الآية ٦٤ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٦٤ من سورة طه

فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 137 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا ) أي اجتمعوا كلكم صفا واحدا ، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة ، لتبهروا الأبصار ، وتغلبوا هذا وأخاه ، ( وقد أفلح اليوم من استعلى ) أي : منا ومنه ، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل ، وأما هو فينال الرياسة العظيمة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( إنَّ هَذَانِ) بتشديد إن وبالألف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: " إن " خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما، وقال بعض نحويي الكوفة: ذلك على وجهين: أحدهما على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، وقد أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث بن كعب: فـأطْرَقَ إطْـرَاقَ الشُّـجاعِ وَلَـوْ رَأى مَســاغا لِنابــاه الشُّـجاعُ لصَممـا (3) قال: وحكى عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قليلا أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأنها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، قالوا: فلما رأوا الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحا، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كلّ حال.

قال: وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في كلا الرجلين، في الرفع والنصب والخفض، وهما اثنان، إلا بني كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كلي الرجلين، ومررت بكلي الرجلين، وهي قبيحة قليلة مضوا على القياس، قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الألف من هذا دعامة، وليست بلام فعل، فلما بنيت زدت عليها نونا، ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول بكلّ حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نونا تدلّ على الجمع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان في رفعه ونصبه وخفضه، قال: وكان القياس أن يقولوا: اللذون، وقال آخر منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نصب لخرج إلى الانبساط.

وحُدثت عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس: إن هذين لساحران في اللفظ، وكتب هذان كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب، قال: وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنين في موضع الجر والنصب، قال: وقال بشر بن هلال: إن بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترى أنها تعمل فيما يليها، ولا تعمل فيما بعد الذي بعدها، فترفع الخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مجاز " إن هذان لساحران "، مجاز كلامين، مَخْرجه: إنه إي نعم، ثم قلت: هذان ساحران.

ألا ترى أنهم يرفعون المشترك كقول ضابئ: فَمَـنْ يَـكُ أمْسَـى بالمَدِينَـةِ رَحْلُـهُ فـــإنّي وَقيــار بِهَــا لَغَــرِيبُ (4) وقوله: إنَّ السُّــيوفَ غُدُوَّهــا ورَوَاحَهــا تَـرَكَتْ هَـوَازِنَ مِثْـلَ قَرْنِ الأعْضَبِ (5) قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكته يصلون على النبيّ، فيرفعون على شركة الابتداء، ولا يعملون فيه إنَّ.

قال: وقد سمعت الفصحاء من المحرمين يقولون: إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك، قال: وقرأها قوم على تخفيف نون إن وإسكانها، قال: ويجوز لأنهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهي فصل، قال: أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ (6) قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لأنه إذا خفف نون " إن " فلا بدّ له من أن يدخل " إلا " فيقول: إن هذا إلا ساحران.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا(إنّ) بتشديد نونها، وهذان بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه كذلك هو في خطّ المصحف، ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهته الذين إذ زادوا على الذي النون، وأقرّ في جميع الأحوال الإعراب على حالة واحدة، فكذلك (إنَّ هَذَانِ) زيدت على هذا نون وأقرّ في جميع أحوال الإعراب على حال واحدة، وهي لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومن وليهم من قبائل اليمن.

وقوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قول الله تبارك وتعالى: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا وهؤلاء نظائر قومهم.

وأما قوله (المُثْلَى) فإنها تأنيث الأمثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما.

وفي المذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وقد يحتمل أن يكون المُثلى أنثت لتأنيث الطريقة.

وبنحو ما قلنا في معنى قوله ( بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال: أولي العقل والشرف والأنساب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال: أولي العقول والأشراف والأنساب.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قوله: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا وأولادا، قال عدوّ الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ( بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال: ببني إسرائيل.

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) يقول: يذهبا بأشراف قومكم.

وقال آخرون: معنى ذلك، ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغير ما أنتم عليه، وقرأ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ قال: هذا قوله: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة.

ورُوي عن عليّ في معنى قوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) ما حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن عليّ بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به.

-------------------- الهوامش : (3) البيت للمتلمس : جرير بن عبد العزى ، وقيل جرير بن عبد المسيح ، من كلمة له رواها ابن الشجري ( انظر كتاب الأشموني في النحو بشرح الأستاذ محيي الدين عبد الحميد ، طبعة الحلبي 1 : 47 ) .

قال : أطرق : سكت فلم يتكلم وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض .

والشجاع : ضرب من الحيات لطيف دقيق ، وهو أجرؤها .

أو هو الحية العظيمة تثب على الفارس والراجل وتقوم على ذنبها ، وربما بلغت رأس الفارس ، وتكون في الصحاري .

ومساغا : اسم مكان من ساغ يسوغ : إذا دخل ونفذ .

وصمما عضد ونيب .

والبيت جار على لغة بني الحارث بن كعب ومن لف لفهم ، والشاهد فيه أن قوله لناباه مثنى مجرور باللام ، وقد جاء بالألف ، وهي لغة بني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل ، وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة .

ويخرج بعض النحويين على هذه اللغة قوله تعالى : " إن هذان لساحران " وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا وتران في ليلة " .

قال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 198 من مصورة الجامعة 24059 ) فقراءتنا بتشديد إن ، وبالألف ؛ على جهتين : إحداهما على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما وخفضهما بالألف ، أنشدني رجل من الأسد عنهم " فأطرق إطراق الشجاع " .

.

.

البيت .

وحكى هذا الرجل عنهم : هذا خط يدا أخي ، أعرفه بعينه وذلك وإن كان قليلا أقيس .

( وساق المؤلف كلام الفراء إلى آخره ) .

(4) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي ، وهو أول أبيات قالها وهو محبوس بالمدينة ، في زمن عثمان بن عفان .

وبعده ثلاثة أبيات أنشدها أبو العباس المبرد في الكامل ( خزانة الأدب للبغدادي 4 : 323 - 328 ) واستشهد به النحاة على أن قوله ( قيار ) مبتدأ حذف خبره ، والجملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها ، والتقدير : فإني وقيار كذلك ، لغريب .

وإنما لم يجعل الخبر لقيار ، ويكون خبر إن محذوفا ؛ لأن اللام لا تدخل في خبر المبتدأ حتى يقدم ، نحو لقائم زيد .

وهذا تخريج له خلاف مذهب سيبويه ، فإن الجملة عنده في نية التأخير ، فهي معطوفة لا معترضة ، وزعم الكسائي والفراء أن نصب إن ضعيف لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر ، قال الزجاج : وهذا غلط ، لأن إن قد عملت عملين : الرفع والنصب ، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع ، لأن كل منصوب مشبه بالمفعول ، والمفعول لا يكون بغير فاعل ، إلا فيما لم يسم فاعله .

وكيف يكون نصب إن ضعيفا وهي تتخطى الظروف وتنصب ما بعدها نحو " إن فيها قوما جبارين " ، ونصب إن من أقوى المنصوبات أه .

(5) البيت للأخطل ( خزانة الأدب للبغدادي 2 : 372 ) من قصيدة له ستة عشر بيتا مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس .

والبيت شاهد عند النحاة على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني ، أي يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل فإن قوله " غدوها " بدل من السيوف ، قال المبرد في الكامل : هو بدل اشتمال ، وقد روعي المبدل منه في اللفظ ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر ، ولم يراع البدل ولو روعي لقيل " تركا " بالتثنية .

وهوازن : أبو قبيلة ، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر .

والأعضب : الذي انكسر أحد قرنيه .

وأورد المؤلف البيت شاهدا على أنهم قد يرفعون المشترك ، أي المعطوف على اسم إن ، وليس في البيت عطف على اسم إن ، وإنما هو إبدال من المنصوب كما قرره المبرد وأبو علي الفارسي في إيضاح الشعر .

(6) هذا بيت من مشطور الرجز نسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش بالشين في آخره ، وقيل بالسين ، مولى ثقيف .

( خزانة الأدب الكبرى للبغدادي 4 : 328 - 330 ) .

وهو شاهد على أنه شذ دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر ، مجردا من إن .

وقدر بعضهم : لهي عجوز ، لتكون في التقدير داخلة على المبتدأ .

قال ابن السراج في الأصول : قال أبو عثمان : وقرأ سعيد بن جبير ( إلا أنهم لا يأكلون الطعام ) : فتح أن ، وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله : أم الحـــليس لعجــوز شــهربه تـرضى مـن اللحـم بعظـم الرقبـة انتهى .

وعند ابن جني غير زائدة ، لكنها في البيت ضرورة .

قال في سر الصناعة : وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر إن فمن ضرورات الشعر ، ولا يقاس عليها ؛ والوجه أن يقال : لأم الحليس عجوز شهربه ، كما يقال لزيد قائم .

وأورد المؤلف البيت شاهدا على أن اللام فيه " وقيار بها لغريب " هي لام ابتداء أخرجت إلى الخبر ، كما في قول الراجز : أم الحليس لعجوز ، وأصله : لأم الحليس عجوز .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأجمعوا كيدكم الإجماع الإحكام والعزم على الشيء .

تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت .

وقراءة كل الأمصار فأجمعوا إلا أبا عمرو فإنه قرأ ( فاجمعوا ) بالوصل وفتح الميم .

واحتج بقوله : فجمع كيده ثم أتى .

قال النحاس وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال : يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه ، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس .

قال : لأنه احتج ب ( جمع ) وقوله - عز وجل - : فجمع كيده قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده ( فاجمعوا ) ويقرب أن يكون بعده فأجمعوا أي اعزموا وجدوا ؛ ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال : أمر مجمع ومجمع عليه .

قال النحاس : ويصحح قراءة أبي عمرو ( فاجمعوا ) أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه .

وقاله أبو إسحاق .

الثعلبي : القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان : أحدهما : بمعنى الجمع ، تقول : أجمعت الشيء جمعته بمعنى واحد ، وفي الصحاح : وأجمعت الشيء جعلته جميعا ؛ قال أبو ذؤيب يصف حمرا :فكأنها بالجزع بين نبايع وأولات ذي العرجاء نهب مجمعأي مجموع .

والثاني : أنه بمعنى العزم والإحكام ؛ قال الشاعر :يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمعأي محكم .

ثم ائتوا صفا قال مقاتل والكلبي : جميعا .

وقيل : صفوفا ليكون أشد لهيبتكم وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ؛ قال يقال : أتيت الصف يعني المصلى ؛ فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد .

وحكي عن بعض فصحاء العرب : ما قدرت أن آتي الصف ؛ يعني المصلى .

وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون ؛ فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال .

ولذلك لم يجمع .

وقرئ ( ثم ايتوا ) بكسر الميم وياء .

ومن ترك الهمزة أبدل من الهمزة ألفا .

وقد أفلح اليوم من استعلى أي من غلب .

وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض .

وقيل : من قول فرعون لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: أظهروه دفعة واحدة متظاهرين متساعدين فيه، متناصرين، متفقا رأيكم وكلمتكم، { ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } ليكون أمكن لعملكم، وأهيب لكم في القلوب، ولئلا يترك بعضكم بعض مقدوره من العمل، واعلموا أن من أفلح اليوم ونجح وغلب غيره، فإنه المفلح الفائز، فهذا يوم له ما بعده من الأيام فلله درهم ما أصلبهم في باطلهم، وأشدهم فيه، حيث أتوا بكل سبب، ووسيلة وممكن، ومكيدة يكيدون بها الحق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر الحق على الباطل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأجمعوا كيدكم ) قرأ أبو عمرو : " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم ، من الجمع ، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به ، بدليل قوله : " فجمع كيده " ، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم .

فقد قيل : معناه الجمع أيضا ، تقول العرب : أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد .

والصحيح أن معناه العزم والإحكام ، أي : اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له ، ولا تختلفوا فيختل أمركم .

( ثم ائتوا صفا ) أي جميعا ، قاله مقاتل والكلبي ، وقال قوم : أي : مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم ، وقال أبو عبيدة : الصف المجمع ، ويسمى المصلى صفا .

معناه : ثم ائتوا المكان الموعود .

( وقد أفلح اليوم من استعلى ) أي : فاز من غلب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأجمعوا كيدكم» من السحر بهمزة وصل وفتح الميم من جمع أي لمَّ وبهمزة قطع وكسر الميم من أجمع أحكم «ثم أئتوا صفا» حال أي مصطفين «وقد أفلح» فاز «اليوم من استعلى» غلب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتجاذب السحرة أمرهم بينهم وتحادثوا سرًا، قالوا: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من بلادكم بسحرهما، ويذهبا بطريقة السحر العظيمة التي أنتم عليها، فأحكموا كيدكم، واعزموا عليه من غير اختلاف بينكم، ثم ائتوا صفًا واحدًا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتَبْهَروا الأبصار، وتغلبوا سحر موسى وأخيه، وقد ظفر بحاجته اليوم مَن علا على صاحبه، فغلبه وقهره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله - تعالى : ( فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ .

.

.

) فصيحة ، أى : إذا كان الأمر كذلك من أن موسى وهارون قد حضرا ليخرجاكم من أرضكم بسحرهما .

.

.

( فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ) أى : فأحكموا سحركم واعزموا عليه ولا تجعلوه متفرقا .يقال : أجمع فلان رأيه وأزمعه ، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه وقوله ( ثُمَّ ائتوا صَفّاً ) أى : ثم ائتوا جميعا مصطفين ، حتى يكون أمركم أكثر هيبة فى النفوس ، وأعظم وقعا على القلوب ، وأدعى إلى الترابط والثبات وقوله ( وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ) تذييل مؤكد لما قبله .أى : وقد أفلح وفاز بالمطلوب فى يوم النزال من طلب العلو ، وسعى من أجله ، واستطاع أن يتغلب على خصمه ، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا الجوائز العظمى ، وإذا تغلب علينا خسرنا خسارة ليس هناك ما هو أشد منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القراءة المشهورة: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً أخر.

أحدها: قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر: (إن هذين لساحران) قالوا: هي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن رضي الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ وعن قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى  ﴾ في المائدة، وعن قوله: ﴿ لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ  ﴾ إِلى قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة  ﴾ فقالت يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب، وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، وعن أبي عمرو أنه قال: إني لأستحي أن أقرأ: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ .

وثانيها: قرأ ابن كثير: (إن هذان) بتخفيف إن وتشديد نون هذان.

وثالثها: قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف النونين.

ورابعها: قرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى أنْ هاذان ﴾ بفتح الألف وجزم نونه (و) ساحران بغير لام.

وخامسها: عن الأخفش: ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة وهي لغة قوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما.

وسادسها: روى عن أبي بن كعب: (ما هذان إلا ساحران) وروي عنه أيضاً: (إن هذان لساحران) وعن الخليل مثل ذلك، وعن أبي أيضاً: (إن ذان لساحران) فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر إذ لو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها مع كونها من القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك، فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما أدى إليه، وأما الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه: أحدها: أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.

وثانيها: أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيه لحناً وغلطاً.

وثالثها: قال ابن الأنباري إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا في المصحف لحناً لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الاتباع، حتى قال بعضهم: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

فثبت أنه لابد من تصحيح القراءة المشهورة.

واختلف النحويون فيه وذكروا وجوهاً: الوجه الأول: وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هي لغة بلحارث بن كعب، والزجاج نسبها إلى كنانة وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها ابن جني إلى بعض بني ربيعة أيضاً وأنشد الفراء على هذه اللغة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى *** مساغاً لناباه الشجاع لصمما وأنشد غيره: تزود منا بين أذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقيم قال الفراء وحكى بعض بني أسد أنه قال هذا خط يدا أخي أعرفه.

وقال قطرب هؤلاء يقولون: رأيت رجلان واشتريت ثوبان قال رجل من بني ضبة جاهلي: أعرف منها الجيد والعينانا *** ومنخرين أشبها ظبيانا وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء.

وقال آخر: طاروا علاهن فطر علاها *** واشدد بمثنى حقب حقواها وقال آخر: كأن صريف ناباه إذا ما *** أمرهما صرير الأخطبان قال بعضهم: الأخطبان ذكر الصردان، فصيرهما واحداً فبقي الاستدلال بقوله صريف ناباه، قال: وأنشدني يونس لبعض بني الحرث: كأن يميناً سحبل ومصيفه *** مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا وأنشدوا أيضاً: إن أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها وقال ابن جني روينا عن قطرب: هناك أن تبكي بشعشعان *** رحب الفؤاد طائل اليدان ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلاً أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح، فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً ولو كان ما بعده ياء ينبغي أن تنقلب ألفاً لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد هذا أقوى الوجوه في هذه الآية ويمكن أن يقال أيضاً: الألف في هذا من جوهر الكلمة والحرف الذي يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضي أن لا يجوز أن يقال: (إن هذين) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه أن يقال إن هذان.

الوجه الثاني: في الجواب أن يقال إن هاهنا بمعنى نعم قال الشاعر: ويقلن شيب قد علا *** ك وقد كبرت فقلت إنه أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى: ﴿ هَلَكَ عَنّي سلطانيه  ﴾ وقال أبو ذؤيب: شاب المفارق إن إن من البلى *** شيب القذال مع العذار الواصل أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران، واعترضوا عليه فقالوا: اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في المبتدأ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين: الأول: لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله: أم الحليس لعجوز شهر به *** ترضى من اللحم بعظم الرقبه وقال آخر: خالي لأنت ومن جرير خاله *** ينل العلاء ويكرم الأخوالا وأنشد قطرب: ألم تكن حلفت بالله العلي *** أن مطاياك لمن خير المطي وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطرباً قال: سمعناه مفتوح الهمزة وأيضاً فقد أدخلت اللام في خبر أمسى، قال ابن جني أنشدنا أبو علي: مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم *** فقال من سئلوا أمسى لمجهودا وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول: أراك المسالمي وإني رأيته لشيخاً وزيد والله لواثق بك وقال كثير: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها *** لكالهائم المقصى بكل بلاد وقال آخر: ولكنني من حبها لعميد *** وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم في محل لابد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن هاهنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا: إن لزيداً قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله: ما إن رأيت ولا سمعت به *** كاليوم طالبني أنيق أجرب والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيداً قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكداً آخر مع كلمة إن صار عبثاً، أما لو قلت: رأيت فلاناً فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكداً للأول فلا يكون عبثاً فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى، ولأن هذه العلل في نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر.

الوجه الثاني: في الجواب عن قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال: إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على الخبر.

قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحاق فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا.

قال ابن جنى: هذا القول غير صحيح لوجوه: الوجه الأول: أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلاً.

الوجه الثاني: أن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

الوجه الثالث: امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيداً للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا هاهنا.

الوجه الرابع: أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به.

على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الإضطرار إذا وجدوا له وجهاً ظاهراً، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في اللفظ ما يدل عليه وهو قوله: هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير في قولهم: زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد: ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولاً فلا يمكن جعله تأكيداً للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع هاهنا لهذه العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقاً ممتنع وأما قوله: النحويون حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به.

على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون، فهذا اعتراض في نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فما أكثر ما ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا.

الوجه الثالث: في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلي وهو الرفع.

المقدمة الأولى: أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى.

أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الإسم وهو تأكيد موصوفيته بالخبر كما أنك إذا قلت: قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى في الإسم.

المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل فذلك ظاهر بناء على الدوران.

المقدمة الثالثة: أنها لم تنصب الاسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال: إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً أو تنصبهما معاً أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك.

والقسم الثاني: أيضاً باطل لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه.

والقسم الثالث: أيضاً باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع وفي المفعول بالنصب فلو جعل النصب هاهنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين.

القسم الرابع: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصيلة لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب العمل عدول عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض.

المقدمة الرابعة: لما ثبت أن تأثيرها في نصب الاسم بسبب هذه المشابهة وجب جواز الرفع أيضاً، وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضي الرفع ودخول إن على المبتدأ لا يزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لا زوال ما كان إذا ثبت هذا فنقول: وصف كونه مبتدأ يقتضي الرفع وحرف إن يقتضي النصب ولكن المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين: أحدهما: أن وصف كونه مبتدأ صفة أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض.

والثاني: أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلي واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من النصب فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت بخبر إن ثم عطفت على الاسم إسماً آخر جاز فيه الرفع والنصب معاً.

الوجه الرابع: في الجواب قال الفراء: هذا أصله ذا زيدت الهاء لأن ذا كلمة منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفاً للتثنية فصارت هذا إن فاجتمع ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص فحذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم لم تعمل إن لأن عملها في ألف التثنية، وقال آخرون: الألف الباقي إما ألف الأصل أو ألف التثنية.

فإن كان الباقي ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل الخارجي لا يتصرف في ذات الكلمة، وإن كان الباقي ألف التثنية فلا شك أنهم أنابوها مناب ألف الأصل، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول.

الوجه الخامس: في الجواب حكى الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء هاهنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن، فهذا ما قيل في هذا الموضع، فأما من خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فإن ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها في الخبر لازمة واجبة وإن كانت في إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن المؤكدة وإن النافية.

قال الشاعر: وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت *** رحا الحرب أو دارت على خطوب وقال آخر: إن القوم والحي الذي أنا منهم *** لأهل مقامات وشاء وجامل الجامل جمع جمل، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتباراً بكان فإنها تعمل وإن نقصت في قولك: لم يكن لبقاء معنى التأكيد، وإن زال الشبه اللفظي بالفعل لأن العبرة للمعنى، وهذه اللغة تدل على أن العبرة في باب الإعمال الشبه المعنوي بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظي كما أن التعويل في باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلاً محضاً، وأما اللغة الظاهرة وهي ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظي في إن الثقيلة أحد جزأي العلة في حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون فإنه عامل بمعناه لكونه فعلاً محضاً ولا عبرة للفظه.

المسألة الثانية: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه.

فأحدها: قولهم: ﴿ هاذان لساحران ﴾ وهذا طعن منهم في معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه.

وثانيها: قوله: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ وهذا في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ، والمولد شديدة على القلوب، وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى  ﴾ وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها.

وثالثها: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى ﴾ وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره وهاهنا بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة لغيرهم يقال هم طريقة قومهم، ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه، وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف أي ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وعلى التقديرين، فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنوا اسرائيل لقول موسى عليه السلام: ﴿ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل  ﴾ وإنما سموا بني إسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عدداً وأموالاً ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى: ﴿ وَكُلٌّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  ﴾ ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة.

البحث الثاني: ﴿ المثلى ﴾ مؤنثة لتأنيث الطريقة، واختلفوا في أنه لم سمى الأفضل بالأمثل فقال بعضهم: الأمثل: الأشبه بالحق، وقيل: الأمثل الأوضح والأظهر، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم مبالغتهم في التنفير عن موسى عليه السلام والترغيب في إبطال أمره حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً ﴾ قرأ أبو عمرو بوصل الألف وفتح الميم من أجمعوا يعني لا تدعوا شيئاً من كيدهم إلا جئتم به دليله قوله: ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ وقرأ الباقون بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: قال الفراء: الإجماع الأحكام والعزيمة على الشيء، يقال: أجمعت على الخروج مثل أزمعت.

والثاني: بمعنى الجمع وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ  ﴾ قال الزجاج: ليكن عزمكم كلكم كاليد مجمعاً عليه لا تختلفوا ثم ائتوا صفاً، ذكر أبو عبيدة والزجاج وجهين: أحدهما: أن الصف موضع الجمع والمعنى ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، والمعنى: ائتوا مصلى من المصليات أو كان الصف علماً للمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه.

والثاني: أن يكون الصف مصدراً والمعنى ثم ائتوا مصطفين مجتمعين لكي يكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم، وهذا قول عامة المفسرين، وقوله: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ﴾ اعتراض، يعني: وقد فاز من غلب فكانوا يقرون بذلك أنفسهم فيما اجتمعوا عليه من إظهار ما يظهرونه من السحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس: إن نجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب لما قال: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول، ثم قالوا: إن هذان لساحران.

فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره، خوفاً من غلبتهما، وتثبيطاً للناس عن اتباعهما.

قرأ أبو عمرو: ﴿ إن هذين لساحران ﴾ على الجهة الظاهرة المكشوفة.

وابن كثير وحفص ﴿ إنْ هذان لساحران ﴾ على قولك: إنْ زيد لمنطلق.

واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة.

وقرأ أبيّ ﴿ إن ذان إلا ساحران ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ أن هذان ساحران ﴾ بفتح أن وبغير لام، بدل من النجوى.

وقيل في القراءة المشهورة ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ هي لغة بلحرث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ ﴾ بمعنى نعم.

و ﴿ لسا حرا نِ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران.

وقد أعجب به أبو إسحاق سموا مذهبهم الطريقة ﴿ المثلى ﴾ والسنة الفضلى، وكل حزب بما لديهم فرحون.

وقيل: أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو إسرائيل، لقول موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بنى إسرا ءيلَ ﴾ وقيل: ﴿ الطريقة ﴾ اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

يقال: هم طريقة قومهم.

ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ يعضده قوله: (فجمع كيده) وقرئ ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي أزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه، حتى لا تختلفوا ولا يخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها.

أمروا بأن يأتوا صفاً لأنه أهيب في صدور الرائين.

وروي: أنهم كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين.

ووجه صحته أن يقع علماً لمصلى بعينه، فأمروا بأن يأتوه أو يراد.

ائتوا مصلى من المصليات ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ﴾ اعتراض.

يعني: وقد فاز من غلب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ فَأزْمِعُوهُ واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ واحِدٌ مِنكم.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿ فَأجْمِعُوا ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿ قالُوا ﴾ إنْ كانَ لِلسَّحَرَةِ فَهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ مُصْطَفِّينَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ.

قِيلَ كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا وأقْبَلُوا عَلَيْهِ إقْبالَةً واحِدَةً.

﴿ وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ فازَ بِالمَطْلُوبِ مَن غَلَبَ وهو اعْتِراضٌ.

﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى ﴾ أيْ بَعْدَ ما أتَوْا مُراعاةً لِلْأدَبِ و ( أنْ ) بِما بَعْدَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أوْ مَرْفُوعٌ بِخَبَرِيَّةِ مَحْذُوفٍ، أيِ اخْتَرْ إلْقاءَكَ أوَّلًا أوْ إلْقاءَنا أوِ الأمْرُ إلْقاؤُكَ أوْ إلْقاؤُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأجمعوا} فاحكموا أي جعلوه مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا فَأَجْمِعُواْ أبو عمرو ويعضده فجمع كيده {كيدهم} هو ما يكاد به {ثُمَّ ائتوا صَفّاً} مصطفين حال أمر وابان يأتوا صفالانه أهيب في صدور الرائين {وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى} وقد فاز من غلب وهو اعتراض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَطْلُوبِ إثْرَ تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ.

والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ يُرِيدانِ بِكم ما يُرِيدانِ فَأزْمِعُوا كَيْدَكم واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مِنكم أحَدٌ وارْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ وأبُو حاتِمٍ ( فاجْمَعُوا ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مِنَ الجَمْعِ.

ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ وفي الفَرْقِ بَيْنَ جَمَعَ وأجْمَعَ كَلامٌ لِلْعُلَماءِ.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ أجْمَعَ يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي فَقَطْ وجَمَعَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعانِي والذَّواتِ.

وفي عُمْدَةِ الحُفّاظِ حِكايَةُ القَوْلِ بِأنَّ أجْمَعَ أكْثَرُ ما يُقالُ في المَعانِي وجَمَعَ في الأعْيانِ فَيُقالُ: أجْمَعْتُ أمْرِي وجَمَعْتُ قَوْمِي وقَدْ يُقالُ بِالعَكْسِ.

وفي المُحْكَمِ أنَّهُ يُقالُ: جَمَعَ الشَّيْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ يَجْمَعُهُ جَمْعًا وأجْمَعَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، وقالَ الفَرّاءُ: إذا أرَدْتَ جَمْعَ المُتَفَرِّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ وإذا أرَدْتَ جَمْعَ المالِ قُلْتَ جَمَّعْتُ بِالتَّشْدِيدِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُهُ والإجْماعُ الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِعَلى تَقُولُ: أجْمَعْتُ الخُرُوجَ وأجْمَعْتُ عَلى الخُرُوجِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ جَمَعْتُ الشَّيْءَ إذا جِئْتَ بِهِ مِن هُنا ومِن هُنا وأجْمَعْتُهُ إذا صَيَّرْتَهُ جَمِيعًا، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا وعَزَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا وتَفْرِقَتُهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا والجَمْعُ أنْ يَجْمَعَ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْ لا تَدَعُوا شَيْئًا مِن كَيْدِكم إلّا جِئْتُمْ بِهِ ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ وأدْخَلُ في اسْتِجْلابِ الرَّهْبَةِ مِنَ المُشاهِدِينَ.

قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلٍّ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وأقْبَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إقْبالَةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنَ القِبْطِ والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ ثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، ولا يَخْفى حالُ الأخْبارِ في ذَلِكَ والقَلْبُ لا يَمِيلُ إلى المُبالَغَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ولَعَلَّ المَوْعِدَ كانَ مَكانًا مُتَّسِعًا خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ في قُطْرٍ مِن أقْطارِهِ، وتَنازَعُوا أمْرَهم في قُطْرٍ آخَرَ مِنهُ ثُمَّ أُمِرُوا أنْ يَأْتُوا وسَطَهُ عَلى الحالِ المَذْكُورَةِ، وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الصَّفَّ بِالمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّهُ عُلِمَ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن مَكانِ يَوْمِ الزِّينَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ (صَفًّا) مَفْعُولًا بِهِ.

وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عَنْهُ ( ثُمَّ ايتُوا ) بِكَسْرِ المِيمِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن ثُمَّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كانَتِ الفَتْحَةُ في قِراءَةِ العامَّةِ كَذَلِكَ ﴿ وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن قَبِلَهم مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ أيْ قَدْ فازَ بِالمَطْلُوبِ مَن غَلَبَ.

فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ كَما في الصَّحّاحِ أوْ مِن طَلَبِ العُلُوِّ والغَلَبِ وسَعى سَعْيَهُ عَلى ما في البَحْرِ.

فاسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ، ولَعَلَّهُ أبْلَغُ في التَّحْرِيضِ حَيْثُ جَعَلُوا الفَوْزَ لِمَن طَلَبَ الغَلَبَ فَضْلًا عَمَّنْ غَلَبَ بِالفِعْلِ وأرادُوا بِالمَطْلُوبِ ما وعَدَهم فِرْعَوْنُ مِنَ الأجْرِ والتَّقْرِيبِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ وبِمَنِ اسْتَعْلى أنْفُسَهم جَمِيعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴿ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ ﴾ أوْ مَنِ اسْتَعْلى مِنهم حَثًّا عَلى بَذْلِ المَجْهُودِ في المُغالَبَةِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِعْلاءُ قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِ العُلُوِّ المَذْمُومِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ وهو هاهُنا يَحْتَمِلُهُما، فَلِهَذا جازَ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَحْكِيًّا عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى إجْماعِهِمْ واهْتِمامِهِمْ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فالمُسْتَعْلى مُوسى، وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا تَحْرِيضَ فِيهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يعني: تناظروا أمرهم بينهم- يعني: اختلفوا فيما بينهم سراً من فرعون وهم السحرة، وقالوا فيما بينهم: إن كان ما يقول موسى حقاً واجباً فيكون الغلبة لموسى، فذلك قوله عز وجل: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يعني: تناظروا أمرهم بينهم (١)  بهذا اللفظ إن هذين لساحران إنّ هذين ليس فيه ألف، وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع المصاحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا بالنصب والخفض كتبوها بالياء.

وحكى الكسائي، عن أبي الحارث بن كعب وخثعم وزيد وأهل تلك الناحية: الرفع مكان النصب وقال القائل: أَي قلوص راكب تراها ...

طاروا علاهن فطر علاها وقال آخر: إنَّ أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ...

قَدْ بلغا في المجد غَايَتَاهَا وقال آخر: فَمَنْ يك أمسى بالمدينة رَحْلُه ...

فَإِنِّي وَقَيَّارٍ بِهَا لَغَرِيبُ وروى وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قالوا: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء إنّ هاذان لساحران وإنّ هاذين لساحرين سواء.

وفي مصحف عبد الله إنّ هاذان ساحران وفي مصحف أبي إِنْ هذان إلّا ساحران.

ثم قال الله عزّ وجلّ: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى، يقول برجالكم الأمثل فالأمثل.

يقول: ليغلبا على الرجال من أهل العقول والشرف، وقال القتبي: يقال: هؤلاء طريقة القوم، أي: أشرافهم، ويقال: أراد سنتكم ودينكم، وقال الزجاج: معناه، يذهبا بأهل طريقتكم، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .

ثم قال عز وجل: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بجزم الألف ونصب الميم، يعني: جيئوا بكل كيد تقدرون عليه، لا تبقوا منه شيئاً.

وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم، ومعناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مجمعاً عليه، ولا تختلفوا فتخذلوا.

وقال أبو عبيدة: بهذا نقرأ، لأن الناس عليها ولصحتها في العربية يقال: أجمعت الأمر واجتمعت عليه، وإنما يقال: جمعت الشيء المتفرق فتجمّع.

ثمّ قال: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، يعني: جميعاً.

قال أبو عبيد: الصف المصلى، وقال الزجاج: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يعني: الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم.

قال: ويجوز أن يكون قوله ثم ائتوا مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمركم، وأشد لهيبتكم.

وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ يعني: قد فاز ونجا اليوم مَنِ اسْتَعْلى أي: من علا بالغلبة.

ثم جمع فرعون بينهم وبين موسى  ف قالُوا يا مُوسى، يعني: السحرة، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ يعني: أن تطرح عصاك على الأرض، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى إلى الأرض.

قالَ لهم موسى: بَلْ أَلْقُوا، فألقوا في الكلام مضمر.

فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، يعني: تراءت إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، يعني: كأنها حيات تسير.

وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء تُخَيَّلُ لأن جمع العصي مؤنث، وقراءة العامة بالياء يعني: سعيها.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ...

الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم.

وقولهما: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أنْ يكون آخر كلام فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول.

ويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء.

وقوله سبحانه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه ثُمَّ هَدى، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات.

وقول فرعونَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟

ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى/ ١٠ ب سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم روغاناً في الحجّة، وحَيْدَةً.

وقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [عليه السلام] : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يريد في اللّوح المحفوظ، ولا يَضِلُّ: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع.

وقوله: شَتَّى نعت للأزواج، أي: مختلفة.

وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس.

والنُّهى جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.

وقوله سبحانه: مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأَرض وَفِيها نُعِيدُكُمْ أَيْ: بالموت، والدفن.

وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أيْ: بالبعث ليوم القيامة.

وقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا إخبار لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم.

وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه عز وجل وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك.

وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً.

ومعنى سُوىً أَيْ: عَدْلاً ونصفَه، أي:

حالنا فيه مُستَوِيَة.

وقالت فرقة: معناه مستوياً من الأرض لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى:

مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وروي أَنَّ يوم الزينة كان عيداً لهم، ويوماً مشهوراً.

وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم.

وقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطفاً على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه.

ثُمَّ أَتى فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر «١» ، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، وألّا يباهتوا بكذب فَيُسْحِتَكُمْ أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع.

وفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازُعُ يقتضي اختلافا كان بينهم في السرِّ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام والنَّجْوى المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرّاً مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف.

وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا.

إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ «١» : «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم كما قال صلى الله عليه وسلّم إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد.

وقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتعزى هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم.

وقال الزجاج «٢» : في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» .

[وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران] .

«٣» .

وقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضاً «لَسَاحِرَانِ» .

وعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا وحكوا/ أن ١١ أالعرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، والأظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الّتي كانوا عليها.

والْمُثْلى تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة.

وقرأَ جمهورُ «٤» القرَّاء: «فأَجْمِعوا» : بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم على معنى:

انفذوا «٥» ، واعزموا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿ آياتِنا كُلَّها ﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ ؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿ وَأبى ﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿ قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا ﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿ بِسِحْرِكَ ﴾ ؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا ﴾ ؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿ لا نُخْلِفُهُ ﴾ ؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ.

﴿ سُوًى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ.

﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ.

وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ.

فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ.

﴿ وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ ضُحًى ﴾ ؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ.

﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى.

﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ﴾ ؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ ثُمَّ أتى ﴾ ؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ.

﴿ قالَ لَهم مُوسى ﴾ ؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) .

قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ.

وقِيلَ: ﴿ أسَرُّوا ﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

.

.

" الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ.

فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] .

وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ  ﴾ ؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ.

فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ.

وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ ﴾ ؟

وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ.

وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ.

والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما.

قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ.

فَأمّا ﴿ المُثْلى ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم.

قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ صَفًّا ﴾ ؛ أيْ: صُفُوفًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا.

قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ.

٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى ﴾ ﴿ قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ﴾ ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَجْوى ﴾ ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ المَعْنى: فَجُمِعَ السَحَرَةُ ووَعَدَهم وأمْرَهم بِالإعْدادِ لِمُوسى، فَهَذا هو كَيْدُهُ، ثُمْ أتى فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ وأهْلِ دَوْلَتِهِ، والسَحَرَةُ مَعَهُ، وكانَتْ عِصابَةٌ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى أسْحَرَ مِنها، وجاءَ أيْضًا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلسَّحَرَةِ: "وَيْلَكُمْ"، وهَذِهِ مُخاطَبَةُ مُحَذِّرٍ، نَدَبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِ الحَقِّ إذا رَأوهُ، وألّا يُباهِتُوا بِكَذِبٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَيَسْحِتَكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "فَيُسْحِتَكُمْ" بِضَمِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، يُقالُ: سُحِتْ وأُسْحِتَ بِمَعْنى: أهْلَكَ وأذْهَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: عَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ فَهَذا مِن أُسْحِتَ.

فَلَمّا سَمِعَ السَحَرَةُ هَذِهِ المَقالَةَ هالَهم هَذا المَنزَعُ، ووَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن مَهابَتِهِ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وتَنازَعُوا أمْرَهُمْ، و"التَنازُعُ" يَقْتَضِي اخْتِلافًا كانَ بَيْنَهم في السِرِّ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هو مُحِقٌّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُبْطِلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ فَسَيَغْلِبُنا، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تُعْهَدُ مِنَ الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ في وقْتِ الخَوْفِ كالحَرْبِ ونَحْوَ هَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ تَناجِيهِمْ إنَّما كانَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ تَناجِيهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعَدَ هَذا ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ قِيلَتْ عَلانِيَةً، ولَوْ كانَ تَناجِيهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُمْ تَنازَعٌ، و"النَجْوى": السِرُّ والمُسارَّةُ، أيْ: كانَ كُلُّ رَجُلٍ يُناجِي مَن يَلِيهِ، ثُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ سِرًّا مَخافَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِمْ ضَعْفًا؛ لَأنَّهم حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا مُصَمِّمِينَ عَلى غَلَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، بَلْ كانَ ظَنًّا مِن بَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ" مُشَدَّدَةَ النُونِ "هَذانَ" بِألِفٍ ونُونٍ مُخَفَّفَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ هَذانِّ لَساحِرانِ" بِتَخْفِيفِ نُونِ "إنْ" وتَشْدِيدِ نُونِ "هَذانِ لَسَحَرانِ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "إنْ" خَفِيفَةً "هَذانِ" خَفِيفَةً أيْضًا "لَساحِرانِ".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانَ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ ذانِ لَساحِرانِ"، وقَرَأتْ فَرِقَّةٌ: "ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "هَذانِّ".

فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنَّ" بِمَعْنى: نَعَمْ، كَما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ في خُطْبَتِهِ: إنِ الحَمْدُ لِلَّه بِرَفْعِ "الحَمْدُ"،» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ وراكِبُها" حِينَ قالَ لَهُ الرَجُلُ: لَعَنَ اللهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، ويُدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ أنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهو مِمّا يَجُوزُ في الشِعْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُمُ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَحْمِ بِعَظْمِ الرَقَبَهْ وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِلُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وهو إبْقاءُ ألِفِ التَثْنِيَةِ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: زَوَّدَ مِنها بَيْنَ أُذُناهُ طَعْنَةً ∗∗∗ دَعَتْهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمُ وقَوْلُ الآخَرِ: أطْرَقَ إطْراقَ الشُجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُجاعِ لَصَمَّها وَتُعْزى هَذِهِ اللُغَةُ لِكِنانَةَ، وتُعْزى لَخَثْعَمَ، وقالَ الفِراءُ: الألْفُ في "هَذانِ" دِعامَةٌ ولَيْسَتْ بِمَجْلُوبَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وإنَّما هي ألِفُ "هَذا" تُرِكَتْ في حالِ التَثْنِيَةِ، كَما نَقُولُ: "الَّذِي" ثُمْ في الجَمْعِ نَزِيدُ نُونًا وتُتْرَكُ الياءُ في حالِ النَصْبِ والرَفْعِ والخَفْضِ، وقالَ الزُجاجَ: في الكَلامِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهِ: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: ألِفُ "هَذانِ" مُشَبَّهَةٌ هُنا بِألِفِ تَفْعَلانِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لِما كانَ "هَذا" بِحالٍ واحِدَةٍ في رَفْعِهِ ونَصْبِهِ وخَفْضِهِ تُرِكَتْ تَثْنِيَتُهُ هُنا كَذَلِكَ.

وقالَتْ جَماعَةٌ - مِنهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها - وأبُو عَمْرٍو -: هَذا مِمّا لَحَنَ الكاتِبُ فِيهِ وأُقِيمَ بِالصَوابِ وهو تَخْفِيفُ النُونِ مِن "إنْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُعْتَرِضَةٌ، إلّا ما قِيلَ مِن أنَّها لُغَةٌ، و"إنْ" بِمَعْنى: أجَلْ ونَعَمْ، أوَ "إنْ" في الكَلامِ ضَمِيرٌ.

وأمّا مِن قَرَأ: "إنْ" خَفِيفَةً، فَهي عن سِيبَوَيْهٍ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ ويَرْتَفِعُ بَعْدَها الِاسْمُ، ويَقُولُ الفِراءُ: هي بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا" ووَجْهُ سائِرِ القِراءاتِ بَيِّنٌ.

وعَبَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الطَرِيقَةِ" بِـ "السادَةِ"، وأنَّما يُرادُ أهْلُ العَقْلِ والسِنِّ والحِجى، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "فَلانٌ طَرِيقَةُ قَوْمِهِ"، أيْ: سَيِّدُهُمْ، والأظْهَرُ في الطَرِيقَةِ هُنا أنَّها السِيرَةُ والمَمْلَكَةُ والحالُ الَّتِي هي عَلَيْها، و"المُثْلى" تَأْنِيثُ أمْثَلَ، أيِ: الفاضِلَةُ الحَسَنَةُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَأجْمَعُوا" بِقَطْعِ الألْفِ وكَسْرِ المِيمِ، عَلى مَعْنى: أعَزِمُوا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "فَأجْمِعُوا" مِن "جَمَّعَ"، أيْ: ضُمُّوا سِحْرَكم بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ثُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ "اِيتُوا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "ثُمُ اِيتُوا" بِكَسْرِهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ، ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن "ثُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثُمُ ائْتُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ حالٌ، أيْ: مُصْطَفِّينَ، وتَداعَوْا إلى هَذا لَأنَّهُ أهَيَبُ وأظْهَرُ لَهم.

و"أفْلَحَ" مَعْناهُ: ظَفَرَ بِبُغْيَتِهِ، و"اسْتَعْلى": طَلَبَ العُلُوَّ في أمْرِهِ وسَعى سَعْيَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي تفرع على موعظة موسى تنازُعهم الأمرَ بينهم، وهذا يؤذن بأن منهم من تركتْ فيه الموعظة بعضَ الأثر، ومنهم من خشي الانخذال، فلذلك دعا بعضهم بعضاً للتشاور فيما ذا يصنعون.

والتنازل: تفاعل من النزع، وهو الجَذْب من البئر، وجَذْب الثوب من الجسد، وهو مستعمل تمثيلاً في اختلاف الرأي ومحاولة كل صاحب رأي أن يقنع المخالف له بأن رأيه هو الصواب، فالتنازع: التخالف.

والنّجوى: الحديث السريّ، أي اختَلَوْا وتحادثوا سِرّاً ليَصدروا عن رأي لا يطّلع عليه غيرهم، فجَعْلُ النجوى معمولاً ل ﴿ أسَرّوا ﴾ يفيد المبالغة في الكتمان، كأنه قيل: أسرّوا سرّهم، كما يقال: شعر شاعر.

وزادهُ مبالغة قوله ﴿ بَيْنَهُم ﴾ المقتضي أنّ النجوى بين طائفة خاصة لا يشترك معهم فيها غيرهم.

وجملة ﴿ قَالُوا إنْ هذانن لساحران ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وأسَرُّوا النجوى ﴾ ، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذُكر منها هذا القول، لأنّه القول الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه، فهو زبدة مخيض النجوى.

وذلك شأن التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه.

وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى: قال بعضهم: هذان لساحران، فقال جميعهم: نعم هذان لسَاحران، فأسند هذا القول إلى جميعهم، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها.

وقال بعضهم لبعض: نعم هو كذلك، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران.

واعلم أنّ جميع القراء المعتبرين قرأوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من قوله «هاذان» ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة عشر.

وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ (هذانِ) أكثر تواتراً بقطع النظر عن كيفيّة النطق بكلمة (إنّ) مشدّدة أو مخفّفة، وأن أكثر مشهور القراءات المتواترة قرأوا بتشديد نون (إنّ) ما عدا ابنَ كثير وحفصاً عن عاصم فهما قرءَا (إنْ) بسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة.

وإن المصحف الإمام ما رسمُوه إلاّ اتّباعاً لأشهر القراءات المسموعة المروية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقرّاء أصحابه، فإن حفظ القرآن في صدور القرّاء أقدم من كتابته في المصاحف، وما كتب في أصول المصاحف إلاّ من حفظ الكاتِبين، وما كُتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحُفاظ وما كتبه كتاب الوحي في مدة نزول الوحي.

فأما قراءة الجمهور {إنّ هذان لساحران بتشديد نون (إنّ) وبالألف في هذان وكذلك في لساحران، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستّة.

وأظهرها أن تكون (إنّ) حرف جواب مثل: نعم وأجَل، وهو استعمال من استعمالات (إنّ)، أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النّجوى كقول عبد الله بن قيس الرقيّات: ويقلْن شيب قد عَلا *** كَ وقد كبِرت فقلت إنّه أي أجل أو نعم، والهاء في البيت هاءُ السّكْتتِ، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابي استجداه فلم يعطه، فقال الأعرابي: لعَن الله ناقة حملتني إليك.

قال ابن الزّبير: إنّ وراكِبَها.

وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ذكره في تفسيره}.

وقال: عرضته على عالمينا وشيْخينا وأستاذيْنا محمد بن يزيد (يعني المبرد)، وإسماعيل بن إسحاق بن حمّاد (يعني القاضي الشهير) فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا.

وقلت: لقد صدقا وحقّقا، وما أورده ابن جنّي عليه من الرد فيه نظر.

وفي «التفسير الوجيز» للواحدي سأل إسماعيل القاضي (هو ابن إسحاق بن حمّاد) ابنَ كيسان عن هذه المسألة، فقال ابنُ كيسان: لما لم يظهر في المبهم إعرابٌ في الواحد ولا في الجمع (أي في قولهم هذا وهؤلاء إذ هما مبنيان) جرت التثنية مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغيّر.

فقال له إسماعيل: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يُؤْنس به فقال له ابنُ كيسان: فليقل به القاضي حتى يؤنس به، فتبسم.

وعلى هذا التوجيه يكون قوله تعالى: ﴿ إنّ هَذاننِ لسَاحِرانِ ﴾ حكايةً لمقال فريق من المتنازعين، وهو الفريق الذي قبِل هذا الرأي لأنّ حرف الجواب يقتضي كلاماً سبقه.

ودخلت اللاّم على الخبر: إما على تقدير كون الخبر جملة حذف مبتدأها وهو مدخول اللام في التقدير، ووجودُ اللاّم ينبئ بأن الجملة التي وقعت خبراً عن اسم الإشارة جملة قسميّة؛ وإما على رأي من يجيز دخول اللام على خبر المبتدأ في غير الضرورة.

ووجهت هذه القراءة أيضاً بجعل (إنّ) حرف توكيد وإعراببِ اسمها المثنّى جَرى على لغة كنانة وبِلْحارث بن كعب الذين يجعلون علامة إعراب المثنى الألفَ في أحوال الإعراب كلها، وهي لغة مشهورة في الأدب العربي ولها شواهد كثيرة منها قول المتلمّس: فأطرقَ إطراقَ الشُجاع ولو درى *** مساغاً لِنَأبَاهُ الشجاعُ لصمّما وقرأه حفص بكسر الهمزة وتخفيف نون (إنْ) مسكنة على أنها مخففة (إنّ) المشددة.

ووجه ذلك أن يكون اسم (إنْ) المخففة ضمير شأن محذوفاً على المشهور.

وتكون اللاّم في ﴿ لساحران ﴾ اللاّم الفارقة بين (إنْ) المخففة وبين (إن) النافية.

وقرأ ابن كثير بسكون نون (إنْ) على أنها مخففة من الثقيلة وبإثبات الألف في «هذان» وبتشديد نون (هاذانّ).

وأما قراءة أبي عمرو وحده {إنَّ هذَيْن بتشديد نون (إنّ) وبالياء بعد ذال هذين.

فقال القرطبي: هي مخالفة للمصحف.

وأقل: ذلك لا يطعن فيها لأنّها رواية صحيحة ووافقت وجهاً مقبولاً في العربيّة.

ونزول القرآن بهذه الوجوه الفصيحة في الاستعمال ضرب من ضروب إعجازه لتجري تراكيبه على أفانين مختلفة المعاني متحدة المقصود.

فلا التفات إلى ما روي من ادعاء أن كتابة إن هاذان خطأ من كاتب المصحف، وروايتِهم ذلك عن أبانَ بن عثمان بن عفّان عن أبيه، وعن عروة بن الزبير عن عائشة، وليس في ذلك سند صحيح.

حسبوا أنّ المسلمين أخذوا قراءة القرآن من المصاحف وهذا تغفّل، فإن المصحف ما كتب إلاّ بعد أن قرأ المسلمون القرآن نيّفاً وعشرين سنة في أقطار الإسلام، وما كتبت المصاحف إلاّ من حفظ الحفّاظ، وما أخذ المسلمون القرآن إلاّ من أفواه حُفّاظه قبل أن تكتب المصاحف، وبعد ذلك إلى اليوم فلو كان في بعضها خطأ في الخطّ لما تبعه القراء، ولكان بمنزلة ما تُرك من الألفات في كلمات كثيرة وبمنزلة كتابة ألف الصلاة، والزكاة، والحياة، والرّبا بالواو في موضع الألف وما قرأوها إلاّ بألِفاتها.

وتأكيد السحرة كونَ موسى وهارون ساحرين بحرف (إنّ) لتحقيق ذلك عند من يخامره الشكّ في صحّة دعوتهما.

وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحراً لأنّهم يطلقون السحر عندهم على خوارق العادات، كما قالت المرأة الّتي شاهدت نبع الماء من بين أصابع النبي لقومها: جئتكم من عندِ أسْحر النّاس، وهو في كتاب المغازي من صحيح البخاري}.

والقائلون: قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون، أو ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة.

والخطاب في قوله ﴿ أن يُخْرِجَاكُم ﴾ لملئهم.

ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ﴾ [طه: 57].

ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة، أي يريداننِ الاستئثار بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر موسى وهارون.

والطريقة: السُّنّة والعادة؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر، بجامع الملازمة.

والمثلى: مؤنّث الأمثل.

وهو اسم تفضيل مشتقّ من المَثَالة، وهي حسن الحالة يقال: فلان أمثل قومِه، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالاً.

وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم، فإن لكلّ أمّة غيرة على عوائدها وشرائعها وأخلاقها.

ولذا فرّعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى.

والباء في ﴿ بطريقتكم ﴾ لتعدية فعل ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ في سورة البقرة (17).

وقرأ الجمهور فأجمِعوا} بهمزة قطع وكسر الميم أمراً من: أجمع أمره، إذا جعله متفقاً عليه لا يختلف فيه.

وقرأ أبو عمرو ﴿ فاجمَعوا ﴾ بهمزة وصل وبفتح الميم أمراً من جمع، كقوله فيما مضى ﴿ فجَمَع كيْدَه ﴾ [طه: 60].

أطلق الجمع على التعاضد والتعاون، تشبيهاً للشيء المختلف بالمتفرّق، وهو مقابل قوله ﴿ فتنازعوا أمرهم ﴾ .

وسموا عملهم كيداً لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ليس بعجيب، فهم يأتون بمثله أو أشدّ منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به.

والظاهر أنّ عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى، وما أظهره الله على يديه من المعجزة، وأصبحوا متحيّرين في شأنه؛ فمن أجل ذلك اهتمّ السحرة بالكيد له، وهو ما حكاه قوله تعالى: في آية سورة الشعراء (38 40): ﴿ فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيبُ لهم.

ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيّرون لذلك بَهاء الهيبة وحسن السمت وجلال المظهر.

فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود، وربما لبس الأبطال جلود النمور في الحرب.

وقد فسر به فعل تنمّروا في قول ابن معد يكرب: قوم إذا لبِسوا الحديد *** تنَمروا حَلَقاً وقَدّاً وقيل: إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل لبس لي فلان جلد النمر.

وثبت في التاريخ المستند للآثار أنّ كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود النمور.

والصفّ: مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول، أي صافّين أو مصفوفين، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظراً، قال تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ [الصفّ: 4].

وكان جميع سحرة البلاد المصريّة قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عدداً كثيراً.

فالصفّ هنا مراد به الجنس لا الواحدة، أي ثم ائتوا صفوفاً، فهو كقوله تعالى: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [النبأ: 38] وقال: ﴿ والملك صفاً صفاً ﴾ [الفجر: 22].

وانتصب ﴿ صَفّاً ﴾ على الحال من فاعل ﴿ ائتُوا ﴾ والمقصود الإتيان إلى موضع إلقاء سحرهم وشعوذتهم، لأنّ التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم ﴿ وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَننِ اسْتَعلَى ﴾ .

وجملة ﴿ وقَدْ أفلحَ اليومَ مَننِ استَعْلى ﴾ تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع.

ف ﴿ استعلى ﴾ مبالغة في عَلا، أي علا صاحبَه وقهره، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر.

وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بأنّ أمثال هذه المواقف مما يؤثر في حال الحياة الأبديّة وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِسِحْرِكم.

الثّانِي: بِتَكْذِيبِي وقَوْلِكم ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ.

﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ ﴾ فَيُهْلِكَكم ويَسْتَأْصِلَكم، قالَ الفَرَزْدَقُ: وعَضَّ زَمانَ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفِ فالمُسْحَتُ: المُسْتَأْصَلُ، والمُجَلَّفُ: المُهْلَكُ.

﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما هَيَّئُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فِيمَن يَبْتَدِئُ بِالإلْقاءِ.

﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النَّجْوى الَّتِي أسَرُّوها أنْ قالُوا: إنْ كانَ هَذا سِحْرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ السَّماءَ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآيَةِ.

قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، قالَهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى دُونَ مُوسى وهارُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ الآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى.

إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ هَذِهِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وهي مُوافِقَةٌ لِلْإعْرابِ مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ.

وَقَرَأ الأكْثَرُونَ: إنْ هَذانَ السّاحِرانِ، فَوافَقُوا المُصْحَفَ فِيها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَشْدِيدِ إنَّ فَخَفَّفَها ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ فَسَلِما بِتَخْفِيفِ إنَّ مِن مُخالَفَةِ المُصْحَفِ ومِن فَسادِ الإعْرابِ، ويَكُونُ مَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ.

وَقَرَأ أُبَيٌّ: إنَّ ذانِ إلّا ساحِرانِ، وقَرَأ باقِي القُرّاءِ بِالتَّشْدِيدِ: إنَّ هَذانَ لَساحِرانِ.

فَوافَقُوا المُصْحَفَ وخالَفُوا ظاهِرَ الإعْرابِ.

واخْتَلَفَ مَن قَرَأ بِذَلِكَ في إعْرابِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا عَلى لُغَةِ بِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وكِنانَةَ بْنِ زَيْدٍ يَجْعَلُونَ رَفْعَ الإثْنَيْنِ ونَصْبَهُ وخَفْضَهُ بِالألِفِ، ويُنْشِدُونَ: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعِ لَصَمَّما والوَجْهُ الثّانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلى ما اعْتَلَّ مِنَ اللُّغاتِ ويُعْدَلُ بِهِ عَنْ أفْصَحِها وأصَحِّها، ولَكِنْ في (إنَّ) هاءٌ مُضْمَرَةٌ تَقْدِيرُها إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ، وهو قَوْلُ مُتَقَدِّمِي النَّحْوِيِّينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بَنى (هَذانِ) عَلى بِناءٍ لا يَتَغَيَّرُ في الإعْرابِ كَما بَنى الَّذِينَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ في النَّصْبِ والرَّفْعِ.

الرّابِعُ: أنَّ (إنَّ) المُشَدَّدَةَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى نَعَمْ، كَما قالَ رَجُلٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وصاحِبَها.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ بَكى العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنُنِي وألُومُهُنَّهْ ∗∗∗ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ أيْ نَعَمْ ﴿ وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ في قائِلِ هَذِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ السَّحَرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

الثّالِثُ: قَوْلُ فِرْعَوْنَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وإنْ أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَتِهِمْ.

وَفي تَأْوِيلِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ويَذْهَبا بِأهْلِ العَقْلِ والشَّرَفِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِبَنِي إسْرائِيلَ، وكانُوا أُولِي عَدَدٍ ويَسارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها في السِّيرَةِ.

قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: ويَذْهَبا بِدِينِكم وعِبادَتِكم لِفِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: ويَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمُ المُثْلى، [والمُثْلى مُؤَنَّثُ] الأمْثَلِ والمُرادُ بِالأمْثَلِ الأفْضَلُ، قالَ أبُو طالِبٍ: وإنّا لَعَمْرُو اللَّهِ إنْ جَدَّ ما أرى ∗∗∗ لَتَلْتَبِسَنَّ أسْيافُنا بِالأماثِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَماعَتَكم عَلى أمْرِهِمْ في كَيْدِ مُوسى وهارُونَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أحْكِمُوا أمْرَكم، قالَ الرّاجِزُ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغَدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ أيْ مُحْكَمٌ.

﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ أيِ اصْطَفُّوا ولا تَخْتَلِطُوا.

﴿ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ أيْ غَلَبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قالوا: أولو العقل والشرف والأسنان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ووكيع في الغرور، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال باشرافكم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ قال: من غلب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلقف ما صنعوا ﴾ قال: ألقاها موسى فتحوّلت حية تأكل حبالهم وما صنعوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخذتم الساحر فاقتلوه» ثم قرأ ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ قال: لا يأمن حيث وجد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ﴾ قال الفراء: (الإجماع: الأحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل: أزمعت، وأنشد (١) يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَع ...

هَلْ أَغْدُون يَومًا وأَمْرِي مُجْمَعُ يريد قد أحكم وعزم عليه) (٢) وقال أبو إسحاق: (معناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مُجْمَعًا لا تختلفوا) (٣) ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ  ﴾ .

وقرا أبو عمرو: فاجْمَعوا (٤) ﴿ فَجَمَعَ كَيْدَهُ  ﴾ .

قال الفراء: (معناه: فلا تَدعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتم به) (٥) وقال الزجاج: (جيئوا بكل ما تقدرون عليه، ولا تبقوا منه شيئًا) (٦) (٧) قال أبو علي: (يشبه أن يكون ذلك على لغتين، كما ظنه أبو الحسن، كقول الشاعر) (٨) (٩) وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زيدٌ عَلَى مِائَةٍ ...

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فَكِيْدُوني وقال الهذلي (١٠) أي: مجموع، وهذا فيما يتواصى به السحرة من جمع كيدهم، وما يستظهرون به من المبالغة في سحرهم.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ قال أبو عبيدة: (الصف: موضع الجمع، ويسمى المصلّى: الصف، يقال: هل أتيت الصف اليوم؟

أي: المصلّى الذي يصلى فيه.

قال: وقد يكون على المصدر، كما تقول: جاءوني صفًا أي: مصطفين) (١١) وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت صَفا بمعنى أتيت المصَلّى، قال: ويجوز أن يكون ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم (١٢) (١٣) والمفسرون يقولون في قوله: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ : (جميعًا)، قاله مقاتل، والكلبي، وابن عباس في رواية عطاء (١٤) ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴾ قال ابن عباس: (يريد قد سعد اليوم من غلب) (١٥) قال الليث: (ويقال لكل من قهر أمرًا أو علاه: اعتلا، واستعلاه واستعلى عليه) (١٦) وقال الزجاج: ((استعلى) أي: علا بالغلبة) (١٧) (١) لم أهتد إلى قائله.

وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "الجامع لأحكام القرآن" 12/ 121، "معاني القرآن" للفراء 2/ 158، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 64، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 681، "نوادر أبي زيد" ص 133، "إصلاح المنطق" ص 263.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 185.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

(٤) قرأ: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وعاصم: (فَأجْمِعوا) بقطع الألف وكسر الميم.

وقرا أبو عمرو البصري: (فَاجمَعوا) بوصل الألف وفتح الميم.

انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" ص 232، "المبسوط في القراءات" ص 249، "التبصرة" ص 260.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 185.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

(٧) ذكر نحوه "معاني القرآن" للأخفش 2/ 571، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.

(٩) البيت لذي الإصبع العدواني.

مَعْشَر: المعشر الجمع ولا واحد له من لفظه، ومعشر الرجل أهله.

طُرًّا: جمعًا.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 233، "شرح المفصل" 1/ 30، "لسان العرب" (عشر) 5/ 1295، "مجمع البيان" 7/ 29.

(١٠) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا.

الجَزْع، ونُبَاع، وأُولاَت ذِى العَرجَاء: أسماء أماكن.

والنَّهَب المُجْمَع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص، وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها.

انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 17، "المفصليات" ص 423، "الجامع لأحكام == القرآن" 11/ 220، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 678.

(١١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.

(١٢) قوله: (ليكون أنظم)، ساقط من نسخة (س).

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

(١٤) "الكشف والبيان" 3/ 21 أ، "معالم التنزيل" 5/ 283، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 221، "تفسير مقاتل" 4 أ.

(١٥) "زاد المسير" 5/ 301، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 184 بدون نسبة.

(١٦) "تهذيب اللغة" (علا) 3/ 2536.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ قرأ إن هذين بالياء ولا إشكال في ذلك، وقرأ بتخفيف إنْ وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها هذان بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إنّ ورفع هذان، فقيل ﴿ إِنْ ﴾ هنا بمعنى نعم فلا تنصب، ومنه ما روي في الحديث أن الحمد بالرفع، وقيل: اسم إن ضمير الأمر والشأن تقديره: إن الأمر، و ﴿ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر إن.

وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحرث بن كعب وهو إبقاء التثنية بالألف حال النصب، والخفض، وقالت عائشة رضي الله عنها، هذا مما لحن فيه كتاب المصحف ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى ﴾ أي يذهب بسيرتكم الحسنة ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي اعزموا وأنفذوه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾ لم يره جميع آياته، إنما أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات، فهو على الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر.

أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدّقها ويقبلها فيسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ قد علم اللّعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ فهذا إغراء منه قومه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سُوًى ﴾ المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس.

وقال بعضهم: مكاناً عدلاً لا نخلف نحن و [لا] أنت ذلك المكان.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ أي: منصفاً.

وقال القتبي: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، أي: وسطاً بين فريقين.

وقال الكسائي: سُوى وسِوى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: "سوى" وقال أبو عبيدة: هو مثل ﴿ طُوًى ﴾ وهو المنصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ ﴾ : قال بعضهم: يوم عاشوراء.

وقال بعضهم: يوم العيد.

وقال بعضهم: يوم سوقهم، لكنّا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ بيّنوا اليوم، وبيّنوا الوقت، وهو وقت الضحى.

﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ قال بعضهم: أي: نهاراً جهاراً، كقوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى  ﴾ نهاراً، يعني: جهاراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ ﴾ ، أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تفتروا على الله كذباً فيما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلهاً؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلهاً - ولا إله غيره - فقد افتريتم عليه.

والثاني: لا تفتروا على الله كذباً فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على الله كذباً بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ برفع الياء ونصبها جميعاً.

﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ : قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره.

وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.

ثم يحتمل ذلك العذاب في الدّنيا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على الله كذباً بعدما بان الحق، وظهر لهم البرهان والحجة.

وقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴾ في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ أي: [تناجى] السحرة فيما بينهم سرّاً من فرعون، فذلك قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من فرعون، فقال لهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ يعنون: موسى وهارون.

وقال بعضهم: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من موسى وهارون، فنجواهم أن قالوا: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ والأشبه هنا أنهم اعتزلوا قومهم وأسرّوا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا.

ثم قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ ﴾ بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللّغة.

وقال بعضهم: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ورأيت هذا، ونحوه، فهو الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان والتثنية.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ ، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضاً، يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته: ....

.....

.....

*** فقُلْتُ إِنَّهْ أي نعم.

وقال بعضهم: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في الكتاب فقال: إني أرى فيه خطاباً فيقومها العرب بألسنتها، أو نحو هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ هذا القول إنما أخذوا من فرعون، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ...

﴾ الآية [الشعراء: 35]، وقوله أيضاً حيث قال: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، علم فرعون أن ذلك ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدماً وخولاً يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، وإنه سحر وفساد، كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ  ﴾ ، وحيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ ، وحيث قالوا: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ، ونحوه، يدعى أن ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.

قال القتبي: ﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ ، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته الله، وأسحته، وقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: الأشراف، ويقال: هؤلاء طريقة قومهم، أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و ﴿ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ : مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر.

﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ ، أي: حيلتكم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.

وقال أبو عبيدة: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتي الصف اليوم أي: المصلى.

وقال القتبي: ﴿ صَفّاً ﴾ : أي: جميعاً، وكذلك [قال] غيره من أهل التأويل.

وقوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: غلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة والاجتماع ثانياً:BR>أما في العزم فما ذكر في الخبر: "لاَ صَوْمَ لِمَنْ لَم يَجْمَع رَأيَهُ مِنَ اللَّيْل" أي: لمن لم يعزم، على ما روي في الخبر: "لا صَوْمَ لمن لم يَعْزِمُ مِنَ الليل" وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل واحد لا تختلفوا فيه.

وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئاً واحداً؛ واقصدوا أمراً واحداً لكي تغلبوا.

﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ قال بعضهم: جميعاً غير متفرقين، وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ قيل: من غلب، كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: غلب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: ﴿ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ  قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  ﴾ فذلك هو ما طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاحكموا أمركم, لا تختلفوا فيه، ثم تقدموا مُصْطَفين، وارموا ما عندكم دفعة واحدة، وقد ظفر بالمطلوب اليوم من غلب خصمه.

من فوائد الآيات إخراج أَصناف من النبات المختلفة الأنواع والألوان من الأرض دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجود الصانع.

ذكرت الآيات دليلين عقليين واضحين على الإعادة: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها وإيجادهم.

كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى الآيات عيانا لا خبرًا، واقتنع بها في أعماق نفسه.

اختار موسى يوم العيد؛ لتعلو كلمة الله، ويظهر دينه، ويكبت الكفر، أمام الناس قاطبة في "المجمع العام ليَشِيع الخبر.

<div class="verse-tafsir" id="91.B4AkJ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله