الآية ٨٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٣ من سورة البقرة

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 160 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر ، وأخذ ميثاقهم على ذلك ، وأنهم تولوا عن ذلك كله ، وأعرضوا قصدا وعمدا ، وهم يعرفونه ويذكرونه ، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا .

وبهذا أمر جميع خلقه ، ولذلك خلقهم كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها ، وهو حق الله تعالى ، أن يعبد وحده لا شريك له ، ثم بعده حق المخلوقين ، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين ، كما قال تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [ لقمان : 14 ] وقال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) الآية إلى أن قال : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) [ الإسراء : 23 - 26 ] وفي الصحيحين ، عن ابن مسعود ، قلت : يا رسول الله ، أي العمل أفضل ؟

قال : " الصلاة على وقتها " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " بر الوالدين " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " الجهاد في سبيل الله " .

ولهذا جاء في الحديث الصحيح : أن رجلا قال : يا رسول الله ، من أبر ؟

قال : " أمك " .

قال : ثم من ؟

قال : " أمك " .

قال : ثم من ؟

قال : " أباك .

ثم أدناك أدناك " .

[ وقوله : ( لا تعبدون إلا الله ) قال الزمخشري : خبر بمعنى الطلب ، وهو آكد .

وقيل : كان أصله : ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف فحذفت أن فارتفع ، وحكي عن أبي وابن مسعود ، رضي الله عنهما ، أنهما قرآها : " لا تعبدوا إلا الله " .

وقيل : ( لا تعبدون ) مرفوع على أنه قسم ، أي : والله لا تعبدون إلا الله ، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه .

وقال : اختاره المبرد والكسائي والفراء ] .

قال : ( واليتامى ) وهم : الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء .

[ وقال أهل اللغة : اليتيم في بني آدم من الآباء ، وفي البهائم من الأم ، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا ] ( والمساكين ) الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم ، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء ، التي أمرنا الله تعالى بها صريحا في قوله : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) الآية [ النساء : 36 ] .

وقوله تعالى : ( وقولوا للناس حسنا ) أي : كلموهم طيبا ، ولينوا لهم جانبا ، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف ، كما قال الحسن البصري في قوله : ( وقولوا للناس حسنا ) فالحسن من القول : يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحلم ، ويعفو ، ويصفح ، ويقول للناس حسنا كما قال الله ، وهو كل خلق حسن رضيه الله .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا أبو عامر الخزاز ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تحقرن من المعروف شيئا ، وإن لم تجد فالق‏ أخاك بوجه منطلق " .

وأخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذي [ وصححه ] من حديث أبي عامر الخزاز ، واسمه صالح بن رستم ، به .

وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا ، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل ، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي .

ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك ، وهو الصلاة والزكاة ، فقال : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله ، أي : تركوه وراء ظهورهم ، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به ، إلا القليل منهم ، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء ، بقوله : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) [ النساء : 36 ] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها ، ولله الحمد والمنة .

ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا عبد الله بن يوسف يعني التنيسي حدثنا خالد بن صبيح ، عن حميد بن عقبة ، عن أسد بن وداعة : أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديا ولا نصرانيا إلا سلم عليه ، فقيل له : ما شأنك ؟

تسلم على اليهودي والنصراني .

فقال : إن الله يقول : ( وقولوا للناس حسنا ) وهو : السلام .

قال : وروي عن عطاء الخراساني ، نحوه .

قلت : وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ قال أبو جعفر: قد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن " الميثاق "" مفعال " من " التوثق باليمين " ونحوها من الأمور التي تؤكد القول.

(48) فمعنى الكلام إذًا: واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل، إذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، كما:- 1447 - حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) -أي ميثاقكم-(لا تعبدون إلا الله).

* * * قال أبو جعفر: والقَرَأَة مختلفة في قراءة قوله (49) (لا تعبدون).

فبعضهم يقرؤها بالتاء, وبعضهم يقرؤها بالياء, والمعنى في ذلك واحد.

وإنما جازت القراءة بالياء والتاء، وأن يقال (لا تعبدون) و (لا يعبدون) وهم غَيَب، (50) لأن أخذ الميثاق، بمعنى الاستحلاف.

فكما تقول: " استحلفت أخاك ليقومن " فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك.

وتقول: " استحلفته لتقومن ", فتخبر عنه خبرك عن المخاطب، لأنك قد كنت خاطبته بذلك - فيكون ذلك صحيحا جائزا.

&; 2-289 &; فكذلك قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) و (لا يعبدون).

من قرأ ذلك " بالتاء " فمعنى الخطاب، إذ كان الخطاب قد كان بذلك.

ومن قرأ " بالياء " فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم.

* * * وأما رفع " لا تعبدون "، فبالتاء التي في" تعبدون ", ولا ينصب بـ " أن " التي كانت تصلح أن تدخل مع (لا تعبدون إلا الله).

لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل، كان وجه الكلام فيه الرفع، كما قال جل ثناؤه: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [ الزمر: 64]، فرفع " أعبد " إذ لم تدخل فيها " أن " - بالألف الدالة على معنى الاستقبال، وكما قال الشاعر: (51) ألا أيهـذا الزاجـري أحـضرُ الـوغى وأن أشـهد اللـذات هـل أنـت مخـلدي (52) فرفع " أحضر " وإن كان يصلح دخول " أن " فيها -إذ حذفت، بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال.

وإنما صلح حذف " أن " من قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون)، لدلالة ما ظهر من الكلام عليها, فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها - منها.

(53) * * * وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)، حكاية, كأنك قلت: استحلفناهم: لا تعبدون, أي قلنا لهم: والله لا تعبدون - وقالوا: والله لا يعبدون.

والذي قال من ذلك، قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك.

&; 2-290 &; وبنحو الذي قلنا في قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)، تأوله أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 1448 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له، وأن لا يعبدوا غيره.

1449 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)، قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره.

1450 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)، قال: الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة.

(54) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: (وبالوالدين إحسانا) عطف على موضع " أن " المحذوفة في لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ .

فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا.

فرفع لا تَعْبُدُونَ لما حذف " أن ", ثم عطف بالوالدين على موضعها, كما قال الشاعر: (55) معــاوي إننــا بشــر فأســجح فلســــنا بالجبــــال ولا الحــــديدا (56) &; 2-291 &; فنصب " الحديد " على العطف به على موضع " الجبال "، لأنها لو لم تكن فيها " باء " خافضة كانت نصبا, فعطف بـ " الحديد " على معنى " الجبال "، لا على لفظها.

فكذلك ما وصفت من قوله: (وبالوالدين إحسانا).

* * * وأما " الإحسان " فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله: (وبالوالدين)، إذ كان مفهوما معناه, فكان معنى الكلام - لو أظهر المحذوف - : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، بأن لا تعبدوا إلا الله, وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، فاكتفى بقوله: (وبالوالدين) من أن يقال: وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا, إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام.

* * * وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسنوا إحسانا، فجعل " الباء " التي في" الوالدين " من صلة الإحسان، مقدمة عليه.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن لا تعبدوا إلا الله, وأحسنوا بالوالدين إحسانا.

فزعموا أن " الباء " التي في" الوالدين " من صلة المحذوف - أعني أحسنوا - فجعلوا ذلك من كلامين.

وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك، إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه.

فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد، فلا وجه لصرفه إلى كلامين.

وأخرى: أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا، لقيل: وإلى الوالدين إحسانا، لأنه إنما يقال: " أحسن فلان &; 2-292 &; إلى والديه " ولا يقال: أحسن بوالديه, إلا على استكراه للكلام.

ولكن القول فيه ما قلنا, وهو: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا، وبالوالدين إحسانا - على ما بينا قبل.

فيكون والإحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه، كما بينا فيما مضى من نظائره.

(57) * * * فإن قال قاتل: وما ذلك " الإحسان " الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق؟

قيل: نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما، والقول الجميل, وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما, والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما, وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وذي القربي)، وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه.

* * * و " القربي" مصدر على تقدير " فعلى "، من قولك،" قربت مني رحم فلان قرابة وقربي وقربا "، بمعنى واحد.

* * * وأما " اليتامى ".

فهم جمع " يتيم ", مثل " أسير وأسارى ".

ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث.

* * * ومعنى ذلك: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربي: أن تصلوا رحمه, وتعرفوا حقه, وباليتامى: أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة, وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم.

&; 2-293 &; * * * و " المسكين "، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة, وهو " مفعيل " من " المسكنة ".

و " المسكنة " هي ذل الحاجة والفاقة.

(58) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا قال أبو جعفر: إن قال قائل: كيف قيل: (وقولوا للناس حسنا)، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر, بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟

قيل: إن الكلام، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي.

فلو كان مكان: لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا.

وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب.

وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول.

فكان معنى الكلام -لو كان مقروءا كذلك-: وإذ قلنا لبني إسرائيل: لا تعبدوا إلا الله, كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [ البقرة: 63].

فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع: لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، عطف بقوله: (وقولوا للناس حسنا)، على موضع لا تَعْبُدُونَ ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه, (59) لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع لا تَعْبُدُونَ .

فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله, وقولوا للناس حسنا.

وهو نظير ما قدمنا البيان عنه: من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه, (60) ثم تعود إلى الخبر على &; 2-294 &; وجه الخطاب؛ وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب، ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب، لما في الحكاية من المعنيين، (61) كما قال الشاعر: (62) أســيئي بنـا أو أحسـني لا ملومـة لدينـــا ولا مَقْلِيَّـــةً إن تَقَلَّــت (63) يعني: تقليت.

* * * وأما " الحسن " فإن القَرَأَة اختلفت في قراءته.

(64) فقرأته عامة قَرَأَة الكوفة غير عاصم: (وقولوا للناس حَسَنا) بفتح الحاء والسين.

وقرأته عامة قراء المدينة: (حُسْنا) بضم الحاء وتسكين السين.

وقد روي عن بعض القَرَأَة أنه كان يقرأ: " وقولوا للناس حُسْنَى " على مثال " فُعلى ".

* * * واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: " حُسْنا " و " حَسَنا ".

فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ" الحَسَن " " الحُسن " وكلاهما لغة، كما يقال: " البُخل و البَخَل "، وإما أن يكون جعل " الحُسن " هو " الحَسن " في التشبيه.

وذلك أن الحُسن " مصدر " و " الحَسن " هو الشيء الحسن.

ويكون ذلك حينئذ كقولك: " إنما أنت أكل وشرب "، وكما قال الشاعر: (65) وخــيل قــد دلفــت لهـا بخـيل تحيـــة بينهـــم ضـــرب وجــيع (66) &; 2-295 &; فجعل " التحية " ضربا.

وقال آخر: بل " الحُسن " هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن.

و " الحسن " هو البعض من معاني" الحُسن ".

قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [ العنكبوت: 8] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن, وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: (وقولوا للناس حسنا)، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.

* * * قال أبو جعفر: والذي قاله هذا القائل في معنى " الحسن " بضم الحاء وسكون السين، غير بعيد من الصواب, وأنه اسم لنوعه الذي سمي به.

وأما " الحسن " فإنه صفة وقعت لما وصف به, وذلك يقع بخاص.

وإذا كان الأمر كذلك, فالصواب من القراءة في قوله: (وقولوا للناس حَسنا)، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم: " وقولوا للناس " باستعمال الحَسن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول.

وذلك نعت لخاص من معاني الحُسن، وهو القول.

فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين, على قراءته بضم الحاء وسكون السين.

* * * وأما الذي قرأ ذلك: (وقولوا للناس حسنى)، فإنه خالف بقراءته إياه كذلك، قراءة أهل الإسلام.

وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك، خروجها من قراءة أهل الإسلام، لو لم يكن على خطئها شاهد غيره.

فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب؟

وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بـ " فعلى " " وأفعل " إلا بالألف واللام أو بالإضافة.

لا يقال: " جاءني أحسن "، حتى يقولوا: " الأحسن ".

ولا يقال: " أجمل "، حتى يقولوا،" الأجمل ".

وذلك أن " الأفعل والفعلى "، لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف, كما تقول: بل أخوك الأحسن - وبل أختك الحسنى .

وغير جائز أن يقال: امرأة حسنى, ورجل أحسن.

* * * وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل &; 2-296 &; في هذه الآية، أن يقولوه للناس, (67) فهو ما:- 1451 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (وقولوا للناس حسنا)، أمرهم أيضا بعد هذا الخلق: أن يقولوا للناس حسنا: أن يأمروا بـ " لا إله إلا الله " من لم يقلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها, فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه.

وقال الحسن أيضا، لين القول، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم, وهو مما ارتضاه الله وأحبه.

1452 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وقولوا للناس حسنا)، قال، قولوا للناس معروفا.

1453 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج: (وقولوا للناس حسنا)، قال: صدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم.

1454 - وحدثت عن يزيد بن هارون قال، سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: (وقولوا للناس حسنا)، قال: مروهم بالمعروف, وانهوهم عن المنكر.

(68) 1455 - حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال، سألت عطاء بن أبي رباح, عن قول الله جل ثناؤه: (وقولوا للناس حسنا)، قال: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول.

قال: وسألت أبا جعفر, فقال مثل ذلك.

(69) 1456 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا القاسم قال، أخبرنا عبد الملك, &; 2-297 &; عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله: (وقولوا للناس حسنا)، قال: للناس كلهم.

1457 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء مثله.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وأقيموا الصلاة)، أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها * كما:- 1458 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن مسعود قال: (وأقيموا الصلاة)، هذه و " إقامة الصلاة " تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها.

(70) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَآتُوا الزَّكَاةَ قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى قبل، معنى " الزكاة " وما أصلها.

(71) * * * وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية, فهي ما:- 1459 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وآتوا الزكاة)، قال: إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة, وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار &; 2-298 &; فتحملها, فكان ذلك تقبله.

ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم, أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له.

1460 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وآتوا الزكاة)، يعني" بالزكاة ": طاعة الله والإخلاص.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه, بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له، بأن لا يعبدوا غيره, وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات, ويصلوا الأرحام, ويتعطفوا على الأيتام, ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم, ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته, ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها, ويؤتوا زكاة أموالهم - فخالفوا أمره في ذلك كله, وتولوا عنه معرضين, إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده وميثاقه، كما:- 1461 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به, أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية, وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم, وهم الذين استثنى الله فقال: (ثم توليتم)، يقول: أعرضتم عن طاعتي، (إلا قليلا منكم)، قال: القليل الذين اخترتهم &; 2-299 &; لطاعتي, وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها.

(72) .

1462 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة, عن ابن عباس: (ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون)، أي تركتم ذلك كله.

* * * وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: (وأنتم معرضون)، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعنى بسائر الآية أسلافهم.

كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: (ثم توليتم إلا قليلا منكم): ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم, ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم -على ما ذكرناه فيما مضى قبل- (73) ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم.

* * * وقال آخرون: بل قوله: (ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون)، خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل, وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وتبديلهم أمر الله، وركوبهم معاصيه.

* * * --------------------------- الهوامش: (48) انظر ما سلف 1 : 414 ، وهذا الجزء 2 : 156 .

(49) في المطبوعة : "والقراء مختلفة" ، ورددتها إلى ما جرى عليه الطبري في كل ما سلف.

(50) غيب (بفتح الغين والياء) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .

(51) هو طرفة بن العبد .

(52) ديوانه : 317 (أشعار الستة الجاهليين) ، من معلقته النفيسة وسيأتي في 21 : 22 / 30 : 130 (بولاق) ، وسيبويه 1 : 452 .

(53) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 53 - 54 .

(54) قوله تعالى في سورة المائدة : 12 : (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) إلى آخر الآية .

(55) عقيبة بن هبيرة الأسدي ، جاهلي إسلامي .

(56) سيبويه 1 : 34 ، 375 ، 448 ، والخزانة 1 : 343 ، وسمط اللآلئ : 149 وفيه تحقيق جيد .

وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه ، وكان عقيبة وفد على معاوية ، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات : معــاوي إننــا بشــر فأســجح فلســـنا بالجبـــال ولا الحــديد فهبهــا أمــة ذهبــت ضياعــا يزيـــد أميرهــا وأبــو يزيــد أكـــلتم أرضنـــا فجردتموهــا فهـل مـن قـائم أو مـن حـصيد ? ذروا خَــوْنَ الخلافــة واسـتقيموا وتـــــأمير الأراذل والعبيــــد وأعطونــا الســوية, لا تــزركم جـــنود مردفـــات بـــالجنود فدعاه معاوية فقال له : ما أجرأك علي؟

قال : نصحتك إذ غشوك ، وصدقتك إذ كذبوك .

فقال معاوية : ما أظنك إلا صادقا .

(57) انظر ما سلف 1 : 138 .

(58) انظر ما سلف في هذا الجزء : 2 : 137 .

(59) في المطبوعة:"ومعناه" بزيادة الواو، والصواب حذفها.

(60) في المطبوعة : "في موضع الحكايات كما أخبرت عنه" ، والصواب ما أثبته .

(61) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 357 .

(62) هو كثير عزة .

(63) ديوانه 1: 53 من قصيدته المشهورة.

قلاه يقليه قلى فهو مقلي: كرهه وأبغضه.

وتقلى تبغض، أي استعمل من الفعل أو القول ما يدعو إلى بغضه.

(64) في المطبوعة : "فإن القراء" ، ورددته إلى ما مضى عليه أبو جعفر في عبارته ، كما سلف مرارا .

(65) يقال هو : عمرو بن معد يكرب الزبيدي .

(الخزانة 4 : 56) ، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات : 43 ، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد : 149 - 150 أنه لعمرو بن معد يكرب .

فكأنه له ، وكأنه سقط من رواية الأصمعي ، وهو في رواية غيره .

(66) نوادر أبي زيد : 150 ، وسيبويه 1 : 365 ، 429 والخزانة 4 : 53 .

وغيرها .

(67) في المطبوعة : "لأن يقولوه للناس" بزيادة اللام ، فاسدة .

(68) الأثر : 1454 - أخشى أن يكون سقط من إسناده شيء .

(69) الخبر : 1455 - هارون بن إدريس الأصم ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ، ولا وجدته في مكان ، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا 1 : 253 ، و2 : 126 .

روى عنه ، عن المحاربي .

عبد الملك بن أبي سليمان : هو العرزمي ، أحد الأئمة الثقات الحفاظ .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /366 - 368 .

(70) انظر ما سلف 1 : 241 ، 573 .

(71) انظر ما سلف 1 : 573 - 574 .

(72) انظر معنى "تولى" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 162 .

(73) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 38 ، 39 ثم : 164 ، ثم : 245 ، ثم 302

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضونفيه عشر مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ .

واختلف في الميثاق هنا ، فقال مكي : هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر .

وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم وهو قوله : لا تعبدون إلا الله وعبادة الله إثبات توحيده ، وتصديق رسله ، والعمل بما أنزل في كتبه .الثانية : قوله تعالى : لا تعبدون قال سيبويه : لا تعبدون متعلق بقسم ، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون ، وأجازه المبرد والكسائي والفراء .

وقرأ أبي وابن مسعود " لا تعبدوا " على النهي ، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال : " وقوموا ، وقولوا ، وأقيموا ، وآتوا " .

وقيل : هو في موضع الحال ، أي أخذنا ميثاقهم موحدين ، أو غير معاندين ، قاله قطرب والمبرد أيضا .

وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي " يعبدون " بالياء من أسفل .

وقال الفراء والزجاج وجماعة : المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله ، وبأن يحسنوا للوالدين ، وبألا يسفكوا الدماء ، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما ، كقوله تعالى : أفغير الله تأمروني [ ص: 15 ] .

قال المبرد : هذا خطأ ; لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا ، تقول : وبلد قطعت ، أي رب بلد .قلت : ليس هذا بخطأ ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه [ هو للشاعر طرفة بن العبد ] :ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلديبالنصب والرفع ، فالنصب على إضمار أن ، والرفع على حذفها .الثالثة : قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا .

وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد ; لأن النشأة الأولى من عند الله ، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين ، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال : أن اشكر لي ولوالديك .

والإحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف ، والتواضع لهما ، وامتثال أمرهما ، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما ، وصلة أهل ودهما ، على ما يأتي بيانه مفصلا في " الإسراء " إن شاء الله تعالى .الرابعة : قوله تعالى : وذي القربى عطف ذي القربى على الوالدين .

والقربى : بمعنى القرابة ، وهو مصدر كالرجعى والعقبى ، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم .

وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : واليتامى اليتامى عطف أيضا ، وهو جمع يتيم ، مثل ندامى جمع نديم .

واليتم في بني آدم بفقد الأب ، وفي البهائم بفقد الأم .

وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم ، والأول المعروف .

وأصله الانفراد ، يقال : صبي يتيم ، أي منفرد من أبيه .

وبيت يتيم : أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر .

ودرة يتيمة : ليس لها نظير .

وقيل : أصله الإبطاء ، فسمي به اليتيم ; لأن البر يبطئ عنه .

ويقال : يتم ييتم يتما ، مثل عظم يعظم .

ويتم ييتم يتما ويتما ، مثل سمع يسمع ، ذكر الوجهين الفراء .

وقد أيتمه الله .

ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله ، على ما يأتي بيانه في " النساء " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة .

وأشار مالك بالسبابة [ ص: 16 ] والوسطى ، رواه أبو هريرة أخرجه مسلم .

وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هصان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان .

وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا : وما كريمتاه ؟

قال : - عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال : يا رسول الله أو اثنتين ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو اثنتين .

فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال : هذا والله من غرائب الحديث وغرره .السادسة : السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام ، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة ، لأنهم كانوا يسبون بها ، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة ; لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد .

وتسمى أيضا بالسباحة ، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت .

وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى ، ثم الوسطى أقصر منها ، ثم البنصر أقصر من الوسطى .

روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت : خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء ، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه .

فقوله عليه السلام : ( أنا وهو كهاتين في الجنة ) ، وقوله في الحديث الآخر : ( أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ) وأشار بأصابعه الثلاث ، فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال : نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة .

فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل [ ص: 17 ] القربة .

وهذا معنى بعيد ; لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ، ومنازل مختلفة .السابعة : قوله تعالى : والمساكين المساكين عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين ، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم .

وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء .

روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر .

قال ابن المنذر : وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله .الثامنة : قوله تعالى : وقولوا للناس حسنا نصب على المصدر على المعنى ; لأن المعنى ليحسن قولكم .

وقيل : التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن ، فهو مصدر لا على المعنى .

وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء والسين .

قال الأخفش : هما بمعنى واحد ، مثل البخل والبخل ، والرشد والرشد .

وحكى الأخفش : " حسنى " بغير تنوين على فعلى .

قال النحاس : " وهذا لا يجوز في العربية ، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام ، نحو الفضلى والكبرى والحسنى ، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين ، مثل " الحلم " .

قال ابن عباس : المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها .

ابن جريج : قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته .

سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر .

أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول ، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به .

وهذا كله حض على مكارم الأخلاق ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر ، والسني والمبتدع ، من غير مداهنة ، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه ; لأن الله تعالى قال لموسى وهارون : فقولا له قولا لينا .

فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون ، والفاجر ليس بأخبث من فرعون ، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه .

وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة ، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ ، فقال : لا تفعل !

يقول الله تعالى : وقولوا للناس حسنا .

[ ص: 18 ] فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء .

وقيل : أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، كقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .

فكأنه قال : قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا .

وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله : وقولوا للناس حسنا منسوخ بآية السيف .

وحكاه أبو نصر عبد الرحيم عن ابن عباس .

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف .

قال ابن عطية : وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام ، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه ، والله أعلم .التاسعة : قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة تقدم القول فيه .

والخطاب لبني إسرائيل .

قال ابن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل ، ولا تنزل على ما لم يتقبل ، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم .قلت : وهذا يحتاج إلى نقل ، كما ثبت ذلك في الغنائم .

وقد روي عن ابن عباس أنه قال : الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص .العاشرة : قوله تعالى : ثم توليتم الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم ، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم ، كما قال :شنشنة أعرفها من أخزم.

[ رجز لأبي أخزم الطائي ]إلا قليلا كعبد الله بن سلام وأصحابه .

وقليلا نصب على الاستثناء ، والمستثنى عند سيبويه منصوب ; لأنه مشبه بالمفعول .

وقال محمد بن يزيد : هو مفعول على [ ص: 19 ] الحقيقة ، المعنى استثنيت قليلا .وأنتم معرضون ابتداء وخبر .

والإعراض والتولي بمعنى واحد ، مخالف بينهما في اللفظ .

وقيل : التولي فيه بالجسم ، والإعراض بالقلب .

قال المهدوي : وأنتم معرضون حال ; لأن التولي فيه دلالة على الإعراض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الشرائع من أصول الدين, التي أمر الله بها في كل شريعة, لاشتمالها على المصالح العامة, في كل زمان ومكان, فلا يدخلها نسخ, كأصل الدين، ولهذا أمرنا بها في قوله: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } إلى آخر الآية.

فقوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به, استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة, والعهود الموثقة { لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } هذا أمر بعبادة الله وحده, ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين, فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها, فهذا حق الله تعالى على عباده, ثم قال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين, أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان, والأمر بالشيء نهي عن ضده.

وللإحسان ضدان: الإساءة, وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة, وهذا محرم, لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى, والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد, بل تكون بالحد, كما تقدم.

ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف, ونهيهم عن المنكر, وتعليمهم العلم, وبذل السلام, والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.

ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله, أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق, وهو الإحسان بالقول, فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار, ولهذا قال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده, أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله, غير فاحش ولا بذيء, ولا شاتم, ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق, واسع الحلم, مجاملا لكل أحد, صبورا على ما يناله من أذى الخلق, امتثالا لأمر الله, ورجاء لثوابه.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد.

{ ثُمَّ } بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل, عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها,, وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم { تَوَلَّيْتُمْ } على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى, وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان.

وقوله: { إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } هذا استثناء, لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم, عصمهم الله وثبتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوراة، والميثاق العهد الشديد.

{لا تعبدون إلا الله} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: {وقولوا للناس حسناً} معناه ألا تعبدوا فلما حذف أن صار الفعل مرفوعاً، وقرأ أُبي بن كعب: "لا تعبدوا إلا الله على النهي".

{وبالوالدين إحساناً} أي ووصيناهم بالوالدين إحساناً، براً بهما وعطفاً عليهما ونزولاً عند أمرهما، فيما لا يخالف أمر الله تعالى.

{وذي القربى} أي وبذي القرابة، والقربى مصدر كالحسنى.

{واليتامى} جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له.

{والمساكين} يعني الفقراء.

{وقولوا للناس حسناً} "صدقاً وحقاً في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولاتكتموا أمره" هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن جريج ومقاتل.

وقال سفيان الثوري: "مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر.

وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق.

وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسناً بفتح الحاء والسين أي قولاً حسناً.

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} أعرضتم عن العهد والميثاق.

{إلا قليلاً منكم} وذلك أن قوماً منهم آمنوا.

{وأنتم معرضون} كإعراض آبائكم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل» في التوراة وقلنا «لا تعبدون» بالتاء والياء «إلا الله» خبر بمعنى النهي، وقرئ: لا تعبدوا «و» أحسنوا «بالوالدين إحساناً» براً «وذي القربى» القرابة عطف على الوالدين «واليتامى والمساكين وقولوا للناس» قولا «حسناً» من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد والرفق بهم، وفي قراءة بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» فقبلتم ذلك «ثم تولَّيتم» أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفات عن الغيبة والمراد آباؤهم «إلا قليلا منكم وأنتم معرضون» عنه كآبائكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمساكين، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة من أبرز الرذائل التي طبع عليها بنو إسرائيل ، وهي رذيلة نقضهم للعهود والمواثيق فقال تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين .

.

.

)معنى الآية إجمالا : واذكروا يا بني إسرائيل لتعتبروا وتستجيبوا للحق - وليذكر معكم كل من ينتفع بالذكرى - وقت أن أخذنا عليكم العهد ، وأمرناكك بالعمل به على لسان رسلنا - عليهم السلام - وأمرناكم فيه بألا تعبدوا سوى الله ، وأمرناكم فيه كذلك ، بأن تحسنوا إلى آبائكم وتقوموا بأداء ما أوجبه الله لهما من حقوق ، وأن تصلوا أقرباءكم وتعطفوا على اليتامى الذين فقدوا آباءهم ، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يكفيهم في حياتهم ، وأمرناكم فيه - أيضاً - بأن تقولوا للناس قولا حسنا فيه صلاحهم ونفعهم ، وأن تحافظوا على فريضة الصلاة ، وتؤدوا بإخلاص ما أوجبه الله عليكم من زكاة ، ولكنكم نقضتم أنتم وأسلافكم الميثاق ، وأعرضتم عنه ، إلا قليلا منكم واستمروا على رعايته والعمل بموجبه .والمراد ببني إسرائيل في الآية الكريمة ، سلفهم وخلفهم ، لأن هذه الأوامر والنواهي التي تناولتها الآية الكريمة ، والتي هي مضمون العهد المأخوذ عليهم ، قد أخذت علهيم جميعاً على لسان أنبيائهم ورسلهم .والدليل على أن المقصود ببني إسرائيل ما يتناول الخلف المعاصرين منهم للعهد النبوي ، قوله تعالى في ختام هذه الآية ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ) فإنه قد أسند إليهم فيه أنهم تولوا عن الميثاق معرضين ، والاعراض عنه لا يكون إلا بعد أخذه عليهم كما سيأتي .وقوله تعالى ( لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً .

.

.

) إلى قوله تعالى ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ .

.

.

) بيان للميثاق وتفصيل له .

وجاء التعبير بقوله تعالى ( لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ) في صورة الخبر المنفي والمراد منه النهي عن عبادة غير الله ، لإِفادة المبالغة والتأكيد ، فكأن الأمر والنهي قد امتثلا فيخبر بوقوعهما ، أو أنهما لأهميتهما يخبر عنهما بأنهما سيتلقيان بحسن الطاعة حتما ، فينزل ما يجب وقوعه منزلة الواقع ، ويخبر عن المأمور بأنه فاعل لما أمر به ومجتنب لما نهى عنه في الحال ، وفي ذلك ما فيه من إفادة المبالغة في وجوب امتثال الأمر والنهي .وقد تضمنت الآية الكريمة لوناً فريداً من التوجيه المحكم الذي لو اتبعوه لحسنت صلتهم مع الخالق والمخلوق ، لأنها ابتدأت بأمرهم بأعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله - تعالى - عليهم ، بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم ثنت ببيان حقوق الناس فبدأت بأحقهم بالإِحسان وهما الوالدان لما لهما من فضل الولادة والعطف والتربية ، ثم الأقارب الذين تجمع الناس بهم صلة قرابة من جهة الأب والأم ، ورعايتهم تكون بالقيام بما يحتاجون إليه على قدر الاستطاعة ، ثم باليتامى لأنهم في حاجة إلى العون بعد أن فقدوا الأب الحاني ، ثم بالمساكين لعجزهم عن كسب ما يكفيهم ، ثم بالإِحسان إلى سائر الناس عن طريق الكلمة الطيبة ، والمعاملة الحسنة ، لأن الناس إن لم يكونوا في حاجة إلى المال ، فهم في حاجة إلى حسن المقال ، ثم أرشدتهم إلى العبادات التي تعينهم على إحسان صلتهم بالخالق والمخلوق فأمرتهم بالمداومة على الصلاة بخشوع وإخلاص ، وبالمحافظة على أداء الزكاة بسخاء وطيب خاطر ، ولعظم شأن هاتين العبادتين البدنية والمالية ذكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله ، تفخيماً لشأنهما وتوكيداً لأمرهما ، وكان من الواجب على بني إسرائيل أن ينتفعوا بهذه الأوامر الحكيمة ، لكنهم عموا وصموا عنها فوبخهم القرآن الكريم بقوله : ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ) .أي : ثم توليتم - أيها اليهود - عن جميع ما أخذ عليكم من مواثيق فأشركتم بالله وعققتم الوالدين ، وأسأتم إلى الأقارب واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش الأقوال ، وتركنم الصلاة ، ومنعتم الزكاة ، وقطعتم ما أمر الله به أن يوصل .وقوله تعالى : ( إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ ) إنصاف لمن حافظ على العهد منهم ، حيث إنه لا تخلو أمة من المخلصين الذين يرعون العهود ، ويتبعون الحق ، وإرشاد للناس إلى أن وجود عدد قليل من المخلصين في الأمة ، لا يمنع نزول العقاب بها متى فشا المنكر في الأكثرين منها .وقوله تعالى : ( وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ) جملة حالية تفيد أن الأعراض عن الطاعة ، وعدم التقيد بالمواثيق التي أقروا بها ، عادة متأصلة فيهم ووصف ثابت لهم ، وسجية معروفة منهم .قال صاحب المنار : " قد يتولى الإِنسان منصرفاً عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه ، فليس كل متول عن شي معرضاً عنه ومهملا له طول الدوام ، لذلك كان ذكر هذا القيد " وأنتم معرضون لازما لابد منه ، وليس تكراراً كما يتوهم ، ثم قال : وقد كان سبب ذلك التولي مع الإِعراض أن الله أمرهم ألا يأخذوا سالدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله ، يحلون برأيهم ويحرمون ، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون ويزيدون في الشرائع والأحكام ويضعون ما شاءوا من الشعائر فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، فإن الله هو الذي يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه ، وما شرع على ألسنة رسله .

.

.

" .وخلاصة الفرق بين التفسير الذي بدأنا به وبين تفسير صاحب المنار ، لقوله تعالى : ( وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ) أن هذه الجملة على التفسير الأول تبين عادة في القوم تأصلت فيهم حتى كأنها سجية ، والمعنى : " ثم توليتم ، أي أعرضتم ، وأنتم قوم عادتكم الإِعراض ، وعلى تفسير صاحب المنار تكون هذه الجملة مبينة .

لنوع التولي ومتممة لمعناه : والتفسير الأول - الذي سقناه أدخل في باب الذم ، وأوفى ببيان ما عليه حال اليهود .

ثم قال تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم، ثم إنه تعالى بين هاهنا أنه كلفهم بأشياء: التكليف الأول: قوله تعالى: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعبدون بالياء والباقون بالتاء، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء، قال أبو عمرو: ألا ترى أنه جل ذكره قال: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ فدلت المخاطبة على التاء.

المسألة الثانية: اختلفوا في موضع يعبدون من الإعراب على خمسة أقوال: القول الأول: قال الكسائي: رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت أن رفع الفعل كما قال طرفة: ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه أن وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.

القول الثاني: موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش.

القول الثالث: قول قطرب: أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله.

القول الرابع: قول الفراء أن موضع لا تعبدون على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا  ﴾ بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهياً أمور.

أحدها: قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ .

وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ .

وثالثها: أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.

القول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.

المسألة الثالثة: هذا الميثاق يدل على تمام ما لابد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها.

التكليف الثاني: قوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: بم يتصل الباء في قوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وعلام انتصب؟

قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحساناً.

والثاني: قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان.

وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين.

الثالث: قيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.

المسألة الثانية: إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه: أحدها: أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلابد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى.

وثانيها: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر.

وثالثها: أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى.

الرابع: أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين.

الخامس: كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال: ﴿ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ  ﴾ .

السادس: أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى.

المسألة الثالثة: اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن قوله في هذه الآية: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا  وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا  ﴾ فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم.

وثالثها: أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله: ﴿ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا  ﴾ .

المسألة الرابعة: اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.

التكليف الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَذِى القربى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب، ويدخل الأحفاد والأجداد، وقيل: لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل.

وهاهنا دقيقة، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه: يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافراً، وذكر الأصحاب في مثاله: أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف.

قال الشيخ الغزالي: وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم.

المسألة الثانية: اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول: أي رب إني ظلمت، إني أسيء إلي، إني قطعت.

قال فيجيبها ربها: ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك، ثم قرأ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ ، والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.

التكليف الرابع: قوله تعالى: ﴿ واليتامى ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى، كقولهم: نديم وندامى، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم.

قال الزجاج: هذا في الإنسان، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه.

المسألة الثانية: اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين.

التكليف الخامس: قوله تعالى: ﴿ والمساكين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: والمساكين واحدها مسكين، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  ﴾ وعند الشافعي رضي الله عنه: الفقير أسوأ حالاً، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري.

واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِي البحر  ﴾ جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم.

المسألة الثانية؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.

المسألة الثالثة: الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لابد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: (حسناً) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول، كأنه قال: قولوا للناس قولاً حسناً، والباقون بضم الحاء وسكون السين، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  ﴾ وبقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء  ﴾ وفيه أوجه، الأول: قال الأخفش: معناه قولاً ذا حسن.

الثاني: يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول: رجل عدل.

الثالث: أن يكون معنى قوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول.

الرابع: حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه.

المسألة الثانية: يقال: لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار؟

والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم  ﴾ .

وثانيها: فيه حذف أي قلنا لهم قولوا.

وثالثها: الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل: قلت لا تعبدوا وقولوا.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المخاطب بقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ من هو؟

فيحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته: قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه.

المسألة الرابعة: منهم من قال: إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين، أما مع الكفار والفساق فلا، والدليل عليه وجهان، الأول: أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً، والثاني: قوله تعالى: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ  ﴾ فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال، ومنهم من قال: إنه دخله التخصيص، وعلى هذا التقدير يحصل هاهنا احتمالان، أحدهما: أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً.

والثاني: أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى.

وفي الأمر المعروف، فعلى الوجه الأول: يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني: يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ أما الذي تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم، قلنا: أولاً لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه: أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح، سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب كفره، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم، وأما الذي تمسكوا به ثانياً وهو قوله تعالى: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ  ﴾ فالجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه؟

وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس».

المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق، أما الدعوة إلى الإيمان فلابد وأن تكون بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهارون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ الآية، وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ وقال: ﴿ ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ .

المسألة السادسة: ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجباً عليهم في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضاً، كذلك من بعض الوجوه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه يلزمنا التصدق عليه، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجباً ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به.

التكليف السابع والثامن: قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

واعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية، بين أنه مع إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم المنزلة العظمى عند ربهم، تولوا وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم، وذلك يزيد في قبح ما هم عليه من الإعراض والتولي، لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ الغاية في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة، واختلفوا فيمن المراد بقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من تقدم من بني إسرائيل.

وثانيها: أنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وثالثها: المراد بقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ من تقدم بقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ومن تأخر.

أما وجه القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين منهم فظاهر الخطاب يقتضي أن آخره فيهم أيضاً إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلاً منهم فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه.

أما وجه القول الثاني أن قوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ خطاب مشافهة وهو بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية، وهو بسلفهم الغائبين أليق، فكأنه تعالى بين أن تلك العهود والمواثيق كما لزمهم التمسك بها فذلك هو لازم لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم وأعرضتم عن ذلك إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا، فهذا محتمل، وأما وجه القول الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم، ثم إنهم تولوا عنها كان ذلك دالاً على نهاية قبح أفعالهم ويكون قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ مختصاً بمن في زمان محمد صلى الله عليه وسلم أي أنكم بمنزلة المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فإنكم بعد اطلاعكم على دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه وكفرتم به، فكنتم في هذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين في ذلك التولي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تَعْبُدُونَ ﴾ إخبار في معنى النهي، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد الله وأبيّ (اَّ تَعْبُدُواْ) ولا بدّ من إرادة القول، ويدل عليه أيضاً قوله ﴿ وَقُولُواْ ﴾ .

وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ إمّا أن يقدّر: وتحسنون بالوالدين إحساناً.

أو وأحسنوا.

وقيل: هو جواب قوله: ﴿ وإذ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ ﴾ إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وقيل: معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت (أن) رفع، كقوله: أَلاَ أَيُّهَذَا الزّاجِرِي أَحْضُرٌ الْوَغَى ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويحتمل ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ أن تكون (أن) فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم وقرئ بالتاء حكاية لما خوطبوا به، وبالياء لأنهم غيب.

﴿ حُسْناً ﴾ قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه.

وقرئ ﴿ حسناً ﴾ و ﴿ حسنى ﴾ على المصدر كبشرى.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ على طريقه الالتفات أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه.

﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ ﴾ قيل: هم الذين أسلموا منهم.

﴿ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ .

وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ سارَعَ إلى الِانْتِهاءِ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ: « لا تَعْبُدُوا» .

وعَطَفَ (قُولُوا) عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أنْ لا يَعْبُدُوا فَلَمّا حُذِفَ أنْ رُفِعَ كَقَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى...

وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ: « ألّا تَعْبُدُوا»، فَيَكُونُ بَدَلًا عَنِ المِيثاقِ، أوْ مَعْمُولًا لَهُ بِحَذْفِ الجارِّ.

وقِيلَ إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: وحَلَّفْناهم لا يَعْبُدُونَ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حِكايَةً لِما خُوطِبُوا بِهِ، والباقُونَ بِالياءِ لِأنَّهم غُيَّبٌ ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَعَلَّقَ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وتُحْسِنُونَ أوْ أحْسِنُوا ﴿ وَذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمِ ونَدامى وهو قَلِيلٌ.

ومِسْكِينٌ مِفْعِيلٌ مِنَ السُّكُونِ، كَأنَّ الفَقْرَ أسْكَنَهُ ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ أيْ قَوْلًا حَسَنًا، وسَمّاهُ ﴿ حُسْنًا ﴾ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ حَسَنًا بِفُتْحَتَيْنِ.

وقُرِئَ « حُسُنًا» بِضَمَّتَيْنِ وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وحُسْنى عَلى المَصْدَرِ كَبُشْرى والمُرادُ بِهِ ما فِيهِ تَخَلُّقٌ وإرْشادٌ ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ يُرِيدُ بِهِما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في مِلَّتِهِمْ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَعَلَّ الخِطابَ مَعَ المَوْجُودَيْنِ مِنهم في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ومَن قَبْلَهم عَلى التَّغْلِيبِ، أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ ورَفَضْتُمُوهُ ﴿ إلا قَلِيلا مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها قَبْلَ النَّسْخِ، ومَن أسْلَمَ مِنهم ﴿ وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الوَفاءِ والطّاعَةِ.

وأصْلُ الإعْراضِ الذَّهابُ عَنِ المُواجَهَةِ إلى جِهَةِ العَرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)

{وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه وتنصره قراءة أبيّ لا تعبدوا وقوله وقولوا والقول مضمر لا يعبدون مكي وحمزة وعلي لأن بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب ومعناه ألا يعبدوا فلما حذفت أن رفع {وبالوالدين إحسانا}

البقرة (٨٣ _ ٨٥)

أى وأحسنو ليلتئم عطف الأمر وهو قوله وقولوا عليه {وَذِي القربى} القرابة {واليتامى} جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم لقوله عليه السلام لا يتم بعد البلوغ {والمساكين} جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} قولاً هو حسن في نفسه لا فراط حسنه

حسنا حمزة وعلى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} عن الميثاق ورفضتموه {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ} قيل هم الذين أسلموا منهم {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية عن المواثيق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ بَعْضِ آخَرَ مِن قَبائِحِ أسْلافِ اليَهُودِ مِمّا يُنادِي بِاسْتِبْعادِ إيمانِ أخْلافِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُوَصِّلٌ إلى أعْظَمِ النِّعَمِ، وهو الجَنَّةُ، والمُوَصِّلُ إلى النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ، وهَذا المِيثاقُ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وقَوْلُ مَكِّيٍّ: إنَّهُ مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ كالذَّرِّ، لا يُظْهِرُهم وجْهُهُ هُنا.

﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قُلْنا، أوْ قائِلِينَ، لِيَرْتَبِطَ بِما قَبْلَهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ، وتَقُولُ لَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ كَأنَّهُ سارَعَ إلى ذَلِكَ، فَوَقَعَ مِنهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْهُ بِالحالِ، أوِ الماضِي، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَلا يَرُدُّ أنَّ حالَ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى خِلافِهِ، وأنَّهُ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (لا تَعْبُدُوا) عَلى النَّهْيِ، وأنَّ (قُولُوا) عُطِفَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ التَّناسُبُ المَعْنَوِيُّ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما إنْشاءً، وإنْ كانَ يَجُوزُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أنْ لا تَعْبُدُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ ارْتَفَعَ الفِعْلُ، ولا يَجِبُ الرَّفْعُ بَعْدَ الحَذْفِ في مِثْلِ ذَلِكَ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الأخْفَشُ، ونَظِيرُهُ مِن نَثْرِ العَرَبِ: مُرْهُ يَحْفِرُها، ومِن نَظْمِها: ألا أيُّها الزّاجِرِي احْضُرِ الوَغى وإنْ أشْهَدِ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخَلِّدِي ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ (أنْ لا تَعْبُدُوا) ويُضَعِّفُهُ أنَّ (أنْ) لا تُحْذَفُ قِياسًا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، فَلا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الآيَةِ عَلَيْهِ، وعَلى تَخْرِيجِها عَلَيْهِ فَهو مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بَدَلٌ مِنَ المِيثاقِ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنْ لا، أوْ عَلى أنْ لا، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ حَلَّفْناهم لا تَعْبُدُونَ، أوْ جَوابُ المِيثاقِ نَفْسِهِ، لِأنَّ لَهُ حُكْمَ القَسَمِ، وعَلَيْهِ يَخْلُو الكَلامُ عَمّا مَرَّ في وجْهِ رُجْحانِ الأوَّلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حِكايَةً لِما خُوطِبُوا بِهِ، والباقُونَ بِالياءِ لِأنَّهم غَيْبٌ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ التِفاتانِ، في لَفْظِ الجَلالَةِ و(يَعْبُدُونَ).

﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وتُحْسِنُونَ، أوْ أحْسِنُوا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى (تَعْبُدُونَ)، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِإحْسانًا، وهو يَتَعَدّى بِالباءِ، وإلى، كَـ ﴿ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ و ﴿ وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ ومَنعُ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، ومِنَ المُعْرِبِينَ مَن قَدَّرَ اسْتَوْصُوا، (فَبِالوالِدَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، (وإحْسانًا) مَفْعُولُهُ، ومِنهم مَن قَدَّرَ: ووَصَّيْناهُمْ، فَإحْسانًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والوالِدانِ تَثْنِيَةُ والِدٍ، لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الأبِ، والأُمِّ، أوْ تَغْلِيبٌ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ إلّا لِلْأبِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَلَبِيُّ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الحَثِّ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، وإكْرامِهِما، والآياتُ والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وناهِيكَ احْتِفالًا بِهِما، أنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَرَنَ ذَلِكَ بِعِبادَتِهِ، ﴿ وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ، والقُرْبى مَصْدَرٌ كالرُّجْعى، والألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهي قَرابَةُ الرَّحِمِ والصُّلْبِ، واليَتامى وزْنُهُ فَعالى، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمِ ونَدامى، ولا يَنْقاسُ، ويُجْمَعُ عَلى أيْتامٍ، واليُتْمُ أصْلٌ مَعْناهُ الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الغَفْلَةُ، وسُمِّيَ اليَتِيمُ يَتِيمًا لِأنَّهُ يُتَغافَلُ عَنْ بِرِّهِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: الإبْطاءُ لِإبْطاءِ البِرِّ عَنْهُ، وهو في الآدَمِيِّينَ مِن قِبَلِ الآباءِ، ولا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، وفي الطُّيُورِ مِن جِهَتِهِما، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ يُقالُ في الآدَمِيِّينَ لِمَن فُقِدَتْ أُمُّهُ أيْضًا، والأوَّلُ هو المَعْرُوفُ، والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ عَلى وزْنِ مِفْعِيلٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ كَأنَّ الحاجَةَ أسْكَنَتْهُ، فالمِيمُ زائِدَةٌ كَمَحْضَرٍ، مِنَ الحُضُورِ، ورُوِيَ تَمَسْكَنَ فُلانٌ، والأصَحُّ تَسَكَّنَ أيْ صارَ مِسْكِينًا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مَعْرُوفٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جاءَ هَذا التَّرْتِيبُ اعْتِناءً بِالأوْكَدِ فالأوْكَدِ، فَبَدَأ بِالوالِدَيْنِ إذْ لا يَخْفى تَقَدُّمُهُما عَلى كُلِّ أحَدٍ في الإحْسانِ إلَيْهِما، ثُمَّ بِذِي القُرْبى، لِأنَّ صِلَةَ الأرْحامِ مُؤَكَّدَةٌ، ولِمُشارَكَةِ الوالِدَيْنِ في القَرابَةِ، وكَوْنِهِما مَنشَأً لَها، وقَدْ ورَدَ في الأثَرِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ الرَّحِمَ فَقالَ: «(أنْتِ الرَّحِمُ، وأنا الرَّحْمَنُ، أصِلُ مَن وصَلَكِ، وأقْطَعُ مَن قَطَعَكِ)،» ثُمَّ بِاليَتامى، لِأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم تامَّةً عَلى الِاكْتِسابِ، وقَدْ جاءَ «(أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهاتَيْنِ، وأشارَ  إلى السَّبّابَةِ والوُسْطى)،» وتَأخَّرَتْ دَرَجَةُ المَساكِينِ لِأنَّ المِسْكِينَ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِخْدامِ، ويُصْلِحَ مَعِيشَتَهُ مَهْما أمْكَنَ بِخِلافِ اليَتِيمِ، فَإنَّهُ لِصِغَرِهِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ويَحْتاجُ إلى مَن يَنْفَعُهُ، وأفْرَدَ ذِي القُرْبى، كَما في البَحْرِ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، ولِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَصْدَرِ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ ذِي قَرابَةٍ، وكَأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ ذَوِي القُرْبى، وإنْ كَثُرُوا كَشَيْءٍ واحِدٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُضْجَرَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، ﴿ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ أيْ قَوْلًا حَسَنًا، سَمّاهُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: هو لُغَةٌ في الحُسْنِ، كالبُخْلِ، والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ، والعُرْبُ والعَرَبِ، والمُرادُ: قُولُوا لَهُمُ القَوْلَ الطَّيِّبَ، وجاوِبُوهم بِأحْسَنِ ما يُحِبُّونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ، وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أعْلِمُوهم مِمّا في كِتابِكم مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ في المَرْتَبَةِ العالِيَةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأمْرَ مِن جُمْلَةِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن قالَ: إنَّ المُخاطَبَ بِهِ الأُمَّةُ، وهو مُحْكَمٌ، أوْ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، أوْ إنَّ النّاسَ مَخْصُوصٌ بِصالِحِي المُؤْمِنِينَ، إذْ لا يَكُونُ القَوْلُ الحَسَنُ مَعَ الكُفّارِ والفُسّاقِ، لِأنّا أُمِرْنا بِلَعْنِهِمْ، وذَمِّهِمْ، ومُحارَبَتِهِمْ، فَقَدْ أبْعَدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (حَسَنًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وعَطاءٌ، وعِيسى بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وأبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ (حُسْنى) عَلى وزْنِ فُعْلى، واخْتُلِفَ في وجْهِهِ، فَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَرُجْعى، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ، بِأنَّهُ غَيْرُ مَقِيسٍ، ولَمْ يُسْمَعْ فِيهِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ كَحُبْلى، أيْ مَقالَةً أوْ كَلِمَةً حُسْنى، وفي الوَصْفِ بِها وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى أنَّها لِلتَّفْضِيلِ، واسْتِعْمالُها بِغَيْرِ الألِفِ واللّامِ، والإضافَةِ لِلْمَعْرِفَةِ نادِرٌ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: وإنْ دَعَوْتَ إلى جَلى ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا كِرامَ سُراةِ النّاسِ فادْعِينا وثانِيهِما: أنْ تُجَرَّدَ عَنِ التَّفْضِيلِ فَتَكُونَ بِمَعْنى حَسَنَةٍ، كَما قالُوا ذَلِكَ فِي: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (إحْسانًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أحْسَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ، كَما تَقُولُ: أعْشَبَتِ الأرْضُ إعْشابًا، أيْ صارَتْ ذا عُشْبٍ، فَهو حِينَئِذٍ نَعَتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا ذا حُسْنٍ، ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ أرادَ سُبْحانَهُ بِهِما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في مِلَّتِهِمْ، لِأنَّهُ حِكايَةٌ لِما وقَعَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ زَكاةُ أمْوالِهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُرْبانًا تَهْبِطُ إلَيْها نارٌ فَتَحْمِلُها، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ، وما لا تَفْعَلُ النّارُ بِهِ كَذَلِكَ كانَ غَيْرَ مُتَقَبِّلٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِما هَذِهِ الصَّلاةُ، وهَذِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَتانِ عَلَيْنا، والخِطابُ لِمَن بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أبْناءِ اليَهُودِ لا غَيْرُ، والأمْرُ بِهِما كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالإسْلامِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ أيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ، ورَفَضْتُمُوهُ، وثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ، أوْ لِحَقِيقَةِ التَّراخِي، فَيَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم بِالِارْتِدادِ بَعْدَ الِانْقِيادِ مُدَّةً مَدِيدَةً، وهو أشْنَعُ مِنَ العِصْيانِ مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا جُعِلَ ناصِبُ الظَّرْفِ خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، فَهَذا التِفاتٌ إلى خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا بِتَغْلِيبِ أخْلافِهِمْ عَلى أسْلافِهِمْ، لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ كُلِّهِمْ حِينَئِذٍ عَلى نَهْجِ الغَيْبَةِ، فَإنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ لِلْأسْلافِ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ كَأنَّهُمُ اسْتَحْضَرُوا عِنْدَ ذِكْرِ جِناياتِهِمْ فَنُعِيَتْ عَلَيْهِمْ، وإنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ فَهَذا تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ بِتَنْزِيلِ الأسْلافِ مَنزِلَةَ الأخْلافِ، كَما أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلتَّوَلِّي بِتَنْزِيلِ الأخْلافِ مَنزِلَةَ الأسْلافِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: الِالتِفاتُ إنَّما يَجِيءُ عَلى قِراءَةِ (لا يَعْبُدُونَ) بِالغَيْبَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ فَلا التِفاتَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذا الخِطابَ خاصًّا بِالحاضِرِينَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما تَقَدَّمَ خاصًّا بِمَن تَقَدَّمَ، وجَعَلَ الِالتِفاتَ عَلى القِراءَتَيْنِ، لَكِنَّهُ بِالمَعْنى الغَيْرِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الِالتِفاتِ بَيْنَ خِطابَيْنِ لِاخْتِلافِهِما لَمْ يَقُلْ بِهِ أهْلُ المَعانِي، لَكِنَّهُ وقَعَ مِثْلُهُ في كَلامِ بَعْضِ الأُدَباءِ، وما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّغْلِيبِ أوْلى وأحْرى خِلافًا لِمَنِ التَفَتَ عَنْهُ.

﴿ إلا قَلِيلا مِنكُمْ ﴾ وهم مِنَ الأسْلافِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها قَبْلَ النَّسْخِ، ومِنَ الأخْلافِ مَن أسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأضْرابِهِ، فالقِلَّةُ في عَدَدِ الأشْخاصِ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الإيمانِ، أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ  إلّا إيمانٌ قَلِيلٌ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُعْطَ فَهْمًا في الألْفاظِ العَرَبِيَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وغَيْرِهِ رَفْعُ قَلِيلٍ، والكَثِيرُ المَشْهُورُ في أمْثالِ ذَلِكَ النَّصْبُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَقِيلَ: إنَّ المَرْفُوعَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وجازَ لِأنَّ (تَوَلَّيْتُمْ)، في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَفُوا، وقَدْ خَرَّجَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَهُ  : فِيما صَحَّ عَلى الصَّحِيحِ: «(العالَمُونَ هَلْكى إلّا العالِمُونَ، والعالِمُونَ هَلْكى إلّا العامِلُونَ، والعامِلُونَ هَلْكى إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ)،» وقَوْلَ الشّاعِرِ: وبِالصَّرِيمَةِ مِنهم مَنزِلٌ خَلِقٌ ∗∗∗ عافٍ تَغَيَّرَ إلّا النَّوْءُ والوَتَدُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِنَفْيٍ، فَيَلْزَمُ جَوازُ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ بِالرَّفْعِ عَلى التَّأْوِيلِ، والإبْدالِ، ولَمْ يُجَوِّزْهُ النَّحْوِيُّونَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ (إلّا) صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرُ، ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها، وقَدْ عَقَدَ سِيبَوَيْهِ لِذَلِكَ بابًا في كِتابِهِ، فَقالَ: هَذا بابُ ما يَكُونُ فِيهِ إلّا، وما بَعْدَها وصْفًا بِمَنزِلَةِ غَيْرُ، ومَثَّلَ وذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ: لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زَيْدٌ لَغَلَبْنا، و ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ وقَوْلُهُ: أيْنَخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ∗∗∗ قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها وخُرِّجَ جَمْعُ جَمِيعِ ما سَلَفَ عَلى هَذا، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عُصْفُورٍ، حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الوَصْفَ بِإلّا يُخالِفُ الوَصْفَ بِغَيْرِها مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوصَفُ بِها النَّكِرَةُ والمَعْرِفَةُ، والظّاهِرُ والمُضْمَرُ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وهو ابْنُ شاهِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يُوصَفُ بِها إلّا إذا كانَ المَوْصُوفُ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً بِلامِ الجِنْسِ، فَلا، والمُبَرِّدُ يَشْتَرِطُ في الوَصْفِ بِها صَلاحِيَّةَ البَدَلِ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَمْ يَقُولُوا، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا تَقَدَّمَ، إلّا أنَّ فِيهِ كَلامًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ ﴿ وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ، والتَّوَلِّي عَنِ المَواثِيقِ، ويُؤْخَذُ كَوْنُهُ عادَتَهم مِنَ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثُّبُوتِ، وقِيلَ: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والتَّوَلِّي والإعْراضُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ فَصْلُ الحالِ المُؤَكِّدَةِ بِالواوِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِأنَّ الأوَّلَ قَدْ يَكُونُ لِحاجَةٍ تَدْعُو إلى الِانْصِرافِ مَعَ ثُبُوتِ العَقْدِ، والإعْراضُ هو الِانْصِرافُ عَنِ الشَّيْءِ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: إنَّ التَّوَلِّيَ أنْ يَرْجِعَ عَوْدُهُ إلى بَدْئِهِ، والإعْراضُ أنْ يَتْرُكَ المَنهَجَ ويَأْخُذَ في عُرْضِ الطَّرِيقِ، والمُتَوَلِّي أقْرَبُ أمْرًا مِنَ المُعْرِضِ، لِأنَّهُ مَتى عَزَمَ سَهُلَ عَلَيْهِ العَوْدُ إلى سُلُوكِ المَنهَجِ، والمُعْرِضُ حَيْثُ تَرَكَ المَنهَجَ وأخَذَ في عُرْضِ الطَّرِيقِ يَحْتاجُ إلى طَلَبِ مَنهَجِهِ، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ العَوْدُ إلَيْهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُعْرِضُونَ عَلى ظاهِرِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَيَّدَةٌ، أيْ لَمْ يَتَوَلَّ القَلِيلُ ﴿ وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنْهم ساخِطُونَ لَهُمْ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ لَهُمْ، ومَدْحًا لِلْقَلِيلِ، فَهو بَعِيدٌ، كالقَوْلِ بِأنَّها مُقَيَّدَةٌ، ومُتَعَلِّقُ التَّوَلِّي والإعْراضِ مُخْتَلِفٌ، أيْ تَوَلَّيْتُمْ عَلى المُضِيِّ في المِيثاقِ وأعْرَضْتُمْ عَنِ اتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، أي وقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة، يعني بمجيء محمد  .

ويقال: الميثاق الأول حين أخرجهم من صلب آدم-  -.

قوله: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، قرأ حمزة والكسائي وابن كثير لا يعبدون بالياء، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة فمن قرأ بالياء، معناه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله ومن قرأ بالتاء فمعناه: وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل وقلنا لهم: لا تعبدوا إلا الله، يعني أخذنا عليهم الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، يعني لا توحدوا إلا الله.

وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، نصب إحساناً على معنى أحسنوا إحساناً فيكون إحساناً بدلاً من اللفظ، أي أحسنوا إلى الوالدين برا بهما وعطفاً عليهما.

وفي هذه الآية بيان حرمة الوالدين، لأنه قرن حق الوالدين بعبادة نفسه.

ويقال: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا يقبل إحداها بغير قرينتها.

إحداها: قوله عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة: 92] ، والثانية: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [لقمان: 14] ، والثالثة: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: 43 وغيرها] .

وقوله تعالى: وَذِي الْقُرْبى، يعني أحسنوا إلى ذي القربى وَالْيَتامى، يعني أحسنوا إلى اليتامى وَإلى الْمَساكِينِ والإحسان إلى اليتامى والمساكين أن يحسن إليهم بالصدقة وحسن القول.

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، قرأ حمزة والكسائي بنصب الحاء والسين، وقرأ الباقون برفع الحاء وسكون السين.

فمن قرأ بالنصب فمعناه: قولوا للناس حَسَناً يعني قولوا لهم قولاً صدقاً في نعت محمد  وصفته كما بيّن في كتابكم.

ونظيرها في سورة طه أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه: 86] ، أي وعداً صدقاً.

ومن قرأ بالرفع، فمعناه قولوا لجميع الناس حَسَناً يعني: خالقوا الناس بالخُلُق الحسن، فكأنه يأمر بحسن المعاشرة وحسن الخلق مع الناس.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يعني أقروا بها وأدوها في مواقيتها.

وَآتُوا الزَّكاةَ، المفروضة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، يعني أعرضتم عن الإيمان والميثاق، إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه.

وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ، أي تاركون لما أخذ عليكم من المواثيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «١» .

قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «٢» ، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «٣» ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه.

قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول صلّى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى:

بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ...

الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضاً قوله:

وَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم.

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى- عليه السلام- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى:

قلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ...

الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ ٢٦ ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ» ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين.

وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «١» : «حَسَناً» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «٢» :

وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «٣» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً» بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «٤» ، وقال ابن جُرَيْجٍ:

قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٥» ، وقال سفيان الثّوريّ «٦» :

معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «١» ، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «٢» ، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل.

٢٧ أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...

الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «٣» .

والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى.

ص «٤» : إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «٥» : «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «٦» لذلك بابا في كتابه.

انتهى.

ودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ.

أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ

: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار.

وقيل: المراد: من كان في مدة محمّد صلّى الله عليه وسلم والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ...

الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف ٢٧ ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «١» ، مع المبهمات.

وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «٢» ...

٢٨ أشيخنا «١» : هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود.

ص «٢» : قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه.

انتهى.

ت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً» ، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً» ، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «٣» ، ف «قَائِماً» ، في المثال المتقدِّم نصب على الحال.

انتهى.

وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج.

والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» .

ومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.

وقرأ حمزة «١» : «أسرى تفدوهم» ، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ:

بمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير.

انتهى.

ت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً» ، وظاهره لا فَرْق بينهما.

وقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...

الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ.

والدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم.

وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «٢» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.

وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله:

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ...

الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «٣» /.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ هَذا المِيثاقُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لَهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِالياءِ عَلى الإخْبارِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ أيْ: ووَصَّيْناهم بِآَبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ خَيْرًا.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: أُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا، وآَمُرُكَ بِهِ خَيْرًا والمَعْنى: آَمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ، ثُمَّ تُحْذَفُ "أنْ" فَيُوصَلُ الخَيْرُ، بِالوَصِيَّةِ والأمْرِ.

قالَ الشّاعِرُ عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا خَيْرًا بِها كَأنَّنا جافَوْنا وَأمّا الإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ؛ فَهو بِرُّهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصِيبَهُما الغُبارُ.

وقالَتْ عائِشَةُ: ما بَرَّ والِدَهُ مَن شَدَّ النَّظَرَ إلَيْهِ.

وقالَ عُرْوَةُ: لا تَمْتَنِعْ عَنْ شَيْءٍ أحَبّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِي القُرْبى ﴾ أيْ: ووَصَّيْناهم بِذِي القُرْبى أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم.

وأمّا اليَتامى؛ فَجَمْعُ: يَتِيمٍ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: اليُتْمُ في النّاسِ، مِن قِبَلِ الأبِ، وفي غَيْرِ النّاسِ: مِن قِبَلِ الأُمِّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ ثَعْلَبٌ: اليُتْمُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: الِانْفِرادُ.

فَمَعْنى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: مُنْفَرِدٌ عَنْ أبِيهِ.

وأنْشَدْنا أفاطِمُ إنِّي هالِكٌ فَتَبِينِي ∗∗∗ ولا تَجْزَعِي كُلُّ النِّساءِ يَتِيمُ قالَ: يُرْوى: يَتِيمٌ ويَئِيمُ.

فَمَن رَوى يَتِيمَ بِالتّاءِ؛ أرادَ: كُلُّ النِّساءِ ضَعِيفٌ مُنْفَرِدٌ.

ومَن رَوى بِالياءِ أرادَ: كُلُّ النِّساءِ يَمُوتُ عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ وقالَ: أنْشَدَنا ابْنُ الأعْرابِيِّ: ثَلاثَةُ أحْبابٍ: فَحُبُّ عَلاقَةٍ ∗∗∗ وحُبُّ تَمَلّاقٍ وحُبٌّ هو القَتْلُ قالَ: فَقُلْنا لَهُ: زِدْنا، فَقالَ: البَيْتُ يَتِيمٌ: أيْ: مُنْفَرِدٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ، زالَ عَنْهُ اسْمُهُ اليُتْمُ.

يُقالُ: مِنهُ يَتَمَ يَيْتَمُ يُتْمًا ويَتْمًا.

وجَمْعُ اليَتِيمِ: يَتامى، وأيْتامٌ.

وكُلُّ مُنْفَرِدٍ عِنْدَ العَرَبِ يَتِيمٌ ويَتِيمَةٌ.

قالَ: وقِيلَ: أصْلُ اليُتْمِ: الغَفْلَةُ، وبِهِ سُمِّيَ اليَتِيمُ، لِأنَّهُ يَتَغافَلُ عَنْ بِرِّهِ.

والمَرْأةُ تُدْعى: يَتِيمَةٌ ما لَمْ تُزَوَّجْ، فَإذا تَزَوَّجَتْ زالَ عَنْها اسْمُ اليُتْمِ، وقِيلَ: لا يَزُولُ عَنْها اسْمُ اليُتْمِ أبَدًا.

وقالَ أبُو عَمْرٍو اليُتْمُ: الإبْطاءُ، ومِنهُ أُخِذَ اليَتِيمُ، لِأنَّ البِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ.

"والمَساكِينَ": جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ، كَأنَّ المِسْكِينَ قَدْ أسْكَنَهُ الفَقْرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (حُسْنًا) بِضَمِّ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والتَّثْقِيلِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ "حَسَنًا" فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَسَنُ لُغَةً في الحُسْنِ، كالبُخْلِ، والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ.

وجاءَ ذَلِكَ في الصِّفَةِ كَما جاءَ في الِاسْمِ، ألا تَراهم قالُوا: العَرَبُ والعُرْبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَسَنُ مَصْدَرًا كالكُفْرِ والشُّكْرِ والشُّغْلِ، وحُذِفَ المُضافُ مَعَهُ، كَأنَّهُ قالَ قُولُوا قَوْلًا ذا حَسَنٍ.

ومَن قَرَأ (حَسَنًا) جَعَلَهُ صِفَةً، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: قُولُوا لِلنّاسِ قَوْلًا حَسَنًا، فَحُذِفَ المَوْصُوفَ.

واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

ومَعْناهُ: اصْدُقُوا وبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  قالَ أبُو العالِيَةِ: قُولُوا لِلنّاسِ مَعْرُوفًا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: كَلِّمُوهم بِما تُحِبُّونَ أنْ يَقُولُوا لَكم.

وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ مُساهَلَةُ الكُفّارِ في دُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ.

فَعَلى هَذا؛ تَكُونُ مَنسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم.

وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أوْلَّوْهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  في زَمانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ أخَذَنا، وقالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المِيثاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما هو مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وهم عُقَلاءُ في حَياتِهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وأخْذُ المِيثاقِ قَوْلٌ، فالمَعْنى قُلْنا لَهُمْ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لا يَعْبُدُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقِ، حِكايَةُ ما قِيلَ لَهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، "لا تَعْبُدُوا" عَلى النَهْيِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ لِقَسَمٍ، والمَعْنى: وإذِ اسْتَخْلَفْناكم واللهَ لا تَعْبُدُونَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُ الكَلامِ بِأنَّ لا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنَّ فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها، فـَ "لا تَعْبُدُونَ" عَلى هَذا مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَصْبِ، وحُكِيَ عن قُطْرُبٍ: أنْ ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، ونِظامُ الآيَةِ يَدْفَعُهُ مَعَ كُلِّ قِراءَةٍ.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ نَهْيٌ في صِيغَةِ خَبَرٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ "لا تَعْبُدُوا".

والباءُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمِيثاقِ، عَطْفًا عَلى الباءِ المُقَدَّرَةِ أوَّلًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَقْدِيرُ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا.

وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "إحْسانًا"، والتَقْدِيرُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ، وأحْسَنُوا إحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو مَعْمُولٌ لَهُ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ الباءُ بِأحْسَنُوا، المُقَدَّرُ، والمَعْنى: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وقُدِّمَ اللَفْظُ "بِالوالِدَيْنِ" تَهَمُّمًا فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وفي الإحْسانِ تَدْخُلُ أنْواعَ بِرِّ الوالِدَيْنِ كُلِّها، "وَذِي" عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ و"القُرْبى" بِمَعْنى القَرابَةِ، ومَصْدَرٌ كالرُجْعى والعُقْبى، وهَذا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِصِلَةِ الرَحِمِ، "واليَتامى" جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمٍ ونَدامى، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ فَقْدُ الأبِ، وفي البَهائِمِ فَقْدُ الأُمِّ، وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «لا يَتِمُّ بَعْدَ بُلُوغٍ».

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليَتِيمَ في بَنِي آدَمَ في فَقْدِ الأُمِّ.

وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَأْفَةَ بِاليَتامى وحِيطَةَ أمْوالِهِمْ.

"والمَساكِينِ" جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ وهو عَلى هَذا مُشْتَقٌّ مِنَ السَكَنِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الحَضَّ عَلى الصَدَقَةِ والمُواساةِ، وتَفَقُّدِ أحْوالِ المَساكِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ ، أمْرُ عَطْفٍ عَلى ما تَضَمَّنَهُ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ ، وما بَعْدَهُ مِن مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ، أو عَلى أحْسَنُوا المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كالبُخْلِ والبَخْلِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ: وقُولُوا قَوْلًا حَسَنًا -بِفَتْحِ السِينِ- أو قَوْلًا ذا حَسَنٍ، بِضَمِّ الحاءِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى، ورَدَّهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلى لا تَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً إلّا أنْ يُزالَ عنها مَعْنى التَفْضِيلِ، وتَبْقى مَصْدَرًا كالعُقْبى، فَذَلِكَ جائِزٌ وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

"حَسَنًا" بِضَمِّ الحاءِ والسِينِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الكَلامِ: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، ومُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لَهُمْ: حُسْنًا في الإعْلامِ بِما في كِتابِكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  .

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ قُولُوا لَهُمُ الطَيِّبَ مِنَ القَوْلِ، وحاوِرُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُحاوِرُوا بِهِ، وهَذا حَضٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ ، مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذا اللَفْظِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وأمّا الخَبَرُ عن بَنِي إسْرائِيلَ وما أُمِرُوا بِهِ فَلا نَسْخَ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إقامَةِ الصَلاةِ.

وزَكاتُهم هي الَّتِي كانُوا يَضَعُونَها وتَنْزِلُ النارُ عَلى ما تُقُبِّلَ، وَلا تَنْزِلُ عَلى ما لَمْ يُتَقَبَّلْ، ولَمْ تَكُنْ كَزَكاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزَكاةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها طاعَةُ اللهِ والإخْلاصُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، أُسْنِدَ إلَيْهِمْ تُوَلِّي أسْلافِهِمْ، إذْ هم كُلُّهم بِتِلْكَ السَبِيلِ، قالَ نَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ ولَمْ تَجْرِ مَجْرى رَدَّ وشَدَّ لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ.

وضُمَّتِ التاءُ الأخِيرَةُ مِن "تَوَلَّيْتُمْ" لِأنَّ تاءَ المُفْرَدِ أخَذَتِ الفَتْحَ، وتاءَ المُؤَنَّثِ أخَذَتِ الكَسْرَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ إلّا الضَمُّ.

و"قَلِيلًا" نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والمُسْتَثْنى مَنصُوبٌ عَلى التَشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، قالَ المُبَرِّدُ: هو مَفْعُولُ حَقِيقَةٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ اسْتَثْنَيْتُ كَذا، والمُرادُ بِالقَلِيلِ جَمِيعُ مُؤْمِنِيهِمْ قَدِيمًا مِن أسْلافِهِمْ، وحَدِيثًا كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، والقِلَّةُ عَلى هَذِهِ هي في عَدَدِ الأشْخاصِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ في الإيمانِ أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ  إلّا إيمانُ قَلِيلٍ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، والأوَّلُ أقْوى، وقَرَأ قَوْمٌ "إلّا قَلِيلٌ" بِرَفْعِ القَلِيلِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو.

وهَذا عَلى بَدَلِ قَلِيلٍ مِنَ الضَمِيرِ في "تَوَلَّيْتُمْ"، وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الكَلامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَفْيٌ؛ لِأنَّ "تَوَلَّيْتُمْ" مَعْناهُ النَفْيُ، كَأنَّهُ قالَ ثُمَّ لَمْ تَفُوا بِالمِيثاقِ إلّا قَلِيلٌ.

والسَفْكُ صَبُّ الدَمِ وسَرْدُ الكَلامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الفاءِ وتَضْعِيفِها.

وإعْرابِ "لا تَسْفِكُونَ" كَما تَقَدَّمَ في "لا تَعْبُدُونَ".

و"دِماءَكُمْ" جَمْعُ دَمٍ وهو اسْمٌ مَنقُوصٌ، أصْلُهُ دَمِي وتَثْنِيَتُهُ دَمَيانِ وقِيلَ: أصْلُهُ دَمِيَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحُرِّكَتْ في التَثْنِيَةِ لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلى التَغْيِيرِ الَّذِي في الواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ مَعْناهُ: ولا يَنْفِي بَعْضُكم بَعْضًا بِالفِتْنَةِ والبَغْيِ.

ولَمّا كانَتْ مِلَّتُهم واحِدَةً، وأمْرُهم واحِدًا، وكانُوا في الأُمَمِ كالشَخْصِ الواحِدِ، جُعِلَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ونَفْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قَتْلًا لِأنْفُسِهِمْ ونَفْيًا لَها، وكَذَلِكَ حَكَمَ كُلُّ جَماعَةٍ تُخاطِبُ بِهَذا اللَفِّ في القَوْلِ.

وقِيلَ: ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ أيْ لا يُقْتَلُ أحَدٌ فَيَقْتُلُ قِصاصًا فَكَأنَّهُ سَفَكَ دَمَ نَفْسِهِ لَمّا سَبَّبَ ذَلِكَ، ولا يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُنْفى فَيَكُونُ قَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن دِيارِهِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وإنَّما كانَ الأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ مِيثاقًا، ألّا يَقْتُلَ بَعْضَهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطاعاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ ﴾ أيْ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلَيْكم والتَزَمْتُوهُ، فَيَتَّجِهُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ أنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَحْدِ، وتَتَعَدّى بِالباءِ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو إبْقاءُ الأمْرِ عَلى حالِهِ، أيْ أقْرَرْتُمْ هَذا المِيثاقَ مُلْتَزِمًا، وقَوْلُهُ ﴿ وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ قِيلَ: الخِطابُ يُرادُ بِهِ مِن سَلَفَ مِنهُمْ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهُودٌ، أيْ حُضُورٌ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارِ.

وقِيلَ إنَّ المُرادَ مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلى أسْلافِكم فَمَن بَعْدَهم مِنكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد ذكر أحوال بني إسرائيل بعد ذلك الاستطراد المتفنن فيه، فأعيد الأسلوب القديم وهو العطف بإعادة لفظ (إذ) في أول القصص.

وأظهر هنا لفظ ﴿ بني إسرائيل ﴾ وعدل عن الأسلوب السابق الواقع فيه التعبير بضمير الخطاب المراد به سلف المخاطبين وخلفهم لوجهين: أحدهما أن هذا رجوع إلى مجادلة بني إسرائيل وتوقيفهم على مساويهم فهو افتتاح ثان جرى على أسلوب الافتتاح الواقع في قوله تعالى: ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعدكم ﴾ [البقرة: 40] الآية.

ثانيهما: أن ما سيذكر هنا لما كان من الأحوال التي اتصف بها السلف والخلف وكان المقصود الأول منه إثبات سوء صنيع الموجودين في زمن القرآن تعين أن يعبر عن سلفهم باللفظ الصريح ليتأتى توجيه الخطاب من بعد ذلك إلى المخاطبين حتى لا يظن أنه من الخطاب الذي أريد به أسلافهم على وزان ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ [البقرة: 49] أو على وزان ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ [البقرة: 51].

وقوله: ﴿ ميثاق بني إسرائيل ﴾ أريد به أسلافهم لأنهم الذين أعطوا الميثاق لموسى على امتثال ما أنزل الله من التوراة كما قدمناه، أو المراد بلفظ (بني إسرائيل) المتقدمون والمتأخرون، والمراد بالخطاب في ﴿ توليتم ﴾ خصوص من بعدهم لأنهم الذين تولوا فليس في الكلام التفات ما، وهو أولى من جعل ما صدق ﴿ بني إسرائيل ﴾ هو ما صدق ضمير ﴿ توليتم ﴾ وأن الكلام التفات.

وقوله: ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ خبر في معنى الأمر ومجيء الخبر للأمر أبلغ من صيغة الأمر لأن الخبر مستعمل في غير معناه لعلاقة مشابهة الأمر الموثوق بامتثاله بالشيء الحاصل حتى إنه يخبر عنه.

وجملة ﴿ لا تعبدون ﴾ مبدأ بيان للميثاق فلذلك فصلت وعطف ما بعدها عليها ليكون مشاركاً لها في معنى البيانية سواء قَدَّرْت أنْ أو لم تقدِّرْها أو قدَّرت قولاً محذوفاً.

وقوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ هو مما أخذ عليهم الميثاق به وهو أمر مؤكد لما دل عليه تقديم المتعلق على متعلقه وهما ﴿ بالوالدين إحساناً ﴾ وأصله وإحساناً بالوالدين، والمصدر بدل من فعله والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً.

ولا يريبكم أنه معمول مصدر وهو لا يتقدم على عامله على مذهب البصريين لأن تلك دعوى واهية دعاهم إليها أن المصدر في معنى أنْ والفعل فهو في قوة الصلة ومعمول الصلة لا يتقدم عليها مع أن أن والفعل هي التي تكون في معنى المصدر لا العكس، والعجب من ابن جني كيف تابعهم في «شرحه للحماسة» على هذا عند قول الحماسي: وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان *** وعلى طريقتهم تعلق قوله: ﴿ بالوالدين ﴾ بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وقوله: ﴿ إحساناً ﴾ مصدر ويرد عليهم أن حذف عامل المصدر المؤكد ممتنع لأنه تبطل به فائدة التأكيد الحاصلة من التكرير فلا حاجة إلى جميع ذلك.

ونجزم بأن المجرور مقدم على المصدر، على أن التوسع في المجرورات أمر شائع وأصل مفروغ منه.

5 واليتامى جمع يتيم كالندامى للنديم وهو قليل في جمع فعيل.

وجعل الإحسان لسائر الناس بالقول لأنه القدر الذي يمكن معاملة جميع الناس به وذلك أن أصل القول أن يكون عن اعتقاد، فهم إذا قالوا للناس حسناً فقد أضمروا لهم خيراً وذلك أصل حسن المعاملة مع الخلق قال النبيء صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وقد علمنا الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ﴾ [الحشر: 10] على أنه إذا عرض ما يوجب تكدر الخاطر فإن القول الحسن يزيل ما في نفس القائل من الكدر ويرى للمقول له الصفاء فلا يعامله إلا بالصفاء قال المعري: والخل كالماء يبدي لي ضمائره *** مع الصفاء ويُخيفها مع الكدر على أن الله أمر بالإحسان الفعلي حيث يتعين ويدخل تحت قدرة المأمور وذلك الإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وإيتاء الزكاة، وأمر بالإحسان القولي إذا تعذر الفعلي على حد قول أبي الطيب: فليسعد النطق إن لم تسعدالحال *** وقوله: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أطلقت الزكاة فيه على الصدقة مطلقاً أو على الصدقة الواجبة على الأموال: وليس المراد الكناية عن شريعة الإسلام لما علمت من أن هاته المعاطيق تابعة لبيان الميثاق وهو عهد موسى عليه السلام.

وقوله: ﴿ ثم توليتم إلا قليلاً منكم ﴾ خطاب للحاضرين وليس بالتفات كما علمت آنفاً.

والمعنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائيلية على التوحيد وأصول الإحسان فكنتم ممن تولى عن ذلك وعصيتم شرعاً اتبعتموه.

والتولي الإعراض وإبطال ما التزموه، وحذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه، أي توليتم عن جميع ما أخذ علكيم الميثاق به أي أشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة.

ويجوز أن يكون المراد بالخطاب في ﴿ توليتم ﴾ المخاطبين زمن نزول الآية، وبعض من تقدمهم من متوسط عصور الإسرائيليين فيكون ضمير الخطاب تغليباً، نكتته إظهار براءة الذين أخذ عليهم العهد أولاً من نكثه وهو من الإخبار بالجمع والمراد التوزيع أي توليتم فمنكم من لم يحسن للوالدين وذي القربى إلخ وهذا من صفات اليهود في عصر نزول الآية كما سيأتي في تفسير الآية التي بعدها، ومنكم من أشرك بالله وهذا لم ينقل عن يهود زمن النزول وإنما هومن صفات من تقدمهم من بعد سليمان فقد كانت من ملوك إسرائيل عبدة أصنام وتكرر ذلك فيهم مراراً كما هو مسطور في سفري الملوك الأول والثاني من التوراة.

و (ثم) للترتيبين الترتبي والخارجي.

وقوله: ﴿ إلا قليلاً منكم ﴾ إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من حافظ على العهد.

وقوله: ﴿ وأنتم معرضون ﴾ جملة حالية ولكونها اسمية أفادت أن الإعراض وصف ثابت لهم وعادة معروفة منهم كما أشار إليه في «الكشاف» وهو مبني على اعتبار اسم الفاعل مشتقاً من فعل منزل منزلة اللازم ولا يقدر له متعلق ويجوز أن يقدر مشتقاً من فعل حذف متعلقه تعويلاً على القرينة أي وأنتم معرضون عن الوصايا التي تضمنت ذلك الميثاق أي توليتم عن تعمد وجرأة وقلة اكتراث بالوصايا وتركاً للتدبر فيها والعمل بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي في التَّوْراةِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ  .

ويُقالُ: المِيثاقُ الأوَّلُ (حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ).

﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ فَمَن قَرَأ: حَسَنًا، يَعْنِي قَوْلًا صِدْقًا في بَعْثِ مُحَمَّدٍ  ، وبِالرَّفْعِ، أيْ قُولُوا لِجَمِيعِ النّاسِ حُسْنًا، يَعْنِي خالِقُوا النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ أي ميثاقكم.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل...

﴾ الآية.

قال: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ قال: ميثاق أخذه الله على بني إسرائيل فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عمر قال: قال الأعمش: نحن نقرأ ﴿ لا يعبدون إلا الله ﴾ بالياء لأنا نقرأ آخر الآية ﴿ ثم تولوا ﴾ عنه وأنتم تقرأون ﴿ ثم توليتم ﴾ فاقرأوها لا تعبدون.

وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمرهم أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: يعني الناس كلهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء وأبي جعفر في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قالا: للناس كلهم.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عبد الملك بن سليمان أن زيد بن ثابت كان يقرأ ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ وكان ابن مسعود يقرأ ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم توليتم ﴾ أي تركتم ذلك كله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم توليتم ﴾ قال: أعرضتم عن طاعتي ﴿ إلا قليلاً منكم ﴾ وهم الذين اخترتهم لطاعتي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ اختلف النحويون (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ  ﴾ أي: غير سافكين، فيكون حالًا من المخاطبين، ويكون موضعه نصبًا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله، أو موحدين.

وقال الكسائي: يجوز أن يكون ﴿ لَا تَعْبُدُونَ ﴾ و ﴿ لَا تَسْفِكُونَ ﴾ في تقدير: لا تعبدوا، وكأن التقدير: أخذت ميثاقكم بأن لا تسفكوا (٥) ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ ﴾ (٦) وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين: أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت (٧) (٨) (٩) ﴿ نَاقَةَ الله  ﴾ أي: احذروا، وكقوله: ﴿ قَالُوا مَعْذِرَةً  ﴾ أي: موعظتنا معذرة.

والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.

وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (١٠) (١١) (١٢) أمرتك الخير (١٣) يريد بالخير، وقال الله تعالى: ﴿ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ  ﴾ فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب.

كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل عامل الرفع فرفع الفعل.

وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم (١٤) وقال كثير من النحويين: الزجّاج (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ  ﴾ ، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (١٨) (١٩) قال الفراء: ويجوز أن يكون في موضع جزم على النهي، إلا أنه خرج مخرج الخبر، كقوله: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ  ﴾ .

بالرفع ومعناه النهي، ويدل على أنه نهي قوله: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ .

وقرئ لا تعبدون بالياء والتاء (٢٠) ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سيُغلَبون ويُحْشَرونَ إلى جَهَنَم  ﴾ على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب (٢١) (٢٢) ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، الخطاب (على حكاية) (٢٣) فأما قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ  ﴾ ، وهذا لا يجوز (أن يكون) (٢٤) (٢٥) فحجة من قرأ بالتاء (٢٦) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ  ﴾ فجاء على الخطاب، ويقويه قوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ ﴾ ..

الآية.

فإذا كان هذا خطابًا وهو عطف على ما تقدّم وجب أن يكون المعطوف عليه في حكمه.

وحجة مَن قرأ بالياء قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ﴾ ..

الآية [الأنفال: 38].

وكل واحد من المذهبين قد جاء التنزيل به (٢٧) وقوله (٢٨) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ .

تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إحسانًا، كأنه قال: لما أخذنا ميثاقهم قال: وقُلنا لهم: أحْسِنوا بالوالدين إحسانًا، كما قال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا  ﴾ ، أي: وقلنا لهم: خذوا، فالجار في الوالدين يتعلق بالفعل المضمر ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر؛ لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه.

و (أَحْسِنْ) يُوصَل بالباء كما يوصل بـ (إلى) (٢٩) ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ  ﴾ .

فتَعَدّى بالباء كما تعدى بإلى (٣٠) ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ (٣١) (٣٢) وقال بعضهم: المعنى: ووصيناهم بالوالدين إحسانًا (٣٣) والقربى: القرابة في الرحم (٣٤) واليتامى: جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ (٣٥) (٣٦) قال أحمد بن يحيى: معنى قولك: صبي يتيم: منفرد من أبيه، قال: واليتم (٣٧) قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء.

ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير.

وقال الأصمعي: اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة.

قال الفراء: يقال للغلام: يَتِم يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا، وحكي لي ما كان يَتِيمًا، ولقد يَتِم يِيتَم، وقَدْ أَيْتَمَهُ الله.

وقال المُفضّل: أصل اليُتْم: الغَفْلة، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره.

وقال أبو عمرو: اليُتْم: الإبطاء، يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ الحُسنُ هاهُنا يحتمل وجهين: أحَدُهُما: أن يكون لغة في الحَسَن، كالبُخْل والبَخَل والرُشْد والرَشَد وبابه، وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهُم قالوا: العُرْبُ والعَرَبُ وهو صفة، يدلك على ذلك: قولك: قومٌ عُرْبٌ، فيكون الحُسْن على هذا صفة (٣٩) وقد حكى الزجّاج عن الأخفش هذا القول، فقال: زعم الأخفش أنه يجوز أَنْ يكون (حُسنًا) في معنى حَسَنًا (٤٠) الوجه الثاني: أن يكون الحُسْن مصدرًا كالكُفر والشُكر والشُغل، وحذف المضاف معه كأنه: قولًا ذا حُسْن (٤١) وقرأ حمزة والكسائي (حَسَنًا) (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقال أبو الهَيثم (٤٥) وحكى الأخفش عن بعض القراء: ﴿ وقولوا للناس حُسْنَى ﴾ بالتأنيث (٤٦) (٤٧) وذلك (٤٨) (٤٩) فأما معنى قوله: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ فقال ابن عباس (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥)  ، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبيّنوا له صفته، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته.

وقال الربيع بن أنس: هذا على العموم في تحسين المقالة للناس كلهم (٥٦) وقال الحسن والثوري (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالناس في هذه الآية محمد  (٦١) ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ  ﴾ ، فكأنه (٦٢)  حسْنًا.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: أعرضتم عن العهد والميثاق (٦٣) ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ ﴾ يعني: من كان ثابتًا على دينه ثم آمن بمحمد  .

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه.

ومعنى الإعراض: الذهَاب عن المواجهة إلى جهة العرض.

(١) ذكر في "البحر المحيط" 1/ 282 ثمانية أقوال في إعراب الآية.

(٢) محمد بن المستنير بن أحمد البصري، أبو علي المعروف بقطرب.

(٣) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 282.

(٤) في (ش): (تكون).

(٥) ساقطة من: (أ) و (م) من قوله: (غير عابدين).

(٦) نقله عن الكسائي الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1013، وينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 133، "تفسير الطبري" 1/ 388 - 389، "البيان" لابن الأنباري 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 283.

(٧) مقولة المبرد نقلها القرطبي في "تفسيره" 2/ 13.

(٨) ساقطة من: (أ) و (م).

(٩) في (م): (وقوله).

(١٠) ينظر في الأقوال في المسألة: "معاني القرآن" للفراء 1/ 53 - 54، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 126، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 162، "البحر المحيط" 1/ 282 - 283.

(١١) هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، صاحب أبي علي الفارسي، درس النحو وتفنن فيه حتى ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه، من مؤلفاته: "شرح مختصر الجرمي"، توفي سنة هـ 420 ص.

وينظر "إنباه الرواة" 2/ 297، و"تاريخ بغداد" 12/ 17 - 18.

(١٢) في (أ): (كذلك) مكررة.

(١٣) البيت: لعمرو بن معد يكرب، وتتمته: أمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ...

فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ "مغني اللبيب" 1/ 315، وقد عزاه في "الكتاب" 1/ 37 لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، واختلف في قائله كما في "الخزانة" 1/ 164 - 166، والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء، والمال: الإبل أو هو عام، والشاهد فيه: أمرتك الخير أراد: أمرتك بالخير.

(١٤) الترخيم: ما حذف من آخره حرف واحد أو أكثر للتخفيف، نحو: يا فاطم.

(١٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 162.

(١٦) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 53 - 54، و"البحر المحيط" 1/ 282.

(١٧) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 126.

(١٨) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 54، والبحر المحيط 1/ 282.

(١٩) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 11.

(٢٠) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالغيب، وقرأ الباقون بالخطاب.

انظر "السبعة" ص 162، "الحجة" 2/ 121، "النشر" 2/ 218.

(٢١) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالياء على الغيب في: (سيغلبون، يحشرون) وقرأ الباقون بالخطاب.

ينظر: "السبعة" ص162، و"النشر" 2/ 238.

(٢٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 54.

(٢٣) في (م): (الحكاية على حال الخطاب).

(٢٤) ساقطة من (م).

(٢٥) في (م): (مخاطبين).

(٢٦) أي في قوله: (لا تعبدون).

(٢٧) "الحجة" 2/ 123 - 126، بتصرف.

(٢٨) في (ش): (وهو قوله).

(٢٩) في "الحجة" يصل بالباء كما يصل بـ (إلى).

(٣٠) من قوله: (يدلك).

ساقط من (أ) و (م).

(٣١) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 128 - 129.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127.

(٣٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1014، و"البحر المحيط" 1/ 283 - 284.

(٣٤) قال في "البحر المحيط" 1/ 281: القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب.

(٣٥) في (م): (اليتيم).

(٣٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 452 "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "اللسان" 12/ 645، وقال ابن بري: اليتيم الذي يموت أبوه، والعجي الذي تموت أمه، واللطيم الذي يموت أبواه.

وقال ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 215: اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة.

(٣٧) في (م): (اليتيم).

(٣٨) ينظر في معاني اليتيم السابقة: "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس" 1172.

(٣٩) من "الحجة" 2/ 127، وبنحوه في "معاني القرآن" القرآن للأخفش 1/ 127، ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 813، "لسان العرب" 2/ 878 (مادة: حسن).

(٤٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، ونقله أيضًا الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 823، وعنه ابن منظور في "اللسان" 2/ 878.

(٤١) من "الحجة" 2/ 127، وبنحوه في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127.

(٤٢) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف (حَسَنا) بفتح الحاء والسين، وقرأ الباقون بضم الحاء وإسكان السين.

ينظر: "السبعة" ص 162، و"النشر" 2/ 218.

(٤٣) في (ش): (ألا تراهم أنهم).

(٤٤) كذا قال أبو علي في "الحجة" 2/ 126 - 128.

(٤٥) هو: خالد بن يزيد الرازي، كان نحويَّا إمامًا علامة، اشتهر بكنيته، روى عنه الأزهري من طريق أبي الفضل، توفي سنة 276 هـ.

ينظر: "إنباه الرواة" 4/ 188، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 42.

(٤٦) كذا في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 127.

(٤٧) قرأ بها: أبي وطلحة بن مصرف.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1015، و"البحر المحيط" 1/ 285، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 30.

(٤٨) في (ش): (في ذلك).

(٤٩) قال النحاس في "إعراب القرآن": وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال في هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه.

ونقل ذلك عن النحاس القرطبي في "تفسيره" 2/ 16، وينظر "المحرر الوجيز" 1/ 109، وكذا رد القراءة ابن جرير الطبري في "تفسيره" 390 - 391، قال: وأما الذي قرأ ذلك فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام إلى آخر ما قال.

وقد ناقش أبو حيان هذه القضية وأطال فيها النفس في "البحر المحيط" 1/ 285.

(٥٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016، وذكره القرطبي بنحوه 2/ 12.

(٥١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1016.

(٥٢) هو: أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، تقدمت ترجمته 2/ 16.

(٥٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 390 - 392، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016.

(٥٤) أخرجه عن مقاتل بن حيان ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161، وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 119، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016.

(٥٥) "معاني القرآن" 1/ 164.

(٥٦) لم أجده عن الربيع، لكن روى الطبري في تفسيره 1/ 392 بسنده عن الربيع عن أبي العالية: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ قال: قولوا للناس معروفا.

أخرجه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161.

(٥٧) أخرجه عنه الطبري في تفسيره 1/ 392، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1016، وورد مثله عن ابن عباس كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 161.

(٥٨) في (ش): (تأمروهم).

(٥٩) في (ش): (وتنهونهم).

(٦٠) وروي هذا عن ابن عباس أيضًا كما عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 161 وسنده مقبول.

وقال ابن كثير1/ 128: فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنًا، كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله.

(٦١) تقدم الحديث عن رواية عطاء هذه في المقدمة.

(٦٢) في (م): (وكأنه)، وفي (أ): (وكانوا).

(٦٣) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1016.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.

وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.

ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.

﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.

﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.

الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: إنه  كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.

ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.

وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.

وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته  وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.

التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله  أعظم من إنعام الوالدين.

ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ .

ومنها أنه  لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله  يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.

ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.

ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله  لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.

وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي  أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.

وقد تلطف إبراهيم  في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله  إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف  ﴾ إلى آخر الآية.

التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله  "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.

وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.

وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.

وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله  "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.

التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.

فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.

وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.

التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.

والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.

وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.

والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.

قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.

وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ وقال لمحمد  ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.

وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.

التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.

وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.

وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.

واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.

فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله  ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .

والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.

والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.

والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.

والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.

فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.

وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.

وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً  ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.

وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

قوله  ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي  من اليهود، كأنه  بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد  وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.

الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.

وأما قوله  ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي  .

وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.

وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.

وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟

والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.

وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.

"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.

والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن  أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.

ولا يشكل هذا بتمكين الله  الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه  لا يسأل عما يفعل.

أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.

وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.

وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله  على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد  والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.

الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.

فإذا قيل: أخزاه الله.

فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.

وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله  منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟

قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.

وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.

﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.

وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقةٍ وفطرة، وعهد رسالة ونبوة.

وقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله.

ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير الله، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما.

وقوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

بِرّاً بهما، وعَطفاً عليهما، وإِلطافاً لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 23-24]، وكقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ .

فإن قيل: إِن الأَمر بالإِحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.

غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله  ، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد.

والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق الله عليهم، وحقُّ الله عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإِنفاقُ عليهم من حق الله عليهم، وهو لازم.

فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأُمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .

يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعاً.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: يحتمل: لا تكتموا صفة محمد  ونعته ولكن أَظهروها.

ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيءٍ وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسناً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها.

ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها.

ويحتمل: أن يكونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.

وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

الآية ظاهرة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع.

وقوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأَنكم سفكتم دماءَكم.

ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض.

وذكر نقض العهد في هؤلاءِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم.

والثاني: بقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 22-23].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل: أيضاً وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضاً.

ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .

يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

يعني: يا هؤلاء.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ ﴾ .

أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضاً بالإخراج، وهو الظلم والعدوان.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .

أي: ذلك الإخراج محرم عليكم.

وقوله: ﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ...

﴾ .

الآيةُ - وإن كانت مؤخرة في الذكر - فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وإن يأْتوكم أسارى تفادوهم.

وقوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .

آمنوا بالمفَاداة من الأَسارى، وكفروا بالإِخراج وسفك الدماءِ.

ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفورا ببعضها، وهو نَعْت محمد  وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم.

ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم.

وقوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ ﴾ .

قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام.

وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبيُ ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

﴾ الآية: [إبراهيم: 42].

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وعيدٌ.

قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ .

يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد  قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة.

ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أَن آمنوا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا -يا بني إسرائيل- العهد المؤكد الَّذي أخذناه عليكم، بأن توحِّدوا الله ولا تعبدوا معه غيره، وبأن تحسنوا إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين المحتاجين، وبأن تقولوا للناس كلامًا حسنًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بلا غلظة وشدة، وبأن تؤدوا الصلاة تامة على نحو ما أمرتكم، وبأن تؤتوا الزكاة بصرفها لمستحقيها طيّبة بها أنفسكم، فما كان منكم بعد هذا العهد إلا أن انصرفتم مُعرضين عن الوفاء بما أخذ عليكم.

من فوائد الآيات بعض أهل الكتاب يدّعي العلم بما أنزل الله، والحقيقة أن لا علم له بما أنزل الله، وإنما هو الوهم والجهل.

من أعظم الناس إثمًا من يكذب على الله تعالى ورسله، فينسب إليهم ما لم يكن منهم.

مع عظم المواثيق التي أخذها الله تعالى على اليهود وشدة التأكيد عليها، لم يزدهم ذلك إلا إعراضًا عنها ورفضًا لها.

<div class="verse-tafsir" id="91.bK93y"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات السابقة كانت تذكيرًا بالنعم التاريخية الملية وبالتقصير في الشكر وعواقبه.

وذلك كالتفضيل على العالمين الذي يرفع النفس، والإنجاء من آل فرعون ومن الغرق، وإيتاء موسى الكتاب والآيات البينات، وتسهيل المعيشة عليهم في التيه بما ساق الله إليهم من المن والسلوى، ثم ما كان منهم في أثر كل نعمة وما أعقبه كفر النعم من النقم.

ولم يذكر فيما سبق من الاحكام العملية إلا ما جاء على سبيل التبع لهذه الأصول.

وفي هذه الآية وما بعدها التذكير بأمهات الأحكام في العبادات والمعاملات وما كان من إهمالها وترك العمل بها.

هذا هو المراد أولًا وبالذات، على أن فيما يأتي إعادة الإشارة إلى بعض ما مضى، قضى بها ما كان عليه اليهود من سوء الفهم وغلظ القلوب وكثرة المشاغبات والمماراة فالخطاب معهم دائمًا في باب الإطناب.

ولقد لاحظ بعض البلغاء والمفسرين أن القرآن يطنب ويبدئ ويعيد في خطاب اليهود خاصة وذلك لما كانت شحنت به أذهانهم مما يسمى علمًا أو فقهًا فأبعدهم عن أن يصل شعاع الحق إلى ما وراء ذلك من نفوسهم، ويكتفي بالإيجاز بل بالإشارة الدقيقة في خطاب العرب لما كانوا عليه من سرعة الفهم ورقة الإحساس لقربهم من السذاجة الفطرية، فالإشارة إلى البرهان، في ضمن تمثيل، يغني عند عن الإسهاب والتطويل، ولذلك خاطبهم بمثل قوله في الأصنام ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ  ﴾ .

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي واذكر أيها الرسول إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق عليهم في سياق خطابهم ولم يبينه لعلمهم به وقوله هنا ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾ .

إلخ بيان له أي للميثاق ولا مقول قول محذوف كما قال المفسر.

يقال: أخذت عليك عهدًا تفعل كذا: كما تقول: أن تفعل كذا: سواء.

وهو خبر بمعنی النهي للمبالغة والتأكيد، يلاحظ فيه أن الأمر والنهي قد امتثل فيخبر بوقوعه، أو أنه لتوثيقه والتشديد في تأكيده سيمتثل حتمًا فيخبر بأنه كائن لا محالة.

قال تعالى ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ أي وتحسنون بالوالدين إحسانًا.

والإحسان نهاية البر فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين في التوراة حتى أنه يوجد فيها الآن أن من يسب والديه يقتل.

وقد قرن الأمر بالإحسان بالوالدين إلى الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك فهو كقوله تعالى ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ وليست هذه العناية بأمر الوالدين في الكتب السماوية لكونهما سبب وجود الولد كما يقول الناس، فإنه لا منة لهما على الولد بهذه السببية لأنها لم تكن إكرامًا له ولا عناية به، كيف وهو لم يكن معروفًا أو موجودًا فيكرم، وإنما كانت بباعث الشهوة وإرضاء النفس، ومنهم من لم يكن يخطر بباله الولد إلا بعد الزواج بزمن طويل، ومنهم من كان يود أن لا يولد له، أو أن يكون له ولد واحد أو ولدان فقط، فيكون له أكثر.

فإذا كان وجوب الإحسان بالوالدين معلولًا لإرادتهما الولد فينبغي أن يخص هذا الإحسان بولد لم يكن لهما من الزوجية حظ سواه بعينه، وهو مالا وجود له.

ذلك كلام شعري، والعلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشؤونه أيام كان ضعيفًا عاجزًا جاهلًا لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يقدر أن يدفع عنها ضررًا، إذ كانا يحوطانه بالعناية والرعاية، ويكفلانه حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه، فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وإذا وجب على الإنسان أن يشكر لكل من يساعده على أمر عسير فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر الله تعالى وهما اللذان كانا يساعدانه على كل شيء، أيام كان يتعذر عليه كل شيء؟؟.

وكذلك حب الوالدين للولد ليست علته كما يقول الناس كونه جزءًا منهما وفلذة كبدهما، هذا كلام شعري لا حقيقي أيضًا، فإن جسم الإنسان مركب من الأغذية النباتية والحيوانية، فلو كانت العلة صحيحة لكان ينبغي أن يحب الحنطة والغنم أكثر مما يحب والديه.

وإنما لحب الوالدين الولد منبعان: أحدهما: حنان فطري أودعه الله تعالى فيها لإتمام حكمته.

وثانيهما: ما جرت به سنة البشر من التفاخر بالأولاد ومن الأمل بالاستفادة منهم في المستقبل، وليست الفائدة محصورة في المال والعون على المعيشة، وإنما تتناول الشرف والجاه أيضًا.

وكم أب قد علا بابن له شرفا كما علا برسول الله عدنان ولما كان حب الوالدين للأولاد بمكانة من القوة لا يخشى زوالها ترك النص على الإحسان بهم وثنى بالإحسان بمن دونهم في النسب فقال ﴿ وَذِي الْقُرْبَى  ﴾ .

الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة ويوثق الروابط الطبيعية بين الأقربين حتى تبلغ البيوت في وحدة المصلحة درجة الكمال.

والأمة تتألف من البيوت "العائلات" فصلاحها صلاحها، و من لم يكن له بيت لا تكون له أمة..

وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد، ثم بين سائر الأقربين، فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟

ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءًا من بنية أمة، لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس، فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءًا منهم يسره ما يسرهم، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته، وهو ما يجب على كل شخص لأمته.

قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة وصلتها أمتن من كل صلة، فجاء الدين يقدم حقوق الأقربين على سائر الحقوق وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص.

ثم ذكر حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ  ﴾ واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير، وقد قدم الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر ولا مسكنة، فعلم أنها مقصودة لذاتها.

أكد الله تعالى الوصية باليتيم، وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا، وحسبك أن القرآن نهى عن قهر اليتيم، وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدًا خاصًا، ولو كان السر في ذلك غلبة المسكنة على اليتامى لاكتفى هنا بذكر المساكين.

كلا...

إن السر في ذلك هو كون اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه، والعناية بأموره الدينية والدنيوية، فإن الأم إن وجدت تكون في الأغلب عاجزة ولا سيما إذا تزوجت بعد أبيه، فأراد الله تعالى وهو أرحم الراحمين- بما أكد من الوصية بالأيتام أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم يربونهم تربية دينية دنيوية لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالًا.

فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد، والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة، فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة.

وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا إلا أنهم اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملًا ينفع الناس، ولكن المسكين من يعجز عن كسب يكفيه.

وأما قوله  ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا  ﴾ فهو كلام جديد له شأن مخصوص ولذلك تغير فيه الأسلوب فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق، فإنه بين فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالإحسان، ويستحيل أن يحسن الإنسان بالفعل إلى جميع الناس لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقاربه الذين ينشأ فيهم ويتربى بينهم فجاء النص بوجوب الإحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت.

ثم أن اليتامى والمساكين من قومه هم الذين لا يستغنون عن إحسانه وإحسان أمثاله بالفعل، لأنه لا قيم للأولين، ولا غناء عند الآخرين، ففرض عليه أن يحمل لهم حظًا منه.

ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم بقي بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا  ﴾ وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحسن هو النافع في الدين أو الدنيا، وهو لا يخرج عما ذكرنا، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلًا بذاته جاء بأسلوب آخر، ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها.

جاء الأمر بالعبادة مجملًا ليعلم الإنسان أنه مكلف بكل فرد من أفرادها بحسب الطاقة، ولكن من العبادة ما لا يهتدي إليه الإنسان إلا بهداية إلهية، وأكبر ذلك النوع إقامة الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، وإيتاء الزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع، لذلك قال تعالى بعد ما تقدم ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ وإنما إقامة الصلاة بالإخلاص لله والصدق في التوجه إليه والخشوع لعظمته وجلاله والاستكانة لعز سلطانه، ولا تكون بمجرد الإتيان بصورة الصلاة ورسومها الظاهرة، ولو كان هذا هو المراد لما وصفهم بالتولي والإعراض عنه، فإنهم ما أعرضوا عن صورة الصلاة إلى ذلك اليوم الذي ذكرهم فيه بهذه الآيات، وإلى هذا اليوم أيضًا.

وأما الزكاة فقد كان بعض أحبارهم يزعم أنها تلك المحرقات والقرابين المفروضة لتكفير الخطايا أو شكر الله تعالى على إخراجهم من مصر وغير ذلك من النعم، وليس الأمر كذلك فإن لهم زكوات مالية منها مال مخصوص يؤدى لآل هارون، وهو إلى الآن في "اللاويين"، ومنها مال المساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة.

قال تعالى ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ أي ثم كان أمركم بعد هذا الميثاق الذي فيه سعادتكم أن توليتم عن العمل به وأنتم في حالة الإعراض عنه وعدم الاكتراث له.

وقد يتولى الإنسان منصرفًا عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه فليس كل متول عن شيء معرضًا عنه و مهملًا له على الدوام، لذلك كان ذكر هذا القيد ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ لازمًا لا بد منه وليس تكرارًا كما يتوهم وإنما هو متمم للمعنى ومؤكد للمبالغة في الترك المستفاد من التولي.

ولا حاجة إلى ما زاده المفسر من قوله: فقبلتم ذلك: ليعطف عليه ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ  ﴾ فالمقام مقام وعيد وزجر وتوبيخ وفي كلمة ﴿ ثُمَّ  ﴾ نفسها ما يفيد أن التولي لم يكن عقيب أخذ الميثاق.

وقد كان سبب ذلك التولي مع الإعراض أن الله أمرهم أن لا يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله يحلون برأيهم و يحرمون، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون، ويزيدون في الأحكام والشرائع، ويضعون ما شاءوا من الاحتفالات والشعائر، فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.

فإن الله هو الذي يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه وما شرع على ألسنة رسله.

وقد اتبع سنن اليهود في هذا التشريع جميع من بعدهم من أهل الملل، وحكم الجميع عند الله تعالى واحد لا يختلف، فهو لا يحابي أحدًا ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  ﴾ ، وكذلك كانوا قد قطعوا صلات القرابة، وبخلوا بالنفقة الواجبة، وتركوا النهي عن المنكر، وفقدوا روح الصلاة، ومنعوا الزكاة، ولكنهم الآن عادوا إلى بعض ما تركوا، ولم يعد الذين تشبهوا بهم، أو اتبعوا بغير شعور سنتهم، والأمر لله العلي الكبير.

وأما قوله ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ  ﴾ فهو استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى  ، أو في كل زمن، فإنه لا تخلو أمة من الأمم من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم.

والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهي إذا فشا فيها المنكر وقل المعروف.

لو تدبر جهالنا هذه الآية لعلموا أنهم مغرورن بالاعتماد على الأقطاب والأوتاد والأبدال في تحمل البلاء عنهم، ومنع العذاب أن ينزل بالأمة ببركتهم، فلو فرض أن هؤلاء الأقطاب موجودون حقيقة فإن وجودهم لا يغني عن الأمة شيئا، وقد عصى الله جماهيرها ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به.

فقد جرت سنته تعالى في خلقه بأن بقاء الأمم عزيزة إنما يكون بمحافظة الجماهير فيها على الأخلاق والأعمال التي تكون بها العزة ويحفظ بها المجد والشرف، ومن لم يعتبر بآيات الله في كتابه، لا يعتبر بآياته وسننه في خلقه، فقد فتن المسلمون في دينهم ودنياهم وحل بجميع بلادهم ما حل من البلاء وهم لا يعتبرون، ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ ؟

﴿ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ  ﴾ ؟.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله