةَ تَتَسَبَّبُ سُكْناهم لِلْأكْلِ مِنها، كَما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقَدْ جَمَعُوا في الوُجُودِ بَيْنَ سُكْناها، والأكْلِ مِنها، فَحِينَئِذٍ لا فَرْقَ بَيْنَ (كُلُوا)، و(فَكُلُوا)، فَلا يَتِمُّ الجَوابُ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ تَعالى وإنْ قالَ في الأعْرافِ: (وإذْ قِيلَ) لَكِنَّهُ قالَ في السُّورَتَيْنِ: (نَغْفِرْ لَكُمْ)، وأضافَ الغُفْرانَ إلى نَفْسِهِ فَبِحُكْمِ تِلْكَ اللِّياقَةِ يَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ في السُّورَتَيْنِ جَمْعَ الكَثْرَةِ بَلْ لا شَكَّ أنَّ رِعايَةَ (نَغْفِرْ لَكُمْ) أوْلى مِن رِعايَةِ (وإذْ قِيلَ لَهُمْ) لِتَعَلُّقِ الغُفْرانِ بِالخَطايا، كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ بِالمَزايا، وأمّا الرّابِعُ فَلِأنَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يُسْنِدِ الفِعْلَ إلى نَفْسِهِ تَعالى لَكِنَّهُ مُسْنَدٌ إلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ الإنْعامَ الأعْظَمَ في السُّورَتَيْنِ، وأمّا الخامِسُ فَلِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وكَوْنُ بَعْضِهِمْ مُذْنِبِينَ، وبَعْضِهِمْ غَيْرَ مُذْنِبِينَ مُحَقَّقٌ، فَعَلى مُقْتَضى ما ذُكِرَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ ﴿ وقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ مُقَدَّمًا في السُّورَتَيْنِ، وأمّا السّادِسُ فَلِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ وأنَّ الواوَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى (نَغْفِرْ) في مُقابَلَةِ (قُولُوا) سَواءٌ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (وسَنَزِيدُ) في مُقابَلَةِ (وادْخُلُوا) سَواءٌ ذَكَرَ الواوَ أوْ تَرَكَ، وأمّا السّابِعُ فَلِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَ هُنا قَبْلَ (فَبَدَّلَ) ما يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ والتَّمْيِيزِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ إلَخْ، بِكافاتِ الخِطابِ، وصِيغَتِهِ، فاللّائِقُ حِينَئِذٍ أنْ يَذْكُرَ لَفْظَ (مِنهُمْ) أيْضًا، والجَوابُ الصَّحِيحُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ السُّؤالاتِ وما حاكاها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ لا بَأْسَ بِاخْتِلافِ العِبارَتَيْنِ، إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَناقُضٌ، ولا تَناقُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ وقَوْلِهِ: (وكُلُوا) لِأنَّهم إذا سَكَنُوا القَرْيَةَ فَتَسَبَّبَ سُكْناهم لِلْأكْلِ مِنها، فَقَدْ جَمَعُوا في الوُجُودِ بَيْنَ سُكْناها والأكْلِ مِنها، وسَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ، أوْ أخَّرُوها، فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، وتَرْكُ ذِكْرِ الرَّغَدِ لا يُناقِضُ إثْباتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ، والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ: ماذا بَعْدَ الغُفْرانِ؟
فَقِيلَ لَهُ: ﴿ سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ (مِنهُمْ) زِيادَةُ بَيانٍ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن دارٍ واحِدٍ، انْتَهى.
وبِالجُمْلَةِ التَّفَنُّنُ في التَّعْبِيرِ لَمْ يَزَلْ دَأْبَ البُلَغاءِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِ المُتَكَلِّمِ ما لا يَخْفى، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ، ومَن رامَ بَيانَ سِرٍّ لِكُلِّ ما وقَعَ فِيهِ مِنهُ، فَقَدْ رامَ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالكَشْفِ الصَّحِيحِ، والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، واللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَن يَشاءُ، وسُبْحانَ مَن لا يُحِيطُ بِأسْرارِ كِتابِهِ إلّا هو.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: وإذْ قُلْتُمْ لِمُوسى القَلْبِ: لَنْ نُؤْمِنَ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ حَتّى نَصِلَ إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ، والعَيانِ، فَأخَذَتْكم صاعِقَةُ المَوْتِ الَّذِي هو الفَناءُ، في التَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وأنْتُمْ تُراقِبُونَ، أوْ تُشاهِدُونَ، ثُمَّ بَعَثْناكم بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، والبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ والوُصُولِ بِالسُّلُوكِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وظَلَّلْنا عَلَيْكم غَمامَ تَجَلِّي الصِّفاتِ لِكَوْنِها حُجُبَ شَمْسِ الذّاتِ المُحْرِقَةِ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ، وأنْزَلْنا عَلَيْكم مِنَ الأحْوالِ والمَقاماتِ الذَّوْقِيَّةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الحَلاوَةِ، وإذْهابِ رَذائِلِ أخْلاقِ النَّفْسِ كالتَّوَكُّلِ والرِّضا وسَلْوى الحُكْمِ والمَعارِفِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَحْشُرُها عَلَيْكم رِيحُ الرَّحْمَةِ، والنَّفَحاتُ الإلَهِيَّةُ في تِيهِ الصِّفاتِ عِنْدَ سُلُوكِكم فِيها، فَتُسَلَّوْنَ بِذَلِكَ السَّلْوى، وتَنْسَوْنَ مِن لَذائِذِ الدُّنْيا كُلَّ ما يُشْتَهى، كُلُوا أيْ تَناوَلُوا، وتَلَقَّوْا هَذِهِ الطَّيِّباتِ الَّتِي رُزِقْتُمُوها حَسَبَ اسْتِعْدادِكُمْ، وأُعْطِيتُمُوها عَلى ما وعْدٍ لَكُمْ، وما ظَلَمُونا أيْ ما نَقَصُوا حُقُوقَنا وصِفاتِنا بِاحْتِجاجِهِمْ بِصِفاتِ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ كانُوا ناقِصِينَ حُقُوقَ أنْفُسِهِمْ بِحِرْمانِها، وخُسْرانِها، وهَذا هو الخُسْرانُ المُبِينُ، ﴿ وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ أيِ المَحَلَّ المُقَدَّسَ الَّذِي هو مَقامُ المُشاهَدَةِ، وادْخُلُوا البابَ الَّذِي هو الرِّضا بِالقَضاءِ، فَهو بابُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ سُجَّدًا مُنْحَنِينَ خاضِعِينَ لِما يَرِدُ عَلَيْكم مِنَ التَّجَلِّياتِ، واطْلُبُوا أنْ يَحُطَّ اللَّهُ تَعالى عَنْكم ذُنُوبَ صِفاتِكُمْ، وأخْلاقِكُمْ، وأفْعالِكُمْ، فَإنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ، (فَمَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)، ﴿ وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ أيِ المُشاهِدِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وهَلْ ذَلِكَ إلّا الكَشْفُ التّامُّ عَنِ الذّاتِ الأقْدَسِ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأضاعُوها، ووَضَعُوها في غَيْرِ مَوْضِعِها اللّائِقِ بِها، قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمُ ابْتِغاءً لِلْحُظُوظِ الفانِيَةِ والشَّهَواتِ الدَّنِيَّةِ، فَأنْزَلْنا عَلى الظّالِمِينَ خاصَّةً عَذابًا، وظُلْمَةً، وضِيقًا في سِجْنِ الطَّبِيعَةِ، وإسْرًا في وثاقِ التَّمَنِّي، وقَيْدِ الهَوى، وحِرْمانًا وذُلًّا بِمَحَبَّةِ المادِّيّاتِ السُّفْلِيَّةِ، والإعْراضِ عَنْ هاتِيكَ التَّجَلِّيّاتِ العَلِيَّةِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ قَهْرِ سَماءِ الرُّوحِ، ومَنعِ اللُّطْفِ والرَّوْحِ عَنْهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ الَّذِي لا يَأْمُرُ إلّا بِالهُدى، كَما ورَدَ في الأثَرِ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وإنْ أفْتاكَ المُفْتُونَ)، إلى طاعَةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ.
وهَذا هو البَلاءُ العَظِيمُ، والخَطْبُ الجَسِيمُ.
مَن كانَ يَرْغَبُ في السَّلامَةِ فَلْيَكُنْ أبَدًا مِنَ الحَدَقِ المِراضِ عِياذُهُ لا تَخْدَعَنَّكَ بِالفُتُورِ فَإنَّهُ ∗∗∗ نَظَرٌ يَضُرُّ بِقَلْبِكَ اسْتِلْذاذُهُ ؎إيّاكَ مِن طَمَعِ المُنى فَعَزِيزُهُ ∗∗∗ كَذَلِيلِهِ وغَنِيُّهُ شَحّاذُهُ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، قال الكلبي: يعني أريحا.
وقال مقاتل: إيليا.
ويقال: هذا كان بعد موت موسى- - وبعد مضي أربعين سنة، حيث أمر الله تعالى يوشع بن نون وكان خليفة موسى- عليهما السلام- بأن يدخل مع قومه المدينة، فقال لهم يوشع بن نون: ادخلوا الباب سجداً، يعني إذا دخلتم من باب المدينة فادخلوا ركعاً منحنين ناكسي رؤوسكم متواضعين، فيقوم ذلك منكم مقام السجود وذلك قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، يعني أريحا أو إيليا.
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، موسعاً عليكم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، أي ركعاً منحنين وَقُولُوا حِطَّةٌ.
قرأ بعضهم بالرفع وبعضهم بالنصب وهي قراءة شاذة، وإنما جعله نصباً لأنه مفعول.
ومن قرأ بالرفع معناه وقولوا حطة.
وروي عن قتادة أنه قال: تفسير حِطَّةٌ، يعني حطّ عنا خطايانا.
وقال بعضهم: معناه لا إله إلا الله.
وقال بعضهم: بسم الله.
وقال بعضهم: أمروا بأن يقولوا بهذا اللفظ ولا ندري ما معناه.
ثم قال: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام تَغْفِرْ بالتاء والضمة، لأن لفظ الخطايا مؤنث.
وقرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة يَغْفِرُ بالياء والضمة بلفظ التذكير، لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم.
وقرأ الباقون بالنون وكسر الفاء على معنى الإضافة إلى نفسه وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، ومعناه نغفر لكم خطايا الذين عبدوا العجل.
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، أي سنزيد في إحسان من لم يعبد العجل.
ويقال: نغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد، وسنزيد في إحسان من لم يرفع إلى الغد.
ويقال: نرفع خطايا من هو عاصٍ، وسنزيد في إحسان من هو محسن.
فلما دخلوا الباب خالفوا أمره.
وروى أبو هريرة عن النبيّ «أنَّهُمْ دَخَلُوا البَابَ يَزْحَفُونَ» .
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: دخلوا على أستاههم.
ويقال: دخلوا منحرفين على شق وجوههم، وقالوا: «احنطا سمفانا» يعني حنطة حمراء، بلغة القبط استهزاء وتبديلاً، وإنما قال ذلك سفهاؤهم، فذلك قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، أي غيروا ذلك القول وقالوا بخلاف ما قيل لهم.
قال الله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي غيروا رِجْزاً، أي عذاباً مِنَ السَّماءِ وهو موت الفجاءة.
وقال أبو روق: (الرجز) الطاعون.
ويقال مات منهم بالطاعون سبعون ألفاً.
ويقال: نزلت بهم نار فاحترقوا.
ويقال: وقع بينهم قتال فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضاً.
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي جزاء لفسقهم وعصيانهم.
ثم رجع إلى قصة موسى حين كانوا في التيه وأصابهم العطش فاستغاثوا بموسى، فدعا موسى ربه، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فَأخذ موسى حجراً مربعاً مثل رأس الإنسان، ووضعه في المخلاة بين يدي قومه، ضَرَبَ عَصَاهُ عَلَيْهِ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ماءً عذباً وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً لكل سبط منهم عين على حدة.
قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوسة قال: حدّثنا أبو القاسم، أحمد بن حمزة الصفار قال: حدّثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: تاه بنو إسرائيل في اثني عشر فرسخاً أربعين عاماً على غير ماء، وجعل لهم حجراً مثل رأس الثور، فإذا نزلوا منزلاً وضعوه فضربه موسى بعصاه.
<div class="verse-tafsir"
لتغليظه لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية.
انتهى.
وقوله تعالى: كُلُوا ...
الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ.
ص «١» : وقوله: وَما ظَلَمُونا: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي:
فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه.
انتهى.
ت: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير ...
» إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإنه لا يجوز.
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ.
الْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور.
وقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة «٢» : كانت
قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج «١» عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ.
ت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٥] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر»
.
انتهى.
وفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَداً.
والْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة «٣» ، وسُجَّداً: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً «٤» ، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء «٥» كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ «٦» ، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم «٧» .
ت: قال أحمد بن نصرٍ «٨» الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره» : «وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سار
مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى.
وحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ.
وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا.
وقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ...
الآية.
روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة «١» .
وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد صلّى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم.
انتهى.
والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس «٢» : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألفا.
واسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] ، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس
الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ «١» ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار.
وأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام.
وقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ...
الآية.
ت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ «٢» .
انتهى.
والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها.
وَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ.
ص «٣» : مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا» : معناه: / لا تفسدوا.
٢٢ ب انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ، أمَرَهم في دُخُولِهِمْ بِفِعْلٍ وقَوْلٍ، فالفِعْلُ السُّجُودُ، والقَوْلُ: حِطَّةٌ، فَغَيَّرَ القَوْمُ الفِعْلَ والقَوْلَ.
فَأمّا تَغْيِيرُ الفِعْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّهم دَخَلُوا مُتَزَحِّفِينَ عَلى أوْراكِهِمْ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّانِي: أنَّهم دَخَلُوا مِن قِبَلِ أسْتاهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم دَخَلُوا عَلى حُرُوفِ عُيُونِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهم دَخَلُوا مُسْتَلْقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَأمّا تَغْيِيرُ القَوْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّهم قالُوا مَكانَ "حِطَّةٍ" حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم قالُوا: حَبَّةُ حِنْطَةٍ مَثْقُوبَةٍ فِيها شُعَيْرَةٌ سَوْداءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والخامِسُ: أنَّهم قالُوا: سَنْبَلاثا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
فَأمّا الرِّجْزُ؛ فَهو العَذابُ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
وأنْشَدُوا لِرُؤْيَةٍ: حَتّى وقُمْنا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ وَفِي ماهِيَّةِ هَذا العَذابُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ، ماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ، أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وهَلَكَ سَبْعُونَ ألْفًا عُقُوبَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أصابَهُمُ الطّاعُونُ، عُذِّبُوا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ماتُوا، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ، هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا جاؤُوا البابَ دَخَلُوا مِن قِبَلِ أدْبارِهِمُ القَهْقَرى، وفي الحَدِيثِ أنَّهم دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وبَدَّلُوا، فَقالُوا حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: قالُوا: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، وقِيلَ: شُعَيْرَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: "حَطِّي شَمَقاثا أزِبَةَ"، وتَفْسِيرُهُ ما تَقَدَّمَ.
والرِجْزُ: العَذابُ.
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وغَيْرُهُما: إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ عَلى الَّذِينَ بَدَّلُوا ودَخَلُوا عَلى غَيْرِ ما أمَرُوا الطاعُونَ فَأذْهَبَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أماتَ اللهُ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ ألْفًا، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "رِجْزًا" بَعْضُهُمُ الراءُ وهي لُغَةٌ في العَذابِ والرِجْزُ أيْضًا اسْمُ صَنَمٍ مَشْهُورٍ، والباءُ في قَوْلِهِ "بِما" مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "فَأنْزَلْنا"، وهي باءُ السَبَبِ.
و"يَفْسُقُونَ" مَعْناهُ يَخْرُجُونَ عن طاعَةِ اللهِ.
وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، "يَفْسُقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ، يُقالُ: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، و"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ"، و"اسْتَسْقى" مَعْناهُ: طَلَبَ السُقْيا، وعَرَفَ اسْتَفْعَلَ طَلَبَ الشَيْءِ، وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْنى اللهُ ﴾ ، بِمَعْنى غَنِيٌّ، وقَوْلُهُمْ: اسْتَعْجَبَ بِمَعْنى عَجَبَ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِهِمْ: "اسْتَنْسَرَ البُغاثُ"، و"اسْتَنْوَقَ الجُمَلُ"، إذْ هي بِمَعْنى انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ.
وكانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في فَحْصِ التِيهِ فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِضَرْبِ الحَجَرِ آيَةً مِنهُ، وكانَ الحَجَرُ مِن جَبَلِ الطُورِ عَلى قَدْرِ رَأْسِ الشاةِ يُلْقى في كَسْرِ جَوالِقَ ويَرْحَلُ بِهِ، فَإذا نَزَلُوا وُضِعَ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وضَرْبَهُ مُوسى.
وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَ الحَجَرَ لَكِنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ في مَنزِلَتِهِ مِنَ المَرْحَلَةِ الأُولى، وهَذا أعْظَمُ في الآيَةِ.
ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُنْفَصِلًا مُرَبَّعًا تَطْرُدُ مِن كُلِّ جِهَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ ورَحَلُوا جَفَّتِ العُيُونُ.
وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَهُ "فانْفَجَرَتْ"، والِانْفِجارُ: انْصِداعُ شَيْءٍ عن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والِانْبِجاسُ في الماءِ أقَلُّ مِنَ الِانْفِجارِ.
و"اثْنَتا" مُعْرَبَةٌ دُونَ أخَواتِها لِصِحَّةِ مَعْنى التَثْنِيَةِ، وإنَّما يُبْنى واحِدٌ مَعَ واحِدٍ، وهَذِهِ إنَّما هي اثْنانِ مَعَ واحِدٍ، فَلَوْ بُنِيَتْ لَرَدَّ ثَلاثَةٌ واحِدًا، وجازَ اجْتِماعُ عَلامَتَيِ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: ﴿ اثْنَتا عَشْرَةَ ﴾ لِبُعْدِ العَلامَةِ مِنَ العَلامَةِ، ولِأنَّهُما في شَيْئَيْنِ، وإنَّما مُنِعَ ذَلِكَ في شَيْءٍ واحِدٍ نَحْوُ "مُسْلِماتٍ" وغَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وغَيْرُهُما: "عَشْرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرٍو، والأشْهُرُ عنهُ الإسْكانُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهو نادِرٌ لِأنَّهم يُخَفِّفُونَ كَثِيرًا وثَقَّلُوا في هَذِهِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "عَشَرَةَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ورُوِيَ عنهُ كَسْرُها وتَسْكِينُها، والإسْكانُ لُغَةُ الحِجازِ.
و"عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والعَيْنُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، وهي هُنا مَنبَعُ الماءِ.
و"أُناسٍ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ هُنا: كُلُّ سِبْطٍ؛ لِأنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وهم ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْرَبُ المَفْعَلُ مَوْضِعُ الشُرْبِ، كالمُشَرِّعِ مَوْضِعُ الشُرُوعِ في الماءِ، وكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها.
وفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا المَنَّ والسَلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُنْفَجِرَ مِنَ الحَجَرِ المُنْفَصِلِ: وبِهَذِهِ الأحْوالِ حَسُنَتْ إضافَةُ الرِزْقِ إلى اللهِ وإلّا فالجَمِيعُ رُزِقَهُ، وإنْ كانَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لِلْعَبْدِ.
"وَلا تَعْثَوْا" مَعْناهُ: ولا تُفَرِّطُوا في الفَسادِ، يُقالُ: عَثى الرَجُلُ يَعْثِي عَثْوًا وعَثِيَ يَعْثى عُثْيًا إذا أفْسَدَ أشَدَّ فَسادٍ، والأُولى هي لُغَةُ القُرْآنِ، والثانِيَةُ شاذَّةٌ.
وتَقُولُ العَرَبُ: عَثا يَعْثُو عَثْوًا، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ لِأنَّها تُوجِبُ ضَمَّ الثاءِ مَن "تَعْثَوْا، وتَقُولُ العَرَبُ: عاثَ يَعِيثُ إذا أفْسَدَ، وعَثَّ يَعِثُّ كَذَلِكَ، ومِنهُ عَثَّةُ الصُوفِ وهي السُوسَةُ الَّتِي تَلْحَسُهُ، و"مُفْسِدِينَ" حالٌ.
وتَكَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ.
وفِي هَذِهِ الكَلِماتِ إباحَةُ النِعَمِ، وتَعْدادُها، والتَقَدُّمُ في المَعاصِي، والنَهْيِ عنها.
<div class="verse-tafsir"
هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها.
وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب.
قال الشيخ ابن عطاء الله: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها.
ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصاراً ترك كثيراً من المفسرين فيها حيارى، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم بعضها بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر، وربما خالف جميعها ما وقع في أيام أخر.
والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة تضمنتها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر فأرسل موسى اثني عشر رجلاً ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوماً وأخبروا موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقاً تفيض لبناً وعسلاً غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جداً فأمر موسى كالباً فأنصت إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعاً وكالباً وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم.
فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية سورة [المائدة: 21، 25] ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله الفاسقين ﴾ فقوله: ادخلوا هذه القرية } الظاهر أنه أراد بها «حبرون» التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها، وقيل: أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله: ﴿ وادخلوا الباب ﴾ وإن كان الباب يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم ذلك مع قوله: ﴿ فكلوا منها حيث شئم رغداً ﴾ يشير إلى الثمار الكثيرة هناك.
وقوله: ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بَفُنَّة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة الأعراف (162) ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم قولاً ﴾ أي من الذين قيل لهم ادخلوا القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة الجواسيس، وينتظم ذلك أيضاً مع قوله في آية المائدة (21، 22) ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين إلخ وقوله: ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ﴾ [المائدة: 23] فإن الباب يناسب القرية.
وقوله: ﴿ قال فإنها محرمة عليهم ﴾ [المائدة: 26].
فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح.
فقوله: ﴿ وإذ قلنا ﴾ أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب بن بَفُنَّة، وهذاهو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ﴾ الآيات.
وعلى هذا الوجه فقوله: ﴿ ادخلوا ﴾ إما أمر بدخول قرية قريبة منهم وهي «حبرون» لتكون مركزاً أولاً لهم، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه آية المائدة إذ قال: ﴿ ادخلوا الأرض المقدسة ﴾ إلى قوله ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ فإن الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب كما قال تعالى: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15].
ولعل في الإشارة بكلمة ﴿ هذه ﴾ المفيدة للقرب ما يرجح أن القرية هي حبرون التي طلع إليها جواسيسهم.
والقرية بفتح القاف لا غير على الأصح البلدة المشتملة على المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة من القَرْي بفتح فسكون وبالياء وهو الجمع يقال: قَرى الشيء يَقريه إذا جمعه وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار والأبواب كما أريد بها هنا بدليل قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ .
وجمع القرية قُرى بضم القاف على غير قياس لأن قياس فُعَل أن يكون جمعاً لِفعْلة بكسر الفاء مثل كسوة وكُسى وقياس جمع قرية أن يكون على قِراء بكسر القاف وبالمد كما قالوا: رَكوة وركاء وشكوة وشكاء.
وقوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ مراد به باب القرية لأن أل متعينة للعوضية عن المضاف إليه الدال عليه اللفظ المتقدم.
ومعنى السجود عند الدخول الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له.
والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره.
وقوله: ﴿ وقولوا حطة ﴾ الحطة فعلة من الحط وهو الخفض وأصل الصيغة أن تدل على الهيئة ولكنها هنا مراد بها مطلق المصدر، والظاهر أن هذا القول كان معروفاً في ذلك المكان للدلالة على العجز أو هو من أقوال السُّؤَّال والشحاذين كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً ولا يأخذوا حذراً منهم فيكون القول الذي أمروا به قولاً يخاطبون به أهل القرية.
وقيل: المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية.
وقيل: من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب.
وهذان التأويلان بعيدان ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو رحمه الله ويرحمه الله.
و (حطة) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل.
والخطايا جمع خطيئة ولامها مهموزة فقياس جمعها خطائِيء بهمزتين بوزن فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة أو لأن في الهمزتين ثِقلاً فخففوا الأخيرة منهما ياء ثم قلبوها ألفاً إما لاجتماع ثقل الياء مع ثقل صيغة الجمع وإما لأنه لما أشبه جائي استحق التخفيف ولكنهم لم يعاملوه معاملة جائي لأن همزة جائي زائدة وهمزة خطائيء أصلية ففروا بتخفيفه إلى قلب الياء ألفاً كما فعلوا في يتامى ووجدوا له في الأسماء الصحيحة نظيراً وهو طَهارَى جمع طَاهرة.
والخطيئة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها مخطوء بها أي مسلوك بها مسلك الخطأ أشاروا إلى أنها فعل يحق أن لا يقع فيه فاعله إلا خطأ فهي الذنب والمعصية.
وقوله: ﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة ولذلك حذف مفعول (نزيد).
والواو عاطفة جملة ﴿ سنزيد ﴾ على جملة ﴿ قلنا ادخلوا ﴾ أي وقلنا سنزيد المحسنين؛ لأن جملة ﴿ سنزيد ﴾ حكيت في سورة الأعراف (161) مستأنفة فعلم أنها تعبر عن نظير لها في الكلام الذي خاطب الله به موسى على معنى الترقي في التفضل فلما حكيت هنا عطفت عطف القول على القول.
وقوله: فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} أي بدل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو عليهم فقالوا لهم: لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء وهو الطاعون.
وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوَى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم.
ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم.
وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً ﴾ ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق.
وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية، وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل ﴿ قيل ﴾ إلى المجهول إيجازاً.
فقولاً مفعول أو لبدَّل، و ﴿ غير الذي قيل ﴾ مفعول ثان لأن (بدل) يتعدى إلى مفعولين من باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلَبه ثوبه.
قال أبو الشيص: بُدِّلْتُ من بُرْد الشباب ملاءة *** خَلَقاً وبئس مثوبة المقتاض وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هيناً.
يوقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدَّلوا به أنهم قالوا: حبة في شَعَرة أو في شعيرة، والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزؤا بالكلام الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشَعَرة أي في التعذر، أو هو كأكل حبة مع شَعَرة تخنق آكلها، أو حَبَّة من بُرّ مع شعيرة.
وقوله: ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ وقوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا ﴾ اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدَّلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة.
وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقاً، وفي المثل «على أهلها تجني براقش» وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم فاستأصلوهم فضربت مثلاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ : اخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها (أرِيحا) قُرْبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ اخْتَلَفُوا في البابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بابُ حِطَّةٍ وهو البابُ الثّامِنُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ بابُ القَرْيَةِ، الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِها.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: رُكَّعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ.
وَأصْلُ السُّجُودِ الِانْحِناءُ تَعْظِيمًا لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وخُضُوعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: بَجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَقالَ أعْشى قَيْسٍ: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا حِوارا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّ (حِطَّةً) المَغْفِرَةُ، فَكَأنَّهُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هو قَوْلُهُمْ: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكُمْ، وهو رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ: حُطَّ عَنّا خَطايانا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وهو أشْبَهُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ أيْ نَرْحَمْكُمْ، ونَسْتُرْها عَلَيْكُمْ، فَلا نَفْضَحُكم بِالعُقُوبَةِ عَلَيْها.
والخَطَأُ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ: خَطِئَ الشَّيْءَ خَطَأً، إذا أصابَهُ ولَمْ يُرِدْهُ، وأخْطَأ يُخْطِئُ، إذا أرادَهُ ولَمْ يُصِبْهُ، فالأوَّلُ خاطِئٌ والثّانِي مُخْطِئٌ.
وَأصْلُ المَغْفِرَةِ: التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ; ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الحَدِيدِ: مِغْفَرٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ وتُجِنُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ولا أعْتِبُ ابْنَ العَمِّ إنْ كانَ مُخْطِئًا ∗∗∗ وأغْفِرُ عَنْهُ الجَهْلَ إنْ كانَ جاهِلا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَدَّلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وأنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، فَقالُوا: حِنْطَةٌ في شَعِيرٍ، مُسْتَهْزِئِينَ بِذَلِكَ.
﴿ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ ﴾ : وفي الرِّجْزِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعُونُ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَهُمْ، وبَقِيَ الأبْناءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أن بأرض فلا تدخلوها» .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: الرجز الغضب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ الآية.
(التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ ، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا (١) (٢) وقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ .
أظهر الكناية هاهنا تأكيدا (٤) ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ﴾ .
والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال: لَا (٥) (٦) أراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية.
وأنشد ابن الأنباري: فَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ...
وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ (٧) أراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء.
والرجز: العذاب (٨) (٩) كَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ (١٠) حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ (١١) ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ ﴾ ، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ﴾ (١٢) وقوله: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ ، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب (١٣) قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع (١٤) (١٥) (١٦) فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته (١٧) (١٨) قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا (١٩) (١) في (ب): (وهو).
(٢) انظر الآثار عنهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 302 - 305، وكذا في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، ولم يرد عندهما عن سعيد، انظر "زاد المسير" 1/ 86، "تفسير ابن كثير" 1/ 106.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110.
(٤) قال الزمخشري: (وفي تكرير (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وقد جاء في سورة الأعراف بالإضمار)، "الكشاف" 1/ 283، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 354، "الدر المصون" 1/ 381.
(٥) في (ج): (ألا ترى).
(٦) البيت نسب لعدي بن زيد، ونسبه بعضهم لسواد بن عدي، وبعضهم لأمية بن أبي الصلت.
وهو من "شواهد سيبويه" 1/ 62، وانظر "شرح شواهد سيبويه" للسيرافي 1/ 125، "الخصائص" 3/ 53، "الإملاء" 1/ 45، "تفسير القرطبي" 1/ 355، "مغني اللبيب" 2/ 500، "الخزانة" 1/ 378، 379، 6/ 90، 11/ 366، "اللسان" (نغص) 8/ 4488، "الدر المصون" 1/ 381، "فتح القدير" 1/ 141.
(٧) ورد البيت في "همع الهوامع" 1/ 301، و"الدر اللوامع على همع الهوامع" و"شرح شواهد المغني" للسيوطي: قال: قيل: إنه لمجنون ليلى، وبحثت عنه في شعر مجنون ليلى، الذي جمعه عبد الستار أحمد فرج، ولم أجده، والله أعلم.
(٨) انظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 70، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 43، "العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 76.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(١٠) في (ج): (رجز).
(١١) الرجز ورد في "الزاهر" 2/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، وورد الثاني في "تهذيب اللغة"، وبعده بيت آخر (جرز) 1/ 580، وكذا في "اللسان" (جزر) == 1/ 597، وفي "زاد المسير" 1/ 86، "البحر المحيط" 1/ 218، وفي ديوان رؤبة ص 64.
ومعنى (مبزي) أي: متفاخر، (وقمنا): رددنا كيده.
(١٢) في (أ)، (ج): (وليذهب) تصحيف.
(١٣) انظر "الوسيط" 1/ 115، "مفردات الراغب" ص 188.
(١٤) ذكره الأزهري عن الليث.
"تهذيب" (رجز) 2/ 1356، وانظر: "مفردات الراغب" ص 187.
(١٥) في (ج): (ويستمر).
(١٦) انظر: "اللسان" (رجز) 3/ 1588.
(١٧) في (ب): (لشدة).
(١٨) قال الأزهري: (قال أبو إسحاق: ومعنى الرجز في العذاب.
وهو العذاب المقلقل ...) "التهذيب" (رجز) 2/ 1365 "اللسان" (رجز) 3/ 1588.
(١٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 75 ب، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 76، ولم أجده منسوبا للضحاك فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
قال ابن جرير بعد أن ذكر الآثار في معنى الآية: (وقد دللنا على أن تأويل (الرجز) العذاب، وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة.
وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون طاعونًا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، أي الأصناف ذلك كان) الطبري في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "البحر المحيط" 1/ 225.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبَدَّلَ ﴾ روي أنه قالوا: حنطة، وروي: حبة في شعرة ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني المذكورين، وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمّهم بالظلم، وكرره زيادة في تقبيح أمرهم ﴿ رِجْزاً ﴾ روي أنهم أصابهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغفر لكم ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وجبلة.
﴿ تغفر لكم ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الفاء: ابن عامر وأبو زيد عن المفضل.
الباقون ﴿ نغفر ﴾ بالنون وكسر الفاء ﴿ يغفر لكم ﴾ مدغماً كل القرآن: أبو عمرو.
﴿ خطاياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي ﴿ قولاً غير ﴾ بالإخفاء: يزيد وأبو نشيط عن قالون، وكذلك يخفيان النون والتنوين عند الخاء والغين سواء وسط الكلمة أو أولها.
الوقوف: ﴿ خطاياكم ﴾ (ط) ﴿ المحسنين ﴾ (ه) ﴿ يفسقون ﴾ (ه).
التفسير: القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت.
وبهذا الاعتبار كثيراً ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير قياس.
وإنما قياسه من المعتل اللام "فعال" نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي.
وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح.
والقرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء من قرى الشام.
أمروا بدخولها بعد التيه.
والباب باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعاً وشكراً لله .
وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات وخشوع.
وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك.
و ﴿ حطة ﴾ فعلة من الحط كالجلسة خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله: شكــا إلــيّ جملــي طــول الســرى *** يــا جملــي ليــس إلــيّ المشتكــى صبــر جميــــل فكـــــلانـــا مبتلــــى *** الأصل صبراً أي أصبر صبراً.
كان القوم أمروا أن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرّف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها.
وأصل الغفر الستر والتغطية.
ومعنى القراءات في ﴿ نغفر لكم ﴾ واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله.
والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث.
والخطء الذنب قال ﴿ إن قتلهم كان خطأ كبيراً ﴾ تقول منه خطئ يخطأ خطأً وخطأة على فعلة.
والاسم الخطيئة على "فعيلة" وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت الهمزة ألفاً فانفتحت الياء لأجلها.
﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي سنزيدهم إحساناً أو ثواباً أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر التكاليف.
وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثواباً جزيلاً.
وعلى الثاني فالمعنى أنّا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم ﴿ حطة ﴾ مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثواباً.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سبباً لغفرانه، ومن محسن تصير سبباً لزيادة ثوابه قوله ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم.
يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه والآخر بالباء.
والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو الموجود.
ويجوز أن يكون "بدل" بمعنى "قال"، لأن تبديل القول يكون بقول.
والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله.
وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف عنا ونحو ذلك.
وقيل: قالوا مكان حطة حنطة.
وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين حطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" وفي تكرير ﴿ الذين ظلموا ﴾ ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ما أمروا به.
والرجز العذاب.
عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة.
وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي عشرون ألفاً.
وقيل: سبعون ألفاً.
ومعنى ﴿ من السماء ﴾ يحتمل أن يكون شيئاً نازلاً من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر النازل من عند الله تفظيعاً لشأن العذاب.
والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ إما الظلم المذكور وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل.
ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك التبديل مستمراً إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة "كانوا" تنبئ عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها الاستمرار.
فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا.
وربما احتج أصحاب الشافعي بقوله ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد به التوقيف من الأذكار بغيرها.
وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم.
فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك.
ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا.
(أسئلة) لم قال في "البقرة" ﴿ وإذ قلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وإذ قيل ﴾ لأنه صرح بالقائل في أول القرآن إزالة للإبهام، ولأن الكلام مرتب على قوله ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ وفي "الأعراف" لم يبق الإبهام.
ولم قال ههنا ﴿ ادخلوا ﴾ وهناك ﴿ اسكنوا ﴾ ؟
لأن الدخول مقدم على السكون، "والبقرة" مقدمة في الذكر على "الأعراف".
ولم قال في "البقرة" ﴿ فكلوا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وكلوا ﴾ بالواو؟
لما بينا في قوله ﴿ وكلا منها رغداً ﴾ .
ولم قال في "البقرة" ﴿ خطاياكم ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ خطيئاتكم ﴾ ؟
لأن الخطايا جمع الكثرة، والخطيئات جمع السلامة للقلة، وقد أضاف القول ههنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجباً.
ولمثل هذا الجواب ذكر ههنا ﴿ رغداً ﴾ ليدل على الإنعام الأتم، ولم يذكر في "الأعراف"، ولم قال ههنا ﴿ وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ﴾ وفي "الأعراف" بالعكس؟
لأن الواو للجمع المطلق، ولأن المخاطبين صنفان: محسن ومذنب.
واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب.
واللائق بالمسيء عكس ذلك، ولأنه ذكر في هذه السورة ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ فقدم كيفية الدخول.
ولم قال في "البقرة" ﴿ وسنزيد ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ سنزيد ﴾ ؟
لأنه في "الأعراف" ذكر امرين: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة.
ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة، فترك الواو ليفيا توزيع الجزاءين على الشرطين.
وفي "البقرة" وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين، أعني دخول الباب وقول الحطة، فاحتيج إلى الواو وأيضاً الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله ﴿ وإذ قلنا ﴾ وبين قوله ﴿ وسنزيد ﴾ بخلاف "الأعراف" لأن اللائق به في الظاهر سيزاد، فحذف الواو ليكون استئنافاً للكلام.
وما الفائدة في زيادة كلمة ﴿ منهم ﴾ في الأعراف؟
لأن أول القصة مبني على التخصيص ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم، فلما انتهت القصة قال ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم ﴾ فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك.
لم قال في "البقرة" ﴿ فأنزلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ فأرسلنا ﴾ لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
وقيل: لأن لفظ الإرسال في "الأعراف" أكثر فَرُوعي التناسب.
لم قال في "البقرة" ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ يظلمون ﴾ لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقاً اكتفى بذلك البيان في "الأعراف".
وأيضاً إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة الله ، فوصفهم بالأمرين في موضعين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ .
وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً.
وقوله عز وجل: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ .
قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم.
وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهاً إلى اتخاذ خالقكم إلهاً.
وقوله عز وجل: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
قال الفقيه أَبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أَنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع.
دليله قوله عز وجل: - ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل.
وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم.
ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قتل سبعون أَلفاً في يوم واحد.
وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوماً إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا.
فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاءِ في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.
ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل إلهاً، وبعبادتهم إياه دون الله.
وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه.
فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
ثم صرْف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من الله - - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان.
ولله أَن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أَنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ الآية: [النساء: 66] على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإِماتة.
فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس له.
فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم.
والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأَنها دار محنة.
وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، والله أعلم.
ثم قيل في قوله: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأَن قد قتلوا أَنفسهم.
ويجوز أَن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أَمراً بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ...
﴾ الآية [التوبة: 111] مذكور ذلك في التوراة.
وكذا قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم.
وقد قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأَنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأْويل خَرَّج أَبو بكر قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
والله الموفق.
وقيل: أمر بعضاً بقتل بعض، كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً ﴾ أَي: يسلم بعضهم على بعض.
وقيل: أَمر كلَّ من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ .
قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم.
وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل.
ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم.
وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة - فيه وجهان: أَحدهما: أَنه كأَنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب.
وذلك أَن موسى استنقذهم من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته.
ثم - مع ما أَراهم من الآيات - إذا فارقهم، دعاهم السامري إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه.
وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي ﴾ ، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم.
فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا.
فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، والله أَعلم، ونحو ذلك قوله: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ .
وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلاً عن المستدل عليه، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف.
كما روي أن امرأَة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأَشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل.
فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلاً - لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أَنَّه أَنزلها عليك.
ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عياناً.
فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية.
قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.
وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها.
وذلك أَن موسى - - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا.
وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه.
وكذلك ما روي في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله حيث قالوا: أَنرى ربنا؟
لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا.
وإنما أَخذ هؤلاء الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت.
دليل التعنت، فما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، والله أعلم.
أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ ، لا بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
وسنذكر هذه المسألة فى موضعها، إن شاءَ الله .
وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ .
قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك.
لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.
وهلاك العقل والذهن، كقوله: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ﴾ قيل: مغشيّاً.
وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أَي غشى.
والله أعلم.
وقيل: الصعقة: صياح شديد.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ - الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عياناً جهاراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم.
ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون.
مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.
ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم.
وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.
وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...
﴾ الآية.
وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.
وقَدْ يحتمل وجهاً آخر: وهو النقصان؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص منه.
وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .
اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .
أُمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.
وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.
غير أَن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ .
والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.
وقوله: ﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ .
يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.
ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز، يقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن: كونه في أَمر هو فيه.
وقوله: ﴿ سُجَّداً ﴾ .
يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان.
ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ .
ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي عن أَبي هريرة - - عن رسول الله قال: "إنَّ بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجداً فدخلوا منحرفين" فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.
ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاةً؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.
ويحتمل الأَمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ﴾ .
قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأَنهم أمروا بالإيمان والإسلام.
وقيل: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ : أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأَنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم.
وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما.
ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأَرسلنا - والقصة واحدة - حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والأَلسن تغيير المعنى والمراد.
وأَن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والأَلفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك.
ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، وكان كافراً إلى ذلك الوقت.
والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...
﴾ الآية [الليل: 5].
ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ...
﴾ الآية [القصص: 54].
وقوله: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ .
قوله: "بَدَّلَ" يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عز وجل.
ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم.
ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟
وليس لنا - إلى معرفة ذلك القول - حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى الله بيان ذلك بفضله، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل: "الرجز" هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأَن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره.
ومنه عذاب ينزل من السماء - لا على أَيدي أَحد - نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما.
وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
مرة ذكر "يَفْسُقُونَ"، ومرة ذكر "يَظْلِمُونَ"، وهو واحد.
وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة محمد وإِثباتُ نبوته.
وذلك أَن أَهل لكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول الله يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول الله والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأَول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...
﴾ الآية [الأحقاف: 35].
<div class="verse-tafsir"
فما كان من الذين ظلموا منهم إلا أن بدلوا العمل، وحرّفوا القول، فدخلوا يزحفون على أدبارهم، وقالوا: حَبَّة في شعرة، مستهزئين بأمر الله تعالى؛ فكان الجزاء أن أنزل الله على الظالمين منهم عذابًا من السماء بسبب خروجهم عن حد الشرع ومخالفة الأمر.
<div class="verse-tafsir" id="91.5YJKA"
المراد بالقرية ما هو أوسع من البلدة، وهي في الأصل اسم لمجتمع الناس ومسكن النمل الذي يبنيه، ومادتها تدل على الاجتماع، ومنها قريت الماء في الحوض إذا جمعته.
وأطلقت على الأمة نفسها.
ثم غلب استعمالها في البلاد الصغيرة، ولا يصح هنا، فإن الرغد لا يتيسر للإنسان كما يشاء إلا في المدن الواسعة الحضارة.
ونحن نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله ونعمه وأفضاله وهو معنى السجود وروحه المراد هنا.
وأما صورة السجود من وضع الجباه على الأرض فلا يصح أن تكون مرادة لأنها سكون، والدخول حركة، وهما لا يجتمعان.
والمراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم.
وتبديل القول بغيره عبارة عن المخالفة كأن الذي يؤمر بالشيء فيخالف قد أنكر أنه أمر به وادعى أنه أمر بخلافه، يقال بدلت قولًا غير الذي قيل، أي جئت بذلك القول مكان القول الأول.
وهذا التعبير أدل على المخالفة والعصيان من كل تعبير خلافًا لما يتراءى لغير البلغ من أن الظاهر أن يقال: بدلوا القول بغيره دون أن يقال: غير الذي قيل لهم، فإن مخالف أمر سيده قد يخالفه على سبيل التأويل مع الاعتراف به، فكأنه يقول في الآية خالفوا الأمر خلافًا لا يقبل التأويل، حتى كأنه قيل لهم غير الذي قيل.
وليس المعنى أنهم أمروا بحركة يأتونها، وكلمة يقولونها، وتعبدوا بذلك وجعل سببًا لغفران الخطايا عنهم فقالوا غيره وخالفوا الأمر، وكانوا من الفاسقين.
وأي شيء أسهل على المكلف من الكلام يحرك به لسانه، وقد اخترع أهل الأديان من ذلك ما لم يكلفوا قوله لسهولة القول على ألسنتهم، فكيف يقال أمر هؤلاء بكلمة يقولونها فعصوا بتركها؟
إنما يعصي العاصي إذا كلف ما يثقل على نفسه ويحملها على غير ما اعتادت، وأشق التكاليف حمل العقول على أن تفكر في غير ما عرفت، وحث النفوس على أن تتكيف بغير ما تكيفت.
وذهب المفسر (الجلال) إلى ترجيح اللفظ على المعنى والصورة على الروح ففسر السجود ككثيرين غيره بالانحناء، وقال إنهم أمروا بأن يقولوا ﴿ حِطَّةٌ ﴾ فدخلوا زحفًا على أستاهم وقالوا: حبة في شعيرة: أي إننا نحتاج إلى الأكل.
ومنشأ هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية، ولليهود في هذا المقام كلام كثير وتأويلات خدع بها المفسرون ولا نجيز حشوها في تفسير كلام الله تعالى.
ويدل قوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصًا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه.
وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المُظهر موضع المُضمر فقال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولم يقل فأنزلنا عليهم، ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عامًا كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيده آخر وهو قوله : ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه.
ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أبهمه القرآن.
وقال المفسر وغيره إنه الطاعون، واحتج بعضهن عليه بقوله تعالى: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ وهو كما تراه.
والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز.
وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم، ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه، ونبهم ما أبهمه ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"