الآية ١٤٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٢ من سورة آل عمران

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) أي : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد ، كما قال تعالى في سورة البقرة : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا [ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ] ) [ البقرة : 214 ] وقال تعالى : ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) [ العنكبوت : 1 - 3 ] ، ولهذا قال هاهنا : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) أي : لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " أم حسبتم "، يا معشر أصحاب محمد، وظننتم =" أن تدخلوا الجنة "، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده =" ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم "، يقول: ولما يتبيَّن لعبادي المؤمنين، المجاهدُ منكم في سبيل الله، على ما أمره به.

* * * وقد بينت معنى قوله: " ولما يعلم الله "، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ، وما أشبه ذلك، بأدلته فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

(5) .

* * * وقوله: " ويعلم الصابرين "، يعني: الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه.

كما:- 7929- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " وتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صِدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.

(6) * * * ونصب " ويعلم الصابرين "، على الصرف.

و " الصرف "، أن يجتمع فعلان ببعض حروف النسق، وفي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق، فينصب الذي بعد حرف العطف على الصرف، لأنه مصروف عن معنى الأول، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي في أول الكلام.

(7) وذلك كقولهم: " لا يسعني شيء ويضيقَ عنك "، لأن " لا " التي مع " يسعني" لا يحسن إعادتها مع قوله: " ويضيقَ عنك "، فلذلك نصب.

(8) .

والقرأة في هذا الحرف على النصب.

* * * وقد روي عن الحسن أنه كان يقرأ: ( وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ )، فيكسر " الميم " من " يعلم "، لأنه كان ينوي جزمها على العطف به على قوله: " ولما يعلم الله ".

---------------- الهوامش : (5) انظر تفسير"لنعلم فيما سلف 3: 158 - 162.

(6) الأثر: 7929- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7928 وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى أعلم أصدق ذلكم الإيمان بي.

.

." فرددته إلى الصواب من رواية ابن هشام.

(7) انظر"الصرف" فيما سلف 1: 569 ، وتعليق: 1 / 3: 552 ، تعليق: 1.

(8) انظر معاني القرآن للفراء 1: 235 ، 236.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين" أم " بمعنى بل .

وقيل : الميم زائدة ، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا ; حتى يعلم الله الذين جاهدوا منكم أي علم شهادة حتى يقع عليه الجزاء .

والمعنى : ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم ; فلما بمعنى " لم " .

وفرق سيبويه بين " لم " و " لما " فزعم أن " لم يفعل " نفي فعل ، وأن : " لما يفعل " .

نفي قد فعل .

ويعلم الصابرين منصوب بإضمار أن ; عن الخليل .

وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر " يعلم الصابرين " بالجزم على النسق .

وقرئ بالرفع على القطع ، أي وهو يعلم .

وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو .

وقال الزجاج .

الواو هنا بمعنى حتى ، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كما تقدم آنفا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم حسبتم ) أحسبتم؟

( أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ) [ أي : ولم يعلم الله ] ( الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم» بل «حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَما» لم «يعلم الله الذين جاهدوا منكم» علم ظهور «ويعلم الصابرين» في الشدائد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أظننتم أن تدخلوا الجنة، ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد؟

لا يحصل لكم دخولها حتى تُبْتلوا، ويعلم الله -علما ظاهرا للخلق- المجاهدين منكم في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وأن الوصول إلى رضا الله - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم ، وصبر طويل فقال - تعالى - : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } و { أَمْ } هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة ، بمعنى بل الانتقالية ، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم فى غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرارهم عنه فى ساعة الشدة .والهمة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد .وقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ } معطوف على جملة { وَلاَ تَهِنُوا } وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شىء من الضعف ، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون ، والأيام دول ، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم ، ثم بين لهم هنا : أن دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم فى سبيل الله ، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا .والمعنى : بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة ، وتنالوا كرامة ربكم ، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا فى سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه ، إن كنتم تحسبونه هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإقلاع عنه .ويحتمل أن تكون { أَمْ } هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة " ويكون المعنى عليه : أعلمتم أن الله - تعالى - سننا فى النصر والهزيمة ، وأن الأيام دول .

وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر ، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟وقوله { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } بمعنى ولما تجاهدوا .

لأن العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقة ، لأنه منتف بانتفائه .

يقول الرجل : ما علم الله من فلان خيرا ، يريد ما فيه خير حتى يعمله ، و " لما " بمعنى و { لَم } إلا أن فيها ضرباً من التوقع ، فدل على نفى الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل .وتقول : وعدنى أن يفعل كذا لوما يفعل ، تريد : وأنا أتوقع فعله " .وجملة { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } حالية من ضمير { تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار ، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة ، ولذا قال بعضهم :ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ...

إن السفينة لا تجرى على اليبسوقال بعض الحكماء " طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور .

وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة " .وقوله { وَيَعْلَمَ الصابرين } أى ويتميز الصابرون فى جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين فى جهادهم ، الثابتين فى البأساء والضراء من غيرهم ، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال .فالجهاد فى سبيل الله يستلزم الصبر ، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه ، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال : الشجاعة صبر ساعة .وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم .سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ...

ولكنهم كانوا على الموت أصبراولقد كان عدم صبر الرماة فى غزوة أحد ، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم ، من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين فى تلك المعركة .والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد .

ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة.

قال أبو مسلم: في ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: ﴿ الٓمٓ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  ﴾ وافتتح الكلام بذكر أم التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه، يقولون: أزيداً ضربت أم عمرواً، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما، قال: وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً، فلما قال: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا  ﴾ كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة.

المسألة الثانية: قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان، فجوابه أنه لم يفعل، وإذا قيل قد فعل فلان، فجوابه لما يفعل.

لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة لما.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم.

حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر، وتمام الكلام فيه قد تقدم.

أما قوله: ﴿ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ فاعلم أنه قرأ الحسن ﴿ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ بالجزم عطفاً على ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله ﴾ وأما النصب فبإضمار أن، وهذه الواو تسمى واو الصرف، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وكذا هاهنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان، وقرأ أبو عمرو ﴿ وَيَعْلَمَ ﴾ بالرفع على تقدير أن الواو للحال.

كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.

واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران مما لا يجتمعان، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما، وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات، فان الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً، فلهذه الحكمة قال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَمْ ﴾ منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله ﴾ بمعنى ولما تجاهدوا، لأنّ العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه لأنه منتف بانتفائه.

يقول الرجل: ما علم الله في فلان خيراً، يريد: ما فيه خير حتى يعلمه.

ولما بمعنى لم، إلا أن فيها ضرباً من التوقع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل.

وتقول: وعدني أن يفعل كذا، ولما تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله.

وقرئ: ﴿ ولما يعلمَ اللَّهُ ﴾ بفتح الميم.

وقيل: أراد النون الخفيفة ولما يعلمَن فحذفها ﴿ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ نصب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع، كقولك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن.

وقرأ الحسن بالجزم على العطف.

وروى عبد الوارث عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على أنّ الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِيُطَهِّرَهم ويُصَفِّيهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ إنْ كانَتِ الدُّولَةُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ ويُهْلِكَهم إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ، والمَحْقُ نَقْصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا.

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ بَلْ أحَسِبْتُمْ ومَعْناهُ الإنْكارُ.

﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ ولَمّا تُجاهِدُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ والفَرْقُ بَيْنَ لَمّا ولَمْ أنَّ فِيهِ تَوَقُّعَ الفِعْلِ فِيما يُسْتَقْبَلُ.

وَقُرِئَ «يَعْلَمَ» بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ، ﴿ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ} أي ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه تقول ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى بعلمه ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل {وَيَعْلَمَ الصابرين} نصب باضماران والواو بمعنى الجمع نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن أو جزم للعطف على يعلم الله وإنما

حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ خِطابٌ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما هي الغايَةُ القُصْوى مِنَ المُداوَلَةِ، والنَّتِيجَةُ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَلِ الثَّلاثِ الأُوَلِ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وكَوْنُها مُتَّصِلَةً، وعَدِيلُها مُقَدَّرٌ تَكَلُّفٌ، والإضْرابُ عَنِ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ العِلَلِ فِيما لَقُوا مِنَ الشِّدَّةِ إلى تَحْقِيقٍ أنَّها مِن مَبادِي الفَوْزِ بِالمَطْلَبِ الأسْنى والمَقامَ الأعْلى، والمَعْنى بَلْ لا يَنْبَغِي مِنكم أنْ تَظُنُّوا أنَّكم تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وتَفُوزُونَ بِنَعِيمِها وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها، ﴿ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَدْخُلُوا ) مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ رَجاءَ الأجْرِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ العُقُولِ، ولِهَذا قِيلَ: تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلَكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ ووَرَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ التَّنْجِيزِيِّ كَما مَرَّ في الإثْباتِ عَلى رَأْيٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ مِن لَوازِمِ نَفْيِ التَّحَقُّقِ إذِ التَّحَقُّقُ مَلْزُومُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيُ اللّازِمِ لازِمٌ نَفْيَ المَلْزُومِ، وكَثِيرًا ما يُقالُ: ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى في فُلانٍ خَيْرًا ويُرادُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، وهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ في نَفْيِ عِلْمِنا أمْ لا، فِيهِ تَرَدُّدٌ، والَّذِي قَطَعَ بِهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ الثّانِي، وإيثارُ الكِنايَةِ عَلى التَّصْرِيحِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَعْنى المُرادِ، وهو عَدَمُ تَحَقُّقِ الجِهادِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِلْفَوْزِ الأعْظَمِ مِنهم، لِما أنَّ الكَلامَ عَلَيْها كَدَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ أيْضًا إلى تَرْكِ الرِّياءِ، وأنَّ المَقْصُودَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا النّاسُ، وإنَّما وُجِّهَ النَّفْيُ إلى المَوْصُوفِينَ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ هو الوَصْفُ الَّذِي هو الجِهادُ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ ذَلِكَ، وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ أصْلًا، وكَيْفَ تُحَقَّقُ صِفَةٌ بِدُونِ مَوْصُوفٍ، وفي اخْتِيارِ (لَمّا) عَلى لَمْ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِهادَ مُتَوَقَّعٌ مِنهم فِيما يُسْتَقْبَلُ بِناءً عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( لَمّا ) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها، وقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ إذا قِيلَ: قَدْ فَعَلَ فُلانٌ فَجَوابُهُ: لَمّا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: فَعَلَ ؟

فَجَوابُهُ: لَمْ يَفْعَلْ، فَإذا قِيلَ: لَقَدْ فَعَلَ، فَجَوابُهُ ما فَعَلَ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ فَعَلَ، فَقالَ المُجِيبُ: واللَّهِ ما فَعَلَ، وإذا قِيلَ: هو يَفْعَلُ يُرِيدُ ما يُسْتَقْبَلُ، فَجَوابُهُ لا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: سَيَفْعَلُ فَجَوابُهُ لَنْ يَفْعَلَ، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ القَوْلَ بِأنْ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ، نَعَمْ هَذا التَّوَقُّعُ هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في تَأْكِيدِ الإنْكارِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمَ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ فَحُذِفَتْ في الدَّرَجِ، وقَدْ أجازُوا حَذْفَها إمّا بِشَرْطِ مُلاقاةِ ساكِنٍ بَعْدَها أوْ مُطْلَقًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا قُلْتُ قَدْنِي قالَ بِاللَّهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لَتُغْنِي عَنِّي ذا أنائِكَ أجْمَعا عَلى رِوايَةِ فَتْحِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّ فَتْحَ المِيمِ لِإتْباعِ اللّامِ لِيَبْقى تَفْخِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ، و(مِن) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ ﴿ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ (142) نُصِبَ بِإضْمارِ إنْ، وقِيلَ: بِواوِ الصَّرْفِ، والكَلامُ عَلى طَرْزِ، لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنكُمُ الجِهادُ والصَّبْرُ أيِ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وإيثارُ الصّابِرِينَ عَلى الَّذِينَ صَبَرُوا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعْتَبَرَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الصَّبْرِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ وحُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ والإتْباعِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الحَسَنِ: (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِكَسْرِ المِيمِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ أوْ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ وهو يَعْلَمُ، وصاحِبُ الحالِ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قال مقاتل: بيّن للمؤمنين أنه نازل بهم الشدة والبلاء في ذات الله لكي يصبروا ويحتسبوا.

فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ يقول: أَظننتم أن تدخلوا الجنة بغير شيء قبل أن يصيبكم من الشدة في ذات الله، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ قال مقاتل: أي ولما يرى الله الذين جاهدوا مِنكُمْ.

ويقال: ولما يظهر جهاد الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الذين يصبرون عند البلاء.

ويقال: ويعلم الكارّين أي غير الفارين عن القتال.

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وذلك أنه لما وصف الله لهم ما نزل بشهداء بدر من الكرامة، فقالوا: ليتنا نجد قتالاً فنقتل فيه لكي نصيب مثل ما أصابوا، فلما لقوا القتال يوم أُحد هربوا، فعاقبهم الله تعالى بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي القتال والشهادة من قبل أن تلقوه، لأن القتال سبب الموت فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى السيوف فيها الموت.

وقال الزجاج: معناه ولقد كنتم تمنون القتال لأن القتال سبب الموت، فقد رأيتموه، يعني وأنتم بصراء كقولك: رأيت كذا وكذا ولم يكن في عينيك علّة.

ويقال: وأنتم تنظرون إلى محمد  .

وقال القتبي: فقد رأيتموه، يعني أسبابه وهو السيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...

الآية.

قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.

وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...

الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.

قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.

وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:

فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.

وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.

وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.

انتهى.

ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.

قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.

وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]

وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...

على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...

أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»

والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .

وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ

الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.

وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...

الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:

وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  ، بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في ذَلِكَ، فَتَمَنُّوا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ، فَيَلْحَقُونَ بِإخْوانِهِمْ، فَأراهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنِ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ يَعْنِي القِتالَ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَنْظُرُوا إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ يَوْمَئِذٍ، قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي السَّيْفُ ونَحْوُهُ مِنَ السِّلاحِ.

وفي مَعْنى ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَنْظُرُونَ إلى السُّيُوفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وأنْتُمْ بُصَراءُ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ كَذا وكَذا، ولَيْسَ في عَيْنِكَ عِلَّةٌ، أيْ: رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقَةً.

.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ.

وفي الآَيَةِ إضْمارٌ [أيْ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ] فَلِمَ انْهَزَمْتُمْ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ "أمْ" هي بِمَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والتَرْكِ لَهُ، وفِيها لازَمَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِبَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ.

و"حَسِبْتُمْ" مَعْناهُ: ظَنَنْتُمْ؛.

وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ وعَتْبٌ لِطَوائِفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وقَعَتْ مِنهُمُ الهَفَواتُ المَشْهُورَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ ﴾ نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ وهو مُعادِلٌ لِقَوْلِ القائِلِ: قَدْ كانَ كَذا، فَلَمّا أكَّدَ هَذا الخَبَرَ المُوجَبَ بِقَدْ أكَّدَ النَفْيَ المُعادِلَ لَهُ بِلَمّا، وإذا قالَ القائِلُ: كانَ هَذا، فَمُعادِلُهُ: لَمْ يَكُنْ دُونَ تَأْكِيدٍ في الوَجْهَيْنِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ في قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَلَمّا يَعْلَمَ" بِفَتْحِ المِيمِ إتْباعًا لِفَتْحَةِ اللامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَيَعْلَمَ" عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ "أنْ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وبِواوِ الصَرْفِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَفْعِ عَلى اسْتِئْنافِ الفِعْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَيَعْلَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ جَزْمًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ".

ثُمَّ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ والسَبَبُ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مُبادِرًا فَلَمْ يُوعِبِ الناسُ مَعَهُ، إذْ كانَ الظَنُّ أنَّهُ لا يَلْقى حَرْبًا، فَلَمّا قَضى اللهُ بِبَدْرٍ ما قَضى وفازَ حاضِرُوها بِالمَنزِلَةِ الرَفِيعَةِ؛ كانَ المُتَخَلِّفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عنها يَتَمَنَّوْنَ حُضُورَ قِتالِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ  لِيَكُونَ مِنهم في ذَلِكَ غَناءٌ يُلْحِقُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ونَبِيِّهِمْ بِمَنزِلَةِ أهْلِ بَدْرٍ، ولِأنَسِ بْنِ النَضْرِ في ذَلِكَ كَلامٌ مَحْفُوظٌ، فَلَمّا جاءَ أمْرُ أُحُدٍ وحَضَرَ القِتالُ لَمْ يَصْدُقْ كُلُّ المُؤْمِنِينَ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألْزَمَهم تَعالى تَمَنِّي المَوْتِ مِن حَيْثُ تَمَنَّوْا لِقاءَ الرِجالِ بِالحَدِيدِ ومُضارَبَتَهم بِهِ، وهي حالٌ في ضِمْنِها في الأغْلَبِ المَوْتُ، ولا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ، فَصارَ المَوْتُ كَأنَّهُ المُتَمَنّى، وإلّا فَنَفْسُ قَتْلِ المُشْرِكِ لِلْمُسْلِمِ لا يَجُوزُ أنْ يُتَمَنّى مِن حَيْثُ هو قَتْلٌ، وإنَّما تُتَمَنّى لَواحِقُهُ مِنَ الشَهادَةِ والتَنْعِيمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "مِن قَبْلِ أنْ تُلاقُوهُ"، وهَذِهِ والأُولى في المَعْنى سَواءٌ، مِن حَيْثُ "لَقِيَ" مَعْناهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ "مِن قَبْلُ" بِضَمِّ اللامِ وتَرْكِ الإضافَةِ، وجَعْلِ "أنْ تَلْقَوْهُ" بَدَلًا مِنَ "المَوْتَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ" يُرِيدُ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي الحَرْبُ المُشْتَعِلَةُ والرِجالُ بِأيْدِيهِمُ السُيُوفُ، وهَذا كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ يَوْمَ بَدْرٍ: رَأيْتُ البَلايا تَحْمِلُ المَنايا قالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ يُرِيدُ لِقُرْبِ الأمْرِ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ: لَقَدْ رَأيْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ يُرِيدُ لَمّا اشْتَدَّ بِهِ المَرَضُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها: التَأْكِيدُ لِلرُّؤْيَةِ وإخْراجُها مِنَ الاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ في اللَفْظِ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ في أسْبابِ النَجاةِ والفِرارِ وفي أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ هَلْ قُتِلَ أمْ لا؟

وذَلِكَ كُلُّهُ نَقْضٌ لِما كُنْتُمْ عاهَدْتُمُ اللهَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُنْحى بِهِ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أنَّهُ النَظَرُ في أمْرِهِ هَلْ قُتِلَ؟

والِاضْطِرابُ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

والمَعْنى الثالِثُ: أنْ يَكُونَ قَدْ وقَّفَهم عَلى تَمَنِّيهِمْ ومُعاهَدَتِهِمْ، وعَلى أنَّهم رَأوُا الَّذِي تَمَنَّوْا، ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والعَتْبِ: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ في فِعْلِكُمُ الآنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ هَلْ وفَّيْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ؟

كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمْ حُسَباءُ أنْفُسِكُمْ، فَتَأمَّلُوا قَبِيحَ فِعْلِكُمْ، وفي هَذا التَوْبِيخِ عَلى هَذا الوَجْهِ ضَرْبٌ جَمِيلٌ مِنَ الإبْقاءِ والصَوْنِ والِاسْتِدْعاءِ.

قالَ ابْنُ فُورَكٍ: المَعْنى وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ في ذَلِكَ وتُفَكِّرُونَ فِيها كَيْفَ هِيَ؟

وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أم ﴾ هنا منقطعة، هي بمعنى (بل) الانتقالية، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون: إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره: ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل.

فقوله: ﴿ أم حسبتم ﴾ عطف على جملة ﴿ ولا تهنوا ﴾ [آل عمران: 139] وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت، ثُمّ بيّن لهم هنا: أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا.

والاستفهام المقدّر بعد (أم) مستعمل في التَّغليط والنَّهي، ولذلك جاء ب (أم) للدلالة على التغليط: أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد.

ومن المفسّرين من قدّر لِ (أمْ) هنا معادِلاً محذوفاً، وجعلها متَّصلة، فنقل الفخر عن أبي مسلم الأصفهاني أنَّه قال: عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً لأنَّه لمّا قال: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا ﴾ [آل عمران: 139] كأنَّه قال: أفتعلمون أنّ ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة.

وجملة ﴿ ولما يعلم الله ﴾ إلخ في موضع الحال، وهي مصبّ الإنكار، أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة حين لا يعلم الله الَّذين جاهدوا.

و (لَمَّا) حرف نفي أختُ (لم) إلاّ أنَّها أشدّ نفياً من (لم)، لأنّ (لم) لِنفي قول القائل فَعَل فلان، و(لمّا) لنفي قوله قد فعل فلان.

قاله سيبويه، كما قال: إنّ (لا) لنفي يفعل و(لن) لنفي سيفعل و(ما) لنفي لقد فعل و(لا) لنفي هو يفعل.

فتدلّ (لَمَّا) على اتِّصال النَّفي بها إلى زمن التكلّم، بخلاف (لم)، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنّها تؤذن بأنّ المنفي بها مترقّب الثبوت فيما يستقبل، لأنَّها قائمة مقام قولك استمرّ النَّفي إلى الآن، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال: و(لمّا) بمعنى (لم) إلاّ أنّ فيها ضرباً من التوقُّع وقال في قوله تعالى: ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ سورة [الحجرَات: 14]: فيه دلالة على أنّ الأَعراب آمنوا فيما بعد.

والقول في علم الله تقدّم آنفاً في الآية قبل هذه.

وأريد بحالة نفي علم الله بالَّذين جاهدوا والصَّابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصّبر عنهم، لأنّ الله إذا علم شيئاً فذلك المعلوم محقّق الوقوع فكما كنّى بعلم الله عن التّحقق في قوله: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 140] كنّى بنفي العلم عن نفي الوقوع.

وشرط الكناية هنا متوفّر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لِجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء جهادهم.

ولا يرد ما أورده التفتزاني، وأجاب عنه بأنّ الكناية في النفي بنيت على الكناية في الإثبات، وهو تكلّف، إذ شأن التراكيب استقلالها في مفادها ولوازمها.

وعقّب هذا النفي بقوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ معطوفاً بواو المعية فهو في معنى المفعول معه، لتنتظم القيود بعضها مع بعض، فيصير المعنى: أتحسبون أن تدخلوا الجنَّة في حال انتفاء علم الله بجهادكم مع انتفاء علمه بصبركم، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يجتمع العلمان.

والجهاد يستدعي الصّبر، لأنّ الصّبر هو سبب النَّجاح في الجهاد، وجالب الانتصار، وقد سئل عليّ عن الشَّجاعة، فقال: صبر ساعة.

وقال زفر بن الحارث الكلابي، يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم *** سَقَيْنَاهُمُ كأْساً سَقَوْنا بمثلها ولكنَّهم كانُوا على الموْتتِ أصبرا *** وقد تسبّب في هزيمة المسلمين يومَ أُحُد ضعفُ صبر الرماة، وخفّتهم إلى الغنيمة، وفي الجهاد يُتطلّب صبر المغلوب على الغلب حتَّى لا يهن ولا يستسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ  ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.

﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.

والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إن يمسسكم ﴾ قال: أن يصبكم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ برفع القاف فيهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ قال: جراح وقتل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ قال: إن يقتل منكم يوم أحد فقد قتلتم منهم يوم بدر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم يعني يوم أحد قال عكرمة: وفيهم أنزلت ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ وفيهم أنزلت ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ [ النساء: 104] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ فانه كان يوم أحد بيوم بدر.

قتل المؤمنون يوم أحد اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، فجعل له الدولة عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: فانه أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين رجلاً، عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى ثلاثة وسبعين رجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: جعل الله الأيام دولاً.

مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء.

أدال الكفار يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: والله لولا الدول ما أودى المؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من المؤمن ويُبْتَلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.

وأخرج عن السدي ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يوماً لكم ويوماً عليكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي حاتم عن ابن سيرين ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يعني الأمراء.

وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال: إن للحق دولة وإن للباطل دولة من دولة الحق.

إن إبليس أمر بالسجود لأدم فأديل آدم على إبليس، وابتلي ادم بالشجرة فأكل منها فأديل إبليس على آدم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة.

فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوماً كيوم بدر.

يبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق.

فلقوا يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً ﴾ [ البقرة: 154] الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: يكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ يقول: أن لا تقتلوا لا تكونوا شهداء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟

قالوا: فلان وفلان.

أخوها وزوجها.

أو زوجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: حي...

قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء.

ونزل القرآن على ما قالت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ﴾ قال: يبتليهم ﴿ ويمحق الكافرين ﴾ قال: ينقصهم.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين.

إنه كانت إذا تلا هذه الآية قال: اللهمَّ محصناً ولا تجعلنا كافرين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسحاق ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ وتصيبوا من ثوابي الكرامة ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ يقول: ولمَ اختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره؟

حتى أعلم صدق ذلك منكم.

الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية (١) معنى ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ : (بَلْ حَسِبْتُم)، على جهة الإنكار (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ .

قال أبو إسحاق (٤) (٥) وإذا قال: (فَعَلَ فلان)، فجوابه: (لَمْ يَفْعَل).

وإذا قال: (لَقَد فَعَل)، فجوابه: (ما فَعَل) (٦) (٧) (٨) والنَفْيُ في الآية، واقِعٌ على العِلْمِ.

والمعنى: على نَفْي الجِهَادِ دونَ العِلْم؛ وذلك لِمَا فِيهِ مِنَ الإيجاز في انتفاءِ جهادٍ؛ لَوْ كانَ؛ لَعَلِمَهُ.

والتقدير: (ولَمَّا لم (٩) وقال الزجاج (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ انتصب على الصَّرْفِ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال ابن الأنباري (٢٣) ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ معناه: الحال لِمَا قبله.

وهذه الواو، يُسَمُّون (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال: وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ -بالكسر- (٢٧) وهذه الآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أحد، فقيل لهم: أَحَسِبتم أنْ تدخلوا الجَنَّةَ، كما دَخَلَ الذين قُتِلوا، وبَذَلُوا مُهَجَهُم (٢٨) (٢٩) (١) (الآية): ساقطة من (ج).

(٢) (أم) هذه، هي المنقطعة، التي تقدر بـ (بل) -التي للإضراب-، وهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار.

والتقدير: (بل أحسبتم؟).

وانظر أقوالًا أخرى فيها، في: "المغني" لابن هشام 821، و"البحر المحيط" 3/ 65 - 66، و"الدر المصون" 2/ 380، 3/ 408 - 409، و"دراسات لأسلوب القرآن الكريم" القسم الأول 1/ 313 - 315.

(٣) انظر: "البسيط" عند تفسير الآيات: 108، 133، 214 من سورة البقرة.

(٤) في "معاني القرآن" 1/ 472.

نقله عنه بتصرف.

(٥) (لما): ساقطة من (ج).

(٦) في "المعاني": ما يفعل.

(٧) في "المعاني" (والله هو يفعل).

وقد أورد هذا سيبويه في "الكتاب" 3/ 117 وفيه: (والله لقد فعل) كما هي عند المؤلف.

(٨) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 117 فقد وردت نفس العبارات التي أوردها الزجاج، ويبدو أنه نقلها عن سيبويه.

قال الزمخشري: (و (لَمَّا) بمعنى (لم)، إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يُستقبل.

وتقول: (وعدني أن يفعل كذا، ولَمَّا)، تريد: ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله).

"الكشاف" 1/ 467.

قال أبو حيان -معلقًا على قول الزمخشري السابق-: (وهذا الذي قاله في (لَمَّا) == أنها تدل على توقع الفعل المنهي بها، فيما يُستَقبَل؛ لا أعلم أحدًا من النحويِن ذكره، بل ذكروا: أنك إذا قلت: (لمَّا يخرج زيد)، دَلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى، متصلًا نفيُهُ إلى وقت الإخبار، أمَّا أنها تدل على توقعه في المستقبل، فلا، لكني وجدت في كلام الفراء شيئًا يقارب ما قاله الزمخشري، قال: (لَمَّا) لتعريض الوجود، بخلاف (لم)) "البحر المحيط" 3/ 66.

وانظر: "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" القسم الأول 2/ 620 - 622.

(٩) لم: ساقطة من (ج).

(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 472.

نقله عنه بنصه.

(١١) أي: ليست في "معاني القرآن".

(١٢) في "معاني القرآن": منهم.

(١٣) في (أ): (غنيا).

والمثبت من: (ب)، (ج)، و"معاني القرآن".

(١٤) (الصرف) اصطلاح للكوفيين، يعني: أن الفعل كان من حقه أن يُعرَبَ بإعراب ما == قبله، ولكن صَرَفَتْهُ الواو إلى وجهٍ آخر من الإعراب.

انظر: "المحلى" لابن شقير 42، و"مغني اللبيب" 472، و"الدر المصون" 3/ 411، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 187.

وسيفسر الفراءُ هذا المصطلح، كما سيأتي.

(١٥) والرأي الثاني، -وهو للبصريين-: أن النصب في هذه الآية وأمثالها، بإضمار (أن) وجوبًا بعد الواو، إذا قصد بها المصاحبة.

والرأي الثالث، -وهو لأبي عمرو الجَرْمي، من البصريين-: أنها نصبت بالواو نفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف.

وقد عرض هذه الآراء وناقشها أبو البركات الأنباري في "الإنصاف" ص 442.

وانظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 14.

(١٦) (أ)، (ب): (يستعني).

والمثبت من (ج).

وهو الصواب.

(١٧) في (ب)، (ج): (ولا يعجز).

وهو خطأ؛ لأنه خلاف ما يريد المؤلف في هذه المسألة النحوية، وسيأتي بيان ذلك في قول الفراء.

(١٨) صدر بيت، وعجزه: عار عليك إذا فعلت عظيمُ وقد اختلف في قائله، فنُسِب للشعراء التالين: أبي الأسود الدُؤَلي، والمتوكل الليثي، وسابق البربري، وحسان بن ثابت، والطرماح.

وقد ورد في الكتب التالية: "ديوان أبي الأسود الدؤلي" 231، و"كتاب سيبويه" 3/ 42، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 34، و"المقتضب" 2/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 255، 2/ 185، و"الأصول في النحو" 2/ 154، و"المحلى" لابن شقير 42، و"اللمع" لابن جني 189، و"الإيضاح العضدي" 1/ 323، و"جامع بيان العلم" لابن عبد البر 1/ 240، و"فصل المقال" للبكري 93/ و"شرح المفصل" 7/ 24، و"البسيط في == شرح جمل الزجاجي" 1/ 232، و"المغني" لابن هشام 472، و"شرح شذور الذهب" 296، 360، و"شرح ابن عقيل" 4/ 15، و"خزانة الأدب" 8/ 564 وقد ذكر البيت، والاختلاف في قائله.

والشاهد في البيت: نصب الفعل المضارع (وتأتي) بعد الواو في جواب النهي.

وهي الواو التي يسميها الكوفيون: واو الصرف.

أما عند البصريين: فالنصب بـ (أن) المضمرة وجوبًا، بعد واو المعية التي تقتضي الجمع.

انظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 14 والمصادر النحوية السابقة.

(١٩) في "معاني القرآن" له 1/ 235.

نقله عنه بالمعنى.

وعبارة المؤلف قريبة جدًا من عبارة الطبري في "تفسيره" 7/ 247، وقد يكون المؤلف نقل قول الفراء عن الطبري.

وعبارة الفراء في المعاني أوضح وأجلى.

(٢٠) في المعاني: بالواو، أو (ثُمَّ)، أو الفاء، أو (أو).

(٢١) في المعاني: (وفي أوله جحد، أو استفهام، ثم ترى ذلك الجحد، أو الاستفهام، ممتنعًا أن يُكَرَّر في العطف، فذلك الصرف ..).

(٢٢) انظر -لبيان معنى الصرف-: "تفسير البسيط" فقد تناول هذه المسألة عند تفسير آية 42 من سورة البقرة، و"معاني القرآن"، للفراء: 1/ 33 - 34، و"تفسير الطبري" 1/ 255، 4/ 108، و"الإنصاف" 555 - 556.

(٢٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٤) هكذا جاءت في: (أ)، (ب).

وفي (ج): (تسميها).

(٢٥) في (ب): (نصب).

(٢٦) في (ب): (الماين).

(٢٧) انظر قراءة الحسن في: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 235، "تفسير الطبري" 4/ 108، وهي -كذلك- قراءة: يحيى بن يعمر، وابن حيوة، وعمرو بن عبيد، انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 41.

وقرأها عبدُ الوارث عن أبي عمرو بن العلاء بالرفع: (ويعلمُ)، وهي إما على الاستئناف، وهو الأظهر، أو على أن الواو للحال.

انظر: "الكشاف" 1/ 467، و"المحرر الوجيز" 3/ 344، و"الدر المصون" 3/ 411.

(٢٨) في (ب): (جهدهم).

(٢٩) في (ج): (يسلكوا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أم هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة عند سيبوية، وهذه الآية وما بعدها معاتبة لقوم من المؤمنين صدرت منهم أشياء يوم أحد ﴿ تَمَنَّوْنَ الموت ﴾ خوطب به قوم فاتتهم غزوة بدر، فتمنوا حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى هذا إنما تمنوا الجهاد وهو سبب الموت، وقيل: إنما تمنوا الشهادة في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك  ﴾ و ﴿ رأوه  ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.

وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.

وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.

الباقون.

﴿ قاتل ﴾ .

الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي  إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.

والتقدير ومعه ريبون كثير.

ولو وصل كان الريبون مقتولين.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.

و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.

وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.

وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.

تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.

فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.

وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه  أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.

وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.

والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.

وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟

ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.

وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.

وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.

وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله  في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.

ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.

قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.

ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.

وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.

ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه  أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه  مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.

﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.

﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.

ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي  بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول  مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.

ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله  بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.

واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي  .

وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله  فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.

قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله  فانكفؤا، وجعل رسول الله  يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.

قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.

وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.

والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟

وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.

وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى  مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.

والنصارى زعموا أن عيسى  قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.

وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.

وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.

وقوله: ﴿ إنك ميت  ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون  ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.

ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.

ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.

يريد أنه يعود ضرره عليه.

وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.

ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله  .

روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.

فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.

وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟

فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.

ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.

ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.

وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.

أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه  لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.

وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه  ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.

وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.

وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.

والمعنى أن الله  يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.

وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.

/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.

وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله  ، ولكنه جعل من بين يديه  ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.

وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.

وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله  ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.

فإذا كتب  ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.

والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله  إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟

ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله  في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله  وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.

وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال  : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.

فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله  كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.

﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.

كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.

"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.

والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.

فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.

وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.

وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.

وإن كان مجموع المعنى.

والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.

الواحد ربى عن الفراء والزجاج.

قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.

وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.

والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.

فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.

فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي  في القتال.

وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.

ثم إنه  مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله  ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.

وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.

وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.

واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.

والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.

﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.

ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.

فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.

وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه  ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.

والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.

والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.

وفي الآية تأديب وإراشاد من الله  في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.

والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.

أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟

وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.

قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً  ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.

وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.

لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.

وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

وههنا سر وهو أنه  وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.

والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.

وعن علي  : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.

والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.

والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.

﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.

التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟

فيقول: هاه لا أدري.

فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.

فيقولان له: لا دريت ولا تليت.

﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.

ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.

ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.

﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ في آخر الأمر؛ يعني في أُحد؛ فقد مسَّ المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - والله أعلم - على التسكين؛ ليعلموا أنهم لم يخصوا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

تحتمل الآية وجوهاً: يوماً للمؤمنين ويوماً عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله -  - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر [للعدوّ عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ يمتحن عباده] بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانياً.

ويحتمل المداولة - أيضاً وجهاً آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبداً للمؤمنين - لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبداً للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.

ويحتمل أن ما يصيب [بمعصية]، المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، والله أعلم.

فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ أليس وعد أنكم إن نصرتم دينه ينصركم، وأخبر - أيضاً - أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دنيه فلم ينصركم؛ أليس يكون خلفاً في الوعد؟

أو إن نصركم فغلبتم يكون كذباً في الخبر.

قيل: لهذا جواب من أوجه: قيل: يحتمل قوله - عز وجل -: إن تنصروا دين الله في الدنيا ينصركم في الآخرة بالحجج؛ كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [غافر: 51]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

وقيل: إن تنصروا دين الله ولم تعصوا الله فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم.

وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين الله جملةً - ينصركم؛ كقوله -  -: "لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ، كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ" وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ  ﴾ .

وقيل: إن تنصروا دين الله ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم في الحروب كلّها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إمّا إعجاباً بالكثرة؛ كقوله -  -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً  ﴾ ، وإمّا خلافاً لرسول الله  .

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ دلالة أن كان من الله معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ولكان هو يجعل أبداً الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من الله في صنع العباد - صنع له أضيف [إليه صنيعهم]، والله أعلم.

ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجّة، وأظهر للدعوة، وأدعى [إلى الإجابة]، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط إعطاء الأصلح، والله أعلم.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ردّ قول الأصلح؛ حيث قالوا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح في الدين، يقال لهم: أي صلاح للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمناً شاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً.

وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية، تخرج على أوجه: أحدها: أن ما وصفت الله به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت الله -  - بلا ذكر الخلق وصفته به في الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع المقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى هذا عندنا القول بـ"خالق" "رازق" ونحو ذلك، والله أعلم.

والثاني: على تسمية معلومة علماً في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمّى عذاب الله في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة - وغيرها من العبادات - أمره، على معنى أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الغيب شهوداً؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه كائناً لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهراً موجوداً، وهو يرجع إلى ما بيّنا.

وقال بعضهم: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن التشبيه أبعد، وعند من يعرف الله حق المعرفة: هما واحد.

والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى الله: أنها كانت بالأحرف المجعولة المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر الإضافة إلى الله -  - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ  ﴾ ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت الله، وعباد الله، وروح الله وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه.

وجائز - في الجملة - أن يوصف الله بأنه لم يزل عالماً بكون كل ما يكون كيف يكون؟

وفي وقت كونه كائناً؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في الله -  وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين: أحدهما: "ولم يعلم"، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء الله كان، [وما لم يشأ لم يكن]، أي: شاء ألا يكون، لا يكون.

والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: ليس لهم.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ﴾ بمعنى: إلا؛ كقوله ﴿ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؟!

لا تدخلوها إلا أن يعلم الله مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم موجوداً، والله أعلم.

وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير صابراً؛ وكذلك قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ  ﴾ أي: ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ  ﴾ أي: حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ  ﴾ ليعلم شاهداً ما قد علم غائباً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أي: يستشهدون في سبيل الله بأيدي عدوهم.

ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس؛ حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم ويستأصلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : ما ذكرنا من تمحيص الذنوب على ما روي عن رسول الله  : "السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ" ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصاً لهم من الكفر، بل يهلكهم في النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ : قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة.

﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ﴾ : أي: ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم يجاهدوا.

وقيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، و"لما" بمعنى: "إلا يعلم"، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ : من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه: "إلا عليها حافظ"، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لَعَلَيْها حافظ، و"ما" صلة.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، أي: ظننتم ذلك، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، وقال في [موضع آخر]: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية [آل عمران: 165]، بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أولئك الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن الله قد يعلم أنهم يجاهدون قبل الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ  ﴾ -: أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، والله أعلم.

فيكون تأويل ﴿ وَلَمَّا ﴾ : ولم، والألف صلة.

وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ بالتشديد: "إلا عليها حافظ"؛ فيكون بمعنى الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وقد بيّنا ما في العلم في الحرف الأوّل على أنه له وجهان - أيضاً -: أحدهما: أن الله لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه.

والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بيّنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أظننتم -أيها المؤمنون- أنكم تدخلون الجنة دون ابتلاء وصبرٍ يظهر به المجاهدون في سبيل الله حقيقةً، والصابرون على البلاء الذي يصيبهم فيه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.QBkzn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.

إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟

هل تدبرتم تلك الحكم؟

أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.

ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.

ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.

ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.

إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.

وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.

ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.

ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ  ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.

بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.

وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.

بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ  ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.

فلقد كان النبي  يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.

لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي  كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي  لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ  ﴾ الآية.

فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.

قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ  ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي  ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.

وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.

ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.

إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.

وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي  إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.

وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.

بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي  ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلخ.

إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.

وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.

فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا  ﴾ الآية.

تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي  ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.

وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.

فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.

والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟

إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي  بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.

ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله