الآية ٣٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٥ من سورة آل عمران

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

امرأة عمران هذه أم مريم [ بنت عمران ] عليها السلام وهي حنة بنت فاقوذ ، قال محمد بن إسحاق : وكانت امرأة لا تحمل ، فرأت يوما طائرا يزق فرخه ، فاشتهت الولد ، فدعت الله ، عز وجل ، أن يهبها ولدا ، فاستجاب الله دعاءها ، فواقعها زوجها ، فحملت منه ، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون ( محررا ) أي : خالصا مفرغا للعبادة ، ولخدمة بيت المقدس ، فقالت : ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) أي : السميع لدعائي ، العليم بنيتي ، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) يعني بقوله جل ثناؤه: " إذ قالت امرأة عمران ربّ إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا فتقبل مني"، فـ" إذْ" من صلة سَمِيعٌ .

(23) * * * وأمّا " امرأة عمران "، فهي أم مريم ابنة عمران، أم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.

وكان اسمها فيما ذكر لنا حَنَّة ابنة فاقوذ بن قتيل، (24) كذلك:- 6856 - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في نسبه = وقال غير ابن حميد: ابنة فاقود - بالدال - ابن قبيل.

(25) * * * فأما زوجها " عمران "، فإنه: عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن &; 6-329 &; أحزيق (26) بن يوثم (27) بن عزاريا (28) بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو (29) بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر (30) بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا، كذلك:- 6857 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في نسبه.

* * * وأما قوله: " رَبّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا "، فإنّ معناه: إني جعلت لك يا رب نَذْرًا أنّ لك الذي في بطني محرّرًا لعبادتك.

يعني بذلك: حبستُه على خدمتك وخدمة قُدْسك في الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك، مفرّغة لك خاصة.

* * * ونصب " محرّرًا " على الحال مما في الصفة من ذكر " الذي".

(31) * * * " فتقبل مني"، أي: فتقبل مني ما نذرت لك يا ربّ =" إنك أنت السميع &; 6-330 &; العليم "، يعني: إنك أنتَ يا رب " السميع " لما أقول وأدعو =" العليمُ" لما أنوي في نفسي وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمري وعلانيته.

(32) * * * وكان سبب نذر حَنة ابنة فاقوذ، امرأة عمران = الذي ذكره الله في هذه الآية فيما بلغنا، ما:- 6858 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: تزوج زكريا وعمران أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا، وكانت أم مَريم عند عمرانَ، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم، فهي جنينٌ في بطنها.

قال: وكانت، فيما يزعمون، قد أمسك عنها الولد حتى أسنَّت، وكانوا أهل بيت من الله جل ثناؤه بمكان.

فبينا هي في ظلّ شجرة نظرت إلى طائر يُطعم فرخًا له، فتحرّكت نفسُها للولد، فدعت الله أن يهبَ لها ولدًا، فحملت بمريم، وهلك عمران.

فلما عرفت أن في بطنها جنينًا، جعلته لله نَذيرةً = و " النذيرة "، أن تعبِّده لله، فتجعله حبيسًا في الكنيسة، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا.

6859 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال = ثم ذكر امرأة عمران وقولها: " ربّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا " = أي نذرته، تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا = (33) " فتقبَّل مني إنك أنتَ السميع العليم ".

(34) 6860- حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة &; 6-331 &; قال، حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله: " محررًا "، قال: خادمًا للبِيعة.

(35) 6861 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد قال: خادمًا للكنيسة.

6862 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، أخبرنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا "، قال: فرّغته للعبادة.

6863 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: جعلته في الكنيسة، وفرّغته للعبادة.

6864 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن إسماعيل، عن الشعبي نحوه.

6865 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: للكنيسة يخدُمها.

6866 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

6867 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: خالصًا، لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.

6868 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، &; 6-332 &; عن سعيد بن جبير: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: للبيعة والكنيسة.

6869 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحمانيّ قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: محرّرًا للعبادة.

6870 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إذ قالت امرأة عمران رَبّ إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، الآية، كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور، وكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها.

6871 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: نذرت ولدها للكنيسة.

6872 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرّرًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم "، قال: وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما في بطنها غلام، فوهبته لله محرّرًا لا يعمل في الدنيا.

6873 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: كانت امرأة عمران حرّرَت لله ما في بطنها.

قال: وكانوا إنما يحرّرون الذكور، فكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها.

6874 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محررًا "، قال: جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلَّمونه.

6875 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة: أنه أخبره عن عكرمة = وأبي بكر، عن عكرمة: أن امرأة عمران كانتْ عجوزًا عاقرًا تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبطُ النساء لأولادهن، فقالت: اللهمّ إنّ عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني &; 6-333 &; ولدًا أن أتصدّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنته وُخدَّامه.

قال: وقوله: " نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا " = إنها للحرّة ابنة الحرائر =" محررًا " للكنيسة يخدمها.

6876 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إذ قالت امرأة عمران " الآية كلها قال: نذرت ما في بطنها، ثم سيَّبَتْها.

(36) -------------- الهوامش : (23) يعني أن الظرف"إذ" متعلق بقوله: "سميع" في الآية السابقة.

وقد ظن الناشر الأول للتفسير ، أن في الكلام سقطًا ، وليس كذلك ، والكلام تام لا خرم فيه.

(24) في المطبوعة والمخطوطة: "قتيل" في الموضعين وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.

(25) في المطبوعة والمخطوطة: "قتيل" في الموضعين وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.

(26) في المطبوعة والمخطوطة: "أحريق" وأثبت ما في تاريخ الطبري 2: 13.

(27) في المطبوعة: "يويم" ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وفي تاريخ الطبري: "يوثام" فجعلتها"ثاء" بغير ألف ، مطابقة للرسم.

(28) في تاريخ الطبري"عزريا" بغير ألف.

(29) في المطبوعة والمخطوطة: "أحريهو" بالراء.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "يازم" بالزاي ، وفي تاريخ الطبري: "يهشافاظ" ، وكأنه الصواب.

وفي المطبوعة: "أشا" بالشين المعجمة ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ ، بيد أن في المخطوطة والمطبوعة ، قد جعل هذا والذي بعده اسمًا واحدًا كتب هكذا: "أسابرابان" والصواب ما أثبت من تاريخ الطبري.

(31) في المطبوعة: "ونصب محررًا على الحال من (ما) التي بمعنى (الذي)".

فغيروا ما في المخطوطة ، وأساءوا أشد الإساءة ، ونسبوا إلى أبي جعفر إعرابًا لم يقل به ، ومذهبًا لم يذهب إليه.

فإن تصحيح المصحح جعل"محررًا" حالا من"ما" ، والذي ذهب إليه الطبري أن"محررًا" حال من الضمير الذي في الجار والمجرور"في بطني" ، والعامل في الجار والمجرور هو"استقر".

وبين الإعرابين فرق بين.

انظر تفسير أبي حيان 1: 437 ، وتفسير الألوسي 3: 118 وغيرهما.

والذي أفضى به إلى هذا التبديل أنه استبهم عليه معنى"الصفة" ، وهو: حرف الجر ، وحروف الصفات هي حروف الجر ، كما مضى 1: 299 تعليق: 1 / 3: 475 تعليق: 1 / 4 : 227 تعليق : 1 / ثم: 247 تعليق: 3.

(32) انظر معنى"النذر" فيما سلف 5: 580.

(33) نص ابن هشام: "أي: نذرته فجعلته عتيقًا ، تعبده لله ، لا ينتفع به لشيء من الدنيا" ، فتركت رواية الطبري على حالها.

(34) الأثر: 6859- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6850.

(35) الأثر: 6860-"عبد الرحمن بن الأسود بن المأمون ، مولى بني هاشم" بغدادي ، روى عن محمد بن ربيعة ، وروى عنه الترمذي والنسائي ، وابن جرير.

مترجم في التهذيب.

و"محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي" ابن عم وكيع.

وهو ثقة.

مترجم في التهذيب.

والبيعة (بكسر الباء): كنيسة النصارى ، أو كنيسة اليهود.

(36) سيب الشيء: تركه.

وسيب الناقة أو الدابة: تركها تسيب حيث شاءت ، والدابة سائبة ، فإذا كانت نذرًا ، كان لا ينتفع بظهرها ، ولا تحلأ عن ماء ، ولا تمنع من كلأ ، ولا تركب.

وهي التي قال الله فيها"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة".

ثم قيل منه للعبد إذا أعتقه مولاه ، وأراد أن لا يجعل ولاءه إليه ، فهو لا يرثه ، وللمعتق أن يضع نفسه وماله حيث شاء"سائبة".

انظر ما سلف 3: 386 في خبر أبي العالية.

أما قوله: "سيبتها" هنا ، فإنه أراد أنها جعلتها سائبة لله ، ليس لأحد عليها سبيل ، وهو قريب من معنى"التحرير".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليمفيه ثمسائل :الأولى : قوله تعالى : إذ قالت امرأة عمران قال أبو عبيدة : ( إذ ) زائدة .

وقال محمد بن يزيد : التقدير : اذكر إذ .

وقال الزجاج : المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران .

وهي حنة ( بالحاء المهملة والنون ) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام ، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنة اسم امرأة .

وفي العربية أبو حنة [ ص: 62 ] البدري ، ويقال فيه : أبو حبة ( بالباء بواحدة ) وهو أصح ، واسمه عامر ، ودير حنة بالشام ، ودير آخر أيضا يقال له كذلك ; قال أبو نواس :يا دير حنة من ذات الأكيراح من يصح عنك فإني لست بالصاحيوحبة في العرب كثير ، منهم أبو حبة الأنصاري ، وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث سبيعة حبة ، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي ، وهي أم محمد بن نصر ، ولا يعرف جنة ( بالجيم ) إلا أبو جنة ، وهو خال ذي الرمة الشاعر .

كل هذا من كتاب ابن ماكولا .الثانية : قوله تعالى : رب إني نذرت لك ما في بطني محررا تقدم معنى النذر ، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه .

ويقال : إنها لما حملت قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا .

ومعنى لك أي لعبادتك .

محررا نصب على الحال ، وقيل : نعت لمفعول محذوف ، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا ، والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب : أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع ، ويجوز على المجاز في أخرى ، وأما التفسير فقيل إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد ، وكانوا أهل بيت من الله بمكان ، وإنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا فتحركت نفسها لذلك ، ودعت ربها أن يهب لها ولدا ، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا : أي عتيقا خالصا لله تعالى ، خادما للكنيسة حبيسا عليها ، مفرغا لعبادة الله تعالى .

وكان ذلك جائزا في شريعتهم ، وكان على أولادهم أن يطيعوهم .

فلما وضعت مريم قالت : رب إني وضعتها أنثى يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة .

قيل لما يصيبها من الحيض والأذى .

وقيل : لا تصلح لمخالطة الرجال .

وكانت ترجو أن يكون ذكرا فلذلك حررت .الثالثة : قال ابن العربي : لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة ، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله ; فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك ; وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له ، وكذلك المرأة مثله ; فأي وجه للنذر فيه ؟

وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلي ، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه ; فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه ، وهو على خدمة الله تعالى موقوف ، [ ص: 63 ] وهذا نذر الأحرار من الأبرار .

وأرادت به محررا من جهتي ، محررا من رق الدنيا وأشغالها ; وقد قال رجل من الصوفية لأمه : يا أمه : ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم ، فقالت : نعم .

فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب ، فقالت من ؟

فقال لها : ابنك فلان ، قالت : قد تركناك لله ولا نعود فيك .الرابعة : قوله تعالى : محررا مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية ; من هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد .

وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد : أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا .

وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص : حر ، ومحرر بمعناه ; قال ذو الرمة :والقرط في حرة الذفرى معلقه تباعد الحبل منه فهو يضطربوطين حر لا رمل فيه ، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة ; فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء ..

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ما جرى لمريم والدة عيسى وكيف لطف الله بها في تربيتها ونشأتها، فقال: { إذ قالت امرأة عمران } أي: والدة مريم لما حملت { رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا } أي: جعلت ما في بطني خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك { فتقبل مني } هذا العمل المبارك { إنك أنت السميع العليم } تسمع دعائي وتعلم نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إذ قالت امرأة عمران ) وهي حنة بنت قافوذا أم مريم ، وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام ، وبينهما ألف وثمانون سنة ، وكان بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم وقيل : عمران بن أشهم .

قوله تعالى : ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ) أي جعلت الذي في بطني محررا نذرا مني لك ( فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) والنذر : ما يوجبه الإنسان على نفسه ( محررا ) أي عتيقا خالصا لله مفرغا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة لا أشغله بشيء من الدنيا ، وكل ما أخلص فهو محرر يقال : حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق قال الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما : كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير إن أحب أقام وإن أحب ذهب حيث شاء وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك ، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محررا لبيت المقدس ، ولم يكن محررا إلا الغلمان ، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى ، فحررت أم مريم ما في بطنها ، وكانت القصة في ذلك أن زكريا وعمران تزوجا أختين ، وكانت أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا ، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند عمران ، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان ، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت : اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته ، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها ، ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها : ويحك ما صنعت ، أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟

فوقعا جميعا في هم من ذلك فهلك عمران وحنة حامل بمريم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ قالت امرأة عمران» حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا «رب إني نذرت» أن أجعل «لك ما في بطني محرَّرا» عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس «فتقبَّل مني إنك أنت السميع» للدعاء «العليم» بالنيات، وهلك عمران وهي حامل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر مريم وأمها وابنها عيسى عليه السلام؛ لتردَّ بذلك على من ادعوا أُلوهية عيسى أو بنوَّته لله سبحانه، إذ قالت امرأة عمران حين حملت: يا ربِّ إني جعلت لك ما في بطني خالصا لك، لخدمة "بيت المقدس"، فتقبَّل مني؛ إنك أنت وحدك السميع لدعائي، العليم بنيتي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى سبحانه ما قالته امرأة عمران عندما أحست بعلامات الحمل فقال تعالى : { إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي } والظرف " إذا " في محل النصب على المفعولية بفعل محذوف والتقدير : أذر لهم وقت قولها رب إنى نذرت .

.

.

ألخ .

وقيل هو متعلق بقوله { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أى أنه - سبحانه - يعلم علم ما يسمع في الوقت الذي قالت فيه امرأة عمران ذلك القول .وامرأة عمران هذه هى " حنة " بنت فاقوذا بن قنبل وهى أم مريم وجدة عيسى عليه السلام وعمران هذا هو زوجها ، وهو أبو مريم .وقوله { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } من النذر وهو التزام التقرب إلى الله - تعالى - بأمر من جنس العبادات التي شرعها - سبحانه - لعباده ليتقربوا بها إليه .وقوله { نَذَرْتُ } أى عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس .

يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتابة إذا أصلحته ولم تبق فيه شيئاً من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان .والمعنى : اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت امرأة عمران إلى ربها تدعوه بضراعة وخشوع فتقول : يا رب إنى نذرت لخدمة بيتك هذا الجنين الذى في بطني مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر الخالص ، وتلك النية الصادقة ، { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } لقولى ولأقوال خلقك { العليم } بنيتى وبنوايا سائر عبادك .فأنت ترى في هذا الدعاء الخاشع الذى حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى ألوان الأدب والإخلاص ، فقد توجهت إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذى في بطنها ، ملتمسة منه - سبحانه - أن يقبل نذرها الذى وهبته لخدمة بيته ، واللام في قوله " لك " للتعليل أى نذرت لخدمة بيتك .وقوله { مُحَرَّراً } حال من " ما " والعامل فيه " نذرت " .قال بعضهم : " وكان هذا النذر يلزم في شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر جعل في الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم ، ثم يتخير فإن أحب ذهب حيث شاء ، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج .

ولم يكن أحد من أنبياء بنى إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت المقدس ولم يكن يحرر إلا العلمان ، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى " .

وجملة { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } تعليلية لاستدعاء القبول ، من حيث أن علمه - سبحانه - بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لقبول نذرها تفضلا منه وكرما .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الاولى: واقعة حنة أم مريم عليهما السلام: وفيه مسائل: المسألة الأولى: في موضع ﴿ إِذْ ﴾ من الإعراب أقوال الأول: قال أبو عبيدة: إنها زائدة لغواً، والمعنى: قالت امرأة عمران، ولا موضع لها من الإعراب، قال الزجاج: لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني: قال الأخفش والمبرد: التقدير اذكر ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث: قال الزجاج، التقدير: واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران، وطعن ابن الأنباري فيه وقال: إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال: إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده، وظهور طاعاته، فجاز أن يقال: إن الله اصطفى آدم عند وجوده، ونوحاً عند وجوده، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع: قال بعضهم: هذا متعلق بما قبله، والتقدير: والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول.

فإن قيل: إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول، فما معنى هذا التقييد؟

قلنا: إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات.

المسألة الثانية: أن زكريا بن أذن، وعمران بن ماثان، كانا في عصر واحد، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، ثم في كيفية هذا النذر روايات: الرواية الأولى: قال عكرمة.

إنها كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت: اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته.

والرواية الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم، وهلك عمران، فلما عرفت جعلته لله محرراً، أي خادماً للمسجد، قال الحسن البصري: إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي.

المسألة الثالثة: المحرر الذي جعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي، وقيل: خادماً للبيعة، وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله، وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويعلم في البيع، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى، وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير بين المقام والذهاب، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس.

المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض، والأذى، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر.

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ وجهان الأول: أنه نصب على الحال من ﴿ مَا ﴾ وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً والثاني: وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

ثم قال الله تعالى حاكياً عنها: ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ التقبل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي: وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته، ثم قالت ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ والمعنى: أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي.

واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام.

قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت ﴿ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.

ثم قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ﴿ وَضَعَت ﴾ برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت ﴿ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى، فأزالت الشبهة بقولها ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام، والباقون بالجزم على أنه كلام الله، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها، وتجهيلاً لها بقدر ذلك الولد، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت، وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ على خطاب الله لها، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات.

ثم قال تعالى حكاية عنها ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ وفيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى، وسبب هذا التفضيل من وجوه: أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث: الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.

والقول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه.

ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً وهو قولها ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.

البحث الثاني: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ .

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ معناه: وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة.

ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات القانتات، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب.

ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ ولم يقل: فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً  ﴾ أي إنباتاً، والقبول مصدر قولهم: قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه، قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على فعول: قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم، وأجاز الفراء والزجاج: قبولاً بالضم، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال: قبلته قبولاً وقبولا، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة، فكذا هاهنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول.

فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل؟

والجواب: أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها، وهذا الوجه مناسب معقول.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان ﴾ طعن القاضي في هذا الخبر وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده، وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوه: أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم والثالث: لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع: أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم.

الوجه الثاني: في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وقالت: خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا.

الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة.

الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وهاهنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة وكفلاً فهو كافل، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي الحديث أنا وكافل اليتيم كهاتين وقال الله تعالى: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .

المسألة الثانية: قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وكفلها) بالتشديد، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا، فمن قرأ (زكرياء) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه، وهو الاختيار، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ وعليه الأكثر، وعن ابن كثير في رواية ﴿ كفلها ﴾ بكسر الفاء، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان، كالهيجاء والهيجا، وقرأ مجاهد ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا ﴾ على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ﴿ رَبُّهَا ﴾ كأنها كانت تدعو الله فقالت: اقبلها يا ربها، وأنبتها يا ربها، واجعل زكريا كافلاً لها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، وبه جاءت الروايات، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ثم قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً.

وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة.

ثم قال الله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ المحراب ﴾ الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة: ربة محراب إذا جئتها *** لم أدن حتى أرتقي سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب  ﴾ والتسور لا يكون إلا من علو، وقيل: المحراب أشرف المجالس وأرفعها، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم: أنى لك هذا؟

قالت هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة، أو لا يكون، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه: الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً ﴾ والقرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ يدل على تعظيم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقاً.

أي رزق غريب عجيب، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: ﴿ وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين  ﴾ ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق، وإلا لم يصح ذلك.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر؟

قلنا: ليس هذا بآية، بل يحتاج تصحيحه إلى آية، فكيف نحمل الآية على ذلك، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس: ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة، فنقول: إما أن يقال: إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله وشأنه، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء.

اعترض أبو علي الجبائي وقال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، وبيانه من وجهين: الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً، وأنه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها ﴿ أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره.

المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال، هذا مجموع ما قاله الجبائي في تفسيره وهو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يبق أيضاً لقوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ فائدة، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.

وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق.

أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم.

والجواب من وجوه: الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق.

ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ وهاهنا آخر الكلام في قصة حنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ آل إبراهيم ا ﴾ إسماعيل وإسحاق وأولادهما.

﴿ وَءَالَ عِمْرَانَ ﴾ موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر.

وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.

و ﴿ ذُرّيَّةَ ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق.

وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق.

وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين.

أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها.

و ﴿ إِذْ ﴾ منصوب به.

وقيل: بإضمار اذكر.

وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول.

جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ على أثر قوله: ﴿ وَءَالَ عِمْران ﴾ مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر.

فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟

قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة.

روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم.

وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل.

وعن الشعبي ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ : مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة.

فإن قلت: كيف جاز انتصاب ﴿ أنثى ﴾ حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟

قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في (ما كانت أمّك) لتأنيث الخبر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ [النساء: 176] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى.

فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟

قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة.

ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه.

ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.

فلذلك تحسرت.

وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أعلم بما وَضَعْتِ ﴾ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره.

وقرئ: ﴿ وضعت ﴾ .

بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالانثى ﴾ ؟

قلت: هو بيان لما في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ ؟

قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76] فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟

قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها.

ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه.

وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فالله أعلم بصحته.

فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ [الحجر: 40 41] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ** يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ فرضي بها في النذر مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

وروي: أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها.

والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ فَتَقَبَّلَهَا ﴾ فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي: وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا استقبلت مِنْهُ ** وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا ومنه المثل (خذ الأمر بقوابله).

أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها.

وقرئ: ﴿ وَكَفِلَها زكريا ﴾ ، بوزن وعملها ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل لله تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها.

ويؤيدها قراءة أبيّ: وأكفلها، من قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ [ص: 23] وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلاً لها.

قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

وروي: أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب.

﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟

﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فلا تستبعد.

قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنيَّ لك هذا؟

فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها» ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي ﴾ فَيَنْتَصِبُ بِهِ إذْ عَلى التَّنازُعِ.

وقِيلَ نَصْبُهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وهَذِهِ حِنَةُ بِنْتُ فاقُوذَ جَدَّةُ عِيسى، وكانَتْ لِعِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بِنْتٌ اسْمُها مَرْيَمَ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ زَوْجَتُهُ ويَرُدُّهُ كَفالَةُ زَكَرِيّا فَإنَّهُ كانَ مُعاصِرًا لِابْنِ ماثانِ وتَزَوَّجَ بِنْتَهُ إيشاعَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ابْنَيْ خالَةٍ مِنَ الأبِ رُوِيَ أنَّها كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ رَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخَهُ فَحَنَّتْ إلى الوَلَدِ وتَمَنَّتْهُ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَكُونُ مِن خَدَمِهِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ وهَلَكَ عِمْرانُ، وكانَ هَذا النَّذْرُ مَشْرُوعًا في عَهْدِهِمْ لِلْغِلْمانِ فَلَعَلَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ أوْ طَلَبَتْ ذَكَرًا ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ مُعْتَقًا لِخِدْمَتِهِ لا أُشْغِلُهُ بِشَيْءٍ، أوْ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.

﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾ ما نَذَرْتُهُ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ لِقَوْلِي ونِيَّتِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِذْ قَالَتِ} وإذ منصوب به أو بإضمار اذكر {امرأة عمران} هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا {رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ} أوجبت {مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} هو حال من ما وهي

آل عمران (٣٥ _ ٣٧)

بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال طين حر أي خالص {فتقبل مني} مدنى وأبو عمرو والتقبل أخذ الشئ على الرضا به {إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلِاصْطِفاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، والظَّرْفُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اُذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما قَبْلَهُ، وهو ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنازُلِ أوِ السَّمِيعُ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِمَعْنى الِاصْطِفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ (اِصْطَفى) المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ، ﴿ إذْ قالَتِ ﴾ الخ، فَكانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ عَلى الجَمَلِ لا المُفْرَداتِ عَلى المُفْرَداتِ لِيَلْزَمُ كَوْنُ اِصْطِفاءِ الكُلِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

واِمْرَأةُ عِمْرانَ هي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا كَما رَواهُ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وهي جَدَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ لَها أُخْتٌ اِسْمُها إيشاعُ تَزَوَّجَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي أمُّ يَحْيى، فَعِيسى اِبْنُ بِنْتِ خالَةِ يَحْيى كَما ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الإخْبارِيِّينَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في حَدِيثِ المِعْراجِ مِن قَوْلِهِ  : «”فَإذا أنا بِابْنَيِ الخالَةِ عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ، ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا“،» وأجابَ صاحِبُ «اَلتَّقْرِيبِ» بِأنَّ الحَدِيثَ مُخْرَجٌ عَلى المَجازِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلِقُ الرَّجُلُ اِسْمَ الخالَةِ عَلى بِنْتِ خالَتِهِ لِكَرامَتِها عَلَيْهِ، والغَرَضُ أنَّ بَيْنَهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ الجِهَةَ مِنَ القَرابَةِ وهي جِهَةٌ الخُؤُولَةِ، وقِيلَ: كانَتْ إيشاعُ أُخْتَ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ وأُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ عَلى أنَّ عِمْرانَ نَكَحَ أوَّلًا أمَّ حَنَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إيشاعَ ثُمَّ نَكَحَ حَنَّةَ بِناءً عَلى حَلِّ نِكاحِ الرَّبائِبِ في شَرِيعَتِهِمْ فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ فَكانَتْ إيشاعُ أُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ وخالَتَها مِنَ الأُمِّ لِأنَّها أُخْتُ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ مِن أنَّ إيشاعَ وحَنَّةَ بِنْتا فاقُوذا عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ الرِّوايَةِ في الأمْرَيْنِ.

أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَنَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ كانَتْ حُبِسَتْ عَنِ الوَلَدِ والمَحِيضِ فَبَيْنا هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ نَظَرَتْ إلى طَيْرٍ يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَها ذَكَرًا فَحاضَتْ مِن ساعَتِها فَلَمّا طَهُرَتْ أتاها زَوْجُها فَلَمّا أيْقَنَتْ بِالوَلَدِ، قالَتْ: لَئِنْ نَجّانِي اللَّهُ تَعالى ووَضَعْتُ ما في بَطْنِي لَأجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا ولَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا الغِلْمانُ، فَقالَ لَها زَوْجُها: أرَأيْتَ إنْ كانَ ما في بَطْنِكَ أُنْثى والأُنْثى عَوْرَةٌ فَكَيْفَ تَصْنَعِينَ؟

فاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ فَقالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾ وهَذا في الحَقِيقَةِ اِسْتِدْعاءٌ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ لِعَدَمِ قَبُولِ الأُنْثى فَيَكُونُ المَعْنى: رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي فاجْعَلْهُ ذَكَرًا عَلى حَدِّ أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي.

وجَعَلَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ تَأْكِيدًا لِنَذْرِها وإخْراجًا لَهُ عَنْ صُورَةِ التَّعْلِيقِ إلى هَيْئَةِ التَّنْجِيزِ، واللّامُ مِن (لَكَ) لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ والمُحَرَّرُ مَن لا يَعْمَلُ لِلدُّنْيا ولا يَتَزَوَّجُ ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ ويَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَكُونُ في خِدْمَةِ الكَنِيسَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: المُحَرَّرُ الخادِمُ لِلْبَيْعَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ الخالِصُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أرادَتْ عَتِيقًا خالِصًا لِطاعَتِكَ لا أصْرِفُهُ في حَوائِجِي، وعَلى كُلٍّ هو مِنَ الحُرِّيَّةِ وهي ضَرْبانِ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ السِّبِّيِّ وأنْ لا تَتَمَلَّكَهُ الأخْلاقُ الرَّدِيئَةُ والرَّذائِلُ الدُّنْيَوِيَّةُ.

وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن (ما)، والعامِلُ فِيهِ ﴿ نَذَرْتُ ﴾ ؛ وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ حِينَئِذٍ الِاسْتِقْرارُ ولا يَخْفى رُجْحانُ الوَجْهِ الأوَّلِ، والحالُ إمّا مُقَدَّرَةٌ أوْ مُصاحِبَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُنْصَبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ تَحْرِيرًا لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّذْرُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلْإيذانِ بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الوَلَدِ بِما لِإبْهامِ أمْرِهِ وقُصُورِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا وأصْلُهُ المُقابَلَةُ بِالجَزاءِ وتَقَبَّلْ هُنا بِمَعْنى اِقْبَلْ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ فَتَسْمَعُ دُعائِي ﴿ العَلِيمُ  ﴾ بِما كانَ ويَكُونُ فَتَعْلَمُ نِيَّتِي وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ القَبُولِ مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِصِحَّةِ نِيَّتِها وإخْلاصِها مُسْتَدْعٍ لِذَلِكَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِغَرَضِ قُوَّةِ يَقِينِها بِمَضْمُونِها وقِصَرِ صِفَتَيِ السَّمْعِ والعِلْمِ عَلَيْهِ تَعالى لِغَرَضِ اِخْتِصاصِ دُعائِها وانْقِطاعِ حَبْلِ رَجائِها عَمّا عَداهُ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ السَّمْعِ لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِها وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّها لَيْسَتْ كَمُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ في الكَثْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على إثر بعض.

ويقال: بعضهم على دين بعض.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عليم بهم وبدينهم.

ويقال: قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، انصرف إلى ما بعده، أي سميع بقول امرأة عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان، وذلك أنها لما حبلت، قالت: لئن نجَّانِي الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرَّراً، والمحرر من لا يعمل للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة، ويلزم المحراب، فيعبد الله تعالى فيه، وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: محرراً، أي خادماً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان.

فقال لها زوجها: إن كان الذي في بطنك أنثى، والأنثى عورة، فكيف تصنعين؟

فاهتمت بذلك وقالت: يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ وأنت تعلم مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائي العليم بنيتي، وما في بطني فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت فإذا هي أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى يعني ولدتها جارية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، والله أعلم بما وَضَعْتُ، بجزم العين، وضم التاء، يعني أن المرأة قالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، والباقون بنصب العين وسكون التاء، فيكون هذا قول الله إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة.

ثم قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في الخدمة.

قال بعضهم: هذا قول الله لمحمد  ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد.

وقال بعضهم: هي كلمة المرأة، أنها قالت: وليس الذكر كالانثى في الخدمة.

وقال مقاتل: فيها تقديم، فكأنه يقول: قالت رب إنى وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، ثم قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ يعني خادم الرب بلغتهم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ يعني أعصمها وأمنعها بك وَذُرِّيَّتَها إن كان لها ذرية مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني الملعون.

ويقال: المطرود من رحمة الله.

ويقال: الرجيم بمعنى المرجوم كما قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] .

حدّثنا أبو الليث، قال: حدثنا الخليل بن أحمد القاضي.

قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله  أنه قال: «ما من مَوُلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَنْخَسُهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخَاً مِنْ الشَّيْطَانِ، إلاَّ مَرْيَمَ وَاْبْنَها عِيسَى عَلَيْهِما السَّلامُ» ، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقال الزجاج: معنى قوله إِذْ يعني إن الله اختار آل عمران، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: واصطفاهم، إذ قالت الملائكة.

وقال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران، وقالت الملائكة و «إذ زيادة.

وقال الأخفش: معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران، واذكر إذ قالت الملائكة، وقال أهل اللغة: المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد، ثم إن حنة لفتها في خرق، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب، فاجتمعت القراء، أي الزهاد فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي.

فقال القُرّاء: إن هذه محررة، فلو تركت لخالتها، فكانت أمها أحق بها، ولكن نتساهم، فخرجوا إلى عين سلوان، فأَلْقَوْا أقلامهم في النهر.

قال بعضهم: كانت أقلامهم من الشَّبَّة، فغابت أقلامهم في الماء، وبقي قلم زكريا على وجه الماء.

وقال بعضهم كانت أقلامهم من قَصَب، فبقيت أقلامهم على وجه الماء، وغاب قلم زكريا في الماء.

وقال بعضهم: أَلْقَوْا أَقلامهم في النهر، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا، فإنه جرى من الجانب الأعلى، فعلموا أن الحق له، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي تقبل منها نَذْرها وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وقال مجاهد غذاها غذاء حسناً، ورباها تربية حسنة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد، أي كفلها الله إلى زكريا.

وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ضمها زكريا إلى نفسه، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب، وجزم الألف.

وقرأ الباقون بالإعراب والمد، وهما لغتان معروفتان عند العرب، فمن قرأ كفلها بالتشديد، قرأ زكريا بنصب الألف، لأنه يصير مفعولاً، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل.

وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محراباً في غرفة، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم، واستأجر ظئراً، فكان يغلق عليها الباب، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضها، واغتسلت ردها إلى المحراب.

وقال بعضهم: كانت لا تحيض، وكانت مطهرة من الحيض، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء، رأى عندها فاكهة الصيف، وإذا دخل عليها في أيام الصيف، وجد عندها فاكهة الشتاء، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين، فذلك قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ويقال: المحراب في اللغة أشرف المجالس، وهو المكان العالي، وقد قيل: إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف قالَ لها زكريا يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا يعني: من أين لك هذا؟

فإنه لا يدخل عليك أحد غيري فَقالَتْ مريم هُوَ أي هذا الرزق مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من فضل الله إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في غير حينه.

ويقال: من حيث لا يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : والمحبَّةُ: إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالى يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالى يلزمُ عَنْها، ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالى أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّداً ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالى بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه عَزَّ وجَلَّ.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ...

الآية: لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته، كيف كانَتْ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى (عليه السلام) ، وكيف كان، وانصرف «نُوحٌ» ، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ لخفَّة الاِسم كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ «٢» هنا: اعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ: مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ:

الملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين.

ت: تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ.

اهـ.

والآلُ في اللغة: الأَهْلُ، والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة: آل، والآلُ في الآيةِ: يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ: القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعاً بأن يقدّر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ: الأَتْبَاعُ، فيستقيم دخول أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم في الآلِ لأنها على ملَّةِ إِبراهيم.

وقوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، أي: متشابهينَ في الدِّين، والحالِ، وعِمْرَانُ/ هو رجلٌ من بني إِسرائيل، وامرأة عِمْرَانَ اسمها حَنَّةُ، ومعنى: نَذَرْتُ:

جعلْتُ لكَ ما في بطْنِي محرَّراً، أي: حَبِيساً على خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّراً من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي، أي: ارض عنّي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ في "إذْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّها أصْلٌ في الكَلامِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، قالَهُ المُبَرِّدُ، والأخْفَشُ.

والثّانِي: أنَّ العامِلَ في ﴿ إذْ قالَتِ ﴾ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اصْطَفى آَلَ عِمْرانَ، إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، واصْطَفاهم إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ: يا مَرْيَمُ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها مِن صِلَةِ "سَمِيعٌ" تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ سَمِيعٌ إذْ قالَتْ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واسْمُ امْرَأةِ عِمْرانَ حِنَّةٌ، وهي أمُّ مَرْيَمَ، وهَذا عِمْرانُ بْنُ ماتّانِ، ولَيْسَ بِـ "عِمْرانَ أبِي مُوسى " ولَيْسَتْ هَذِهِ مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى.

وبَيْنَ عِيسى ومُوسى ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ والمُحَرَّرُ.

العَتِيقُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أعْتَقْتُ الغُلامَ، وحَرَّرْتُهُ: سَواءٌ.

وأرادَتْ: أيْ نَذَرَتُ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا مِنَ التَّعْبِيدِ للدُّنْيا، لِيَعْبُدَكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عَلى أوْلادِهِمْ فَرْضًا أنْ يُطِيعُوهم في نَذْرِهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ يَنْذُرُ في ولَدِهِ أنْ يَكُونَ خادِمًا في مُتَعَبَّدِهِمْ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ السَّبَبُ في نَذْرِها أنَّهُ أمْسَكَ عَنْها الوَلَدَ حَتّى أسِنَتْ، فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ، فَدَعَتِ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، وقالَتِ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، وهي حامِلٌ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والنَّذْرُ في مِثْلِ ما نَذَرْتَ صَحِيحٌ في شَرِيعَتِنا، فَإنَّهُ إذا نَذَرَ الإنْسانُ أنْ يُنْشِئَ ولَدَهُ الصَّغِيرَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وأنْ يُعَلِّمَهُ القُرْآَنَ، والفِقْهَ، وعُلُومَ الدِّينِ، صَحَّ النَّذْرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ.

و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ كَدَرًا.

و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ  ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ.

"وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ  وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ.

والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ.

﴿ وَآلَ عِمْرانَ ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ.

وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ.

والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ..

قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ".

وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ".

وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.

قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا.

وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إليّ جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

وموقعها هنا أظهر في أنها غير متعلقة بعامل، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو عبيدة: إذ هنا زائدة، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفاً، ولا يجوز تعلقها باصطفى: لأنّ هذا خاص بفضل آل عمران، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل إبراهيم.

وامرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا.

قيل: مات زوجها وتركها حبلى فنذرت حَبَلَها ذلك محرّراً أي مخلَّصاً لخدمة بيت المقدس، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكراً.

وإطلاق المحرّر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنّه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكأنّه حُرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله تعالى.

قيل: إنّها كانت تظنّه ذكراً فصدر منها النذر مطلقاً عن وصف الذكورة وإنّما كانوا يقولون: إذا جاء ذكراً فهو محرّر.

وأنّث الضمير في قوله: ﴿ فلما وضعتها ﴾ وهو عائد إلى ﴿ ما في بطني ﴾ باعتبار كونه انكشف ما صْدَقه على أنثى.

وقولها: ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليماً بكل شيء.

وتأكيد الخبر بإنّ مراعاةٌ لأصل الخبرية، تحقيقاً لكون المولود أنثى؛ إذ هو بوقوعه على خلاف المترقّب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد، فلذا أكّدته.

ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمّته على طريقة المجاز المركّب المُرسَل، ومعلوم أنّ المركب يَكون مجازاً بمجموعه لا بأجزائه ومفرداتِه.

وهذا التركيب بما اشتمل عليه من الخصوصيات يَحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني: وهي الروْعة والكراهية لولادتها أنثى، ومحاولتها مغالطة نفسها في الإذعان لهذا الحكم، ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطْمينها بها، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك، فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معاننٍ كثيرة قصدتها في مناجاتها بلغتها.

وأنّث الضمير في ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة في قولها ﴿ أُنثى ﴾ إذ بدون الحال لا يكون الكلام مفيداً فلذلك أنّث الضمير باعتبار تلك الحال.

وقوله: ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ جملة معترضة، وقرأ الجمهور: وضعَتْ بسكون التاء فيكون الضمير راجعاً إلى امرأة عِمران.

وهو حينئذ من كلام الله تعالى وليس من كلامها المحكي، والمقصود منه: أنّ اللَّه أعلم منها بنفاسة ما وضعت، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سألْته، فالكلام إعلام لأهل القرآن بتغليطها، وتعليم بأنّ من فوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقّب تدبيره.

وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بضم التاء، على أنها ضمير المتكلمة امرأةِ عمران فتكون الجملة من كلامها المحكي، وعليه فاسم الجلالة التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أنّ الخبر مستعمل في التحسر.

وجملة ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ خبر مستعمل في التحسر لفوات ما قصدته في أن يكون المولود ذكراً، فتحرره لخدمة بيت المقدس.

وتعريف الذكر تعريف الجنس لما هو مرتكز في نفوس الناس من الرغبة في مواليد الذكور، أي ليس جنس الذكر مساوياً لجنس الأنثى.

وقيل: التعريف في ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ تعريف العهد للمعهود في نفسها.

وجملة ﴿ وليس الذكر ﴾ تكملة للاعتراض المبدوء بقوله: ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ والمعنى: وليس الذكر الذي رغبتْ فيه بمساوٍ للأنثى التي أعطيتْها لو كانت تعلم علوّ شأن هاته الأنثى وجعلوا نفي المشَابهة على بابه من نفي مشابهة المفضول للفاضل وإلى هذا مال صاحب «الكشاف» وتبعه صاحب «المفتاح» والأول أظهر.

ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام وذلك في قول العرب: ليس سواءً كذا وكذا، وليس كذا مثلَ كذا، ولا هو مثل كذا، كقوله تعالى: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] وقوله ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ﴾ [الإحزاب: 32] وقول السموأل: فليسَ سواءً عالمٌ وجَهول *** وقولِهم: «مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كَصَدَّى».

ولذلك لا يَتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به؛ إذ لم يبق للتشبيه أثر، ولذلك قيل هنا: وليس الذكر كالأنثى، ولو قيل: وليست الأنثى كالذكر لفهم المقصود.

ولكن قدّم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم.

وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة: «غدوتَ قبلَ استقلال الركاب، ولا اغتداء اغتداءَ الغراب» وقال في الحادية عشرة: «وضحكتم وقت الدفن، ولا ضَحِكَكُم ساعةَ الزّفن» وفي الرابعة عشرة: «وقمتَ» ولا كعَمْرو بن عُبيد» فجاء بها كلها على نَسق ما في هذه الآية.

وقوله: ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة في بني إسرائيل وهي مريم أختُ موسى وهارون، وخَوّلها أنّ أباها سَمِيُّ أبي مريم أختتِ موسى.

وتكرُّر التأكيد في ﴿ وإنّي سميتها ﴾ ﴿ وإنّي أعيذها بك ﴾ للتأكيد: لأنّ حال كراهيتها يؤذن بأنها ستعْرض عنها فلا تشتغل بها، وكأنها أكدت هذا الخبر إظهاراً للرضا بما قدّر الله تعالى، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء: لأنّ الخبر مستعمل في الإنشاء برمّته التي كان عليها وقتَ الخبرية، كما قدّمناه في قوله تعالى: ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ وكقول أبي بكر: «إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُحَرَّرًا أيْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي خادِمًا لِلْبَيْعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: يَعْنِي عَتِيقًا مِنَ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ إنَّما قالَتْ ذَلِكَ اعْتِذارًا مِنَ العُدُولِ عَنْ نَذْرِها لِأنَّها أُنْثى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ راجِعًا إلى اعْتِذارِها بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، وقَرَأ الباقُونَ بِجَزْمِ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَها بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ مِنها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ لِأنَّ الأُنْثى لا تَصْلُحُ لِما يَصْلُحُ لَهُ الذَّكَرُ مِن خِدْمَةِ المَسْجِدِ المُقَدَّسِ، لِما يَلْحَقُها مِنَ الحَيْضِ، ولِصِيانَةِ النِّساءِ عَنِ التَّبَرُّجِ، وإنَّما يَخْتَصُّ الغِلْمانُ بِذَلِكَ.

﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: مِن طَعْنِ الشَّيْطانِ الَّذِي يَسْتَهِلُّ بِهِ المَوْلُودُ صارِخًا، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

والثّانِي: مَعْناهُ مِن إغْوائِهِ لَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومَعْنى الرَّجِيمِ المَرْجُومُ بِالشُّهُبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وآل إبراهيم وآل عمران ﴾ قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وأبي أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ذرية بعضها من بعض ﴾ قال: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد.

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، أن علياً قال للحسن قم فاخطب الناس قال: إني أهابك أن أخطب وأنا أراك.

فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم.

ثم نزل فقال علي رضي الله عنه ﴿ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ﴾ .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله اصطفى ﴾ يعني اختار من الناس لرسالته ﴿ آدم ونوحاً وآل إبراهيم ﴾ يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ﴿ وآل عمران على العالمين ﴾ يعني اختارهم للنبوّة والرسالة على عالمي ذلك الزمان.

فهم ذرية بعضها من بعض، فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ.

وهي أم مريم ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض، فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالود قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً.

وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود.

والمحرر لا يعمل للدنيا، ولا يتزوّج، ويتفرغ لعمل الآخرة.

يعبد الله تعالى، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن محرراً في ذلك الزمان إلا الغلمان.

فقالت لزوجها: ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول: نذرت أن أجعله لله فهو المحرر.

فقال زوجها: أرأيت أن كان الذي في بطنك أنثى والأنثى عورة- فكيف تصنعين؟

فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك السميع العليم ﴾ يعني تقبل مني ما نذرت لك.

﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ والأنثى عورة، ثم قالت ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وكذلك كان اسمها عند الله ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى.

قال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل، إلا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما» قال ابن عباس: لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم، وكان إمام القراء من ولد هرون.

أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس الأحبار أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي يعني أم يحيى فقال القراء: وإن كان القوم من هو أفقر إليها منك؟

ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة، غير أنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا.

وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم: أدخل يدك فأخرج قلماً منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم، فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا.

فذلك قوله: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ يعني قبضها ثم قال: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت، وبنى لها زكريا محراباً في بيت المقدس، وجعل له بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم.

وكان استأجر لها ظِئْراً، فلما تم لها حولان فطمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحداً، لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عكرمة قال: اسم أم مريم حنة.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: حنة ولدت مريم أم عيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ قال: كانت نذرت أي تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو أن يكون ذكراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نذرت أي تجعله محرراً للعبادة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خادماً للبيعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها، وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع بها ذلك لما يصيبها من الأذى، فعند ذلك قالت ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ محرراً ﴾ قال: جعلته لله والكنيسة فلا يحال بينه وبين العبادة.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كانت المرأة في زمان بني إسرائيل إذا ولدت غلاماً أرضعته حتى إذا أطاق الخدمة دفعته إلى الذين يدرسون الكتب، فقالت: هذا محرر لكم يخدمكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إن امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً تسمى، حنة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت: اللهم إن عليَّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدامه ﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى...

وليس الذكر كالأنثى ﴾ يعني في المحيض ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بني الكاهن ابن هارون أخي موسى قال: وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة فقال زكريا: ادفعوها إليَّ فإن خالتها تحتي فقالوا: لا تطيب أنفسنا بذلك.

فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ برفع التاء.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه كان يقرؤها برفع التاء.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن سفيان بن حسين ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ قال: على وجه الشكاية إلى الرب تبارك وتعالى.

وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

أما قوله تعالى: ﴿ وإني أعيذها ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي، إلا ما كان من مريم بنت عمران وولدها، فإن أمها قالت حين وضعتها ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ فضرب بينهما حجاب، فطعن في الحجاب» وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ما ولد مولود إلا قد استهل غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم ينهزه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال: هذا حدث مكانكم.

فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى عليه السلام قد ولد عند مدود حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا.

فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى ابن مريم وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء.

وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم.

وذكر لنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله من اليقين والإِخلاص» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم قال: وقال عيسى عليه السلام فيما يثني على ربه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ إذن لم تكن لها ذرية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى (١) ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾ .

اختلف النحويون في وجه ﴿ إِذْ ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة (٢) (٣) قال الزَّجاج (٤) وقال ابن الأنباري (٥) (٦) (٧) قال الأخفش، والمبرِّد (٨) (٩) وقال أبو إسحاق (١٠) ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾ ) (١١) ﴿ إِذْ ﴾ : معنى الاصطفاء (١٢) وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] (١٣) ﴿ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾ ، لأنه (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿ إِذْ ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾ هي: حَنَّةُ (١٨)  ، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ معنى ﴿ نَذَرْتُ ﴾ : [أَوْجَبتُ] (٢٢) والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة (٢٣) قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس من عمل البِّر.

وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة (٢٤) وانتصب ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ على الحال من ﴿ مَا ﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً (٢٥) وقال ابن قتيبة (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) و (رجل حُرٌّ): إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق.

و (الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾ .

معنى التَّقَبُّلِ (٣١) (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ﴾ .

أي: لدعاي (٣٤) ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في قلبي.

(١) في (د): (عز وجل).

(٢) في "مجاز القرآن" 1/ 90.

(٣) وكذا قال ابن قتيبة بأنها زائدة.

انظر: "تفسير غريب القرآن" له 103.

(٤) في "معاني القرآن" له 1/ 400، نقله عنه بتصرف يسير.

(٥) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(٦) (أيضًا): ساقطة من (د).

(٧) اختلف أهل النحو والتفسير في وقوع الزوائد في القرآن؛ بين مانع لذلك، وبين مُجوِّز.

فمن (8) المانعين: المبرد، وثعلب، وداود الظاهري، وابن السَّرّاج، الذي رفض أن يكون في لغة العرب زوائد.

وهناك من جوز ذلك، فرأى أن وجود هذه الزوائد كعدمها، وقال الزركشي عن هذا الرأي: (وهذا أفسد الطرق) "البرهان" 3/ 73.

وأكثر النحويين على أن في القرآن حروفًا زوائد، ولكن من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى؛ حيث إن لهذه الزوائد فوائد كثيرة منها: فصاحة اللفظ وحسنه، وتوكيد المعنى، وتمييز مدلوله عن غيره، إلى غير ذلك.

وهذا ما تميل إليه النفس.

قال السمين الحلبي عن القائلين بزيادة بعض الحروف: (لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له.

بل يقولون: زائد للتوكيد.

فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن).

"الدر المصون" 3/ 462.

ولقد تَحرَّجَ كثيرٌ من العلماء من القائلين بوقوع الزيادة في القرآن من إطلاق لفظ (زائد) أو (مكرر)، لما له من مدلول لا يتفق وإحكام كتاب الله، واستخدموا محله لفظ (الصلة) و (الإقحام) و (التأكيد).

انظر للتوسع في معرفة آراء العلماء في ذلك "البرهان" 2/ 178، 3/ 72 - 73، 1/ 305، "التأويل النحوي في القرآن" د.

عبد الفتاح الحموز:2/ 1277 - 1279، "لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن" د.

فضل عباس: 57 وما بعدها.

(٨) قولهما، في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 400، "الإغفال" للفارسي 566.

(٩) من قوله: (وقد ..) إلى: (..

إذ قالت امرأة عمران): ساقط من (د).

(١٠) هو الزجاج، في: المصدر السابق: نقله عنه باختصار.

(١١) (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ): ساقط من (ج).

(١٢) يعني: أنَّ قولها ذلك، ونذرها ما في بطنها لله، وقبول الله لنذرها، كل هذا يُعَدُّ اصطفاءً وتفضيلًا لآل عمران.

(١٣) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ).

والمثبت من بقية النُّسخ.

(١٤) في (ج) و (د): (لأن).

(١٥) في (ب)، (ج): (مانان).

وفي (د): (ماثان).

وكذا ورد في "المعارف" لابن قتيبة: 52، وفي "تاريخ الطبري" 1/ 785.

وينقل الطبري في "تفسيره" 3/ 235، و"تاريخه" 1/ 585 عن ابن إسحاق أن اسمه: (عمران بن ياشهم)، وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 38 (أ)، (ب) (عمران بن أشهم)، ينقله عن الحسن وابن وهب وابن إسحاق، وكذا في "تفسير البغوي" 2/ 28.

(١٦) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 ب، "زاد المسير" 1/ 376، "الدر المنثور" 2/ 32، ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.

(١٧) قوله، في "تفسيره" 1/ 271.

(١٨) بنت فاقود وقيل: فاقوذ بن قبيل.

انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 585، وتفسير مبهات القرآن، للبلنسي 1/ 279.

(١٩) في (ج): (عن).

(٢٠) السَّدَنة، جمع: سادِن، وهو: الذي يقوم على خدمة بيت العبادة.

انظر: "القاموس" 1555 (سدن).

(٢١) انظر قصتها في: "تفسير الطبري" 3/ 235، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 25، "الدر المنثور" 2/ 32.

(٢٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أوفيت)، ولم أر لها وجهًا، وما أثبته هو ما رجَّحتُ صوابه؛ لدلالة المعنى اللغوي للكلمة، كما ذكره المؤلف بعدها، وهو: ما يوجبه الإنسان على نفسه ..

، وفي "تهذيب اللغة" (إنما قيل له نذر؛ لأنه نُذِر فيه؛ أي: أوجِبَ، من قولك: (نذرت على نفسي)؛ أي: أوْجَبْتُ) 4/ 3546 (نذر).

وكذا في "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ؛ حيث فسرها بـ (أوجبت)، وكذا في بقية كتب اللغة.

انظر (نذر) في "مفردات ألفاظ القرآن" 797، والتعريفات، للجرجاني: 420، "اللسان" (نذر) 7/ 4390، "عمدة الحفاظ" 569، "التوقيف على مهمات التعارف" 694 - 695.

وقد يكون مرد الخطأ، إلى اللبس في قراءة الأصل الذي انتُسِخت منه النسخ؛ نظرًا لتقارب الكلمتين في الرسم.

(٢٣) هذا التعريف ذكره الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 39 أ.

وقوله: (بشَريطة)؛ أي: أنْ يكون النذرُ مُعلَّقًا على شرط؛ كأن يقول: (إن شفى الله مريضي، فعلي أن أتصدق).

وأما قوله: (بغير شَرِيطة)، فيعني به النذرَ المُطلَق غير المشروط، كأن يقول: (لله علي أن أتصدق بدينار).

وبهذين النَّوْعَيْن من النذر، قال الشافعيةُ والمؤلف منهم، والحنابلة، وأهل العراق، وأكثر أهل العلم، وأوجبوا الكفارة عند عدم الالتزام.

انظر: "فتح الوهاب" للنووي: 204، "مغني المحتاج" للشربيني 4/ 356، "المغني" لابن قدامة: 13/ 622 - 623.

ويرى ابن عرفة أن النذر: هو ما كان وعدًا بِشرْط، وما ليس وعدًا بشرطٍ، فليس بنذر.

وهو قولُ أبي عمرو (غلام ثعلب)، وبه قال: أبو البقاء، وفي (الكليات)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي.

إلا أن الراجح هو الأول.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3546 - 3547 (نذر)، "الكليات" لأبي البقاء (نذر): 912، "المغني" لابن قدامة 13/ 623.

(٢٤) وفي "مقاييس اللغة" 5/ 414 ويقول عن (نذر): (..

كلمة تدل على تخويف، أو تخوُّف، ومنه الإنذار: الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في التخويف).

وفي "تهذيب اللغة" (الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يُحذر منه) 4/ 3547 (نذر).

(٢٥) وقيل في علة النصب: إنه حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ﴿ فِي بَطْنِي ﴾ ، والعامل فيه، هو: (استقر)، وبه قال الطبري.

وقيل: انتصب على المصدر، ويكون فيه حينها حذفُ مضاف، تقديره: (نذرت ..

نذرَ تحرير)، أو انتصابه على ما تضمنه ﴿ نَذَرْتُ لَكَ ﴾ من معنًى، وهو: (حرَّرْتُ لك ما في بطني تحريرًا).

وقيل: نصب على أنه نعت مفعول محذوف؛ أي: (..

غلامًا محررًا).

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 235، "الدر المصون" 3/ 130، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 564، "روح المعاني" 3/ 134.

(٢٦) في "تفسير غريب القرآن" له: 103.

(٢٧) في (د): (نجعل).

(٢٨) من قوله: (عتيقا ..) إلى (..

والحمأة والعيوب): نقله مع اختصار قليل عن "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ.

(٢٩) في (ج)، (د) (إصلاح).

(٣٠) في (د): الحمأ.

والحَمْأة، والحَمَأ: الطين الأسود المنتن.

انظر (حمأ) في "الصحاح" 45، "اللسان" 2/ 986.

(٣١) (معنى التقبل): ساقط من (ج).

(٣٢) في (ج)، (د): (الرضا).

والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا.

قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان).

انظر: "المنقوص والممدود" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): 33.

وفي "إصلاح المنطق" 139: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا).

وانظر: "باب الهجاء" لابن الدهان: 29.

(٣٣) انظر: "اللسان" 6/ 3516 (قبل).

(٣٤) في (د): (دعائي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله اصطفى ﴾ الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى عليه السلام، وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح عليهما السلام تكميلاً للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجاً إلى ذكر عمران والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: إنّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾ يحتمل أن يريد بآل: القرابة، أو الأتباع، وعلى الوجهين؛ يدخل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم ﴿ ذُرِّيَّةً ﴾ بدل مما تقدم أو حال ووزنه فعليه منسوب إلى الذر أي النمل.

لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا، وقيل: عليم، وقال الزجّاج: العامل فيه معنى الاصطفاء ﴿ امرأت عِمْرَانَ ﴾ اسمها حنة بالنون، وهي أم مريم، وعمران هذا هو والد مريم ﴿ نَذَرْتُ ﴾ أي: جعلت نذراً عليّ أن يكون هذا الولد في بطني حبساً على خدمة بيتك، وهو بيت المقدس ﴿ مُحَرَّراً ﴾ أي عتيقاً من كل شغل إلاّ خدمة المسجد ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الآية.

كانوا لا يحررون الإناث للقيام بخدمة المساجد، فقالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى ﴾ تحسراً وتلهفاً على ما فاتها من النذر الذي نذرت ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرئ وضعت بإسكان التاء وهو من كلام الله تعظيماً لوضعها وقرئ بضم التاء وإسكان العين وهو على هذا من كلامهما ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله، فالمعنى ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث ﴿ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ إنما قالت لربها سميتها مريم؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، ويؤخذ من هذا تسمية المولود يوم ولادته، وامتنع مريم من الصرف للتعريف والتأنيث، وفيه أيضاً العجمة ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلاّ نخسة الشيطان يوم ولد فيستهل صارخاً إلاّ مريم وابنها» ، لقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ : الآية ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ أي رضيها للمسجد مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً على غير المصدر، والآخر: أن يكون اسماً لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ عبارة عن حسن النشأة ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي ضمها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرئ كفلها بتشديد الفاء، ونصب زكريا: أي جعله الله كافلها ﴿ المحراب ﴾ في اللغة: أشرف المجالس، وبذلك سمي موضع العبادة ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويقال: إنها لم ترضع ثدياً قط، وكان الله يرزقها ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ إشارة إلى مكان أي: كيف ومن أين؟

﴿ إِنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.

﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.

الباقون بالمد والرفع.

﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.

قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.

الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.

﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.

وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها  ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذا المقام قصصاً.

القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.

روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.

فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.

فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.

قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله  كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.

عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.

وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.

قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.

فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله  ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.

فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.

ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.

لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.

﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".

وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.

والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.

﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله  فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.

ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.

ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.

ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.

﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.

ومريم في لغتهم العابدة.

فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.

قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.

وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.

والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".

وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.

قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.

﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.

وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.

فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.

فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.

فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.

فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.

فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.

وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.

والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.

وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟

قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله  .

واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي  " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.

ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي  أنه  جاع في زمن قحط فأهدت له  فاطمة  ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع  بها إليها وقال: هلمي يا بنية.

فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.

فقال النبي  لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال  : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.

ثم جمع رسول الله  علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته  حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة  ا على جيرانها" .

وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.

والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي  يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.

وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.

بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.

وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.

فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.

وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.

قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.

قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.

قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟

وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.

فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.

فعند ذلك يعلم أن الله  أظهر بدعائه تلك المعجزة.

ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.

على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.

فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.

قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.

على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.

وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟

وكيف مدح الله  مريم بحصول هذا الرزق عندها؟

وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله  بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].

القصة الثانية: واقعة زكريا  وذلك قوله  ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.

وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله  غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.

وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.

قال المتكلمون: إن دعاء النبي  لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.

وقول إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.

ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.

فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.

والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً  ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.

فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.

﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.

وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً  ﴾ .

﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.

ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.

أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.

﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.

فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى  ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.

ثم إنه  وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.

قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.

وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.

والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.

قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.

فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.

قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.

وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.

وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.

ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.

وقال ابن عباس: السيد الحليم.

وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.

وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.

ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.

والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.

ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.

والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.

روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.

ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله  : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  ﴾ .

ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله  ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.

قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.

فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.

والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.

ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.

﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.

ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.

فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله  إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟

فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.

وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.

ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.

والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله  ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.

ثم إنه  لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال  : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.

حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.

وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.

ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.

ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.

ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.

وعن قتادة أنه  عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.

قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.

وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.

وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.

وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: الرمز الكلام الخفي.

وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.

وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.

وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون  ﴾ لاشتمالها عليه.

والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.

والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.

وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

التأويل: إن لله  في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.

فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.

﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله  : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه  جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.

﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله  به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.

ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً ﴾ ومن ذكر لرسالته ولنبوته.

وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام.

وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله.

قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختيارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَبْدِ لِسَيِّدِه" وقال الشيخ [رحمه الله] أيضاً في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيباً فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيراً عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى [ذلك وجه ذكر] عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيباً وترهيباً؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العلم [أن] بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيباً فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيداً فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمه وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازماً ذلك في التدبير، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ : قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام.

وقيل: بعضهم من ذرية بعض.

وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ  ﴾ منع الحرّ عن التعظيم على العبد.

واختلف في الذرية: قال بعضهم: "الذرية": الأولاد والآباء؛ كقوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  ﴾ ، وكانوا الأولاد والآباء، والذريّة مأخوذة، وهو الخلقة.

وقيل: "الذرية": الأولاد خاصّة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصّة؛ دليله قوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به.

وقيل: آل الرجل: أتباعه.

وقيل: أقرباؤه.

وروى [أن النبي]  قال: "كُلُّ تَقِيٍّ فَهُوَ مِنْ آلِي".

وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفى آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محرّراً.

"والمحرّر": هو العتيق عن المعاش بالعبادة.

وقيل: "المحرّر" هو الذي يعبد الله -  - خالصاً مطيعاً، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغاً لذلك، وهو قول ابن عباس -  .

وقيل: "المحرر" هو الذي يكون لله صافياً؟

وقيل: "المحرر" هو مَنْ خَدَمَ المسجد.

وقوله: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

جعلت ما في بطنها لله خالصاً، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولداً أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريّا، حيث، قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما سأل إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...

﴾ الآية [الفرقان: 74] هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

أي: تقبل مني قرباني، ومنا جعلت لك خالصاً، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير.

وقيل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لدعائي، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنيتي.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ .

ومعنى قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ - مع علمها أن الله عالم بما في بطنها وبما وضعتها - وجهان: أحدهما: اعتذاراً لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت: إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت.

والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئاً عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو.

أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك.

ويحتمل قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ : التعريض لإجابة الله -  - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ نحو ما يتقبل لو كان ذكراً في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين.

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

اختلف فيه: إن ذلك قولها، قالت: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ على إثر قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر.

وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ، جواباً لها، ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ فيما قصدت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .

فيه دليل [على] أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى الله  ، حيث أعاذتها به - وذرّيتَها - من الشيطان الرجيم.

وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى،  .

وقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.

ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى.

وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ .

يحتمل - أيضاً - نباتاً حسناً؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلاً.

ويحتمل أن ربّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .

فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمّها زكريّا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ضمّها إلى زكريا.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ .

قيل: وجد عندنا فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكاراً عليها واتهاماً؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن أحداً من البشر يأتيها بذلك.

وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجباً منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ؛ تعجباً منه لذلك.

ثم قالت: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

أي: يرزق من حيث لا يحستب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكر -أيها الرسول- إذا قالت امرأة عمران والدة مريم - عليها السلام -: يا رب إني أوجبت على نفسي أن أجعل ما في بطني من حمل خالصًا لوجهك، محرَّرًا من كل شيء ليخدمك ويخدم بيتك، فتقبل مني ذلك، إنك أنت السميع لدعائي، العليم بنيِّتي.

<div class="verse-tafsir" id="91.ljB4x"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ ظاهر على الأول.

ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران.

ويصح أن يكون بمعنى إنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ وهو استعمال معروف.

ورد ذكر عمران في الآيات مرتين، فبعضهم يقول إنهما واحد وهو أبو مريم ويستدل على ذلك بورودهما في سياق واحد، وأكثرهم يقول إن الأول أبو موسى والثاني أبو مريم وبينهما نحو ألف وثمانمائة سنة تقريبًا، وتفصيل ذلك معروف عند اليهود.

والمسيحيون لا يعترفون بأن أبا مريم يدعى عمران، ولا ضير في ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون كل حقيقة معروفة عندهم وليس لهم سند لنسب المسيح يحتج به فهو كسلسلة الطريق عند المتصوفة يزعمون أنها متصلة بعلي أو بالصديق وليس لهم في ذلك سند متصل يحتج بمثله.

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  ﴾ : في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها".

وإذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة.

إن القرآن نزل سائغًا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا أن لا نخرج عنه سنّته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرًا لبينه.

أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي  ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوا خاصًا بشعب إسرائيل وشبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر.

وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء بعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيّن أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجودهم.

رد عليهم بما يعرفونه من أن أبو البشر، وأن الله اصطفاه بجعله أفضل من كل أنواع الحيوان، وتمكينه هو وذريته من تسخيرها، وهذا متفق عليه بين المشركين وأهل الكتاب، ومن اصطفاء نوح وجعله أبا البشر الثاني وجعل ذريته هم الباقين، ومن اصطفاء إبراهيم وآله على البشر فإن العرب وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، فالأولون يفخرون بأنهم ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم كما يفخر الآخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم.

فالله  يرشد هؤلاء وأولئك وجميع البشر إلى أنه هو الذي اصطفى هؤلاء بغير مزية سبقت منهم ذلك وتوجبه عليه، فإذا كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد  بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك؟

لا مانع يمنع ذلك عند من يعقل.

فإن قيل: إنه لم يعهد أن بعث نبيًا من غير بني إسرائيل بعد وجودهم، قلنا: ولم اصطفى بني إسرائيل عند وجودهم؟

أليس ذلك بمحض مشيئته؟

بلى، وبمحض مشيئته اصطفى محمدًا  .

فهذه المثل مسوقة لبيان أنه تعالى يصطفي من خلقه من يشاء، أما الدليل على كونه شاء اصطفاءه فاصطفاه بالفعل فهو أنه اصطفاه بالفعل إذ جعله هاديًا للناس مخرجًا لهم من ظلمات الشرك والجهل والفساد إلى نور الحق الجامع للتوحيد والعلم والصلاح، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية بأظهر من أثره.

بل أثره أظهر، ونوره أسطع، صلى الله عليه وعلى كل عبد مصطفى.

وهذا بيان لوجه اتصال القصة بما قبلها من أول السورة.

ومن هذه المثل قصة مريم فإن أمها إذا كانت قد ولدتها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل، أو يقال إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم وقد تقبله الله فلماذا لا يجوز أن يرسل الله محمدًا من غير بني إسرائيل على خلاف المعهود عندهم؟

ومثل هذا يقال في قصة زكريا  الآتية ومن ذلك كله يعلم أن أعماله لا تأتي دائمًا على ما يعهد الناس ويألفون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده