الآية ٥٢ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥٢ من سورة المؤمنون

وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) أي : دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد ، وملة واحدة ، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له; ولهذا قال : ( وأنا ربكم فاتقون ) ، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة " الأنبياء " ، وأن قوله : ( أمة واحدة ) منصوب على الحال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وأنَّ ) بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل (أن) في موضع خفض، عطف بها على (ما) من قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك.

ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: ( وَإِنْ ) هذه على الاستئناف، والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب؛ لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ مبتدأ، فقوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ ) مردود عليه عطفا به عليه، فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة.

وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدِّين والملة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) قال: الملة والدين.

وقوله: ( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ )يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي ، ونصبت أمة واحدة على الحال.

وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا.

وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه.

وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم; لأن هذا لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس، لأن " هذا " إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أيّ الأجناس هو، وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم أمة واحدة، والأمة غائبة ، وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن هذه أمتكم أمة واحدة المعنى : هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه .

والأمة هنا الدين ؛ وقد تقدم محامله ؛ ومنه قوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين .

وقال النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائعالثانية : قرئ ( وإن هذه ) بكسر ( إن ) على القطع ، وبفتحها وتشديد النون .

قال الخليل : هي في موضع نصب لما زال الخافض ؛ أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به .

وقال الفراء : ( أن ) متعلقة بفعل مضمر تقديره : واعلموا أن هذه أمتكم .

وهي عند سيبويه متعلقة بقوله : فاتقون ؛ والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة .

وهذا كقوله تعالى : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ؛ أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره .

وكقوله : لإيلاف قريش ؛ أي فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش .الثالثة : وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى : يا أيها الرسل إنما هو مخاطبة لجميعهم ، وأنه بتقدير حضورهم .

وإذا قدرت يا أيها الرسل مخاطبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلق اتصال هذه الآية واتصال قوله : فتقطعوا .

أما أن قوله : وأنا ربكم فاتقون وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ؛ فيحسن بعد ذلك اتصال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا قال تعالى للرسل: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً } أي: جماعتكم -يا معشر الرسل- جماعة { وَاحِدَةً } متفقة على دين واحد، وربكم واحد.{ فَاتَّقُونِ } بامتثال أوامري، واجتناب زواجري.

وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فالواجب من كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن هذه ) قرأ أهل الكوفة : " وإن " بكسر الألف على الابتداء ، وقرأ الباقون بفتح الألف ، وخفف ابن عامر النون وجعل " إن " صلة ، مجازه : وهذه ( أمتكم ) وقرأ الباقون بتشديد النون على معنى وبأن هذا ، تقديره : بأن هذه أمتكم ، أي : ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها ، ( أمة واحدة ) أي : ملة واحدة وهي الإسلام ، ( وأنا ربكم فاتقون ) أي : اتقوني لهذا .

وقيل : معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم ، فأمركم واحد ، ( وأنا ربكم فاتقون ) فاحذرون .

وقيل : هو نصب بإضمار فعل ، أي : اعلموا أن هذه أمتكم ، أي : ملتكم ، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اعلموا «إنَّ هذه» أي ملة الإسلام «أمتكم» دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها «أمة واحدة» حال لازمة وفي قراءة بتخفيف النون وفي أخرى بكسرها مشددة استئنافا «وأنا ربكم فاتقون» فاحذرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإنَّ دينكم- يا معشر الأنبياء- دين واحد وهو الإسلام، وأنا ربكم فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب زواجري.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً .

.

.

) جملة مستأنفة .والمراد بالأمة هنا : الشريعة والدين الذى أنزله الله - تعالى - على أنبيائه ورسله ، أى : وإن شريعتكم - أيها الرسل - جميعاً هى شريعة واحدة لا تختلف فى أصولها التى تتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات ، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية .وقرأ بعض القراء السبعة : ( وَأَنَّ هذه أُمَّتُكُمْ .

.

.

) بفتح الهمزة ، على أن الآية من جملة ما خوطب به الرسل .والتقدير : واعلموا - أيها الرسل - أن ملتكم وشريعتكم ، ملة واحدة ، وشريعة واحدة فى عقائدها وأصول أحكامها .( وَأَنَاْ رَبُّكُمْ ) لا شريك لى فى الربوبية ( فاتقون ) أى : فخافوا عقابى ، واحذروا مخالفة أمرى ، وصونوا أنفسكم من كل ما نهيتكم عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يا أيها الرسل ﴾ خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه: أحدها: أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه.

وثانيها: أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس  ﴾ وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام.

وثالثها: وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا؟

فقالت من شاة لي، ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال عليه السلام: «بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً».

أما قوله تعالى: ﴿ مّنَ الطيبات ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني: أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم.

واعلم أنه سبحانه كما قال المرسلين ﴿ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ فقال للمؤمنين: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ ، واعلم أن تقديم قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ على قوله: ﴿ واعملوا صالحا ﴾ كالدلالة على أن العمل الصالح لابد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال، فأما قوله: ﴿ إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.

أما قوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى.

فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟

قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هاهنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.

المسألة الثانية: قرئ وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ ﴾ معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.

أما قوله: ﴿ زُبُراً ﴾ فقرئ زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد، وقال: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ حتى حين الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم، وعن علي عليه السلام: ﴿ فِى غمراتهم حتى حِينٍ ﴾ وذكروا في الحين وجوهاً: أحدها: إلى حين الموت.

وثانيها: إلى حين المعاينة.

وثالثها: إلى حين العذاب، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.

ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ قرئ يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك، أهو استدراج أم مسارعة في الخير، وهذه الآية كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم  ﴾ روي عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه.

فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً.

ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر.

ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ الوجه الثاني: وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى، فلذلك قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: (وإنّ) بالكسر على الاستئناف.

وأَنّ بمعنى ولأنّ.

وأن مخففة من الثقيلة، و ﴿ أُمَّتُكُمْ ﴾ مرفوعة معها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنَّ هَذِهِ ﴾ أيْ ولِأنَّ ( هَذِهِ ) والمُعَلَّلُ بِهِ ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ ، أوْ واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتَّخْفِيفِ والكُوفِيُّونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

﴿ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مِلَّتُكم مِلَّةٌ واحِدَةٌ أيْ مُتَّحِدَةٌ في الِاعْتِقادِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ، أوْ جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ ونَصَبَ ﴿ أُمَّةً ﴾ عَلى الحالِ.

﴿ وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ في شَقِّ العَصا ومُخالَفَةِ الكَلِمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّ هذه} كوفي على الاستئناف وأن حجازي وبصرى بمعنى ولان اى فاتقون ى ن هذه أو معطوف على ما قبله أي بما تعملون عليهم وبأن هذه أو تقديره واعلموا أن هذه {أُمَّتُكُمْ} أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها {أُمَّةً وَاحِدَةً} ملة واحدة وهي شريعة الاسلام وانتصاب أمة على الحال والمعنى وإن الدين دين واحد وهو الاسلام ومثله إِنَّ الدّينَ عند الله الإسلام {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} وحدي {فاتقون} فخافوا عقابي في مخالفتكم أمرى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنَّ هَذِهِ ﴾ أيِ المِلَّةُ والشَّرِيعَةُ، وأُشِيرُ إلَيْها بِهَذِهِ لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ ظُهُورِ أمْرِها في الصِّحَّةِ والسَّدادِ وانْتِظامِها بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ ﴿ أُمَّتُكُمْ ﴾ أيْ مِلَّتِكم وشَرِيعَتِكم والخِطابُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْمُجاهِدٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ هي مِنَ الحِكايَةِ وقَدْ عَطَفْتُ قَوْلًا عَلى قَوْلٍ، والتَّقْدِيرُ قُلْنا يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا إلَخْ وقُلْنا لَهم إنَّ هَذِهِ أمَتُّكم ولا يَخْفى بَعْدَهُ.

وقِيلَ: الواوُ لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ والجُمْلَةُ بَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى ما قَبْلَها وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ حالٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ الخَبَرِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أيْ أُشِيرُ إلَيْها في حالِ كَوْنِها شَرِيعَةً مُتَّحِدَةً فِي الأُصُولِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ وقِيلَ ﴿ هَذِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَمِ الماضِيَةِ لِلرُّسُلِ، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ ﴿ وأنا رَبُّكُمْ ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ «إنَّ هَذِهِ» إلَخِ المَعْطُوفَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ وهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَقائِدَ الحَقَّةَ والأعْمالَ الصَّحِيحَةَ، واقْتِضاءُ المُجازاةِ والرُّبُوبِيَّةِ لِذَلِكَ ظاهِرٌ وأمّا اقْتِضاءُ اتِّحادِ الشَّرِيعَةِ في الأُصُولِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ لِذَلِكَ فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ دَلِيلُ حَقِيَةِ العَقائِدِ وحَقِيقَتُها تَقْتَضِي الإتْيانَ بِها والإتْيانُ بِها يَقْتَضِي الإتْيانَ بِغَيْرِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ قِيلَ لا يَصِحُّ الِاعْتِقادُ مَعَ تَرْكِ العَمَلِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ كالتَّصْرِيحِ بِالنَّتِيجَةِ فَيَكُونُ الكَلامُ نَظِيرَ قَوْلِكَ: العالَمُ حادِثٌ لِأنَّهُ مُتَغَيْرٌ وكُلُّ مُتَغَيْرٍ حادِثٌ فالعالَمُ حادِثٌ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاتَّقُونِ ﴾ لِلرُّسُلِ والأُمَمِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الأمْرَ في حَقِّ الرُّسُلِ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ وفي حَقِّ الأُمَّةِ لِلتَّحْذِيرِ والإيجابِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوْ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى ما قَبْلِهِ مِنِ اخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ واتِّحادِ الأُمَّةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجَبٌ لِلِاتِّقاءِ حَتْمًا، والمَعْنى فاتَّقُونِ في شَقِّ العَصا والمُخالَفَةِ بِالإخْلالِ بِمُوجَبِ ما ذَكَرَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو «وأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، وخَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ ولِأنَّ هَذِهِ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّقُونِ، قالَ الخَفاجِيُّ: والكَلامُ في الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ كالكَلامِ في فاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ وهي لِلسَّبَبِيَّةِ ولِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ وهو ( اعْمَلُوا ) والمَعْنى اتَّقُونِي لِأنَّ العُقُولَ مُتَّفِقَةٌ عَلى رُبُوبِيَّتِي والعَقائِدُ الحَقَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّقْوى انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( إنَّ هَذِهِ ) إلَخْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْطُوفًا عَلى ما ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ والمَعْنى إنِّي عَلِيمٌ بِما تَعْمَلُونَ وبِأنَّ هَذِهِ أمَتُّكم أُمَّةٌ واحِدَةٌ إلَخْ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ المَعْلُومِ.

وضَعَّفَ بِأنَّهُ لا جَزالَةَ في المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ أمَتُّكم إلَخْ وهَذا المَحْذُوفُ مَعْطُوفٌ عَلى «اعْمَلُوا» ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «وأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويَعْلَمُ تَوْجِيهَ الفَتْحِ مِمّا ذَكَرْنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، يعني: التوراة، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: لكي يهتدوا، يعني: بني إسرائيل.

قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، يعني: عبرة وعلامة لبني إسرائيل، ولم يقل آيتين، وقد ذكرناه.

ثم قال: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، وذلك أنها لما ولدت عيسى  هم قومها أن يرجموها، فخرجت من بيت المقدس إلى أرض دمشق، والربوة: المكان المرتفع.

ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ، يعني: أرضاً مستوية وَمَعِينٍ يعني: الماء الجاري الطاهر، وهو مفعول من العين، وأصله: معيون، كما يقال: ثوب مخيط.

وقال سعيد بن المسيب: الربوة هي دمشق، ويقال: هي بيت المقدس، لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض.

ويقال: إنها الرملة وفلسطين.

قرأ ابن عامر وعاصم رَبْوَةٍ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ، يعني: محمدا  .

وإنما خاطب به النبي  وأراد به النبيّ  وأمته، كما يجيء في مخاطبتهم.

كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: من الحلالات.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الفضل بن مرزوق قال: أخبرني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : «يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً، وَإنَّ الله تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: 57] .

ثمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ، يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك» (١)  ، فقيل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعاً كذا أمروا.

قال: ويروى أن عيسى  كان يأكل من غزل أمه، وكان رزق النبيّ  من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم.

ثم قال تعالى: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: خالصاً.

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني: قبل أن تعملوا.

قوله عز وجل: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، يعني: دينكم الذي أنتم عليه، يعني: ملة الإسلام دين واحد، عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون.

وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، يعني: أنا شرعته لكم فأطيعون.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: أَن بنصب الألف وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون النون، وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء.

ثم قال عز وجل: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يقول: فرقوا دينهم وتفرقوا في دينهم، ومعناه: أن دين الله تعالى واحد، فجعلوه أدياناً مختلفة زبراً.

قرأ ابن عامر: زُبُراً بنصب الباء، أي قطعاً وفرقاً، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي زُبُراً.

بضم الباء، أي كتباً، معناه: جعلوا دينهم كتباً مختلفة، ويقال: فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه.

كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يعني: بما هم عليه من الدين معجبون، راضون به.

(١) عزاه السيوطي 6/ 102 إلى أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: يَعْنِي بِالرُّسُلِ هاهُنا: مُحَمَّدًا  وحْدَهُ، وهو مَذْهَبُ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ خِطابَ الجَمِيعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: الحَلالُ.

قالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

وافَقَ ابْنُ عامِرٍ في فَتْحِ الألِفِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ النُّونَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وبِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم، فَمَوْضِعُها خَفْصٌ؛ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ عَلى " ما "، وإنْ شِئْتَ كانَتْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: واعْلَمُوا هَذا، ومَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ المُشَدَّدَةَ، وإذا خُفِّفَتْ تَعَلَّقَ بِها ما يَتَعَلَّقُ بِالمُشَدَّدَةِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في ( الأنْبِياءِ: ٩٢ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ زُبُرًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( زُبَرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( زُبْرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وإسْكانِ الباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( زُبُرًا ) بِضَمِّ الباءِ، فَتَأْوِيلُهُ: جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، جَمْعُ زَبُورٍ.

ومَن قَرَأ: ( زُبَرًا ) بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: قِطَعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ مُعْجَبُونَ، يَرَوْنَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( في غَمَراتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ أيْ: إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ.

* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟

فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها التَّهْدِيدُ فَهي مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ: ( يُمِدُّهم ) بِالياءِ المَرْفُوعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( نَمُدُّهم ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ المِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ مُجازاةٌ لَهم ؟

إنَّما هو اسْتِدْراجٌ.

﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ ؛ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ( يُسارِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الرّاءَ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ السِّينِ ونُصْبِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ هَذِهِ" بِكَسْرِ الألِفِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ "أنْ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَشْدِيدِ "أنَّ".

فالقِراءَةُ الأُولى بَيِّنَةٌ عَلى القَطْعِ، وأمّا فَتْحُ الألِفِ وتَشْدِيدُ النُونِ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ آخِرًا بِـ "فاتَّقُونِ" عَلى تَقْدِيرِ: "لِأنَّ"، أيْ: فاتَّقَوْنِ لِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةً واحِدَةً وأنِّي رَبُّكُمْ، وهَذا عِنْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا  ﴾ .و"أنَّ" عِنْدَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وهي عِنْدَ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمّا زالَ الخافِضُ، وقَدْ عَكَسَ هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِما بَعْضُ الناسِ، وقالَ الفِراءُ: "أنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أوِ احْفَظُوا.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ وأبُو عَمْرٍو: "أُمَّةً واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن "هَذِهِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ  ﴾ إنَّما هو مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وأنَّهُ بِتَقْرِيرِ حُضُورِهِمْ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لِلنّاسِ، وإذا قُدِّرَتْ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ  ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ -  - قَلِقَ اتِّصالُ هَذِهِ واتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ ﴾ ، أمّا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ وإنْ كانَ قِيلٌ لِلْأنْبِياءِ فَأُمَمُهم داخِلُونَ بِالمَعْنى فَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّصالُ "فَتَقَطَّعُوا"، ومَعْنى "الأُمَّةُ" هُنا المِلَّةُ والشَرِيعَةُ، والإشارَةُ بِـ"هَذِهِ" إلى الحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو دِينُ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ: "فَتَقَطَّعُوا" يُرِيدُ الأُمَمَ، أيِ: افْتَرَقُوا، ولَيْسَ بِفِعْلٍ مُطاوِعٍ كَما تَقُولُ "تَقْطَعَ الثَوْبُ"، بَلْ هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى "قَطَعُوا"، ومِثْلُهُ تُجَهِّمَنِي اللَيْلَ، وتُخَوِّفَنِي السَيْرَ، وتُعَرِّفَنِي الزَمَنَ.

وقَرَأ نافِعٌ: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ والباءِ، جَمْعَ زَبُورٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافِ-: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ وفَتْحِ الباءِ، فَأمّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ الأُمَمَ تَنازَعَتْ أمْرَها كُتُبًا مُنَزَّلَةً، فاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الصُحُفَ وفِرْقَةٌ التَوْراةَ وفِرْقَةٌ الإنْجِيلَ، ثُمْ حَرَّفَ الكُلُّ وبَدَّلَ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثانِي أنَّهم تَنازَعُوا أمْرَهم كُتُبًا وضَعُوها وضَلالاتٍ ألَّفُوها، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: فُرُقًا كَزُبُرَ الحَدِيدِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وضَلالَتِهِ، وهَذِهِ غايَةُ الضَلالِ؛ لِأنَّ المُرْتابَ بِما عِنْدَهُ يَنْظُرُ في طَلَبِ الحَقِّ، ومِن حَيْثُ كانَ ذِكْرُ الأُمَمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالًا لِقُرَيْشٍ خاطَبَ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في شَأْنِهِمْ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: "فَذَرْهُمْ"، أيْ: فَذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ.و"الغَمْرَةُ": ما عَمَّهم مِن ضَلالِهِمْ وفَعَلَ بِهِ فِعْلَ الماءِ الغَمْرِ لِما حَصُلَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَذَرْهم في غَمَراتِهِمْ".

و"حَتّى حِينٍ" أيْ: إلى وقْتِ فَتْحٍ فِيهِمْ غَيْرُ مَحْدُودٍ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَهم بِالمالِ ونَحْوِهُ إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهِمْ، وبَيَّنَ -تَعالى- أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وخَبَرُ "أنَّ" في قَوْلِهِ: "نُسارِعُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُسارِعُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الكَلامِ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: "لَهم بِهِ".

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: "يُسارِعُ" بِالياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ إمْدادَنا يُسارِعُ، ولا ضَمِيرَ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا ما يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ، ورُوِيَ عن أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورِ "يُسارَعُ" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "نُسْرِعُ" بِالنُونِ وسُقُوطِ الألِفِ، و"الخَيْراتُ" هُنا تَعُمُ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، و"الشُعُورُ" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما بَلِيَ الإنْسانُ مِن ثِيابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ [المؤمنون: 51] الخ، فيكون هذا مما قيل للرسل.

والتقدير: وقلنا لهم ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ الآية.

ويجوز أن تكون عطفاً على قصص الإرسال المبدوءة من قوله: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [المؤمنون: 23] لأن تلك القصص إنما قصت عليهم ليهتدوا بها إلى أن شأن الرسل منذ ابتداء الرسالة هو الدعوة إلى توحيد الله بالإلهيَّة.

وعلى هذا الوجه يكون سياقها كسياق آية سورة الأنبياء (92) ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ الآية.

وفي هذه الآية ثلاث قراءات بخلاف آية سورة الأنبياء.

فتلك اتفق القراء على قراءتها بكسر همزة (إن).

فأما هذه الآية فقرأ الجمهور ﴿ وأنّ ﴾ بفتح الهمزة وتشديد النون، فيجوز أن تكون خطاباً للرسل وأن تكون خطاباً للمقصودين بالنذارة على الوجهين وفتح الهمزة بتقدير لام كي متعلقة بقوله: ﴿ فاتقون ﴾ عند من لا يرى وجود الفاء فيه مانعاً من تقديم معموله، أو متعلقة بمحذوف دل عليه ﴿ فاتقون ﴾ عند من يمنع تقديم المعمول على العامل المقترن بالفاء، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ في سورة النحل (51).

والمعنى عليه: ولكون دينكم ديناً واحداً لا يتعدد فيه المعبود.

وكوني ربكم فاتَّقون ولا تشركوا بي غيري، خطاباً للرسل والمراد أممهم.

أو خطاباً لمن خاطبهم القرآن.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بكسر همزة (إنّ) وتشديد النون، فكسر همزة (إن) إما لأنها واقعة في حكاية القول على الوجه الأول، وإمَّا لأنها مستأنفة على الوجه الثاني.

والمعنى كما تقدم في معنى قراءة الجمهور.

وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها مخففة من (أنّ) المفتوحة واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها الجملة التي بعدها.

ومعناه كمعنى قراءة الجمهور سواء.

واسم الإشارة مراد به شريعة كل من الأنبياء أو شريعة الإسلام على الوجهين في المخاطب بهذه الآية.

وتأكيد الكلام بحرف (إن) على القراءات كلها للرد على المشركين من أمم الرسل أو المشركين المخاطبين بالقرآن.

وتقدم تفسير نظيرها في سورة الأنبياء، إلا أن الواقع هنا ﴿ فاتقون ﴾ وهناك ﴿ فاعبدون ﴾ [الأنبياء: 92] فيجوز أن الله أمرهم بالعبادة وبالتقوى ولكن حكى في كل سورة أمراً من الأمرين، ويجوز أن يكون الأمران وقعا في خطاب واحد، فاقتصر على بعضه في سورة الأنبياء وذكر معظمه في سورة المؤمنين بحسب ما اقتضاه مقام الحكاية في كلتا السورتين.

ويحتمل أن يكون كل أمر من الأمرين: الأمر بالعبادة والأمر بالتقوى.

قد وقع في خطاب مستقل تماثَل بعضُه وزاد الآخر عليه بحسب ما اقتضاه مقام الخطاب من قصد إبلاغه للأمم كما في سورة الأنبياء، أو من قصد اختصاص الرسل كما في سورة المؤمنين.

ويرجح هذا أنه قد ذكر في سورة المؤمنين خطاب الرسل بالصراحة.

وأيّاً مَّا كان من الاحتمالين فوجه ذلك أن آية سورة الأنبياء لم تذكر فيها رسالات الرسل إلى أقوامهم بالتوحيد عدا رسالة إبراهيم في قوله: ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده ﴾ [الأنبياء: 51] ثم جاء ذكر غيره من الرسل والأنبياء مع الثناء عليهم وطال البعد بين ذلك وبين قصة إبراهيم فكان الأمر بعبادة الله تعالى، أي إفراده بالعبادة الذي هو المعنى الذي اتحدت فيه الأديان.

أولى هنالك لأن المقصود من ذلك الأمر أن يبلغ إلى أقوامهم، فكان ذكر الأمر بالعبادة أولى بالمقام في تلك السورة لأنه الذي حظُّ الأمم منه أكثر.

إذ الأنبياء والرسل لم يكونوا بخلاف ذلك قط فلا يقصد أمر الأنبياء بذلك إذ يصير من تحصيل الحاصل إلا إذا أريد به الأمر بالدوام.

وأما آية هذه السورة فقد جاءت بعد ذكر ما أرسل به الرسل إلى أقوامهم من التوحيد وإبطال الشرك فكان حظ الرسل من ذلك أكثر كما يقتضيه افتتاح الخطاب ب ﴿ يا أيها الرسل ﴾ [المؤمنون: 51] فكان ذكر الأمر بالتقوى هنا أنسب بالمقام لأن التقوى لا حد لها، فالرسل مأمورون بها وبالازدياد منها كما قال تعالى في حق نبيّه ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ﴾ [المزمل: 1 4] ثم قال في حق الأمة ﴿ فاقرأوا ما تيسر من القرآن ﴾ [المزمل: 20] الآية.

وقد مضى في تفسير سورة الأنبياء شيء من الإشارة إلى هذا ولكن ما ذكرناه هنا أبسط فضُمَّه إليه وعوّل عليه.

وقد فات في سورة الأنبياء (92) أن نبين عربية قوله تعالى: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ فوجب أن نشبع القول فيه هنا.

فالإشارة بقوله ﴿ هذه ﴾ إلى أمر مستحضر في الذهن بيّنه الخبر والحال ولذلك أنث اسم الإشارة، أي هذه الشريعة التي أوحينا إليك هي شريعتك.

ومعنى هذا الإخبار أنك تلتزمها ولا تنقص منها ولا تغير منها شيئاً.

ولأجل هذا المراد جعل الخبر ما حقه أن يكون بياناً لاسم الإشارة لأنه لم يقصد به بيان اسم الإشارة بل قصد به الإخبار عن اسم الإشارة لإفادة الاتحاد بين مدلولي اسم الإشارة وخبره فيفيد أنه هو هو لا يغير عن حاله.

قال الزجاج: ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر.

ففي قولك: هذا زيد قائماً، لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامَه.

ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيداً عند عدم القيام وليس بصحيح.

وبهذا يعلم أن ليس المقصود من الإخبار عن اسم الإشارة حقيقته بل الخبر مستعمل مجازاً في معنى التحريض والملازمة، وهو يشبه لازم الفائدة وإن لم يقع في أمثلتهم.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وهذا بعلي شيخا ﴾ [هود: 72] فإن سارّة قد علمت أن الملائكة عرفوا أن إبراهيم بعلها إذ قد بشروها بإسحاق.

وإنما المعنى: وهذا الذي ترونه هو بعلي الذي يُترقب منه النسل المبشرَّ به، أي حاله ينافي البشارة، ولذلك يتبع مثل هذا التركيب بحال تبين المقصود من الإخبار كما في هذه الآية.

وقد تقدم ذكر لطيفة في تلك الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دِينُكم دِينٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْتَمِنُ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ الثّانِي: جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: خَلُقُكم خُلُقٌ واحِدٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَفَرَّقُوا دِينَهم بَيْنَهم قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: انْقَطَعَ تَواصُلُهم بَيْنَهم.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ زُبُرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما يَعْنِي قِطَعًا وجَماعاتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الباءِ.

الثّانِي: يَعْنِي، كُتُبًا، قالَهُ قَتادَةُ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ ومَعْناهُ، أنَّهم تَفَرَّقُوا الكُتُبَ، فَأخَذَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم كُتُابًا، آمَنَ بِهِ وكَفَرَ بِما سِواهُ.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلُّ حِزْبٍ بِما تَفَرَّدُوا بِهِ مِن دِينٍ وكِتابٍ فَرِحُونَ.

والثّانِي: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ فَرِحُونَ.

وَفي فَرَحِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُرُورُهم.

والثّانِي: أنَّها أعْمالُهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في ضَلالَتِهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: في عَمَلِهِمْ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّالِثُ: في حَيْرَتِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

والرّابِعُ: في جَهْلِهِمْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَتّى المَوْتِ.

والثّانِي: حَتّى يَأْتِيَهم ما وُعِدُوا بِهِ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ كَما تَقُولُ لِلتَّوَعُّدِ: لَكَ يَوْمٌ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ أيْ نُعْطِيهِمْ ونَزِيدُهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ.

﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجْعَلُهُ في العامِلِ خَيْرًا.

والثّانِي: أنَما نُرِيدُ لَهم بِذَلِكَ خَيْرًا.

﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ.

والثّانِي: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اخْتِبارٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ﴿ واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي من الحرام، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها «بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، فرد إليها رسولها، أنى لك هذا اللبن؟

قالت: من شاة لي.

فرد إليها رسولها، انى لك الشاة؟

فقالت: اشتريتها من مالي.

فشرب منه.

فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن فرددت إلي الرسول فيه فقال لها: بذلك أُمِرَتْ الرسل قبلي أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً» .

وأخرج عبدان في الصحابة عن حفص بن أبي جبلة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ الآية.

قال: ذاك عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه» مرسل حفص تابعي.

وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري مثله موقوفاً عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحيلة عن أبي ميسرة عن عمر بن شرحبيل في قوله: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يأكل من غزل أمه.

وأخرج البيهقي في الشعب عن جعفر بن سليمان عن ثابت بن عبد الوهاب بن أبي حفص قال: أمسى داود عليه السلام صائماً، فلما كان عند إفطاره أتى بشربة لبن فقال: من أين لكم هذا اللبن؟

قالوا: من شاتنا.

قال: ومن أين ثمنها؟

قالوا: يا نبي الله من أين تسأل؟

قال: إنا معاشر الرسل أُمِرْنا أن نأكل من الطيبات ونعمل صالحاً.

وأخرج الحكيم الترمذي عن حنظلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاءني جبريل إلا أمرني بهاتين الدعوتين.

اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً» .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ قال: هذه للرسل ثم قال للناس عامة و ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ [ الأنبياء: 92] يعني.

دينكم دين واحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ في "إنَّ" ثلاثة أوجه من القراءة: أحدها: فتح الألف مع تشديد النّون (١) (٢) قال الفراء: الفتح على قوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وبأن هذه (٣) (٤) (٥) والوجه في هذه القراءة ما ذكره أبو إسحاق وشرحه (٦) قال أبو إسحاق -في قوله: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ -: أي فاتقون لهذا (٧) قال أبو علي: المعنى في هذه القراءة في قول الخليل وسيبويه (٨) (٩) ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا  ﴾ أي لأن المساجد لله لا تدعوا معه غيره.

وكذلك عندهما قوله: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ  ﴾ [كأنَّه فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريش] (١٠) (١١) الوجه الثاني من القراءة: فتح الألف مع تخفيف "أن" (١٢) ومعنى هذه القراءة على تقدير الأولى.

ألا ترى أنّ "أنَّ" إذا خُفِّفت اقتضت ما يتعلق به (١٣) (١٤) قال أبو علي: والتخفيف حسن في هذا؛ لأنَّه لا فعل بعدها ولا شيء مما يلي (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ (١٨) الوجه الثالث: كسر الألف مع التشديد (١٩) (٢٠) ومعنى الآية: أنتم أهل دعوة واحدة ونصرة؛ فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (٢١) قال مقاتل: يقول: هذه ملتكم التي أنتم عليها يعني ملة الإسلام ملة واحدة.

عليها كانت الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من العذاب الذين ذكرهم الله في هذه السورة (٢٢) ومضى الكلام في تفسير هذه الآية في سورة الأنبياء [آية: 92].

وأعلم الله (٢٣) (٢٤) (١) في (أ): (مع التشديد للنّون).

(٢) أي: "وأنَّ هذه".

وبها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو.

"السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران ص 262، "التبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.

(٣) عند الفراء: وعليم بأن هذه.

(٤) (هذا): الثانية ساقطة من (ظ).

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 237.

(٦) في (أ): (شرحه)، بدون واو.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.

(٨) "الكتاب" 3/ 126 - 127.

(٩) في "الحجة": اعبدوني.

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 297.

ويتحصل في نقل الواحدي عن الفراء والزجاج وأبي علي أن في قراءة من قرأ "أنَّ هذه" ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّها على حذف اللام، أي: ولأنّ هذه، وهذه اللام تتعلق بـ"اتقون".

الثاني: أنها معطوفة على ما قبلها وهو قوله "بما تعملون" أي: إني عليم بما تعملون وبأنَّ هذه.

الثالث: أن في الكلام حذفًا، تقديره واعلموا أنَّ هذه أمتكم.

"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488، "الكشف" لمكي 4/ 129، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 150، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 349.

(١٢) أي: "وأنْ هذه" بفتح الألف وسكون النون، وهي قراءة ابن عامر.

"السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران ص 262، "التبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.

(١٣) في (ظ)، (ع): (بها)، والمثبت من (أ) و"الحجة".

(١٤) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 297.

وانظرت "علل القراءات" للأزهري 2/ 436، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 129.

(١٥) في "الحجة": ما لا يلي.

(١٦) في (ظ): (وإن).

(١٧) (بعدها): ساقطة من (أ).

(١٨) "الحجة" للفارسي 5/ 297.

وانظر: "أوضح المسالك" لابن هشام 2/ 265.

(١٩) أي: "وأنَّ هذه"، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.

"السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران 262، "التَّبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.

(٢٠) "الحجة للفارسي" 5/ 297.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 436، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488.

(٢١) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 297 بنصِّه.

(٢٢) "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(٢٣) في (ظ): (والله أعلم).

(٢٤) من قوله: وأعلم الله إلى هنا.

هذا قول الزجاج في "معانيه" 4/ 15.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قرئ إن بالكسر على الاستئناف وهي قراءة أهل الكوفة وبالفتح على معنى لأن، وهي متعلقة بقوله آخراً ﴿ فاتقون ﴾ وقيل: تتعلق بفعل مضمر تقديره: واعلموا، والأمة هنا الدين، وهو ما اتفقت عليه الرسل من التوحيد وغيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله:] ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ ﴾ .

كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين.

قال أبو عوسجة: هو من العلوّ، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.

قال القتبي: ﴿ تَتْرَا ﴾ ، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).

وقال أبو عوسجة: ﴿ تَتْرَا ﴾ بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعاً: بعضاً على [إثر] بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!!

نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟!

أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟!

وذلك - والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة.

﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴾ : صاروا من المهلكين بالتكذيب.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ ، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ  ﴾ أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك تفعل كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، [و] (لعل) من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق: [يحمل] على النهي والترجي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ .

خص - عز وجل - عيسى وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعاً من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنساناً؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصّهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج [والأسباب التي] جعلت للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصّهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر من النطفة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ ، وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المنّ والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصّهم بذكر المنّ والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصّهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.

وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيّاً، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.

وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ .

ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.

وقوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمداً خاصّة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.

ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعاً بهذا.

ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، أي: اعملوا صالحاً، ولا تعملوا سيئاً؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حراماً: ما خبث.

وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.

ويحتمل - أيضاً - قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ : ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.

وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

ظاهر، وهو وعيد.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ ، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.

وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم [من] جعل الرسول ابناً له؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، والنصارى، وأما هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱعْبُدُونِ  ﴾ : جائز أن يكونا واحداً، وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّقُونِ ﴾ أي: مخالفتي، ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: اعبدوني وأطيعوني.

وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ﴾ و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ [نحو]: تفرقوا وفرقوا.

﴿ زُبُراً ﴾ : برفع الباء، وزبرا بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ﴿ زُبُراً ﴾ ؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ  ﴾ ، و ﴿ زُبُراً ﴾ بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ  ﴾ ، ونحوه.

وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).

قال أبو معاذ: (قطعوا) و (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت، ونحوه كثير.

[وقوله:] ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .

راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن ملَّتكم -أيها الرسل- ملة واحدة وهي الإسلام، وأنا ربكم لا ربَّ لكم غيري، فاتقوني بامتثال أوامري، واجتناب نواهيّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.ldmxv"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر