الآية ٦٣ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٦٣ من سورة طه

قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالوا إن هذان لساحران ) هذه لغة لبعض العرب ، جاءت هذه القراءة على إعرابها ، ومنهم من قرأ : " إن هذين لساحران " وهذه اللغة المشهورة ، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه .

والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم : تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون : موسى وهارون - ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر ، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس ، وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده ، فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم .

وقوله : ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) أي : ويستبدا بهذه الطريقة ، وهي السحر ، فإنهم كانوا معظمين بسببها ، لهم أموال وأرزاق عليها ، يقولون : إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض ، وتفردا بذلك ، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم .

وقد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس [ قال ] في قوله : ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) يعني : ملكهم الذي هم فيه والعيش .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا هشيم ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله : ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال : يصرفا وجوه الناس إليهما .

وقال مجاهد : ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال : أولي الشرف والعقل والأسنان .

وقال أبو صالح : ( بطريقتكم المثلى ) أشرافكم وسرواتكم .

وقال عكرمة : بخيركم .

وقال قتادة : وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل ، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله : يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما .

وقال عبد الرحمن بن زيد : ( بطريقتكم المثلى ) بالذي أنتم عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) يقول تعالى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بينهم.

وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وقال آخرون: بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.

وقوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) يقول تعالى ذكره: وأسرّوا السحرة المناجاة بينهم.

ثم اختلف أهل العلم في السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا.

وقال آخرون :في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ).

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) من دون موسى وهارون، قالوا في نجواهم ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قالوا: إن هذان لساحران، يَعْنُونَ بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما .

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ) موسى وهارون صلى الله عليهما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران قرأ أبو عمر ( إن هذين لساحران ) .

ورويت عن عثمان وعائشة - رضي الله عنهما - وغيرهما من الصحابة ؛ وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين ؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري ؛ فيما ذكر النحاس .

وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف .

وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه إن هذان بتخفيف ( إن ) ( لساحران ) وابن كثير يشدد نون ( هذان ) .

وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران .

وقرأ المدنيون والكوفيون ( إن هذان ) بتشديد ( إن ) ( لساحران ) فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب .

قال النحاس فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ ( إن هذان إلا ساحران ) وقال الكسائي في قراءة عبد الله : ( إن هذان ساحران ) بغير لام ؛ وقال الفراء في حرف أبي ( إن ذان إلا ساحران ) فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف .قلت : وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له ، والنحاس في إعرابه ، والمهدوي في تفسيره ، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض .

وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو : إني لأستحي من الله أن أقرأ ( إن هذان ) وروى عروة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن قوله تعالى : لكن الراسخون في العلم ثم قال : والمقيمين وفي ( المائدة ) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون و ( إن هذان لساحران ) فقالت يا ابن أختي !

هذا خطأ من الكاتب .

وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم .

وقال أبان بن عثمان : قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان ، فقال لحن وخطأ ؛ فقال له قائل : ألا تغيروه ؟

فقال : دعوه فإنه لا يحرم [ ص: 134 ] حلالا ولا يحلل حراما .

القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحارث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف ؛ يقولون : جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، ومنه قوله تعالى : ولا أدراكم به على ما تقدم .

وأنشد الفراء لرجل من بني أسد - قال : وما رأيت أفصح منه :فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لناباه الشجاع لصمماويقولون : كسرت يداه وركبت علاه ؛ يديه وعليه ؛ قال شاعرهم [ هوبر الحارثي ] :تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقموقال آخر :طاروا علاهن فطر علاهاأي عليهن وعليها .وقال آخر :إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاهاأي إن أبا أبيها وغايتيها .

قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية ؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة ، وقد حكاها من يرتضى بعلمه وأمانته ؛ منهم أبو زيد الأنصاري وهو الذي يقول : إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما يعنيني ؛ وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة ، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب .

وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة .

المهدوي : وحكى غيره أنها لغة لخثعم .

قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه : واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين ، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الإعراب ؛ قال أبو جعفر فقول سيبويه : وهو حرف الإعراب ، يوجب أن الأصل ألا يتغير ، فيكون ( إن هذان ) جاء على أصله ليعلم ذلك ، وقد قال تعالى : استحوذ عليهم الشيطان ولم يقل استحاذ ؛ فجاء هذا ليدل على الأصل ، وكذلك ( إن هذان ) ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذا كان الأئمة قد رووها .

القول الثاني أن يكون ( إن ) بمعنى نعم ؛ كما حكى الكسائي عن عاصم قال : العرب تأتي ب إن بمعنى نعم ، وحكى سيبويه أن ( إن ) تأتي [ ص: 135 ] بمعنى أجل ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان ؛ قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه .

الزمخشري : وقد أعجب به أبو إسحاق .

النحاس : وحدثنا علي بن سليمان ، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد فحدثني ، قال حدثني عمير بن المتوكل ، قال حدثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب ، قال حدثنا عمر بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - وهو ابن الحسين - عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين ، قال : لا أحصي كم سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على منبره : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ثم يقول : أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص قال أبو محمد الخفاف قال عمير : إعرابه عند أهل العربية والنحو إن الحمد لله بالنصب إلا أن العرب تجعل ( إن ) في معنى نعم كأنه أراد - صلى الله عليه وسلم - ؛ نعم الحمد لله ؛ وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم .

وقال الشاعر في معنى نعم :قالوا غدرت فقلت إن وربما نال العلا وشفى الغليل الغادروقال عبد الله بن قيس الرقيات :بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنهويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنهفعلى هذا جائز أن يكون قول الله - عز وجل - : إن هذان لساحران بمعنى نعم ولا تنصب .

قال النحاس : أنشدني داود بن الهيثم ، قال : أنشدني ثعلب :ليت شعري هل للمحب شفاء من جوى حبهن إن اللقاءقال النحاس : وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال : نعم زيد خارج ، ولا تكاد تقع اللام هاهنا ، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا : اللام ينوى بها التقديم ؛ كما قال :خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا[ ص: 136 ] آخر :أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من الشاة بعظم الرقبهأي لخالي ولأم الحليس ؛ وقال الزجاج : والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ .

المهدوي : وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني .

قال أبو الفتح : ( هما ) المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف ، وإذا كان معروفا فقد استغني بمعرفته عن تأكيده باللام ، ويقبح أن تحذف المؤكد وتترك المؤكد .

القول الثالث قال الفراء أيضا : وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ولم أغيرها كما قلت : ( الذي ) ثم زدت عليه نونا فقلت : جاءني الذين عندك ، ورأيت الذين عندك ، ومررت بالذين عندك القول الرابع قاله بعض الكوفيين قال : الألف في ( هذان ) مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير .

القول الخامس : قال أبو إسحاق : النحويون القدماء يقولون الهاء هاهنا مضمرة ، والمعنى إنه هذان لساحران ؛ قال ابن الأنباري : فأضمرت الهاء التي هي منصوب ( إن ) و ( هذان ) خبر ( إن ) و ( ساحران ) يرفعها ( هما ) المضمر ، والتقدير : إنه هذان لهما ساحران .

والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم ( إن ) و ( هذان ) رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء .

القول السادس قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية ، فقال : إن شئت أجبتك بجواب النحويين ، وإن شئت أجبتك بقولي ؛ فقلت بقولك ؛ فقال : سألنيإسماعيل بن إسحاق عنها فقلت .

القول عندي أنه لما كان يقال ( هذا ) في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة ، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة ؛ فقال ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به ؛ قال ابن كيسان : فقلت له : فيقول القاضي به حتى يؤنس به ؛ فتبسم .قوله تعالى : يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى هذا من قول فرعون للسحرة ؛ أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ؛ كما قال فرعون : إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد .

ويقال : فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب .

وقيل : طريقة القوم أفضل القول ؛ وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ؛ فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ؛ استمالة لهم .

أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء .

أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف .

و المثلى تأنيث الأمثل ؛ كما يقال الأفضل والفضلى .

وأنث الطريقة على اللفظ ، وإن كان يراد بها الرجال .

ويجوز أن يكون التأنيث [ ص: 137 ] على الجماعة .

وقال الكسائي : بطريقتكم بسنتكم وسمتكم .

والمثلى نعت كقولك امرأة كبرى .

تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والنجوى التي أسروها فسرها بقوله: { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } كمقالة فرعون السابقة، فإما أن يكون ذلك توافقا من فرعون والسحرة على هذه المقالة من غير قصد، وإما أن يكون تلقينا منه لهم مقالته، التي صمم عليها وأظهرها للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا: { وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } أي: طريقة السحر حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم، ليكون له الفخر والصيت والشهرة، ويكون هو المقصود بهذا العلم، الذي أشغلتم زمانكم فيه، ويذهب عنكم ما كنتم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة، وهذا حض من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ( قالوا ) وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون : ( إن هذان لساحران ) يعني موسى وهارون .

قرأ ابن كثير وحفص : ( إن ) بتخفيف النون ، ( هذان ) أي : ما هذان إلا ساحران ، كقوله : وإن نظنك لمن الكاذبين ( الشعراء : 186 ) ، أي : ما نظنك إلا من الكاذبين ، ويشدد ابن كثير النون من " هذان " .

وقرأ أبو عمرو " إن " بتشديد النون " هذين " بالياء على الأصل .

وقرأ الآخرون : " إن " بتشديد النون ، " هذان " بالألف ، واختلفوا فيه : فروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنه خطئ من الكاتب .

وقال قوم : هذه لغة الحارث بن كعب ، وخثعم ، وكنانة ، فإنهم يجعلون الاثنين في الرفع والنصب والخفض بالألف ، يقولون : أتاني الزيدان [ ورأيت الزيدان ] ومررت بالزيدان ، [ فلا يتركون ] ألف التثنية في شيء منها وكذلك يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا ، كما في التثنية ، يقولون : كسرت يداه وركبت علاه ، يعني يديه وعليه .

وقال شاعرهم تزود مني بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم يريد بين أذنيه .

وقال آخر إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وقيل : تقدير الآية : إنه هذان ، فحذف الهاء .

وذهب جماعة إلى أن حرف " إن " هاهنا ، بمعنى نعم ، أي : نعم هذان .

روي أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه ، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وصاحبها ، أي : نعم .

وقال الشاعر بكرت علي عواذلي يلحينني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه أي : نعم .

( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ) مصر ( بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال ابن عباس : يعني بسراة قومكم وأشرافكم ، يقال : هؤلاء طريقة قومهم أي : أشرافهم و ( المثلى ) تأنيث " الأمثل " ، وهو الأفضل ، حديث الشعبي عن علي ، قال : يصرفان وجوه الناس إليهما .

قال قتادة : طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا ، فقال عدو الله : يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم .

وقيل : ( بطريقتكم المثلى ) أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه و ( المثلى ) نعت الطريقة ، تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى ، يعني : على الهدى المستقيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا» لأنفسهم «إن هذان» وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث ولأبي عمرو: هذين «لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى» مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتجاذب السحرة أمرهم بينهم وتحادثوا سرًا، قالوا: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من بلادكم بسحرهما، ويذهبا بطريقة السحر العظيمة التي أنتم عليها، فأحكموا كيدكم، واعزموا عليه من غير اختلاف بينكم، ثم ائتوا صفًا واحدًا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتَبْهَروا الأبصار، وتغلبوا سحر موسى وأخيه، وقد ظفر بحاجته اليوم مَن علا على صاحبه، فغلبه وقهره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذى استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة فى النهاية ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : ( قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ) .فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون ، وإلى أنهم بذلوا أقصى جهدهم فى تجميع صفوفهم ، وفى تشجيع بعضهم لبعض ، حتى لا يستلب موسى - عليه السلام - منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم .

.أى : قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجى والإسرار ، ما استقر عليه رأيهم ، من أن موسى وهارون ساحران ( يُرِيدَانِ ) عن طريق سحرهما أن يخرجا السحرة من أرضهم مصر : ليستوليا عما وأتباعهما عليهمازويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى .

أى بمذهبكم ودينكم الذى هو أمثل المذاهب وأفضلها ، وبملككم الذى أنتم فيه ، وبعيشكم الذى تنعمون به .فالمثلى : مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل .

وإنما أنث باعتبار التعبير بالطريقة .

هذا ، وهناك قراءات فى قوله تعالى : ( إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ) ذكرها الإمام القرطبى .فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ) قرأ أبو عمرو : ( إِنْ هاذين لَسَاحِرَانِ ) ورويت - هذه القراءة - عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة .

.

.وقرأ الزهرى والخليل بن أحمد وعاصم فى رواية حفص عنه ( إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ) بتخفيف ( إِنْ ) .

.

.

وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراف ، ويكون معناها : ما هذان إلا ساحران .وقرأ المدنيون والكوفيون : ( إِنَّ هذان ) بتشديد إن ( لَسَاحِرَانِ ) فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب .فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة من الأئمة .والعلماء فى قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال : الأول أنها لغة بنى الحارث بن كعب وزبيد وخثعم .

.

.

، يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفضه بالألف .

.

.

وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القراءة المشهورة: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً أخر.

أحدها: قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر: (إن هذين لساحران) قالوا: هي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن رضي الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ وعن قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى  ﴾ في المائدة، وعن قوله: ﴿ لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ  ﴾ إِلى قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة  ﴾ فقالت يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب، وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، وعن أبي عمرو أنه قال: إني لأستحي أن أقرأ: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ .

وثانيها: قرأ ابن كثير: (إن هذان) بتخفيف إن وتشديد نون هذان.

وثالثها: قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف النونين.

ورابعها: قرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى أنْ هاذان ﴾ بفتح الألف وجزم نونه (و) ساحران بغير لام.

وخامسها: عن الأخفش: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة وهي لغة قوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما.

وسادسها: روى عن أبي بن كعب: (ما هذان إلا ساحران) وروي عنه أيضاً: (إن هذان لساحران) وعن الخليل مثل ذلك، وعن أبي أيضاً: (إن ذان لساحران) فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر إذ لو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها مع كونها من القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك، فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما أدى إليه، وأما الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه: أحدها: أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.

وثانيها: أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيه لحناً وغلطاً.

وثالثها: قال ابن الأنباري إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا في المصحف لحناً لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الاتباع، حتى قال بعضهم: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

فثبت أنه لابد من تصحيح القراءة المشهورة.

واختلف النحويون فيه وذكروا وجوهاً: الوجه الأول: وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هي لغة بلحارث بن كعب، والزجاج نسبها إلى كنانة وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها ابن جني إلى بعض بني ربيعة أيضاً وأنشد الفراء على هذه اللغة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى *** مساغاً لناباه الشجاع لصمما وأنشد غيره: تزود منا بين أذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقيم قال الفراء وحكى بعض بني أسد أنه قال هذا خط يدا أخي أعرفه.

وقال قطرب هؤلاء يقولون: رأيت رجلان واشتريت ثوبان قال رجل من بني ضبة جاهلي: أعرف منها الجيد والعينانا *** ومنخرين أشبها ظبيانا وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء.

وقال آخر: طاروا علاهن فطر علاها *** واشدد بمثنى حقب حقواها وقال آخر: كأن صريف ناباه إذا ما *** أمرهما صرير الأخطبان قال بعضهم: الأخطبان ذكر الصردان، فصيرهما واحداً فبقي الاستدلال بقوله صريف ناباه، قال: وأنشدني يونس لبعض بني الحرث: كأن يميناً سحبل ومصيفه *** مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا وأنشدوا أيضاً: إن أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها وقال ابن جني روينا عن قطرب: هناك أن تبكي بشعشعان *** رحب الفؤاد طائل اليدان ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلاً أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح، فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً ولو كان ما بعده ياء ينبغي أن تنقلب ألفاً لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد هذا أقوى الوجوه في هذه الآية ويمكن أن يقال أيضاً: الألف في هذا من جوهر الكلمة والحرف الذي يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضي أن لا يجوز أن يقال: (إن هذين) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه أن يقال إن هذان.

الوجه الثاني: في الجواب أن يقال إن هاهنا بمعنى نعم قال الشاعر: ويقلن شيب قد علا *** ك وقد كبرت فقلت إنه أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى: ﴿ هَلَكَ عَنّي سلطانيه  ﴾ وقال أبو ذؤيب: شاب المفارق إن إن من البلى *** شيب القذال مع العذار الواصل أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران، واعترضوا عليه فقالوا: اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في المبتدأ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين: الأول: لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله: أم الحليس لعجوز شهر به *** ترضى من اللحم بعظم الرقبه وقال آخر: خالي لأنت ومن جرير خاله *** ينل العلاء ويكرم الأخوالا وأنشد قطرب: ألم تكن حلفت بالله العلي *** أن مطاياك لمن خير المطي وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطرباً قال: سمعناه مفتوح الهمزة وأيضاً فقد أدخلت اللام في خبر أمسى، قال ابن جني أنشدنا أبو علي: مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم *** فقال من سئلوا أمسى لمجهودا وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول: أراك المسالمي وإني رأيته لشيخاً وزيد والله لواثق بك وقال كثير: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها *** لكالهائم المقصى بكل بلاد وقال آخر: ولكنني من حبها لعميد *** وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم في محل لابد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن هاهنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا: إن لزيداً قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله: ما إن رأيت ولا سمعت به *** كاليوم طالبني أنيق أجرب والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيداً قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكداً آخر مع كلمة إن صار عبثاً، أما لو قلت: رأيت فلاناً فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكداً للأول فلا يكون عبثاً فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى، ولأن هذه العلل في نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر.

الوجه الثاني: في الجواب عن قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال: إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على الخبر.

قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحاق فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا.

قال ابن جنى: هذا القول غير صحيح لوجوه: الوجه الأول: أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلاً.

الوجه الثاني: أن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

الوجه الثالث: امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيداً للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا هاهنا.

الوجه الرابع: أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به.

على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الإضطرار إذا وجدوا له وجهاً ظاهراً، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في اللفظ ما يدل عليه وهو قوله: هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير في قولهم: زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد: ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولاً فلا يمكن جعله تأكيداً للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع هاهنا لهذه العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقاً ممتنع وأما قوله: النحويون حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به.

على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون، فهذا اعتراض في نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فما أكثر ما ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا.

الوجه الثالث: في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلي وهو الرفع.

المقدمة الأولى: أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى.

أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الإسم وهو تأكيد موصوفيته بالخبر كما أنك إذا قلت: قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى في الإسم.

المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل فذلك ظاهر بناء على الدوران.

المقدمة الثالثة: أنها لم تنصب الاسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال: إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً أو تنصبهما معاً أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك.

والقسم الثاني: أيضاً باطل لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه.

والقسم الثالث: أيضاً باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع وفي المفعول بالنصب فلو جعل النصب هاهنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين.

القسم الرابع: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصيلة لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب العمل عدول عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض.

المقدمة الرابعة: لما ثبت أن تأثيرها في نصب الاسم بسبب هذه المشابهة وجب جواز الرفع أيضاً، وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضي الرفع ودخول إن على المبتدأ لا يزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لا زوال ما كان إذا ثبت هذا فنقول: وصف كونه مبتدأ يقتضي الرفع وحرف إن يقتضي النصب ولكن المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين: أحدهما: أن وصف كونه مبتدأ صفة أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض.

والثاني: أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلي واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من النصب فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت بخبر إن ثم عطفت على الاسم إسماً آخر جاز فيه الرفع والنصب معاً.

الوجه الرابع: في الجواب قال الفراء: هذا أصله ذا زيدت الهاء لأن ذا كلمة منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفاً للتثنية فصارت هذا إن فاجتمع ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص فحذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم لم تعمل إن لأن عملها في ألف التثنية، وقال آخرون: الألف الباقي إما ألف الأصل أو ألف التثنية.

فإن كان الباقي ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل الخارجي لا يتصرف في ذات الكلمة، وإن كان الباقي ألف التثنية فلا شك أنهم أنابوها مناب ألف الأصل، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول.

الوجه الخامس: في الجواب حكى الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء هاهنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن، فهذا ما قيل في هذا الموضع، فأما من خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فإن ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها في الخبر لازمة واجبة وإن كانت في إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن المؤكدة وإن النافية.

قال الشاعر: وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت *** رحا الحرب أو دارت على خطوب وقال آخر: إن القوم والحي الذي أنا منهم *** لأهل مقامات وشاء وجامل الجامل جمع جمل، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتباراً بكان فإنها تعمل وإن نقصت في قولك: لم يكن لبقاء معنى التأكيد، وإن زال الشبه اللفظي بالفعل لأن العبرة للمعنى، وهذه اللغة تدل على أن العبرة في باب الإعمال الشبه المعنوي بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظي كما أن التعويل في باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلاً محضاً، وأما اللغة الظاهرة وهي ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظي في إن الثقيلة أحد جزأي العلة في حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون فإنه عامل بمعناه لكونه فعلاً محضاً ولا عبرة للفظه.

المسألة الثانية: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه.

فأحدها: قولهم: ﴿ هاذان لساحران ﴾ وهذا طعن منهم في معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه.

وثانيها: قوله: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ وهذا في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ، والمولد شديدة على القلوب، وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى  ﴾ وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها.

وثالثها: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى ﴾ وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره وهاهنا بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة لغيرهم يقال هم طريقة قومهم، ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه، وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف أي ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وعلى التقديرين، فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنوا اسرائيل لقول موسى عليه السلام: ﴿ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل  ﴾ وإنما سموا بني إسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عدداً وأموالاً ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى: ﴿ وَكُلٌّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  ﴾ ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة.

البحث الثاني: ﴿ المثلى ﴾ مؤنثة لتأنيث الطريقة، واختلفوا في أنه لم سمى الأفضل بالأمثل فقال بعضهم: الأمثل: الأشبه بالحق، وقيل: الأمثل الأوضح والأظهر، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم مبالغتهم في التنفير عن موسى عليه السلام والترغيب في إبطال أمره حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً ﴾ قرأ أبو عمرو بوصل الألف وفتح الميم من أجمعوا يعني لا تدعوا شيئاً من كيدهم إلا جئتم به دليله قوله: ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ وقرأ الباقون بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: قال الفراء: الإجماع الأحكام والعزيمة على الشيء، يقال: أجمعت على الخروج مثل أزمعت.

والثاني: بمعنى الجمع وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ  ﴾ قال الزجاج: ليكن عزمكم كلكم كاليد مجمعاً عليه لا تختلفوا ثم ائتوا صفاً، ذكر أبو عبيدة والزجاج وجهين: أحدهما: أن الصف موضع الجمع والمعنى ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، والمعنى: ائتوا مصلى من المصليات أو كان الصف علماً للمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه.

والثاني: أن يكون الصف مصدراً والمعنى ثم ائتوا مصطفين مجتمعين لكي يكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم، وهذا قول عامة المفسرين، وقوله: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ﴾ اعتراض، يعني: وقد فاز من غلب فكانوا يقرون بذلك أنفسهم فيما اجتمعوا عليه من إظهار ما يظهرونه من السحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس: إن نجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب لما قال: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول، ثم قالوا: إن هذان لساحران.

فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره، خوفاً من غلبتهما، وتثبيطاً للناس عن اتباعهما.

قرأ أبو عمرو: ﴿ إن هذين لساحران ﴾ على الجهة الظاهرة المكشوفة.

وابن كثير وحفص ﴿ إنْ هذان لساحران ﴾ على قولك: إنْ زيد لمنطلق.

واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة.

وقرأ أبيّ ﴿ إن ذان إلا ساحران ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ أن هذان ساحران ﴾ بفتح أن وبغير لام، بدل من النجوى.

وقيل في القراءة المشهورة ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ هي لغة بلحرث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ ﴾ بمعنى نعم.

و ﴿ لسا حرا نِ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران.

وقد أعجب به أبو إسحاق سموا مذهبهم الطريقة ﴿ المثلى ﴾ والسنة الفضلى، وكل حزب بما لديهم فرحون.

وقيل: أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو إسرائيل، لقول موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بنى إسرا ءيلَ ﴾ وقيل: ﴿ الطريقة ﴾ اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

يقال: هم طريقة قومهم.

ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ يعضده قوله: (فجمع كيده) وقرئ ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي أزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه، حتى لا تختلفوا ولا يخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها.

أمروا بأن يأتوا صفاً لأنه أهيب في صدور الرائين.

وروي: أنهم كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين.

ووجه صحته أن يقع علماً لمصلى بعينه، فأمروا بأن يأتوه أو يراد.

ائتوا مصلى من المصليات ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ﴾ اعتراض.

يعني: وقد فاز من غلب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ تَنازَعَتِ السَّحَرَةُ في أمْرِ مُوسى حِينَ سَمِعُوا كَلامَهُ فَقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ هَذا مِن كَلامِ السَّحَرَةِ.

﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ بِأنَّ مُوسى إنْ غَلَبَنا اتَّبَعْناهُ أوْ تَنازَعُوا واخْتَلَفُوا فِيما يُعارِضُونَ بِهِ مُوسى وتَشاوَرُوا في السِّرِّ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقَوْلُهُ: ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ( أسَرُّوا النَّجْوى ) كَأنَّهم تَشاوَرُوا في تَلْفِيقِهِ حَذَرًا أنْ يَغْلِبا فَيَتْبَعَهُما النّاسُ، وهَذانِ اسْمٌ إنْ عَلى لُغَةِ بِلْحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ فَإنَّهم جَعَلُوا الألِفَ لِلتَّثْنِيَةِ وأعْرَبُوا المُثَنّى تَقْدِيرًا.

وقِيلَ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ و ﴿ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ خَبَرُها.

وقِيلَ ( إنْ ) بِمَعْنى نَعَمْ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وفِيهِما إنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ.

وقِيلَ أصْلُهُ إنَّهُ هَذانِ لَهُما ساحِرانِ فَحُذِفَ الضَّمِيرُ وفِيهِ أنَّ المُؤَكَّدَ بِاللّامِ لا يَلِيقُ بِهِ الحَذْفُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «إنَّ هَذَيْنِ» وهو ظاهِرٌ، وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ﴿ إنْ هَذانِ ﴾ عَلى أنَّها هي المُخَفَّفَةُ واللّامَ هي الفارِقَةُ أوِ النّافِيَةُ واللّامُ بِمَعْنى إلّا.

﴿ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ ﴾ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها.

﴿ بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ بِمَذْهَبِكُمُ الَّذِي هو أفْضَلُ المَذاهِبِ بِإظْهارِ مَذْهَبِهِما وإعْلاءِ دِينِهِما لِقَوْلِهِ ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ .

وقِيلَ أرادُوا أهْلَ طَرِيقَتِكم وهم بَنُو إسْرائِيلَ فَإنَّهم كانُوا أرْبابَ عِلْمٍ فِيما بَيْنَهم لِقَوْلِ مُوسى ﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ .

وقِيلَ الطَّرِيقَةُ اسْمٌ لِوُجُوهِ القَوْمِ وأشْرافِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قالوا إن هذان لساحران} يعني موسى وهرون قرأ أبو عمر إن هَذينِ لساحران وهو ظاهر ولكنه مخالف للإمام وابن كثير وحفص والخليل وهو أعرف بالنحو واللغة ان هذان لساحران بتخفيف إن مثل قولك إن زيد لمنطلق واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة والثقيلة وقيل هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران دليله قراءة أبي أن هذان إلا ساحران وغيرهم إن هذان لساحران قيل هي لغة بلحارث بن كعب وخثعم ومراد وكنانة فالتثنية في لغتهم بالألف أبداً فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب كعصا وسعدى قال ...

إن أباها وأبا أباها ...

قد بلغ في المجد غايتاها ...

وقال الزجاج إن بمعنى نعم قال الشاعر ...

ويقلن شيب قد علا ...

ك وقد كبرت فقلت إنه ...

أي نعم والهاء للوقف وهذان مبتدأ وساحران خبر مبتدأ محذوف واللام داخلة على المبتدأ المحذوف تقديره هذان لهما ساحران فيكون دخولها في موضعها الموضع لها وهو الابتداء وقد يدخل اللام في الخبر كما يدل في المبتدأ قال ...

خالي لأنت ومن جرير خاله ...

قال فعرضته على المبرد فرضيه وقد زيفه أبو عليّ {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ} مصر {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ} بدينكم وشريعتكم {المثلى} الفضلى وتأنيث الامثل وهو الأفضل

طه (٦٩ - ٦٤)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالُوا ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ ونَتِيجَةُ التَّنازُعِ وخُلاصَةُ ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ آراؤُهم بَعْدَ التَّناظُرِ والتَّشاوُرِ.

وقِيلَ: كانَ نَجْواهم أنْ قالُوا حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إسْحاقَ.

وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ.

وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ المُرادُ مِن (أمْرَهُمْ) أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِوُقُوعِهِ فِيما بَيْنَهم واهْتِمامِهِمْ بِهِ ويَكُونُ أسْرارُهم مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهم: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم مِنَ الأقاوِيلِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ آراؤُهم عَلى ذَلِكَ وأبَوْا إلّا المُناصَبَةَ لِلْمُعارَضَةِ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِلنّاسِ بَعْدَ تَمامِ التَّنازُعِ فَقِيلَ: ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ ﴾ إلَخْ.

وجُعِلَ الضَّمِيرُ في (قالُوا): لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلسَّحَرَةِ رَدًّا لَهم عَنِ الِاخْتِلافِ وأمْرًا بِالإجْماعِ والإزْماعِ، وإظْهارُ الجَلادَةِ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ( تَنازَعُوا ) والضَّمائِرُ الَّذِي بَعْدَهُ لَهم كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أيْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الإخْلالُ وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ واللّامُ فارِقَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ نُونِ (هَذانِّ) وهو عَلى خِلافِ القِياسِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وغَيْرِها.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ.

ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ.

وفي رِوايَةٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قُرى ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ ) .

وقُرِئَ ( إنْ ذانِ ) بِدُونِ هاءِ التَّنْبِيهِ ( إلّا ساحِرانِ ) .

وعَزاها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ وبَعْضُهم إلى أُبَيٍّ وهي تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا.

وقُرِئَ ( إنْ ذانِ لَساحِرانِ ) بِإسْقاطِ هاءِ التَّنْبِيهِ فَقَطْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وأيُّوبُ وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ.

والأخَوانِ.

والصّاحِبانِ مِنَ السَّبْعَةِ (إنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( هَذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ حَتّى قِيلَ: إنَّها لَحْنٌ وخَطَأٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ لَحْنِ القُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ﴾ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي هَذا عَمَلُ الكُتّابِ أخْطَؤُوا في الكِتابِ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ.

وهَذا مُشْكِلٌ جِدًّا إذْ كَيْفَ يُظَنُّ بِالصَّحابَةِ أوَّلًا أنَّهم يَلْحَنُونَ في الكَلامِ فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ وهُمُ الفُصَحاءُ اللَّدُّ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثانِيًا الغَلَطُ في القُرْآنِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أنْزِلُ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في حِفْظِهِ وضَبْطِهِ وإتْقانِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثالِثًا اجْتِماعُهم كُلُّهم عَلى الخَطَأِ وكِتابَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ رابِعًا عَدَمُ تَنَبُّهِهِمْ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ خامِسًا الِاسْتِمْرارُ عَلى الخُطا وهو مَرْوِيٌّ بِالتَّواتُرِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَوْ ساغَ مِثْلَ ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالقُرْآنِ.

وقَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّ (إنْ) بِمَعْنى نَعَمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ الصَّغِيرُ وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ والجَيِّدُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِمَن قالَ لَهُ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ إنْ وراكِبُها إذْ قَدْ قِيلَ: في البَيْتِ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إنْ فِيهِ بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ بَلْ هي النّاصِبَةُ والهاءُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّهُ كَذَلِكَ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّها في الخَبَرِ كَذَلِكَ وحُذِفَ الجُزْءانِ لِأنَّ حَذْفَ الجُزْأيْنِ جَمِيعًا لا يَجُوزُ.

وضَعَّفَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ كَوْنَها بِمَعْنى نَعَمْ لَمْ يَثْبُتْ، أوْ هو نادِرٌ.

وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ مِن غَيْرِ نُدْرَةٍ لَيْسَ قَبْلَها ما يَقْتَضِي جَوابًا حَتّى تَقَعَ نَعَمْ في جَوابِهِ.

والقَوْلُ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِن صَدْرِ الكَلامِ أنَّ مِنهم مَن قالَ: هُما ساحِرانِ فَصَدَقَ وقِيلَ: نَعَمْ بَعِيدٌ.

ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ﴾ وأيْضًا إنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ولَيْسَ لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِهِ: أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَةْ أوْ بِأنَّها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ لَهُما ساحِرانِ، كَما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا وشَيْخِنا وأُسْتاذِنا مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ.

والقاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادً فَقَبِلاهُ، وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا أوْ بِأنَّها دَخَلَتْ بَعْدَ إنْ هَذِهِ لِشَبَهِها بِإنَّ المُؤَكِّدَةِ لَفْظًا كَما زِيدَتْ إنْ بَعْدَ ما المَصْدَرِيَّةِ لِمُشابَهَتِها لِلنّافِيَةِ في قَوْلِهِ: ورَجِّ الفَتى لِلْخَيْرِ ما إنْ رَأيْتَهُ ∗∗∗ عَلى السِّنِّ خَيْرًا لا يَزالُ يَزِيدُ ورَدَّ الأوَّلَ بِأنَّ زِيادَتَها في الخَبَرِ خاصَّةٌ بِالشِّعْرِ وما هُنا مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ كَما تَوَهَّمَ النَّيْسابُورِيُّ وزَيَّفَ الثّانِيَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ بِما خُلاصَتُهُ أنَّ التَّأْكِيدَ فِيما خِيفَ لَبْسُهُ فَإذا بَلَغَ بِهِ الشُّهْرَةُ الحَذْفَ اسْتَغْنى لِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَمْ يُحْمَلْ نَحْوَ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ عَلى الضَّرُورَةِ ولا تُقاسُ عَلى أنْ حَيْثُ حُذِفَ مَعَها الخَبَرُ في: إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا وإنِ اجْتَمَعا في التَّأْكِيدِ لِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِلا وحُمِلَ والنَّقِيضُ عَلى النَّقِيضِ شائِعٌ، وابْنُ جِنِّيٍّ بِأنَّ الحَذْفَ مِن بابِ الإيجازِ والتَّأْكِيدَ مِن بابِ الإطْنابِ، والجَمْعَ بَيْنَهُما مُحالٌ لِلتَّنافِي.

وأُجِيبَ: بِأنَّ الحَذْفَ لِقِيامِ القَرِينَةِ والِاسْتِغْناءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ والتَّأْكِيدُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا لِلْمَحْذُوفِ والحَمْلُ في البَيْتِ مُمْكِنٌ أيْضًا واقْتِصارُهم فِيهِ عَلى الضَّرُورَةِ ذُهُولٌ وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخَرِ، واجْتِماعُ الإيجازِ والإطْنابِ مَعَ اخْتِلافِ الوَجْهِ غَيْرُ مُحالٍ.

وأصْدَقُ شاهِدٍ عَلى دُخُولِ اللّامِ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ ( أغْبَطُ أوْلِيائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحاذِ ) نَعَمْ لا نِزاعَ في شُذُوذِ هَذا الحَذْفِ اسْتِعْمالًا وقِياسًا.

الثّانِي أنَّ إنْ مِنَ الحُرُوفِ النّاصِبَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُدَماءُ النُّحاةِ.

وضَعُفَ بِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ مَوْضُوعٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وما كانَ كَذَلِكَ لا يُناسِبُهُ الحَذْفُ والمَسْمُوعُ مِن حَذْفِهِ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ مَن لامَ في بَنِي بِنْتِ حَسّا ∗∗∗ نَ ألُمْهُ وأعُصِهِ في الخُطُوبِ وقَوْلِهِ: إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ يَلْقَ فِيها جَآذِرًا وظِباءَ ضَرُورَةٌ أوْ شاذٌّ إلّا في بابِ أنِ المَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فاسْتَسْهَلُوهُ لِوُرُودِهِ في كَلامٍ بُنِيَ عَلى التَّخْفِيفِ فَحُذِفَ تَبَعًا لِحَذْفِ النُّونِ ولِأنَّهُ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ التَّشْدِيدُ إذِ الضَّمائِرُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ثُمَّ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ في الخَبَرِ، وإنِ التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ داخِلَةٌ هي عَلَيْهِ فَقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، الثّالِثُ أنَّها النّاصِبَةُ وهاءُ ضَمِيرِ القِصَّةِ اسْمُها وجُمْلَةُ (ذانِ لَساحِرانِ) خَبَرُها، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي وصْلَ ها بِإنْ مِن إثْباتِ الألِفِ وفَصْلِ ها مِن ( ذانِ ) في الرَّسْمِ وما في المُصْحَفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ.

الرّابِعُ: أنَّ إنْ مُلْغاةٌ وإنْ كانَتْ مُشَدَّدَةً حَمْلًا لَها عَلى المُخَفَّفَةِ وذَلِكَ كَما أعْمَلْتَ المُخَفَّفَةَ حَمْلًا لَها عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ أوْ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنِ الفِعْلِ لِأنَّ عَمَلَها لَيْسَ بِالأصالَةِ بَلْ بِالشَّبَهِ لَهُ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ أنَّ هَذا الإلْغاءَ لَمْ يُرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وهو مَحَلُّ النِّزاعِ وبَحْثُ اللّامِ فِيهِ بِحالِهِ.

والخامِسُ: وهو أجْوَدُ الوُجُوهِ وأوْجَهُها.

واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ مالِكٍ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَماعَةٌ أنَّها النّاصِبَةُ واسْمُ الإشارَةِ اسْمُها: واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ و( ساحِرانِ ) خَبَرُها ومَجِيءُ اسْمِ الإشارَةِ بِالألِفِ مَعَ أنَّهُ مَنصُوبٌ جارٍ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِن إجْراءِ المُثَنّى بِالألِفِ دائِمًا قالَ شاعِرُهم: واهًا لِرَيّا ثُمَّ واهًا واهًا ∗∗∗ يا لَيْتَ عَيْناها لَنا وفاها ومَوْضِعُ الخَلْخالِ مِن رِجْلاها ∗∗∗ بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أباها وقالَ الآخَرُ: وأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَنا باهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وقالُوا: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ ومَن يَشْتَرِي الخُفّانِ وهي لُغَةٌ لِكِنانَةَ حَكى ذَلِكَ أبُو الخَطّابِ ولِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمٍ وزُبَيْدٍ وأهْلِ تِلْكَ النّاحِيَةِ حَكى ذَلِكَ الكِسائِيُّ ولِبَنِي العَنْبَرِ وبَنِي الهَيْجَمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ كُلَّ ياءٍ يَنْفَتِحُ ما قَبْلَها ألِفًا، وابْنُ الحاجِبِ يَقُولُ: إنَّ (هَذانِ) مَبْنِيٌّ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الإشارَةِ: وإنَّ قَوْلَ الأكْثَرِينَ هَذَيْنِ جَرًّا ونَصْبًا لَيْسَ إعْرابًا أيْضًا.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: وعَلى هَذا فَقِراءَةُ هَذانِ أقْيَسُ إذِ الأصْلُ في المَبْنِيِّ أنْ لا تَخْتَلِفَ صِيغَتُهُ مَعَ أنَّ فِيها مُناسَبَةً لِألِفِ ( ساحِرانِ ) ا هـ.

وأمّا الخَبَرُ السّابِقُ عَنْ عائِشَةَ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ أُشْتَةَ وتَبِعَهُ ابْنُ جُبارَةَ في شَرْحِ الرّائِيَّةِ بِأنَّ قَوْلَها: أخْطَؤُوا عَلى مَعْنى أخْطَؤُوا في اخْتِيارِ الأوْلى مِنَ الأحْرُفِ السَّبْعَةِ لِجَمْعِ النّاسِ عَلَيْهِ لا أنَّ الَّذِي كَتَبُوا مِن ذَلِكَ خَطَأٌ لا يَجُوزُ فَإنَّ ما لا يَجُوزُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ بِالإجْماعِ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ وُقُوعِهِ وبِنَحْوِ هَذا يُجابُ عَنْ أخْبارٍ رُوِيَتْ عَنْها أيْضًا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا البابِ تُشَكِّلُ ظَواهِرَها.

ثُمَّ أخْرَجَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: إنْ هَذانِ لَساحِرانِ وإنْ هَذَيْنَ لَساحِرانِ سَواءٌ لَعَلَّهم كَتَبُوا الألِفَ مَكانَ الياءِ يَعْنِي أنَّهُ مِن إبْدالِ حَرْفٍ في الكِتابَةِ بِحَرْفٍ كَما وقَعَ في صَلاةٍ وزَكاةٍ وحَياةٍ.

ويَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالياءِ في ذَلِكَ.

ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ لِبَقاءِ تَسْمِيَةِ عُرْوَةَ ذَلِكَ في السُّؤالِ لَحْنًا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ بِاللَّحْنِ اللُّغَةَ كَما قالَ ذَلِكَ ابْنُ أُشْتَةَ في قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ بِطُرُقٍ في ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ هو لَحْنٌ مِنَ الكاتِبِ أوْ يُقالُ: أرادَ بِهِ اللَّحْنَ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ وابْنُ الأنْبارِيِّ جَنَحَ إلى تَضْعِيفِ الرِّواياتِ في هَذا البابِ ومُعارَضَتِها بِرِواياتٍ أُخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الأحْرُفِ الَّتِي قِيلَ فِيها ما قِيلَ في القِراءَةِ.

ولَعَلَّ الخَبَرَ السّابِقَ الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ صَحِيحُ الإسْنادِ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ داخِلٌ في ذَلِكَ لَكِنْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ الجَوابَ الأوَّلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أُشْتَةَ أوْلى وأقْعَدَ.

وقالَ العَلاءُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا كُتِبَتِ المَصاحِفُ عُرِضَتْ عَلى عُثْمانَ فَوَجَدَ فِيها حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ فَقالَ: لا تُغَيِّرُوها فَإنَّ العَرَبَ سَتُغَيِّرُها أوْ قالَ: سَتَقْرَؤُها بِألْسِنَتِها لَوْ كانَ الكاتِبُ مِن ثَقِيفٍ والمُمْلِي مِن هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الحُرُوفُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْ عُثْمانَ فَإنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ مُنْقَطِعٌ.

والَّذِي أجْنَحُ أنا إلَيْهِ والعاصِمُ هو اللَّهُ تَعالى تَضْعِيفُ جَمِيعِ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ طَعْنٌ بِالمُتَواتِرِ ولَمْ يَقْبَلْ تَأْوِيلًا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ ويَقْبَلُهُ الذَّوْقُ وإنْ صَحَّحَهُ مَن صَحَّحَهُ.

والطَّعْنُ في الرُّواةِ أهْوَنُ بِكَثِيرٍ مِنَ الطَّعْنِ بِالأئِمَّةِ الَّذِينَ تَلَقَّوُا القُرْآنَ العَظِيمَ الَّذِي وصَلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ مِنَ النَّبِيِّ  ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في إتْقانِهِ وحِفْظِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المُصْطَلَحِ أنَّ مِمّا يُدْرَكُ بِهِ وضْعُ الخَبَرِ ما يُؤْخَذُ مِن حالِ المَرْوِيِّ كَأنْ يَكُونَ مُناقِضًا لِنَصِّ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ أوِ الإجْماعِ القَطْعِيِّ أوْ صَرِيحِ العَقْلِ حَيْثُ لا يَقْبَلْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ التَّأْوِيلَ أوْ لَمْ يَحْتَمِلْ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنهُ يَزُولُ بِهِ المَحْذُورُ فَلَوْ قالَ قائِلٌ بِوَضْعِ بَعْضِ هاتِيكَ الأخْبارِ لَمْ يَبْعُدْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( إنَّ هَذَيْنِ ) بِتَشْدِيدِ نُونِ ( إنَّ ) وبِالياءِ في ( هَذَيْنِ ) .

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ والحَسَنِ والأعْمَشِ والنَّخَعِيِّ والجَحْدَرِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ عُبَيْدٍ وإعْرابُ ذَلِكَ واضِحٌ إذْ جاءَ عَلى المَهْيَعِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ لَكِنْ في الدُّرِّ المَصُونِ قَدِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ الإمامِ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ فِيهِ بِدُونِ ألِفٍ وياءٍ فَإثْباتُ الياءِ زِيادَةٌ عَلَيْهِ.

ولِذا قالَ الزَّجّاجُ: أنا لا أُجِيزُها ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ ولَوْ سَلِمَ فَكَمْ في القِراءاتِ ما خالَفَ رَسْمُهُ القِياسَ مَعَ أنَّ حَذْفَ الألِفِ لَيْسَ عَلى القِياسِ أيْضًا.

﴿ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها (بِسِحْرِهِما) الَّذِي أظْهَراهُ مِن قَبْلُ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِهارُونَ لِما أنَّهم رَأوْهُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ سالِكًا طَرِيقَتَهُ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

﴿ ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ أيْ بِمَذْهَبِكُمُ الَّذِي هو أفْضَلُ المَذاهِبِ وأمْثَلُها بِإظْهارِ مَذْهَبِهِما وإعْلاءِ دِينِهِما يُرِيدُونَ بِهِ ما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لا طَرِيقَةَ السِّحْرِ فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا.

وقِيلَ: أرادُوا أهْلَ طَرِيقَتِكم فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وكانُوا أرْبابَ عِلْمٍ فِيما بَيْنَهم.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ إنَّما يَكُونُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها تَمَكُّنًا وتَصَرُّفًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ نَقْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الشّامِ.

وحَمْلُ الإخْراجِ عَلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها مَعَ بَقاءِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلى حالِهِمْ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، عَلى أنَّ هَذا المَقالَ مِنهم لِلْإغْراءِ بِالمُبالَغَةِ في المُغالَبَةِ والِاهْتِمامِ بِالمُناصَبَةِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الإنْذارُ والتَّحْذِيرُ بِأشَدِّ المَكارِهِ وأشَقِّها عَلَيْهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَيْنِهِمْ والذَّهابَ بِهِمْ إلى الشّامِ وهم آمِنُونَ في دِيارِهِمْ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَحْذُورٍ وهو كَلامٌ يُلَوِّحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ القَبُولِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الحِبْرِ لا يَصِحُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الطَّرِيقَةَ اسْمٌ لِوُجُوهِ القَوْمِ وأشْرافِهِمْ.

وحَكى فُلانٌ طَرِيقَةَ قَوْمِهِ أيْ سَيِّدُهم.

وكَأنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلى الوُجُوهِ مَجازٌ لِاتِّباعِهِمْ كَما يُتْبَعُ الطَّرِيقُ، وأخْرَجا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وكَأنَّهم أرادُوا بِهَؤُلاءِ الوُجُوهِ الوُجُوهَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أرْبابَ المَناصِبِ وأصْحابَ التَّصَرُّفِ والمَراتِبِ، فَيَكُونُوا قَدْ حَذَّرُوهم بِالإخْراجِ مِن أوْطانِهِمْ وفَصْلِ ذَوِي المَناصِبِ مِنهم عَنْ مَناصِبِهِمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةُ حَوادِثِ الزَّمانِ، فَما قِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ الإذْهابِ بِهِمْ مِمّا لا مَزِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا بِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِنهم نَسَبًا وأشْرَفَ نَسَبًا وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ يُنافِيهِ اسْتِعْبادُهم واسْتِخْدامُهم وقَتْلُ أوْلادِهِمْ وسَوْمُهُمُ العَذابَ.

وأُجِيبَ بِالمَنعِ فَكَمْ مِن مَتْبُوعٍ مَقْهُورٌ وشَرِيفٌ بِأيْدِي الأنْذالِ مَأْسُورٌ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يعني: تناظروا أمرهم بينهم- يعني: اختلفوا فيما بينهم سراً من فرعون وهم السحرة، وقالوا فيما بينهم: إن كان ما يقول موسى حقاً واجباً فيكون الغلبة لموسى، فذلك قوله عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يعني: تناظروا أمرهم بينهم (١)  بهذا اللفظ إن هذين لساحران إنّ هذين ليس فيه ألف، وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع المصاحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا بالنصب والخفض كتبوها بالياء.

وحكى الكسائي، عن أبي الحارث بن كعب وخثعم وزيد وأهل تلك الناحية: الرفع مكان النصب وقال القائل: أَي قلوص راكب تراها ...

طاروا علاهن فطر علاها وقال آخر: إنَّ أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ...

قَدْ بلغا في المجد غَايَتَاهَا وقال آخر: فَمَنْ يك أمسى بالمدينة رَحْلُه ...

فَإِنِّي وَقَيَّارٍ بِهَا لَغَرِيبُ وروى وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قالوا: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء إنّ هاذان لساحران وإنّ هاذين لساحرين سواء.

وفي مصحف عبد الله إنّ هاذان ساحران وفي مصحف أبي إِنْ هذان إلّا ساحران.

ثم قال الله عزّ وجلّ: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى، يقول برجالكم الأمثل فالأمثل.

يقول: ليغلبا على الرجال من أهل العقول والشرف، وقال القتبي: يقال: هؤلاء طريقة القوم، أي: أشرافهم، ويقال: أراد سنتكم ودينكم، وقال الزجاج: معناه، يذهبا بأهل طريقتكم، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .

ثم قال عز وجل: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بجزم الألف ونصب الميم، يعني: جيئوا بكل كيد تقدرون عليه، لا تبقوا منه شيئاً.

وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم، ومعناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مجمعاً عليه، ولا تختلفوا فتخذلوا.

وقال أبو عبيدة: بهذا نقرأ، لأن الناس عليها ولصحتها في العربية يقال: أجمعت الأمر واجتمعت عليه، وإنما يقال: جمعت الشيء المتفرق فتجمّع.

ثمّ قال: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، يعني: جميعاً.

قال أبو عبيد: الصف المصلى، وقال الزجاج: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يعني: الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم.

قال: ويجوز أن يكون قوله ثم ائتوا مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمركم، وأشد لهيبتكم.

وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ يعني: قد فاز ونجا اليوم مَنِ اسْتَعْلى أي: من علا بالغلبة.

ثم جمع فرعون بينهم وبين موسى  ف قالُوا يا مُوسى، يعني: السحرة، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ يعني: أن تطرح عصاك على الأرض، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى إلى الأرض.

قالَ لهم موسى: بَلْ أَلْقُوا، فألقوا في الكلام مضمر.

فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، يعني: تراءت إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، يعني: كأنها حيات تسير.

وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء تُخَيَّلُ لأن جمع العصي مؤنث، وقراءة العامة بالياء يعني: سعيها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ...

الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم.

وقولهما: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أنْ يكون آخر كلام فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول.

ويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء.

وقوله سبحانه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه ثُمَّ هَدى، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات.

وقول فرعونَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟

ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى/ ١٠ ب سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم روغاناً في الحجّة، وحَيْدَةً.

وقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [عليه السلام] : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يريد في اللّوح المحفوظ، ولا يَضِلُّ: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع.

وقوله: شَتَّى نعت للأزواج، أي: مختلفة.

وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس.

والنُّهى جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.

وقوله سبحانه: مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأَرض وَفِيها نُعِيدُكُمْ أَيْ: بالموت، والدفن.

وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أيْ: بالبعث ليوم القيامة.

وقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا إخبار لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم.

وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه عز وجل وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك.

وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً.

ومعنى سُوىً أَيْ: عَدْلاً ونصفَه، أي:

حالنا فيه مُستَوِيَة.

وقالت فرقة: معناه مستوياً من الأرض لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى:

مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وروي أَنَّ يوم الزينة كان عيداً لهم، ويوماً مشهوراً.

وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم.

وقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطفاً على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه.

ثُمَّ أَتى فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر «١» ، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، وألّا يباهتوا بكذب فَيُسْحِتَكُمْ أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع.

وفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازُعُ يقتضي اختلافا كان بينهم في السرِّ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام والنَّجْوى المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرّاً مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف.

وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا.

إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ «١» : «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم كما قال صلى الله عليه وسلّم إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد.

وقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتعزى هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم.

وقال الزجاج «٢» : في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» .

[وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران] .

«٣» .

وقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضاً «لَسَاحِرَانِ» .

وعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا وحكوا/ أن ١١ أالعرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، والأظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الّتي كانوا عليها.

والْمُثْلى تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة.

وقرأَ جمهورُ «٤» القرَّاء: «فأَجْمِعوا» : بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم على معنى:

انفذوا «٥» ، واعزموا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿ آياتِنا كُلَّها ﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ ؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿ وَأبى ﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿ قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا ﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿ بِسِحْرِكَ ﴾ ؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا ﴾ ؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿ لا نُخْلِفُهُ ﴾ ؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ.

﴿ سُوًى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ.

﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ.

وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ.

فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ.

﴿ وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ ضُحًى ﴾ ؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ.

﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى.

﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ ؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ ثُمَّ أتى ﴾ ؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ.

﴿ قالَ لَهم مُوسى ﴾ ؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) .

قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ.

وقِيلَ: ﴿ أسَرُّوا ﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

.

.

" الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ.

فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] .

وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ  ﴾ ؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ.

فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ.

وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ ﴾ ؟

وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ.

وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ.

والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما.

قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ.

فَأمّا ﴿ المُثْلى ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم.

قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: صُفُوفًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا.

قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ.

٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى ﴾ ﴿ قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ﴾ ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَجْوى ﴾ ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ المَعْنى: فَجُمِعَ السَحَرَةُ ووَعَدَهم وأمْرَهم بِالإعْدادِ لِمُوسى، فَهَذا هو كَيْدُهُ، ثُمْ أتى فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ وأهْلِ دَوْلَتِهِ، والسَحَرَةُ مَعَهُ، وكانَتْ عِصابَةٌ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى أسْحَرَ مِنها، وجاءَ أيْضًا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلسَّحَرَةِ: "وَيْلَكُمْ"، وهَذِهِ مُخاطَبَةُ مُحَذِّرٍ، نَدَبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِ الحَقِّ إذا رَأوهُ، وألّا يُباهِتُوا بِكَذِبٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَيَسْحِتَكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "فَيُسْحِتَكُمْ" بِضَمِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، يُقالُ: سُحِتْ وأُسْحِتَ بِمَعْنى: أهْلَكَ وأذْهَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: عَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ فَهَذا مِن أُسْحِتَ.

فَلَمّا سَمِعَ السَحَرَةُ هَذِهِ المَقالَةَ هالَهم هَذا المَنزَعُ، ووَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن مَهابَتِهِ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وتَنازَعُوا أمْرَهُمْ، و"التَنازُعُ" يَقْتَضِي اخْتِلافًا كانَ بَيْنَهم في السِرِّ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هو مُحِقٌّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُبْطِلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ فَسَيَغْلِبُنا، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تُعْهَدُ مِنَ الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ في وقْتِ الخَوْفِ كالحَرْبِ ونَحْوَ هَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ تَناجِيهِمْ إنَّما كانَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ تَناجِيهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعَدَ هَذا ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ قِيلَتْ عَلانِيَةً، ولَوْ كانَ تَناجِيهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُمْ تَنازَعٌ، و"النَجْوى": السِرُّ والمُسارَّةُ، أيْ: كانَ كُلُّ رَجُلٍ يُناجِي مَن يَلِيهِ، ثُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ سِرًّا مَخافَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِمْ ضَعْفًا؛ لَأنَّهم حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا مُصَمِّمِينَ عَلى غَلَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، بَلْ كانَ ظَنًّا مِن بَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ" مُشَدَّدَةَ النُونِ "هَذانَ" بِألِفٍ ونُونٍ مُخَفَّفَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ هَذانِّ لَساحِرانِ" بِتَخْفِيفِ نُونِ "إنْ" وتَشْدِيدِ نُونِ "هَذانِ لَسَحَرانِ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "إنْ" خَفِيفَةً "هَذانِ" خَفِيفَةً أيْضًا "لَساحِرانِ".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانَ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ ذانِ لَساحِرانِ"، وقَرَأتْ فَرِقَّةٌ: "ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "هَذانِّ".

فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنَّ" بِمَعْنى: نَعَمْ، كَما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ في خُطْبَتِهِ: إنِ الحَمْدُ لِلَّه بِرَفْعِ "الحَمْدُ"،» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ وراكِبُها" حِينَ قالَ لَهُ الرَجُلُ: لَعَنَ اللهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، ويُدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ أنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهو مِمّا يَجُوزُ في الشِعْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُمُ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَحْمِ بِعَظْمِ الرَقَبَهْ وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِلُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وهو إبْقاءُ ألِفِ التَثْنِيَةِ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: زَوَّدَ مِنها بَيْنَ أُذُناهُ طَعْنَةً ∗∗∗ دَعَتْهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمُ وقَوْلُ الآخَرِ: أطْرَقَ إطْراقَ الشُجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُجاعِ لَصَمَّها وَتُعْزى هَذِهِ اللُغَةُ لِكِنانَةَ، وتُعْزى لَخَثْعَمَ، وقالَ الفِراءُ: الألْفُ في "هَذانِ" دِعامَةٌ ولَيْسَتْ بِمَجْلُوبَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وإنَّما هي ألِفُ "هَذا" تُرِكَتْ في حالِ التَثْنِيَةِ، كَما نَقُولُ: "الَّذِي" ثُمْ في الجَمْعِ نَزِيدُ نُونًا وتُتْرَكُ الياءُ في حالِ النَصْبِ والرَفْعِ والخَفْضِ، وقالَ الزُجاجَ: في الكَلامِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهِ: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: ألِفُ "هَذانِ" مُشَبَّهَةٌ هُنا بِألِفِ تَفْعَلانِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لِما كانَ "هَذا" بِحالٍ واحِدَةٍ في رَفْعِهِ ونَصْبِهِ وخَفْضِهِ تُرِكَتْ تَثْنِيَتُهُ هُنا كَذَلِكَ.

وقالَتْ جَماعَةٌ - مِنهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها - وأبُو عَمْرٍو -: هَذا مِمّا لَحَنَ الكاتِبُ فِيهِ وأُقِيمَ بِالصَوابِ وهو تَخْفِيفُ النُونِ مِن "إنْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُعْتَرِضَةٌ، إلّا ما قِيلَ مِن أنَّها لُغَةٌ، و"إنْ" بِمَعْنى: أجَلْ ونَعَمْ، أوَ "إنْ" في الكَلامِ ضَمِيرٌ.

وأمّا مِن قَرَأ: "إنْ" خَفِيفَةً، فَهي عن سِيبَوَيْهٍ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ ويَرْتَفِعُ بَعْدَها الِاسْمُ، ويَقُولُ الفِراءُ: هي بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا" ووَجْهُ سائِرِ القِراءاتِ بَيِّنٌ.

وعَبَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الطَرِيقَةِ" بِـ "السادَةِ"، وأنَّما يُرادُ أهْلُ العَقْلِ والسِنِّ والحِجى، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "فَلانٌ طَرِيقَةُ قَوْمِهِ"، أيْ: سَيِّدُهُمْ، والأظْهَرُ في الطَرِيقَةِ هُنا أنَّها السِيرَةُ والمَمْلَكَةُ والحالُ الَّتِي هي عَلَيْها، و"المُثْلى" تَأْنِيثُ أمْثَلَ، أيِ: الفاضِلَةُ الحَسَنَةُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَأجْمَعُوا" بِقَطْعِ الألْفِ وكَسْرِ المِيمِ، عَلى مَعْنى: أعَزِمُوا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "فَأجْمِعُوا" مِن "جَمَّعَ"، أيْ: ضُمُّوا سِحْرَكم بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ثُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ "اِيتُوا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "ثُمُ اِيتُوا" بِكَسْرِهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ، ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن "ثُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثُمُ ائْتُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ حالٌ، أيْ: مُصْطَفِّينَ، وتَداعَوْا إلى هَذا لَأنَّهُ أهَيَبُ وأظْهَرُ لَهم.

و"أفْلَحَ" مَعْناهُ: ظَفَرَ بِبُغْيَتِهِ، و"اسْتَعْلى": طَلَبَ العُلُوَّ في أمْرِهِ وسَعى سَعْيَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي تفرع على موعظة موسى تنازُعهم الأمرَ بينهم، وهذا يؤذن بأن منهم من تركتْ فيه الموعظة بعضَ الأثر، ومنهم من خشي الانخذال، فلذلك دعا بعضهم بعضاً للتشاور فيما ذا يصنعون.

والتنازل: تفاعل من النزع، وهو الجَذْب من البئر، وجَذْب الثوب من الجسد، وهو مستعمل تمثيلاً في اختلاف الرأي ومحاولة كل صاحب رأي أن يقنع المخالف له بأن رأيه هو الصواب، فالتنازع: التخالف.

والنّجوى: الحديث السريّ، أي اختَلَوْا وتحادثوا سِرّاً ليَصدروا عن رأي لا يطّلع عليه غيرهم، فجَعْلُ النجوى معمولاً ل ﴿ أسَرّوا ﴾ يفيد المبالغة في الكتمان، كأنه قيل: أسرّوا سرّهم، كما يقال: شعر شاعر.

وزادهُ مبالغة قوله ﴿ بَيْنَهُم ﴾ المقتضي أنّ النجوى بين طائفة خاصة لا يشترك معهم فيها غيرهم.

وجملة ﴿ قَالُوا إنْ هذانن لساحران ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وأسَرُّوا النجوى ﴾ ، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذُكر منها هذا القول، لأنّه القول الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه، فهو زبدة مخيض النجوى.

وذلك شأن التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه.

وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى: قال بعضهم: هذان لساحران، فقال جميعهم: نعم هذان لسَاحران، فأسند هذا القول إلى جميعهم، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها.

وقال بعضهم لبعض: نعم هو كذلك، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران.

واعلم أنّ جميع القراء المعتبرين قرأوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من قوله «هاذان» ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة عشر.

وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ (هذانِ) أكثر تواتراً بقطع النظر عن كيفيّة النطق بكلمة (إنّ) مشدّدة أو مخفّفة، وأن أكثر مشهور القراءات المتواترة قرأوا بتشديد نون (إنّ) ما عدا ابنَ كثير وحفصاً عن عاصم فهما قرءَا (إنْ) بسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة.

وإن المصحف الإمام ما رسمُوه إلاّ اتّباعاً لأشهر القراءات المسموعة المروية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقرّاء أصحابه، فإن حفظ القرآن في صدور القرّاء أقدم من كتابته في المصاحف، وما كتب في أصول المصاحف إلاّ من حفظ الكاتِبين، وما كُتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحُفاظ وما كتبه كتاب الوحي في مدة نزول الوحي.

فأما قراءة الجمهور {إنّ هذان لساحران بتشديد نون (إنّ) وبالألف في هذان وكذلك في لساحران، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستّة.

وأظهرها أن تكون (إنّ) حرف جواب مثل: نعم وأجَل، وهو استعمال من استعمالات (إنّ)، أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النّجوى كقول عبد الله بن قيس الرقيّات: ويقلْن شيب قد عَلا *** كَ وقد كبِرت فقلت إنّه أي أجل أو نعم، والهاء في البيت هاءُ السّكْتتِ، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابي استجداه فلم يعطه، فقال الأعرابي: لعَن الله ناقة حملتني إليك.

قال ابن الزّبير: إنّ وراكِبَها.

وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ذكره في تفسيره}.

وقال: عرضته على عالمينا وشيْخينا وأستاذيْنا محمد بن يزيد (يعني المبرد)، وإسماعيل بن إسحاق بن حمّاد (يعني القاضي الشهير) فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا.

وقلت: لقد صدقا وحقّقا، وما أورده ابن جنّي عليه من الرد فيه نظر.

وفي «التفسير الوجيز» للواحدي سأل إسماعيل القاضي (هو ابن إسحاق بن حمّاد) ابنَ كيسان عن هذه المسألة، فقال ابنُ كيسان: لما لم يظهر في المبهم إعرابٌ في الواحد ولا في الجمع (أي في قولهم هذا وهؤلاء إذ هما مبنيان) جرت التثنية مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغيّر.

فقال له إسماعيل: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يُؤْنس به فقال له ابنُ كيسان: فليقل به القاضي حتى يؤنس به، فتبسم.

وعلى هذا التوجيه يكون قوله تعالى: ﴿ إنّ هَذاننِ لسَاحِرانِ ﴾ حكايةً لمقال فريق من المتنازعين، وهو الفريق الذي قبِل هذا الرأي لأنّ حرف الجواب يقتضي كلاماً سبقه.

ودخلت اللاّم على الخبر: إما على تقدير كون الخبر جملة حذف مبتدأها وهو مدخول اللام في التقدير، ووجودُ اللاّم ينبئ بأن الجملة التي وقعت خبراً عن اسم الإشارة جملة قسميّة؛ وإما على رأي من يجيز دخول اللام على خبر المبتدأ في غير الضرورة.

ووجهت هذه القراءة أيضاً بجعل (إنّ) حرف توكيد وإعراببِ اسمها المثنّى جَرى على لغة كنانة وبِلْحارث بن كعب الذين يجعلون علامة إعراب المثنى الألفَ في أحوال الإعراب كلها، وهي لغة مشهورة في الأدب العربي ولها شواهد كثيرة منها قول المتلمّس: فأطرقَ إطراقَ الشُجاع ولو درى *** مساغاً لِنَأبَاهُ الشجاعُ لصمّما وقرأه حفص بكسر الهمزة وتخفيف نون (إنْ) مسكنة على أنها مخففة (إنّ) المشددة.

ووجه ذلك أن يكون اسم (إنْ) المخففة ضمير شأن محذوفاً على المشهور.

وتكون اللاّم في ﴿ لساحران ﴾ اللاّم الفارقة بين (إنْ) المخففة وبين (إن) النافية.

وقرأ ابن كثير بسكون نون (إنْ) على أنها مخففة من الثقيلة وبإثبات الألف في «هذان» وبتشديد نون (هاذانّ).

وأما قراءة أبي عمرو وحده {إنَّ هذَيْن بتشديد نون (إنّ) وبالياء بعد ذال هذين.

فقال القرطبي: هي مخالفة للمصحف.

وأقل: ذلك لا يطعن فيها لأنّها رواية صحيحة ووافقت وجهاً مقبولاً في العربيّة.

ونزول القرآن بهذه الوجوه الفصيحة في الاستعمال ضرب من ضروب إعجازه لتجري تراكيبه على أفانين مختلفة المعاني متحدة المقصود.

فلا التفات إلى ما روي من ادعاء أن كتابة إن هاذان خطأ من كاتب المصحف، وروايتِهم ذلك عن أبانَ بن عثمان بن عفّان عن أبيه، وعن عروة بن الزبير عن عائشة، وليس في ذلك سند صحيح.

حسبوا أنّ المسلمين أخذوا قراءة القرآن من المصاحف وهذا تغفّل، فإن المصحف ما كتب إلاّ بعد أن قرأ المسلمون القرآن نيّفاً وعشرين سنة في أقطار الإسلام، وما كتبت المصاحف إلاّ من حفظ الحفّاظ، وما أخذ المسلمون القرآن إلاّ من أفواه حُفّاظه قبل أن تكتب المصاحف، وبعد ذلك إلى اليوم فلو كان في بعضها خطأ في الخطّ لما تبعه القراء، ولكان بمنزلة ما تُرك من الألفات في كلمات كثيرة وبمنزلة كتابة ألف الصلاة، والزكاة، والحياة، والرّبا بالواو في موضع الألف وما قرأوها إلاّ بألِفاتها.

وتأكيد السحرة كونَ موسى وهارون ساحرين بحرف (إنّ) لتحقيق ذلك عند من يخامره الشكّ في صحّة دعوتهما.

وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحراً لأنّهم يطلقون السحر عندهم على خوارق العادات، كما قالت المرأة الّتي شاهدت نبع الماء من بين أصابع النبي لقومها: جئتكم من عندِ أسْحر النّاس، وهو في كتاب المغازي من صحيح البخاري}.

والقائلون: قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون، أو ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة.

والخطاب في قوله ﴿ أن يُخْرِجَاكُم ﴾ لملئهم.

ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ﴾ [طه: 57].

ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة، أي يريداننِ الاستئثار بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر موسى وهارون.

والطريقة: السُّنّة والعادة؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر، بجامع الملازمة.

والمثلى: مؤنّث الأمثل.

وهو اسم تفضيل مشتقّ من المَثَالة، وهي حسن الحالة يقال: فلان أمثل قومِه، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالاً.

وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم، فإن لكلّ أمّة غيرة على عوائدها وشرائعها وأخلاقها.

ولذا فرّعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى.

والباء في ﴿ بطريقتكم ﴾ لتعدية فعل ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ في سورة البقرة (17).

وقرأ الجمهور فأجمِعوا} بهمزة قطع وكسر الميم أمراً من: أجمع أمره، إذا جعله متفقاً عليه لا يختلف فيه.

وقرأ أبو عمرو ﴿ فاجمَعوا ﴾ بهمزة وصل وبفتح الميم أمراً من جمع، كقوله فيما مضى ﴿ فجَمَع كيْدَه ﴾ [طه: 60].

أطلق الجمع على التعاضد والتعاون، تشبيهاً للشيء المختلف بالمتفرّق، وهو مقابل قوله ﴿ فتنازعوا أمرهم ﴾ .

وسموا عملهم كيداً لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ليس بعجيب، فهم يأتون بمثله أو أشدّ منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به.

والظاهر أنّ عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى، وما أظهره الله على يديه من المعجزة، وأصبحوا متحيّرين في شأنه؛ فمن أجل ذلك اهتمّ السحرة بالكيد له، وهو ما حكاه قوله تعالى: في آية سورة الشعراء (38 40): ﴿ فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيبُ لهم.

ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيّرون لذلك بَهاء الهيبة وحسن السمت وجلال المظهر.

فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود، وربما لبس الأبطال جلود النمور في الحرب.

وقد فسر به فعل تنمّروا في قول ابن معد يكرب: قوم إذا لبِسوا الحديد *** تنَمروا حَلَقاً وقَدّاً وقيل: إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل لبس لي فلان جلد النمر.

وثبت في التاريخ المستند للآثار أنّ كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود النمور.

والصفّ: مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول، أي صافّين أو مصفوفين، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظراً، قال تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ [الصفّ: 4].

وكان جميع سحرة البلاد المصريّة قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عدداً كثيراً.

فالصفّ هنا مراد به الجنس لا الواحدة، أي ثم ائتوا صفوفاً، فهو كقوله تعالى: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [النبأ: 38] وقال: ﴿ والملك صفاً صفاً ﴾ [الفجر: 22].

وانتصب ﴿ صَفّاً ﴾ على الحال من فاعل ﴿ ائتُوا ﴾ والمقصود الإتيان إلى موضع إلقاء سحرهم وشعوذتهم، لأنّ التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم ﴿ وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَننِ اسْتَعلَى ﴾ .

وجملة ﴿ وقَدْ أفلحَ اليومَ مَننِ استَعْلى ﴾ تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع.

ف ﴿ استعلى ﴾ مبالغة في عَلا، أي علا صاحبَه وقهره، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر.

وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بأنّ أمثال هذه المواقف مما يؤثر في حال الحياة الأبديّة وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِسِحْرِكم.

الثّانِي: بِتَكْذِيبِي وقَوْلِكم ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ.

﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ ﴾ فَيُهْلِكَكم ويَسْتَأْصِلَكم، قالَ الفَرَزْدَقُ: وعَضَّ زَمانَ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفِ فالمُسْحَتُ: المُسْتَأْصَلُ، والمُجَلَّفُ: المُهْلَكُ.

﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما هَيَّئُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فِيمَن يَبْتَدِئُ بِالإلْقاءِ.

﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النَّجْوى الَّتِي أسَرُّوها أنْ قالُوا: إنْ كانَ هَذا سِحْرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ السَّماءَ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآيَةِ.

قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، قالَهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى دُونَ مُوسى وهارُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ الآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى.

إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ هَذِهِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وهي مُوافِقَةٌ لِلْإعْرابِ مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ.

وَقَرَأ الأكْثَرُونَ: إنْ هَذانَ السّاحِرانِ، فَوافَقُوا المُصْحَفَ فِيها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَشْدِيدِ إنَّ فَخَفَّفَها ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ فَسَلِما بِتَخْفِيفِ إنَّ مِن مُخالَفَةِ المُصْحَفِ ومِن فَسادِ الإعْرابِ، ويَكُونُ مَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ.

وَقَرَأ أُبَيٌّ: إنَّ ذانِ إلّا ساحِرانِ، وقَرَأ باقِي القُرّاءِ بِالتَّشْدِيدِ: إنَّ هَذانَ لَساحِرانِ.

فَوافَقُوا المُصْحَفَ وخالَفُوا ظاهِرَ الإعْرابِ.

واخْتَلَفَ مَن قَرَأ بِذَلِكَ في إعْرابِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا عَلى لُغَةِ بِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وكِنانَةَ بْنِ زَيْدٍ يَجْعَلُونَ رَفْعَ الإثْنَيْنِ ونَصْبَهُ وخَفْضَهُ بِالألِفِ، ويُنْشِدُونَ: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعِ لَصَمَّما والوَجْهُ الثّانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلى ما اعْتَلَّ مِنَ اللُّغاتِ ويُعْدَلُ بِهِ عَنْ أفْصَحِها وأصَحِّها، ولَكِنْ في (إنَّ) هاءٌ مُضْمَرَةٌ تَقْدِيرُها إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ، وهو قَوْلُ مُتَقَدِّمِي النَّحْوِيِّينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بَنى (هَذانِ) عَلى بِناءٍ لا يَتَغَيَّرُ في الإعْرابِ كَما بَنى الَّذِينَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ في النَّصْبِ والرَّفْعِ.

الرّابِعُ: أنَّ (إنَّ) المُشَدَّدَةَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى نَعَمْ، كَما قالَ رَجُلٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وصاحِبَها.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ بَكى العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنُنِي وألُومُهُنَّهْ ∗∗∗ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ أيْ نَعَمْ ﴿ وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ في قائِلِ هَذِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ السَّحَرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

الثّالِثُ: قَوْلُ فِرْعَوْنَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وإنْ أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَتِهِمْ.

وَفي تَأْوِيلِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ويَذْهَبا بِأهْلِ العَقْلِ والشَّرَفِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِبَنِي إسْرائِيلَ، وكانُوا أُولِي عَدَدٍ ويَسارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها في السِّيرَةِ.

قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: ويَذْهَبا بِدِينِكم وعِبادَتِكم لِفِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: ويَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمُ المُثْلى، [والمُثْلى مُؤَنَّثُ] الأمْثَلِ والمُرادُ بِالأمْثَلِ الأفْضَلُ، قالَ أبُو طالِبٍ: وإنّا لَعَمْرُو اللَّهِ إنْ جَدَّ ما أرى ∗∗∗ لَتَلْتَبِسَنَّ أسْيافُنا بِالأماثِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَماعَتَكم عَلى أمْرِهِمْ في كَيْدِ مُوسى وهارُونَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أحْكِمُوا أمْرَكم، قالَ الرّاجِزُ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغَدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ أيْ مُحْكَمٌ.

﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ أيِ اصْطَفُّوا ولا تَخْتَلِطُوا.

﴿ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ أيْ غَلَبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قالوا: أولو العقل والشرف والأسنان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ووكيع في الغرور، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال باشرافكم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ قال: من غلب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلقف ما صنعوا ﴾ قال: ألقاها موسى فتحوّلت حية تأكل حبالهم وما صنعوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخذتم الساحر فاقتلوه» ثم قرأ ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ قال: لا يأمن حيث وجد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

بقولهم: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ )] (١) (٢) [وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ ] (٣) ﴿ من استعلى ﴾ .

وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا.

وقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟

على ما ظنوه من أمرهما.

وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى  ﴾ (٤) قوله تعالى: ﴿ قَالُوا ﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿ إِنْ هَذَانِ ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿ لَسَاحِرَانِ ﴾ .

واختلفوا في وجه ارتفاع ﴿ هَذَانِ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنْ ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب (٥) (٦) (٧) (٨) تَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ...

دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ فقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفاً وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة (٩) وقول آخر (١٠) أَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ...

طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين (١١) وحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و ﴿ هَذَانِ ﴾ ابتداء وخبره ﴿ لَسَاحِرَانِ ﴾ .

القول الثاني: أن معنى ﴿ إِنْ ﴾ نعم) (١٢) (١٣) هذا الذي ذكرنا حكاية القولين.

فأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ  ﴾ فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ  ﴾ فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و ﴿ إِنْ ﴾ بمنزلة: نعم (١٤) (١٥) (١٦) وعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة (١٧) (١٨) وأنشدوا أيضًا (١٩) أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ويقبح حمل كتاب الله على لغة لا تجوز في السعة ومختار الكلام.

قال ابن الأنباري: (أنكر الكسائي والفراء هذا (٢٠) (٢١) وقال أبو إسحاق: (هذا أجود ما سمعنا إن ﴿ أَن ﴾ بمعنى: نعم، واللام وقعت موقعها المعنى: نعم هذان لهما ساحران.

قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد (٢٢) (٢٣) قال أبو علي: (ما ذكره أبو إسحاق من التقدير تأويل غير مرضي، وذلك أن هذه اللام للتأكيد، ويقبح أن يذكر التأكيد ويحذف نفس المؤكد، ألا ترى أن إظهار المؤكد وترك إضماره وحذفه أولى من أن يحذف ويذكر ما يؤكده، ولو كان المبتدأ محذوفًا من الآية كما ذهب إليه أبو إسحاق لم يحتج معه إلى التأكيد باللام، ويدلك على أن هذا ليس بالوجه أن النحويين أنشدوا (٢٤) أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَه وحملوا هذا على الضرورة، وعلى أنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ، فلو كان ما ذكره وجهًا في الآية لكان النحويون لا يحملون هذا الكلام على الضرورة، ويقدرون فيه ما قدر من أنه دخل على مبتدأ محذوف، ولا يحملونه على الاضطرار إذا وجدوا له مصرفاً قريبًا إلى الاختيار والسعة، فحملهم ذلك على الضرورة دلالة على أنهم تجنبوا ما ذكر من التقدير؛ لأنه أذهب في باب الفتح والضرورة مما حملوه عليه) (٢٥) وقال الفراء: (الوجه في هذه المسألة أن تقول وجدت الألف من هذا دعامة وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا تدل على الجماع فقالوا: (الذين) في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كذلك تركوا (هذان) بالألف في رفعه ونصبه وخفضه) (٢٦) وحرر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذا اسم منهوك؛ لأنه على حرفين أحدهما: حرف علة وهو الألف وهاء للتنبيه، وليس من الاسم فلما ثني واحتيج إلى ألف التثنية لم يوصل إليهما لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحدهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها؛ لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض، وعلى هذا القول الألف في هذان التي كانت في هذا ليس الذي جلبتها التثنية) (٢٧) قال أبو علي: (لو كان الأمر على ما زعم لم تقلب هذا الألف في تثنيته فقط (٢٨) (٢٩) وهذه الأقوال هي التي قالها المتقدمون من النحويين، ولم يسلم من هذه الأقوال على الاعتبار إلا قول من يقول: إنها لغة بلحارث.

وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ : (هي لغة بلحارث بن كعب) ذكره عطاء عنه (٣٠) وقال أبو إسحاق في ارتضاء هذا المذهب في هذه الآية: (حق الألف أن تدل على الاثنين وكان حقها ألّا تتغير كما لم تتغير ألف رحى وعصى، ولكن نقلها إلى الياء في النصب والخفض أبين وأفضل بين المرفوع والمنصوب والمجرور) (٣١) وقال الفراء في ارتضاء المذهب: (العرب جعلوا الواو تابعة للضمة والياء متابعة للكسرة نحو قولهم: مسلمون ومسلمين، فلما رأوا الياء من الاثنين لم يمكنهم كسر ما قبلها وثبت مفتوحًا تركوا الألف تتبعه فقالوا: رجلان في كل حال.

وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في: كلا الرجلين في النصب والخفض وهما اثنان) (٣٢) وحكى ابن الأنباري قولًا آخر للفراء وهو: (أن الألف في هذان شبهت بالألف في: تفعلان ويفعلان، فلما كانت تلك الألف لا تتغير في تثنية الفعل لم يغيروا هذه الألف في شبه الاسم) (٣٣) (٣٤) ﴿ إِنْ هَذَانِ ﴾ لضعف عمل ﴿ إِنً ﴾ وذلك أنها تعمل بالشبه للفعل وليست بأصل في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل، فلما ضعف عملها لم تعمل في هذان) (٣٥) هذا الذي ذكرنا كله وجه قراءة العامة.

وقرا أبو عمرو: إن هذين بالياء (٣٦)  ما- (٣٧) وهذه القراءة هي قراءة عيسى بن عمر (٣٨) قال أبو إسحاق: (ولا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأن إتباعه سنة) (٣٩) وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم: إنْ هذان بتخفيف ﴿ إِنْ ﴾ (٤٠) ﴿ وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ  ﴾ ، وإن إذا خفف كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، وإذا كان كذلك رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خط المصحف.

قال أبو إسحاق: (أستحسن هذه القراءة، وفيها إمامان عاصم والخليل، وكان يقرا بهذه القراءة، والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل؛ ولأن هذه القراءة توافق قراءة أبي في المعنى، وإن خالفه اللفظ) (٤١) (٤٢) وقال الأخفش: ( ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب الاثنين في كل موضع) (٤٣) وقد بأن أن القراءة الصحيحة في هذه الآية قراءة العامة، وقراءهَ من خفف ﴿ أَن ﴾ على التعليل (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ قال عكرمة: (يذهبا بخياركم) (٤٥) وقال الحسن، وأبو صالح: (بأشرافكم) (٤٦) وعن أبي صالح: (بسراة الناس) (٤٧) وقال مجاهد: (أولوا العقل والشرف والأسنان) (٤٨) (٤٩) قال الزجاج: (معناه بجماعتكم الأشراف.

قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طَرِيقَة قَومِه، ونَظِيرة قَومِه، ونَظُورَة قَومِه، للرجل الفاضل، وإنما تأويله: هذا (الذي) (٥٠) (٥١) وقال الفراء: (العرب تقول للقوم: هؤلاء طَريقة قومهم، وطرائق قومهم لأشرافهم (٥٢) ونَظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد، والجميع يعني طريقه، وطرائق، قال: ومن ذلك قوله: ﴿ طَرَائِقَ قِدَدًا  ﴾ ) (٥٣) (٥٤) (٥٥) ومنه قول الشاعر (٥٦) أي: أشقهما وأفضلهما.

قال الأخفش والكسائي: (يقال: قد مَثَلَ يَمْثُلُ مُثُولًا، أي: صار فاضلًا) (٥٧) واختلف لم قيل للأفضل أَمْثَل؟

فقال بعضهم: معنى الأمثل: الأشبه بالحق، ثم صار اسمًا للأفضل (٥٨) (٥٩) (٦٠) ثمَّ أَصدَرْناهُما في وارِدٍ ...

صادِرٍ وَهْمٍ صُواه قَدْ مَثَلْ أي: انتصب وظهر، ولما كان الفاضل الشريف ظاهرًا من القوم بفضله وشرفه قيل له: الأمثل.

ومعنى الآية ما روى الشعبي عن علي -  - أنه قال: ( ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ يصرفا وجوه الناس إليهما) (٦١) والمعنى: أن يغلبا بسحرهما، فتمثل إليهما السادة والأشراف منكم.

وقال قتادة: (طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالًا، فقالوا: إنما يريد أن يذهبا بهما لأنفسهم) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقال ابن زيد: (ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة) (٦٥) ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ [بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه) (٦٦) وقال الكسائي: ( ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ﴾ يعني سنتكم وهداكم وسمتكم) (٦٧) و (المثلى)] (٦٨) (٦٩) (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).

(٢) "جامع البيان" 16/ 178، "النكت والعيون" 3/ 410، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ص).

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.

(٥) بالحارث بن كعب: ينسب إليه فخذ من القحطانية، وهم بنو الحارث بن كعب من مذحج.

انظر: "نهاية الأرب" 2/ 203، "معجم قبائل العرب" 1/ 102.

(٦) خثعم: قبيلة تنسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وخثعم: جبل قيل أن هذه القبيلة سميت بذلك لنزولها إياه وتعاقدها عليه، وقيل: سموا بذلك من الخثعمة وهي: أن يدخل كل واحد من الرجلين إصبعه في منخر ناقته ينجو به ثم يتعاقدا، وقيل غير ذلك.= انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 387، "الأنساب" 2/ 326، "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 289، "التعريف في الأنساب" ص 187، "المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 503.

(٧) زبيدًا: قبيلة قديمة من مذحج، أصلهم من اليمن، نزلوا الكوفة، وتنسب إلى زبيد واسمه: منبه بن صعب، وهو زبيد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زبيد، ومن ولد منبه بن ربيعة، وهو زبيد الأصغر، وقيل لهم زبيد: لأن منبهًا الأصغر قال: من يزبدني رقده؟

فأجابه أعمامه كلهم من زبيد الأكبر، فقيل لهم جميعًا: زبيد.

وقيل نسبة إلى موضع في اليمن.

انظر: "الأنساب" للسمعاني 3/ 135، "معجم البلدان" 3/ 131.

(٨) البيت لهوبر الحارثي.

هابي التراب: ما اختلط منه بالرماد.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 20 أ، "المحرر الوجيز" 11/ 85، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 217، "سر صناعة الإعراب" 2/ 704، "جمهرة اللغة" ص 707، "خزانة الأدب" 7/ 453، "شرح المفصل" 3/ 128، "تاج العروس" (هبا) 10/ 405، "لسان العرب" (صرع) 4/ 2433.

(٩) البيت للمتلمس من قصيدة يعاتب فيها خاله الحارث اليثسكري.

الشُّجَاع: الحية الذكر.

المَسَاغ: المدخل.

صَمَّم: عض ونيب فلم يرسل ما عض.

انظر: "ديوانه" ص 34، "الأصمعيات" ص 246، "الشعر والشعراء" ص 80، "خزانة الأدب" 7/ 487، "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" == للزجاج 3/ 362، "المؤتلف والمختلف" ص 71، "الحيوان" 4/ 263، "لسان العرب" (صمم) 4/ 2500.

(١٠) البيت لرجل من بني الحارث ولم يذكر اسمه.

قَلوص: القَلوص بفتح القاف الناقة الفتية.

طَاروا: نفروا مسرعين، وارتفعوا على إبلهم.

انظر: "الكشف والبيان" 20/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 347، "الإنصاف" ص 18، "تأويل مشكل القرآن" ص 50، "الخصائص" 2/ 269، "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 7/ 68.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 344، "الإنصاف" ص 18 "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 8/ 68.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.

(١٣) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات.

انظر: "ديوانه" ص 66، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 50، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345، "سر صناعة الإعراب" == 2/ 492، "خزانة الأدب" 11/ 213، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 375، "الخصائص" 2/ 269، "لسان العرب" (أنى) 1/ 156.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.

(١٥) "الكتاب" 1/ 475، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.

(١٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "أعراب القرآن" للنحاس 2/ 343.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.

(١٨) لم أهتد إلى قائله.

وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.

انظر: "خزانة الأدب" 10/ 323، "سر صناعة الإعراب" 1/ 378، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 263، "شرح التصريح" 1/ 174، "المقاصد النحوية" 1/ 556، "شرح ابن عقيل" 1/ 237، "فوائد القلائد" ص 81، "شرح الأشموني" 1/ 100، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.

(١٩) هذا صدر بيت من الرجز ينسب إلى رؤية بن العجاج وعجزه: تَرْضى مِنَ اللحْمِ بِعظْمِ الرَقَبة الحُلَيْس: تصغير حلس وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأصل هذه كنية الأتنان.

الشَّهْرَبَه: العجوز الكبيرة انظر: "ديوان رؤبة" ص 170، "شرح التصريح" 1/ 174، "شرح المفصل" 3/ 130، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1105، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الخزانة" 3/ 130، "أوضح المسالك" 1/ 210، "المقاصد النحوية" 1/ 535، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.

(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 184.

(٢١) ذكر نحوه الفراء في "المعاني" 2/ 184، والعكبري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 123، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، ومكي في "الكشف" 2/ 100 (٢٢) إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي، روى عن: عبد الله بن مسلمة القعقبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وعمرو بن مرزوق، وحجاج بن المنهال وغيرهم كثير، وثقه العلماء وأثنوا عيه، اشتهر بصدقه وصلاحه، ولي القضاء ببغداد، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 158، "كتاب الثقات" 8/ 105.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.

(٢٤) سبق ذكر البيت وعزوه.

(٢٥) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1013.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 184.

(٢٧) ذكر نحوه مختصرًا بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.

(٢٨) في (ص): (قط).

(٢٩) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.

(٣٠) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 180، "معالم التنزيل" 5/ 281، "النكت والعيون" 3/ 411، "زاد المسير" 5/ 297، "الكشاف" 2/ 543، "البحر المحيط" 6/ 255، "إرشاد العقل السليم" 6/ 25.

(٣١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.

(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 184.

(٣٣) ذكره نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" بلا نسبة 3/ 20 ب، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 219.

(٣٤) علي بن عيسى بن علي أبو الحسن النحوي، المعروف بالرماني، تقدمت ترجمته.

(٣٥) ذكره الألوسي في "روح المعاني" 16/ 223.

(٣٦) قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (إن هذان لساحران).

وقرا أبو عمرو البصري: (إن هذين لساحران).

انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "النشر" 2/ 321.

(٣٧) "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 280، "المحرر الوجيز" 10/ 297، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 216، "البحر المحيط" 6/ 255، "الإتقان" 1/ 182.

وقد رد العلماء هذا الأثر المروي عن عائشة وعثمان -  ما- من جهة إسناده ومتنه، فلا يصح الاحتجاج به على رد القراءة المتواترة الثابتة عن النبي -  -.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 2/ 252: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ لحن وأن عثمان -  - قال: إن في المصحف == المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها.

وهذا خبر باطل لا يصح.

وقال في "تفسيره" 5/ 209: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط.

وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 224: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -  - ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه.

وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه "رسم المصحف" ص 131 بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - ..

ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 106، "جامع البيان" 16/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 14، "دقائق التفسير" 5/ 202، "الإتقان" 1/ 182، "مناهل العرفان" 1/ 186، "رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين" ص 131.

(٣٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 361، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 343، "البحر المحيط" 6/ 255، "التفسير الكبير" 22/ 74.

(٣٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.

(٤٠) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إنْ هذان) بتخفيف (إنّ).

وقرا نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (إنَّ هذان) بتشديد (إنّ).

وكذلك قرأ أبو عمرو: بتشديد (إنّ).

انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "المبسوط في القراءات" ص 249.

(٤١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.

(٤٢) "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 348، "النكت والعيون" 3/ 410، "الكشاف" 2/ 542، "التفسير الكبير" 22/ 75.

(٤٣) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.

(٤٤) وقوله المؤلف -رحمه الله-: (وقد بأن أن القراءة الصحيحة) لا يفهم منه أن == القراءة الأخرى قراءة ضعيفه؛ لأنها قد ثبتت القراءة بها وصحت عن الرسول -  - كما وصلت إلينا بالتواتر، فلا يجوز ترجيح قراءة على أخرى؛ لأنها كلها ثابتة متواترة عن النبي -  - والقراءة سنة متبعة.

أما عن توجيه القراءة فما ذكره المؤلف -رحمه الله- هو قول جمهور العلماء من المفسرين.

قال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 255: والذي نختاره في تخريج هذه القراءة بأنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائمًا، وهي لغة كنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 347، "التفسير الكبير" 22/ 75، "روح المعاني" 16/ 223، "الفتاوى" لابن تيمية 2/ 252.

(٤٥) "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175.

(٤٦) "جامع البيان" 16/ 182، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.

(٤٧) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 162، "تفسير سفيان الثوري" ص 1954.

(٤٨) "جامع البيان" 16/ 186، "النكت والعيون" 3/ 411، زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174، "الدر المنثور" 4/ 541.

(٤٩) "زاد المسير" 5/ 208.

(٥٠) كذا في نسخة (س) وهو أصوب، وكذا هي في معاني الزجاج، وفي غيرها (الفتى).

(٥١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.

(٥٢) في نسخة (س): (أشرافهم).

(٥٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 185.

(٥٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

(٥٥) انظر: "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3342، "القاموس المحيط" (المثل) 4/ 48، " مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (الأمثل) 2/ 854، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 463.

(٥٦) لم أهتد لقائله.

وذكره نحوه: "تاج العروس" (نصف) 6/ 256، ونسبة لابن == العربي، وكذلك ابن منظور في "لسان العرب" (نصف) 7/ 4443 بلفظ: وإن أتوك فقالوا إنها نصف ...

فإن أطيب نصفها الذي غبرا (٥٧) ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3343.

(٥٨) "القاموس المحيط" (المثل) 1056، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.

(٥٩) انظر: "الصحاح" (مثل) 7/ 4134، "مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (مثل) 2/ 853، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.

(٦٠) البيت للبيد بن ربيعة.

أصدرناهما في وارد: الصادر والوارد الطريق، يقال: طريق صادر أي: أنه يصدر بأهله عن الماء، أو طريق وارد يرد بهم.

وَهْم: واسع ضخم.

والصُوَى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على طرقها، واحدتها صُوة.

انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 143،"تهذيب اللغة" (صدر) 2/ 1987، "لسان العرب" (صدر) 4/ 2411.

(٦١) "جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 282، "زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174.

(٦٢) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20/ ب، "النكت والعيون" 3/ 411، "معالم التنزيل" 5/ 282.

(٦٣) "جامع البيان" 16/ 182، "روح المعاني" 16/ 224.

(٦٤) "الكشف والبيان" 3/ 20، "تفسير مقاتل" 4 أ.

(٦٥) "جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.

(٦٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.

(٦٧) "الكشف والبيان" 3/ 20 ب.

(٦٨) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).

(٦٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 185، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ قرأ إن هذين بالياء ولا إشكال في ذلك، وقرأ بتخفيف إنْ وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها هذان بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إنّ ورفع هذان، فقيل ﴿ إِنْ ﴾ هنا بمعنى نعم فلا تنصب، ومنه ما روي في الحديث أن الحمد بالرفع، وقيل: اسم إن ضمير الأمر والشأن تقديره: إن الأمر، و ﴿ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر إن.

وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحرث بن كعب وهو إبقاء التثنية بالألف حال النصب، والخفض، وقالت عائشة رضي الله عنها، هذا مما لحن فيه كتاب المصحف ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى ﴾ أي يذهب بسيرتكم الحسنة ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي اعزموا وأنفذوه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾ لم يره جميع آياته، إنما أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات، فهو على الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر.

أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدّقها ويقبلها فيسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ قد علم اللّعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ فهذا إغراء منه قومه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سُوًى ﴾ المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس.

وقال بعضهم: مكاناً عدلاً لا نخلف نحن و [لا] أنت ذلك المكان.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ أي: منصفاً.

وقال القتبي: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، أي: وسطاً بين فريقين.

وقال الكسائي: سُوى وسِوى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: "سوى" وقال أبو عبيدة: هو مثل ﴿ طُوًى ﴾ وهو المنصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ ﴾ : قال بعضهم: يوم عاشوراء.

وقال بعضهم: يوم العيد.

وقال بعضهم: يوم سوقهم، لكنّا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ بيّنوا اليوم، وبيّنوا الوقت، وهو وقت الضحى.

﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ قال بعضهم: أي: نهاراً جهاراً، كقوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى  ﴾ نهاراً، يعني: جهاراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ ﴾ ، أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تفتروا على الله كذباً فيما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلهاً؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلهاً - ولا إله غيره - فقد افتريتم عليه.

والثاني: لا تفتروا على الله كذباً فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على الله كذباً بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ برفع الياء ونصبها جميعاً.

﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ : قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره.

وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.

ثم يحتمل ذلك العذاب في الدّنيا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على الله كذباً بعدما بان الحق، وظهر لهم البرهان والحجة.

وقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴾ في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ أي: [تناجى] السحرة فيما بينهم سرّاً من فرعون، فذلك قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من فرعون، فقال لهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ يعنون: موسى وهارون.

وقال بعضهم: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من موسى وهارون، فنجواهم أن قالوا: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ والأشبه هنا أنهم اعتزلوا قومهم وأسرّوا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا.

ثم قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ ﴾ بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللّغة.

وقال بعضهم: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ورأيت هذا، ونحوه، فهو الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان والتثنية.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ ، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضاً، يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته: ....

.....

.....

*** فقُلْتُ إِنَّهْ أي نعم.

وقال بعضهم: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في الكتاب فقال: إني أرى فيه خطاباً فيقومها العرب بألسنتها، أو نحو هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ هذا القول إنما أخذوا من فرعون، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ...

﴾ الآية [الشعراء: 35]، وقوله أيضاً حيث قال: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، علم فرعون أن ذلك ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدماً وخولاً يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، وإنه سحر وفساد، كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ  ﴾ ، وحيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ ، وحيث قالوا: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ، ونحوه، يدعى أن ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.

قال القتبي: ﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ ، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته الله، وأسحته، وقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: الأشراف، ويقال: هؤلاء طريقة قومهم، أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و ﴿ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ : مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر.

﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ ، أي: حيلتكم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.

وقال أبو عبيدة: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتي الصف اليوم أي: المصلى.

وقال القتبي: ﴿ صَفّاً ﴾ : أي: جميعاً، وكذلك [قال] غيره من أهل التأويل.

وقوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: غلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة والاجتماع ثانياً:BR>أما في العزم فما ذكر في الخبر: "لاَ صَوْمَ لِمَنْ لَم يَجْمَع رَأيَهُ مِنَ اللَّيْل" أي: لمن لم يعزم، على ما روي في الخبر: "لا صَوْمَ لمن لم يَعْزِمُ مِنَ الليل" وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل واحد لا تختلفوا فيه.

وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئاً واحداً؛ واقصدوا أمراً واحداً لكي تغلبوا.

﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ قال بعضهم: جميعاً غير متفرقين، وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ قيل: من غلب، كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: غلب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: ﴿ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ  قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  ﴾ فذلك هو ما طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال بعض السحرة لبعضهم سرا: إن موسى وهارون ساحران، يريدان أن يخرجاكم من مصر بسحرهما الذي جاءا به، ويذهبا بسُنَّتكم العليا في الحياة، ومذهبكم الأرقى.

<div class="verse-tafsir" id="91.BRJ74"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده