الآية ٧٢ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٧٢ من سورة المؤمنون

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أم تسألهم خرجا ) : قال الحسن : أجرا .

وقال قتادة : جعلا ( فخراج ربك خير ) أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى ، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه ، كما قال : ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ) [ سبأ : 47 ] ، وقال : ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) ، وقال : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ الشورى : 23 ] ، وقال تعالى : ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ) [ يس : 20 ، 21 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: أم تسأل هؤلاء المشركين يا محمد من قومك خراجا، يعني أجرا على ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والحقّ;( فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) فأجر ربك على نفاذك لأمره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولم يسألهم صلى الله عليه وسلم على ما أتاهم به من عند الله أجرا، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقيله لهم: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وإنما معنى الكلام: أم تسألهم على ما جئتهم به أجرا، فنكصوا على أعقابهم إذا تلوته عليهم، مستكبرين بالحرم، فخراج ربك خير.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) قال: أجرا.

حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن، مثله.

وأصل الخراج والخرج: مصدران لا يجمعان.

وقوله: (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يقول: والله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقينقوله تعالى : أم تسألهم خرجا أي أجرا على ما جئتهم به ؛ قال الحسن ، وغيره .

فخراج ربك خير ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، والأعمش ، ويحيى بن وثاب ( خراجا ) بألف .

الباقون بغير ألف .

وكلهم قد قرءوا فخراج بالألف إلا ابن عامر ، وأبا حيوة فإنهما قرآ بغير الألف .

والمعنى : أم تسألهم رزقا فرزق ربك خير .

وهو خير الرازقين أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه ، ولا ينعم مثل إنعامه .

وقيل : أي ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له ، والدعاء إليه خير من عرض الدنيا ، وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعين رجل من قريش فلم تجبهم إلى ذلك ؛ قال معناه الحسن .

والخرج والخراج واحد ، إلا أن اختلاف الكلام أحسن ؛ قاله الأخفش .

وقال أبو حاتم : الخرج الجعل ، والخراج العطاء .

المبرد : الخرج المصدر ، والخراج الاسم .

وقال النضر بن شميل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال : الخراج ما لزمك ، والخرج ما تبرعت به .

وعنه أن الخرج من الرقاب ، والخراج من الأرض .

ذكر الأول الثعلبي ، والثاني الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أو منعهم من اتباعك يا محمد، أنك تسألهم على الإجابة أجرا { فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } يتكلفون من اتباعك، بسبب ما تأخذ منهم من الأجر والخراج، ليس الأمر كذلك{ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وهذا كما قال الأنبياء لأممهم: { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله }أي: ليسوا يدعون الخلق طمعا فيما يصيبهم منهم من الأموال، وإنما يدعون نصحا لهم، وتحصيلا لمصالحهم، بل كان الرسل أنصح للخلق من أنفسهم، فجزاهم الله عن أممهم خير الجزاء، ورزقنا الاقتداء بهم في جميع الأحوال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم تسألهم ) على ما جئتهم به ، ( خرجا ) أجرا وجعلا ( فخراج ربك خير ) أي : ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ، ( وهو خير الرازقين ) قرأ حمزة والكسائي : " خراجا " " فخراج " كلاهما بالألف ، وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف ، وقرأ الآخرون : " خرجا " بغير ألف " فخراج " بالألف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم تسألهم خرجا» أجرا على ما جئتهم به من الإيمان «فخراج ربك» أجره وثوابه ورزقه «خير» وفي قراءة خرجا في الموضعين وفي قراءة أخرى خراجا فيهما «وهو خير الرازقين» أفضل من أعطى وآجر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل أَمَنعهم من الإيمان أنك - أيها الرسول - تسألهم أجرًا على دعوتك لهم فبخلوا؟

لم تفعل ذلك، فإن ما عند الله من الثواب والعطاء خير، وهو خير الرازقين، فلا يَقدر أحد أن يَرزق مثل رزقه سبحانه وتعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى توبيخهم على كفرهم ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسألهم أجراً على ما ينقذهم من ظلمات هذا الكفر إلى نور الإيمان .

فقال - تعالى - ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً .

.

.

) أى : أجراً وجعلا وجزاء .

.

.أى : أيكون السبب فى عدم إيمانهم بك - أيها الرسول الكريم - أنك تسألهم أجرا على دعوتك لهم إلى إخلاص العبادة لنا؟لا : ليس الأمر كما يتوهمون ، فإنك لم تسألهم أجراً على دعوتك إياهم إلى الدخول فى الإسلام .والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ( أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ .

.

.

) وما بينهما اعتراض وقوله - سبحانه - : ( فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ) تعليل لنفى سؤالهم إياهم الأجر على دعوتهم إلى الحق .أى : أنت - أيها الرسول الكريم - ما طالتهم بأجر على دعوتك إياهم إلى الإيمان بالله - تعالى - وحده ، لأن ما أعطاك الله - تعالى - من خير وفضل أكبر وأعظم من عطاء هؤلاء الضعفاء الذين لا يستغنون أبداً عن عطائنا .

والله - تعالى - هو خير الرازقين ، لأن رزقه دائم ورزق غيره مقطوع ، ولأنه هو المالك لجميع الأرزاق ، وغيره لا يملك معه شيئاً .قال بعض العلماء : المراد بالخرج والخراج هنا : الأجر والجزاء والمعنى : أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيرى الدنيا والآخرة أجرا وأصل الخرج والخراج : هو ما تخرجه إلى كل عامل فى مقابلة أجرة أو جعل .وقرأ ابن عامر : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرْجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) - بإسكان الراء فيهما معاً وحذف الألف- .وقرأ حمزة والكسائي : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرَاجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) بفتح الراء بعدها ألف فيهما معاً - .وقرأ الباقون : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) بإسكان الراء وحذف الألف فى الأول وفتح الراء وإثبات الألف فى الثانى .والتحقيق : أن معنى اللفظين واحد ، وأنهما لغتان فصيحتان ، وقراءتان سبعيتان ، خلافاً لمن زعم أن بين معناها فرقاً زاعماً أن الخرج ما تبرعت به ، وأن الخراج ما لزمك أداؤه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك وهي أنه متى تليت آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد وهو قوله: ﴿ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ ﴾ أي تنفرون عن تلك الآيات وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه.

وثانيها: قوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ والهاء في (به) إلى ماذا تعود؟

فيه وجوه: أولها: إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به.

وثانيها: المراد مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها: أن تتعلق الباء بسامراً أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وهذا هو الأمر الثالث الذي يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجرون، والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع وقرئ سمراً وسامراً يهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش والهجر بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي.

ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه الأمور لابد وأن يكون لأحد أمور أربعة: أحدها: أن لا يتأملوا في دليل ثبوته وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ فبين أن القول الذي هو القرآن كان معروفاً لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ عن التناقض في طول عمره، ومن حيث ينبه على ما يلزمهم من معرفة الصانع ومعرفة الوحدانية فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق.

وثانيها: أن يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ جَاءهُمْ ما لم يأت آباءَهم الأولين ﴾ وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات عليها وكانت الأمم بين مصدق ناج، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أفما دعاهم ذلك إلى تصديق الرسول.

وثالثها: أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين.

ورابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ وهذا أيضاً ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد الاستحقار له.

ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال: ﴿ بَلْ جَاءهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ ﴾ فيه دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكي عن أبي طالب ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال: ﴿ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى، لكن لو صح ذلك لوقع الفساد في السموات والأرض على ما قررناه في دليل التمانع في قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ والثاني: أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهما منشأ المفسدة، والحق هو الإسلام.

فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه والثالث: أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال.

أما قوله: ﴿ بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ  لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ وقرئ بذكراهم.

ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً للنفرة فقال: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ ﴾ وقرئ خراجاً، قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ ﴿ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخلق خير.

فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة بعيدة عنه، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله لأجلها.

فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين ألبتة وأنهم محجوجون من جميع الوجوه، قال الجبائي دل قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ على أن أحداً من العباد لا يقدر على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده ودل أيضاً على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً ولولا ذلك لما جاز أن يقول: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ خراجا فخراج ﴾ و ﴿ خرجاً فخرج ﴾ و ﴿ خرجا فخراج ﴾ وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك.

وإلى كل عامل من أجرته وجُعله.

وقيل: الخرج: ما تبرعت به.

والخراج: ما لزمك أداؤه.

والوجه أنّ الخرج أخصّ من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى؛ ولذلك حسنت قراءة من قرأ: خرجاً فخراج ربك، يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ قِيلَ إنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ ﴿ أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

﴿ خَرْجًا ﴾ أجْرًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ رِزْقُهُ في الدُّنْيا أوْ ثَوابُهُ في العُقْبى.

﴿ خَيْرٌ ﴾ لِسِعَتِهِ ودَوامِهِ فَفِيهِ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْ عَطائِهِمْ والخَرْجُ بِإزاءِ الدَّخْلِ يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ، والخَراجُ غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ فَيَكُونُ أبْلَغَ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عَطاءِ اللَّهِ إيّاهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «خَرْجًا فَخَرْجُ» وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خَراجًا فَخَراجُ» لِلْمُزاوَجَةِ.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ تَعالى.

﴿ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى اسْتِقامَتِهِ لا عِوَجَ فِيهِ يُوجِبُ اتِّهامَهم لَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ في هَذِهِ الآياتِ بِأنْ حَصَرَ أقْسامَ ما يُؤَدِّي إلى الإنْكارِ والِاتِّهامِ وبَيَّنَ انْتِفاءَها ما عَدا كَراهَةَ الحَقِّ وقِلَّةَ الفِطْنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ} حجازي وبصرى وعاصم خرجا فخرج على وحمزة شامى خراجا فخراج وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك وإلى كل عامل من أجرته وجعله والخرج أخص من الخراج تقول خراج القرية وخرج الكوفة فزيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذا حسنت القراءة الأولى يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من الخالق خير من {وَهُوَ خَيْرُ الرازقين} أفضل المعطين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ فَهو انْتِقالٌ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، وغَيَّرَ لِلْخِطابِ لِمُناسَبَتِهِ ما بَعْدَهُ، وكانَ المُرادُ أمْ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَسْألُهم عَلى أداءِ الرِّسالَةِ ﴿ خَرْجًا ﴾ أيْ جَعْلًا فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ بِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ أيْ رِزْقِهِ في الدُّنْيا وثَوابِهِ في الآخِرَةِ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ السُّؤالِ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ أيْ لا تَسْألُهم ذَلِكَ فَإنَّ ما رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والعُقْبى خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لِسِعَتِهِ ودَوامِهِ وعَدَمِ تَحَمُّلِ مِنَّةِ الرِّجالِ فِيهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَشْرِيفِهِ  ما لا يَخْفى.

«والخَرْجُ» بِإزاءِ الدَّخْلِ يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ والخَراجُ غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ فَيَكُونُ أبْلَغَ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عَطاءِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ والخَراجُ ما لَزِمَكَ واللُّزُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى إنَّما هو لِفَضْلِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ الخَرْجُ أعَمُّ مِنَ الخَراجِ وساوى بَيْنَهُما بَعْضُهم.

وقَرَأ عامِرٌ «خَرْجًا فَخَرَجَ» وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خَراجًا فَخَراجٌ» لِلْمُشاكَلَةِ وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى «خَرَجا فَخَرَجَ» وكَأنَّ اخْتِيارَ ﴿ خَرْجًا ﴾ في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى قُوَّةٍ تُمَكِّنُهم في الكُفْرِ واخْتِيارِ «خَرَجا» في جانِبِهِ تَعالى لِلْمُبالَغَةِ في حَطِّ قَدْرِ خَراجِهِمْ حَيْثُ كانَ المَعْنى فالشَّيْءُ القَلِيلُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرٌ مِن كَثِيرِهِمْ فَما الظَّنُّ بِكَثِيرِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّ مَن كانَ خَيْرَ الرّازِقِينَ يَكُونُ رِزْقُهُ خَيْرًا مِن رِزْقِ غَيْرِهِ.

واسْتَدَلَّ الجِبائِيُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ وعَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أصله: يتدبروا فأدغم التاء في الدال، يعني: ألم يتفكروا في القرآن؟

أَمْ جاءَهُمْ من الأمان مَّا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، معناه: جاءهم الذي لم يجىء آباءهم الأولين، وهذا كقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] وقال الكلبي: أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من البراءة من العذاب.

ثم قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، يعني: نسبة رسولهم.

فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، يعني: جاحدين.

قال أبو صالح: عرفوه ولكن حسدوه.

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، يعني: بل يقولون به جنون.

بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، يعني: الرسول  بالرسالة والقرآن من عند الله عز وجل، أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله.

وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ، يعني: جاحدين مكذبين، وهم الكفار.

قوله عز وجل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ، والحق هو الله تعالى، يعني: لو اتبع الله أهواءهم أي: مرادهم، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، يعني: لهلكت، لأن أهواءهم ومرادهم مختلفة ويقال: لو كانت الآلهة بأهوائهم، كما قالوا: لفسدت السموات، كقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] .

ثم قال: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، يعني: أنزلنا إليهم جبريل  بعزهم وشرفهم، لأن رسول الله  منهم.

فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ، يعني: عن القرآن، أي تاركوه لا يؤمنون به.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، قرأ حمزة والكسائي خراجاً.

فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، يعني: فثواب ربك خير، ويقال: قوت ربك من الحلال خير من جعلهم وثوابهم.

وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، أي أفضل الرازقين.

قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: دين مستقيم وهو الإسلام لا عوج فيه.

وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، يعني: لا يصدقون بالبعث عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ، أي عن الدين لعادلون ومائلون.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا كَما يُحِبُّونَ.

وعَلى الثّانِي: لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ مِن جَعْلِ شَرِيكٍ لِلَّهِ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما فِيهِ شَرَفُهم وفَخْرُهم، وهو القُرْآنُ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ؛ أيْ: قَدْ تَوَلَّوْا عَمّا جاءَهم مِن شَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( بَلْ أتَيْناهم بِذِكْراهم فَهم عَنْ ذِكْراهم مُعْرِضُونَ ) بِألِفٍ فِيهِما.

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ عَمّا جِئْتَهم بِهِ، ﴿ خَرْجًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ، [ ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ ] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( خَرْجًا فَخَرْجُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ، ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

ومَعْنى " خَرْجًا ": أجْرًا ومالًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: فَما يُعْطِيكَ رَبُّكَ مِن أجْرِهِ وثَوابِهِ، ﴿ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرّازِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: أفْضَلُ مَن أعْطى، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهم أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا، لا أنَّهُ قَدْ سَألَهم.

والنّاكِبُ: العادِلُ، يُقالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ أيْ: عَدَلَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِراطِ لَناكِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهم كَأنَّهُ قالَ: أمْ سَألْناهم مالًا فَقَلِقُوا بِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؟

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خَراجًا فَخَراجُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "خَرَجًا فَخَراجُ".

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: "خُرْجًا فَخَرَجَ"، وهو المالُ الَّذِي يُجْبى ويُؤْتى بِهِ لِأوقاتٍ مَحْدُودَةٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الخَرْجُ الجُعْلُ مَرَّةً واحِدَةً، والخَراجُ ما تَرَدَّدَ لِأوقاتٍ ما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فَرْقٌ اسْتِعْمالِيٌّ، وإلّا فَهُما في اللُغَةِ بِمَعْنى، وقَدْ قُرِئَ "خَراجًا" في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ ثَوابُهُ، سَمّاهُ خَراجًا مِن حَيْثُ كانَ مُعادِلًا لِلْخَراجِ في هَذا الكَلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَخَراجُ رَبِّكَ رِزْقُ رَبِّكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ .

و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ": دِينُ الإسْلامِ.

و"ناكِبُونَ" مَعْناهُ: عادِلُونَ ومُعْرِضُونَ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- عنهم أنَّهم لَوْ زالَ عنهُمُ القَحْطُ ومَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ ورَحِمَهم بِذَلِكَ لَبَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي أصابَتْ فِيها قُرَيْشًا السُنُونُ الجَدْبَةُ والجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولَ اللهِ -  - في قَوْلِهِ: «اللهم سَبْعًا كَسِنِيِّ يُوسُفَ...» الحَدِيثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(أم) عاطفة على ﴿ أم يقولون به جنة ﴾ [المؤمنون: 70] وهي للانتقال إلى استفهام آخر عن دواعي إعراضهم عن الرسول واستمرار قلوبهم في غمرة.

والاستفهام المقدر هنا إنكاري، أي ما تسألهم خرجاً فيعتذروا بالإعراض عنك لأجله شحاً بأموالهم.

وهذا في معنى قوله تعالى ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ﴾ [سبأ: 47] على سبيل الفرض، والتقدير: إن كنتُ سألتكم أجراً فقد رددته عليكم فماذا يمنعكم من اتباعي.

وقوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مَغرم مُثقلون ﴾ [القلم: 46] كل ذلك على معنى التهكم.

وأصرح منهما قوله تعالى ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ [الشورى: 23].

وهذا الانتقال كان إلى غرض نفي أن يكون موجب إعراضهم عن دعوة الرسول جائياً من قِبله وتسببه بعد أن كانت الاستفهامات السابقة الثلاثة متعلقة بموجبات الإعراض الجائية من قبلهم، فالاستفهام الذي في قوله ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ إنكاري إذ لا يجوز أن يصدر عن الرسول ما يوجب إعراض المخاطبين عن دعوته فانحصرت تبعة الإعراض فيهم.

والخرج: العطاء المعيّن على الذوات أو على الأرضين كالإتاوة، وأما الخراج فقيل هو مرادف الخرج وهو ظاهر كلام جمهور اللغويين.

وعن ابن الأعرابي: التفرقة بينهما بأن الخرج الإتاوة على الذوات والخراج الإتاوة على الأرضين.

وقيل الخرج: ما تبرع به المعطي والخراج: ما لزمه أداؤه.

وفي «الكشاف»: والوجه أن الخرج أخص من الخراج (يريد أن الخرج أعم كما أصلح عبارته صاحب «الفرائد» في نقل الطيبي) كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ ﴿ خرجاً فخراج ربك خير ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير» اه.

وهذا الذي ينبغي التعويل عليه لأن الأصل في اللغة عدم الترادف.

هذا وقد قرأ الجمهور ﴿ أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير ﴾ .

وقرأ ابن عامر ﴿ خرجاً فخرج ربك ﴾ .

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير ﴾ .

فأما قراءة الجمهور فتوجيهها على اعتبار ترادف الكلمتين أنها جرت على التفنن في الكلام تجنباً لإعادة اللفظ في غير المقام المقتضي إعادة اللفظين مع قرب اللفظين بخلاف قوله تعالى ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ﴾ [سبأ: 47] فإن لفظ أجر أعيد بعد ثلاثة ألفاظ.

وأما على اعتبار الفرق الذي اختاره الزمخشري فتوجيهها باشتمالها على التفنن وعلى محسن المبالغة.

وأما قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فتوجيهها على طريقة الترادف أنهما وردتا على اختيار المتكلم في الاستعمال مع محسن المزاوجة بتماثل اللفظين.

ولا توجهان على طريقة الزمخشري.

قال صاحب «الكشاف»: ألزمهم الله الحجة في هذه الآيات (أي قوله ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ [المؤمنون: 68] إلى هنا) وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يُعْرَض له حتى يدّعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل.

واستهتارهم بدين الآباء الضُّلاَّل من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتُهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر» اه.

وجملة ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ معترضة تكميلاً للغرض بالثناء على الله والتعريف بسعة فضله.

ويفيد تأكيداً لمعنى ﴿ فخراج ربك خير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في الحَقِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

الثّانِي: أنَّهُ التَّنْزِيلُ أيْ لَوْ نَزَلَ بِما يُرِيدُونَ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ.

وَفِي اتِّباعِ أهْوائِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوِ اتُّبِعَ أهْواءَهم فِيما يَشْتَهُونَهُ.

الثّانِي: فِيما يَعْبُدُونَهُ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ تَدْبِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها مُدَبَّرَةٌ بِالحَقِّ لا بِالهَوى.

الثّانِي: لَفَسَدَتْ أحْوالُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها جارِيَةٌ بِالحِكْمَةِ لا عَلى الهَوى.

﴿ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ أيْ ولَفَسَدَ مَن فِيهِنَّ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَن يَعْقِلُ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وإنْسِ الأرْضِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي ما بَيْنَهم مِن خَلْقٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَتَكُونُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلْبِيِّ، وقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما لا يَعْقِلُ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، وعَلى ظاهِرِ التَّنْزِيلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ، لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ تابِعٌ لِما يَعْقِلُ في الصَّلاحِ والفَسادِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ الفَسادِ ما يَعُودُ عَلى مَن في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ بِأنْ جَعَلَتْ أرْبابًا وهي مَرْبُوبَةٌ، وعُبِدَتْ وهي مُسْتَعْبَدَةٌ.

وَفَسادُ الإنْسِ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِ الهَوى.

وَذَلِكَ مُهْلِكٌ.

الثّانِي: بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

وَذَلِكَ كُفْرٌ.

وَأمّا فَسادُ الجِنِّ فَيَكُونُ بِأنْ يُطاعُوا فَيَطْغَوْا.

وَأمّا فَسادُ ما عَدا ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِأنَّهم مُدَبَّرُونَ بِذَوِي العُقُولِ.

فَعادَ فَسادُ المُدَبِّرِينَ عَلَيْهِمْ.

﴿ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنى بِبَيانِ الحَقِّ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِشَرَفِهِمْ لِأنَّ الرَّسُولَ  مِنهم.

والقُرْآنُ بِلِسانِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِذِكْرِ ما عَلَيْهِمْ مِن طاعَةٍ ولَهم مِن جَزاءٍ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَهم عَنِ القُرْآنِ مُعْرِضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَنْ شَرَفِهِمْ مُعْرِضُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا ﴾ يَعْنِي أمْرًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرِزْقُ رَبِّكَ في الدُّنْيا خَيْرٌ مِنهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: فَأجْرُ رَبِّكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَذَكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الفَرْقَ بَيْنَ الخَرْجِ والخَراجِ فَقالَ: الخَرْجُ مِنَ الرِّقابِ: والخَراجُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَعادِلُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَحائِدُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَتارِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: لَمُعْرِضُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ قال: إذاً والله كانوا يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم ﴾ قال: عرفوه، ولكن حسدوه وفي قوله: ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ قال: الحق الله عزوجل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: بينا لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: هذا القرآن، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً ﴾ يقول: أم تسألهم على ما أتيناهم به جعلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ خرجاً ﴾ قال: أجراً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الخرج وما قبلها من القصة لكفار قريش.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خَرَجاً ﴾ بغير ألف ﴿ فخراج ربك ﴾ بالألف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ قال: ما فيه عوج.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له «أسلم.

فتعصب له ذلك وكبر عليه.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه؟

قال: نعم.

قال: فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت فيه.

وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك الطريق لو دعيت إليه» وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم «لقي رجلاً فقال له أسلم.

فصعده ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت فتييك أحدهما إن حدث صدقك وإن أمنته أدى إليك؟

والآخر إن حدث كذبك وإن ائتمنته خانك؟

قال: بلى.

فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا أمنته أدى إلي.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كذاكم أنت عند ربكم» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ﴾ قال: عن الحق عادلون.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ﴾ قال: الجوع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد مالا يعطونك.

وقال مقاتل: يعني لم يسألهم محمدٌ أجرًا على الإيمان بالقرآن (١) وقال أبو إسحاق: أي لم تسألهم على ما أتيتهم به أجرا (٢) قوله: ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ قال ابن عباس: فعطاء ربك خير (٣) وقال مقاتل: فأجر ربك أفضل من خراجهم (٤) والمعنى: أنّ أجر ربك وثوابه خير لك.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ أفضل من أعطى وأجزل (٥) وقال أهل المعاني: قد دلت الآية على أن غير الله يرزق، ولولا ذلك لم يجز ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ (٦) ويقال: رزق الأمير جنده فارتزقوا ارتزاقا (٧) (١) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.

(٣) ذكر البغوي 5/ 424 وابن الجوزي 5/ 485 هذا المعنى من غير نسبة لأحد.

وذكره أبو حيان 6/ 415 نحو هذا المعنى عن الكلبي.

(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.

(٥) (وأجزل): ساقطة من (أ)، (ظ).

(٦) ذكر الرازي 23/ 112 هذا القول وعزاه للجبَّائي.

(٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 429 (رزق) منسوبًا إلى الليث.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ الخرج هو الأجرة ويقال فيه: خراج والمعنى واحد، وقرئ بالوجهين في الموضعين فهو كقوله أم تسألهم أي لست تسألهم أجراً فيثقل عليهم اتباعك ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ أي رزق ربك خير من أموالهم فهو يرزقك ويغنيك عنهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.

الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.

الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.

الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.

﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.

والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.

ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.

وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.

الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.

وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.

وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.

الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.

الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.

ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.

والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله  قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.

وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.

قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.

وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.

وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.

وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.

وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.

الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.

والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.

أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.

﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.

﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.

وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه  قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.

﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.

﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.

ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله  فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .

فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.

والجؤار الصراخ باستغاثة.

ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.

ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".

وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.

والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.

ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.

والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله  والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.

الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.

ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

عن النبي  "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟

الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.

ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.

ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.

ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين  ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.

وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.

وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.

ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.

"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله  فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟

فقال: بلى.

فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.

والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.

ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.

ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.

ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.

وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.

وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.

وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.

وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.

ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.

وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.

ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.

وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.

ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.

وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.

ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.

ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.

التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.

﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.

﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: في عماية وجهالة وغفلة، ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : من الكتاب الذي فيه أعمالهم، وأحصى عليهم.

وقال قائلون في قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : أي: من هذا القرآن الذي ينطق بالحق، أي: قلوبهم في عماية وغفلة من هذا القرآن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ من الأعمال التي ذكر للمؤمنين فيما تقدم: من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من أعمالهم، فأخبر أن قلوب أولئك الكفرة في غفلة وعماية من الأعمال التي عملها المؤمنون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من دون ما عمل أولئك الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها: من قوله: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ على ما ذكر، ثم أخبر أن لهم أعمالا دون ما ذكر.

وقال قائلون: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ﴾ ، يعني: المؤمنين الذين ذكر أعمالهم، أي: لهم أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه.

لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ أي: يتضرعون.

ويقول أيضاً: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ فإنما يخبر: أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ؛ فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع، أو ينهاهم عن التضرع بقوله: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؛ فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 84]؛ مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 76\]: ذكر في عذاب الدنيا أنهم لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم، [و] لا يقبل منهم التضرع والاستكانة؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ .

أي: لا تمنعون من عذابه.

وقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ترجعون على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم؛ فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم.

أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم عند جميع من رآه وعاينه؛ لهذا شبه به وضرب مثله به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالبيت.

ووجه هذا: أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم الله، وأهل سائر البقاع في خوف - ظنوا أن ذلك لهم؛ لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند الله؛ فحملهم ذلك على الاستكبار على رسول الله ومن تابعه.

وقال بعضهم: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، أي: بالقرآن وتأويله، أي: استكبروا على الله ورسوله لما نزل القرآن، وإضافة الاستكبار إلى القرآن؛ لأنهم بنزوله تكبروا على الله؛ فأضاف استكبارهم إليه؛ لأنه كان سبب تكبرهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ...

فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 124-125]: أضاف زيادة رجسهم إلى السورة؛ لما بها يزداد رجسهم وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجساً في الحقيقة.

وقوله: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ .

قال الزجاج: السامر: هو ظل القمر، فيه كانوا يهجرون، والسمر: هو حديث بالليل.

قوله: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قال قائلون: تهتدون.

وقال بعضهم: تهجرون القرآن، أي: كانوا لا يعملون به ولا يعبئون؛ فهو الهجر، وفيه لغة أخرى: تُهْجِرُون، وهو كلام الفحش والفساد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

قيل: أي: في القرآن؛ يحتمل قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ أي: فهلا دبروا ذلك القول الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ ، أي: قد دبّروا القول، لكنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له؛ أنفا واستكباراً؛ أو لا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] لا يحتمل ألا يدبروا فيه؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له.

قال أبو عوسجة: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ، أي: يستغيثون، قال: وأصله من الصياح.

وقال بعضهم: ﴿ يَجْأَرُونَ ﴾ : يصرخون.

وقيل: يصيحون.

وقيل: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ ما ذكرنا من الحديث بالليل، ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ ، أي: تهذون كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض.

قال: وأهجر يهجر، من الهُجْر: وهو الفحش، وَهَجَّر يُهجِّر: إذا سار في الهاجرة، وهي شدة الحرّ.

وقوله: ﴿ تَنكِصُونَ ﴾ : قال بعضهم: ترجعون، وقال بعضهم: تستأخرون؛ كقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ : ترجعون، وتستأخرون واحد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على ترك التدبر فيه والتفكر، والإعراض عنه، أي: لم يدبّروا فيه، ولم يتفكروا.

والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبّروا فيه، وعرفوا أنه منزل من الله، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمرداً [و] إشفاقاً على ذهاب رياستهم، وطمعاً في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج الله وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، حيث استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.

وظاهر قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا يجوز أن يستفهم الله أحداً؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.

وقوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من الرسل، ثم [لم] يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ فكيف أنكروه؟!

ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ : قد أقرّوا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ ﴾ .

أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين؛ عناداً وتكبرا؛ إشفاقاً على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 146].

وعلى هذا، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : جاء هؤلاء ما لم يأت آباءهم، وخصّ هؤلاء ما لم يخص آباءهم.

وكذلك قال ابن عباس: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : إلى ما ذكر من قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه، ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ ، أي: تفكروا فيه؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه، أو على ما ذكرنا: أنهم تفكروا وعرفوا: أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على أتباعهم وسفلتهم؛ إشفاقاً على إبقاء ما ذكرنا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : من البراءة من العذاب.

وقوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

بالرسالة والقرآن من عند الله، وجعل العبادة [له] من دون الأصنام التي عبدوها.

[وقوله:] ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ .

كرهوا الحق؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم على أتباعهم، بعد معرفتهم أنه حق، أو كرهوا؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق، وإلا [لا] أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه؛ إلا للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الحق - هاهنا - هو الله، أي: لو تبع الله أهواءهم في كفرهم وشركهم ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ ، وتأويل هذا أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن.

وقال بعضهم: الحق - هاهنا - كتاب الله، وهو القرآن على ما يهوون هم؛ ليفسد ما ذكر؛ لأنه يكون خارجاً عن الحكمة.

وجائز أن يوصل قوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ الحق الذي سبق ذكره، وهو قوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، أي: لو اتبع ذلك الحق أهواءهم وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير الله، وتسميتهم إياها آلهة، وإنكارهم البعث والتوحيد، وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها - لفسدت السماوات والأرض وما ذكر؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل، بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق، [و] من أجلها أنشئ، كذلك؛ إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة، والله أعلم بذلك.

وجائز أن يكون الحق هو رسول الله، أي: رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر.

وقوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: لشرفهم وذكرهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ .

[وقوله:] ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ  ﴾ .

أي: عن شرفهم معرضون.

وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي: لو قبلوا ذلك الحق الذي [جاءهم] وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم؛ كما يُذكر أصحاب رسول الله من بعد ما ماتوا؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون: أنا من بني فلان؛ فيبرّهم الناس بذلك ويكرمونهم، وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك؛ فذلك يدل على ما ذكرنا.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ الثناء عليهم أن لو آمنوا؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ...

﴾ الآية [التوبة: 100]، ونحو ذلك مما أثنى الله على من آمن منهم؛ فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ ، أي: يُدعى لهم، وهو ما دعا الملائكة والرسل للمؤمنين، كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [غافر: 7]، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ  ﴾ ، وقول نوح: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، وقول إبراهيم ودعائه لهم: لو آمنوا استوجبوا دعاء هؤلاء الملائكة والرسل جميعاً، أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة؛ كما بقي ذكر أولئك الذين آمنوا به وصدقوه؛ فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم؛ على ما قاله أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ .

جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: قد عرفوا رسلهم، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: ليس به جنة، أي: ليس به شيء يمنعهم عن الإجابة والإيمان به بما يعذرونهم في ترك الإيمان به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ ، أي: لم تسألهم أجراً على ما تدعوهم إليه حتى يمنعهم ثقل ذلك الأجر عن إجابته وتصديقه؛ كقوله - أيضاً -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ يقطع ما ذكر جميع أعذارهم وحجاجهم، وإن لم يكن عذر ولا حجة في ترك الإجابة له.

وقال بعضهم: الخراج: الرزق، أي: لا تسألهم رزقاً، ثم أخبر: ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هل طلبت -أيها الرسول- أجرًا من هؤلاء على ما جئتهم به، وذلك جعلهم يرفضون الدعوة؛ هذا لم يحدث منك، فثواب ربك وأجره خير من ثواب هؤلاء وغيرهم، وهو -سبحانه- خير الرازقين.

<div class="verse-tafsir" id="91.6z6NL"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله