الآية ٨٩ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٨٩ من سورة طه

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ٨٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٩ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٩ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) أي : العجل ( أفلا يرون ) أنه لا يجيبهم إذا سألوه ، ولا إذا خاطبوه ، ( ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) أي : في دنياهم ولا في أخراهم .

قال ابن عباس رضي الله عنه : لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج من فيه ، فيسمع له صوت .

وقد تقدم في متون الحديث عن الحسن البصري : أن هذا العجل اسمه بهموت .

وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط ، فألقوها عنهم ، وعبدوا العجل .

فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير ، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر : أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب - يعني : هل يصلي فيه أم لا؟

- فقال ابن عمر ، رضي الله عنه : انظروا إلى أهل العراق ، قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني : الحسين - وهم يسألون عن دم البعوض؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) وقوله فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ يقول: فأخرج لهم السامريّ مما قذفوه ومما ألقاه عجلا جسدا له خوار، ويعني بالخوار: الصوت، وهو صوت البقر.

ثم اختلف أهل العلم في كيفية إخراج السامريّ العجل، فقال بعضهم: صاغه صياغة، ثم ألقى من تراب حافر فرس جبرائيل في فمه فخار.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ قال: كان الله وقَّت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال عدوّ الله السامري: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي كان معكم، فهلموا وكانت حليا تعيروها (1) من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فقذفوها إليه، فصوّرها صورة بقرة، وكان قد صرّ في عمامته أو في ثوبه قبضة من أثر فرس جبرائيل، فقذفها مع الحليّ والصورة ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ) فجعل يخور خوار البقر، فقال ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ).

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما استبطأ موسى قومه قال لهم السامريّ: إنما احتبس عليكم لأجل ما عندكم من الحليّ، وكانوا استعاروا حليا من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامريّ فصاغ منه عجلا ثم أخذ القبضة التي قبض من أثر الفرس، فرس الملك، فنبذها في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار، قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسي ربه عندكم.

وقال آخرون في ذلك بما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخذ السامريّ من تربة الحافر، حافر فرس جبرائيل، فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، قال لهم هارون: يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن حليّ القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، فاحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحليّ في تلك الحفرة، فجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحليّ عجلا جسدا له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما، واليوم &; 18-356 &; يوما، فلما كان لعشرين خرج لهم العجل، فلما رأوه قال لهم السامريّ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الحليّ حفرة واطرحوه فيها، فطرحوه، فقذف السامريّ تربته، وقوله: ( فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى، وقوله (فَنَسي) يقول: فضلّ وترك.

ثم اختلف أهل التأويل في قوله (فَنَسِيَ) من قائله ومن الذي وصف به وما معناه، فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامريّ، والسامريّ هو الموصوف به، وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقول الله (فَنَسِيَ) : أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري.

وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامريّ، أنه قال لبني إسرائيل، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه، فأضلّ موضعه، وهو هذا العجل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس فَقَذَفْنَاهَا يعني زينة القوم حين أمرنا السامريّ لما قبض قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار ( فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) الذي انطلق يطلبه (فَنَسِيَ) يعني: نسي موسى، ضلّ عنه فلم يهتد له.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَنَسِيَ) يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة (فَنَسِيَ) يقول: قال السامريّ: موسى نسي ربه عندكم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (فَنَسِي) موسى، قال: هم يقولونه: أخطأ الربّ العجل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد (فَنَسيَ) قال: نسي موسى، أخطأ الربّ العجل، قوم موسى يقولونه.

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ(فَنَسِيَ) يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه هاهنا، ولكنه نسي.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره.

--------------- الهوامش : (1) لعله : تعوروها : أي استعاروها ، كما أورده في اللسان في قصة العجل من حديث ابن عباس .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فقال الله تعالى محتجا عليهم : أفلا يرون أي يعتبرون ويتفكرون .

في ( أنه ) لا يرجع إليهم قولا .

أي لا يكلمهم .

وقيل : لا يعود إلى الخوار والصوت .

ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فكيف يكون إلها ؟

والذي يعبده موسى - صلى الله عليه وسلم - وينفع ويثيب ويعطي ويمنع .

ألا يرجع تقديره أنه لا يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت أن وحذف الضمير .

وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن .

قال :في فتية من سيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعلوقد يحذف مع التشديد ؛ قال :فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافرأي ولكنك .وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًافكيف يكون إلها ؟

والذي يعبده موسى صلى الله عليه وسلم وينفع ويثيب ويعطي ويمنع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَفَلَا يَرَوْنَ } أن العجل { لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا } أي: لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء، من النفع والدفع، بإقدار الله لهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى : ( أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ) أي : لا يرون أن العجل لا يكلمهم ويجيبهم إذا دعوه ، ( ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) وقيل : إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له : ما هذا؟

قال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي ، فقال هارون : اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه ، فألقى التراب في فم العجل وقال كن عجلا يخور فكان كذلك بدعوة هارون .

والحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(أفلا يرون أ) أن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه (لا يرجع) العجل (إليهم قولاً) أي لا يرد لهم جوابا (ولا يملك لهم ضرا) أي دفعه (ولا نفعا) أي جلبه أي فكيف يتخذ إلها؟

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفلا يرى الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ابتداء، ولا يردُّ عليهم جوابًا، ولا يقدر على دفع ضرٍّ عنهم، ولا جلب نفع لهم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ) تقريع لهم على جهلهم وغبائهم وسوء أدبهم .والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أى : ابلغ عمى البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذى اتخذوه إلها ، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه ، ولا يرد عليهم قولا يقولونه له ، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال لموسى: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ  ﴾ وقال موسى في جوابه: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  ﴾ عرفه الله تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يبعد أن يحدث لو كان معهم فقال: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر لوجهين، الوجه الأول: الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك.

الثاني: أنه قال: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامرى ﴾ وأيضاً فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضاً فقال: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: ﴿ فَتَنَّا ﴾ معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان.

يقال: فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فهاهنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلهاً ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  ﴾ هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب: ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلهاً فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم، قولهم: أضاف الإضلال إلى السامري قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا هاهنا وأيضاً قرئ وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالاً السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مراراً كثيرة.

المسألة الثانية: المراد بالقوم هاهنا هم الذين خلفهم مع هارون عليه السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير أثني عشر ألفاً.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير: كان السامري علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس: بل كان رجلاً من القبط جاراً لموسى عليه السلام وقد آمن به.

المسألة الرابعة: روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ من وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته.

الثاني: أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة.

المسألة الخامسة: إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

المسألة السادسة: ذكروا في الأسف وجوهاً: أحدها: أنه شدة الغضب وعلى هذا التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله: غضبان يفيد أصل الغضب وقوله: أسفاً يفيد كماله.

وثانيها: قال الأكثرون حزناً وجزعاً يقال أسف يأسف أسفاً إذا حزن فهو آسف.

وثالثها: قال قوم: الآسف المغتاظ وفرقوا بين الاغتياظ والغضب بأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب من حيث كان الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك لا يصح إلا على الأجسام كالضحك والبكاء ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه عاتبهم بعد رجوعه إليهم قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه ليس المراد من قوله: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ أنه تعالى خلق الكفر فيهم وإلا لما عاتبهم بل يجب أن يعاتب الله تعالى قال الأصحاب: وقد فعل ذلك بقوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ ومجموع تلك المعاتبات أمور.

أحدها: قوله: ﴿ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾ هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإله آخر سوى العجل أما لما اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا هذا إلهكم وإله موسى كيف يتوجه عليهم هذا الكلام.

الجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام.

السؤال الثاني: ما المراد بذلك الوعد الحسن.

الجواب: ذكروا وجوهاً: أحدها: أن المراد ما وعدهم من إنزال التوراة عليهم ليقفوا على الشرائع والأحكام ويحصل لهم بسبب ذلك مزية فيما بين الناس وهو الذي ذكره الله تعالى فيما تقدم من قوله: ﴿ وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن  ﴾ .

وثانيها: أن الوعد الحسن هو الوعد الصدق بالثواب على الطاعات.

وثالثها: الوعد هو العهد وهو قول مجاهد وذلك العهد هو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى  ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ اهتدى  ﴾ والدليل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فكأنه قال: أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم ولا تطغوا فيه.

ورابعها: الوعد الحسن هاهنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا، أما منافع الدين فهو الوعد بإنزال الكتاب الشريف الهادي إلى الشرائع والأحكام والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة.

وأما منافع الدنيا فهو أنه تعالى قبل إهلاك فرعون كان قد وعدهم أرضهم وديارهم، وقد فعل ذلك ثم قال: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فالمراد أفنسيتم ذلك العهد أم تعمدتم المعصية، واعلم أن طول العهد يحتمل أموراً: أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله تعالى من إنجائه إياكم من فرعون وغير ذلك من النعم المعدودة المذكورة في أوائل سورة البقرة وهذا كقوله: ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وثانيها: يروى أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم بأزاء ليلة وردوه إلى عشرين.

قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبه على أحد.

وثالثها: أن موسى عليه السلام وعدهم ثلاثين ليلة فلما زاد الله تعالى فيها عشرة أخرى كان ذلك طول العهد، وأما قوله: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد ذلك ولكن المعصية لما كانت توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب بالعرض صح هذا الكلام واحتج العلماء بذلك على أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام.

أما قوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى ﴾ فهذا يدل على موعد كان منه عليه السلام مع القوم وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد ما وعدوه من اللحاق به والمجيء على أثره.

والثاني: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور، فعند هذا قالوا: ﴿ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ وفي أن قائل هذا الجواب من هو وجهان: الأول: أنهم الذين لم يعبدوا العجل فكأنهم قالوا: إنا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي بأمر كنا نملكه وقد يضيف الرجل فعل قريبه إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر  ﴾ ، ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة.

الوجه الثاني: أن هذا قول عبدة العجل والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة فإنه كان كالمالك لنا.

فإن قيل: كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة العجل الذي يعرف فسادها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى عليه السلام وحده إليهم، قلنا: هذا غير ممتنع في حق البله من الناس، واعلم أن في بملكنا ثلاث قراءات، قرأ حمزة والكسائي بضم الميم ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر، أما الكسر والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل.

وأما الضم فهو السلطان، ثم إن القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا: ﴿ ولكنا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا مخففة من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع وحفص وابن عامر: حملنا مشددة، فمن قرأ بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من القوم ومن قرأ بالتشديد ففيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أي أمرهم باستعارة الحلي والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك.

وثانيها: جعلنا كالضامن لها إلى أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.

وثالثها: أن الله تعالى حملهم ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم، أما الأوزار فهي الأثقال ومن ذلك سمي الذنب وزراً لأنه ثقل ثم فيه احتمالات.

أحدها: أنه لكثرتها كانت أثقالاً.

وثانيها: أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أثقالاً.

وثالثها: المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملنا آثاماً، روي في الخبر أن هارون عليه السلام قال: إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السامري: إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلي فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول.

وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثم وذنب.

ورابعها: أن ذلك الحلي كان القبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر لا جرم أنها وصفت بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي.

أما قوله: ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ فذكروا فيه وجوهاً في أنهم أين قذفوها؟

الوجه الأول: قذفوها في حفرة كان هارون عليه السلام أمرهم بجمع الحلي فيها انتظاراً لعود موسى عليه السلام.

والوجه الثاني: قذفوها في موضع أمرهم السامري بذلك.

الوجه الثالث: في موضع جمع فيه النار ثم قالوا: فكذلك ألقى السامري أي فعل السامري مثل ما فعلنا، أما قوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حياً أم لا؟

فالقول الأول: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل.

والقول الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول  ﴾ ولو لم يصر حياً لما بقي لهذا الكلام فائدة.

وثانيها: أنه تعالى سماه عجلاً والعجل حقيقة في الحيوان وسماه جسداً وهو إنما يتناول الحي.

وثالثها: أثبت له الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الإلتباس وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع، وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون عليه السلام مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: اللهم أعطه ما سأل فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزاً للنبي، أما قوله: ﴿ فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ففيه إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وإن لم يعتقدوا ذلك فكيف قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وجوابه: لعلهم كانوا من الحلولية فجوزوا حلول الإله أو حلول صفة من صفاته في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً في غاية البعد لأن ظهور الخوار لا يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم كانوا في نهاية البلادة والجلافة، وأما قوله: فنسي ففيه وجوه: الأول: أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لايحل في شيء ولا يحل فيه شيء ثم إنه سبحانه بين المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ ألا يَرجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً ولا نفعاً ﴾ أي لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا يضر ولا ينفع لا يكون إلهاً ولا يكون للإله تعلق به في الحالية والمحلية.

الوجه الثاني: أن هذا قول السامري وصف به موسى عليه السلام والمعنى أن هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول الأكثرين.

الوجه الثالث: فنسي وقت الموعد في الرجوع أما قوله: ﴿ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ فهذا استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الإله لابد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعول إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام بقي هاهنا بحثان.

البحث الأول: قال الزجاج: الاختيار أن لا يرجع بالرفع بمعنى أنه لا يرجع وهذا كقوله: ﴿ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ  ﴾ بمعنى أنه لا تكون وقرئ بالنصب أيضاً على أن أن هذه هي الناصبة للأفعال.

البحث الثاني: هذه الآية تدل على وجوب النظر في معرفة الله تعالى وقال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً  ﴾ وهو قريب في المعنى من قوله في ذم عبدة الأصنام: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  ﴾ وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط.

الثالث: قال بعض اليهود لعلي عليه السلام: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؟

فقال: إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَرْجَعُ ﴾ من رفعه فعلى أنّ أن مخففة من الثقيلة ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أوّل ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون عليه السلام بقوله: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ بِأنْ مَلَكْنا أمَرَنا إذْ لَوْ خُلِّينا وأمْرُنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ لَما أخْلَفْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ بِمَلْكِنا ﴾ بِالفَتْحِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ وثَلاثَتُها في الأصْلِ لُغاتٌ في مَصْدَرِ مَلَكْتُ الشَّيْءَ.

﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ ﴾ حَمَلْنا أحْمالًا مَن حُلِيِّ القِبْطِ الَّتِي اسْتَعَرْناها مِنهم حِينَ هَمَمْنا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ بِاسْمِ العُرْسِ.

وقِيلَ اسْتَعارُوا لِعِيدٍ كانَ لَهم، ثُمَّ لَمْ يَرُدُّوا عِنْدَ الخُرُوجِ مَخافَةَ أنْ يَعْلَمُوا بِهِ، وقِيلَ: هي ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ إغْراقِهِمْ فَأخَذُوهُ ولَعَلَّهم سَمَّوْها أوْزارًا لِأنَّها آثامٌ، فَإنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ تَحُلُّ بَعْدُ أوْ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَأْمَنِينَ ولَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أنْ يَأْخُذَ مالَ الحَرْبِيِّ.

﴿ فَقَذَفْناها ﴾ أيْ في النّارِ.

﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ أيْ ما كانَ مَعَهُ مِنها.

رَوِيَ أنَّهم لَمّا حَسِبُوا أنَّ العِدَّةَ قَدْ كَمُلَتْ قالَ لَهُمُ السّامِرِيَّ: إنَّما أخْلَفَ مُوسى مِيعادَكم لِما مَعَكم مَن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامٌ عَلَيْكم، فالرَّأْيُ أنْ نَحْفِرَ حَفِيرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفُ كُلَّ ما مَعَنا فِيها فَفَعَلُوا.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ورُوحُ ( حَمَلْنا ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ.

﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا ﴾ مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ.

﴿ لَهُ خُوارٌ ﴾ صَوْتُ العِجْلِ.

﴿ فَقالُوا ﴾ يَعْنِي السّامِرِيَّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآهُ.

﴿ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ ﴾ أيْ فَنَسِيَهُ مُوسى وذَهَبَ يَطْلُبُهُ عِنْدَ الطُّورِ، أوْ فَنَسِيَ السّامِرِيُّ أيْ تَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن إظْهارِ الإيمانِ.

﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ أفَلا يَعْلَمُونَ.

﴿ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا.

وَقُرِئَ ( يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ وفِيهِ ضَعْفٌ لِأنَّ أنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ.

﴿ وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ولا يَقْدِرُ عَلى إنْفاعِهِمْ وإضْرارِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ} أي أنه لا يرجع فان مخففة من الثقيلة {إِلَيْهِمْ قَوْلاً} أي لا يجيبهم {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي هو عاجز عن الخطاب والضر والنفع فكيف تتخذونه إلهاً وقيل إنه ما خار إلا مرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ إلى آخِرِهِ إنْكارٌ وتَقْبِيحٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ جَمِيعًا وتَسْفِيهٌ لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ بُطْلانُهُ واسْتِحالَتُهُ عَلى أحَدٍ وهو اتِّخاذُ ذَلِكَ العَجَلِ إلَهًا، ولَعَمْرِي لَوْ لَمْ يَكُونُوا في البَلادَةِ كالبَقَرِ لَما عَبَدُوهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا يَتَفَكَّرُونَ فَلا يَعْلَمُونَ ﴿ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا بَلْ يَخُورُ كَسائِرِ العَجاجِيلِ، فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إلَهٌ.

وقَرَأ الإمامُ الشّافِعِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وأبانُ وابْنُ صُبَيْحٍ والزَّعْفَرانِيُّ ( يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لا المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإبْصارِ لا العِلْمِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ وجَماعَةٌ مِن أنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ القُلُوبِ مِمّا يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ أوْ ظَنٍّ غالِبٍ لِأنَّها لِكَوْنِها لِلِاسْتِقْبالِ تَدْخُلُ عَلى ما لَيْسَ بِثابِتٍ مُسْتَقِرٍّ فَلا يُناسِبُ وُقُوعُها بَعْدُ ما يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ ونَحْوِهِ، والعَطْفُ أيْضًا كَما سَبَقَ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ عَدَمَ رَجْعِهِ إلَيْهِمْ قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ، وتَعْلِيقُ الإبْصارِ بِما ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا عَدَمِيًّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ المُسْتَدْعِي لِمَزِيدِ تَشْنِيعِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ رَأْيِ البَصْرِيَّةِ أيْضًا لِأنَّها تُفِيدُ العِلْمَ بِواسِطَةِ إحْساسِ البَصَرِ كَما في إيضاحِ المُفَصَّلِ.

وأجازَ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وُقُوعَها بَعْدَ أفْعالِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أفْعالِ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يَرْجِعُ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ أيْ فَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْهم ضُرًّا ويَجْلِبَ لَهم نَفْعًا أوْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ أوْ يَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا، يعني: ما تعمدنا ذلك.

قرأ حمزة والكسائي بِمَلْكِنا بضم الميم، يعني: ما فعلناه بسلطان كان لنا ولا قدرة.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بِمَلْكِنا بكسر الميم.

والملك ما حوته اليد.

وقرأ نافع وعاصم بِمَلْكِنا بنصب الميم وهو بمعنى الملك.

وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً، يعني: آثاماً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ، يعني: من حلي آل فرعون.

ويقال: أَوْزاراً يعني: أحمالا، فَقَذَفْناها يعني: فطرحناها في النار.

قرأ حمزة والكسائي، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر حُمِّلْنا بالنصب والتخفيف، وقرأ الباقون حُمِّلْنا بضم الحاء وتشديد الميم على فعل ما لم يُسم فاعله.

فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ يعني: ألقاها في النار كما ألقينا.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «كان السامري من أهل قرية يعبدون البقرة، فدخل في بني إسرائيل فأظهر الإسلام معهم وفي قلبه حب عبادة البقر، فابتلى الله عز وجل به بني إسرائيل فكشف له عن بصره، فرأى أثر فرس جبريل  فأخذ من أثرها.

وقد كان هارون قال لبني إسرائيل: إنكم قد تحملتم من حلي آل فرعون وأمتعتهم معكم، وهي نجسة فتطهروا منها، وأوقدوا لهم نارا ثم قل لهم: أحرقوها فيها.

فجعلوا يأتون بالحلي والأمتعة فيقذفونها في النار، فانسبك الحلي.

وأقبل السامري وفي يده تلك القبضة من أثر فرس الرسول يعني جبريل  فوقف فقال: يا نبي الله ألقها فيه؟

فقال: نعم، وهارون لا يظن إلا أنه من الحلي الذي يأتي به بنو إسرائيل، فقذفها فيه وقال: كن عجلا جسدا له خوار» وقال السدي: «جاء جبريل ليذهب بموسى إلى ربه عز وجل، وجبريل  على فرس، فبصر به السامري، ويقال: إن ذلك الفرس فرس الحياة، فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس، فلما ألقى التراب في الحلي تفرّخ عجلا جسدا له خوار، فذلك قوله: فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى.

وقال بعضهم: كان السامري من بني إسرائيل وقد ولدته أمه في غار مخافة أن يذبح، فرباه جبريل  في الغار حتى كبر، فلما رأى جبريل على فرس الحياة، عرفه لأنه قد كان ربّاه في صغره.

فأخذ قبضة من تراب من أثر حافر فرسه، ثم ألقاها في جوف العجل، فصار عجلاً له خوار، يعني: صوت.

وقال مجاهد: خوار العجل كان هفيف الريح إذا دخلت جوفه، وهكذا روي عن علي بن أبي طالب، وإحدى الروايتين عن ابن عباس  أنه قال: «صار عجلاً له لحم ودم وخرج منه الصوت مرة واحدة» .

فقال: هذا إِلهُكُمْ، يعني: قال السامري وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، يعني: أخطأ موسى الطريق.

وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: فَنَسِيَ يعني: «قال نسي موسى أن يخبركم بأنّ هذا إله، وقال قتادة: هذا إلهكم وإله موسى ولكن موسى نسي ربه عندكم.

قال الله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا؟

يعني: لم يكن لهم عقل يعلموا أنه لم يكن إلههم، حيث لا يكلمهم ولا يجيبهم.

وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً، يعني: لا يقدر على دفع مضرة، ولا جر منفعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ الكِسَائِيُّ وَحْدَه بضمهما، ومعنى الأول: فيجب، ويحقّ، ومعنى الثاني: فيقع وينزل، وهَوى معناه: سقط أيْ: هوى في جَهَنَّم، وفي سخط الله- عافانا الله من ذلك-، ثم رجى سبحانه عباده بقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ...

الآية، والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره، وهي توبة مقيدة، وإذا تاب العبد، ثم عَاوَدَ الذنب بعينه بعد مُدّة فيحتمل عند حُذَّاق أهل السنة: أَلاَّ يعيدَ اللهُ تعالى عليه الذنبَ الأول لأن التوبةَ قد كانت محْتهُ، ويُحتمل: أن يعيده لأنها توبةٌ لم يوف بها، واضطرب الناس في قوله سبحانه: ثُمَّ اهْتَدى من حيث وَجَدُوا الهدى ضمن الإيمان والعمل فقالت فرقة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.

وقيلَ: غير هذا، والذي يقوى في معنى: ثُمَّ اهْتَدى أن يكون: ثم حفظ معتقداتِه من أن تخالف الحق في شَيْء من الأَشياء فإن الاهتداءَ على هذا الوجه غيرُ الإيمان، وغيرُ العَمَلِ وَرُبَّ مُؤْمِنٍ عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهْتداء كالقدرية والمُرْجِئة، وسائر أهل البدع، فمعنى: ثُمَّ اهْتَدى: ثم مشى في عقائد الشَّرْعِ على طريقٍ قَوِيم- جعلنا الله منهم بمنه- وفي حِفْظ المعتقَدَاتِ ينحصر معظم أمر الشرع.

أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)

١٢ أوقوله سبحانه: / وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى الآيةَ، وقصص هذه الآية: أَن موسى عليه السلام لمَّا شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور حيث كان الموعدُ أن يكلم اللهُ موسى بما لهم فيه شرفُ العاجل والآجل- رأى موسى عليه السلام على جهة الاجْتِهَاد أن يتقدم وحدَهُ مُبادراً لأمر الله سبحانه طلباً لرضائه، وحرصاً على القرب منه، وشوقاً إلى مُناجاته، واستخلف عليهم هارونَ، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى صلى الله عليه وسلّم وناجى ربَّه، زاده اللهُ في الأجل عشراً، وحينئذٍ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقَعَ الإعلامُ له بما صنعوا، وأعلمه موسى أنه إنما استعجل طلب الرضى، فأعلمه اللهُ سبحانه: أنه قد فتن بني إسرائيل، أي: اختبرهم بما صنع السَّامِرِيّ، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في فتنة، فلما أخبر الله تعالى مُوسَى بما وقع، رجع موسى إلى قومه غَضْبَانَ أَسِفَا، وباقي الآية بيّن، وقد تقدّم قصصها مستوفى وسمّى العذاب غضباً من حيْثُ هو عن الغضب.

وقرأ نافعٌ «١» ، وعَاصِمٌ: «بِمَلْكِنَا» بفتح الميم، وقرأ حمزة، والكسائيّ: «بملكنا» بضمة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «بِمِلْكِنَا» بكسرة فأما فتحُ الميم، فهو مصدرٌ من ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقْنا له، بل غلبتنا أنفُسُنا.

وأَما كسرُ المِيم، فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليدُ، ولكنه يستعمل في الأمور الَّتي يُبْرمها الإِنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدرُ مضافٌ في الوجهين إلى الفاعل.

وقولهم: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً ...

الآية سموها أوزاراً من حيث هي ثَقِيلة الأجرام، أو من حيثُ تأَثَّموا في قذفها، وقرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ: «حَمَلْنَا» بفتح «٢» الحاء، والميم.

وقولهم: فَكَذلِكَ أيْ: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضاً ألقى السامري.

قال ع «٣» : وهذه الألفاظُ تقتضى أنَّ العجل لم يصغه السامريّ، ثم أخبر «٤» تعالى

عن فِعْل السامري بقوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا ومعنى قوله جَسَداً أَي شخصاً لا رُوحَ فيه، وقيل: معناه جسداً لا يتغذى، «والخُوَارُ» : صوت البقر.

قالت فرقةٌ منهم ابن عباس: كان هذا العجلُ يخُورُ ويمشي، وقيل غير هذا «١» .

وقوله سبحانه: فَقالُوا يعني: بني إسرائيل: هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ موسى إلهه، وذهب يطلبه في غَيْرِ موضعِه، ويحتمل أن يكون قوله فَنَسِيَ إخباراً من الله تعالى عن السَّامِرِيُّ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنِّسْيَانُ في التأوِيل الأول بمعنى الذهُول، وفي الثَّانِي بمعنى الترك.

ت: وعلى التّأويل الأول عوَّلَ البخاريُّ «٢» : وهو الظَّاهر.

ولقولهم أيضاً قبل ذلك: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: ١٣٨] .

وقول هَارُون: فَاتَّبِعُونِي أي: إلى الطور الَّذي واعدكم اللهُ تعالى إليه وَأَطِيعُوا أَمْرِي فيما ذكرتُه لكم فقال بنو إسرائيل حين وَعَظهم هارونُ، وندبَهُم إلى الحق: لَنْ نَبْرَحَ عابدين لهذا الإلَه عَاكِفِين عليه، أي: مُلاَزِمين له.

ويحتمل قولُه: أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَيْ: ببني إسرائيل نحو جبل الطور، ويحتمل قولُهُ:

أَلَّا تَتَّبِعَنِ أيْ: أَلاّ تسير بسيري، وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد.

/ وقوله: ابْنَ أُمَ

قالت فرقة: إنَّ هَارُونَ لم يكن أَخا موسى إلا من أمه.

١٢ ب قال ع «٣» : وهذا ضَعِيفٌ.

وقالتْ فرقةٌ: كان شَقِيقَه وإنما دعاه بالأَم استعطافا برحم الأم، وقول موسى: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ هو كما تقول: ما شأْنُكَ، وما أمرك، لكن لفظةُ الخطب تقتضى انتهارا لأن الخطب مستعمل في المكاره، وبَصُرْتُ بضم الصاد: من البصيرة، وقرأتْ فرقةٌ بكسرها «٤» ، فيحتمل أن يراد من البصيرة، ويحتمل من البصر.

وقرأ حمزة، والكسائيّ «١» : «بما لم تُبْصروا» بالتاء مِنْ فوقُ، يريد مُوسى مع بني إسرائيل، والرسول هنا: هو جِبْرِيلُ عليه السلام والأَثَرُ: هو ترابٌ تحت حافر فرسه.

وقوله: فَنَبَذْتُها أَيْ: على الحلي، فكان منها ما ترى، وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي: وكما وقع وحدث قربت لي نفسي، وجعلت «٢» لي سُؤْلاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلاَّ في حدٍّ أو بوحْيٍ، فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحَّاه عن الناس، وأمر بني إسرَائيل باجتنابه، واجتناب قبيلته وأَلاَّ يُؤَاكلُوا ولا يُنَاكحوا، ونحو هذا، وجعل له أنْ يقول مدة حياته: لاَ مِسَاسَ، أي: لا مُمَاسَّة، ولا إذاية.

وقرأ الجمهور «٣» : «لَنْ تُخْلفَهُ» بفتح اللام، أي: لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كَثِير، وأبُو عَمْرِو: «تخلِفه» بكسر اللام، على معنى لن تستطيع الرَّوغَانَ، والحيْدَةَ عن موعد العذاب، ثم وبَّخه عليه السلام بقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ ...

الآية، وظَلْتَ وظل معناه: أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تُستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً، بمثابة طَفِقَ.

وقرأ ابن عباس «٤» وغيرُه: «لَنَحْرُقَنَّهُ» بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافعٌ وغيره: «لَنُحَرِّقَنَّهُ» وهي قراءةٌ تحتمل الحرق بالنار، وتحتمل بالمبرد.

وفي مصحف ابن مَسْعُود «٥» : «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه» وهذه القراءةُ هي مع رواية من روى أن العِجْلَ صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرقٌ بنارٍ، وإلاَّ فإذا كان جماداً مِنْ ذهب ونحوه، فإنما هو حرق بمبرد، اللَّهم إلاَّ أَن تكون إذابة، ويكون النسف مُسْتعاراً، لتفريقه في اليمِّ مذاباً.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَجّى اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: يا مُوسى؛ لَوْ أتَيْتَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدَ اللَّهِ، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والفَرائِضُ، فَأوْحى اللَّهُ [ إلَيْهِ يَعِدُهُ ] أنَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ، فاخْتارَ سَبْعِينَ، فَذَهَبُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ لِأخْذِ التَّوْراةِ، فَعَجَّلَ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ وأمَرَهم بِلَحاقِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ عَنْ قَوْمِكَ، ﴿ قالَ هم أُولاءِ ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ، ﴿ عَلى أثَرِي ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

والمَعْنى: هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ بَعْدِي.

﴿ وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ﴾ ؛ أيْ: لِتَزْدادَ رِضًا، ﴿ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ واخْتَبَرْناهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، ﴿ وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ ﴾ ؛ أيْ: كانَ سَبَبًا لِإضْلالِهِمْ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأضَلُّهم ) بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) سَبَبَ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وشَرَحْنا في ( الأعْرافِ: ١٥٠ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا ﴾ ؛ أيْ: صِدْقًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إعْطاءُ التَّوْراةِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم.

.

.

﴾ الآيَةِ [ المائِدَة: ١٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ  ﴾ .

والثّالِثُ: النَّصْرُ والظَّفَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ ﴾ ؛ أيْ: مُدَّةُ مُفارَقَتِي إيّاكم، ﴿ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أنْ تَصْنَعُوا صَنِيعًا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ رَبِّكم، ﴿ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴾ ؛ أيْ: عَهْدِي، وكانُوا قَدْ عاهَدُوهُ أنَّهُ إنْ فَكَّهُمُ اللَّهُ مِن مَلَكَةِ آلِ فِرْعَوْنَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا بِهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويَنْصُرُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ.

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذِهِ لُغاتٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ( المُلْكُ ) بِالضَّمِّ: السُّلْطانُ والقُدْرَةُ، و( المِلْكُ ) بِالكَسْرِ: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و( المَلْكُ ) بِالفَتْحِ: المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أمْلِكُهُ مَلْكًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما كُنّا نَمْلِكُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنهُ العِجْلُ، ولَكِنَّها كانَتْ زِينَةَ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لَمْ يَمْلِكْ مُؤْمِنُونا سُفَهاءَنا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَيَخْرُجُ فِيمَن قالَ هَذا لِمُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ.

والثّانِي: عابِدُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِّلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حُمِلْنا ) خَفِيفَةً.

والأوْزارُ: الأثْقالُ، والمُرادُ بِها: حَلِيُّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانُوا اسْتَعارُوهُ مِنهم قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.

فَمَن قَرَأ: ( حُمِّلْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: حَمَّلَناها مُوسى؛ أمَرَنا بِاسْتِعارَتِها مِن آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْناها؛ أيْ: طَرَحْناها في الحُفَيْرَةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ قَذْفِهِمْ إيّاها في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٥٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقى حُلِيًّا كَما ألْقَوْا.

والثّانِي: ألْقى ما كانَ مَعَهُ مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ القِصَّةِ في ( البَقَرَةِ: ٥٢ )، وذَكَرْنا في ( الأعْرافِ: ١٤٨ ) مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ ﴾ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ ومَن وافَقَهُ مِنَ الَّذِينَ افْتَتَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِالنِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى، ثُمَّ في المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَنَسِيَ مُوسى أنَّ يُخْبِرَكم أنَّ هَذا إلَهُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَنَسِيَ مُوسى الطَّرِيقَ إلى رَبِّهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: فَنَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، وخالَفَهُ في طَرِيقٍ آخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ السّامِرِيُّ، والمَعْنى: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إيمانَهُ وإسْلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مَكْحُولٌ: فَنَسِيَ؛ أيْ: فَتَرَكَ السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ.

وقِيلَ: فَنَسِيَ أنَّ العِجْلَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا، ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السّامِرِيِّ.

وعَلى ما قَبْلَهُ فِيمَن قالَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السّامِرِيُّ.

والثّانِي: بَنُو إسْرائِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ  ﴾ ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي ﴾ ﴿ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَقالُوا" لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: ضَلُّوا حِينَ قالَ كِبارُهم لِصِغارِهِمْ، و "هَذا" إشارَةٌ إلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَسِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: فَنَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ وإلَهَهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "فَنَسِيَ" إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَنِ السامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ دِينَهُ وطَرِيقَ الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالنِسْيانُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَعْنى الذُهُولِ، وفي الثانِي بِمَعْنى التَرْكِ.

ثُمْ قَرَنَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ ، المَعْنى: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ضَلُّوا أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما هو جَمادٌ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَرْجِعُ قَوْلًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟

وهَذِهِ خِلالٌ لا يَخْفى مَعَها الحُدُوثُ والعَجْزُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الخِلالَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ أوجَبَتْ كَوْنَهُ إلاهًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، "وَأنَّ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ: أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعَ"، "وَأنَّ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هي الناصِبَةُ.

وأخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ: إنَّما هو فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السامِرِيِّ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ والِاخْتِراعُ، فاتَّبِعُونِي إلى الطُورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللهُ تَعالى إلَيْهِ، وأطِيعُوا أمْرِي فِيما ذَكَرَتْهُ لَكم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" "وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنَ" بِكَسْرِ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَما" "وَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" بِالكَسْرِ و"أنَّ" بِالفَتْحِ، والقِراءَةُ الوُسْطى ضَعِيفَةٌ.

فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ وعَظَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ ونَدَبَهم إلى الحَقِّ: لَنْ نَبْرَحَ عابِدِينَ لِهَذا الإلَهِ، عاكِفِينَ عَلَيْهِ، أيْ: لازِمِينَ لَهُ، و"العُكُوفُ": الِانْحِناءُ عَلى الشَيْءِ مِن شِدَّةِ مُلازَمَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون اعتراضاً وليس من حكاية كلام القوم، فهو معترض بين جملة ﴿ فكذلك ألقى السامريّ ﴾ [طه: 87] وجملة ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتبعن ﴾ [طه: 92، 93] الخ، فتكون الفاء لتفريع كلاممِ متكلممٍ على كلام غيره، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به، والمخبِر متعدد.

ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدّوا لخطاب موسى عليه السلام من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد.

والاستفهام: إنكاري، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جَرْيهم على موجَب البصر، فأُنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره، أي كيف يدّعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعاً ولا ضراً.

والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملةً في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم، ولا سيما بالنسبة لجملة ﴿ ولاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَراً ولا نَفْعاً ﴾ فإن ذلك لا يُرى بالبصر بخلاف ومعنى يَرْجِعُ} يَرُدّ، أي يجيب القول، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يَدْعُونه ويُثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يَعِدهم باستجابة، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقّى طِلبة أن يجيب.

ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضرّ، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدّو أو مرض.

فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه عاجز عن أن ينفع أو يضر، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأنّ حاله مما يُرى.

ولامَ ﴿ لَهُمْ ﴾ متعلّق ب ﴿ يَمْلِكُ ﴾ الذي هو في معنى يستطيع كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة العقود.

(76).

وقدم الضرّ على النفع قطعاً لعُذرهم في اعتقاد إلهيته، لأن عذر الخائف من الضرّ أقوى من عذر الراغب في النفع.

و (أنْ) في قوله ألاَّ يَرْجِعُ} مخفّفة من (أنّ) المفتوحة المشددة واسمها ضمير شأن محذوف، والجملة المذكورة بعدها هي الخبر، ف {يرجعُ مرفوع باتفاق القراءات ما عدا قراءات شاذة.

وليست (أنْ) مصدرية لأن (أن) المصدرية لا تقع بعد أفعال العلم ولا بعد أفعال الإدراك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأسَفَ أشَدُّ الغَضَبِ.

الثّانِي: الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُتَنَدِّمُ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُتَحَسِّرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ والظَّفَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ ﴾ الآيَةِ.

الثّالِثُ: التَّوْراةُ فِيها هُدًى ونُورٌ لِيَعْمَلُوا بِما فِيها فَيَسْتَحِقُّوا ثَوابَ عَمَلِهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما وعَدَهم بِهِ في الآخِرَةِ عَلى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهم عَلى أثَرِهِ لِلْمِيقاتِ فَتَوَقَّفُوا.

﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِطاقَتِنا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَمْ نَمْلِكْ أنْفُسَنا عِنْدَ ذَلِكَ لِلْبَلِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ بِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: لَمْ يَمْلِكِ المُؤْمِنُونَ مَنعَ السُّفَهاءِ مِن ذَلِكَ، والمَوْعِدُ الَّذِي أخْلَفُوهُ أنْ وعْدَهم أرْبَعِينَ فَعَدُّوا الأرْبَعِينَ عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً وظَنُّوا أنَّهم قَدِ اسْتَكْمَلُوا المِيعادَ، وأسْعَدَهُمُ السّامِرِيُّ أنَّهم قَدِ اسْتَكْمَلُوهُ.

﴿ وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ ﴾ أيْ حُمِّلْنا مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ مُوسى أمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا مِن حُلِيِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

وَقِيلَ: جُعِلَتْ حَمْلًا.

والأوْزارُ: الأثْقالُ، فاحْتُمِلَ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرادَ بِها أثْقالُ الذُّنُوبِ لِأنَّهم قَدْ كانَ عِنْدَهم غُلُولٌ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ أثْقالُ الحَمْلِ لِأنَّهُ أثْقَلَهم وأثْقَلَ أرْجُلَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ ﴾ الآيَةِ.

قالَ قَتادَةُ.

أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ اسْتَبْطَأ القَوْمُ مُوسى: إنَّما احْتُبِسَ عَلَيْكم مِن أجْلِ ما عِنْدَكم مِنَ الحُلِيِّ، فَجَمَعُوهُ ورَفَعُوهُ لِلسّامِرِيِّ، فَصاغَ مِنهُ عِجْلًا، ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِ قَبْضَةً قَبَضَها مِن أثَرِ الرَّسُولِ وهو جِبْرِيلُ، وقالَ مَعْمَرٌ: الفَرَسُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ هو الحَياةُ فَلَمّا ألْقى القَبْضَةَ عَلَيْهِ صارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.

والخُوارُ صَوْتُ الثَّوْرِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَوْتُ حَياةٍ خَلَقَهُ؛ لِأنَّ العِجْلَ المُصاغَ انْقَلَبَ بِالقَبْضَةِ الَّتِي مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَصارَ حَيَوانًا حَيًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خارَ العِجْلُ خَوْرَةً واحِدَةً لَمْ يُتْبِعْها مِثْلَها.

الثّانِي: أنَّ خُوارَهُ وصَوْتَهُ كانَ بِالرِّيحِ؛ لِأنَّهُ عَمِلَ فِيهِ خُرُوقًا، فَإذا دَخَلَتِ الرِّيحُ فِيهِ خارَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ حَياةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ﴾ يَعْنِي أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لِقَوْمِ مُوسى بَعْدَ فَراغِهِ مِنَ العِجْلِ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، يَعْنِي لِيُسْرِعُوا إلى عِبادَتِهِ.

﴿ فَنَسِيَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ إسْلامَهُ وإيمانَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَنَسِيَ السّامِرِيُّ قالَ لَهُمْ: قَدْ نَسِيَ مُوسى إلَهَهُ عِنْدَكم، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: فَنَسِيَ أنَّ قَوْمَهُ لا يُصَدِّقُونَهُ في عِبادَةِ عِجْلٍ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّ مُوسى نَسِيَ أنَّ قَوْمَهُ قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ يَعْنِي أفَلا يَرى بَنُو إسْرائِيلَ أنَّ العِجْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا.

﴿ وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ؟

فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا.

قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا مَضى مِن مَوْعِدِ مُوسى خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ يَوْمًا أمَرَ السّامِرِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْمَعُوا ما اسْتَعارُوهُ مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ، وصاغَهُ عِجْلًا في السّادِسِ والثَّلاثِينَ والسّابِعِ والثّامِنِ ودَعاهم إلى عِبادَةِ العِجْلِ في التّاسِعِ فَأجابُوهُ، وجاءَهم مُوسى بَعْدَ اسْتِكْمالِ الأرْبَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد عمنا.

فأنزل الله: ﴿ لا تخاف دركاً ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً ولا وحلاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تخاف دركاً ﴾ قال: من آل فرعون ﴿ ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فغشيهم من اليم ﴾ قال البحر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ قال: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ قال: فينزل عليكم غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه قرأ ﴿ من يحلل عليه غضبي ﴾ بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي ﴾ قال: إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقد هوى ﴾ قال: شقي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سقي بن ماتع: أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين، قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وإني لغفار لمن تاب ﴾ قال: من الشرك ﴿ وآمن ﴾ .

قال: وحد الله ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: أدى الفرائض ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: لم يشك.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني لغفار ﴾ الآية.

قال: تاب من الذنب، وآمن من الشرك.

وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ﴿ ثم اهتدى ﴾ علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: ثم استقام لفرقة السنة والجماعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعجل موسى إلى ربه فقال الله: ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له.

فقال: من هذا يا رب؟

قال: لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة.

وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وعده، فبينما هو يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتاً، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً، قال: لعل قومك ضلوا، قال: إلهي، من أضلهم؟

قال: السامري.

قال: كيف أضلهم؟

قال: صاغ لهم ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل: فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟

قال: أنا يا موسى، قال: فبعزتك، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك.

قال: صدقت.

قال: يا حكيم الحكماء، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه، عن راشد بن سعد قال: إن موسى لما قدم على ربه- واعد قومه أربعين ليلة- قال: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك.

قال: يا رب كيف يفتنون؟

وقد نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم، وفعلت بهم؟!

قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال: يا رب، فمن جعل فيه الروح؟

قال: أنا.

قال: فأنت يا رب أضللتهم.

قال: يا موسى، يا رأس النبيين، ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم، فيسرته لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ﴿ ما خطبك ﴾ فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ﴾ فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء- ممن كان يعبد ذلك العجل- إلا اصفر وجهه مثل الذهب!

فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟

قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفاً!

فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل، وتبت على من بقي.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما هجم فرعون على البحر وأصحابه- وكان فرعون على فرس أدهم حصان، هاب الحصان أن يقتحم البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان هجم خلفها، وعرف السامري جبريل- لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه- فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه.

قال أخذ من تحت الحافر قبضة، وألقى في روع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، أغرق الله آل فرعون.

قال موسى لأخيه هارون ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامري: بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار فصار ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فكان يدخل الريح من دبره، ويخرج من فيه يسمع له صوت!

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا ﴾ على العجل يعبدونه.

فقال هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان السامري رجلاً من أهل ماجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان يحب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حملتم ﴿ أوزاراً من زينة القوم ﴾ آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها، فإنها رجس، وأوقد لهم ناراً، فقال: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامري أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟

قال: نعم.

ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ ، فكان للبلاء والفتنة.

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ﴿ فعكفوا عليه ﴾ وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط: يقول الله: ﴿ فنسي ﴾ أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾ وكان اسم السامري: موسى بن ظفر وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿ يا قوم، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى: ﴿ فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ﴾ وكان له سامعاً مطيعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له: ما تصنع؟

قال: اصنع ما لا يضر ولا ينفع!

فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على نفسه، ومضى هارون فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار.

فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون: قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى، فيقضي فيه ما قضى، فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: إن موسى ذهب يطلب ربه، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان السامري من أهل كرمان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له: ﴿ ما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ ﴿ قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: ﴿ فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ﴾ فلما خبره خبرهم قال: يا رب، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل.

أرأيت الروح من نفخها فيه؟

قال الرب: أنا.

قال: يا رب.

فأنت إذاً أضللتهم.

ثم رجع ﴿ موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً ﴿ قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً ﴾ إلى قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ يقول: بطاقتنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ يقول: من حلي القبط: ﴿ فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار ﴾ ﴿ فعكفوا عليه يعبدونه ﴾ وكان يخور ويمشي.

فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ يقول ابتليتم بالعجل.

قال: ﴿ فما خطبك يا سامري ﴾ ما بالك.

إلى قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليك عاكفاً لنحرقنه ﴾ قال: فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد.

يعني سحكه، ثم ذراه في اليم.

فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا.

فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ قال: فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم، حين عبدوا العجل ﴿ فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم ﴾ فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية...

البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم....

كان شهيداً، ومن بقي كان مكفراً عنه، فذلك قوله تعالى: ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ﴾ ثم إن الله تعالى أمر موسى: أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فوعدهم موعداً ﴿ فاختار موسى سبعين رجلاً ﴾ ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك، قالوا: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ فإنك قد كلمته فأرناه ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب.

ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟

﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل.

فذلك حين يقول موسى: ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ يقول: الوعد وفي قوله: ﴿ فأخلفتم موعدي ﴾ يقول: عهدي وفي قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بأمر ملكنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً ﴾ قال: أثقالاً من زينة القوم، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون ﴿ فقذفناها ﴾ قال: فألقيناها ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ قال: كذلك صنع ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: حفيف الريح فيه.

فهو خواره، والعجل ولد البقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بأمرنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ قال: بطاقتنا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بسلطاننا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يحيى أنه قرأ ﴿ بملكنا ﴾ وملكنا.

واحد.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: نسي موسى أن يذكر لكم: إن هذا إلهه!

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فنسي ﴾ قال هم يقولونه، قومه: أخطأ الرب العجل ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ﴾ قال: العجل ﴿ ولا يملك لهم ضراً ﴾ قال: ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن ﴾ قال: تدعهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: أمره موسى أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل.

فذلك قوله: ﴿ أن لا تتبعن أفعصيت أمري ﴾ كذلك أيضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ قال: لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل.

قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لم ترقب قولي ﴾ لم تحفظ قولي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما خطبك يا سامري ﴾ قال: لم يكن اسمه، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة ﴿ قال بصرت بما لم يبصروا به ﴾ يعني فرس جبريل.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ بما لم يبصروا به ﴾ بالياء ورفع الصاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل ﴿ فنبذتها ﴾ قال: نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ فقبصت ﴾ بالصاد.

قال: والقبص بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال: كان الحسن يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، يعني بأطراف أصابعه، وكان أبو رجاء يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، هكذا بجميع كفيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القبضة ملء الكف، والقبصة بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ فقبضت قبضة ﴾ بالضاد على معنى القبض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ قال: عقوبة له ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال: لن تغيب عنه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ قال: أقمت ﴿ لنحرقنه ﴾ قال: بالنار ﴿ ثم لننسفنه في اليم نسفاً ﴾ قال: لنذرينه في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ خفيفة.

يقول: إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: في بعض القراءة ﴿ لنذبحنه ثم لنحرقنه ﴾ خفيفة.

قال قتادة: وكان له لحم ودم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي، أنه قرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ بنصب النون وخفض الراء وخففها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم، البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: اليم، النهر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ ﴾ قال المبرد: (أفلا يعلمون؛ لأن رأيت على ضربين: على رؤية القلب، وعلى رؤية العين، وما كان من رؤية القلب فالمراد به العلم) (١) وقوله تعالى: ﴿ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ﴾ قال أبو إسحاق: (الاختيار الرفع ويكون المعنى: أنه لا يرجع، كما قال: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ  ﴾ ، قال: ويجوز أن لا يرجع ينتصب بأن) (٢) قال المبرد: ( ﴿ أَنَّ ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة والمعنى: أنه لا يرجع، كقوله: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ ، ولا يكون بعد العلم إلا ثقيلة، ومخففة من الثقيلة، وتخفف إذا جئت بالعوض نحو: السنن وسوف، نحو: علمت أن سيذهبون، وأن سوف يذهبون، وعلى (٣) (٤) وهذا الفصل مستقصى عند قوله: ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، ومعنى ﴿ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ﴾ لا يكلمهم ولا يرد لهم جوابًا، كما قال في هذا المعنى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ توبيخ لهم إذا عبدوا من لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وتركوا عبادة من يملكها.

(١) ذكره نحوه في "المقتضب" 2/ 31.

(٢) "معانى القرآن" للزجاج 3/ 373 (٣) في (ص): (ومن).

(٤) "المقتضب" 3/ 7.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً ﴾ معناه لا يردّ عليهم كلاماً إذا كلموه وذلك ردّ عليهم في دعوى الربوبية له، وقرئ ﴿ يَرْجِعُ ﴾ بالرفع، وأن مخففة من الثقيلة، وبالنصب وهي مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.

أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.

الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.

الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.

الباقون بحذفها.

﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.

الآخرون من التحريق.

﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.

ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.

﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.

﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.

واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.

والدرك.

والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.

وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا  ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.

ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.

وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد  ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.

﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.

وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.

ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.

ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.

وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.

سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟

وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟

الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.

وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.

والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم  ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ وقد مر البحث فيه.

ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله  تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟

فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.

قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.

وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.

يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.

ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟

وأجيب بأنه على عادة الله  في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.

ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى  بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.

وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.

وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.

قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله  لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.

وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.

وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله  .

قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله  .

ثم عاتب موسى  قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.

والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.

وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.

ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.

وقيل: أراد عهدهم بنعم الله  من الإنجاء وغيره.

والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله  ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة  ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله  ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.

احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله  لا تنزل في شيء من الأجسام.

وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.

وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.

والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.

وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.

ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".

وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.

وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.

وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.

وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.

قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.

فقال: اللهم أعطه ما سألك.

فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.

وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.

ثم إنه  أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.

أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.

ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.

ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.

واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.

روى النعمان بن بشير عن النبي  " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله  بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.

فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد  وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.

فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.

قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد  على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.

وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني  ﴾ وهكذا علي  امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.

وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.

ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.

ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد  ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.

وقد مر في "الأعراف".

وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.

وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.

قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  هل أمر هارون باتباعه أم لا؟

وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟

فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.

وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.

فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.

وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.

وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.

قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله  .

ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.

فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟

فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.

يعني العلم.

وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي  .

والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.

عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.

ومتى رآه؟

الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.

وعن علي  أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.

فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.

ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.

عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.

فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.

فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.

وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.

وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.

فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟

ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.

وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.

فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.

وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.

ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.

وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.

ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.

قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.

اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.

وإنما يقال له ذلك.

وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.

والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.

وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.

ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.

قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.

والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.

ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.

ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.

وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.

ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.

واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك  ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.

وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.

قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وإنه  يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله  النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.

وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.

يقال: صورة وصور كدرة ودرر.

والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله  : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى  ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.

وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.

وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".

وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.

قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك  ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.

وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً  ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.

فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.

وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.

وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.

وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.

وقيل: المراد لبثهم في القبور.

قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟

فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟

فنزلت.

ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه  أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.

والنسف القلع.

وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.

وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.

والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ والقاع المستوي من الأرض.

وقيل: المكان المطمئن.

وقيل: مستنقع الماء.

والصفصف الأرض الملساء المستوية.

وقيل: التي لا نبات فيها.

والأمت النتوّ اليسير.

وقيل: التلال الصغار.

قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه  نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.

وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!

وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.

ثم إنه  وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.

وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.

﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.

وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.

وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.

قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .

قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.

فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.

وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.

قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله  فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.

وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.

قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟

والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.

ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .

الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.

وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.

ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.

عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.

وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا  ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.

ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.

من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه  ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.

من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.

قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.

﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.

قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.

ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.

والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.

وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.

وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.

ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.

ومعنى الحق قد مر في البسملة.

قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.

قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.

وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.

وقال آخرون: إنه  كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه  حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه  متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.

وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.

قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به  ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.

وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.

وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.

أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.

وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي  فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله  عن القصاص.

وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.

وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.

والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.

قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.

ومن فضائل العلم أن النبي  ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.

وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.

التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.

﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.

فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.

﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.

﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.

﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.

﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.

﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.

﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.

قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟

وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.

﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.

﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام  ﴾ وعلى الله السمتعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: إن موسى - صلوات الله عليه - خرج بنفر من قومه إلى الجبل؛ ليأخذ التوراة، فجعل حتى خلفهم وتركهم وراءه، فعند ذلك قال له ربه: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

وقال بعضهم: لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من الافتتان بالعجل الذي اتخذه السامري.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ .

هذا على التأويل الأول، أي: هم يجيئون على أثري.

وعلى التأويل الثاني، أي: تركتهم على ديني وسبيلي، وهو قول الحسن وقتادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ .

أي: عجلت إليك ربّ فيما دعوتني إجابة وطاعة فيما أمرتني؛ لترضى، هذا على التأويل الذي قال: إنه خرج وحده.

وعلى التأويل الذي يقول: إنه خرج بنفر يقول - والله أعلم -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ ؛ إذ لم يكن لي سبب ولا معنى يمنعني عن الإسراع إلى ما دعوتني وأمرتني.

وهكذا عندنا أن من لزمه أمر الله وفرضه، لزمه الإسراع والعجلة إلى القيام بأدائه، إذا لم يكن هناك سبب يمنعه عن التعجيل له والقيام به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ .

الفتنة: هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا، ومعنى الافتتان هاهنا: هو ما فتنهم بالعجل الذي اتخذه السامري، جعله جسداً بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه الروح، وجعل له خوار، فذلك معنى الافتتان منه إياهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان سبب إضلالهم حيث اتخذ لهم العجل، ودعاهم إلى عبادته، وقال: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ ﴾ ، فأضاف الإضلال إليه؛ لما ذكرنا من دعائه إليه والسبب الذي كان منه، وإلا لم يكن لأحد إضلال أحد، وأضاف الافتتان إلى نفسه؛ لما ذكرنا من جعل العجل جسداني من لحم ودم وروحاني.

فإن قيل: ما معنى إجراء ما أجري على يدي السامري مع ضلالة من الآية؟

قيل: هو - والله أعلم - أنه لو ادعى لنفسه الرسالة، لكان لا يتهيأ له ذلك، لكنه إنما ادعى أنه إله وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة يعرف كل أحد أنه ليس بإله، وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس وتلتبس عليهم، فيمنع الله - عز وجل - من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة لاشتباهها على الناس، وأما الألوهية فلا يمنع عن إجراء ذلك؛ لأن آثار العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها كل أحد.

وهكذا من أتى [أهل] قرية لم يبلغهم هذا القرآن فقرأ هذا القرآن وقال: إني رسول الله إليكم [لم] يقدره الله على قراءته، ولو ادعى الربوبية لم يمنع؛ لأن آثار العجز عن إتيان مثله ظاهرة وفي الرسالة لا؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .

والأسف: هو النهاية في الغضب، والنهاية في الحزن، وهكذا جبل الله رسله وأنشأهم على نهاية الغضب لله والأسف له عند معاينتهم الخلاف لله والتكذيب له؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ .

على تأويل الحسن: وعداً حسناً، هو الثواب الذي وعد لهم بالدين والسبيل.

﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ ، أي: على ديني وسبيلي.

وقال بعضهم: ﴿ وَعْداً حَسَناً ﴾ أي: عدلا وصدقا؛ حيث وعد لهم أنه يرجع إليهم عند رأس أربعين أو ثلاثين ليلة، على ما ذكر - عز وجل -: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ ﴾ على تأويل الحسن: أفطال عليكم عهد ما وعد لكم من دون الثواب والجزاء على دينه وسبيله حتى نسيتم ذلك.

وعلى تأويل من قال: إن الوعد هو ما وعد أنه يرجع إليهم على رأس كذا يقول: أفطال عليكم ومضى وعدي حتى فعلتم ما فعلتم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: أم تعمدتم الخلاف فيحل عليكم غضب من ربكم.

﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي ﴾ يحتمل الموعد الوجهين اللذين ذكرناهما فيما مضى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ برفع الميم وكسره: فمن قرأه (بِمُلْكِنَا) برفع الميم، أي: بسلطاننا وطاقتنا، أي: لم نفعل بسلطاننا وطاقتنا.

ومن قرأه: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم [أي]: بما ملكت أيدينا.

وقال الكسائي: من قرأ (بِمُلْكِنَا)، معناه: بسلطاننا، ومن قرأه: (بِمَلْكِنَا) بكسر الميم ونصبه معناهما: وهو ما ملكت أيدينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ .

قيل: أثقالا من زينة القوم، أي: من حلي القبط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ ، أي: قذفنا ما حملنا من حليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أي: كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ ما أخذ من قبضته من أثر الرسول؛ كقوله: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ .

أي: عجلا جسده جسد عجل، وليس هو بعجل في الحقيقة.

وقال بعضهم: عجلا جسداً لا يتعيش كما يتعيش العجل المولود من البقر، والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ .

هذا القول إنما قاله السامري.

وقوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ قال بعضهم: نسي السامري حيث قال لهم: هذا إلهكم فنسي هذا القول، فيكون النسيان على هذا التأويل التضييع والترك؛ كأنه قال: ضيع السامري بعد ما علم وعرف رب العالمين ونسب الألوهية إلى العجل.

وقال بعضهم: إن السامري لما قال: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا حيث خرج في طلب غيره، ولا يحتمل أن يقبلوا هذا القول منه، ويجعلوا العجل الذي اتخذه السامري إلها، وقد علموا أنه إنما اتخذه من حلي حملوه من القبط، لكنه كان في عقدهم أنه يجوز اتخاذ إله دون إله رب العالمين والعبادة له؛ رجاء أن تقرب عبادتهم تلك الآلهة إلى الله، وعلى هذا كانوا يعبدون الأصنام دون الله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وكذلك ما اتخذ لهم فرعون من آلهة عبدوها دونه، وإلا لم يحتمل أن يقع عندهم أن رب العالمين هو ذلك العجل، لكنه ما ذكرنا أنهم كانوا يستجيزون في اعتقادهم عبادة من دونه، فقال عند ذلك ورد عليهم اعتقادهم فقال: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ، أي: ألا يرون أن لا إذن في عبادة من يرجع إليه القول ويملك النفع والضر وهو البشر، فكيف أذن في عبادة من لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفلا يرى هؤلاء الذين فُتِنوا بالعجل فعبدوه أن العجل لا يكلمهم ولا يجيبهم، ولا يقدر على دفع ضر عنهم ولا عن غيرهم، ولا جلب نفع له، أو لغيره؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.0Opjg"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله