الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 184 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال تعالى : ( قد كان لكم آية ) أي : قد كان لكم - أيها اليهود القائلون ما قلتم - ( آية ) أي : دلالة على أن الله معز دينه ، وناصر رسوله ، ومظهر كلمته ، ومعل أمره ( في فئتين ) أي : طائفتين ( التقتا ) أي : للقتال ( فئة تقاتل في سبيل الله ) وهم المسلمون ، ( وأخرى كافرة ) وهم مشركو قريش يوم بدر .
وقوله : ( يرونهم مثليهم رأي العين ) قال بعض العلماء - فيما حكاه ابن جرير : يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم ، أي : جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم .
وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة ، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر لهم المسلمين ، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة ، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا .
وهكذا كان الأمر ، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم .
والقول الثاني : " أن المعنى في قوله : ( يرونهم مثليهم رأي العين ) أي : ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم ، أي : ضعفيهم في العدد ، ومع هذا نصرهم الله عليهم .
وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي ، عن ابن عباس أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا .
وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية ، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس ، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف كما رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش ، فقال : كثير ، قال : " كم ينحرون كل يوم ؟
" قال : يوما تسعا ويوما عشرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " .
وروى أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة ، عن علي ، قال : كانوا ألفا ، وكذا قال ابن مسعود .
والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين ، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم .
لكن وجه ابن جرير هذا ، وجعله صحيحا كما تقول : عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها ، وتكون محتاجا إلى ثلاثة آلاف ، كذا قال .
وعلى هذا فلا إشكال .
لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين ، وهو أن يقال : ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) ؟
[ الأنفال : 44 ] والجواب : أن هذا كان في حال ، والآخر كان في حال أخرى ، كما قال السدي ، عن الطيب عن ابن مسعود في قوله : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا [ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ] ) الآية ، قال : هذا يوم بدر .
قال عبد الله بن مسعود : وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ، وذلك قوله تعالى : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) .
وقال أبو إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين ؟
قال : أراهم مائة .
قال : فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟
قال : ألفا .
فعندما عاين كل الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم ، أي : أكثر منهم بالضعف ، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ، عز وجل .
ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ، وهؤلاء في أعين هؤلاء ، ليقدم كل منهما على الآخر .
( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) أي : ليفرق بين الحق والباطل ، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر ، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين ، كما قال تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) [ آل عمران : 123 ] وقال هاهنا : ( والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) أي : إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله ، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
القول في تأويل قوله : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قُلْ، يا محمد، للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهرانَيْ بلدك: " قد كان لكم آية "، يعني: علامةٌ ودلالةٌ على صدق ما أقول: إنكم ستغلبون، وعبرة، (19) كما:- 6673 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: &; 6-230 &; " قد كان لكم آية "، عبرةٌ وتفكر.
6674 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله = إلا أنه قال: ومُتَفَكَّر.
* * * =" في فئتين "، يعني: في فرقتين وحزبين = و " الفئة " الجماعة من الناس.
(20) =" التقتا " للحرب، وإحدى الفئتين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه ممن شهد وقعة بدر، والأخرى مشركو قريش.
=" فئة تُقاتل في سبيل الله "، جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه، (21) وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه =" وأخرى كافرة "، وهم مشركو قريش، كما:- 6675 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله "، أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر =" وأخرى كافرة "، فئة قريش الكفار.
(22) 6676 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس مثله.
(23) 6677 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن &; 6-231 &; جريج، عن عكرمة: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله "، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه =" وأخرى كافرة "، قريش يوم بدر.
6678 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " قد كان لكم آية في فئتين "، قال: في محمد وأصحابه، ومشركي قريش يوم بدر.
6679 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6680 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله "، قال: ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار.
* * * قال أبو جعفر: ورفعت: " فئةٌ تقاتل في سبيل الله "، وقد قيل قبل ذلك: " في فئتين "، بمعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله - على الابتداء، كما قال الشاعر: (24) فَكُـنْتُ كَـذِي رِجْـلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ وَرِجْـلٌ رَمَـى فِيهَـا الزَّمَـانُ فَشَلَّتِ (25) &; 6-232 &; وكما قال ابن مفرِّغ: (26) فَكُـنْتُ كَـذِي رِجْـلَيْنِ: رِجْلٌ صَحِيحَةٌ وَرِجْــلٌ بِهَـا رَيْـبٌ مِـنَ الحَدَثَـانِ (27) فَأَمَّـا الَّتِـي صَحَّـتْ فَـأَزْدُ شَـنُوءَةٍ, وَأَمَّــا الّتِــي شَـلَّتْ فَـأَزْدُ عُمَـانِ وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه، إذا كان مع المكرر خبر: تردُّه على إعراب الأوّل مرة، وتستأنفه ثانيةً بالرفع، وتنصبه في التامِّ من الفعل والناقص، وقد جُرّ ذلك كله، فخفض على الردّ على أوّل الكلام، كأنه يعني إذا خفض ذلك: فكنت كذلك رجلين: كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة.
وكذلك الخفض في قوله: " فئة "، جائز على الردّ على قوله: " في فئتين التقتا "، في فئة تقاتل في سبيل الله.
وهذا وإن كان جائزًا في العربية، فلا أستجيز القراءة به، لإجماع الحجة من القرَأة على خلافه.
ولو كان قوله: " فئة "، جاء نصبًا، كان جائزًا أيضًا على قوله: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا "، مُختلفتين.
(28) * * * &; 6-233 &; القول في تأويل قوله : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قال أبو جعفر: اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة أهل المدينة: ( تَرَوْنَهُمْ ) بالتاء، بمعنى: قد كان لكم أيها اليهود آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ، فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرةٌ، ترونَ المشركين مِثْلي المسلمين رأىَ العين.
يريد بذلك عِظَتهم، يقول: إن لكم عبرةً، أيها اليهود، فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم، بهؤلاء مع كثرة عددهم.
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة والبصرة وبعض المكيين: ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ ) بالياء، بمعنى: يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله، الجماعةَ الكافرةَ مثلي المسلمين في القدْر.
فتأويل الآية على قراءتهم: قد كان لكم، يا معشر اليهود، عبرةٌ ومتفكرٌ في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم، هؤلاء المشركين في كثرة عددهم.
* * * فإن قال قائل: وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء؟
وأيّ الفئتين رأت صاحبتها مثليها؟
الفئة المسلمةُ هي التي رأت المشركة مثليها، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك؟
قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم: الفئةُ التي رأت الأخرى مثلى أنفسها، الفئةُ المسلمة رأت عدَد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة، قلَّلها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، (29) ثم قللها في حال أخرى فرأتها مثل عَدَد أنفسها.
&; 6-234 &; ذكر من قال ذلك: 6681 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين "، قال: هذا يوم بدر.
قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قول الله عز وجل: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [سورة الأنفال: 44] * * * فمعنى الآية على هذا التأويل: قد كان لكم، يا معشر اليهود، آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا : إحداهما مسلمة والأخرى كافرة، كثيرٌ عدد الكافرة، قليلٌ عدد المسلمة، ترى الفئة القليلُ عددُها، الكثيرَ عددُها أمثالا أنها إنما تكثر من العدد بمثل واحد، (30) فهم يرونهم مثليهم.
فيكون أحدُ المثلين عند ذلك، العددُ الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم، والمثل الآخر الضّعف الزائد على عددهم.
فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قلَّلهم في أعينهم.
والمعنى الآخر منه: التقليل الثاني، على ما قاله ابن مسعود: وهو أنْ أراهم عددَ المشركين مثل عددهم، لا يزيدون عليهم.
فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا .
* * * وقال آخرون من أهل هذه المقالة: إن الذين رأوا المشركين مثليْ أنفسهم، هم &; 6-235 &; المسلمون.
غير أن المسلمين رَأوهم على ما كانوا به من عددهم لم يقلَّلوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره.
قالوا: ولذلك قال الله عز وجل لليهود: قد كان لكم فيهم عبرةٌ، يخوّفهم بذلك أنْ يحل بهم منهم مثل الذي أحَلَّ بأهل بدر على أيديهم.
ذكر من قال ذلك: 6682 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ، أنـزلت في التخفيف يوم بدر، فإن المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمئة وثلاثة عشر رجلا (31) وكان المشركون مثليهم، فأنـزل الله عز وحل: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين "، وكان المشركون ستةً وعشرين وستمئة، فأيد الله المؤمنين.
فكان هذا الذي في التخفيف على المؤمنين.
* * * قال أبو جعفر: وهذه الرواية خلافُ ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر.
وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين.
فقال بعضهم: كان عددهم ألفًا = وقال بعضهم: ما بين التسعمئة إلى الألف.
ذكر من قال: " كان عددهم ألفًا ".
6683 - حدثني هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي قال: سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط.
فأما القرشيّ فانفلت، وأما مولى &; 6-236 &; عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟
فيقول: هم والله كثير شديدٌ بأسُهم!
فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، (32) حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كم القوم؟
فقال: هم والله كثير شديدٌ بأسهم!
فجهد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يخبره كم هم، فأبى.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: " كم يَنحرون من الجزُر؟
قال: عشرة كل يوم.
(33) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القومُ ألفٌ.
(34) 6684 - حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: أسرنا رجلا منهم - يعني من المشركين - يوم بدر، فقلنا: كم كنتم؟
قال: ألفًا.
(35) * * * ذكر من قال: " كان عددهم ما بين التسعمئة إلى الألف ": 6685 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرًا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبرَ له عليه، (36) فأصابوا راويةً من قريش: (37) فيها أسلم، غلام بني الحجاج، وعَريض أبو يسار غلام بني العاص.
فأتوا بهما &; 6-237 &; رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟
قالا كثير!
قال: ما عدّتهم؟
قالا لا ندري!
قال: كم يَنحرون كل يوم؟
قالا يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: القومُ ما بين التسعمئة إلى الألف.
(38) 6686 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين "، ذلكم يوم بدر، ألفٌ المشركون أو قاربوا، (39) وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وبضعة عشر رجلا.
6687 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ إلى قوله: " رأي العين "، قال: يُضْعفون عليهم، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، يوم بدر.
6688 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين "، قال: كان ذلك يوم بدر، وكان المشركون تسعمئة وخمسين، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وثلاثة عشر.
6689 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وبضعة عشر، والمشركون ما بين التسعمئة إلى الألف.
* * * &; 6-238 &; قال أبو جعفر: فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القولَ الذي رويناه عن ابن عباس في عدد المشركين يوم بدر.
فإذْ كان ما قاله من حكينا قوله - ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمئة - [صحيحًا]، (40) فالتأويل الأول الذي قلناه على الرواية التي روينا عن ابن مسعود، أولى بتأويل الآية.
* * * وقال آخرون: كان عددُ المشركين زائدًا على التسعمئة، فرأى المسلمون عدَدَهم على غير ما كانوا به من العدد.
وقالوا: أرى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلا آية للمسلمين.
قالوا: وإنما عنى الله عز وجل بقوله: " يرونهم مثليهم "، المخاطبين بقوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ .
قالوا: وهم اليهود، غيرَ أنه رجع من المخاطبة إلى الخبر عن الغائب، لأنه أمرٌ من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لهم، فحسن أن يخاطب مرة، ويخبرَ عنهم على وجه الخبر مرّة أخرى، كما قال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ (41) [سورة يونس: 22] وقالوا: فإن قال لنا قائل: فكيف قيل: " يرونهم مثليهم رأي العين "، وقد علمتم أن المشركين كانوا يومئذ ثلاثة أمثال المسلمين؟
قلنا لهم: كما يقول القائل وعنده عبد: " أحتاج إلى مثله "، فأنت محتاج إليه وإلى مثله، (42) ثم يقول: " أحتاج إلى مثليه "، فيكون ذلك خبرًا عن حاجته إلى مثله، وإلى مثلَيْ ذلك المثل.
(43) وكما يقول الرجل: " معي ألفٌ وأحتاج &; 6-239 &; إلى مثليه ".
فهو محتاج إلى ثلاثة.
(44) فلما نوى أن يكون " الألف " داخلا في معنى " المثل " صار " المثل " اثنين، والاثنان ثلاثة.
(45) قال: ومثله في الكلام: (46) " أراكم مثلكم "، كأنه قال: أراكم ضعفكم = (47) " وأراكم مثليكم ".
يعني: أراكم ضعفيكم.
قالوا: فهدا على معنى ثلاثة أمثالهم.
(48) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنّ الله أرى الفئةَ الكافرةَ عددَ الفئة المسلمة مثلَيْ عددهم.
وهذا أيضًا خلاف ما دلّ عليه ظاهر التنـزيل.
لأن الله جل ثناؤه قال في كتابه: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [سورة الأنفال: 44]، فأخبر أن كلا من الطائفتين قلل عددها في مرأى الأخرى.
* * * قال أبو جعفر: وقرأ آخرون ذلك: ( تُرَوْنَهُمْ ) بضم التاء، بمعنى: يريكموهم الله مثليهم.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات بالصواب، قراءةُ من قرأ: " يرونهم " بالياء، بمعنى: وأخرى كافرة، يراهم المسلمون مثليهم - يعني: مثلي عدد &; 6-240 &; المسلمين ، لتقليل الله إياهم في أعينهم في حال، فكان حَزْرهم إياهم كذلك، ثم قللهم في أعينهم عن التقليل الأول، فحزروهم مثل عدد المسلمين، (49) ثم تقليلا ثالثًا، فحزروهم أقل من عدد المسلمين، كما:- 6690 - حدثني أبو سعيد البغدادي قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تَرَاهم سبعين؟
قال: أراهم مائة.
قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟
قال: ألفًا.
* * * وقد روى عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت: " ترونهم "، لكانت " مثليكم ".
6691 - حدثني المثنى قال، حدثني عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة بذلك.
(50) * * * قال أبو جعفر: ففي الخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود، ما أبان عن اختلاف حَزْر المسلمين يومئذ عددَ المشركين في الأوقات المختلفة، فأخبر الله عز وجل - عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند المسلمين - اليهودَ، على &; 6-241 &; ما كان به عندهم، (51) مع علم اليهود بمبلغ عدد الفئتين = (52) إعلامًا منه لهم أنه مؤيد المؤمنين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، وليحذروا منه أن يُحلّ بهم من العقوبة على أيدي المؤمنين، مثلَ الذي أحلّ بأهل الشرك به من قريش على أيديهم ببدر.
(53) * * * وأما قوله: " رأي العين "، فإنه مصدر: " رَأيتهُ" يقال: " رأيته رأيًا ورُؤْية "، و " رأيت في المنام رؤيَا حسنةٌ"، غير مُجْراة.
يقال: " هو مني رَأيَ العين، ورِئاءَ العين "، (54) بالنصب والرفع، يراد: حيث يقع عليه بصري، وهو من " الرأي" مثله.
و " القوم رئاءٌ"، (55) إذا جلسوا حيث يرى بعضُهم بعضًا.
* * * فمعنى ذلك: يرونهم - حيث تلحقهم أبصارُهم وتراهم عيونُهم - مثليْهم.
* * * &; 6-242 &; القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ (13) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (56) " والله يؤيد "، يقوّي =" بنصره من يشاء ".
* * * = من قول القائل: " قد أيَّدت فلانًا بكذا "، إذا قوّيته وأعنته،" فأنا أؤيّده تأييدًا ".
و " فَعَلت " منه: " إدته فأنا أئيده أيدًا "، (57) ومنه قول الله عز وجل: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ [سورة ص: 17]، يعني: ذا القوة.
(58) * * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قد كان لكم = (59) يا معشر اليهود، في فئتين التقتا، إحداهما تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يراهم المسلمون مثليهم رأي أعينهم، فأيدنا المسلمة وهم قليلٌ عددهم، على الكافرة وهم كثير عدَدُهم حتى ظفروا بهم = (60) معتبر ومتفكر، والله يقوّى بنصره من يشاء.
* * * &; 6-243 &; وقال جل ثناؤه " إنّ في ذلك "، يعني: إن فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم: من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددها، على الفئة الكافرة مع كثرة عددها =" لعبرة "، يعني: لمتفكرًا ومتَّعظًا لمن عقل وادّكر فأبصر الحق، كما:- 6692 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار "، يقول: لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر، أيَّدهم الله ونصرهم على عدوّهم.
6693 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
-------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير"الآية" في (أيى) من فهارس اللغة.
(20) انظر ما سلف في تفسير"فئة" 5: 352 ، 353.
(21) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف 2: 497 / ثم 3: 563 ، 583 / ثم 4: 318 / ثم 5: 280.
(22) الأثران: 6675 ، 6676 - سيرة ابن هشام 3: 51 باختلاف في اللفظ ، لاختلاف الرواية عنه.
(23) الأثران: 6675 ، 6676 - سيرة ابن هشام 3: 51 باختلاف في اللفظ ، لاختلاف الرواية عنه.
(24) هو كثير عزة.
(25) ديوانه 1: 46 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 192 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 87 ، وسيبويه 1: 215 ، والخزانة 2: 376 وغيرها كثير ، وسيأتي في التفسير 30: 58 (بولاق) ، وهو من قصيدته التائية المشهورة ، وهذا البيت معطوف على أمنية تمناها في الأبيات السالفة: فَلَيْـتَ قَلُـوصِي عِنْـدَ عَزَّةَ قُيّدَ تْبِحَبْلٍ ضَعيــفٍ غُــرَّ مِنْهَــا فَضَلَّــتِ وغُـودِرَ فِـي الحَـيِّ المُقِيمِينَ رَحْلُهَا وكَــانَ لَهَــا بـاغٍ سِـوَايَ فَبَلَّـتِ وَكُـنْتُ كَـذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٌ صَحِيحةٌ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قال الأعلم: "تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها ، وتضل ناقته فلا يرحل عنها".
وقال آخرون: "تمنى أن تضيع قلوصه فيبقى في حي عزة ، فيكون ببقائه في حي عزة كذي رجل صحيحة ، ويكون من عدمه لقلوصه كذي رجل عليلة".
وقال ابن سيدهْ: "لما خانته عزة العهد فزلت عن عهده ، وثبت هو على عهدها ، صار كذي رجلين: رجل صحيحة: هو ثباته على عهدها ، وأخرى مريضة: وهو زللها عن عهده".
وقال آخرون: "معنى البيت: أنه بين خوف ورجاء ، وقرب وثناء" ، ولي في معنى الأبيات رأي ليس هذا موضع بيانه.
(26) لم أعرف نسبة هذا الشعر إلى ابن مفرغ ، وهو بلا شك للنجاشي الحارثي ، من قصيدته في معاوية وعلي ، وأكثرها في الوحشيات لأبي تمام ، ووقعة صفين: 601-605.
(27) الوحشيات رقم: 183 ، وحماسة ابن الشجري: 33 ، وخزانة الأدب 2: 378 ، وأزد شنوءة ، وأزد عمان ، كانا من القبائل التي قاتلت يوم صفين ، وكانت أزد شنودة مع أهل الشام ، وأزد عمان في أهل العراق.
ورواية الشعر: "وكنتم كذي رجلين..." ، والخطاب لبني تميم وغطفان في قوله قبل ذلك: أَيَــا رَاكِبًـا إِمَّـا عَـرَضْتَ فَبَلِّغَـنْ تَمِيمًـا, وَهـذَا الحَـيَّ مِـنْ غَطَفَـان بيد أن رواية البيت: فأمَّــا التـي شَـلَّتْ فَـأَزدُ شَـنُوءةٍ وأَمَّـا التـي صَحَّـتْ فَـأَزدُ عُمَـانِ لأن النجاشي كان مع علي ، وكانت أزد عمان معه.
أما أزدشنوءة فكانت مع معاوية.
(28) انظر أكثر هذا وأبسط منه في معاني القرآن للفراء 1: 192-194 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 87 ، 88.
(29) قوله: "قللها الله عز وجل في أعينها" ، وذلك أن المشركين كانوا أكثر منهم أمثالا ، فأراهم الله عددهم مثليهم وحسب.
وسيأتي بيان ذلك بعد قليل.
وانظر التعليق التالي.
(30) في المطبوعة: ".
.
.
أمثالا لها أنها تكثرها.
.
." ، والصواب من المخطوطة ، وكأن الطابع خفي عليه معنى الحصر في هذا الكلام ، فغيره.
وانظر التعليق السالف.
(31) في المطبوعة: "كأن المؤمنين كانوا..." ، وهو فاسد جدًا ، لم يحسن الناشر أن يقرأ المخطوطة ، فقرأها على وجه لا يصح.
(32) في المخطوطة والمطبوعة: "إذا قال ذلك صدقوه" ، وهو خطأ بين ، والصواب من تاريخ الطبري ، وسيأتي مرجعه في آخر الأثر.
(33) في التاريخ: "عشرًا" وهي الأجود.
والجزر جمع جزور: وهي الناقة المجزورة أو البعير المجزور ، فهو يقع على الذكر والأنثى.
(34) الأثر: 6683- تاريخ الطبري 2: 269.
(35) الأثر: 6684-"أبو سعيد بن يوشع البغدادي" ، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب ، وانظر رقم: 6690 أيضًا.
(36) في المخطوطة: "يلتمسون له عليه" بينهما بياض ، وأتمتها المطبوعة ، كنص ابن هشام.
(37) الرواية: هي المزادة فيها الماء ، ثم سمي البعير الذي يستسقى عليه الماء"راوية" ، وسمي الرجل المستسقى أيضًا"راوية".
وجاء في روايته هنا بالإفراد"راوية" ، وهي بمعنى الجمع ، أي الذين يستقون للقوم ، أو الإبل التي يستقى عليها.
(38) الأثر: 6685- هو مختصر ما في سيرة ابن هشام 2: 268 ، 269 ، وتاريخ الطبري 2: 275.
(39) في المخطوطة: "أللف" ، وعلى اللام الأولى شدة ، وأظنه كان أراد أن يكتب: "لألف".
(40) في المخطوطة والمطبوعة: "فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمئة فالتأويل الأول..." ، وهي عبارة غير مستقيمة ، وسهو من الناسخ كثير ، فرجحت أن صوابها: "حكينا قوله" في الموضع الأول ، وزيادة"صحيحًا" في آخر الجملة كما وضعتها بين القوسين.
(41) انظر معاني القرآن للفراء 1: 195.
(42) في المطبوعة: "أنا محتاج إليه وإلى مثله" ، وهو إفساد.
والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء 1: 194.
(43) عبارة الفراء أوضح وهي: "فأنت إلى ثلاثة محتاج".
(44) في المطبوعة والمخطوطة: "وهو محتاج" ، والسياق يقتضي الفاء ، كما في معاني القرآن للفراء: "فهو يحتاج...".
(45) في المطبوعة: "صار المثل أشرف والاثنان ثلاثة" ، وهو تصحيف ، وفي المخطوطة: "اسرب" غير واضحة بل مضطربة ، والصواب من معاني القرآن للفراء.
(46) قوله: "قال" يعني الفراء ، فالذي مضى والذي يأتي نص كلامه أو شبيه بنص كلامه أحيانًا ، وقلما يصرح أبو جعفر باسم الفراء ، كما رأيت في جميع المواضع التي أشرنا إليها مرارًا ، أنه نقل عنه نص كلامه.
(47) في المطبوعة والمخطوطة: "كما يقال إن لكم ضعفكم" ، وهو كلام بلا معنى ، واستظهرت صوابه من نص الفراء في معاني القرآن وهو: "ومثله في الكلام أن تقول: أراكم مثلكم - كأنك قلت: أراكم ضعفكم".
(48) أكثر هذا بنصه من معاني القرآن للفراء 1: 194.
(49) في المطبوعة والمخطوطة: "مثلى عدد المسلمين" هنا أيضًا ، وهو خطأ ظاهر ، والسياق الماضي والآتي يدل على خلافه ، وهو كما أثبت.
(50) الأثر: 6691-"عبد الرحمن بن أبي حماد" لم أعرف من هو على التحقيق.
وقد مر"عبد الرحمن بن أبي حماد الكوفي القارئ" في رقم: 3109 ، 4077 ، ولكن لم يرو عنه"المثنى" إلا بالواسطة ، وإسناده: "حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي حماد" ، ولا أظنه هو هو.
وقد جاء في تاريخ الطبري 1: 171: "حدثني المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد..." ، فأكبر الظن أنهما رجلان.
أما "ابن المبارك" فهو"عبد الله المبارك" فيما رجحت ، وقد كان في المطبوعة"عن ابن المعرك" ، ولم أجد من يسمى بهذا الاسم ، وفي المخطوطة: "عن ابن المسرل" كأنها ميم وسين ثم راء ثم كاف أو لام.
فلعلها كانت مكتوبة في الأصل"ابن المبرك" بغير ألف بين الباء والراء ، فقرأها الناسخ هكذا.
والله أعلم.
(51) هكذا جاءت في المطبوعة ، وهي جملة لا تكاد تستقيم ، وقوله: "اليهود" مفعول به لقوله: "فأخبر الله عز وجل...".
وقوله: "على ما كان به عندهم" ، مما لم أعرف له وجهًا أرضاه.
أما المخطوطة فهكذا نصها: "فأخبر الله عز وجل عما كان من اختلاف أحوال عددهم عرم المسلمين اليهود على ما كان به عندهم" ، وهو كلام مضطرب أخشى أن يكون قد سقط منه شيء.
(52) سياق الكلام على ما ترى: "فأخبر الله عز وجل...
اليهود...
إعلامًا منه لهم".
(53) في المخطوطة والمطبوعة: "ببدرهم" ، وهو كلام ليس بعربي ، فآثرت حذف الضمير ، وجعلتها"ببدر" ، إلا أن يكون في الكلام تحريف لم أتبينه.
هذا والناسخ كما ترى ، في كثير من هذه الصفحات قد عجل فزاد وحرف ونقص.
غفر الله له.
(54) في المطبوعة: "ورأي العين" ، وفي المخطوطة"ورآا العين" ، وصواب قراءتها ما أثبت وإنما حمل الناشر الأول أن يقرأها كذلك ، أنه لم يجد نصها في كتب اللغة ، ولكن قوله بعد: "وهو من الرأى مثله" ، إنما يعني به هذه الكلمة ، ثم ما سيأتي في الجملة التالية: "والقوم رثاء" ، مما استدل به على ذلك أيضًا.
ولكن الناشر الأول ، لم يحسن قراءة المخطوطة فتصرف فيه ، وأعانه ذلك على التصرف في رسم الذي قبله ، كما سنرى في التعليق التالي.
وانظر أيضًا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 88.
(55) في المطبوعة: "والقوم راأوا" ، ولا أدري كيف أراد أن يقرأها الناشر الأول ، وماذا ظنها!!
والصواب ما أثبت ، ورسمه في المخطوطة"والقوم رآء" وتحت الراء كسرة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وانظر التعليق السالف.
(56) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، ولكن السياق كما ترى يقتضي ما أثبت.
(57) لم تذكر كتب اللغة هذا الفعل الثلاثي متعديًا ، بل قالوا: "آد يئيد أيدًا ، إذا اشتد وقوى"؛ فهذه زيادة لم أجدها في غير هذا التفسير الجليل.
(58) انظر تفسير"الأيد" و"أيد" فيما سلف 2: 319 ، 320 / ثم 5: 379.
(59) في المخطوطة والمطبوعة: "قد كان لكم آية" ، وذكر"آية" هنا سبق قلم من الناسخ لسبق الآية على لسانه ، فإن اسم"كان" سيأتي بعد قليل وهو: "معتبر ومتفكر" ، وهو معنى"آية" هنا ، كما سلف في أول تفسير هذه الآية.
(60) في المخطوطة والمطبوعة: "قد كان لكم آية" ، وذكر"آية" هنا سبق قلم من الناسخ لسبق الآية على لسانه ، فإن اسم"كان" سيأتي بعد قليل وهو: "معتبر ومتفكر" ، وهو معنى"آية" هنا ، كما سلف في أول تفسير هذه الآية.
(19) انظر تفسير"الآية" في (أيى) من فهارس اللغة.
(20) انظر ما سلف في تفسير"فئة" 5: 352 ، 353.
(21) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف 2: 497 / ثم 3: 563 ، 583 / ثم 4: 318 / ثم 5: 280.
(22) الأثران: 6675 ، 6676 - سيرة ابن هشام 3: 51 باختلاف في اللفظ ، لاختلاف الرواية عنه.
(23) الأثران: 6675 ، 6676 - سيرة ابن هشام 3: 51 باختلاف في اللفظ ، لاختلاف الرواية عنه.
(24) هو كثير عزة.
(25) ديوانه 1: 46 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 192 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 87 ، وسيبويه 1: 215 ، والخزانة 2: 376 وغيرها كثير ، وسيأتي في التفسير 30: 58 (بولاق) ، وهو من قصيدته التائية المشهورة ، وهذا البيت معطوف على أمنية تمناها في الأبيات السالفة: فَلَيْـتَ قَلُـوصِي عِنْـدَ عَزَّةَ قُيّدَ تْبِحَبْلٍ ضَعيــفٍ غُــرَّ مِنْهَــا فَضَلَّــتِ وغُـودِرَ فِـي الحَـيِّ المُقِيمِينَ رَحْلُهَا وكَــانَ لَهَــا بـاغٍ سِـوَايَ فَبَلَّـتِ وَكُـنْتُ كَـذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٌ صَحِيحةٌ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قال الأعلم: "تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها ، وتضل ناقته فلا يرحل عنها".
وقال آخرون: "تمنى أن تضيع قلوصه فيبقى في حي عزة ، فيكون ببقائه في حي عزة كذي رجل صحيحة ، ويكون من عدمه لقلوصه كذي رجل عليلة".
وقال ابن سيدهْ: "لما خانته عزة العهد فزلت عن عهده ، وثبت هو على عهدها ، صار كذي رجلين: رجل صحيحة: هو ثباته على عهدها ، وأخرى مريضة: وهو زللها عن عهده".
وقال آخرون: "معنى البيت: أنه بين خوف ورجاء ، وقرب وثناء" ، ولي في معنى الأبيات رأي ليس هذا موضع بيانه.
(26) لم أعرف نسبة هذا الشعر إلى ابن مفرغ ، وهو بلا شك للنجاشي الحارثي ، من قصيدته في معاوية وعلي ، وأكثرها في الوحشيات لأبي تمام ، ووقعة صفين: 601-605.
(27) الوحشيات رقم: 183 ، وحماسة ابن الشجري: 33 ، وخزانة الأدب 2: 378 ، وأزد شنوءة ، وأزد عمان ، كانا من القبائل التي قاتلت يوم صفين ، وكانت أزد شنودة مع أهل الشام ، وأزد عمان في أهل العراق.
ورواية الشعر: "وكنتم كذي رجلين..." ، والخطاب لبني تميم وغطفان في قوله قبل ذلك: أَيَــا رَاكِبًـا إِمَّـا عَـرَضْتَ فَبَلِّغَـنْ تَمِيمًـا, وَهـذَا الحَـيَّ مِـنْ غَطَفَـان بيد أن رواية البيت: فأمَّــا التـي شَـلَّتْ فَـأَزدُ شَـنُوءةٍ وأَمَّـا التـي صَحَّـتْ فَـأَزدُ عُمَـانِ لأن النجاشي كان مع علي ، وكانت أزد عمان معه.
أما أزدشنوءة فكانت مع معاوية.
(28) انظر أكثر هذا وأبسط منه في معاني القرآن للفراء 1: 192-194 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 87 ، 88.
(29) قوله: "قللها الله عز وجل في أعينها" ، وذلك أن المشركين كانوا أكثر منهم أمثالا ، فأراهم الله عددهم مثليهم وحسب.
وسيأتي بيان ذلك بعد قليل.
وانظر التعليق التالي.
(30) في المطبوعة: ".
.
.
أمثالا لها أنها تكثرها.
.
." ، والصواب من المخطوطة ، وكأن الطابع خفي عليه معنى الحصر في هذا الكلام ، فغيره.
وانظر التعليق السالف.
(31) في المطبوعة: "كأن المؤمنين كانوا..." ، وهو فاسد جدًا ، لم يحسن الناشر أن يقرأ المخطوطة ، فقرأها على وجه لا يصح.
(32) في المخطوطة والمطبوعة: "إذا قال ذلك صدقوه" ، وهو خطأ بين ، والصواب من تاريخ الطبري ، وسيأتي مرجعه في آخر الأثر.
(33) في التاريخ: "عشرًا" وهي الأجود.
والجزر جمع جزور: وهي الناقة المجزورة أو البعير المجزور ، فهو يقع على الذكر والأنثى.
(34) الأثر: 6683- تاريخ الطبري 2: 269.
(35) الأثر: 6684-"أبو سعيد بن يوشع البغدادي" ، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب ، وانظر رقم: 6690 أيضًا.
(36) في المخطوطة: "يلتمسون له عليه" بينهما بياض ، وأتمتها المطبوعة ، كنص ابن هشام.
(37) الرواية: هي المزادة فيها الماء ، ثم سمي البعير الذي يستسقى عليه الماء"راوية" ، وسمي الرجل المستسقى أيضًا"راوية".
وجاء في روايته هنا بالإفراد"راوية" ، وهي بمعنى الجمع ، أي الذين يستقون للقوم ، أو الإبل التي يستقى عليها.
(38) الأثر: 6685- هو مختصر ما في سيرة ابن هشام 2: 268 ، 269 ، وتاريخ الطبري 2: 275.
(39) في المخطوطة: "أللف" ، وعلى اللام الأولى شدة ، وأظنه كان أراد أن يكتب: "لألف".
(40) في المخطوطة والمطبوعة: "فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمئة فالتأويل الأول..." ، وهي عبارة غير مستقيمة ، وسهو من الناسخ كثير ، فرجحت أن صوابها: "حكينا قوله" في الموضع الأول ، وزيادة"صحيحًا" في آخر الجملة كما وضعتها بين القوسين.
(41) انظر معاني القرآن للفراء 1: 195.
(42) في المطبوعة: "أنا محتاج إليه وإلى مثله" ، وهو إفساد.
والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء 1: 194.
(43) عبارة الفراء أوضح وهي: "فأنت إلى ثلاثة محتاج".
(44) في المطبوعة والمخطوطة: "وهو محتاج" ، والسياق يقتضي الفاء ، كما في معاني القرآن للفراء: "فهو يحتاج...".
(45) في المطبوعة: "صار المثل أشرف والاثنان ثلاثة" ، وهو تصحيف ، وفي المخطوطة: "اسرب" غير واضحة بل مضطربة ، والصواب من معاني القرآن للفراء.
(46) قوله: "قال" يعني الفراء ، فالذي مضى والذي يأتي نص كلامه أو شبيه بنص كلامه أحيانًا ، وقلما يصرح أبو جعفر باسم الفراء ، كما رأيت في جميع المواضع التي أشرنا إليها مرارًا ، أنه نقل عنه نص كلامه.
(47) في المطبوعة والمخطوطة: "كما يقال إن لكم ضعفكم" ، وهو كلام بلا معنى ، واستظهرت صوابه من نص الفراء في معاني القرآن وهو: "ومثله في الكلام أن تقول: أراكم مثلكم - كأنك قلت: أراكم ضعفكم".
(48) أكثر هذا بنصه من معاني القرآن للفراء 1: 194.
(49) في المطبوعة والمخطوطة: "مثلى عدد المسلمين" هنا أيضًا ، وهو خطأ ظاهر ، والسياق الماضي والآتي يدل على خلافه ، وهو كما أثبت.
(50) الأثر: 6691-"عبد الرحمن بن أبي حماد" لم أعرف من هو على التحقيق.
وقد مر"عبد الرحمن بن أبي حماد الكوفي القارئ" في رقم: 3109 ، 4077 ، ولكن لم يرو عنه"المثنى" إلا بالواسطة ، وإسناده: "حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي حماد" ، ولا أظنه هو هو.
وقد جاء في تاريخ الطبري 1: 171: "حدثني المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد..." ، فأكبر الظن أنهما رجلان.
أما "ابن المبارك" فهو"عبد الله المبارك" فيما رجحت ، وقد كان في المطبوعة"عن ابن المعرك" ، ولم أجد من يسمى بهذا الاسم ، وفي المخطوطة: "عن ابن المسرل" كأنها ميم وسين ثم راء ثم كاف أو لام.
فلعلها كانت مكتوبة في الأصل"ابن المبرك" بغير ألف بين الباء والراء ، فقرأها الناسخ هكذا.
والله أعلم.
(51) هكذا جاءت في المطبوعة ، وهي جملة لا تكاد تستقيم ، وقوله: "اليهود" مفعول به لقوله: "فأخبر الله عز وجل...".
وقوله: "على ما كان به عندهم" ، مما لم أعرف له وجهًا أرضاه.
أما المخطوطة فهكذا نصها: "فأخبر الله عز وجل عما كان من اختلاف أحوال عددهم عرم المسلمين اليهود على ما كان به عندهم" ، وهو كلام مضطرب أخشى أن يكون قد سقط منه شيء.
(52) سياق الكلام على ما ترى: "فأخبر الله عز وجل...
اليهود...
إعلامًا منه لهم".
(53) في المخطوطة والمطبوعة: "ببدرهم" ، وهو كلام ليس بعربي ، فآثرت حذف الضمير ، وجعلتها"ببدر" ، إلا أن يكون في الكلام تحريف لم أتبينه.
هذا والناسخ كما ترى ، في كثير من هذه الصفحات قد عجل فزاد وحرف ونقص.
غفر الله له.
(54) في المطبوعة: "ورأي العين" ، وفي المخطوطة"ورآا العين" ، وصواب قراءتها ما أثبت وإنما حمل الناشر الأول أن يقرأها كذلك ، أنه لم يجد نصها في كتب اللغة ، ولكن قوله بعد: "وهو من الرأى مثله" ، إنما يعني به هذه الكلمة ، ثم ما سيأتي في الجملة التالية: "والقوم رثاء" ، مما استدل به على ذلك أيضًا.
ولكن الناشر الأول ، لم يحسن قراءة المخطوطة فتصرف فيه ، وأعانه ذلك على التصرف في رسم الذي قبله ، كما سنرى في التعليق التالي.
وانظر أيضًا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 88.
(55) في المطبوعة: "والقوم راأوا" ، ولا أدري كيف أراد أن يقرأها الناشر الأول ، وماذا ظنها!!
والصواب ما أثبت ، ورسمه في المخطوطة"والقوم رآء" وتحت الراء كسرة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وانظر التعليق السالف.
(56) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، ولكن السياق كما ترى يقتضي ما أثبت.
(57) لم تذكر كتب اللغة هذا الفعل الثلاثي متعديًا ، بل قالوا: "آد يئيد أيدًا ، إذا اشتد وقوى"؛ فهذه زيادة لم أجدها في غير هذا التفسير الجليل.
(58) انظر تفسير"الأيد" و"أيد" فيما سلف 2: 319 ، 320 / ثم 5: 379.
(59) في المخطوطة والمطبوعة: "قد كان لكم آية" ، وذكر"آية" هنا سبق قلم من الناسخ لسبق الآية على لسانه ، فإن اسم"كان" سيأتي بعد قليل وهو: "معتبر ومتفكر" ، وهو معنى"آية" هنا ، كما سلف في أول تفسير هذه الآية.
(60) في المخطوطة والمطبوعة: "قد كان لكم آية" ، وذكر"آية" هنا سبق قلم من الناسخ لسبق الآية على لسانه ، فإن اسم"كان" سيأتي بعد قليل وهو: "معتبر ومتفكر" ، وهو معنى"آية" هنا ، كما سلف في أول تفسير هذه الآية.
قوله تعالى : قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصارقوله تعالى : قد كان لكم آية أي علامة .
وقال كان ولم يقل " كانت " لأن آية تأنيثها غير حقيقي .
وقيل : ردها إلى البيان ، أي قد كان لكم بيان ; فذهب إلى المعنى وترك اللفظ ; كقول امرئ القيس :برهرهة رؤده رخصة كخرعوبة البانة المنفطرولم يقل المنفطرة ; لأنه ذهب إلى القضيب .
وقال الفراء : ذكره لأنه فرق بينهما بالصفة ، [ ص: 24 ] فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل .
وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصيةفي فئتين التقتا يعني المسلمين والمشركين يوم بدر فئة قرأ الجمهور فئة بالرفع ، بمعنى إحداهما فئة .
وقرأ الحسن ومجاهد " فئة " بالخفض وأخرى كافرة على البدل .
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما .
قال أحمد بن يحيى : ويجوز النصب على الحال ، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة .
قال الزجاج : النصب بمعنى أعني .
وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها ، أي يرجع إليها في وقت الشدة .
وقال الزجاج : الفئة الفرقة ، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف - ويقال : فأيته - إذا فلقته .
ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر .
واختلف من المخاطب بها ; فقيل : يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ; وبكل احتمال منها قد قال قوم .
وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع .قوله تعالى : يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار قال أبو علي الرؤية في هذه الآية رؤية عين ; ولذلك تعدت إلى مفعول واحد .
قال مكي والمهدوي : يدل عليه رأي العين .
وقرأ نافع " ترونهم " بالتاء والباقون بالياء .
مثليهم نصب على الحال من الهاء والميم في " ترونهم " .
والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون ، والضمير المتصل هو للكفار .
وأنكر أبو عمرو أن يقرأ " ترونهم " بالتاء ; قال : ولو كان كذلك لكان مثليكم .
قال النحاس " وذا لا يلزم ، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم .
قال مكي : " ترونهم " بالتاء جرى على الخطاب في " لكم " فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين ، والهاء والميم للمشركين .
وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف ، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ; ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة ، كقوله تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ، وقوله تعالى : وما آتيتم من زكاة فخاطب ثم قال : فأولئك هم المضعفون فرجع إلى الغيبة .
فالهاء والميم في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد ; وهو بعيد في المعنى ; لأن الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين [ ص: 25 ] المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين ، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر ، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار ، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم .
ويحتمل أن يكون الضمير في مثليهم للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد ، أي ترون أنفسكم مثلي عددكم ; فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين .
والتأويل الأول أولى ; يدل عليه قوله تعالى : إذ يريكهم الله في منامك قليلا ، وقوله : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟
قال : أظنهم مائة فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا .
وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين .
وضعف الطبري هذا القول .
قال ابن عطية : وكذلك هو مردود من جهات .
بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم .
وعلى هذا التأويل كان يكون " ترون " للكافرين ، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم ، ويحتمل مثليكم ، على ما تقدم .
وزعم الفراء أن المعنى ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم .
وهو بعيد غير معروف في اللغة .
قال الزجاج : وهذا باب الغلط ، فيه غلط في جميع المقاييس ; لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساويا له ، ونعقل مثله ما يساويه مرتين .
قال ابن كيسان : وقد بين الفراء قوله بأن قال : كما تقول وعندك عبد : أحتاج إلى مثله ، فأنت محتاج إليه وإلى مثله .
وتقول : أحتاج إلى مثليه ، فأنت محتاج إلى ثلاثة .
والمعنى على خلاف ما قاله ، واللغة .
والذي أوقع الفراء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر ; فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عدتهم ، وهذا بعيد وليس المعنى عليه .
وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين : إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك ، لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك .
والأخرى أنه آية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى .
وأما قراءة الياء فقال ابن كيسان : الهاء والميم في يرونهم عائدة على وأخرى كافرة والهاء والميم في مثليهم عائدة على فئة تقاتل في سبيل الله وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام ، وهو قوله : يؤيد بنصره من يشاء .
فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد .
قال : والرؤية هنا لليهود .
وقال مكي : الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله ، [ ص: 26 ] والمرئية الفئة الكافرة ; أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة ، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم الله في أعينهم على ما تقدم .
والخطاب في لكم لليهود .
وقرأ ابن عباس وطلحة " ترونهم " بضم التاء ، والسلمي بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله .والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار تقدم معناه والحمد لله .
{ قد كان لكم آية } أي: عبرة عظيمة { في فئتين التقتا } وهذا يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه { وأخرى كافرة } أي: كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطرا وفخرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، فجمع الله بين الطائفتين في بدر، وكان المشركون أضعاف المؤمنين، فلهذا قال { يرونهم مثليهم رأي العين } أي: يرى المؤمنون الكافرين يزيدون عليها زيادة كثيرة، تبلغ المضاعفة وتزيد عليها، وأكد هذا بقوله { رأي العين } فنصر الله المؤمنين وأيدهم بنصره فهزموهم، وقتلوا صناديدهم، وأسروا كثيرا منهم، وما ذاك إلا لأن الله ناصر من نصره، وخاذل من كفر به، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار، أي: أصحاب البصائر النافذة والعقول الكاملة، على أن الطائفة المنصورة معها الحق، والأخرى مبطلة، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرد الأسباب الظاهرة والعدد والعدد لجزم بأن غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من أنواع المحالات، ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سبب أعظم منه لا يدركه إلا أهل البصائر والإيمان بالله والتوكل على الله والثقة بكفايته، وهو نصره وإعزازه لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
قوله تعالى : ( قد كان لكم آية ) ولم يقل قد كانت لكم ، والآية مؤنثة لأنه ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان ، فذهب إلى المعنى .
وقال الفراء : إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث ، فذكر الفعل ، وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه ، فمعنى الآية : قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون ( في فئتين ) فرقتين وأصلها فيء الحرب لأن بعضهم يفيء إلى بعض ( التقتا ) يوم بدر ( فئة تقاتل في سبيل الله ) طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار ، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة ، وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف قوله تعالى : ( وأخرى كافرة ) أي فرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وفيهم مائة فرس وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يرونهم مثليهم ) قرأ أهل المدينة ويعقوب بالتاء يعني ترون يا معشر اليهود أهل مكة مثلي المسلمين وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصرة مع ذلك للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية ، وقرأ الآخرون بالياء ، واختلفوا في وجهه : فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ثم له تأويلان ، أحدهما يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم ، فإن قيل : كيف قال مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟
قيل : هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا أحتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم والتأويل الثاني - وهو الأصح - كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم ، قللهم الله تعالى في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين ثم قللهم الله في أعينهم في حالة أخرى حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله عنه : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا .
ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل من أنفسهم [ قال ابن مسعود رضي الله عنه ] حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟
قال : أراهم مائة قال بعضهم : الرؤية راجعة إلى المشركين يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجترئ المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما أخذوا في القتال كثرهم الله في أعين المشركين ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترئوا فذلك قوله تعالى " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم " ( 44 - الأنفال ) .
قوله تعالى : ( رأي العين ) أي في رأي العين نصب بنزع حرف الصنعة ( والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك ) الذي ذكرت ( لعبرة لأولي الأبصار ) لذوي العقول ، وقيل لمن أبصر الجمعين
«قد كان لكم آية» عبرة وذكر الفعل للفصل «في فئتين» فرقتين «التقتا» يوم بدر للقتال «فئة تقاتل في سبيل الله» أي طاعته، وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسَان وست أذرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة «وأخرى كافرة يرونهم» أي الكفار «مثليهم» أي المسلمين أي أكثر منهم وكانوا نحو ألف «رأي العين» أي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم «والله يؤيد» يقِّوي «بنصره من يشاء» نصره «إن في ذلك» المذكور «لعبرة لأولي الأبصار» لذوى البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون.
قد كان لكم -أيها اليهود المتكبرون المعاندون- دلالة عظيمة في جماعتين تقابلتا في معركة "بَدْر": جماعة تقاتل من أجل دين الله، وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجماعة أخرى كافرة بالله، تقاتل من أجل الباطل، ترى المؤمنين في العدد مثليهم رأي العين، وقد جعل الله ذلك سببًا لنصر المسلمين عليهم.
والله يؤيِّد بنصره من يشاء من عباده.
إن في هذا الذي حدث لَعِظة عظيمة لأصحاب البصائر الذين يهتدون إلى حكم الله وأفعاله.
ثم ساق القرآن مثلا مشاهداً يدل على نصر الله - تعالى - لأوليائه وخذلانه لأعدائه ، فقال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين } .والمراد بالآية هنا العلامة والبرهان والشاهد على صدق الشىء المخبر عنه .والفئة - كما يقول القرطبي - الجماعة من الناس ، وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها ، أي يرجع إليها في وقت الشدة ، ولا خلاف في أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر .
ثم قال : ويحتمل أن يكون المخاطب بهذه الآية جميع المؤمنين ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ، وبكل احتمال منها قد قال قوم .
وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها ، حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع .والمعنى : قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة ، ودلالة واضحة على أن الكافرين سيغلبون والمؤمنين سينصرون بما جرى في غزوة بدر ، فقد رأيتم كيف أن الله - تعالى - قد نصر المؤمنين مع قلة عددهم ، وهزم الكافرين مع كثرة عددهم وعددعم .
ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم أكثر منهم عددا وعدة ومع ذلك لم يهابوهم ولم يجبنوا عن لقائهم ، بل أقدموا على قتالهم بإيمان وشجاعة فرزقهم الله النصر على أعدائهم .ووصف - سبحانه - الفئة المؤمنة بأنها تقاتل في سبيل الله ، على سبيل المدح لها ، والإعلاء من شأنها ، وبيان الغاية السامية التي من أجلها قاتلت ، ومن أجلها تم لها النصر فهي لم تقاتل لأجل عرض من أعراض الدنيا وإنما قاتلت لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق .ووصف الفئة الأخرى بأنها كافرة؛ لأنها لم تؤمن بالحق ، ولم تتبع الطريق المستقيم ، بل كفرت بكل ما يصلحها في دينها ودنياها .ولم يصفها بالقتال كما وصف الفئة المؤمنة .
إسقاطا لقتال تلك الفئة الكافرة عن درجة الاعتبار ، وإيذانا بأن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم عند لقائهم للمؤمنين ، جعلهم بأنهم ليسوا أهلا لأن يوصفوا بالقتال .هذا وللعلماء أقوال في المراد من قوله - تعالى - { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين } وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال فقال : { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ } أي : يرى المشركون المسلمين مثلى عدد المشركين أي قريبا من ألفين ، أو مثلى عدد المسلمين أي ستمائة ونيفا وعشرين .
أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم .
وكان ذلك مددا لهم من الله كما أمدهم بالملائكة .
والدليل عليه قراءة نافع " ترونهم " بالتاء ، أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلى فئتكم الكافرة ، أو مثلى أنفسهم .
فإن قلت فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال { وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ } قلت : قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤا عليهم : فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين .
.
.
وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية .
وقيل : يرى المسلمون المشركين مثلى المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثيني في قوله { فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله - تعالى - { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } والذى نراه أن الرأى الذى عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : وقيل : يرى المسلمون المشركين مثل المسلمين .
.
.
إلخ هذا الرأى هو أقرب الأقوال إلى الصواب؛ لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين ، ولأن التعبير بقوله - تعالى - { رَأْيَ العين } يفيد أن رؤية هذه الكثرة من المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة ، وليست بالتقدير أو التخيل ، وهذا يتحقق في رؤية المؤمنين للمشركين :فإن قيل : إن المشركين في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا - كما حكى لنا التاريخ - ولم يكونوا مثليهم أي ضعفهم؟فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان تقديراً تقريبيا وليس تقديرا عدديا ، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو نقول : إن المراد بكلمة مثلين مجرد التكرار وليس المراد بها التثنية على الحقيقة ، كما في قوله - تعالى - { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } فالمراد تكرار النظر مرة ومرات وليس المراد التحديد بكرتين .وقد رجح ابن جرير الطبرى هذا الرأى ، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء : وأولى هذه القراءات بالصواب : قراءة من قرأ { يَرَوْنَهُمْ } بمعنى : وأخرى كافرة يراهم المسلمون مثليهم ، يعني : مثلى عدد المسلمين ، لتقليل الله إياهم في أعينهم في حال .
فكان حزرهم إياهم كذلك .
.
ثم قال : وأما قوله : { رَأْيَ العين } فإنه مصدر رأيته يقال رأيته رأياً ورؤية ، ويقال هو منى رأى العين ، ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى ..
فمعنى ذلك : يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم " .وقوله - تعالى - { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } .
.
إلخ من تمام القول المأمور به جىء به لتقرير وتحقيق ما قبله .
و { كَانَ } هنا ناقصة ، و { آيَةٌ } اسمها ، وترك التأنيث في - كان - لوجود الفاصل بينها وبين اسمها ، ولأن المرفوع بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل .
وقوله { لَكُمْ } خبر كان .
وقوله { فِئَةٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى .
إحداهما فئة تقاتل في سبيل الله .
وقوله { وأخرى } نعت لمقدر أى وفئة أخرى كافرة .
والجملة مستأنفة لتقرير " ما في الفئتين من الآية " ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } .أى : والله - تعالى - يؤيد بنصره من يشاء نصره وفوزه ، فهو القادر على أن يجعل الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة ، لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه وإن الذين يغترون بقوتهم وحدها ، ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ورجال ، ولا يعملون حسابا للقدر ، الذي يجريه الله على حسب مشيئته وإرادته هؤلاء الذين غرهم بالله الغرور ، تداهمهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون ، وقد يفجؤهم الخسران والخذلان من الطريق الذى توهموا فيه الكسب والانتصار .لذا أمر الله - تعالى - عباده بالاعتبار والاتعاظ فقال : { إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } واسم الإشارة ذلك يعود إلى المذكور الذى رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة غلبت الفئة الكثيرة الكافرة .والعبرة - الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبو وهو النفور من أحد الجانبين إلى الآخر ، وسمى الاتعاظ عبرة ، لأن المعتبر المتعظ يعبر عن الجهل إلى العلم ، ومن الهلاك إلى النجاة .أى : إن في ذلك الذي شاهده الناس وعاينوه من انتصار الفئة القليلة التي تقاتل في سبيل الله ، على الفئة الكثيرة التي تقاتل في سبيل الطاغوت ، لعبرة عظيمة ، ودلالة واضحة ، لأصحاب المدارك السليمة والعقول الواعية التي تفهم الأمور على حقيقتها ، وتؤمن بأن الله - تعالى - قادر على كل شيء ، أما أصحاب القلوب المطموسة والنفوس المغرورة بقوتها .
فهي عن الاعتبار والاتعاظ بمعزل .قال الفخر الرازي ما ملخصه : " واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وعبرة واضحة - وجوها : منها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور منها قلة العدد ، وأنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنه قلة السلاح ، ومنها أنها كانت ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني من الكثرة والتأهب وغير ذلك ومع هذا فقد انتصر المؤمنون ، ولما كان ذلك خارجا عن العادة كان معجزا " .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنذرت الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم ، وساقت لهم ما يؤيد ذلك من واقع ما شاهدوه ، وبشرت المؤمنين بنصر الله لهم ، وحثنهم على الاتعاظ والاعتبار ، لأن من شأن المعتبرين أن يكونوا مراقبين لله - تعالى - ومنفذين لأوامره ، ومبتعدين عن نواهيه ، ومن كان كذلك كان الله معه بنصره وتأييده .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: لم يقل: قد كانت لكم آية، بل قال: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنه محمول على المعنى، والمراد: قد كان لكم إتيان هذا آية.
والثاني: قال الفرّاء: إنما ذكر للفصل الواقع بينهما، وهو قوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ نزلت في اليهود، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم، فقال: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ ﴾ يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ ﴾ الآية، فهذا هو الكلام في وجه النظم.
المسألة الثالثة: ﴿ الفئة ﴾ الجماعة، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وقادوا مائة فرس، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر، وكان في الرجال دروع سوى ذلك، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بين كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة، ومن الخيل فرسان، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة.
واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً الأول: أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها: قل العدد، ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها قلة السلاح والفرس، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها: كثرة العدد، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة، والمقاتلة في الأزمنة الماضية، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً.
والوجه الثاني: في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً.
والوجه الثالث: في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين ﴾ والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة، وذلك معجز.
فإن قيل: تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة.
قلنا: نحمل الرؤية على الظن والحسبان، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة.
والوجه الرابع: في بيان كون هذه القصة آية، قال الحسن: إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال: ﴿ فاستجاب لَكُمْ أنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ ﴾ وقال: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة ﴾ والألف مع الأربعة آلاف: خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض، وهو المراد بقوله: ﴿ والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء ﴾ والله أعلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القراءة المشهورة ﴿ فِئَةٌ ﴾ بالرفع، وكذا قوله: ﴿ وأخرى كَافِرَةٌ ﴾ وقرئ ﴿ فِئَةٌ فَقَاتِلْ وأخرى كَافِرَةٌ ﴾ بالجر على البدل من فئتين، وقرئ بالنصب إما على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في التقتا، قال الواحدي رحمه الله: والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام.
المسألة الثانية: المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله.
وقوله: ﴿ وأخرى كَافِرَةٌ ﴾ المراد بها كفار قريش.
ثم قال تعالى: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبان عن عاصم ﴿ تَرَوْنَهُمْ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا، أو مثلي الفئة الكافرة، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى: ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله: ﴿ فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ ﴾ فقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين.
المسألة الثانية: إعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله: ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة، والمرئيون هم الفئة المسلمة، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان، وأيضاً فقوله: ﴿ مّثْلَيْهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة الأول: أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.
والاحتمال الثاني: أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم.
فإن قيل: هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿ وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
فالجواب: أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر، أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
والاحتمال الثالث: أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ .
فإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟.
الجواب: أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم.
والاحتمال الرابع: أن الرائين هم المسلمون، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك، وفي الآية احتمال خامس، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة.
فإن قيل: كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه.
بقي من مباحث هذا الموضع أمران: البحث الأول: أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً أما الأول: فهو محال عقلاً، لأن المعدوم لا يرى، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي، وأما الثاني: فهو جائز عند أصحابنا، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات، فلم يبعد أن يقال: إنه حصل ذلك المعجز، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه: أحدها: أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام، فلا جرم يرى البعض دون البعض.
وثانيها: لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض.
وثالثها: يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر، وكل ذلك محتمل.
البحث الثاني: اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل: إن كون المشرك رائياً أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً، وأبعدهما مفعولاً أولى من العكس، وأقرب المذكورين هو قوله: ﴿ وأخرى كَافِرَةٌ ﴾ والثاني: أن مقدمة الآية وهو قوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ ﴾ خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار، حيث قال: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا ﴾ فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم.
واحتج من قال: الراؤن هم المسلمون، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال، وكان ذلك أولى والله أعلم.
ثم قال: ﴿ رَأْىَ العين ﴾ يقال: رأيته رأياً ورؤية، ورأيت في المنام رؤيا حسنة، فالرؤية مختص بالمنام، ويقول: هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري، فقوله: ﴿ رَأْىَ العين ﴾ يجوز أن ينتصب على المصدر، ويجوز أن يكون ظرفاً للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم، ومثله: هو مني مناط العنق ومزجر الكلب.
ثم قال: ﴿ والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء ﴾ نصر الله المسلمين على وجهين: نصر بالغلبة كنصر يوم بدر، ونصر بالحجة، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة، وبالعاقبة الحميدة، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح.
ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً ﴾ والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب، وعبارة الرؤيا من ذلك، لأنها تعبير لها، وقوله: ﴿ لأُوْلِى الأبصار ﴾ أي لأولي العقول، كما يقال: لفلان بصر بهذا الأمر، أي علم ومعرفة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ ﴾ الخطاب لمشركي قريش ﴿ فِي فِئَتَيْنِ التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ ﴾ يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.
أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مدداً لهم من الله كما أمدّهم بالملائكة.
والدليل عليه قراءة نافع: ﴿ ترونهم ﴾ ، بالتاء أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم.
فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال ﴿ وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ [الأنفال: 44] .
قلت: قللوا أوّلا في أعينهم حتى احترؤا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين.
ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ [الرحمن: 39] وقوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون ﴾ [الصافات: 24] وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: ﴿ فإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ [الأنفال: 66] بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: ﴿ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ﴾ [الأنفال: 65] ولذلك وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم.
وقراءة نافع لا تساعد عليه.
وقرأ ابن مصرِّف: ﴿ يرونهم ﴾ ، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أي يريهم الله ذلك بقدرته.
وقرئ: ﴿ فئة تقاتل وأخرى كافرة ﴾ ، بالجرّ على البدل من فئتين، وبالنصب على الاختصاص.
أو على الحال من الضمير في (التقتا) ﴿ رَأْىَ العين ﴾ يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات ﴿ والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ ﴾ كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِلْيَهُودِ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ يَرى المُشْرِكُونَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ، وكانَ قَرِيبًا مِن ألْفٍ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشْرَ، وذَلِكَ كانَ بَعْدَ ما قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ وتَوَجَّهُوا إلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا مَدَدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ يَرى المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ وكانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيُثْبِتُوا لَهم ويَتَيَقَّنُوا بِالنَّصْرِ الَّذِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ.
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ وقُرِئَ بِهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُرِيهِمُ اللَّهُ، أوْ يُرِيكم ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، وفِئَةٍ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن فِئَتَيْنِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الحالِ مِن فاعِلِ التَقَتا.
﴿ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ رُؤْيَةً ظاهِرَةً مُعايَنَةً.
﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ ﴾ نَصَرَهُ كَما أيَّدَ أهْلَ بَدْرٍ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، أوْ غَلَبَةِ القَلِيلِ عَدِيمِ العُدَّةِ في الكَثِيرِ شاكِي السِّلاحِ، وكَوْنِ الواقِعَةِ آيَةً أيْضًا يَحْتَمِلُها ويَحْتَمِلُ وُقُوعَ الأمْرِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ .
﴿ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ أيْ لَعِظَةً لِذَوِي البَصائِرِ.
وقِيلَ لِمَن أبْصَرَهم.
<div class="verse-tafsir"
{قد كان لكم آية} الخطاب لمشركي قريش {فِي فِئَتَيْنِ التقتا} يوم بدر {فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله} وهم المؤمنون {وأخرى} وفئة أخرى {كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ} يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم ترونهم نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة أو مثلي أنفسهم ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لأنهم قللوا أولا فى
أعينهم حتى اجترءوا عليهم فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقفوهم أنهم مسئولون وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ فى القدرة وإظهار الآية ومثليهم نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله {رَأْيَ العين} يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها {والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو {إِنَّ فِي ذَلِكَ} في تكثير القليل {لَعِبْرَةً} لعظة {لأُوْلِي الأبصار} لذوي البصائر
﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ والخِطابُ لِلْيَهُودِ أيْضًا، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وذَهَبَ إلَيْهِ البَلْخِيُّ، أيْ قَدْ كانَ لَكم أيُّها اليَهُودُ المُغْتَرُّونَ بِعَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ (آيَةٌ) أيْ عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم أنَّكم سَتُغْلَبُونَ ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ أوْ جَماعَتَيْنِ مِنَ النّاسِ كانَتِ المَغْلُوبَةُ مِنهُما مُدِلَّةً بِكَثْرَتِها مُعْجَبَةً بِعِزَّتِها فَأصابَها ما أصابَها ﴿ التَقَتا ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَهي في أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ ولَمْ يَقُلْ مُؤْمِنَةً مَدْحًا لَهم بِما يَلِيقُ بِالمَقامِ ورَمْزًا إلى الِاعْتِدادِ بِقِتالِهِمْ، وقُرِئَ يُقاتِلُ عَلى تَأْوِيلِ الفِئَةِ بِالقَوْمِ أوِ الفَرِيقِ ﴿ وأُخْرى كافِرَةٌ ﴾ بِاَللَّهِ تَعالى فَهي أبْعَدُ مِن أنْ تَقاتُلَ في سَبِيلِهِ وإنَّما لَمْ تُوصَفْ بِما يُقابِلُ صِفَةَ الفِئَةِ الأُولى إسْقاطًا لِقِتالِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإيذانًا بِأنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّوْا لَهُ لِما عَراهم مِنَ الهَيْبَةِ والوَجَلِ.
و(كانَ) ناقِصَةٌ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُعْرِبِينَ و(آيَةٌ) اِسْمُها وتَرْكُ التَّأْنِيثِ في الفِعْلِ لِأنَّ المَرْفُوعَ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ ولِأنَّهُ مَفْصُولٌ ولِأنَّ الآيَةَ والدَّلِيلَ بِمَعْنًى، وفي الخَبَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما (لَكُمْ)، و ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ نَعْتٌ لِآيَةٍ، والثّانِي أنَّ الخَبَرَ هو هَذا النَّعْتُ و(لَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لَكُمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ وصْفَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها كانَ حالًا و(اِلْتَقَتا) في حَيِّزِ الجَرِّ نَعْتٌ لِفِئَتَيْنِ، و(فِئَةٌ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ إحْداهُما فِئَةٌ وأُخْرى نَعْتٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ وفِئَةٌ أُخْرى والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما في الفِئَتَيْنِ مِنَ الآيَةِ، وقِيلَ: فِئَةٌ وما عُطِفَ عَلَيْها بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ التَقَتا ﴾ وما بَعْدَهُما صِفَةٌ فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُسَوِّغٍ لِوَصْفِ البَدَلِ بِالجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنْ ضَمِيرً، أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُما خَبَرٌ أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ فِئَةً أُخْرى كافِرَةً، وقِيلَ: كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ مِنهُما فِئَةٌ الخ، وقُرِئَ (وأُخْرى كافِرَةً) بِالنَّصْبِ فِيهِما وهو عَلى المَدْحِ في الأُولى والذَّمِّ في الثّانِيةِ، وقِيلَ: عَلى الِاخْتِصاصِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَنصُوبَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ لَمْ يَعْنِ الِاخْتِصاصَ المُبَوَّبَ لَهُ في النَّحْوِ كَما في «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وإنَّما عَنى النَّصْبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لائِقٍ، وأهْلُ البَيانِ يُسَمُّونَ هَذا النَّحْوَ اِخْتِصاصًا كَما قالَهُ الحَلَبِيُّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا حالَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اِلْتَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، وفِئَةٌ وأُخْرى عَلى هَذا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ فِيهِما عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (فِئَتَيْنِ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُقَدَّرٌ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ويُسَمّى بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا كَما في قَوْلِهِ: وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ورِجْلٍ رَماها صائِبُ الحِدْثانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْفِئَةِ الأخِيرَةِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الآيَةِ.
والمُرادُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ الأُولى المُؤْمِنَةَ مِثْلَ عَدَدِ الرّائِينَ وقَدْ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ مُقاتِلًا كُلُّهم شاكُو السِّلاحِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ كانُوا ألْفًا وسَقْفَ بَيْتٍ حَلَّهم ورَبَطَهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وفِيهِمْ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ ورُؤَساءِ الضَّلالِ أبُو جَهْلٍ وأبُو سُفْيانَ وغَيْرُهُما، ومِنَ الإبِلِ والخَيْلِ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ ومِائَةُ فَرَسٍ، رَوى مُحَمَّدُ بْنُ الفُراتِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: أسَرَ المُشْرِكُونَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَألُوهُ كَمْ كُنْتُمْ؟
قالَ: ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا وأرادُوا ألْفًا وتِسْعَمِائَةٍ وهو المُرادُ مِن ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَةَ ثَلاثَةِ أمْثالِهِمْ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: عِنْدِي ألْفٌ وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْها فَإنَّما تُرِيدُ إلى ألْفَيْنِ مُضافَيْنِ إلَيْها لا بَدَلًا مِنها فَهم كانُوا يَرَوْنَهم ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، وأنْكَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ لِمُخالَفَتِهِ لِظاهِرِ الكَلامِ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ أيْ سِتَّمِائَةٍ ونَيِّفًا وعِشْرِينَ حَيْثُ كانَ عُدَّةُ المُرْسَلِينَ سَبْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ ومِائَتَيْنِ وسِتَّةً وثَلاثِينَ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ صاحِبُ لِواءِ رَسُولِ اللَّهِ والمُهاجِرِينَ عَلِيًّا الكَرّارَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وصاحِبُ رايَةِ الأنْصارِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وكانَ مَعَهم مِنَ الإبِلِ سَبْعُونَ بَعِيرًا، ومِنَ الخَيْلِ فَرَسانَ فَرَسٌ لِلْمِقْدادِ بْنِ عَمْرٍو، وفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ، ومِنَ السِّلاحِ سِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، وكانَ أكْثَرُهم رَجّالَةً، واسْتُشْهِدَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ، وقَدْ مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ، وإنَّما أراهُمُ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّأْيِيدِ والمَدَدِ المَعْنَوِيِّ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ تَدانِي الفِئَتَيْنِ بَعْدَ أنْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أعْيُنِهِمْ عِنْدَ التَّرائِي لِيَجْتَرِءُوا عَلَيْهِمْ ولا يَرْهَبُوا فَيَهْرُبُوا حَيْثُ يَنْفَعُ الهَرَبُ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيَثْبُتُوا ويَطْمَئِنُّوا بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ .
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا مُفْتِيَ الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: والأوَّلُ: هو أوْلى لِأنَّ رُؤْيَةَ المِثْلَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيَّنَةٍ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ بَلْ وقَدْ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المِثْلِ بَلْ أقَلُّ مِنهُ أيْضًا فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى رَأوْهم عَدَدًا يَسِيرًا أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تَراهم سَبْعِينَ؟
قالَ: أراهم مِائَةً فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟
قالَ: ألْفًا، فَلَوْ أُرِيدَ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في الأنْفالِ لَكانَتْ رُؤْيَتُهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ عَلى أنَّ إبانَةَ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِلْكَفَرَةِ بِإراءَتِهِمُ القَلِيلَ كَثِيرًا والضَّعِيفَ قَوِيًّا وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أدْخَلُ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ وأقْرَبُ إلى اِعْتِرافِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ المُشاهِدِينَ لِلْحالِ، وكَذا تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ فَجُعِلَ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدُهُما مَفْعُولًا سَواءٌ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً أوْ مُسْتَأْنَفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ، اِنْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ الذّاهِبِينَ إلى أنَّ المُرادَ رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ رُؤْيَتَهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقُّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ والعَلامَةُ لِلْيَهُودِ عَلى أنَّهم سَيُغْلَبُونَ قِتالَ المُؤْمِنِينَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتَهم عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ العادِيِّ لِلْجُبْنِ وهو رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ وأوْفَرَ مِن عَدَدِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ تَحَقَّقُوا قِتالَ المُسْلِمِينَ لَكم وغَلَبَتَهم عَلَيْكم ولا تَغْتَرُّوا بِعِلْمِهِمْ بِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قِتالِ مَن يَرَوْنَهُ أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا ولا يَجْبُنُونَ ولا يَهابُونَ ويَنْتَصِرُونَ فَما ذاكَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَلَأ قُلُوبَهم إيمانًا وشِدَّةً عَلى مَن خالَفَهم وأحاطَهم بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ ووَعَدَهُمُ الوَعْدَ الجَمِيلَ.
لا يُقالُ: إنَّ الأوْفَقَ لِهَذا الغَرَضِ أنْ يَرى المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن كَوْنِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ أوْ يَرَوْنَهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَهم حِينَئِذٍ عَلى قِتالِهِمْ أدَلُّ عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ عَلى اليَهُودِ لِأنّا نَقُولُ: نَعَمْ، الأمْرُ كَما ذَكَرَ إلّا أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِوَفائِها بِالمَقْصُودِ مَعَ تَضَمُّنِها مَدْحَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ النّاشِئِ مِن قُوَّةِ الإيمانِ بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ آخِرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ اُخْتِيرَتْ عَلى ما لَيْسَ فِيها إلّا أمْرٌ واحِدٌ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ لِذَلِكَ المَدْحِ المَخْصُوصِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى اِلْتِزامِ كَوْنِ التَّثْنِيَةِ مَجازًا عَنِ التَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ ولا إلى القَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ راجِعٌ إلى الفِئَةِ الأخِيرَةِ أيْ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ عَدَدِ الفِئَةِ الكافِرَةِ أعْنِي قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ وإنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ البَعْضُ ويُرَدُّ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ إبانَةً الخ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ الإراءَةَ نَفْسَها كانَتْ هي الآيَةَ أنَّ إراءَةَ القَلِيلِ كَثِيرًا لَمْ تَقَعْ لِلْيَهُودِ المُخاطَبِينَ بِصَدْرِ الآيَةِ لِتَكُونَ إبانَةَ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ، وكَوْنُ ذَلِكَ أقْرَبَ لِاعْتِرافِهِمْ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمُ الكَفَرَةَ الرّائِينَ يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ الرّائِينَ قَدْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وأنَّهم صَدَّقُوا بِهِ ولَمْ يَحْمِلُوهُ عَلى أنَّهُ خُيِّلَ لَهم لِخَوْفِهِمْ بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحَرْبِ والخائِفُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ أشْجارَ البَيْداءِ شُجْعانٌ شاكِيَةٌ وأُسْدٌ ضارِيَةٌ، وإثْباتُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الأُمُورِ صَعْبٌ عَلى أنَّ فِيما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ بَعْدَ تِلْكَ الواقِعَةِ: لا يَغُرُّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهم فُرْصَةً ولَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، ما يُشْعِرُ في الجُمْلَةِ بِأنَّهم لَوْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وصَدَّقُوا لَحَمَلُوهُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا، وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ الخ، فَمُسَلَّمٌ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَسْتَدْعِي أوْلَوِيَّةَ جَعْلِ أوَّلِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدِهِما مَفْعُولًا مِنَ العَكْسِ مُطْلَقًا بَلْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ في العَكْسِ مَعْنًى لَطِيفٌ تَحْسُنُ مُراعاتُهُ نَظَرًا لِلْمَقامِ، وهُنا قَدْ كانَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ مَدْحُ الفِئَةِ الأُولى بِالمُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وعُدِلَ عَنْ مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مُقاتَلَتَهم لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ ومِثْلَيْهِمْ أمْدَحُ وأمْدَحُ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (تَرَوْنَهُمْ) بِالتّاءِ واسْتُشْكِلَتْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ الكافِرِينَ ولَمْ يَرَوُا الكافِرِينَ أيْضًا مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ أوْ مِثْلَيِ الكافِرِينَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ حَيْثُ نَزَلَتْ رُؤْيَةُ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ رُؤْيَتِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ في الكُفْرِ والِاتِّفاقِ في الكَلِمَةِ لا سِيَّما بَعْدَ ما وقَعَ بَيْنَهم بِواسِطَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ فَأسْنُدِتِ الرُّؤْيَةُ إلَيْهِمْ مُبالَغَةً في البَيانِ وتَحْقِيقًا لِعَرُوضِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ لَهُمْ،، وكَذا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوْا حَقِيقَةَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، وتُحْمَلُ الرُّؤْيَةُ عَلى العِلْمِ والِاعْتِقادِ النّاشِئِ عَنِ الشُّهْرَةِ والتَّواتُرِ ويُلْتَزَمُ كَوْنُ الآيَةِ لَهم قِتالَ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ وغَلَبَةَ الأوَّلِينَ الآخَرِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أكْثَرَ مِنهم إلّا أنَّهُ اُقْتُصِرَ عَلى أقَلِّ اللّازِمِ ويُعْلَمُ مِنهُ كَوْنُ قِتالِ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتِهِمْ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ مَعَ كَوْنِها ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ المَعْلُومِ لَهم أيْضًا آيَةً مِن بابِ أوْلى.
ولِما في هَذَيْنَ الجَوابَيْنِ كَيْفَما كانَ اِلْتَزِمْ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَتَّضِحَ أمْرُ هَذِهِ القِراءَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ خِطابًا لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِناءً عَلى أنَّ الوَعِيدَ كانَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ ولا مَعْنى لِلِاسْتِدْلالِ بِها قَبْلَ وُقُوعِها، وجَعْلُ ذَلِكَ داخِلًا في مَفْعُولِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ في قِراءَةِ نافِعٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والتَزَمَ كَوْنَ الخِطابِ السّابِقِ لَهم أيْضًا عَلى أنَّهُ اِبْتِداءُ خِطابٍ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِما سَبَقَ الوَعْدُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِجَمِيعِ الكَفَرَةِ، وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: القَوْلُ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ واليَهُودِ ومُشْرِكِي مَكَّةَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِئَلّا يُقْتَطَعَ الكَلامُ ويَقَعُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ ﴾ الخ مَوْقِعَ المِسْكِ في الخِتامِ، ثُمَّ إنَّ مَن عَدَّ التَّعْبِيرَ عَنْ جَماعَةٍ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ مَعَ التَّعْبِيرِ بَعْدُ عَنِ البَعْضِ بِطَرِيقٍ آخَرَ يُخالِفُهُ مِنها مِنَ الِالتِفاتِ، قالَ بِوُجُودِهِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ اِحْتِمالاتِها، ومَن لَمْ يُعِدَّ ذَلِكَ مِنهُ كَما هو الظّاهِرُ أنْكَرَ الِالتِفاتَ فِيها، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ أقْوالِ النّاظِرِينَ في الآيَةِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ واخْتِلافِهِمْ في وُجُودِ الِالتِفاتِ وعَدَمِهِ فِيها، فَأمْعِنِ النَّظَرَ فَإنَّهُ لِمِثْلِ هَذا المَبْحَثِ كُلِّهِ يُدَّخَرُ.
وقَرَأ اِبْنُ مُصَرِّفٍ (يُرَوْنَهُمْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالياءِ والتّاءِ أيْ يُرِيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ.
﴿ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ (يَرَوْنَهُمْ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها بَصَرِيَّةٍ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا تَشْبِيهِيًّا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عِلْمِيَّةً اِعْتِقادِيَّةً أيْ رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقِيلَ: إنَّ (رَأْيَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ في رَأْيِ العَيْنِ ﴿ واللَّهُ ﴾ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ يُؤَيِّدُ ﴾ أيْ يُقَوِّي ﴿ بِنَصْرِهِ ﴾ أيْ بِعَوْنِهِ، وقِيلَ: بِحُجَّتِهِ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُؤَيِّدَهُ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ كَما أيَّدَ الفِئَةَ المُقاتِلَةَ في سَبِيلِهِ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِنَ النَّصْرِ، وقِيلَ: مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيِ اِتِّعاظًا ودَلالَةً، وهي فِعْلَةٌ مِنَ العُبُورِ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ وهو التَّجاوُزُ، ومِنهُ عَبَرْتُ النَّهْرَ وسُمِّيَ الِاتِّعاظُ عِبْرَةً لِأنَّ المُتَّعِظَ يَعْبُرُ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ ومِنَ الهَلاكِ إلى النَّجاةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عِبْرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً ﴿ لأُولِي الأبْصارِ ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ مَجازًا أوْ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ أوْ لِمَن أبْصَرَهم ورَآهم بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ وإمّا وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَصْدِيقًا لِمَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ .
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ يعني عبرة فِي فِئَتَيْنِ أي جَمْعَيْن، يعني جَمْع رسول الله وأصحابه، وجمع كفار أهل مكة الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ قرأ نافع ترونهم على معنى المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر، وذكر عن الفراء أنه قال كان الكفار ثلاثة أمثال المسلمين، لأن المسلمين كانوا ثلاثمائة ونيفاً، وكان الكفار تسعمائة ونيّفاً.
وقوله: مثليهم أي ثلاثة أمثالهم، والمعنى في ذلك عن طريق اللغة أن الإنسان إذا كان عنده ألف درهم يقول احتاج إلى مثليها، فإنه يحتاج إلى ثلاثة آلاف.
وقال الزجاج: هذا القول لا يصح في اللغة، ولا في المعنى، ولكن المسلمين يرونهم مثليهم في العدد، لكي لا يجبنوا، لأنه أعلمهم أن المائة تغلب المائتين، فأراهم في رَأْيَ الْعَيْنِ أن المشركين مثليهم في العدد، لكي لا يجبنوا، وهذا كما قال في آية أخرى، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: 44] ، وذلك أن المشركين كانوا تسع مائة، فأرى الله المسلمين أنهم ستمائة، لكي لا يجبنوا، وأرى الكفار أن المسلمين أقل من ثلاثمائة، ثم ألقى مع ذلك في قلوبهم الرعب حتى انهزموا، فكان في ذلك دلالة من الدلالات، فمن قرأ بالتاء على معنى المخاطبة لليهود إن لكم آية وعلامة حيث رأيتم غلبة المسلمين على الكفار مع قلة المسلمين، وكثرة الكفار، فإن قيل: إن اليهود لم يكونوا حضوراً في ذلك الوقت، فكيف يرون ذلك؟
قيل له: إذا انتشر الخبر فهموا، وعلموا ذلك صار كالمعاينة، ولأن لهم جواسيس عند المسلمين يخبرون اليهود بذلك، فصار كأن كلهم رأى ذلك، ومن قرأ بالياء معناه أن المسلمين يرون الكفار مثليهم.
ويقال إن المشركين حين خرجوا من مكة، كانوا ألفاً وثلاثمائة رجل، فلما وجدوا العير سالمة رجع مع العير ثلاثمائة وخمسون، وتخلف تسعمائة وخمسون للحرب، وكان أبو سفيان بن حرب في تلك العير، فرجع إلى مكة، وحثّهم على المسير، ولم يكن حاضراً وقت الحرب، وإنما قال الكلبي في كتابه: نزلت في جمع أبي سفيان وأصحابه، لأن أبا سفيان هو الذي حثهم على الخروج، ولم يخرج معهم ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ أي يقوي بنصرته، وهم أهل بدر، فأرسل إليهم الملائكة، وهزم المشركين إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ يعني من ينصر الحق.
<div class="verse-tafsir"
والرَّيْبُ: الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ لا رَيْبَ فيه.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ، يحتمل: أنْ يكون إِخباراً منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، ويحتملُ: أنْ يكون حكايةً مِنْ قول/ الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالى، والميعادُ: من الوَعْد.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ...
الآية: الإِشارة بالآيةِ إلى معاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود بفتحِ الواوِ: كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ بسكون الهمزة وفتحها: مصدرُ: دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية: تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر ودوامِهِم عليه بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك، والكافُ في قوله: كَدَأْبِ في موضعِ رفعٍ، والتقدير: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في قَبْلِهِمْ عائد على آلِ فِرْعَوْنَ، ويحتمل: على معاصري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكفار.
وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا: يحتمل: أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ.
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ...
الآية: اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر صلّى الله عليه وسلّم بالقَوْل لهم:
فقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم.
وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً» ، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هذه الآية» «١»
والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار.
وقوله تعالى: وَبِئْسَ الْمِهادُ: يعني: جهنَّم هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ:
المعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم «١» .
قال ع «٢» : فكان المعنى: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم.
وقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ...
الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ» بضم التاء «٣» فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ «أرى» بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ «٤» ، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ.
قال ع «٥» : ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إلى يوم بدر ويُؤَيِّدُ:
معناه يقوّي من «الأيد» ، وهو القوّة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا ﴾ في المُخاطَبِينَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ.
والثّانِي: الكَفّارُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِي قَبْلَهُ، وهو يَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْناهُ آَنِفًا.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ جَرِيرٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ؟
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ما لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَدَّ المَعْنى إلى البَيانِ، فَمَعْناهُ: قَدْ كانَ لَكم بَيانٌ، فَذَهَبَ إلى المَعْنى، وتَرَكَ اللَّفْظَ، وأنْشَدُوا: إنِ امْرَأ غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ، بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا، لَمَغْرُورُ وَقَدْ سَبَقَ مَعْنى "الآَيَةِ" و"الفِئَةُ" وكُلُّ مُشْكِلٍ تَرَكْتُ شَرْحَهُ، فَإنَّكَ تَجِدُهُ فِيما سَبَقَ والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: النَّبِيُّ وأصْحابُهُ، ومُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
قالَهُ قَتادَةُ والجَماعَةُ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرَوْنَهم ثَلاثَةُ أمْثالِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، واحْتَجَّ بِأنَّكَ إذا قُلْتَ: عِنْدِي ألْفُ دِينارٍ، وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْهِ، فَإنَّكَ تَحْتاجُ إلى ثَلاثَةِ آَلافٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ يَرَوْنَهم ومِثْلَهم، قالَ الزَّجّاجُ: وهو الصَّحِيحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ أيْ: في رَأْيِ العَيْنِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: جاءَ هَذا عَلى مَصْدَرِ رَأيْتُهُ،، يُقالُ: رَأيْتُهُ رَأْيًا، ورُؤْيَةً.
واخْتَلَفُوا في الفِئَةِ الرّائِيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، هي الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ ﴾ فَإنْ قُلْنا: إنَ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُسْلِمُونَ، فَوَجْهُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَضْعُفُونَ عَلى عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَرَأوْهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ نَصَرَهُمُ اللَّهُ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: إنَّهُمُ اليَهُودُ.
وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَتَكْثِيرُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ مِن أسْبابِ النَّصْرِ.
وقَدْ قَرَأ نافِعٌ: "تَرَوْنَهُمْ" بِالتّاءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذَهَبَ إلى أنَّ الخِطابَ لِلْيَهُودِ.
قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ لِمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ أنْ يَجْعَلَ الفِعْلَ لِلْيَهُودِ، وإنْ كانَ قَدْ خاطَبَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ ﴾ لِأنَّ العَرَبَ تَرْجِعُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في "الفاتِحَةِ" وغَيْرِها.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: إنَّ المُشْرِكِينَ اسْتَكْثَرُوا المُسْلِمِينَ، وإنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَكْثَرُوا المُشْرِكِينَ، وقَدْ بَيَّنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ ﴾ .
أنَّ الفِئَتَيْنِ تَساوَتا في اسْتِقْلالِ إحْداهُما لِلْأُخْرى؟
فالجَوابُ: أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوهم في حالٍ، واسْتَقَلُّوهم في حالٍ، فَإنَّ قُلْنا: إنَّ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهم رَأوْا عَدَدَ المُشْرِكِينَ عِنْدَ بِدايَةِ القِتالِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ قَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا.
وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تَراهم سَبْعِينَ؟
قالَ: أراهم مِئَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا، فَقُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟
قالَ: ألْفًا.
وإنْ قُلْنا: إنَّ الفِئَةَ الرّائِيَةَ المُشْرِكُونَ، فَإنَّهُمُ اسْتَقَلُّوا المُسْلِمِينَ في حالٍ، فاجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، واسْتَكْثَرُوهم في حالٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ خُذْلانِهِمْ، وقَدْ نُقِلَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أُسِرُوا يَوْمَئِذٍ، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ؟
قالُوا: كُنّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ.
قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ ﴾ أيْ: يُقَوِّي ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ في الإشارَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّصْرِ.
والثّانِي: إلى رُؤْيَةِ الجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ، والعِبْرَةُ: الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى اليَقِينِ، المُؤَدِّيَةُ إلى العِلْمِ، وهي مِنَ العُبُورِ، كَأنَّهُ طَرِيقٌ يُعَبِّرُ بِهِ، ويُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المُرادِ.
وقِيلَ: العِبْرَةُ: الآَيَةُ الَّتِي يُعَبِّرُ مِنها مِن مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ.
والأبْصارُ: العُقُولُ والبَصائِرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً.
واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟
فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ.
ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ.
سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ.
ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ.
ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ ﴾ ...
الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ.
فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ.
فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ.
ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟
فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا.
وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا.
فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا.
وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم آيَةٌ ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ".
ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ.
و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، للانتقال من النذارة إلى التهديد، ومن ضَرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأنّ أمرهم صائر إلى زوال، وأنّ أمر الإسلام ستندكّ له صمّ الجبال.
وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها؛ لأنّ المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة، والتذكير بوصف يوم كانَ عليهم، يعلمونه.
﴿ والذين كفروا ﴾ [البقرة: 39] يحتمل أنّ المراد بهم المذكورون في قوله: ﴿ إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم ﴾ [آل عمران: 116] فيجيء فيه ما تقدّم والعدول عن ضمير (هم) إلى الاسم الظاهر لاستقلال هذه النذارة.
والظاهر أنّ المراد بهم المشركون خاصّة، ولذلك أعيد الاسم الظاهر، ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعدَه: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ إلى قوله ﴿ يرونهم مثليهم رأى العين ﴾ وذلك ممّا شاهده المشركون يوم بدر.
وقد قيل: أريد بالذين كفروا خصوص اليهود، وذكروا لذلك سبباً رواه الواحدي، في أسباب النزول: أنّ يهود يَثرب كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مدّة فلمّا أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة.
نقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشْرَف في ستين راكباً إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم: لتكونَنّ كلمتنا واحدة، فلمّا رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه الآية.
وروى محمد بن إسحاق: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غَلَب قريشاً ببدر، ورجع إلى المدينة، جمع اليهودَ وقال لهم: " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم، أنّي نبيء مرسل " فقالوا: «يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيتَ قوماً أغمارَا لا معرفة لهم بالحرب فأصبْتَ فيهم فرصة أمَا والله لو قاتلناك لعرفتَ أنّا نحن الناس» فأنزل الله هذه الآية.
وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضِير وخَيبر، وأيضاً فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال.
وعطف ﴿ بئس المهاد ﴾ على ﴿ ستغلبون ﴾ عطف الإنشاء على الخبر.
وقرأ الجمهور ﴿ ستُغلبون وتُحشرون ﴾ كلتيهما بتاء الخطاب وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف: بياء الغيبة، وهما وجهان فيما يحكَى بالقول لمخاطب، والخطابُ أكثر: كقوله تعالى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبُدوا الله ربّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117] ولم يقل ربَّك وربَّهم.
والخطاب في قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ خطاب للذين كفروا، كما هو الظاهر؛ لأنّ المقام للمحاجّة، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة.
فيكون من جملة المقول، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين، فيكون استئنافاً ناشئاً عن قوله ستُغلبون؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين، أو اليهود، أو كليهما، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم الله بما كان يوم بدر.
والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر.
والالتقاء: اللقاء، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، واللقاء مصادفة الشخصصِ شخصاً في مَكان واحد، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾ الآيَةَ.
في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَةٍ، فَحَقَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وصَدَّقَ رَسُولَهُ، وأنْجَزَ وعْدَهُ بِمَن قَتَلَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ إلى الإسْلامِ، وحَذَّرَهم مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ، فَأبَوْا وقالُوا: لَسْنا كَقُرَيْشٍ الأغْمارِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عامَّةِ الكُفّارِ.
وَفي الغَلَبَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، إنْ قِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ.
والثّانِي: بِظُهُورِ الحُجَّةِ، إنْ قِيلَ: إنَّها عامَّةٌ.
وَفي ﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ بِئْسَ القَرارُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي (بِئْسَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَأْسِ، وهو الشِّدَّةُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَأْساءِ وهو الشَّرُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ.
﴿ وَأُخْرى كافِرَةٌ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ وفي مِثْلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِثْلانِ زائِدانِ عَلى العَدَدِ المُتَحَقِّقِ، فَيَصِيرُ العَدَدُ ثَلاثَةَ أمْثالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: هو المَزِيدُ في الرُّؤْيَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الَّتِي تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنْ أراهُمُ اللَّهُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ عَدَدِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ عِدَّةَ المُسْلِمِينَ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وعِدَّةُ المُشْرِكِينَ في رِوايَةِ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ ألْفٌ، وفي رِوايَةِ عُرْوَةَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ ما بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، فَقَلَّلَهُمُ اللَّهُ في أعْيُنِهِمْ تَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ الفِئَةَ الَّتِي أراها اللَّهُ ذَلِكَ هي الفِئَةُ الكافِرَةُ، أراهُمُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ مُكَثِّرًا لَهم، لِتَضْعُفَ بِهِ قُلُوبُهم.
والآيَةُ في الفِئَتَيْنِ هي تَقْلِيلُ الكَثِيرِ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ، وتَكْثِيرُ القَلِيلِ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ بِالغَلَبَةِ، فَتَحَقَّقَ، قَتْلًا، وأسْرًا، وسَبْيًا.
﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ طاعَتِهِ.
وَفي التَّأْيِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَعُونَةُ.
والثّانِي: القُوَّةُ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في نُصْرَةِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ قِلَّةِ أصْحابِهِ عِبْرَةً لِذَوِي البَصائِرِ والعُقُولِ.
والثّانِي: أنَّ فِيما أبْصَرَهُ المُشْرِكُونَ مِن كَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عِبْرَةً لِذَوِي الأعْيُنِ والبَصائِرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً ولا يعرفون القتال، إنك والله لو ما قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا.
فأنزل الله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ إلى قوله: ﴿ لأولي الأبصار ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمر عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال فنحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرن محمداً أن غلب قريشاً وقتلهم، إن قريشاً لا تحسن القتال.
فنزلت هذه الآية ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قد كان لكم آية ﴾ عبرة وتفكر.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ﴾ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ﴿ وأخرى كافرة ﴾ فئة قريش الكفار.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة قال: في أهل بدر نزلت ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ [ الأنفال: 7] وفيهم نزلت ﴿ سيهزم الجميع...
﴾ [ القمر: 45] الآية.
وفيهم نزلت ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 64] وفيهم نزلت ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ [ آل عمران: 127] وفيهم نزلت ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [ آل عمران: 128] وفيهم نزلت ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] وفيهم نزلت ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء ﴾ [ الأنعام: 47] وفيهم نزلت ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ يقول: قد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر.
أيدهم الله ونصرهم على عدوّهم وذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة عشر رجلاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ قد كان لكم آيةٌ في فئتين ﴾ الآية.
قال: هذا يوم بدر فنظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً.
وذلك قول الله: ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ﴾ [ الأنفال: 44] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين...
﴾ الآية.
قال: أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين، كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين فكان هذا في التخفيف على المؤمنين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
المهاجرون منهم خمسة وسبعون، وكانت هزيمة بدر لسبع عشرة من رمضان ليلة جمعة.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يؤيد بنصره من يشاء ﴾ قال: يقوي بنصره من يشاء قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: برجال لستمو أمثالهم ** أيدوا جبريل نصراً فنزل <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ ﴾ قال الفراء (١) (٢) كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ (٣) (٤) ويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] (٥) إنَّ (٦) (٧) (٨) ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي .
وقوله تعالى: ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ أراد بالفئتين: رسول الله وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين.
وقوله تعالى: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ ﴾ الرفع (٩) (١٠) إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ (١١) (١٢) (١٣) ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ جاز؛ كما قال كُثَيِّر (١٤) وكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة ...
ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت (١٥) (١٦) ومما فُسِّر به الأول، فتبعه في الإعراب، ما أنشده] (١٧) حتى إذا ما استقلَّ النجمُ (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ الرؤية (٢٢) ﴿ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ .
وإذا كان كذلك كان انتصاب ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ على الحال (٢٣) وقوله (مثليهم): المِثْل: يجوز إفراده في موضع التثنية والجمع؛ كقول الشاعر: وساقِيَيْنِ مثلِ زيدٍ وجُعَلْ (٢٤) ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾ (٢٥) ﴿ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ .
يقال: (رَأَيْتُه (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ يجوز (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وفي قوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ ﴾ قراءتان: التَّاءُ (٣٤) (٣٥) ونذكر بعد هذا كيف رأَوْهم مِثْلَيهم، وهم كانوا ثلاثةَ أمثالهم؟!
(٣٦) ومن قرأ بالياء؛ فَلِلْمُغايَبَةِ (٣٧) ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾ .
فقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفِئتين: يجوز أن يكون خَبرًا عن الفئة المسلمة، ويجوز (٣٨) (٣٩) (٤٠) فإن قيل: المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا (٤١) (٤٢) فزعم الفرَّاءُ (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) قال الزجاج (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) والدليل على صحة هذا المعنى: قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ.
وهذا (٥٢) (٥٣) هذا إذا جعلنا قوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ ﴾ إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته إخبارًا عن الفئة الكافرة (٥٤) (٥٥) فإن قيل: كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
فالجواب: ما قاله أبو عبيد (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) والقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج.
على أنَّ الفرَّاء (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر.
ونَصْرٌ بالحُجَّة.
ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ﴾ العِبْرَة: الاعتبار (٦٥) (٦٦) وأصلُه من: (العُبُور)، وهو: النفوذ من أحد (٦٧) (٦٨) (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ أي: لأولي (٧٠) (٧١) (١) لم أهتد إلى مصدر قوله.
ومن قوله: (أراد بالآية ..) إلى (..
في الدنيا لمغرور): ورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 13أ، مع اختلاف في بعض عباراته.
(٢) أي قد كان لكم بيان.
(٣) عجز بيت، وصدره كما في "الديوان": بَرَهْرَهَةٌ رُؤدَةٌ رَخصَةٌ وهو لامرئ القيس، في: "ديوانه": ص 69، كما ورد منسوبًا له في "تهذيب == اللغة" 1/ 1014 (خرعبة)، "الصحاح" 1/ 119 (خرعب)، "والمخصص": 10/ 214، 3/ 11، "اللسان" 2/ 1138 (خرعب)،1/ 391 (بون)، 1/ 270 (بره).
ويروى كذلك: (..
رَخصَةٌ رُودَةٌ) في "تهذيب اللغة" وورد في "الصحاح": (رأدة) بدلًا من (رُؤدة)، ويروى: (رُودَةٌ).
والبرهرهة: الجارية البيضاء، وقيل: التي لها بريق من صفائها، وقيل: الرقيقة الجلد؛ كأن الماء يجري فيها من النعمة، وهي معان متقاربة.
والرخصة: الناعمة البَشرة.
والرُّؤْدَة، والرَّأدَة، والرَّؤودة: الشابة الحسنة السريعة الشباب مع حسن غذاء.
وسُمِّيت بذلك تشبيهًا لها بالغصن الرؤود، وهو الذي نبت من سنته أرطب ما يكون.
والخرْعُوبة، والخرْعُوب، والخرعب: الغصن الطري السامق المتثني، وبه شُبِّهت المرأة الرقيقة الحسنة القوام، الكثيرة اللحم.
والبانة: واحدة البان، وهو ضرب من الشجر.
انظر: "اللسان" 1/ 270 (بره) 3/ 1616 (رخص) 3/ 1532 (رأد) 2/ 1138 (خرعب) 1/ 391 (بون).
والشاهد فيه: أنه ذكَّر لفظ (المنفطرْ) مع أن الأصل فيه التأنيث.
لأنه صفة للفظ (خرعوبة) المؤنث لفظًا، إلا أنه لما أراد وقصد معنى (الغصن) أو (القضيب) ذكَّر الصفة لتتناسب مع مراده.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
وهي في "تفسير الثعلبي" كذلك 3/ 13أ.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).
(٦) (إن): ساقطة من: (ج).
(٧) في (أ): (واحدةً) وبقية النسخ غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبت.
(٨) لم أهتد إلى قائله.
وهو في "معاني القرآن" للفراء: 2/ 308، "الخصائص" لابن جني 2/ 414، "واللمع" له ص 81، "الأمالي الشجرية" لابن الشجري 2/ 413، "الإنصاف" لأبي البركات الأنباري ص 152، "شرح المفصل" 5/ 93، "اللسان" 6/ 3232 (غرر)، "شرح شذور الذهب" ص 233، "وتخليص الشواهد" لابن == هشام 481، "المقاصد النحوية" للعيني 2/ 476، "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" شرح الأشموني 2/ 52، "همع الهوامع" 7/ 66، "الدرر اللوامع على همع الهوامع" للشنقيطي 2/ 225.
والشاهد فيه قوله: (غرَّه منكن واحدةٌ) حيث لم يؤنث الفعل (غرَّ) مع أن إسناده إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، وهو (واحدة) نظرًا للفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وهو الضمير المتصل، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).
(٩) من قوله: (الرفع ..) إلى (..
والنصب جائز): نقله عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 192، 193 بتصرف.
(١٠) في (د): (أنشد).
(١١) في (ج): (صنفان).
وفي "معاني القرآن" نصفين.
(١٢) البيت للعُجَيْر بن عبد الله السَّلُولي.
وقد ورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" 1/ 70، "والنوادر" لأبي زيد 156، "والأزهية في علم الحروف" للهروي 199، "الإفصاح" للفارقي 281، "والبسيط في شرح جمل الزجّاجي" لابن أبي الربيع السبتي 2/ 760، "المقاصد النحوية" للعيني 2/ 85، "خزانة الأدب" 9/ 72، "الدرر اللوامع" 1/ 46.
وورد غير منسوب في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 10، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 40، "أسرار العربية" لأبي البركات الأنباري== ص 136، "شرح المفصل" 1/ 77، 3/ 116، 7/ 100، "منهج السالك" للأشموني 1/ 239، "همع الهوامع" 1/ 235.
وقد انتهت قافية البيت في أكثر المصادر بكلمة (أصنعُ) بدلا من (أفعلُ) وقد جاءت رواياته مختلفة في بعض كلماتها، فورد (نصفين) و (نصفان) و (وصنفان) بدلًا من (صنفين) وورد (..
ومثنٍ بنِيرَيْ بعض)، و (النِيران): العَلَمان في الثوب.
انظر: "الخزانة" 9/ 73.
والشاهد فيه، قوله وفق رواية المؤلف: (شامتُ وآخر) بالرفع؛ ناويًا ابتداء الكلام بعد (صنفين)؛ ليفَسِّر؛ وأراد: بعضٌ شامتٌ، وآخر مثنٍ.
وعلى الرواية الثانية: (..
كان الناس صنفان: شامت ..)، الشاهد فيه: (صنفان: شامت ..) وأراد: كان الشأن والأمر: الناس صنفان.
(١٣) (من): ساقطة من: (د).
(١٤) هو: أبو صخر، كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جمعة.
من خزاعة، كان رافضيًّا مُغاليًا، عَدَّه ابنُ سلام من الطبقة الثانية من الشعراء الإسلاميين.
عاش في العصر الأموي.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الشعر والشعراء" ص 334، "وفيات الأعيان" 1/ 547.
(١٥) البيت في: (ديوانه): 99، كما ورد منسوبًا له في كتاب "الجمل في النحو" للخليل ص207، "كتاب سيبويه" 1/ 433، "مجاز القرآن" 1/ 87، "الأمالي" للقالي 2/ 108، "أمالي المرتضى" للشريف المرتضى 1/ 46، "العمدة" لابن رشيق 2/ 1048، "والإيضاح" للفارقي 232، 282، و"نتاج الفكر" للسهيلي 315، "المقاصد النحوية" 4/ 204، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 398، "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 814، ..
كما ورد غير منسوب في "المقتضب" 4/ 290، "المحلى" (وجوه النصب)، لأبي بكر بن شقير 163 و"إيضاح الوقف == والابتداء" لابن الأنباري 2/ 570، و"المخصص" ص 58، و"ارتشاف الضرب من لغة العرب" لأبي حيان 2/ 621، و"المغني" لابن هشام 2/ 143.
ومعنى البيت: أنه لما لم تثبت معشوقته عَزَّة على العهد، وثبت هو على عهدها؛ صار كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة، ويعني بها: ثباته على عهدها، ورِجل مريضة، ويعني بها: خيانتها للعهد.
ومعنى (شَلَّت): أصابها الشلل، وأصل الفعل: (شَلِلَت، تَشَلُّ، شَلَلًا)، ويقال: (شَلت يدُه)، و (أشلها الله).
انظر: "الخزانة" 5/ 212.
والشاهد فيه قوله: (رِجْلٍ ..) كُسرت على البدل من (رِجلين) وهو ما يسمى: بدل المفضَّل من المُجْمل، ويجوز الخفض على النعت.
(١٦) أي: في (رِجْل) الوجه الأول: الخفض، كما سبق بيانه.
والوجه الثاني: الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وتقديره: هما: رِجلٌ صحيحةٌ، ورجلٌ أخرى ...
، أو: إحداهما رِجلٌ ..
انظر: "الخزانة" 5/ 211.
(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(١٨) في (ج): (استقل النجمَ).
(١٩) في (ج): (النفل).
(٢٠) البيت لذي الرمة، وهو في: "ديوانه": 1366، "والسمط" 1/ 354.
وأورده الفرَّاء في "معاني القرآن" 2/ 410 برواية أخرى: حتى إذا ما أضاء الصبح في غَلَسٍ وكذا نقله عن الفرَّاء بهذه الرواية النحاسُ في "إعراب القرآن" 2/ 801 وروايته في "الديوان" (..
وأحْصَدَ البقلُ أوْ مُلوٍ ومحصودُ).
ومعنى (استقل): ارتفع، و (النجم) أراد به هنا الثريا.
و (الغَلَس): ظلمة آخر الليل.
وقوله (ملويٌّ)؛ يقال: (ألوَى النبتُ إلواءً): إذا جف.
وقوله في رواية الديوان: (وأحْصَدَ البقلُ): أي: حان أن يحصد.
انظر: "ديوانه" بشرح الباهلي: 1367، "القاموس" 1049 (قلل)، 561 (غلس).
(٢١) أي على الحال؛ سواء كان يقصد جواز النصب من الناحية الإعرابية في قوله: ﴿ فِئَةٌ ﴾ أي: التقتا مختلفتَيْن، أو يقصد جواز النصب في قوله: (ملوي ومحصود) في البيت، فيكون المعنى: حال كونه ملويًا ومحصودًا.
(٢٢) من قوله: (الرؤية ..) إلى نهاية قول الله تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 9 - 20 بتصرف.
(٢٣) انظر: "المشكل" لمكي 1/ 150، "البيان" للأنباري 1/ 193.
(٢٤) صدر بيت من الرجز، وتمامه: سَقْبانِ ممشوقان مكنوزا العَضَلْ ولم أقف على قائله، وقد ورد غير منسوب في "كتاب سيبويه" 2/ 17، والفرق بين الحروف الخمسة، لابن السيد البطليُوسي ص 370، "اللسان" 4/ 2036 (سقب) 7/ 3937 (كنز)، "التاج" 2/ 78 (سقب).
وروي بلفظ: (..
صَقْبان) بدلًا من (سقبان).
و (السَّقْب): ولد الناقة الذكر ساعة يُولد، وقد سبق بيانه.
و (الصَّقْب، والصَّقَب): يُطلق على الطويل الممتلئ من كل شيء، ومنه الغصن الريَّان الغليظ الطويل، و (صَقْب الناقة): ولدها، وعمود يُعمد به البيت، و (رجل صقْب): ممتلئ الجسم ناعمه.
انظر: "كتاب العين" 5/ 68، "الفرق بين الحروف الخمسة" ص270، "اللسان" 4/ 2469 (صقب)، و (الممشوق): الذي فيه طول مع خفة لحم.
و (مكنوزًا العضل): مجتمعًا، وممتلئًا العَضَل باللحم.
انظر: "اللسان" 7/ 4211 (مشق)، 7/ 3937 (كنز).= والشاهد في البيت: إفراد (مثل) وهي في موضع التثنية.
(٢٥) فأفرِدَت (مثل) في الآية، وهي في موضع الجمع.
(٢٦) من قوله: (رأيته ..) إلى (..
مجراة): نقله عن "تفسير الطبري" 3/ 198 مع التصرف.
(٢٧) في (ج): (محزاة) ، (د): (مجزاة).
ومعنى: (غير مُحجْراة): أي أن كلمة (رُؤْيا)، غير مصروفة، والإجراء: المنع من الصرف.
وهو من اصطلاحات الكوفيين.
يقولون: (ما يجرى وما لا يجرى)، و (الجاري وغير الجاري).
قال ابن حجر: (وهذا اصطلاح قديم، يقولون للاسم المصروف: مُجْرى).
"فتح الباري" 8/ 684.
وقد وردت هذه اللفظة كثيرًا عند الفرَّاء.
انظر: "معاني القرآن" 3/ 150، 214، 218، "والحروف" لأبي الحسين المزني 59، "النحو وكتب التفسير" 1/ 186، "دراسة في النحو الكوفي" ص 233.
(٢٨) في (د): (مصدرًا رأيت).
(٢٩) في (ج): (ويجوز).
(٣٠) والنصب هنا على المصدر: إمَّا المصدر التوكيدي، أو المصدر التشبيهي أي: رأيا مثلَ رأي العين أي: يشبه رأي العين.
(٣١) أي: يجوز نصبه لكونه ظرف مكانٍ.
(٣٢) انظر هذا المَثَل في "كتاب سيبويه" 1/ 413، 416، "الأصول" لابن السراج 1/ 199، "المسائل الحلبيات" للفارسي 59، "اللسان" 3/ 1813 (زجر).
والمَزْجَر: اسمٌ لمكان الزَجْر.
والزَّجْر: المنع والنهي والانتهار.
ومعنى هذا المثل: أنه مني في القرب بتلك المنزلة.
انظر: (زجر) في "اللسان" 3/ 1813، "المعجم الوسيط" 1/ 390.
(٣٣) المَناط: موضع التعليق.
والعيُّوق: نجم أحمرُ مضيءٌ في طرف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريا، لا يتقدمها، ويطلع قبل الجوزاء.
ومعنى المَثَل: هو مني شديد البعد، كبعد مكان هذا النجم.
انظر: "القاموس" ص 913 (عوق)، "المعجم الوسيط" 2/ 643 (عاق) 2/ 972 (ناط).
وقد ورد المَثَل في "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 201، "المستقصى في الأمثال" للزمخشري 1/ 24، "الدرة الفاخرة" لحمزة الأصفهاني 1/ 75، 76.
وورد بلفظ: (أبعد من العيوق) في "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 204، 238.
وورد: (وهو مني مناط الثريا) في "الأصول" لابن السراج 1/ 199.
ولم يرتض السمينُ الحلبي رأيَ الواحدي بالنصب على الظرفية، فقال بعد أن نقل قول الواحدي السابق: (وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعه مع عدم المساعد معنًى وصناعةً).
انظر: "الدر المصون" 3/ 55.
(٣٤) قوله: (التاء والياء، فمن قرأ بالتاء) ساقط من: (ج).
(٣٥) قرأ نافع بالتاء، وقرأ باقي القرَّاء السبعة بالياء.
انظر: "السبعة" ص 201 - 202، "الحجة" للفارسي 3/ 17.
(٣٦) وهناك وجهٌ إذا كان الخطاب لليهود، إضافة إلى ما ذكره المؤلف، وهو: ترون أيها اليهودُ الكفارَ مثلي عدد الكفار، أي أن الله كثَّر الكفار في أعين اليهود، ومع ذلك كان النصر عليهم للمسلمين، وفيه دلالة على تأييد الله للمؤمنين.
ويرى السمينُ الحلبي، أن كون الخطاب هنا لليهود استتباعًا لخطابهم في قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ يرى أن (تكلفٌ لا حاجة إليه).
ويعلل ذلك بقوله: (لأن اليهود لم يكونوا حاضري الواقعة حتى يُخاطَبوا برؤيتهم لهم ذلك).
"الدر المصون" 3/ ص 50 - 51.
كما أن هناك وجوهًا أخرى وُجِّهَتْ بها القراءة بالتاء، وهي: أن الخطاب في قوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ و ﴿ تَرَوْنَهُمْ ﴾ للمؤمنين، أي: كان لكم أيها المؤمنون آية ...
حيث ترون الكفارَ مِثْلَيْ ما أنتم عليه في العدد، واستُبعِدَ هذا بأنه خلاف ما ذكره الله في آية 44 من سورة الأنفال ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ حيث قلل الله المشركين في أعين المؤمنين.
أن الخطاب في قوله: ﴿ تَرَوْنَهُمْ ﴾ للمؤمنين، أي: ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم.
و ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ هنا انتقالٌ من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: ترونهم مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله.
أو ترون أيها المسلمون المسلمين، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم.
أن الخطاب في ﴿ لَكُمْ ﴾ و ﴿ تَرَونَهُمْ ﴾ للكفار، أي: قد كان لكم أيها المشركون آية ..
حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد، ورُدَّ هذا بما رُدَّ به الوجه الأول.
ترون أيها المشركون المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة و ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ هنا انتقال من الخطاب إلى الغيبة، وحول هذه الوجوه المذكورة نقاشات، تراجع في الكشف لحمكي 1/ 336.
"الحجة" للفارسي 3/ 20، "حجة القراءات" ص 154، "الدر المصون" 3/ 48 - 51.
(٣٧) في (ج)، (د): (فللمعاينة).
(٣٨) من قوله: (ويجوز) إلى (..
عن الفئة المسلمة) ساقط من: (د).
(٣٩) في (ج): (المسلمة).
(٤٠) فإن جعلته خبرًا عن الفئة المسلمة) ساقط من: (ج).
(٤١) انظر: "صحيح البخاري" (3957) كتاب المغازي، باب: عدة أصحاب بدر، "صحيح مسلم" برقم (1763): كتاب الجهاد.
باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، "زاد المعاد" 3/ 175، "حدائق الأنوار" لابن الديبع 2/ 498 - 499، "السيرة النبوية" لابن كثير 2/ 404، 422.
(٤٢) في (ج): (المسلمين).
(٤٣) في "معاني القرآن" 1/ 194.
نقله عنه بتصرف، واختصار.
(٤٤) من قوله: (ثلاثة ..) إلى (..
في المثل، كان) ساقط من: (ج).
(٤٥) في (د): (ألف).
(٤٦) في (د): (هذه).
(٤٧) الملابسة: المخالطة.
وهنا بمعنى: الاشتباك مع الكفار في ساحة المعركة.
انظر: "اللسان" 7/ 3987 (لبس).
(٤٨) في "معاني القرآن" له 1/ 381 نقله عنه بتصرف واختصار.
(٤٩) في (ج): (سماهم).
(٥٠) قوله (وكسر، وذلك): بياض في: (د).
(٥١) وذلك في قول الله تعالى: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ آية: 66 من سورة الأنفال.
(٥٢) في (ب): (هذا).
(٥٣) ومما يدفع قول الفراء الآنف: أن (المِثل) في اللغة: شِبْه الشيء، والمعادل له في المثال والقَدْر والمعنى.
كتاب "العين": 8/ 228، وذيل كتاب "الأضداد" للصَّغاني: 245.
(٥٤) من (الكافرة ..) إلى (..
الفئة الكافرة): ساقط من (ج).
(٥٥) في (أ)، (ب): (و).
والتصويب من (ج) و (د).
(٥٦) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٥٧) في (د): (والله).
(٥٨) في (أ): (ليطعموا)، والمثبت من (ب)، (ج)، (د)، وهو الصواب.
(٥٩) في (د): (فكان).
(٦٠) (للمؤمنين): ساقطة من (ج) و (د).
(٦١) في "معاني القرآن" 1/ 195.
(٦٢) في (ج): (ذكره).
(٦٣) (لا): ساقطة من: (ج).
(٦٤) وقد دافع ابن الأنباري عن قول الفرَّاء هذا مبينًا أن الأعجوبة لم تكن في العَدَد، وإنما كانت في الجزع الذي أوقعه الله تعالى في قلوب المشركين على كثرتهم، وقلة المسلمين، ولِما قذفه الله من شجاعة في قلوب المسلمين، فهانت بها كثرة عدد المشركين عليهم، فكان احتقار المسلمين للكافرين على وفرة عددهم أعجب من احتقارهم لهم على نقصان عددهم.
انظر: "الأضداد" ص 133.
(٦٥) وفي "الصحاح": (العِبْرَة: الاسم من الاعتبار) 2/ 732 (عبر).
(٦٦) في (د): (يُعتبر).
(٦٧) في (د): (إحدى).
(٦٨) في (أ): (يُعْبَرُ).
وفي بقية النسخ غير مضبوطة بالشكل.
والصواب ما أثبته ليستقيم المعنى.
(٦٩) وقد أخذت الكلمة من (العِبْر) وهو جانب النهر.
(وعبرت النهرَ والطريقَ): إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر.
انظر: (عبر) في "التهذيب" 3/ 2305، "مجمل اللغة" 2/ 643، "مفردات ألفاظ القرآن" ص 543، "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي ص 499.
(٧٠) في (ج): (أولي).
(٧١) في (ج): (فلان).
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ ﴾ قيل: خطاب للمؤمنين وقيل: لليهود، وقيل: لقريش؛ والأول أرجح أنه لبني قينقاع الذين قيل لهم: ستغلبون.
ففيه تهديد لهم وعبرة كما جرى لغيرهم ﴿ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ ﴾ المسلمون والمشركون يوم بدر ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ ﴾ قرئ: ترونهم بالتاء خطاباً لمن خوطب بقوله: قد كان لكم آية.
والمعنى: ترون الكفار مثْلي المؤمنين.
ولكن الله أيد المسلمين بنصره على قدر عددهم، وقُرئ بالياء.
والفاعل في يرونهم المؤمنون، والمفعول به هم المشركون.
والضمير في مثليهم للمؤمنين والمعنى على حسب ما تقدم.
فإن قيل: إنّ الكفار كانوا يوم بدر أكثر من المسلمين؛ فالجواب من وجهين أحدهما: أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين، لأن الكفار كانوا قريباً من ألف، والمؤمنون ثلاثمائة وثلاثة عشر.
ثم إنّ الله تعالى قلّل عدد الكفار في أعين المؤمنين؛ حتى حسبوا أنهم مثلهم مرتين، ليتجاسروا على قتالهم، إذا ظهر لهم أنهم على ما أخبروا به من قتال الواحد للأثنين من قوله: ﴿ فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ [الأنفال: 66]، وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ﴾ [الأنفال: 44]، والآخر أنه رجع قوم من الكفار حتى بقي منهم ستمائة وستة وعشرون رجلاً، وذلك قدر عدد المسلمين مرتين، وقيل: إنّ الفاعل في يرونهم ضمير المشركين، والمفعول ضمير المؤمنين.
وأن الضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمؤمنين والمفعول للمشركين.
والمعنى على هذا أن الله كثر عدد المسلمين في أعين المشركين حتى حسب الكفار المؤمنين مثلي الكافرين أو مثلي المؤمنين.
وهم أقل من ذلك وإنما كثرهم الله في أعينهم ليرهبوهم، ويرد هذا قوله تعالى: ويقللكم في أعينهم ليرهبوهم، ويرد هذا قوله تعالى: ويقللكم في أعينهم.
﴿ رَأْيَ العين ﴾ نصب على المصدرية، ومعناه معاينة ظاهرة لا شك فيها ﴿ والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي أن النصر بمشيئة الله لا بالقلة ولا بالكثرة، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.
﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.
الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.
الباقون بالكسر.
﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.
﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.
﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.
الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .
﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.
الباقون بالعكس.
/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.
﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.
﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.
﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.
﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.
﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.
﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.
﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.
﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.
﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.
﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.
ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.
فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.
وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.
وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.
وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.
ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .
وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.
فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.
أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.
ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .
وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.
وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي .
نظيره في حق عيسى ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ ثم إنه ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.
وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.
ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.
ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.
كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.
وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.
وثانيها أنه كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.
وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.
وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.
ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.
الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.
ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.
والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.
على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.
فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.
الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.
وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.
وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.
أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.
وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.
وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.
وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.
أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.
﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.
ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.
وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.
وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.
وروينا أيضاً أنه لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.
والمزين هو الله .
أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟
وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.
كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.
ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.
وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.
وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.
واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.
وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.
وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.
وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.
ثم إنه جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".
وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.
فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.
قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.
فالشهوة من فعل الله ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.
واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله حكاية عن سليمان / ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.
فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.
ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.
على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.
ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة ﴾ وقال : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.
الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.
والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.
أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.
روى أبو هريرة عن النبي : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.
وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.
وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.
وبه قال الحسن.
وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.
وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.
والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".
قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.
وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.
والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.
ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.
والمسومة قيل المرعية.
أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.
ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.
وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.
ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.
وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.
وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.
قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.
السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.
ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.
السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.
والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.
والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.
﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.
وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.
والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.
ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟
عندي رجل من صفته كيت وكيت.
وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.
ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.
وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.
واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.
وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.
ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.
وقد حكى الله ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.
ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.
وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.
فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.
ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.
وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟
فقال: الصبر في الله .
فقال: لا.
فقال: الصبر لله.
فقال: لا.
فقال: الصبر مع الله.
قال: لا.
قال: فأي شيء؟
قال: الصبر عن الله.
فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.
﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.
﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.
والسحر قبل طلوع الفجر.
وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.
وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.
أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.
ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.
قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان!
فلما دخلا على النبي عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟
قال: نعم.
قالا: وأنت أحمد؟
قال: نعم.
قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.
فقال لهما رسول الله : سلاني.
قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله " .
ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.
واعلم أن الشهادة من الله ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.
أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.
أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد لا يتوقف على العلم بها.
وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.
وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.
فالله أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.
أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.
فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.
فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي : إن وحدانية الله أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.
وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.
فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.
فكيف يكون المدعي شاهداً؟
فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.
وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.
أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.
ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.
الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.
وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.
الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.
واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.
ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.
فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.
ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.
وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.
فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.
فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.
ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.
وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.
وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.
ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.
والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.
سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.
والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.
وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.
أما التوحيد فأن يعلم أن الله لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه قائم بالقسط.
ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.
وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.
لأن كونه واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.
وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.
ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.
وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.
وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
وأنكروا نبوة محمد وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.
﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.
لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.
﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.
ثم بين للرسول ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.
فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.
وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.
فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.
فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.
وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.
أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".
ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد .
ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله .
وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.
وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.
فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.
فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟
فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.
﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .
ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.
ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.
عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.
"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله فقال: أيّ الجهاد أفضل؟
فقال : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .
فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟
قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله والمؤمنين جميعاً، إلا أنه عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.
أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.
عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟
قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.
ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.
فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".
واعلم أنه قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.
الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟
فقال: على ملة إبراهيم.
فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.
فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.
وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.
وقيل: دعاهم النبي أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.
ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.
و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.
والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.
/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.
ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.
وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله ، فحذف الثاني للعلم به.
أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.
والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.
وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.
وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟
وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.
وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد والقرآن وذلك كفر صريح.
﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.
﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟
أو فكيف حالهم؟
وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.
أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.
وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.
﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.
روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.
التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.
فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.
﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .
واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.
ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.
فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.
ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.
والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.
ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.
شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.
فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.
ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ .
لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.
ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.
﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.
﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.
﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ هذا - والله أعلم - في قوم قد علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لذلك قال [تعالى] لنبيّه : أن قل لهم: ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية، وإلا فلا يلحقه ذلك الوعيد، والله أعلم؛ لأن من الكفار من يسلم ومن لا يسلم، [وإلا فلا يلحق بالوعيد من الكفار من أسلم].
وقوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ﴾ .
فيه: فإن قال قائِل: ما في فئة قليلة، وهى فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئةُ المسلمين - وهم قليل - فئةَ المشركين - وهم كثير - يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلاً، فغَلَبُوا على أهل الإسلام - آيةٌ.
قيل: ليست الآية في الغلبة خاصّة؛ لكن الآية فيها [والله أعلم] وفي غيرها من وجوه: أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آيةٌ، وعلم العدو أنْ ليس لهم فئة، ولا لهم رجاء المدد، وأنْ لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة، ومعه آمَنُ، والله أعلم.
والثاني: [أن] ما روي "أن رسول الله أخذ كفاً من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: شَاهَتِ الوُجُوُه" ؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى انهزموا؛ فصار آية.
والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: "أيُّنا أَحَقُّ دِيناً، وَأوصَلُ رَحِماً؛ فَانْصُرْهُ، واجْعِلِ الغَلَبَةَ والْهَزِيمَةَ عَلَى الآخَرِ"، فأستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية.
والرابع: ما أعان الملائكةُ المسلمين، وبعثهم الله - عز وجل - مدداً لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية.
ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأولئك خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آيةٌ عظيمة؛ إذ هي حسّية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها الله بحيث لا تؤدي؛ لما قال: ﴿ لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ ؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ ﴾ .
وفي بعض القراءات: "ترونهم" بالتاء: يرى المؤمنون أولئك مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، ويلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.
أخبر - عز وجل - بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن الله - عز وجل - علم المؤمنين جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ ﴾ : أمرهم بالتثبت، ثم قال: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ﴾ : فجعل التنازع الواقع بينهم - على خلاف بعضهم بعضاً - سببَ الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحداً، والطاعة لإمامهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ : وإنما كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئِك بالعدة مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي وصفناهم - عبرةٌ وآيةٌ لأولي الأبصار والعبر.
<div class="verse-tafsir"
قد كان لكم دلالة وعبرة في فرقتين التقتا للقتال يوم بدر، إحداهما فرقة مؤمنة وهي رسول الله وأصحابه، تقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والأخرى فرقة كافرة وهم كفار مكة الذين خرجوا فخرًا ورياءً وعصبية، يراهم المؤمنون ضِعْفيهم حقيقةً رأي عين، فنصر الله أولياءه، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة وعظة لأصحاب البصائر، ليعلموا أن النصر لأهل الإيمان وإن قَلَّ عددهم، وأن الهزيمة لأهل الباطل وإن كثر عددهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.gpnrG"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ يقال أن هذه الآية وما قبلها في تقرير التوحيد سواء كان ردًا على نصارى نجران أو كان كلامًا مستقلًا، فإن التوحيد لما كان أهم ركن للإسلام كان مما تعرف البلاغة أن يبدأ بتقرير الحق في نفسه ثم يؤتى ببيان حال أهل المناكرة والجحود ومناشئ اغترارهم بالباطل وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه، وأهمها الأموال والأولاد، فهي تنبئهم هنا بأنها لا تغني عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه إذ يجمع الله فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا، بل ولا في أيام الدنيا لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم، وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير.
إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق فإن صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين فإنه ينقلب واعظًا بعد أن كان جاحدًا، فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال.
فسر مفسرنا (الجلال) تغني بتدفع، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين وإنما تغني هنا كيغني في قوله ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ ولا أراك تقول أن معناها لن يدفع من الحق شيئًا وإنما معنى "من" هنا البدلية، أي أن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلًا لهم من الله تعالى تغنيهم عنه، فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرين.
بل توعدهم أيضًا بقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ الوقود بالفتح (كصبور) ما توقد به النار من حطب ونحوه، أي أنهم سبب وجود نار الآخرة كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به.
ولا نبحث عن كيفية ذلك فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.
ثم ذكر تعالى مثلًا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال ﴿ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين، ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون فما أخذوا إلا بذنوبهم وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم وإصلاحهم فالله تعالى لا يحابي ولا يظلم ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على مستحقه إذ قضت سنته بأن يكون العقاب أثرًا طبيعيًا للذنوب والسيئات وأشدها الكفر وما تفرع عنه، فليعتبر المخذولون إن كانوا يعقلون.
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ : كان الكافرون يعتزون بأموالهم وأولادهم فتوعدهم الله تعالى وبيّن لهم أن الأمر ليس بالكثرة والثروة وإنما هو بيده .
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ : لا يبعد أن تكون الآية تشير إلى واقعة بدر كما قال المفسر (الجلال)، ويحتمل أن تكون إشارة إلى وقائع أخرى قبل الإسلام، ويرجح هذا إذا كان الخطاب لليهود فإن في كتبهم مثل هذه العبرة كقصة طالوت وجالوت في سورة البقرة.
ويرجح الأول إذا كان الخطاب لمشركي العرب وثبت أن نزول الآية كان بعد وقعة بدر.
وقد كانت الفئة الكافرة في بدر ثلاثة أضعاف المسلمة، ويصح أن يكونوا مع ذلك رأوهم مثليهم فقط لأن الله قللهم في أعينهم كما ورد في سورة الأنفال.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ : وجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله.
وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويجب أخذه بجملته، بل هذه الآية نفسها تهدي إلى السر في هذا النصر، فإنه قال: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ومتى كان القتال في سبيل الله أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده.
ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ : ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر الله تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد فكان المؤمن يقاتل ثابتًا واثقًا والكافر متزلزلًا مائقًا ونصروا الله فنصرهم وفاء بوعده في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ فالمؤمن من يشهد له بإيمانه وإيتاؤه ما وعد الله المؤمنين لا من يدعي الإيمان بلسانه وأخلاقه وأعماله وحرمانه ما وعد الله المؤمنين تكذب دعواه.
وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك، وناهيك بغزوة أُحد فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما اختاروا لأنفسهم.
ولو عادوا إليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والأخرى.
<div class="verse-tafsir"