الآية ٤٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٠ من سورة آل عمران

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما تحقق زكريا ، عليه السلام ، هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ( قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال ) أي الملك : ( كذلك الله يفعل ما يشاء ) أي : هكذا أمر الله عظيم ، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قال أبو جعفر: يعني أنّ زكريا قال = إذ نادته الملائكة: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ =" أنى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر "؟

يعني: مَنْ بلغ من السن ما بلغتُ لم يولد لهُ =" وامرأتي عاقر ".

* * * " والعاقر " من النساء التي لا تلد.

يقال منه: " امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ"، كما قال عامر بن الطفيل: لَبِئْـسَ الفَتَـى!

إنْ كُـنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًـا, فَمَـا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ!!

(48) * * * وأما " الكبر " فمصدر: " كبِرَ فهو يَكبَرُ كِبَرا ".

وقيل: " بلغني الكبر "، وقد قال في موضع آخر: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ &; 6-382 &; [سورة مريم: 8]، لأن ما بلغك فقد بلغته.

وإنما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: " قد بلغني الجهد " (49) بمعنى: أني في جهد.

* * * فإن قال قائل: وكيف قال زكريا وهو نبيّ الله: " ربّ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر "، وقد بشرته الملائكة بما بشرته به عن أمر الله إياها به؟

أشكّ في صدقهم؟

فذلك ما لا يجوز أن يوصفَ به أهل الإيمان بالله!

فكيف الأنبياء والمرسلون؟

أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربه؟

فذلك أعظم في البلية!

قيل: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير ما ظننتَ، بل كان قِيله ما قال من ذلك، كما:- 7001 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما سمع النداء - يعني زكريا، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك!

ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر!

فشكّ مَكانه، (50) وقال: " أنَّي يكون لي غلام "، ذكرٌ؟

= يقول: من أين؟= (51) " وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ".

7002 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: فأتاه الشيطان فأراد أن يكدّر عليه نعمةَ ربه فقال: هل تدري من ناداك؟

قال: نعم!

نادتني ملائكةُ ربي!

(52) قال: بل ذلك الشيطان!

&; 6-383 &; لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك!

فقال: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً .

* * * = فكان قولهُ ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجع فيه بقوله: " أنى يكون لي غلام "، للوسوسة التي خالطتْ قلبه من الشيطان حتى خيَّلت إليه أنّ النداء الذي سمعه كان نداءً من غير الملائكة، فقال: " رب أنَّى يكون لي غلام "، مستثبتًا في أمره، ليتقرّر عنده بآية يريها الله في ذلك - (53) أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: " رب اجعل لي آية ".

* * * وقد يجوز أن يكون قيله ذلك، مسألةً منه ربَّه: من أيّ وجه يكون الولدُ الذي بُشر به؟

أمن زوجته؟

فهي عاقر - أم من غيرها من النساء؟

فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة والسدي ومن قال مثلَ قولهما.

* * * القول في تأويل قوله : قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " كذلك الله "، أي هو ما وصفَ به نفسه أنه هيِّنٌ عليه أن يخلق ولدًا من الكبير الذي قد يَئس من الولد، ومن العاقر التي لا يُرْجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلْق الولدِ منك ولم تك شيئًا، لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءَه، لأن قدرَته القدرةُ التي لا تُشبهها قدرة، كما:- 7003 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن &; 6-384 &; السدي قال: " كذلك الله يفعل ما يشاء "، وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئًا.

---------------------------- الهوامش : (48) ديوانه 119 ، ومجاز القرآن 1: 92 ، وحماسة الشجري: 7 وغيرها ، وسيأتي في التفسير 16: 37 (بولاق) وعامر بن الطفيل ، أحد العوران الأشراف (المحبر: 303) ، وقد ذهبت عينه يوم فيف الريح.

وأما خبر عقمه ، فإنه صدق قول علقمة بن علاثة فيه ، فقال: "فقد والله صدق: ما لي ولد ، وإني لعاهر الذكر ، وإني لأعور البصر" (ديوانه 91 ، 92) ، وهذا البيت من أبيات قالها في يوم فيف الريح ، يذكر صبره في قتالهم ، وقد ذهبت عينه حين طعنه مسهر بن يزيد الحارثي بالرمح ، ففلق وجنته ، وانشقت عين عامر ففقأها.

وذكروا أن عامرًا طعن يومئذ بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنة ، فقال عامر: لَعَمْـري, ومَـا عَمْـري عَـلَيَّ بِهَيَّـنٍ لقَـدْ شَـانَ حُـرَّ الوَجْـهِ طَعْنَةُ مُسْهِرِ فَبِئْـسَ الفَتَـى.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يقول: من يعذرني إذا هبت عدوى وأحجمت عن حر الطعان؟

(49) في المطبوعة: "وقد بلغني الجهد" زاد واوًا لا خير فيها ، والصواب من المخطوطة.

(50) قوله: "فشك مكانه" ، أي من ساعته ، من فوره.

ويقال: "فعل ذلك على المكان" ، أي من ساعته غير متلبث ولا متصرف ، قبل أن يفارق مكانه.

(51) في المطبوعة: "ومن أين" بالواو ، وفي المخطوطة واو أيضًا ، لكنه ضرب عليها.

(52) في المطبوعة: "ناداني" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(53) في المطبوعة: "يريه الله في ذلك" ، والصواب ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاءقيل : الرب هنا جبريل ، أي قال لجبريل : رب - أي يا سيدي - أنى يكون لي غلام ؟

يعني ولدا ; وهذا قول الكلبي .

وقال بعضهم : قوله ( رب ) يعني الله تعالى .

أنى بمعنى كيف ، وهو في موضع نصب على الظرف .

وفي معنى هذا الاستفهام وجهان : أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وامرأته على حاليهما أو يردان إلى حال من يلد ؟

.

الثاني سأل هل يرزق الولد من امرأته العاقر أو من غيرها .

وقيل : المعنى بأي منزلة أستوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال ; على وجه التواضع .

ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بشر فيه أربعون سنة ، وكان يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة السن منه .

وقال ابن عباس والضحاك : كان يوم بشر ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة ; فذلك قوله وامرأتي عاقر أي عقيم لا تلد .

يقال : رجل عاقر وامرأة عاقر بينة العقر .

وقد عقرت وعقر ( بضم القاف فيهما ) تعقر عقرا صارت عاقرا ، مثل حسنت تحسن حسنا ; عن أبي زيد .

وعقارة أيضا .

وأسماء الفاعلين من فعل فعيلة ، يقال : عظمت فهي عظيمة ، وظرفت فهي ظريفة .

وإنما قيل عاقر لأنه يراد به ذات عقر على النسب ، ولو كان على الفعل لقال : عقرت فهي عقيرة كأن بها عقرا ، أي كبرا من السن يمنعها من الولد .

والعاقر : العظيم من الرمل لا ينبت شيئا .

والعقر أيضا مهر [ ص: 75 ] المرأة إذا وطئت على شبهة .

وبيضة العقر : زعموا هي بيضة الديك ; لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول .

وعقر النار أيضا وسطها ومعظمها .

وعقر الحوض : مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت ; يقال : عقر وعقر مثل عسر وعسر ، والجمع الأعقار فهو لفظ مشتركوالكاف في قوله كذلك في موضع نصب ، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك .

والغلام مشتق من الغلمة وهو شدة طلب النكاح .

واغتلم الفحل غلمة هاج من شهوة الضراب .

وقالت ليلى الأخيلية :شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاهاوالغلام الطار الشاب .

وهو بين الغلومة والغلومية ، والجمع الغلمة والغلمان .

ويقال : إن الغيلم الشاب والجارية أيضا .

والغيلم : ذكر السلحفاة .

والغيلم : موضع .

واغتلم البحر : هاج وتلاطمت أمواجه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال زكريا من شدة فرحه { رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر } وكل واحد من الأمرين مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله تعالى أن هذا خارق للعادة، فقال: { كذلك الله يفعل ما يشاء } فكما أنه تعالى قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا أراد أن يوجدهم من غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه السلام استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( قال رب ) أي يا سيدي ، قال لجبريل عليه السلام ، هذا قول الكلبي وجماعة ، وقيل : قاله لله عز وجل ( أنى يكون ) أين يكون ( لي غلام ) أي ابن ( وقد بلغني الكبر ) هذا من المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد أي أنا في الجهد ، وقيل : معناه وقد نالني الكبر وأدركني وأضعفني قال الكلبي : كان زكريا يوم بشر بالولد ابن ثنتين وتسعين سنة ، وقيل : ابن تسع وتسعين سنة وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن عشرين ومائة سنة ، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى : ( وامرأتي عاقر ) أي عقيم لا تلد يقال : رجل عاقر وامرأة عاقر ، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا ، وعقارة ( قال كذلك الله يفعل ما يشاء ) فإن قيل : لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى : ( أنى يكون لي غلام ) أكان شاكا في وعد الله وفي قدرته؟

قيل : إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور ، فقال ذلك دفعا للوسوسة ، قاله عكرمة والسدي ، وجواب آخر : وهو أنه لم يشك في وعد الله إنما شك في كيفيته أي كيف ذلك؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال ربِّ أنَّى» كيف «يكون لي غلام» ولد «وقد بلغني الكبر» أي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة «وامرأتي عاقر» بلغت ثمانية وتسعين سنة «قال» الأمر «كذلك» من خلق الله غلاما منكما «الله يفعل ما يشاء» لا يعجزه منه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشَر به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال زكريا فرحًا متعجبًا: ربِّ أنَّى يكون لي غلام مع أن الشيخوخة قد بلغت مني مبلغها، وامرأتي عقيم لا تلد؟

قال: كذلك يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة المخالفة للعادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك البشارات السارة فقال - تعالى : { قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ } أنى هنا بمعنى كيف .

و " عاقر " أى عقيم لا تلد لكبر سنها من العقر وهو العقم .

يقال عقرت المرأة تعقر عقراً وعقراً فهى عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة .

أى قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن نادته الملائكة وبشرته بما بشرته به : يا رب كيف يكون لي غلام والحال أنني قد أدركني الكبر الكامل الذى أضعفنى ، وفوق ذلك فإن امرأتى عاقر أى عقيم لا تلد لشيخوختها وبلوغها العمر الذى ينقطع معه النسل؟قال بعضهم : وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل ، أو استبعادا من حيث العادة ، أو استعظاماً وتعجبا من قدرة الله - تعالى - لا استبعادا أو إنكارا فلا يرد : كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكاً في قدرة الله - تعالى - .والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال زكريا عندما بشرته الملائكة؟

فكان الجواب : قال رب أنى يكون لى غلام .وقد خاطب زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة ، للإشعار بالمبالغة في التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب من قدرته لأنه - سبحانه - أعطاه ما لم تجر العادة به .قال الآلوسي وقوله { يَكُونُ } يجوز أن تكون من كان التامة فيكون فاعلها هو قوله { غُلاَمٌ } ويكون الظرف { أنى } والجار والمجرور { لِي } متعلقان بها .ويجوز أن تكون من كان الناقصة و { لِي } متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة .

وفى الخبر حينئذ وجهان : أحدهما { أنى } لأنها بمعنى كيف أو من أين والثانى الخبر الجار والمجرور { أنى } منصوب على الظرفية " .وقوله { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } جملة حالية من ياء المتكلم ، أى أصابنى الكبر وأدركنى فأضعفنى وأفقدني قوتى .والكبر مصدر كبر الرجل إذا أسن .

وقد قال زكريا { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } ولم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى أن الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه بالضعف والآلام والأسقام .وقوله { وامرأتي عَاقِرٌ } جملة حالية أيضاً إما من ياء { لِي } أو ياء { بَلَغَنِي } .فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر التعجب عندما بشرته الملائكة بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته كانت عقيما لا تلد إما لكبر سنها - أيضاً وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد للحمل والإنجاب .قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن عشرين ومائة سنة وكانت أمرأته بنت ثمان وتسعين سنة " .ثم حكى القرآن أن الله تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته فقال تعالى ، { قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } .أى قال - سبحانه - : مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء أن يفعله ، لأنه - سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شىء في هذا الكون ، وبقدرته أن يغير ما جرت به العادات بين الناس .فالجملة الكريمة بجانب تضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه ، تتضمن أيضاً تقرير قضية عامة وهى أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات فهو الفعال لما يريد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة، على التذكير والإمالة، والباقون على التأنيث على اللفظ، وقيل: من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة، وقرأ ابن عامر ﴿ المحراب ﴾ بالإمالة، والباقون بالتفخيم، وفي قراءة ابن مسعود: فناداه جبريل.

المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه.

وحملنا هذ اللفظ على التأويل، فإنه يقال: فلان يأكل الأطعمة الطيبة، ويلبس الثياب النفيسة، أي يأكل من هذا الجنس، ويلبس من هذا الجنس، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة، ولم يلبس جميع الأثواب، فكذا هاهنا، ومثله في القرآن ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس  ﴾ وهم نعيم بن مسعود إن الناس: يعني أبا سفيان، قال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل رئيس الملائكة، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك.

أما قوله: ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِي المحراب ﴾ فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم، والمحراب قد ذكرنا معناه.

أما قوله: ﴿ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ وفي قوله: ﴿ يُبَشّرُكَ بيحيى ﴾ وجهان الأول: أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية، فإذا قيل: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني: أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحمزة ﴿ أن ﴾ بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، أما الكسر فعلى إرادة القول، أو لأن النداء نوع من القول، وأما الفتح فتقديره: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك.

المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقرأ الباقون ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ وقرئ أيضاً ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ قال أبو زيد يقال: بشر يبشر بشراً، وبشر يبشر تبشيراً، وأبشر يبشر ثلاث لغات.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ يحيى ﴾ بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع: الصفة الأولى: قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ نصب على الحال لأنه نكرة، ويحيى معرفة.

المسألة الثانية: في المراد ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ قولان الأول: وهو قول أبي عبيدة: أنها كتاب من الله، واستشهد بقولهم: أنشد فلان كلمة، والمراد به القصيدة الطويلة.

والقول الثاني: وهو اختيار الجمهور: أن المراد من قوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ هو عيسى عليه السلام، قال السدي: لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى، فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام، فإن قيل: لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية، وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ  ﴾ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنه خلق بكلمة الله، وهو قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ من غير واسطة الأب، فلما كان تكوينه بمحض قول الله ﴿ كُنَّ ﴾ وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر، لا جرم سمى: كلمة، كما يسمى المخلوق خلقاً، والمقدور قدرة، والمرجو رجاء، والمشتهي شهوة، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني: أنه تكلم في الطفولية، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال: فلان جود وإقبال إذا كان كاملاً فيهما والثالث: أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية، فسمى: كلمة، بهذا التأويل، وهو مثل تسميته روحاً من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح، وقد سمى الله القرآن روحاً فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ والرابع: أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا: ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال: قد جاء قولي وجاء كلامي، أي ما كنت أقول وأتكلم به، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار  ﴾ وقال: ﴿ ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين  ﴾ الخامس: أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله، وروح الله، واعلم أن كلمة الله هي كلامه، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنها هي ذات عيسى عليه السلام، ولما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل.

الصفة الثانية: ليحيى عليه السلام قوله: ﴿ وَسَيّدًا ﴾ والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: السيد الحليم، وقال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين، رئيساً لهم في الدين، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع، وقال مجاهد: الكريم على الله، وقال ابن المسيب: الفقيه العالم، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب، قال القاضي: السيد هو المتقدم المرجوع إليه، فلما كان سيداً في الدين كان مرجوعاً إليه في الدين وقدوة في الدين، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَحَصُورًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس، يقال حصره يحصره حصراً وحصر الرجل: أي اعتقل بطنه، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه، والحصور الضيق البخيل، وأما المفسرون: فلهم قولان أحدهما: أنه كان عاجزاً عن إتيان النساء، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً.

والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب، والظلوم، والغشوم، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول، أما النص فقوله تعالى: ﴿ أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَنَبِيّا ﴾ واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني: ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: معناه أنه من أولاد الصالحين.

والثاني: أنه خير كما يقال في الرجل الخير: (إنه من الصالحين).

والثالث: أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وقد عصى، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم».

فإن قيل: لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟

قلنا: أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين  ﴾ وتحقيق القول فيه: أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ رَبّ ﴾ خطاب مع الله أو مع الملائكة، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع الله، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة، وهذا الكلام لابد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك: يا رب.

والجواب: للمفسرين فيه قولان الأول: أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى والثاني: أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي، ويجوز وصف المخلوق به، فإنه يقال: فلان يربيني ويحسن إلي.

السؤال الثاني: لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد، ثم أجابه الله تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده؟

الجواب: لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان الأول: أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق، ولا خلق إلا من نطفة، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال، فعلمنا أنه لابد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها الله تعالى لا من إنسان.

والوجه الثاني: أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى، فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لما طلبه من الله تعالى، فثبت بهذين الوجهين أن قوله: ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ ليس للاستبعاد، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً الأول: أنه قوله: ﴿ أنَّى ﴾ معناه: من أين.

ويحتمل أن يكون معناه: كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته، فقوله: ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ معناه: كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني؟

فقيل له كذلك، أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء، وهذا القول ذكره الحسن والأصم والثاني: أن من كان آيساً من الشيء مستبعداً لحصوله ووقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول: كيف حصل هذا، ومن أين وقع هذا كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة، يقول كيف وهبت هذه الأموال، ومن أين سمحت نفسك بهبتها؟

فكذا هاهنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعداً لذلك، ثم اتفق إجابة الله تعالى إليه، صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام الثالث: أن الملائكة لما بشّروه بيحيى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس: نقل سفيان بن عيينة أنه قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى فقال ما قال السادس: نقل عن السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان، وقد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال: ﴿ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ وكان مقصوده من هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء الشيطان قال القاضي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع ويمكن أن يقال: لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ولا مدخل للشيطان فيه، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن، قال ابن عباس: كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعين وثمان.

المسألة الثانية: قال أهل المعاني: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك، وكلما جاز أن يقول: بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب: لقيت الحائط، وتلقاني الحائط.

فإن قيل: يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد، قلنا: هذا لا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرق.

أما قوله: ﴿ وامرأتى عَاقِرٌ ﴾ .

اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد، يقال: عقر يعقر عقراً، ويقال أيضاً عقر الرجل، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له، ورمل عاقر: لا ينبت شيئاً، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد.

أما قوله: ﴿ قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ ففيه بحثان الأول: أن قوله: ﴿ قَالَ ﴾ عائد إلى مذكور سابق، وهو الرب المذكور في قوله: ﴿ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ وقد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو الله تعالى، وأن يكون هو جبريل.

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبر أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت.

فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان.

لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك.

وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ﴿ ذُرِّيَّةَ ﴾ ولداً.

والذرية يقع على الواحد والجمع ﴿ سَمِيعُ الدعاء ﴾ مجيبه.

قرئ: ﴿ فناداه الملائكة ﴾ .

وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل ﴿ أَنَّ الله يُبَشّركَ ﴾ بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول.

أو لأن النداء نوع من القول.

وقرئ: ﴿ يبشرك ﴾ ، ﴿ ويبشرك ﴾ ، من بشره وأبشره.

﴿ ويَبْشُرك ﴾ بفتح الياء من بشره.

ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ مصدّقاً بعيسى مؤمناً به.

قيل هو أول من آمن به، وسمي عيسى ﴿ كلمة ﴾ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن) من غير سبب آخر.

وقيل: مصدّقاً بكلمة من الله، مؤمناً بكتاب منه.

وسمي الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته.

والسيد: الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويالها من سيادة.

والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات.

وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر.

قال الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ** لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.

وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ ناشئاً من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ [البقرة: 130] .

﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم.

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ كقولهم: أدركته السنّ العالية.

والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون ﴿ كذلك ﴾ أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿ قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ ﴾ تقدر على تكليم الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار ﴾ يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة.

فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟

قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر.

وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال.

ومنتزعاً منه ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك.

يقال ارتمز: إذا تحرّك.

ومنه قيل للبحر الراموز.

وقرأ يحيى ابن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل.

وقرئ: ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله: مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ** رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم.

والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب.

و ﴿ والإبكار ﴾ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

وقرئ ﴿ والأبكار ﴾ ، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

يقال: أتيته بكراً بفتحتين.

فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟

قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ اسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةِ، أوِ اسْتِعْظامًا أوْ تَعَجُّبًا أوِ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ.

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ وأثَّرَ فِيَّ.

وكانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ سَنَةً.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ لا تَلِدُ، مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ.

﴿ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ العَجائِبِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إنْشاءُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، أوْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ وزَوْجُكَ مِنَ الكِبَرِ والعُقْرِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِ الوَلَدِ أوْ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ اللَّهُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ أوْ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غلام} استبعاد من حيث العادة واستعظام للقدرة لا تشكك {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر} كقولهم أدركته السن العالية أي أثر فيَّ الكبر وأضعفني وكان له تسعة وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون {وامرأتي عَاقِرٌ} لم تلد {قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء} من الأفعال العجيبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟

فَقِيلَ: ﴿ قالَ رَبِّ ﴾ الخ، وخاطَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبِ المَلَكَ المُنادِيَ طَرْحًا لِلْوَسائِطِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ وجِدًّا في التَّبَتُّلِ، و(أنّى) بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، وكانَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها ﴿ غُلامٌ ﴾ و(أنّى) واللّامُ مُتَعَلِّقانِ بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً و(لِي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وفي الخَبَرِ حِينَئِذٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: (أنّى) لِأنَّها بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ الجارَّ، و(أنّى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِ الغُلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ﴾ .

﴿ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أدْرَكَنِي الكِبَرُ وأثَّرَ فِيَّ، وأُسْنِدَ البُلُوغُ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وكانَتِ اِمْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ لَهُ مِنَ العُمْرِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: اِثْنَتانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سِتُّونَ.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْضًا إمّا مِن ياءِ (لِي) أوْ ياءِ ﴿ بَلَغَنِيَ ﴾ والعاقِرُ العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ، وصِيغَةُ فاعِلٍ فِيهِ لِلنَّسَبِ وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ تَلْحَقُ تاءُ التَّأْنِيثِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ولَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتْ الثّانِيَةُ اِسْمِيَّةً لِأنَّ كَوْنَها عاقِرًا وصْفٌ لازِمٌ لَها ولَيْسَ أمْرًا طارِئًا عَلَيْها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّواهِدَ السّالِفَةَ اِسْتِفْسارًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ الوَلَدِ أيُعْطاهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْبِ ونِكاحِ اِمْرَأةٍ عاقِرٍ أمْ يَتَغَيَّرُ الحالُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ؛ أيُعْطى الوَلَدَ مِنَ اِمْرَأتِهِ العَجُوزِ أمْ مِنَ اِمْرَأةٍ أُخْرى شابَّةٍ فَقالَ ما قالَ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّعَجُّبِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ ظُهُورِ آيَةٍ عَظِيمَةٍ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: كَيْفَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ ذَلِكَ المُلْكِ النَّفِيسِ مِن يَدِكَ؟!

تَعَجُّبًا مِن جُودِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرَتْهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي؛ أوْ مِن صُلْبِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ لِيَزُولَ هَذا الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ وطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ ووَعَدَهُ السَّيِّدُ بِإعْطائِهِ رُبَّما تَكَلَّمَ بِما يَسْتَدْعِي إعادَةَ الجَوابِ لِيَلْتَذَّ بِالإعادَةِ وتَسْكُنَ نَفْسُهُ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مِن هَذا البابِ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ اِسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةُ لِأنَّهُ لَمّا دَعا كانَ شابًّا ولَمّا أُجِيبَ كانَ شَيْخًا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ سِتِّينَ سَنَةً، كَما حُكِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ البُعْدِ.

وأبْعَدُ مِنها ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ، فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ لا مِنَ الشَّيْطانِ، ومِثْلُهُ ما رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ”أتاهُ الشَّيْطانُ فَأرادَ أنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟

قالَ: نَعَمْ، نادانِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن رَبِّكَ لَأخْفاهُ إلَيْكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي الخ“.

واعْتَرَضَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ ولا يَدْخُلُ الشَّيْطانُ فِيهِ، وأمّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والوَلَدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِها فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اِحْتِمالِ كَوْنِ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ الشَّيْطانِ ولِهَذا رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، ولَعَلَّ هَذا المَبْحَثَ يَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مُسْتَوْفًى عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآيَةَ.

وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِاشْتِباهِ الأمْرِ عَلى زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ البُعْدِ لا سِيَّما وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى“.

(قالَ) أيِ الرَّبُّ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ  ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مَعَ الحالَةِ الَّتِي يُسْتَبْعَدُ مَعَها الخَلْقُ بِحَسَبِ العادَةِ، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ لِذَلِكَ المَصْدَرِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ المُشْعِرِ بِها اِسْمُ الإشارَةِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قَبْلُ في نَظِيرِهِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أوْجُهًا أُخَرُ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً أيْ يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”اللَّهُ“ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ كَهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ بَيانًا أيْضًا، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ مِن حالِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ لِي الغُلامُ؟

فَقِيلَ لَهُ: كَما أنْتَ يَكُونُ الغُلامُ لَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَها كَذا قالُوا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ مِنَ البُعْدِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ رَوْمًا لِلتَّعْظِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ قرأ حمزة والكسائي بالياء، أي جبريل-  - وإنما صار مذكراً على معنى الجنس، كما يقال: فلان ركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وقرأ الباقون، فنادته على معنى التأنيث، لأن اللفظ لفظ الجماعة، والمراد به أيضاً جبريل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى قرأ حمزة وابن عامر: إن الله يبشرك، بكسر الألف، ومعناه: فنادته الملائكة.

وقالوا له: إن الله يبشرك.

وقرأ الباقون بالنصب، ومعناه: فنادته الملائكة، بأن الله يبشرك بيحيى قال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى، والله تعالى حي، فسماه الله تعالى يحيى، ويقال: لأنه أحيا به رحم أمه.

ويقال: لأنه حي به المجالس.

ويقال غير ذلك بِيَحْيى، بأن الله يحييه، فيكون حياً عند الله أبداً، لأنه شهيد قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران: 169] ثم قال تعالى: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني بعيسى-  - وكان يحيى أول من صدق بعيسى عليهما السلام، وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه، فلما شهد بذلك يحيى، عجب بنو إسرائيل لصغره، فلما شهد سمع زكريا شهادته، فقام إلى عيسى، فضمه إليه، وهو في خرقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين.

وقال بعضهم صدقه وهو في بطن أمه، كانت أم يحيى عند مريم، إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى، وكل واحد منهما كان في بطن أمه، وذلك قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيِّداً يعني حكيماً وَحَصُوراً يعني لا يأتي النساء، وهو قول الكلبي.

وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يملك غضبه، والحصور الذي لا يأتي النساء.

وقال مقاتل: يعني لا ماء له، يعني أن يحيى لم يكن له ماء في الصلب.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن العنة عيب بالرجال، والنبي لا يكن معيباً، ولكن معناه أنه كان مانعاً نفسه من الشهوات، لأن الذي يمنع نفسه من الشهوات مع قدرته، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له، ثم قال تعالى: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يعني أن يحيى كان نبياً من الصالحين، فلما بشره جبريل بذلك قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ قال ذلك على وجه التعجب، لا على وجه الشك، قال لجبريل: رب أي يا سيِّدي من أين يكون لي غلام؟

يعني ولد، وهذا قول الكلبي.

وقال بعضهم قوله رب، يعني قال: يا الله على وجه الدعاء، يا رب من أين يكون لي ولد؟

وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ قال القتبي: هذا من المقلوب، يعني بلغت الكبر.

وقال الكلبي: كان يوم بشر ابن تسعين سنة، وامرأته قريبة في السن منه.

وقال الضحاك: كان ابن مائة وعشرين سنة، فذلك قوله، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي الهرم وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد قالَ كَذلِكَ قال بعضهم: تم الكلام عند قوله كذلك، يعني هكذا كما قلت: إنه قد بلغك الكبر، وامرأتك عاقر ثم قال تعالى: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ وقال بعضهم: معناه.

قال: كذلك يعني الله تعالى هكذا قال: إِنَّهُ يكون لك ولد، والله يفعل ما يشاء، إن شاء أعطاك الولد في حال الصغر، وإن شاء في حال الكبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديث عنه صلّى الله عليه وسلّم، فيتّبع.

وقوله تعالى: فَنادَتْهُ عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع/ به، وينهى إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا من الملائكةِ إِخباراً على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ.

وقوله تعالى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، يعني: ب «المِحْرَابِ» في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَى: اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، ومُصَدِّقاً نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قال ع «١» : وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي «كُنْ» ، لا بسبب إِنسان.

وقوله تعالى: وَسَيِّداً: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ «٢» .

قال ع «٣» : مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى- عليه السلام- بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا

هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المسترفد، وانظر قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ» «١» ، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم، ثم:

قال ع «٢» : أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى- عليه السلام-.

وقوله تعالى: وَحَصُوراً أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو.

قال ع «٣» : وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى- عليه السلام- إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر «٤» : وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد.

قلْتُ: قال عِيَاضٌ: اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى- عليه السلام- بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوباً «٥» أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء- عليهم السلام-، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها «٦» ، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ كفَايَةً من اللَّه له لكونها مشغلة في كثير من

الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ- درجةٌ عُلْيَا، وهي درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أيْ: وسائرِ النبيِّين.

اهـ من «الشِّفَا» «١» .

وباقي الآية بيِّن.

ورُوِيَ مِنْ صلاحه/- عليه السلام- أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا.

ص: ومِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ.

اهـ.

قلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله.

وقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ...

الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ «٢» وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟

قال ع «٣» : وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا- عليه السلام-.

وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ.

وقوله: كَذلِكَ، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ كأنه قال: رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويل في قوله:

كَذلِكَ.

وقوله: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ.

وقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكن

هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ.

وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ...

الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز.

وأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيراً لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء- عليه السلام- حيث قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، لكنه قال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً «١» قال الإِمام الفَخْر «٢» : وفي الآية تأويلان:

أحدهما: أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته شُكْراً للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه:

أحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات.

وثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صحّة البنية من المعجزاتِ.

وثالثها: أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات.

والتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى/، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ» ، فكان زكريَّاء- عليه السلام- أمر بالسُّكُوت باللّسان واستحضار معاني

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ؟!

.

قالَ الكُمَيْتُ: أنّى ومِن أيْنَ آَبَكَ الطَّرَبُ قالَ العُلَماءُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ كَيْسانَ: كَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ: وجْهٍ يَكُونُ لِي الوَلَدُ؟

أيَكُونُ بِإزالَةِ العُقْرِ عَنْ زَوْجَتِي، ورَدِّ شَبابِي؟

أمْ يَأْتِي ونَحْنُ عَلى حالِنا؟

فَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلامِ، لا عَلى وجْهِ الشَّكِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غُلامٌ بَيْنَ الغُلُومِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلامِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلُومَةِ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: الغُلامُ: فُعالٌ، مِنَ الغُلْمَةِ، وهي شِدَّةُ شَهْوَةِ النِّكاحِ.

ويُقالُ: لِلْكَهْلِ: غُلامٌ.

قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها وَكَأنَّ قَوْلَهم لِلْكَهْلِ: غُلامٌ، أيْ: قَدْ كانَ مَرَّةً غُلامًا.

وقَوْلُهم لِلطِّفْلِ: غُلامٌ عَلى مَعْنى التَّفاؤُلِ، أيْ: سَيَصِيرُ غُلامًا.

قالَ: وقِيلَ: الغُلامُ الطّارُّ الشّارِبُ، ويُقالُ: لِلْجارِيَةِ: غُلامَةٌ.

قالَ الشّاعِرُ: يُهانُ لَها الغُلامَةُ والغُلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ: وقَدْ بَلَغَتِ الكِبَرَ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ بَلَغْتُهُ فَقَدْ بَلَغَكَ.

وفي سَنَةٍ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كُنِ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وامْرَأتُهُ بَنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: ابْنُ سَبْعِينَ، حَكاهُ فُضَيْلُ بْنُ غَزْوانَ.

والخامِسُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.

والسّادِسُ: ابْنُ سِتِّينَ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: والعاقِرُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ: الَّذِي لا يَأْتِيهِ الوَلَدُ، وإنَّما قالَ: "عاقِرًا" ولَمْ يَقُلْ: عاقِرَةً، لِأنَّ الأصْلَ في هَذا الوَصْفِ لِلْمُؤَنَّثِ، والمُذَكِّرِ فِيهِ كالمُسْتَعارِ، فَأُجْرِيَ مَجْرى "طالِقٍ"، "حائِضٍ" هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِمَ قالَ زَكَرِيّاءُ ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ ؟

فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: إنَّهُ نُودِيَ بِهَذِهِ البِشارَةِ، جاءَ الشَيْطانُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟

قالَ: نادَتْنِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ بَلْ ذَلِكَ الشَيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ رَبِّكَ لَأخْفاهُ لَكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، قالَ: فَخالَطَتْ قَلْبَهُ وسْوَسَةٌ وشَكٌّ مَكانَهُ، فَقالَ: ﴿ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ زَكَرِيّاءَ لَمّا رَأى حالَ نَفْسِهِ وحالَ امْرَأتِهِ وأنَّها لَيْسَتْ بِحالِ نَسْلٍ؛ سَألَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الغُلامُ، أتُبَدَّلُ المَرْأةُ خِلْقَتَها أمْ كَيْفَ يَكُونُ؟

وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلِيقُ بِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ إنَّما سَألَ لِأنَّهُ نَسِيَ دُعاءَهُ لِطُولِ المُدَّةِ بَيْنَ الدُعاءِ والبِشارَةِ، وذَلِكَ أرْبَعُونَ سَنَةً.

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفُ المَعْنى.

و"أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟

ومِن أيْنَ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ اسْتِعارَةٌ، كَأنَّ الزَمانَ طَرِيقٌ والحَوادِثَ تَتَساوَقُ فِيهِ، فَإذا التَقى حادِثانِ؛ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بَلَغَ صاحِبَهُ، وحَقِيقَةُ البُلُوغِ في الأجْرامِ أنْ يَنْتَقِلَ البالِغُ إلى المَبْلُوغِ إلَيْهِ.

وحَسُنَ في الآيَةِ ﴿ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ مِن حَيْثُ هي عِبارَةُ واهِنٍ مُنْفَعِلٍ، و"بَلَغْتُ" عِبارَةُ فاعِلٍ مُسْتَعْلٍ، فَتَأمَّلْهُ.

ولا يُعْتَرَضُ عَلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا  ﴾ لِأنَّهُ قَدْ أفْصَحَ بِضَعْفِ حالِهِ في ذِكْرِ العِتِيِّ.

والعاقِرُ: الإنْسانُ الَّذِي لا يَلِدُ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأةِ والرَجُلِ.

قالَ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ: لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا ∗∗∗ جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ وعاقِرٌ: بِناءُ فاعِلٍ وهو عَلى النَسَبِ ولَيْسَ بِجارٍ عَلى الفِعْلِ.

والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ الغَرِيبَةِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، أيْ كَهَذِهِ القُدْرَةِ المُسْتَغْرَبَةِ هي قُدْرَةُ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ شَرَحَ الإبْهامَ الَّذِي في ذَلِكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى حالِ زَكَرِيّاءَ وحالِ امْرَأتِهِ كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لَنا غُلامٌ ونَحْنُ بِحالِ كَذا؟

فَقالَ لَهُ:" كَما أنْتُما يَكُونُ لَكُما الغُلامُ"، والكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ في النَفْسِ وُقُوعَ هَذا الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء في قوله: ﴿ فنادته الملائكة ﴾ للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت.

وقوله: ﴿ وهو قائم ﴾ جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته.

ومقتضى قوله تعالى: ﴿ هنالك ﴾ والتفريع عليه بقوله: فنادته أنّ المحراب محراب مريم.

وقرأ الجمهور: فنادته بتاء تأنيث لِكون الملائكة جمعاً، وإسناد الفعل للجمع يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة.

ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكاً واحداً وهو جبريل وَقد ثبت التصريح بهذا في إنجيل لوقا، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد إلى قبيلته كقولهم: قتلت بَكرٌ كُلَيباً.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: فناداه الملائكة على اعتبار المنادي واحداً من الملائكة وهو جبريل.

وقرأ الجمهور: أنّ الله بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي نادته الملائكة بأنّ الله يبشرك بيحيى.

وقرأ ابن عامر وحمزة: إنّ بكسر الهمزة على الحكاية.

وعلى كلتا القراءتين فتأكيد الكلام بإنّ المفتوحة الهمزةِ والمكسورتِها لتحقيق الخبر؛ لأنّه لغرابته يُنزّل المخبَر به منزلة المتردّد الطالب.

ومعنى «يبشرك بيحيى» يبشرك بمولود يسمّى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل بقرينة دخول الباء عليه وذُكر في سورة مريم (7): ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ ويحيى معرّب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة المضارع من حَيي وهو غير منصرف للعُجمة أو لوزن الفعل.

وقتل يحيى في كهولته عليه السلام بأمر (هيرودس) قبل رفع المسيح بمدة قليلة.

وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجَا زكرياء، فقيل له مصدّقاً بكلمةٍ من الله، فمصدّقاً حال من يحيى أي كاملَ التوفيق لا يتردّد في كلمة تأتي من عند الله.

وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليَعلم أنّ حادثاً عظيماً سيقع يكون ابنه فيه مصدّقاً برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام.

ووُصِفَ عيسى كلمةً من الله لأنّ خُلق بمجرد أمر التكوين الإلهي المعبر عنه بكلمة كُنْ أي كان تكوينه غير معتادو سيجيء عند قوله تعالى: ﴿ إن اللَّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [آل عمران: 45].

والكلمة على هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام.

ولا شكّ أنّ تصديق الرسول، ومعرفة كونه صادقاً بدون تردّد، هدى عظيم من الله لدلالته على صدق التأمل السريع لمعرفة الحق، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين، وخديجة وأبو بكر في الآخرين، قال تعالى: ﴿ والذي جاء بالصدق وصدّق به ﴾ [الزمر: 33]، وقيل: الكلمة هنا التوراة، وأطلق عليها الكلمة لأنّ الكلمة تطلق على الكلام، وأنّ الكلمة هي التوراة.

والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل.

فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي: وإنّ سيادةَ الأقوام فاعلَمْ *** لها صُعَدَاءُ مطلبها طويل أترجو أن تَسُودَ ولن تُعَنّى *** وكيف يسودُ ذو الدعةَ البَخيل وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه، وملاكه بذل الندى، وكفّ الأذى، واحتمال العظائم، وأصالة الرأي، وفصاحة اللسان.

والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً وفي الحديث " أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر " وفيه «إنّ ابني هذا سيّد» يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين، وفي تفسير ابن عطية عن عبد الله بن عمر: أنه قال: «ما رأيتُ أحداً أسود من معاوية ابن أبي سفيان فقيل له وأبو بكر وعمر قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسودُ منهما» قال ابن عطية: «أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية، ولكن مع تتبع الجَادّة، وقلّةِ المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذوراً».

ووصف الله يحيى بالسيّد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه، فنشأ محترماً من جميع قومه قال تعالى: ﴿ وآياتيه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة ﴾ [مريم: 12، 13]، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معاً: قاله قتادة، والضحاك، وابن عباس، وعكرمة.

وقيل الحليم فقط: قاله ابن جبير.

وقيل السيّد هنا الشريف: قاله جابر بن زيد، وقيل السيّد هنا العالم: قاله ابن المسيّب، وقتادة أيضاً.

وعُطف سيّداً على مصدّقاً، وعطفُ حَصُوراً وما بعده عليه، يؤذن بأنّ المراد به غير العليم، ولا التقي، وغيرُ ذلك محتمل.

والحصور فعول بمعنى مفعول مثل رسول أي حصور عن قربان النساء.

وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إمّا أن يكون مدحاً له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرّمة، بأصل الخلقة، ولعلّ ذلك لمراعاة براءته ممّا يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشدّ البهتان والاختلاق، وإمّا ألاّ يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحاً له لأنّ من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النّساء فتعيّن أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاماً لزكرياء بأنّ الله وهبه ولداً إجابة لدعوته، إذ قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً يرثني ﴾ [مريم: 5، 6] وأنّه قد أتمّ مراده تعالى من انقطاع عقب زكرياء لحكمة علمها، وذلك إظهار لكرامة زكرياء عند الله تعالى.

ووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيساً لزكرياء وتخفيفاً من وحشته لانقطاع نسله بعد يحيى.

وقوله: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ استفهام مراد منه التعجّب، قَصَد منه تعرُّف إمكان الولد، لأنّه لما سأل الولد فقد تهيّأ لحصول ذلك فلا يكون قوله أنّى يكون لي غلام إلاّ تطلباً لمعرفة كيفية ذلك على وجه يحقّق له البشارة، وليس من الشك في صدق الوعد، وهو كقول إبراهيم: ﴿ ليطمئنّ قلبي ﴾ [البقرة: 260]، فأجيب بأنّ الممكنات داخلة تحت قدرة الله تعالى وإنْ عز وقوعها في العادة.

و (أنّى) فيه بمعنى كيف، أو بمعنى المكان، لتعذّر عمل المكانين اللذين هما سبب التناسل وهما الكِبَر والعَقْرَة.

وهذا التعجّب يستلزم الشكر على هذه المنّة فهو كناية عن الشكر.

وفيه تعريض بأن يكون الولد من زوجه العاقر دون أن يؤمر بتزوّج امرأة أخرى وهذه كرامة لامرأة زكرياء.

وقوله: ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ جاء على طريق القلب، وأصله وقد بلغتُ الكبرَ، وفائدته إظهار تمكّن الكبر منه كأنَه يتطلبه حتى بلغه كقوله تعالى: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ (النساء: 78 (والعاقر المرأة التي لا تلد عَقَرَت رحمَها أي قطعته.

ولأنه وصف خاص بالأنثى لم يؤنّث كقولهم حائض ونافس ومُرضع، ولكنه يؤنث في غير صيغة الفاعل فمنه قولهم عَقْرى دُعاء على المرأة، وفي الحديث: «عَقْرَى حَلْقَى» وكذلك نُفَساء.

وقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ أي كهذا الفعل العجيب وهو تقدير الحمل من شيخ هرِم لم يسبق له ولد وامرأةٍ عاقر كذلك، ولعلّ هذا التكوين حصل بكون زكرياء كان قبل هرمه ذا قوة زائدة لا تستقرّ بسببها النطفة في الرحم فلما هرم اعتدلت تلك القوة فصارت كالمتعارف، أو كان ذلك من أحوال في رحم امرأته ولذلك عبر عن هذا التكوين بجملة ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ أي هو تكوين قدّره الله وأوجد أسبابه ومن أجل ذلك لم يقل هنا يخلق ما يشاء كما قاله في جانب تكوين عيسى.

وقوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ أراد آية على وقت حصول ما بُشِّر به، وهل هو قريب أو بعيد، فالآية هي العلامة الدالة على ابتداء حمل زوجه.

وعن السدي والربيع: آيةَ تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا.

وعندي في هذا نظر، لأنّ الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري.

وقوله: ﴿ آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ﴾ جعل الله حُبْسة لسانه عن الكلام آية على الوقت الذي تحمل فيه زوجته، لأنّ الله صرف ما لَه من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدمَاغ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة يقرب منها ما يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البَلاذر لقوة الفكر.

أوْ أمرِه بالامتناع من الكلام مع الناس إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى التناسل، أي متى تمت ثلاثة الأيام كان ذلك أمارة ابتداء الحمل.

قال الربيع جعل الله ذلك له عقوبة لتردّده في صحة ما أخبره به الملَك، وبذلك صرح في إنجيل لوقا، فيكون الجواب على هذا الوجه من قبيل أسلوب الحكيم لأنه سأل آيةً فأعطي غيرها.

وقوله: ﴿ واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار ﴾ أمر بالشكر.

والذِّكر المراد به: الذِّكر بالقلب والصلاةِ إن كان قد سلب قوة النطق، أو الذكر اللساني إن كان قد نهي عنها فقط.

والاستثناء في قوله إلاّ رمزاً استثناء منقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ دُعائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في المَسْألَةِ لِأنَّ سُؤالَ ما خالَفَ العادَةَ يُمْنَعُ مِنهُ إلّا عَنْ إذْنٍ لِتَكُونَ الإجابَةُ إعْجازًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ طَمِعَ في رِزْقِ الوَلَدِ مِن عاقِرٍ.

﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ يَعْنِي هَبْ لِي مِن عِنْدِكَ ولَدًا مُبارَكًا، وقَصَدَ بِالذُّرِّيَّةِ الواحِدَ.

﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ أيْ تُجِيبُ الدُّعاءَ، لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ بَعْدَ سَماعِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ المَلائِكَةُ، وفي مُناداتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاهُ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ بِالإيمانِ، وسَمّاهُ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وأهْلِ البَصْرَةِ.

والثّانِي: يَعْنِي المَسِيحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ في دِينِهِمْ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وَسَيِّدًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلِيفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّقِيُّ، وهو قَوْلُ سالِمٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِالرِّياسَةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ وَحَصُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا ماءَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وإنَّما جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطّالِبِ لَهُ.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ أيْ لا تَلِدُ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ راجَعَ بِهَذا القَوْلِ بَعْدَ أنْ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجَعَ لِيَعْلَمَ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، بِأنْ يُرَّدَّ هو وامْرَأتُهُ إلى حالِ الشَّبابِ، أمْ عَلى حالِ الكِبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِمَقْدُورِ اللَّهِ وتَعَجُّبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ لِيَتَعَجَّلَ السُّرُورَ بِهِ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الإشارَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: الإيماءُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ لَمْ يُمْنَعْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هي الآيَةُ.

﴿ وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ والعَشِيُّ: مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، وأصْلُ العَشِيِّ الظُّلْمَةُ، ولِذَلِكَ كانَ العَشى ضَعْفَ البَصَرِ، فَسُمِّيَ ما بَعْدَ الزَّوالِ عِشاءً لِاتِّصالِهِ بِالظُّلْمَةِ.

وَأمّا الإبْكارُ فَمِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وأصْلُهُ التَّعْجِيلُ، لِأنَّهُ تَعْجِيلُ الضِّياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما سمع زكريا النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله أوحى إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر.

فشك مكانه وقال: ﴿ أَنى يكون لي غلام ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه قال: هل تدري من ناداك؟

قال: نعم.

ناداني ملائكة ربي قال: بل ذلك الشيطان لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وامرأتي عاقر ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن حاتم عن شعيب الجبائي قال اسم أم يحيى أشيع.

قوله تعالى: ﴿ قال كذلك يفعل الله ما يشاء ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا.

وفي قوله: ﴿ ربي اجعل لي آية ﴾ قال: قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ قال بالحمل له.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ قال: إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الرحمن السلمي قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

وأخرج عن السدي قال: اعتقل لسانه ثلاثة أيام، وثلاث ليال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن نفير قال: رب لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام، ثم أطلقه الله بعد ثلاث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: (الرمز) بالشفتين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: إيماؤه بشفتيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: الاشارة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: (الرمز) أن يشير بيده أو رأسه ولا يتلكم.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الرمز أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده.

وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: الاشارة باليد، والوحي بالرأس قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: ما في السماء من الرحمن مرتمز ** إلا إليه وما في الأرض من وزر وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً ﴾ ولو رخص في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله قال الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً ﴾ [ الأنفال: 45] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وسبِّح بالعشي والإِبكار ﴾ قال: ﴿ العشي ﴾ ميل الشمس إلى أن تغيب ﴿ والإبكار ﴾ أول الفجر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ﴾ ذهب كثير من المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل  ، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي (١) (٢) وقوله: ﴿ أَنَّى يَكُونُ ﴾ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟

وما معنى هذه المراجعة؟

ولِمَ عجب (٣) ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾ ؟

فالقول في ذلك: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لِي ﴾ (٤) ﴿ أَنَّى يَكُونُ ﴾ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟

أم من حال الكِبَرِ؟.

فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً (٥) والغُلامُ: الشابُّ من الناس.

وأصله من (الغُلْمَةِ).

و (الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح.

ويقال: (غُلامٌ بّيِّن (٦) (٧) قال الفرَّاء (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ﴾ .

(الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ (١٣) قال أهل المعاني (١٤) ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ﴾ : وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ (١٥) (١٦) (١٧) فإن قيل: أيجوز (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) قال ابن عباس في رواية الضحاك (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .

العاقِر (٢٧) (٢٨) أنشد الفراء: إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً ...

فَعَلِقَتْ بُنَيَّها (٢٩) (٣٠) ويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) (٣١) (٣٢) قال عامرُ بن الطُّفَيْل (٣٣) (٣٤) قال أبو إسحاق (٣٥) ﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ ، في هذا دليل على أن (عاقرًا) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وذَكر (٤٦)  عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن (٤٧) ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ ؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله (٤٨) (١) وهذا قول الكلبي، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، وقال الثعلبي بأنه قول أكثر المفسرين، "تفسير القرطبي" 4/ 79، وانظر: "الخازن" 1/ 290.

(٢) وهو الظاهر من الآية.

(٣) في (ج): (اعجب).

(٤) (لي): ساقطة من (ج)، (د).

(٥) وممن قال بهذا: الحسن، وابن كيسان، وابن الأنباري.

انظر: "زاد المسير" 1/ 384.

وقيل: بأي منزلة أستَوْجِبُ هذا؟

قاله على سبيل التواضع لله، والشكر له، والاستعظام لقدرته تعالى التي لا يعجزها شيء.

انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 395، "النكت والعيون" 1/ 391، "غرائب القرآن" 3/ 184، و"أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل" للرازي 61.

(٦) في (د): (من).

(٧) انظر كتاب "خلق الإنسان" 11، "تهذيب اللغة" 3/ 2691 (غلم)، "الصحاح" 5/ 1797 (غلم).

(٨) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد بعضه في "تهذيب اللغة" 3/ 2301 (عبد) ونصُّه: (وقال الفرَّاء: يقال: فلان عبدٌ بيِّن العبودة، والعبودية، والعبدية).

(٩) (فعل): ساقط من: (ب).

(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(١١) في (أ)، (ب): (من)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "تهذيب اللغة" 3/ 2301.

(١٢) (والعبدية): ساقط من: (ج)، (د).

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 257، "القاموس المحيط" ص 468 (كبر).

والقياس أنَّ (فَعِلَ) من الثلاثي المجرد، يأتي مضارعها على (يَفْعَلُ).

انظر: "المزهر" 2/ 37.

أما (كَبُرَ، يَكْبُرُ)، فهي إذا ما أردت عِظَمَ الشيءِ والأمرِ، فهي مثل: (عَظُمَ، يعظُمُ).

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3090 - 3091 (كبر).

(١٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408، "مجاز القرآن" 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب.

(١٥) من قوله: (كل ..) إلى (..

وبلغك): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408.

(١٦) في (أ): (كنسبة)، والمثبت من بقية النسخ.

(١٧) في (ج): (فتلقاني).

(١٨) في (ج): (تحوز)، وفي: (د) (لا يجوز).

(١٩) من قوله: (بحدوثه ..) على: (..

أيضًا يأتيه): ساقط من (ج).

(٢٠) في (د): (والإنصاف).

(٢١) في (د): (والاتصال).

(٢٢) في (ج): (زيد).

(٢٣) (أن يكون): ساقط من (ج).

(٢٤) في (أ)، (ب): (منصوبًا)، والمثبت من: (ج)، (د).

(٢٥) انظر: "تأويل مشكل القرآن" 193 - 198، فقد جعل هذا من المقلوب، وهو أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم.

(٢٦) الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، "تفسير البغوي" 2/ 35، "زاد المسير" 1/ 385.

(٢٧) (العاقر): ساقطة من (د).

(٢٨) في (ب): (وعقارا).

(٢٩) في (د): (فعقرت بنتها).

(٣٠) في (ج): (تسماما).

لم أقف على قائله، وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 48 ب، قائلًا: (وأنشد الفراء) وذكره، وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" وقال: (وأنشد الفراء) وذكره.

وروايته في "الدر المصون".

أرزامُ باب عقُرت أعواما ...

فعلقت بُنَيَّها تسماما ومعنى (الإرزام): الصوت الذي لا يُفْتَح به الفمُ، ومنه: (الرَّزَمة)، وهو: ضرب من حنِين الناقة على ولدها حين تَرأمُهُ، يقولون: (أرْزَمَت الناقةُ إرْزامًا).

وقيل: هو دون الحنِين، والحنِينُ أشدُّ من الرَّزَمَةِ.

و (النابُ)، و (النَّيُوب): الناقة المسنة، سُمِّيت بذلك حين طال نابها وعظُمَ.

انظر: "اللسان" 3/ 1637 (رزم)، 8/ 4591 (نيب).

أي: أنَّ هذه الناقة المسنَّة، والتي نُتِجَتْ بعد أن كان عاقرًا لمدة أعوام، فإنها تحن على وليدها، مصدرة صوتًا يدل على رحمتها، وشغفها وتعلقِّها به، ولا تنشب تَشَمُّ هذا الوليد تَشْماما المرة بعد الأخرى.

(٣١) (وعقر): ساقط من (د).

(٣٢) انظر (عقر)، في "تهذيب اللغة" 3/ 2514، "اللسان" 5/ 3034.

والقياس في (فَعُلَ) الثلاثي المجرد، أن يكون مضارعه (يَفْعُل).

أما (فَعَلَ) من المجرد الثلاثي الصحيح، الذي عينه أو لامه ليست من حروف الحلق، فمضارعه يأتي على (يَفْعِل) و (يَفْعُل).

انظر: "المزهر" 2/ 37 - 38.

(٣٣) هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري.

أحد فرسان العرب المشهورين، وابن عم لَبِيد الشاعر، أدرك النبي  ، ولم يُسْلِم، وهو الذي غدر بالصحابة عند بئر معونة سنة (4هـ)، وحاول قتل النبي فعصمه الله منه، ودعا عليه النبي  ، فأهلكه الله.

انظر: "الشعر والشعراء" ص207، "معجم الشعراء" 37، "الأعلام" 3/ 252.

(٣٤) البيت في: "ديوانه": 64، كما ورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 2/ 92، "تفسير الطبري" 3/ 257، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1/ 203، "تفسير الثعلبي" 3/ 48ب، "المحرر الوجيز" 3/ 107، "تفسير القرطبي" 11/ 79، "الدر المصون" 3/ 162.

وورد غير منسوب في "الزاهر" 2/ 582.

وروايته في الديوان: (فبئس ..)، وفي "الزاهر" (..

فما أغني لدي كل مشهد)، وفي "المذكر والمؤنث" (..

فما أغني لدي كل محضر).

قال الشاعر هذا البيت ضمن أبيات في وقْعَةٍ دارت في موضع يُسمَّى (فَيْفَ الريح)، وقد ذهبت عَيْنُه في هذه المعركة، فاجتمع له العَورُ والعُقْمُ، فيقول هنا: إنه بئس الفتى إن كان يجمع إلى العور والعقم، الجُبنَ، والمهابَةَ من العدو، حيث لا يُعذَر بعدها.

(٣٥) في "معاني القرآن" له 1/ 408، نقله عنه بنصه.

(٣٦) في (ب): (عاقر).

(٣٧) أي مما جاءت النسبة فيه على صيغة (فاعل)، مثل: تامِر، ولا بِن، وحائِك، وكاسٍ؛ بمعنى: صاحب تمْرٍ، وصاحب لبنٍ، وصاحب حياكة، وصاحب كساء.

فعاقر، بمعنى: ذات عُقْر.

(٣٨) في (ج): (اسما)، وفي (د): (اسم).

(٣٩) في (أ)، (ب): (طريقة)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "معاني القرآن" للزجاج؛ لأن (طريقة) من: (طَرَقَ) وليست من.

(طَرُقَ)، كما أن (طريقة) تأتي على (مفعولة) بمعنى (مطروقة).

(٤٠) في (أ): (عُقَر).

وفي بقية النسخ، مهملة من الشكل.

وما أثبَتُّه هو ما استصوبته.

والعُقْر: العُقْم.

يقول السمين الحلبي بعد أن نقل كلام الزجاج السابق: (وهذا نصٌّ من أن الفعل == المسند للمرأة، لا يقال فيه إلّا (عقرت) بضمِّ القاف، إذ لو جاز فتحها أو كسرها لجاز منها (فاعِل) من غير تأويل على النسب).

"الدر المصون" 3/ 162.

ولكن ورد في "اللسان" (وقد عَقُرَت المرأة عَقارةً، وعِقارة، وعَقَرت تَعْقِر عَقْرا، وعُقْرا، وعَقِرت عَقارًا، وهي عاقر) 5/ 3033 (عقر).

وعليه فإنه يصح أن يأتي منها صفة مشبهة باسم الفاعل.

(٤١) عقر: ساقطة من (ج).

و (عُقُر)، و (عُقَّر) و (عواقر)، جمع: عاقر.

انظر العين: 1/ 150، "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، "اللسان" 5/ 3033 (عقر).

(٤٢) العُجُز: جمع (عَجوز).

ولم أهتد إلى مصدر الحديث بهذا اللفظ في كتب السنة.

وقد أورده الخليل في: "كتاب العين" 1/ 150، وقال: وفي الحديث: "عُجْزٌ عُقُرٌ" بتسكين العَيْن في (عجز)، وورد في "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، بلفظ: "إيَّاكم والعُجُز والعُقُر"، ولم يخرِّجه.

وقد وقفت على حديث آخر قريب من معنى هذا الحديث، وهو: عن عياض بن غنم الفهري، عن النبي  ، قال: "يا عياض لا تَزَوَجَّن عجوزًا ولا عاقرا، فإني مكاثر بكم الأمم".

أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 290 - 291.

كتاب معرفة الصحابة، وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 368 رقم (1008).

قال الهيثمي: (وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف) "مجمع الزوائد" 4/ 258، وأورده ابن حجر في "الإصابة" 3/ 50 وضعَّفه؛ لأن في سنده عمرو بن الوليد الأغضف، وزاد نسبة إخراجه لأبي نعيم، وأورده ابن حجر الهيثمي المكي في كتاب "الإفصاح" عن أحاديث النكاح): 160.

(٤٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (امرأته)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "اللسان" 5/ 3034 (عقر).

والعبارة في (ج): (أعقرها الله رحمها)، وفي (د): (أعقر رحمها).

(٤٤) في (ج): (ورجل).

(٤٥) انظر: "اللسان" (عقر) 5/ 3034.

(٤٦) في (ج): (وذكرنا).

(٤٧) في (أ): غير مقروء، وفي (ب): (استبعد من).

والمثبت من: (ج)، (د).

(٤٨) (الله): ليس في: (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه الولد ﴿ فَنَادَتْهُ الملائكة ﴾ أنث رعاية للجماعة، وقرئ فناداه بالألف على التذكير، وقيل: الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة: لقولهم: فلان يركب الخيل، أي جنس الخيل وإن كان فرساً واحداً ﴿ بيحيى ﴾ اسم سماه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقاً وبناءً في العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في الإعراب أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ﴾ أي مصدقاً بعيسى عليه السلام مؤمناً به، وسمي عيسى كلمة الله، لأنه لم يوجد إلاّ بكلمة الله وحدها وهي قوله: كن، لا بسبب آخر وهو الوالد كسائر بني آدم ﴿ وَسَيِّداً ﴾ السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل ﴿ وَحَصُوراً ﴾ أي لا يأتي النساء فقيل: خلقه الله كذلك، وقيل: كان يمسك نفسه، وقيل: الحصور الذي لا يأتي الذنوب ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجُّب استبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم امرأته، ويقال: كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه بقدرة الله، واستبعده لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب وهو شيخ، ولذلك استبعده ﴿ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي مثل هذه الفعلة العجيبة، يفعل الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفعلية العجيبة، والإشارة بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه، وقيل: الخبر: يفعل الله ما يشاء، ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ مع ما قبله، ولأن له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ ﴾ [هود: 102] ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل المرأة ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ﴾ أي علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ إشارة باليد أو بالرأس أو غيرهما، فهو استثناء منقطع ﴿ بالعشي ﴾ من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.

﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.

الباقون بالمد والرفع.

﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.

قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.

الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.

﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.

وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها  ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذا المقام قصصاً.

القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.

روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.

فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.

فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.

قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله  كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.

عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.

وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.

قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.

فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله  ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.

فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.

ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.

لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.

﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".

وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.

والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.

﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله  فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.

ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.

ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.

ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.

﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.

ومريم في لغتهم العابدة.

فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.

قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.

وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.

والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".

وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.

قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.

﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.

وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.

فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.

فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.

فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.

فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.

فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.

وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.

والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.

وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟

قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله  .

واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي  " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.

ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي  أنه  جاع في زمن قحط فأهدت له  فاطمة  ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع  بها إليها وقال: هلمي يا بنية.

فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.

فقال النبي  لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال  : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.

ثم جمع رسول الله  علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته  حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة  ا على جيرانها" .

وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.

والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي  يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.

وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.

بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.

وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.

فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.

وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.

قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.

قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.

قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟

وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.

فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.

فعند ذلك يعلم أن الله  أظهر بدعائه تلك المعجزة.

ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.

على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.

فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.

قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.

على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.

وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟

وكيف مدح الله  مريم بحصول هذا الرزق عندها؟

وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله  بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].

القصة الثانية: واقعة زكريا  وذلك قوله  ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.

وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله  غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.

وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.

قال المتكلمون: إن دعاء النبي  لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.

وقول إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.

ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.

فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.

والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً  ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.

فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.

﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.

وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً  ﴾ .

﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.

ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.

أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.

﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.

فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى  ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.

ثم إنه  وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.

قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.

وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.

والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.

قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.

فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.

قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.

وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.

وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.

ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.

وقال ابن عباس: السيد الحليم.

وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.

وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.

ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.

والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.

ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.

والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.

روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.

ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله  : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  ﴾ .

ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله  ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.

قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.

فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.

والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.

ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.

﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.

ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.

فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله  إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟

فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.

وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.

ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.

والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله  ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.

ثم إنه  لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال  : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.

حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.

وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.

ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.

ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.

ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.

وعن قتادة أنه  عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.

قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.

وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.

وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.

وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: الرمز الكلام الخفي.

وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.

وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.

وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون  ﴾ لاشتمالها عليه.

والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.

والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.

وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

التأويل: إن لله  في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.

فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.

﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله  : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه  جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.

﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله  به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.

ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .

قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله  - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب -  - مع ما كان يعلم قدرة الله -  - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل.

وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ .

أي: مجيب الدعاء.

وقوله: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ﴾ .

دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة.

﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ .

فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلاناً فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة - ههنا - أضيفت إلى الله -  - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا.

وقوله: ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ قيل: عيسى -  - كان بكلمة من الله، فيحيى صدّقه برسالته.

وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ  ﴾ ظنوا أنه في معنى "فيه"؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراماً لهم وإجلالاً، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلت ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَسَيِّداً ﴾ : قيل: سيّداً في العلم والعبادة.

وقيل: السيّد: الحكيم ههنا.

وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه.

وقيل: السيد: الحسن الخلق.

وقيل: السيّد: التقي.

وقيل: اشتق يحيى من أسماء لله -  - من: "حي"، والله - عز وجل - هو الذي سمّاه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سمّاه مسيحاً؛ بقوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ  ﴾ وذلك إكراماً لهم وإجلالاً، على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ إكراماً لهم وإجلالاً؛ فكذلك الأوّل.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الدّين.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِيَحْيَـىٰ ﴾ : قيل: سمّاه به؛ لما حيي به الدّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيّداً؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال.

وسمي مسيحاً بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به ويحيى، والله أعلم.

وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون -  - جمعهما فيه؛ فسمّي به، والله أعلم.

والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار من كل شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحَصُوراً ﴾ : قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة.

وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن.

وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء.

وكله واحد، والله أعلم.

﴿ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلاّ صالحاً؛ على ما سمي كل نبي صدّيقاً، وإن كان لا يكون إلا صدّيقاً، ووجه ذكره صالحاً: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها.

والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين لم تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على السن الناس، وأن الذين ردّوا عليهم - ردّوا بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصدِّيق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله أعلم.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمي سيداً؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم.

وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمّد  : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ ، وقال في الجملة: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلاً.

وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله أعلم.

أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا بالله.

﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ الآية.

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن ههنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله.

والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: كيف وجهه وسببه، وكذلك قوله: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ ، ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا  ﴾ أي: كيف وجهه وما سببه.

والثالث: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ في الحال التي أنا عليها، أو أرادّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد.

هذان الوجهان يحتملان، وأمّا الأول: فإنه لا يحتمل.

وقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .

وذكر في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ : ذكر على التقديم والتأخير.

[وكذلك قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أو ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ  ﴾ والقصّة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير]، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان؛ دل على أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ وإن اختلف في اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : طلب من ربّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون [على] ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، حتى قالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ  ﴾ ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ .

قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ ؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه، ويسبّح بالعشي والإبكار؛ كقوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ ؟!.

ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل.

وقيل في قوله: ﴿ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟.

وقوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ : قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين.

وقيل: هو الإيماء بشفتيه.

وقيل: هو الإشارة بالرأس.

وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال زكريا لمَّا بشرته الملائكة بيحيى: يا رب، كيف يكون لي ولد بعد أن صرت شيخًا، وامرأتي عقيم لا يولد لها!

قال الله جوابًا على قوله: مَثَلُ خَلْق يحيى على كبر سنِّك وعُقْم زوجك؛ كخلق الله ما يشاء مما يخالف المألوف عادة؛ لأن الله على كل شيءٍ قدير، يفعل ما يشاء بحكمته وعلمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.qP2LJ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

فسر بعضهم "هنالك" بالزمان وهو ضعيف والاستعمال الفصيح فيها أنها للمكان أي في ذلك المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه ورؤية الأولاد النجباء تشوق نفس القارئ وتهيج تمنيه لو يكون له مثلهم.

وذهب المفسر (الجلال) إلى أن الذي بعث زكريا إلى الدعاء هو رؤيته فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه فإن ذلك من قبيل مجيء الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر وليس في الآية ما يدل عليه، وقد يعترض عليه بأن فيه إشعارًا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالمًا بإمكان الخوارق، ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته.

فإن قيل: إن تعجبه بعد قوله ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ  ﴾ قد يشعر بشيء من ذلك، فالجواب: إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الخوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء.

إن زكريا لما رأى ما رآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب، ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أُخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء جديرًا بأن يستجاب إذ جرى به اللسان بتلقين القلب في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة، إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه، وذلك قوله  ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ ..

إن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أُجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله