الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٩ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ) أي : أنتم - أيها المؤمنون - تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان ، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم ، لا باطنا ولا ظاهرا ( وتؤمنون بالكتاب كله ) أي : ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب ، وهم عندهم الشك والريب والحيرة .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وتؤمنون بالكتاب كله ) أي : بكتابكم وكتابهم ، وبما مضى من الكتب قبل ذلك ، وهم يكفرون بكتابكم ، فأنتم أحق بالبغضاء لهم ، منهم لكم .
رواه ابن جرير .
( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) والأنامل : أطراف الأصابع ، قاله قتادة .
وقال الشاعر : أود كما ما بل حلقي ريقتي وما حملت كفاي أنملي العشرا وقال ابن مسعود ، والسدي ، والربيع بن أنس : ( الأنامل ) الأصابع .
وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة ، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه ، كما قال تعالى : ( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) وذلك أشد الغيظ والحنق ، قال الله تعالى : ( قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) أي : مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم ، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ، ومكمل دينه ، ومعل كلمته ، ومظهر دينه ، فموتوا أنتم بغيظكم ( إن الله عليم بذات الصدور ) أي : هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم ، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين ، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون ، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها ، فلا خروج لكم منها .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم =" لا تتخذوا بطانة من دونكم "، يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم =" من دونكم " يقول: من دون أهل دينكم وملَّتكم، يعني من غير المؤمنين.
* * * وإنما جعل " البطانة " مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه -في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه- محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه.
* * * فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن &; 7-139 &; مخالَّتهم، (12) فقال تعالى ذكره: " لا يألونكم خبالا " ، يعني لا يستطيعونكم شرًّا ، من " ألوت آلُو ألوًا " ، يقال: " ما ألا فلان كذا " ، أي: ما استطاع ، كما قال الشاعر: (13) جَـهْرَاءُ لا تَـأْلُو، إذَا هِـيَ أَظْهَـرَتْ، بَصَــرًا، وَلا مِــنْ عَيْلَـةٍ تُغْنِينـي (14) يعني: لا تستطيع عند الظهر إبصارًا.
* * * وإنما يعني جل ذكره بقوله: " لا يألونكم خبالا "، البطانةَ التي نهى المؤمنين &; 7-140 &; عن اتخاذها من دونهم، فقال: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالا أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال.
(15) * * * وأصل " الخبْل " و " الخبال "، الفساد، ثم يستعمل في معان كثيرة، يدل على ذلك الخبرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم: 7679-" من أصيب بخبْل = أو جرَاح ".
(16) * * * وأما قوله: " ودوا ما عنِتُّم "، فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول: يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم.
(17) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطوهم حلفائهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودَّة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.
*ذكر من قال ذلك: 7680- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، قال محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنـزل الله عز وجل فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم (18) تخوُّف الفتنة عليهم منهم: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم " إلى قوله: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ .
(19) 7681- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا "، في المنافقين من أهل المدينة.
نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولَّوهم.
7682- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم "، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، (20) أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين.
(21) 7683- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " لا تتخذوا بطانة من دونكم "، هم المنافقون.
7684- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن &; 7-142 &; الربيع، قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا "، يقول: لا تستدخلوا المنافقين، (22) تتولوهم دون المؤمنين.
7685- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا قال: فلم ندر ما ذلك، حتى أتوا الحسن فسألوه، فقال: نعم، أما قوله: " لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا "، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم " محمد "، وأما قوله: " ولا تستضيئوا بنار أهل الشرك "، فإنه يعني به المشركين، يقول: لا تستشيروهم في شيء من أموركم.
قال: قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ".
(23) .
7686- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم "، أما " البطانة "، فهم المنافقون.
7687- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم " الآية، قال: لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه.
(24) 7688- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم " الآية، قال: هؤلاء المنافقون.
وقرأ قوله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ الآية.
* * * قال أبو جعفر: واختلفوا في تأويل قوله: " ودّوا ما عنِتُّم ".
فقال بعضهم معناه: ودوا ما ضللتم عن دينكم.
(25) *ذكر من قال ذلك: 7689- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ودوا ما عنتم "، يقول: ما ضللتم.
* * * وقال آخرون بما:- 7690- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ودوا ما عنتم "، يقول: في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتُوا في دينكم.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " ودوا ما عنتم "، فجاء بالخبر عن " البطانة "، بلفظ الماضي في محل الحال، والقطع بعد تمام الخبر، والحالات لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها؟
(26) .
قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أنّ قوله: " ودوا ما عنتم " حال من " البطانة "، وإنما هو خبر عنهم ثان منقطعٌ عن الأول غير متصل به.
وإنما تأويل الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا، صفتهم كذا.
فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى، وإن كانتا جميعًا من صفة شخص واحد.
* * * وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله: " ودوا ما عنتم "، من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله: " لا يألونكم خبالا "، فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام " البطانة " بصلته.
(27) ولكن القول في ذلك كما بينا قبل، من أن قوله: " ودوا ما عنتم "، خبر مبتدأ عن " البطانة "، غير الخبر الأول، وغير حال من البطانة ولا قطع منها.
(28) .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم =" من أفواههم "، يعني بألسنتهم.
والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، (29) إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة.
فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك.
فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة.
* * * وقد قال بعضهم: معنى قوله: " قد بدت البغضاء من أفواههم "، قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان، إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر، بإطلاع بعضهم بعضًا على ذلك.
وزعم قائلو هذه المقالة أنّ الذين عنوا بهذه الآية أهل النفاق، دون من كان مصرحًا بالكفر من اليهود وأهل الشرك.
* ذكر من قال ذلك: 7691- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة، قوله: " قد بدت البغضاء من أفواههم "، يقول: قد بدت البغضاء من أفواهُ المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم.
7692- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قد بدت البغضاء من أفواههم "، يقول: من أفواه المنافقين.
* * * وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له.
وذلك أن الله تعالى &; 7-146 &; ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله والبغضاء، إما بأدلة ظاهرة دالة على أنّ ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم.
فأما من لم يُثبِتوه معرفةً أنه الذي نهاهم الله عز وجل عن مخالَّته ومباطنته، (30) فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته، إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها.
وإذْ كان ذلك كذلك = وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرِك به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودد إليهم = كان بيِّنًا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم، على ما وصفهم الله عز وجل به، فعرَفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب.
لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمر فيهم على ما قد بينا.
ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهُر المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقدٌ من يهود بني إسرائيل.
* * * و " البغضاء "، مصدر.
وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: ( قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ )، على وجه التذكير.
وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم، فيجوز تذكيرُ ما خرج منها &; 7-147 &; على لفظ المؤنث وتأنيثه، كما قال عز وجل: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [سورة هود: 67]، وكما قال: فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [سورة الأنعام: 157]، وفي موضع آخر: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [سورة هود: 94] قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [سورة الأعراف: 73 ، 85 ] (31) * * * وقال: " من أفواههم "، وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن المعنيّ به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال: " قد بدت البغضاء من أفواههم " بألسنتهم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي تخفي صدورهم = يعني: صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة، فتخفيه عنكم، أيها المؤمنون =" أكبر "، يقول: أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم.
كما:- 7693- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وما تخفي صدورهم أكبر "، يقول: وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.
7694- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " وما تخفي صدورهم أكبر " يقول: ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.
* * * القول في تأويل قوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قد بينا لكم " أيها المؤمنون =" الآيات "، يعني بـ" الآيات " العبر.
قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهيناكم أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين، ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم =" إن كنتم تعقلون "، يعني: إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم.
--------------------- الهوامش : (12) في المطبوعة: "فحذرهم بذلك منهم عن مخاللتهم" ، فك إدغام اللام وحذف الواو قبل"عن" ، وفي المخطوطة"وعن مخالتهم" ، والصواب في قراءتها ما أثبت ، إلا أن يكون سقط من الكلام"نهاهم" فيكون"ونهاهم عن مخالتهم".
(13) هو أبو العيال الهذلي .
(14) ديوان الهذليين 2: 263 ، الحيوان 3: 535، المعاني الكبير: 690، اللسان (ألا) (جهر).
من شعر جيد في مقارضات بينه وبين بدر بن عامر الهذلي، قال بدر بن عامر أبياتًا، حين بلغه أن ابن أخ لأبي العيال، أنه ضلع مع خصمائه، فانتفى من ذلك وزعم أنه ليس ممن يأتي سوءًا إلى أخيه أبي العيال، فكذبه أبو العيال، فبادر بدر يرده.
وكله شعر حسن في معناه.
فشبه أبو العيال شعر بدر فيه وفي الثناء عليه بالشاة فقال له: أَقْسَــمْتَ لا تَنْسَـى شَـبابَ قَصِيـدَةٍ أبــدًا!!
فَمَـا هـذا الَّـذِي يُنْسِـينِي? فَلَسَــوْفَ تَنْسَــاهَا وَتَعْلَــمُ أَنَّهـا تَبَــعٌ لآبِيَــةِ العِصَــابِ زَبُــونِ وَمَنَحْــتَني فَـرَضِيتُ زِىَّ مَنِيحَـتي فَــإِذَا بِهَـا، وَأَبِيـكَ، طَيْـفُ جُـنُونِ جَــهْرَاءَ لا تَـأْلُو...................
....................................
والجهراء: هي التي لا تبصر في الشمس، وهو ضعف في البصر.
ويقال:"عال يعيل عيلا وعيلة" افتقر.
يقول: أهديت لي شعرًا وثناء وقولا فرضيته، ثم إذا لا شيء إلا قول وكلام، إذا انكشف الأمر وظهر، عمى هذا الشعر وانطفأ، وإذا جد الجد، لم يغن قولك شيئًا، بل كنت كما قلت لك آنفًا: فَلَقَـد رَمَْقُتـك فِـي المجَـالِسِ كلِّهَـا فَــإِذَا، وأنـتَ تُعِيـنُ مـن يَبْغِينـي" (15) لقد أبعد أبو جعفر المذهب في احتياله في تفسير"لا يألونكم" ، فإن بيان أهل اللغة عن معنى هذا الحرف من العربية ، أصدق وأكمل من بيانه ، فقد ذكروا المعنى الذي ذكره ثم قالوا: "ما ألوت ذلك: أي ما استطعته؛ وما ألوت أن أفعله: أي ما تركت" وقالوا: "هي من الأضداد؛ ألا: فتر وضعف = وألا: اجتهد" ، فراجع ذلك في كتب العربية.
(16) الأثر: 7679- رواه أبو جعفر غير مسند؛ ورواه أحمد في مسنده 4: 31 ، والبيهقي في السنن 8: 53 ، ورواية أحمد من طريق شيخه"محمد بن سلمة الحراني ، عن ابن إسحاق = ويزيد بن هرون قال أنبأنا محمد بن إسحاق = عن الحارث بن فضيل ، عن فضيل ، عن سفيان بن أبي العوجاء -قال يزيد: السلمي- عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقال يزيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول-: من أصيب بدم أو خبل =الخبل: الجراح= فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص ، أو يأخذ العقل ، أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يده ، فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل ، فله النار خالدا فيها مخلدا".
يعني بالدم: قتل النفس -وبالخبل أو الجراح: قطع العضو.
وقد تركت ما في الطبري على حاله: "أو جراح" وبينت بالترقيم أنها كأنها رواية أخرى في قوله: "خبل" ، شك من الراوي.
ولكن سياق الخبر يرجح عندي أنها: "أي: جراح" ، لأنه قد جاء في الحديث نفسه تفسير"الخبل" بالجراح.
(17) انظر تفسير"العنت" فيما سلف 4: 358 - 361.
(18) في المطبوعة: "فنهاهم" بالفاء في أوله ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(19) الأثر: 7680- سيرة ابن هشام 2: 207 ، وهو تابع الأثرين السالفين رقم: 7644 ، 7645.
(20) قوله: "يستدخلوا" أي يتخذوهم أخلاء.
استدخله: اتخذه دخيلا ، مثل قولهم استصحبه: اتخذه صاحبًا ، والدخيل والمداخل: الذي يداخل الرجل في أموره كلها.
وهذا البناء"استدخله" مما أغفلته كتب اللغة ، وهو عربي معرق كما ترى.
(21) في المطبوعة: "أي يتولوهم" ، وفي المخطوطة: "أن يتولوهم" ، والصواب ما أثبت.
(22) انظر ص 141 ، تعليق: 3.
(23) الحديث: 7685- الأزهر بن راشد البصري: ثقة.
ترجمه البخاري في الكبير 1 / 1 / 455 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 313 - فلم يذكر فيه جرحا.
وهناك راو آخر ، اسمه"الأزهر بن راشد الكاهلي" ، وهو كوفي ، وهو غير البصري ، ومتأخر عنه.
وترجمه البخاري وابن أبي حاتم أيضا.
فإن البصري يروى عنه"العوام بن حوشب" المتوفي سنة 148 ، والكوفي الكاهلي يروى عنه"مروان بن معاوية الفزاري" المتوفي سنة 193.
ومروان بن معاوية من شيوخ أحمد.
والعوام بن حوشب من شيوخ شيوخه.
فشتان هذا وهذا.
ومع هذا الفرق الواضح أخطأ الحافظ المزي ، فذكر في التهذيب الكبير أن أبا حاتم قال في البصري: "مجهول".
وتبعه الحافظ في تهذيب التهذيب ، والذهبي في الميزان.
وزاد الأمر تخليطًا ، فذكر أنه ضعفه ابن معين .
وابن معين وأبو حاتم إنما قالا ذلك في الكاهلي الكوفي.
فروى ابن أبي حاتم في ترجمة"الكاهلي" 1 / 1 / 313 ، رقم: 1180 ، عن ابن معين ، قال: "أزهر بن راشد ، الذي روى عنه مروان بن معاوية: ضعيف".
ثم قال: "سألت أبي عن أزهر بن راشد؟
فقال: هو مجهول".
ولم يحقق الحافظ ابن حجر ، واشتبه عليه الكلام في الترجمتين ، فقال في ترجمة"الكاهلي" -بعد ترجمة"البصري"-: "أخشى أن يكونا واحدًا!
لكن فرق بينهما ابن معين".
والفرق بينهما كالشمس.
والحديث رواه أحمد في المسند: 11978 (ج 3 ص 99 حلبى) ، عن هشيم ، بهذا الإسناد - دون كلام الحسن ، وهو البصري.
ورواه البخاري كذلك في الكبير 1 / 1 / 455 - دون كلام الحسن ، عن مسدد ، عن هشيم ، به.
ثم فسر البخاري بعضه ، فقال: "قال أبو عبد الله [هو البخاري نفسه]: عربيًا ، يعني"محمد رسول الله".
يقول: لا تكتبوا مثل خاتم النبي: "محمد رسول الله".
ورواه أبو يعلى مطولا -مثل رواية الطبري أو أطول قليلا- وفيه كلام الحسن.
رواه عن إسحاق بن إسرائيل ، عن هشيم ، بهذا الإسناد.
نقله عنه ابن كثير 2: 227 ، ثم قال: "هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله.
وقد رواه النسائي ، عن مجاهد بن موسى ، عن هشيم ، به.
ورواه الإمام أحمد ، عن هشيم ، بإسناده مثله ، من غير ذكر تفسير الحسن البصري.
وهذا التفسير فيه نظر"- إلى آخر ما قال.
ولم أجده في سنن النسائي ، فلعله في السنن الكبرى.
وذكره السيوطي 2: 66 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.
ولم ينسبه للنسائي ، ولا لتاريخ البخاري.
(24) انظر: 141 ، تعليق: 3 / ص: 142 ، تعليق: 1.
(25) انظر تفسير"العنت" فيما سلف ص4: 358 - 361.
(26) انظر"القطع" فيما سلف 6: 270 ، تعليق: 3 ، وسائر فهارس المصطلحات.
(27) انظر تفسير"الصلة" فيما سلف 5: 299 ، تعليق: 5 ، وهو نعت النكرة.
(28) انظر"القطع" فيما سلف 6: 270 ، تعليق: 3 ، وسائر فهارس المصطلحات.
(29) في المخطوطة والمطبوعة: "بأفواههم" ، والصواب المطابق لنص هذه الآية ، هو ما أثبت.
(30) في المطبوعة: "فأما من لم يتئسوه معرفة" ، ولا معنى له ، وفي المخطوطة: "لم سوه معرفة" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
يقال: "أثبته معرفة" أي: عرفه حق المعرفة.
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 231.
قوله تعالى : هاأنتم أولاء تحبونهم يعني المنافقين ; دليله قوله وإذا لقوكم قالوا آمنا ; قاله أبو العالية ومقاتل .
والمحبة هنا بمعنى المصافاة ، أي أنتم أيها المسلمون تصافونهم ولا يصافونكم لنفاقهم .
وقيل : المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر .
وقيل : المراد اليهود ; قاله الأكثر .
والكتاب اسم جنس ; قال ابن عباس : يعني بالكتب .
واليهود يؤمنون بالبعض ; كما قال تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءهوإذا لقوكم قالوا آمنا أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وإذا خلوا فيما بينهم عضوا عليكم الأنامل يعني أطراف الأصابع من الغيظ والحنق عليكم ; فيقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا [ ص: 173 ] وكثروا .
والعض عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ; ومنه قول أبي طالب :يعضون غيظا خلفنا بالأناملوقال آخر :إذا رأوني أطال الله غيظهم عضوا من الغيظ أطراف الأباهيميقال : عض يعض عضا وعضيضا .
والعض ( بضم العين ) : علف دواب أهل الأمصار مثل الكسب والنوى المرضوخ ; يقال منه : أعض القوم ، إذا أكلت إبلهم العض .
وبعير عضاضي ، أي سمين كأنه منسوب إليه .
والعض ( بالكسر ) : الداهي من الرجال والبليغ المكر .
وعض الأنامل من فعل المغضب الذي فاته ما لا يقدر عليه ، أو نزل به ما لا يقدر على تغييره .
وهذا العض هو بالأسنان كعض اليد على فائت قريب الفوات .
وكقرع السن النادمة ، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم .
ويكتب هذا العض بالضاد الساقطة ، وعظ الزمان بالظاء المشالة ; كما قال :وعظ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفاوواحد الأنامل أنملة ( بضم الميم ) ويقال بفتحها ، والضم أشهر .
وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية .
قال ابن عطية : وهذه الصفة قد تترتب في كثير من أهل البدع إلى يوم القيامة .قوله تعالى : قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن قيل : كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء : كن فيكون .
قيل عنه جوابان : أحدهما : قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم .
أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا .
فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة بخلاف اللعنة .الثاني : إن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون ، فإن الموت دون ذلك .
فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة .
ويجري هذا المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو :ويتمنى في أرومتنا ونفقأ عين من حسداوينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى : من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع .[ ص: 174 ]
قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء المنافقين من أهل الكتاب، ومبينا شدة عداوتهم { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل إذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل } وهي أطراف الأصابع من شدة غيظهم عليكم { قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ضرركم لا يضرون إلا أنفسهم، وإن غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا يزالون معذبين به حتى يموتوا فيتنقلوا من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة.
( ها أنتم ) ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور ، ( أولاء ) اسم للمشار إليهم يريد أنتم أيها المؤمنون ، ( تحبونهم ) أي : تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من القرابة والرضاع والمصاهرة ، ( ولا يحبونكم ) هم لما بينكم من مخالفة الدين ، قال مقاتل : هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان ، ولا يعلمون ما في قلوبهم ، ( وتؤمنون بالكتاب كله ) يعني : بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم ، ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ) وكان بعضهم مع بعض ( عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) يعني : أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها ، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال ، وإن لم يكن ثم عض ، ( قل موتوا بغيظكم ) أي : ابقوا إلى الممات بغيظكم ، ( إن الله عليم بذات الصدور ) أي : بما في القلوب من خير وشر .
«ها» للتنبيه «أنتم» يا «أولاء» المؤمنون «تحبونهم» لقرابتهم منكم وصداقتهم «ولا يحبونكم» لمخالفتهم لكم في الدين «وتؤمنون بالكتاب كله» أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم «وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل» أطراف الأصابع «من الغيظ» شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم ويعبر عن شدة الغضب بِعَضِّ الأنامل مجازا وإن لم يكن ثم عض «قل موتوا بغيظم» أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم «إن الله عليم بذات الصدور» بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء.
ها هوذا الدليل على خطئكم في محبتهم، فأنتم تحبونهم وتحسنون إليهم، وهم لا يحبونكم ويحملون لكم العداوة والبغضاء، وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ومنها كتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم؟
وإذا لقوكم قالوا -نفاقًا-: آمنَّا وصدَّقْنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض بدا عليهم الغم والحزن، فعَضُّوا أطراف أصابعهم من شدة الغضب، لما يرون من ألفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وإعزاز الإسلام، وإذلالهم به.
قل لهم -أيها الرسول-: موتوا بشدة غضبكم.
إن الله مطَّلِع على ما تخفي الصدور، وسيجازي كلا على ما قدَّم مِن خير أو شر.
ثم ذكر - سبحانه - أموراً أخرى من شأنها أن تجعل المؤمنين يقلعون عن مباطنة ومصافاة أعدائهم فى الدين فقال : { هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } أى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبون هؤلاء الذين يخالفونكم فى عقيدتكم ، وتتمنون لهم الهداية والخير ، بينما هم لا يحبونكم ولا يريدون لكم إلا الشرور والهزائم والضعف .وفى هذه الجملة الكريمة عتاب ولوم للمؤمنين الذين يلقون إلى أعدائهم بالمودة ، ويكشفون لهم عن أسرارهم ودخائلهم .ز { هَآ } حرف تنبيه ، وقوله : { أَنْتُمْ } مبتدأ وقوله : { أولاء } خبره ، وقوله : { تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } كلام مستأنف لبيان خطئهم فى موالاتهم ومحبتهم لمن يبغضونهم ويخالفونهم فى الدين .وبعضهم جعل { أَنْتُمْ } مبتدأ ، وقوله : { أولاء } منادى حذف منه حرف النداء ، وقوله : { تُحِبُّونَهُمْ } هو الخبر عن المبتدأ .وبعضهم جعل جملة { تُحِبُّونَهُمْ } فى موضع نصب على الحال من اسم الإشارة الذى هو الخبر .والمراد بالكتاب فى قوله : { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ } جنس الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه .أى أنتم أيها المؤمنون تحبونهم وهم لا يحبونكم ، وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بشىء من كتابكم الذى أنزله الله على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم بطانة من دون إخوانكم المؤمنين؟
لا شك أن من يفعل ذلك يكون بعيدا عن الطريق القويم ، والعقل السليم .ثم بين - سبحانه - سبباً ثالثاً يدل على قبيح مخالطتهم ومصافاتهم فقال - تعالى - : { وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } .والعض هو الإمساك بالأسنان أى تحامل الأسنان بعضها على بعض .
يقال : عض يعض عضاً وعضيضاً إذا تحامل بأسنانه على الشىء .والأنامل جمع أنملة ، وهى أطراف الأصابع .
وقيل هى الأصابع .والغيظ : أشد الغضب .
وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم على المؤمنين .أى أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم وسوء ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وإذا خلوا ، أى خلا بعضهم ببعض أكل الحقد قلوبهم عليكم ، وسلقوكم بألسنة حداد ، وتمنوا لكم المصائب ، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ نحوكم بسبب ما يرونه من ائتلافكم ، واجتماع كلمتكم ، وعجزهم عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفى منكم .
وإلحاق الأضرار بين صفوفكم .ومن كان كذلك فى كفره ونفاقه ، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه؛ لأنه لا يزيد للمؤمنين إلا شرا .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين ويبقى حسرتهم فقال : { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } .والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم : ولكل مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون إلا الشر .أى : قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا .
فإن قوة الإسلام وعزة أهله التى جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر ، وإن أحقادكم على المسلمين لن تنقص من قوتهم وعلو كلمتهم شيئاً .فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا بهن وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم ويكبتهم وهو نجاح الإسلام وقوته .والباء فى قوله : { بِغَيْظِكُمْ } للملابسة ، أى موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم .وقوله : { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أى محيط بما خفى فيها ، ومطلع على ما يبيته هؤلاء المنافقون للمسلمين ، وسيحاسبهم عليه حسابا عسيراً .
ويعذبهم بسبب ذلك عذابا اليما .قال الجمل : وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، أخبر الله - تعالى - بذلك .
لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد .
ويحتمل أن تكون من جملة المقول ، أى قل لهم كذا وكذا فتكون فى محل نصب بالقول ، ومعنى قوله : { بِذَاتِ الصدور } أى بالمضمرات ذوات الصدور .فذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحبة الصدور .
وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها ، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار .وفى هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبى صلى الله عليه وسلم ولقلوب أصحابه .
حيث بين - سبحانه - لهم أنه ناصرهم ، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطانة لهم .
واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال السيد السرخسي سلمه الله ﴿ ها ﴾ للتنبيه و ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ أُوْلاء ﴾ خبره و ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة، ويجوز أن تكون ﴿ أُوْلاء ﴾ بمعنى الذين و ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ صلة له، والموصول مع الصلة خبر ﴿ أَنتُمْ ﴾ وقال الفرّاء: ﴿ أُوْلاء ﴾ خبر، و ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ خبر بعد خبر.
المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول: قوله: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال المفضل ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بسبب كونكم مسلمين الثالث: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع: قال أبو بكر الأصم ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ أي تخالطونهم، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ أي لا يفعلون مثل ذلك بكم.
واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين.
والسبب الثاني لذلك: قوله تعالى: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر.
المسألة الثانية: ذكر (الكتاب) بلفظ الواحد لوجوه: أحدها: أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس.
وثانيها: أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل، فلهذا لم يقل الكتب بدلاً من الكتاب، وإن كان لو قاله لجاز توسعاً.
المسألة الثالثة: تقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ .
السبب الثالث لقبح هذه المخالطة: قوله تعالى: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ والمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي.
فإن قيل: قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ أمر لهم بالإقامة على الغيظ، وذلك الغيظ كفر، فكان هذا أمراً بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز.
قلنا: قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال: وأيضاً فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (ذات) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن (ذو) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لا تكون أما الأول: فالتقدير: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم، وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أما الثاني: وهو أن لا يكون داخلاً في المقول فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون، ثم قول وأن يكون قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك، والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
بطانة الرجل وولجيته: خصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال: فلان شعاري.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنصارى شعار والناس دثار» ﴿ مّن دُونِكُمْ ﴾ من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون.
ويجوز تعلقه بلا تتخذوا، وببطانة على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّى إلى مفعولين في قولهم: لا ألوك نصحاً، ولا ألوك جهداً، على التضمين.
والمعنى: لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه.
والخبال: الفساد ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ودّوا عنتكم، على أنّ (ما) مصدرية.
والعنت: شدّة الضرر والمشقة.
وأصله انهياض العظم بعد جبره، أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين.
وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك وفي قراءة عبد الله ﴿ قد بدأ البغضاء ﴾ ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايات ﴾ الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما بين لكم فعملتم به.
فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟
قلت يجوز أن يكون ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ ﴾ صفة للبطانة وكذلك ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء ﴾ كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم.
وأما ﴿ قَدْ بَيَّنَّا ﴾ فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة ﴿ ها ﴾ للتنبيه.
و ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ.
و ﴿ أُوْلاءِ ﴾ خبره.
أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب.
وقوله: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء.
وقيل ﴿ أُوْلاء ﴾ موصول ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ صلته.
والواو في ﴿ وَتُؤْمِنُونَ ﴾ للحال، وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم.
فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.
وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم.
ونحوه ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَالاً يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104] ويوصف المغتاظ والنادم بعضّ الأنامل والبنان والإبهام قال الحرث بن ظالم المري: فَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئَاماً أَذِلَّةً ** يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُؤوس الأَبَاهِمِ ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوّة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزى والتبار ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلوّ بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج منها.
فإن قلت: فكيف معناه على الوجهين؟
قلت إذا كان داخلاً في جملة المقول فمعناه: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا، وقل لهم إنّ الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أنّ شيئاً من أسراركم يخفى عليه.
وإذا كان خارجاً فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم.
ويجوز أن لا يكون ثمَّ قول، وأن يكون قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ [آل عمران: 119] أمراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله أن يهلكوا غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ أيْ أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ الكُفّارِ وتُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ، بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرٌ لِأُولاءِ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنْتَمِ كَقَوْلِكَ: أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، أوْ صِلَتُهُ أوْ حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ أُولاءِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا.
﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ ﴾ بِجِنْسِ الكِتابِ كُلِّهِ، وهو حالٌ مِن لا يُحِبُّونَكم والمَعْنى: إنَّهم لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ أيْضًا فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم.
﴿ وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا ﴿ وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ مِن أجْلِهِ تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا.
﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَقُولِ أيْ وقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى قُلْ لَهم ذَلِكَ ولا تَتَعَجَّبْ مِنِ اطِّلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ها أنتم أولاء} ها للتنبيه وأنتم مبتدأ وأولاء خبره أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقى أهل الكتاب {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء وأولاء موصول صلتة تحبونهم والواو فى
آل عمران (١١٩ _ ١٢١)
{وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ} للحال وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشئ من كتابكم وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم وقيل الكتاب للجنس {وإذا لقوكم قالوا آمنا} أظهروا كلمة التوحيد {وَإِذَا خَلَوْاْ} فارقوكم أو خلا بعضهم ببعض {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} فهو يعلم
ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ببعض وهو داخل في جملة المقول أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أو خارج عن المقول أي قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم بما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم
﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ مُخْطِئُونَ في اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَذاهِبُ لِلنَّحْوِيِّينَ، فَقالَ الأزْهَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وجَماعَةٌ: إنَّ ( ها ) لِلتَّنْبِيهِ، و( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ( تُحِبُّونَهم ) خَبَرٌ، و( أُولاءِ ) مُنادى أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاخْتِصاصُ لا يَكُونُ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ و( أُولاءِ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قالَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن: ها أنا ذا أفْعَلُ، وها أنْتَ ذا تَفْعَلُ، تَعْرِيفُ نَفْسِكَ أوِ المُخاطَبِ، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ بَلِ اسْتِغْرابُ وُقُوعِ مَضْمُونِ وُقُوعِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لازِمَةٌ لِبَيانِ الحالِ المُسْتَغْرَبَةِ ولا مَحَلَّ لَها إذْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ ها أنْتَ ذا قائِلًا، والحالُ هَهُنا لازِمَةٌ لِأنَّ الفائِدَةَ مَعْقُودَةٌ بِها وبِها تَتِمُّ، والعامِلُ فِيها حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ.
واعْتَرَضَهُ الرَّضِيُّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحالِ إذْ لَيْسَ المَعْنى أنْتَ المُشارُ إلَيْهِ في حالِ فِعْلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ ما قالَهُ البَصْرِيُّونَ هو الظّاهِرُ مِن كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: ها أنْتَ ذا قائِمًا فَصَرَّحُوا بِالحالِيَّةِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى الإخْبارِ بِالحالِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِبْعادِ، ومَدْلُولُ الضَّمِيرِ واسْمُ الإشارَةِ مُتَّحِدٌ، واعْتِبارُ مَعْنى الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ تَصْحِيحِ العَمَلِ لا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَحْثُ الرَّضِيُّ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، و( تُحِبُّونَهم ) في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و( أُولاءِ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وتُحِبُّونَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، وقِيلَ: إنَّ ( أُولاءِ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ ما بَعْدَهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: ( أُولاءِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ فاسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَأنَّهُ ازْدَرى بِهِمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ.
والمُرادُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمُ المَحَبَّةُ العادِيَةُ النّاشِئَةُ مِن نَحْوِ الإحْسانِ والصَّداقَةِ، ومِثْلُها وإنْ كانَ غَرِيبًا يُلامُ عَلَيْهِ إذا وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَقِّ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمْ رَيْبَ المَنُونِ، لَكِنْ لا يَصِلُ إلى الكُفْرِ، وإنَّما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ لا يَكادُ يَقَعُ مِن أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ المُرادُ (تُحِبُّونَهُمْ) لِأنَّكم تُرِيدُونَ الإسْلامَ لَهم وتَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ، ولا يُحِبُّونَكم لِأنَّهم يُرِيدُونَ لَكُمُ الكُفْرَ والضَّلالَ وفي ذَلِكَ الهَلاكُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ ﴾ أيِ الجِنْسِ كُلِّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ أنْتَ الرَّجُلُ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ، ويَكُونُ الكِتابُ حِينَئِذٍ إشارَةً إلى القُرْآنِ تَعَسُّفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ( لا يُحِبُّونَكم ) واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ ولِهَذا تَأوَّلُوا - قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَيْهِ - عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَيْهِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ وإنْ جاءَ هُنا أيْ ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى تُحِبُّونَهم أُولى لِسَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ، وفِيهِ أنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ كُلِّهِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ، والحَمْلُ - عَلى أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ إيمانَهم كَلا إيمانٍ فَلا يُجامِعُ المُحِبَّةَ - سَدِيدٌ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ دُونَ العِطْفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ مِنَ الِاعْتِذارِ، والمَعْنى يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكم.
﴿ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ نِفاقًا ﴿ وإذا خَلَوْا ﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿ الأنامِلَ ﴾ أيْ أطْرافَ الأصابِعِ ﴿ مِنَ الغَيْظِ ﴾ أيْ لِأجْلِ الغَضَبِ والحَنَقِ لِما يَرَوْنَ مِنِ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ ونُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِحَيْثُ عَجَزَ أعْداؤُهم عَنْ أنْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلى التَّشَفِّي واضْطَرُّوا إلى مُداراتِهِمْ، وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ الأسِيفِ العاجِزِ، ولِهَذا أُشِيرَ بِهِ إلى حالِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هُناكَ عَضًّا بِالفِعْلِ ( قُلْ ) يا مُحَمَّدُ بِلِسانِكَ، وقِيلَ: المُرادُ حَدِّثْ نَفْسَكَ بِإذْلالِهِمْ وإعْزازِ الإسْلامِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى عَداوَتِهِمْ وحَثٌّ لَهم عَلى خِطابِهِمْ خِطابَ الخُصَماءِ، فَإنَّهُ لا أقْطَعَ لِلْمَحَبَّةِ مِن جِراحَةِ اللِّسانِ، فالمَقْصُودُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ مُجَرَّدُ الخِطابِ بِما يُكْرِهُونَهُ، والصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهم أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ خَفاءٌ، إذْ لا يُخاطَبُ المَدْعُوُّ عَلَيْهِ بَلِ اللَّهُ تَعالى، ويُسْألُ مِنهُ ابْتِلاؤُهُ لا خَفاءَ في خَفائِهِ وأنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قاتَلَكَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلِهِمْ: دُمْ بِعِزٍّ، وبِتْ قَرِيرَ عَيْنٍ، وغَيْرِهِ مِمّا لا يُحْصى، والمُرادُ كَما قِيلَ: الدُّعاءُ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ، وهَذا عِنْدَ العَلّامَةِ الثّانِي مِن كِنايَةِ الكِنايَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِدُعاءِ مَوْتِهِمْ بِالغَيْظِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو دُعاءُ ازْدِيادِ غَيْظِهِمْ إلى حِينِ الهَلاكِ وبِهِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزُّ اسْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ أوِ ازْدِيادِهِ لَيْسَ مِمّا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ ويُدْعى بِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَجازَ مَذْكُورٌ، وأمّا الكِنايَةُ عَلى الكِنايَةِ فَنادِرَةٌ وقَدْ صَرَّحَ بِها السُّبْكِيُّ في قَواعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ ونَقَلَ فِيها خِلافًا، ومَعَ هَذا الفَرْقِ بَيْنَ الكِنايَةِ بِالوَسائِطِ والكِنايَةِ عَلى الكِنايَةِ مِمّا يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ الصّادِقِ، ولَعَلَّهُ فَرْقٌ اعْتِبارِيٌّ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ إلَخْ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُحَسِّنُ لِذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَمِّهِمْ حَيْثُ إنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا المَوْتَ الفَظِيعَ والحالَ الشَّنِيعَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ (911) أيْ بِما خَفِيَ فِيها، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ أيْ قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ إذا خَلَوْتُمْ فَيُجازِي بِهِ، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ، أيْ قُلْ لَهم ما تَقَدَّمَ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَجُّبِ حِينَئِذٍ إمّا خارِجٌ مَخْرَجَ العادَةِ مَجازًا بِناءً عَلى أنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وإمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقِفُ عَلى هَذا الخِطابِ، فَلا إشْكالَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ يعني خلّة وصداقة من غير أهل دينكم، وإنما سميت بطانةً لقربها من البدن مِنْ دُونِكُمْ، أي من دون المؤمنين نزلت الآية في شأن جماعة من الأنصار، كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية، وكانوا على ذلك بعد الإسلام، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك.
ويقال: كل من كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه، لأنه يقال في المثل: عن المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قرينه ...
فَإِنَّ القَرِينَ بالمقارن يَقْتَدِي وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» .
وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بأخدانهم.
ثم بيّن الله المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال تعالى: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم لا يتركون- وإن لم يقاتلوكم في الظاهر- فإنهم لا يتركون جهدهم في المكر والخديعة وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ما أَثِمْتُم بربكم.
وقال الزّجاج: الخَبَالُ في اللغة ذِهَابُ الشيء، والعَنَتُ في الأصل المشقة.
وقال القتبي: الخَبَال الفساد.
وقال أيضاً: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، أي ما أعنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه.
ثم قال: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ أي ظهرت العداوة والتكذيب لكم مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي والذي في صدورهم من العداوة أكثر مما أظهروا بأفواههم.
ويقال: وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، أي قصدهم قتل محمد ، لأنهم كانوا يضمرون ذلك قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني أخبرناكم بما أخفوا، وبما أبدوا بالدلالات والعلامات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتصدقون ها أَنْتُمْ أُولاءِ يعني ها أنتم يا هؤلاء تُحِبُّونَهُمْ لمظاهرتكم إياهم وَلا يُحِبُّونَكُمْ لأنهم ليسوا على دينكم.
وقال الضحاك: معناه كيف تحبون الكفار وهم لا يحبونكم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بالتوراة والإنجيل وسائر الكتب، ولا يؤمنون بذلك كله، وقد فضلكم الله عليهم بذلك، لأنهم لا يؤمنون إلا بكتابهم وَإِذا لَقُوكُمْ يعني المنافقين منهم قالُوا آمَنَّا بمحمد إنه رسول الله وَإِذا خَلَوْا فيما بينهم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ والحنق عليكم فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء قد ظهروا وكثروا.
قال الله تعالى لمحمد : قُلْ لهم يا محمد مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ يقول موتوا بحنقكم على وجه الدعاء، والطرد واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب، لأنه لو كان على وجه الإيجاب، لماتوا من ساعتهم.
كما قال في موضع آخر: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا [البقرة: 243] ، فماتوا من ساعتهم، فهاهنا لم يرد به الإيجاب.
وقال الضحاك: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، يعني أنكم تخرجون من الدنيا بهذه الحسرة، والغيظ يعني اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني أنكم تموتون بغيظكم ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني بما في قلوبكم من العداوة للمؤمنين، إن الله يجازيكم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: رْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...
الآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في نْفِقُونَ
، وليس هو للقوم ذوي الحرث.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء.
وقوله سبحانه: مِنْ دُونِكُمْ، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين.
وقوله سبحانه: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك «١» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ:
نزلَتْ في المنافقين «٢» .
قال ع «٣» : ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و «ما» في قوله: مَا عَنِتُّمْ: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة.
قال ص: قال الزجَّاج «٤» : عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جرير «٥» : ضلالكم،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عامَّةُ الأنْصارِ يُواصِلُونَ اليَهُودَ ويُواصِلُونَهُمْ: فَلَمّا أسْلَمَ الأنْصارُ بَغَضَهُمُ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الكَلامِ: ها أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ.
فَأمّا "تُحِبُّونَهُمْ" فالهاءُ والمِيمُ عائِدَةٌ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ مُصافاتِهِمْ.
وفي مَعْنى مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهم أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَيْلُ إلَيْهِمْ بِالطِّباعِ، لِمَوْضِعِ القَرابَةِ، والرَّضاعِ، والحَلِفِ، وهَذا المَعْنى مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الرَّحْمَةِ لَهم، لِما يَفْعَلُونَ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يُقابِلُها العَذابُ الشَّدِيدُ، وهَذا المَعْنى مَنقُولٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها لِمَوْضِعِ إظْهارِ المُنافِقِينَ الإيمانَ، رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّها بِمَعْنى إرادَةِ الإسْلامِ لَهم، وهم يُرِيدُونَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ، والزَّجّاجِ.
والكِتابُ: بِمَعْنى الكُتُبِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ هَذِهِ حالَةُ المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ اليَهُودُ.
والأنامِلُ: أطْرافُ الأصابِعِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والغَيْظُ: الحَنَقُ عَلَيْكم، وقِيلَ: هَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، ضَرَبَ مَثَلًا لِما حَلَّ بِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضَّ عَلى أُنْمُلَةٍ، ومَعْنى ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ : ابْقُوا بِهِ حَتّى تَمُوتُوا، وإنَّما كانَ غَيْظُهم مِن رُؤْيَةِ شَمْلِ المُسْلِمِينَ مُلْتَئِمًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ كَمَدًا مِنَ الغَيْظِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وقِراءَتُها في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ والضَمِيرُ فِي: "تُحِبُّونَهُمْ" لِمُنافِقِي اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿ بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ ، والضَمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلْجِنْسِ، أيْ: تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِقِراءَتِكم.
وإنَّما وقَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ لِمُنافِقِي اليَهُودِ واطِّراحِهِمْ إيّاهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم لا يُحِبُّونَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِهِمْ، وأنَّهم يُنافِقُونَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويَغْتاظُونَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِهِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ: ......................
∗∗∗.....
يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنا بِالأنامِلِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ الغائِظَةِ، كَما أنَّ عَضَّ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ النادِمَةِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ، وكَما أنَّ قَرْعَ السِنِّ هَيْئَةُ النَفْسِ النادِمَةِ فَقَطْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ، ويُكْتَبُ هَذا العَضُّ بِالضادِ، ويُكْتَبُ عَظُّ الزَمانِ بِالظاءِ المُشالَةِ، وواحِدُ الأنامِلِ أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ المِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِها، والضَمُّ أشْهَرُ، ولا نَظِيرَ لِهَذا الِاسْمِ في بِنائِهِ إلّا أشُدَّ، ولَهُ نَظائِرُ في الجُمُوعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ لا في مُنافِقِي العَرَبِ، ويَعْتَرِضُها أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عنهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ يَفْعَلُونَ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصِيتِ القَيْنُقاعِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُمْ: "آمَنّا" مَعْناهُ: صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، أيْ: فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أولِياؤُكم وإخْوانُكم ولا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ، ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً، وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حُفِظَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يُذْهَبُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: "آمَنّا" عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ هو ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ ، بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ.
وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الإباضِيَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الصِفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ ، قالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ أنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِهَذا مُواجَهَةً وغَيْرَ مُواجَهَةٍ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ أُمِرَ النَبِيُّ وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا.
فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُعاءِ وبَقِيَ مَعْنى التَقْرِيعِ والإغاظَةِ، ويَجْرِي المَعْنى مَعَ قَوْلِ مُسافِرِ بْنِ أبِي عَمْرٍو: ونُنْمِي في أرُومَتِنا ∗∗∗ ونَفْقَأُ عَيْنَ مَن حَسَدا ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ وعِيدٌ يُواجَهُونَ بِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِي: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ"، وهو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ لِمُحَمَّدٍ في تَأْوِيلِ الدُعاءِ فِي: ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، والإشارَةُ هُنا إلى المُعْتَقَداتِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ"، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِيبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والذاتُ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ في مَعانٍ لا يَدْخُلُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما ذَكَرْناهُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب، وأهل الكتاب يبغضونهم، وكلّ إناء بما فيه يرشح، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق.
وتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة [البقرة: 85]: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل: هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة.
وجملة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ جملة حال من الضمير المرفوع في قوله: ﴿ تحبونهم ﴾ لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين.
وليس في هذا التعجيب شيء من التغليط، ولكنَّه مجرد إيقاظ، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ.
وهذان النظران، منّا ومنهم، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم.
﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ .
جملة ﴿ وتؤمنون ﴾ معطوفة على ﴿ تحبونهم ﴾ كما أن جملة ﴿ وإذا لقوكم ﴾ معطوفة على ﴿ ولا يحبونكم ﴾ وكلّها أحوال موزّعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة.
والتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ للجنس وأكّد بصيغة المفرد مراعاةً للفظه، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيتتِ القَيْنُقَاعي.
والعَضّ: شدّ الشيء بالأسنان.
وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر.
وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب، وضَرب الرجل نفسه من الغضب، وعضّه أصابعه من الغيظ، وقرعه سنّه من النَّدم، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها، وهي ضروب من علامات الجزع، وبعضها جبلّي كالصياح، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل، وقال الحارث بن ظالم المري: فأقبل أقوام لئام أذلّة *** يعضّون من غيظ رؤوس الأباهم وقوله: ﴿ عليكم ﴾ على فيه للتَّعليل، والضّمير المجرور ضمير المسلمين، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة، أي على التئامكم وزوال البغضاء، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ [آل عمران: 100]، ونظير هذا التعليق قول الشاعر: لتقرعِنّ على السنّ من ندم *** إذا تذكرتتِ يوما بعضَ أخلاقي و ﴿ من الغيظ ﴾ (من) للتعليل.
والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام.
وقوله: ﴿ قل موتوا بغيظكم ﴾ كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ [السجدة: 12].
والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال.
﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ .
تذييل لقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ وما بيْنها كالاعتراض أي أنّ الله مطلّع عليهم وهو مطلعك على دخائلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ صافَوْا بَعْضَ المُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ المَوَدَّةَ لِمُصاحَبَةٍ في الجاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والبِطانَةُ هم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ، والأصْلُ البَطْنُ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ لِأنَّها تَلِي البَطْنَ.
﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ في أمْرِكم.
والخَبالُ: النَّكالُ، وأصْلُهُ الفَسادُ ومِنهُ الخَبَلُ الجُنُونُ.
﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ودُّوا إضْلالَكم عَنْ دِينِكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: ودُّوا أنْ تَعَنَّتُوا في دِينِكم أيْ تَحْمِلُونَ عَلى المَشَقَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وأصْلُ العَنَتِ المَشَقَّةُ.
﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ بَدا مِنها ما يَدُلُّ عَلَيْها.
﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ مِمّا بَدا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ قال: هم المنافقون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: نزلت في المنافقين من أهل المدينة.
نهى المؤمنين أن يتولَّوهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند جيد عن حميد بن مهران المالكي الخياط قال: سألت أبا غالب عن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...
﴾ الآية قال: «حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: هم الخوارج» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً، ولا تستضيئوا بنار المشركين.
فذكر ذلك للحسن فقال: نعم.
لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، ولا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم» قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، أنه قيل له إن هنا غلاماً من أهل الحيرة حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً قال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ لا تتخذوا بطانة ﴾ يقول: لا تستدخلوا المنافقين تتولوهم دون المؤمنين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ما ضللتم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ودّ المنافقون ما عنت المؤمنون في دينهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ يقول: من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم ﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ قال المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه في الدنيا.
لو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر عليه منه لأباد خضراءه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.
مثله.
وأخرج إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ أي بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: هكذا ووضع أطراف أصابعه في فيه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا لقوكم...
﴾ الآية.
قال: إذا لقوا المؤمنين ﴿ قالوا آمنا ﴾ ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم فصانعوهم بذلك ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه، لو يجدون ريحاً لكانوا على المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: الأصابع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: نزلت هذه الآية في الأباضية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ يعني النصر على العدوّ، والرزق، والخير، يسؤهم ذلك ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ يعني القتل والهزيمة والجهد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: إذا رأوا من أهل الإسلام إلفة وجماعة وظهوراً علىعدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وابتهجوا به.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ﴾ مشددة برفع الضاد والراء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ الآية.
مضى الكلام في (ها) مع (أنتم) عند قوله: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ ﴾ .
قال الفراء (١) (٢) (ها أنا ذا) (٣) (٤) (٥) ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ ، وربَّما أعادوا (ها) فوصلوها بـ (ذا)، و (ذان)، و (أولاء) (٦) ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ ﴾ .
قال (٧) (٨) (٩) (١٠) وإذا (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) لَبَّيْكُما لَبَّيْكُما ها (١٨) (١٩) وقال الزَّجاجُ (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ صِلَةً (٢٣) قال (٢٤) وسنذكر الفرقَ بين (أولاء) و (أولئك) عند قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ .
قال المفسرون: هذا خطاب للمؤمنين، أُعلِموا فيه أن منافقي أهلِ الكتابِ (٢٥) قال المُفَضَّلُ (٢٦) ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ : تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء.
﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ ؛ لأنهم يريدونكم على الكفر، وهو الهلاك.
قوله تعالى: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ أي: بالكتب كلها، وهو اسم جنس؛ كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، أو لأن الكتاب مصدر، فيجوز أن يسمى (٢٧) قال ابن عباس (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ يقال: عَضَّ، يَعَضُّ، عَضًّا، وعَضِيضًا) (٣٢) قال امرؤ القَيس: كَفَحْلِ الهِجَانِ يَنْتَحِي لِلعَضِيض (٣٣) والأنامِل: جمع أَنْمُلَة (٣٤) (٣٥) [والغَيْظُ: الإغضابُ (٣٦) (٣٧) وعَضُّ الأصابع] (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) قَدَ أَفْنَى أنامِلَهُ أَزْمُهُ ...
فأَضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا (٤٥) (٤٦) يَعَضُّونَ غَيْظًا خلفَنا بالأَنَامِلِ (٤٧) قال المفسرون (٤٨) وفي الآية تقديم وتأخير؛ لأن التقدير: وإذا خَلَوْا عَضُّوا الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ عليكم.
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ خرج هذا مخرج الأمر، وليس معناه الأمرَ، لكنَّه دعاء عليهم، أمر اللهُ نَبِيَّهُ بأن يَدْعُوَ عليهم بهذا (٤٩) ومعنى موتِهم بِغَيْظِهم: هو أن يَدُوم غيظُهم إلى أن يموتوا، أو (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي: بما فيها من خير وشر.
قال (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) وقال ابن الأنباري (٥٦) ﴿ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ ، أي: بما فيها (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ ، فَأَنَّثَ؛ لمعنى (الطائفة)؛ كما يقال: (لقيته ذات يوم)، فيؤنثون؛ لأن مقصدهم: لقيته مرَّةً في يوم.
وقد ذكرنا زيادة في الشرح والبيان عند قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ .
(١) في: "معاني القرآن"، له 1/ 231.
نقله عنه بنصه.
(٢) "التقريب" هو: أن تجعل (هذا)، و (هذه) بمثابة الأفعال الناقصة كـ (كان) وأخواتها التي تحتاج إلى تمام الخبر، وهذا من اصطلاحات الكوفيين، وقد بَيَّنَه السيوطي في: "همع الهوامع": 1/ 264 فقال: ذهب الكوفيون إلى أن (هذا) و (هذه)، إذا أريد بهما التقريب، كانا من أخوات (كان)، في احتياجهما إلى اسمٍ مرفوعٍ وخبر منصوب، نحو: (كيف أخاف من الظلم، وهذا الخليفة قادمًا؟)، و (كيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟)، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود، نحو: (هذا ابنُ صياد أشقى الناس)، فيعربون (هذا): (تَقْريبا)، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتى باسم الإشارة تقريبًا للقدوم والطلوع.
ألا ترى أنك لم تشر إليهم وهما حاضران؟
و-أيضا-، فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج تبيينهما بالإشارة إليهما.
وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقطت (كان) من: (كان زيدٌ قادمًا).
وانظر في هذا المعنى: "معاني القرآن" للفراء 1/ 12، و"تفسير الطبري" 4/ 64 - 66، 15/ 416، و"دراسة في النحو الكوفي" 237، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 185.
(٣) هكذا جاء رسمها في (أ)، (ب)، وكذا وردت في "تفسير الطبري" 4/ 65، ووردت في (ج): (هاناذا).
أما في الرسم الإملائي فقد اصطلح على كتابتها كالتالي: هأنذا.
(٤) في (ج): (ها أنا).
(٥) في (ج): (منه) بدون واو.
(٦) في "معاني القرآن": فوصلوها بذا وهذا وهذان وهؤلاء.
(٧) من قوله: (قال ..) إلى (فيقولون هذا زيد): هو نص قول الزجاج في "معاني القرآن" له 1/ 463، يحكي به معنى قول الفراء في "معاني القرآن" له 1/ 231 - 232.
(٨) في "معاني القرآن"، للزجاج الخبر.
بدلًا من: (أن تخبر).
(٩) في "معاني القرآن"، للزجاج (الخبر عن هذا الاسم).
وقوله: (بالاسم)؛ أي: بالاسم الظاهر، غير المكنيِّ عنه.
(١٠) في (ج) و"معاني القرآن" للزجاج: (فتقول).
(١١) من قوله: (وإذا ..) إلى (بلا فعل): من تتمة كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 232 نقله عنه ببعض التصرف.
(١٢) في "معاني الفراء": أو كان.
(١٣) في (ب) و"معاني الفراء": (فيقولون).
(١٤) في "معاني القرآن": هذا هو، وهذان هما.
(١٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"معاني القرآن".
وبقية عبارة الفراء: (والتقريب لابد فيه من فعل؛ لنقصانه، وأحبوا أن يفرقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح).
(١٦) (فقد): ساقطة من (ج).
(١٧) في: "الزاهر" 1/ 279.
(١٨) : ساقطة من (ج).
(١٩) بيت من الرجز، ورد منسوبًا لأمية في "طبقات فحول الشعراء" 1/ 266، و"الزاهر" 2/ 279.
(٢٠) في: "معاني القرآن" 1/ 463.
نقله عنه بمعناه (٢١) في (ج): (ها تنبيه ههنا).
(٢٢) (و): ساقطة من (ب).
(٢٣) وفي "البسيط في شرح جمل الزجاجي": 1/ 310 قال عن هذه الآية: (فيحتمل أن يكون الأصل: (أنتم هؤلاء)، فاعْتُني بحرف التنبيه فقُدِّم، وأن تكون (ها) التنبيه، ولا تكون المقرونة بالإشارة؛ كما تقول: (ها زيد قائمٌ) ولكون هذا بمنزلة قوله سبحانه ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ﴾ ).
(٢٤) أي: الزجاج، في المصدر السابق.
نقله عنه معناه.
(٢٥) لم أقف على من خص المراد هنا بمنافقي أهل الكتاب، وإنما قيل في المراد: هم المنافقون، أو اليهود.
وقد سبق أن ذكر المؤلف أن المعنِيَّ في هذه الآيات: اليهود والمنافقون معًا، وهو قول لابن عباس ومجاهد، وغيرهم.
وقد سبق بيان مصادر هذا القول عند التعليق على شرح المؤلف لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ .
== وممن قال بأنهم اليهود: ابن عباس -في رواية عنه- والحسن، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج، والنحاس، والقرطبي، وابن كثير.
انظر: "تفسير مجاهد" 134، و"تفسير مقاتل" 1/ 298، و"تفسير الطبري" 4/ 60 - 64، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 742، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 466، و"تفسير الثعلبي" 3/ 105 أ، و"تفسير البغوي": 2/ 95، و"تفسير القرطبي" 4/ 181، و"تفسير ابن كثير" 1/ 428، و"الدر المنثور" 2/ 118 - 119.
(٢٦) قوله، في: "تفسير الثعلبي": 3/ 105 ب.
(٢٧) في (ج): (نسمي).
(٢٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ عنه، والذي في: "تفسير الطبري" 4/ 65 قوله: (أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء منهم لكم).
وأورده السيوطي في: "الدر المنثور" 2/ 120 وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق، وابن المنذر.
وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 186.
(٢٩) (لأنهم): ساقطة من (ب).
(٣٠) يقال: (انتحل كذا): أي: دان به.
و (انتحل فلانٌ شِعْرَ غيره): ادَّعاه ونسبه لنفسه.
و (انتحل مذهبا): انتسب إليه.
انظر: "لسان العرب" 7/ 4369 - 4370 (نحل).
(٣١) في (ج): (ما).
(٣٢) في (ج): (يغض غضًا وغضضا).
(٣٣) في (ج): (العضيض).
وهذا عجز بيت، وأوله: له قُصْرَيا عَيْرٍ وساقا نعامةٍ وهو في "ديوانه" 97.
والقُصْرَيان: مفردهما: (قُصْرى).
وهما الضلعان اللذان يليان الخصر بين الجنب والبطن، وهما آخر الضلوع.
و (العَيْر): الحمار، ويغلب إطلاقه على الوحشي منه.
و (فحل الهجان)؛ أي: فَحل الإبل الكريمة البيضاء، ولا يكون فحلها إلا كريمًا مثلها.
و (الانتحاء): القصد، والاعتماد، والجد، وقوله: (ينتحي للعضيض)؛ أي: يعتمد ويعترض للعض.
انظر: "تهذيب اللغة" (2974) (قصر)، و"القاموس" (1337 - 1338) (نحا).
(٣٤) يقال: (أنْمُلَة) -بفتح الهمزة وضم الميم-، و (أنمَلَة) -بفتح الهمزة وفتح الميم-.
انظر: (نمل) في "الصحاح" 1836، و"القاموس" (1065)، و"المجمل" 886، و"اللسان" 8/ 4550.
(٣٥) انظر المصادر السابقة (٣٦) (الإغضاب): ساقطة من (أ)، (ب).
وفي (ج): (الأعصاب).
وما أثبَتُّهُ هو الصواب.
(٣٧) يقال: (غاظه، وأغاظه، وغيَّظه): بمعنى واحد، والمصدر: الغيظ.
انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2622 (غيظ).
قال الراغب: (الغيظ: أشد الغضب، وهو: الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه).
"مفردات ألفاظ القرآن": 619 (غيظ).
(٣٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٣٩) في (ب): (ولليد).
(٤٠) في (ج): (الغضب).
(٤١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤٢) في (ج): (استعماله).
(٤٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٤٤) قال -تعالى- عن حال من يعض على يديه ندمًا وأسفًا يوم القيامة: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ .
(٤٥) البيت لصخر الغَيّ بن عبد الله الخُثَمِي الهذلي.
وقد ورد منسوبًا له في: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 299، وورد في "تهذيب اللغة" 4/ 3977 (يدي)، و"اللسان" 8/ 4953 (يدي)، وقالا فيه: (قال الهذلى).
وروايته في هذه المصادر: (فأمسى يَعَضُّ ..).
وقوله: (أزْمُهُ): عَضُّهُ.
من: (أزَمَ يأزِم أزْما) و (أُزوما)، فهو (آزم وأزُوم): إذا عَضَّ بالفم كلِّه عَضًّا شديدًا.
و (الوظيفة): أصل استعمالها لذوات الأربع من الخيل والإبل، وهي ما استدَقَّ من الذراع أو الساقين، ففي البعير هي: ما بين الرسغ والذراع، أو بين الرسغ والساق، وجعلها الشاعر هنا للإنسان.
انظر: "الصحاح" 1439 (وظف)، و"الفرق" لابن فارس 61، و"زينة الفضلاء" للأنباري 91، و"القاموس المحيط" (1075) (أزم).
قال الأزهري عن معنى البيت: (أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فصار يعض وظيف الذراع).
"تهذيب اللغة" 1/ 156 (أزم).
(٤٦) واسمه: عبد مَناف -بن عبد المُطَّلِب بن هاشم، عَمُّ النبي ، الذي كفله بعد موت جده عبد المطلب، وكان حدِبًا على أمر النبي ، عطوفًا عليه، منع عنه أذى قريش، إلا اْنه لم يُسْلِم، ومات على الشرك، قبل الهجرة بثلاث سنين.
انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 193 - 194، 2/ 25 - 26.
(٤٧) عجز بيت، وصدره: وقد حالفوا قوما علينا أظنَّةً وقد ورد منسوبًا له في: "سيرة ابن هشام" 1/ 286، و"تفسير الثعلبي" 3/ 105 ب، و"البحر المحيط" 3/ 41، و"الدر المصون" 3/ 370.
وأول البيت في: "تفسير الثعلبي"، والبحر: (وقد صالحوا قومًا عليهم أشحة)، ولكن في: "البحر المحيط": (علينا أشحة).
والبيت من قصيدة طويلة يخاطب فيها أشراف قومه لَمّا خافهم على النبي ، بعد أن علا ذِكرُه وظهر أمرُه، ووقفوا منه موقف العداء، وفيها كذلك مدح للنبي .
انظر حول هذه القصيدة: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 244.
(٤٨) ممن قال ذلك: قتادة، والربيع، والطبري.
والعبارة -هنا- عبارة الطبري.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 66 - 67، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 746.
(٤٩) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 67.
وقال أبو الليث: (يقول: موتوا بحنقكم على وجه الدعاء والطرد واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب؛ لأنه لو كان على وجه الإيجاب لماتوا من ساعتهم.
كما == قال في موضع آخر: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ ، فماتوا من ساعتهم، وههنا لم يرد به الإيجاب).
"بحر العلوم": 1/ 294 - 295.
وذهب الضحاك إلى أن هذا يراد به الخبَر؛ أي: يخبر عنهم أنهم يخرجون من الدنيا بالموت وهم بهذه الحسرة والغيظ.
انظر: المرجع السابق.
(٥٠) في (ب): (و).
(٥١) أي: أن الباء -هنا- في ﴿ بِغَيْظِكُمْ ﴾ ، إما للحال، أو للسببية.
(٥٢) من قوله (قال ..) إلى (عليم بذات الصدور): مكرر مرتين في (أ).
(٥٣) هذا قول الليث في: "تهذيب اللغة" 2/ 1299 (ذو)، نقله عنه المؤلف بتصرف يسير.
وانظر: "اللسان" 3/ 1477 - 1478 (ذو).
(٥٤) في (ب)، (ج): (وقعت).
(٥٥) في (ب): (تاء).
(٥٦) قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1300.
نقله عنه بتصرف يسير وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الإنباري 2/ 367 - 368، و"اللسان" 3/ 1478 (ذو).
(٥٧) (أي بما فيها): ساقط من (ج).
(٥٨) (من خير وشر): ساقط من (ج).
(٥٩) في (ج): (ذا).
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ أي أولياء من غيركم فالمعنى: نهيٌ عن استخلاص الكفار وموالاتهم.
وقيل: لعمر رضي الله عنه إن هنا رجلاً من النصارى لا أحد أحسنُ خطاً منه، أفلا يكتب عنك: قال إذاً أتخذُ بطانة من دون المؤمنين ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ أي: لا يقصرون في إفسادكم، والخبال: الفساد ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي تمنَوْا مضرتكم، وما مصدرية وهذه الجملة والتي قبلها صفة للبطانة أو استئناف ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ ﴾ أي بكل كتاب أنزله الله، واليهود لا يؤمنون بقرآنكم ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ ﴾ عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، والأنامل: جمع أنملة بضم الميم وفتحها ﴿ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ تقريع وإغاظة، وقيل: دعاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.
﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.
وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.
الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.
والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.
فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".
وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.
وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.
وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.
﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.
وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.
وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.
ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.
﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.
قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.
قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.
وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.
فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.
وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.
أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.
وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.
وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.
عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .
وفي رواية: "فبشر أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.
فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.
ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ ثم إنه مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.
قيل: أي في الصلاة.
وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.
وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.
وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.
وقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.
فالتلاوة القراءة.
وأصل الكلمة الإتباع.
فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.
وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.
وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".
الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.
والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.
الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.
وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.
ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.
الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.
وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.
وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.
على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.
منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.
ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.
قال : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.
ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.
فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.
وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!
ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.
ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.
قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.
وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.
وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.
وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.
وقيل: الصر السموم الحارة.
وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.
وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.
وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.
ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.
والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.
وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله وفي جمع العساكر عليه في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.
والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.
وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.
ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول وفي تخريب ديار المسلمين.
ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.
وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.
أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.
فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.
فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.
والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.
ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.
الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.
وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.
وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.
و"من" للتبيين وقيل: زائدة.
ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.
والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.
وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.
والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.
﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.
والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.
والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.
والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.
والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.
فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.
وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي والكتاب.
وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.
وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.
﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.
ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.
وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.
ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.
وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟
فقيل: لأنهم يودون عنتكم.
ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟
فقيل: قد بدت والله أعلم.
أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.
ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.
والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.
ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.
والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".
وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.
وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.
ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.
والحاصل أنه أمر النبي أن يخبرهم بأن الله أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.
ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.
إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.
وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.
ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.
ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.
وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.
وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.
وقال ابن عباس: هو العداوة.
﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.
وفيه إرشاد من الله إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.
وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.
﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.
التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي وسيرته.
ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.
ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.
فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.
ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.
ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.
﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.
سيئة إنكار من الجهال وطعن.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: نهى الله المؤمنين أن يستخدلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم دون المؤمنين.
وقيل في حرف حفصة: "لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم"، يعني: من دون المؤمنين.
وعن ابن عباس - - قال: "نهى الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود [والنصارى] والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثونهم ويفشوا إليهم سرّهم دون المؤمنين".
والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرّهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه.
والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدين، والإغفال عن حقه.
وقوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ : يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم.
وقوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ : أي: يودون ويتمنون ما أثمتم.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم عليه.
وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها.
وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أنهم كانوا يعرفون المنافق من لحن كلامه.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : ما كان من التفريق بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ ، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...
﴾ الآية [النساء: 72].
وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا يضمرون أكثر ما [كانوا] يظهرون.
ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر.
وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر من ذلك من الفساد والشرور، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون بعقولكم؛ لأن - عز وجل - ذكر في غير أي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفي عنهم العقل رأساً.
وقوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا...
﴾ الآية.
يقول: ها أنتم يا هؤلاء المسلمون تحبونهم - يعني: المنافقين - ولا يحبونكم على دينكم.
قال الشيخ - رحمه الله -: وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون، إمّا بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله المؤمنين على سرّهم؛ لئلا يغترُّوا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول الله بما أطلعه الله على ما أسرّوا، والله أعلم.
ومن قال: إن أوّل الآية في الكفار - يجعل قوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ على الابتداء، والقطع من الأوّل؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك.
وقوله: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ .
هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ : إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز، فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، والله أعلم.
وفي حرف حفصة: "قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئاً إن الله عليم بذات الصدور" على الوعيد.
وقوله: ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ .
قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، لكنّه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: ﴿ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ﴾ ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم الغنيمة - يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم - يفرحون به ويسرّون.
وقيل: إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة - ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط والجدب وغلاء السعر - فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم - اهتموا لذلك، وفي كل مصيبة ونكبة رأوا لهم - فرحوا بها.
وقوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ .
وعد النصر بشرط: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ ، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئاً، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما كسبت أيديهم.
قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
ها أنتم - يا هؤلاء المؤمنون - تحبون أولئك القوم، وترجون لهم الخير، وهم لا يحبونكم، ولا يرجون لكم الخير، بل يبغضونكم، وأنتم تؤمنون بالكُتُبِ كُلها، ومنها كتبهم، وهم لا يؤمنون بالكتاب الذي أنزله الله على نبيكم، وإذا التقوكم قالوا بألسنتهم: صَدَّقْنا، وإذا انفرد بعضهم ببعض عَضُّوا أطراف أصابعهم غَمًا وغيظًا لما أنتم عليه من الوحدة، واجتماع الكلمة، وعزة الإسلام، ولما هم عليه من الذلة.
قل - أيها النبي - لأولئك القوم: ابقوا على ما أنتم عليه حتى تموتوا غَمًّا وغيظًا، إن الله عليم بما في الصدور من الإيمان والكفر، والخير والشر.
<div class="verse-tafsir" id="91.6zgAE"
إن الآيات السابقة من أول السورة كانت في الحجاج مع أهل الكتاب وكذا مع المشركين بالتبع والمناسبة، وإن هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة في بيان أحوال المؤمنين ومعاملة بعضهم لبعض وإرشادهم في أمرهم.
ولبيان اتصال هذه الآيات بما قبلها لا بد من ذكر ثلاث مقدمات: أنه كان بين المؤمنين وغيرهم صلات كانت مدعاة إلى الثقة بهم والإفضاء إليهم بالسر وإطلاعهم على كل أمر، منها المحالفة والعهد، ومنها النسب والمصاهرة، ومنها الرضاعة.
أن الغِرَّة من طبع المؤمن، فإنه يبني أمره على اليسر والأمانة والصدق، ولا يبحث عن العيوب، ولذلك يظهر لغيره من العيوب وإن كان بليدًا ما لا يظهر له هو وإن كان ذكيًا.
أن المناصبين للمؤمنين من أهل الكتاب والمشركين كان همهم الأكبر إطفاء نور الدعوة وإبطال ما جاء به الإسلام، وكان همّ المؤمنين الأكبر نشر الدعوة وتأييد الحق.
فكان الهمان متباينين، والقصدان متناقضين.
فإذا كانت حالة الفريقين على ما ذكر فهي لا شك مقتضية لأن يفضي النسيب من المؤمنين إلى نسيبه من أهل الكتاب والمشركين والمحالف منهم لمحالفه من غيرهم بشيء مما في نفسه وإن كان من أسرار الملة التي هي موضوع التباين والخلاف بينهم وفي ذلك تعريض مصلحة الملة للخبال.
لذلك جعل الله تعالى للصلات بين المؤمنين وغيرهم حدًا لا يتعدونه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ إلى آخر الآيات.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ إن الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس، وحبس الإنسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم، وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم، حسن أن يذكروا بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم وباتقاء مت يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم.
ويصح أن يراد بالتقوى الأخذ بوصاياه، وامتثال أمره تعالى في البطانة وغيرها.
ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه، فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتمًا، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعًا، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح.
وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بيعملون عام للمؤمنين والكافرين جميعًا -يعني على قراءة الحسن وأبي حاتم "تعملون" بالمثناة الفوقية أو على الالتفات- ومن كان عالمًا بعمل فريقين متحادين محيطًا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته، ونتائجه وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه، فهداية الله تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب، وينتهون به إلى أحسن العواقب.
<div class="verse-tafsir"