الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٧ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 126 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : إن الذين يعتاضون عما عهدهم الله عليه ، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر صفته الناس ، وبيان أمره ، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة ، وهي عروض هذه الدنيا الفانية الزائلة أولئك لا خلاق لهم في الآخرة أي : لا نصيب لهم فيها ، ولا حظ لهم منها " ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي : برحمة منه لهم ، بمعنى : لا يكلمهم كلام لطف بهم ، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة " ولا يزكيهم " أي : من الذنوب والأدناس ، بل يأمر بهم إلى النار " ولهم عذاب أليم " وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها : الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة قال : علي بن مدرك أخبرني قال : سمعت أبا زرعة ، عن خرشة بن الحر ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قلت : يا رسول الله ، من هم ؟
خابوا وخسروا .
قال : وأعاده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثلاث مرات قال : " المسبل ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، والمنان " .
ورواه مسلم ، وأهل السنن ، من حديث شعبة ، به .
طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن الحريري ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن أبي الأحمس قال : لقيت أبا ذر ، فقلت له : بلغني عنك أنك تحدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال : أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعته منه ، فما الذي بلغك عني ؟
قلت : بلغني أنك تقول : ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يشنؤهم الله عز وجل .
قال : قلته وسمعته .
قلت : فمن هؤلاء الذين يحبهم الله ؟
قال : الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه .
والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنوا أن يمسوا الأرض فينزلون ، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم .
والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن .
قلت : ومن هؤلاء الذين يشنأ الله ؟
قال : التاجر الحلاف - أو البائع الحلاف - والفقير المختال ، والبخيل المنان غريب من هذا الوجه .
الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن جرير بن حازم قال : حدثنا عدي بن عدي ، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة عن أبيه عدي - هو ابن عميرة الكندي - قال : خاصم رجل من كندة يقال له : امرؤ القيس بن عابس رجلا من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقضى على الحضرمي بالبينة ، فلم يكن له بينة ، فقضى على امرئ القيس باليمين .
فقال الحضرمي : إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " قال رجاء : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) فقال امرؤ القيس : ماذا لمن تركها يا رسول الله ؟
فقال : الجنة " قال : فاشهد أني قد تركتها له كلها .
ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي ، به .
الحديث الثالث : قال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين هو فيها فاجر ، ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " .
فقال الأشعث : في والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألك بينة ؟
" قلت : لا ، فقال لليهودي : " احلف " فقلت : يا رسول الله ، إذا يحلف فيذهب مالي .
فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) [ إلى آخر ] الآية : أخرجاه من حديث الأعمش .
طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : فجاء الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ؟
فحدثناه ، فقال : في كان هذا الحديث ، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر لي كانت في يده ، فجحدني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه " قال : قلت : يا رسول الله ، ما لي بينة ، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري ، إن خصمي امرؤ فاجر .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ] ) .
الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين عن زبان ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم " قيل : ومن أولئك يا رسول الله ؟
قال : " متبرئ من والديه راغب عنهما ، ومتبرئ من ولده ، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم " .
الحديث الخامس : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هشيم ، أنبأنا العوام - يعني ابن حوشب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني السكسكي - عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة له في السوق ، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ، ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) ورواه البخاري ، من غير وجه ، عن العوام .
الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده ، ورجل حلف على سلعة بعد العصر - يعني كاذبا - ورجل بايع إماما ، فإن أعطاه وفى له ، وإن لم يعطه لم يف له " .
ورواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث وكيع ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين يستبدلون - بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنـزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله - وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليها (44) =" ثمنًا "، يعني عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها (45) =" أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم.
(46) * * * وقد بينا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في معنى " الخلاق "، ودللنا على &; 6-528 &; أولى أقوالهم في ذلك بالصواب، بما فيه الكفاية.
(47) * * * وأما قوله: " ولا يكلمهم الله "، فإنه يعني: ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم =" ولا ينظر إليهم "، يقول: ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل لآخر: " انظُر إليّ نَظر الله إليك "، بمعنى: تعطف عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة = وكما يقال للرجل: " لا سمع الله لك دعاءَك "، يراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية، وكما قال الشاعر: (48) دَعَــوْتُ اللــهَ حَـتى خِـفْتُ أَنْ لا يَكْــونَ اللــهُ يَسْــمَعُ مَـا أَقُـولُ (49) * * * وقوله " ولا يُزكيهم "، يعني: ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم =" ولهم عذاب أليم "، يعني: ولهم عذابٌ موجع.
(50) * * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنـزلت هذه الآية، ومن عني بها.
فقال بعضهم نـزلت في أحبار من أحبار اليهود.
ذكر من قال ذلك: 7278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: نـزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله &; 6-529 &; وأيمانهم ثمنًا قليلا "، في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب.
* * * وقال آخرون: بل نـزلت في الأشعث بن قيس وخصم له.
ذكر من قال ذلك: 7279 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان = فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟
قلت: لا!
فقال لليهودي: " احلفْ.
قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي!
فأنـزل الله عز وجل: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.
(51) 7280 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم، عن عدي بن عدي، عن رجاء بن حيوة والعُرس أنهما حدثاه، عن أبيه عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومةٌ، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: " بيِّنَتَك، وإلا فيمينه ".
قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حقّ أخيه ، لقي الله وهو عليه غضبان.
فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها، وهو يعلم أنها حقّ؟
قال: الجنة.
قال: فإني أشهدك أني قد تركتها = قال جرير: فكنت مع أيوب السختياني حين سمعنا هذا الحديث من عدي، فقال أيوب: إنّ عديًّا قال في حديث العُرْس بن عميرة: فنـزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " إلى آخر الآية = قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عدي.
(52) 7281 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل، أخذها لتعزُّزه في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقم بينتك.
قال الرجل: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث!
قال: فلك يمينه.
فقام الأشعث ليحلف، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية، فنكلَ الأشعَث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق.
فرد إليه أرضَه، وزاده من أرض نفسه زيادةً كثيرةً، مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده.
(53) 7282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنـزل الله تصديق ذلك: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.
ثم إن الأشعث بن قيس خَرَج إلينا فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟
فحدثناه بما قال، فقال: صَدَق، لفيَّ أنـزلت!
كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شاهداك أو يمينه.
فقلت: إذًا يحلف ولا يُبالي!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان "، ثم أنـزل الله عز وجل تصديقَ ذلك: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، الآية.
(54) * * * وقال آخرون بما:- 7283 - حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال، أخبرني داود بن أبي هند، عن عامر: أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنـزل الله عز وجل: " إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " .
7284 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رجل، عن مجاهد نحوه.
7285 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا) الآية، إلى: " ولهم عذاب أليم "، أنـزلهم الله بمنـزلة السَّحَرة.
7286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن عمران بن حصين كان يقول: من حَلفَ على يمين فاجرة يقتطع بها مالَ أخيه، فليتبوَّأ مقعده من النار.
فقال له قائل: شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال لهم: إنكم لتجدون ذلك.
ثم قرأ هذه الآية: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية.
(55) 7287 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال، قال محمد، عن عمران بن حصين: من حلف على يمين مَصْبورَة فليتبوّأ بوجهه مقعده من النار.
ثم قرأ هذه الآية كلها: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".
(56) 7288 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر.
ثم تلا " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".
7289 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود كان يقول: كنا نَرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من الذنب الذي لا يُغفر: يمين الصَّبر، إذا فجر فيها صاحبها.
(57) * * * ------------------------ الهوامش : (44) سياق الجملة: "إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله...
وبأيمانهم الكاذبة...
ثمنًا...
(45) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف 1: 311-315 ، 565 / 2: 316 ، 317 ثم 341 ، 342 ، ثم 452 / 3: 328.
وانظر تفسير"ثمنًا قليلا" فيما سلف 2: 565 / 3: 328.
(46) في المخطوطة والمطبوعة: "دون غيرها" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(47) انظر ما سلف 2: 452-454 / 4: 201-203.
(48) هو شمير بن الحارث الضبي ، ويقال"سمير" بالمهملة ، مصغرًا- وهو جاهلي.
(49) نوادر أبي زيد: 124 ، والخزانة 2: 363 ، واللسان (سمع) ، وبعده: لِيَحْــمِلَني عَــلَى فَــرَسٍ, فَـإِنِّي ضَعِيــفُ المَشْـيِ, لِلأَدْنَـى حَـمُولُ و"يسمع ما أقول" ، يستجيب ، كقولنا: "سمع الله لمن حمده".
(50) انظر تفسير"التزكية" فيما سلف 1: 573 ، 574 / 3: 88 / 5: 29 = و"أليم" 1: 283 / 2 : 140 ، 377 ، 469 ، 540 / 3: 330 ، وغيرها ، فاطلبه في فهارس اللغة.
(51) الحديث: 7279- أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي.
وهذا الحديث في الحقيقة حديثان: أوله من حديث عبد الله بن مسعود ، وآخره في سبب نزول الآية من حديث الأشعث بن قيس.
والأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي ، صحابي معروف.
والحديث رواه أحمد: 3597 ، 4049 ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد.
ثم رواه بالإسناد نفسه ، في مسند"الأشعث بن قيس" ، ج 5 ص 211 (حلبي).
وكذلك رواه البخاري 5: 53 ، 206 (فتح الباري) ، من طريق أبي معاوية.
ورواه مسلم 1: 49-50 ، من طريق أبي معاوية ووكيع - كلاهما عن الأعمش.
ورواه أحمد مختصرًا ، عن ابن مسعود وحده ، من أوجه أخر: 3576 ، 3946 ، 4212.
ورواه أيضًا ، مختصرًا ومطولا ، في مسند الأشعث بن قيس ، من ثلاثة أوجه أخر ، ج 5 ص 211-212 (حلبي).
وكذلك رواه البخاري من أوجه ، مختصرًا ومطولا ، في مواضع غير الموضعين السابقين 5: 25 ، 207 ، 211 ، و 11: 473 ، 485-490 (وهنا شرحه الحافظ شرحًا وافيًا) ، و 13: 156 ، 364.
ورواه مسلم من وجهين أيضًا 1: 50.
وذكره ابن كثير 2: 172: 173 ، من رواية المسند عن أبي معاوية ، ثم ذكره من روايته الأخيرة في مسند الأشعث بن قيس.
وذكره السيوطي 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.
وسيأتي أيضًا: 7282 ، من رواية منصور ، عن شقيق ، وهو أبو وائل ، به ، نحوه.
(52) الحديث: 7280- عدي بن عدي بن عميرة الكندي: تابعي ثقة معروف ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 44: "سيد أهل الجزيرة".
وهو يروي عن أبيه ، ولكنه روى عنه هنا بواسطة عمه العرس بن عميرة ورجاء بن حيوة.
رجاء بن حيوة - بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة: تابعي ثقة كثير العلم والحديث.
وهو من رهط امرئ القيس بن عابس الكندي صاحب هذه الحادثة.
جدهما الأعلى: "امرؤ القيس ابن عمرو بن معاوية الأكرمين الكندي".
العرس - بضم العين المهملة وسكون الراء وآخره سين مهملة: هو ابن عميرة الكندي ، وهو صحابي ، جزم البخاري بصحبته ، وروى له حديثًا في الكبير 4 / 1 / 87.
وهو أخو عدي بن عميرة ، وعم عدي ابن عدي.
عدي بن عميرة بن فروة الكندي: صحابي معروف ، يكنى"أبا زرارة" ، له أحاديث في صحيح مسلم ، كما قال الحافظ في الإصابة.
و"عميرة": بفتح العين وكسر الميم ، كما نص عليه في المشتبه للذهبي وغيره.
وضبط في طبقات ابن سعد 6: 36 بضمة فوق العين.
وهو خطأ صرف ، فإن اسم"عميرة" بالضم - من أسماء النساء.
وضبط في الطبقات على الصواب في ترجمة أخرى لعدي 7 / 2 / 176.
ووقع في المخطوطة هنا"عدي بن عمير" و"العرس بن عمير" - بدون هاء في آخره فيهما.
وهو خطأ.
والحديث رواه أحمد في المسند 4: 191-192 (حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن جرير ابن حازم ، بهذا الإسناد ، نحوه.
ثم رواه ، ص: 192 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون ، "حدثنا جرير بن حازم" ، بهذا الإسناد.
ولم يذكر لفظ الحديث كله.
ووقع في نسخة المسند المطبوعة في هذا الموضع سقط قول أحمد: "حدثنا يزيد" ، وهو خطأ واضح.
وثبت على الصواب في مخطوطة المسند المرموز لها بحرف"م".
وذكره ابن كثير 2: 172 ، من رواية المسند الأولى ، ثم قال: "ورواه النسائي ، من حديث عدي بن عدي ، به" ، وهو يريد بذلك السنن الكبرى ، فإنه ليس في السنن الصغرى.
ولذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 178 ، وقال: "رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، ورجالهما ثقات".
وهو في الدر المنثور 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الشعب ، وابن عساكر.
(53) الحديث: 7281- هذا حديث مرسل ، لم يذكر ابن جريج من حدثه به.
فهو ضعيف الإسناد.
وقول ابن جريج"قال آخرون" - هو ثابت في المخطوطة والمطبوعة.
ولم يذكره السيوطي ، فلعله اختصره.
ومعناه أن ابن جريج كان يتحدث في شأن نزول الآية ، والظاهر أنه تحدث بخبر قبل هذا ، ثم قال: "وقال آخرون" - فذكر هذا الحديث.
ولعله ذكر الآية الماضية: 7279- ، أو الآتية: 7282 ، أو نحو ذلك ، ثم أتى بروايته هذه المرسلة.
وهي ضعيفة الإسناد كما قلنا لإرسالها.
ثم هي ضعيفة لما فيها من منافاة لتينك الروايتين الصحيحتين: أن الخصومة كانت بين الأشعث ورجل يهودي ، وأن اليهودي كان المدعى عليه الذي عليه اليمين ، وأن الأشعث قال: "إذن يحلف".
فهي ضعيفة الإسناد ، ضعيفة السياق.
وهذه الرواية ذكرها السيوطي 2: 44 ، ولم ينسبها لغير الطبري.
وقوله: "فقام الأشعث ليحلف" - هذا هو الثابت في المطبوعة ، وهو الصواب إن شاء الله.
وفي المخطوطة: "فحلف" ، وهو خطأ ، يدل على غلطه قوله بعد"فنكل".
والنكول إنما يكون عند عرض اليمين أو الهم بالحلف.
أما بعد الحلف فلا يكون نكول ، بل رجوع إلى الحق ، أو إقرار به ، ولا يسمى نكولا.
وفي الدر المنثور: "فقال الأشعث: نحلف" - والظاهر أنه تصحيف.
(54) الحديث: 7282- جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي.
ومنصور: هو ابن المعتمر.
وشقيق: هو أبو وائل.
وهذا الحديث هو الحديث السابق: 7279 ، بنحوه.
ذاك من رواية الأعمش عن أبي وائل ، وهذا من رواية منصور عن أبي وائل.
وقد بينا تخريجه هناك.
ونذكر هنا أن من روايات البخاري إياه ، روايته في 5: 207 (فتح) ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم 1: 50 ، عن إسحاق بن إبراهيم -وهو ابن راهويه- عن جرير ، به ، ولم يذكر لفظه.
ورواه أحمد في المسند 5: 211 (حلبي) ، عن زياد البكائي عن منصور.
ورواه البخاري 11: 473 ، من طريق شعبة ، عن سليمان - وهو الأعمش - ومنصور ، كلاهما عن أبي وائل.
ورواه أيضًا 13: 156 ، من طريق سفيان ، وهو الثوري عن منصور.
(55) الحديث: 7286- هذا إسناد مرسل ، قتادة -وهو ابن دعامة-: لم يدرك عمران ابن حصين ، مات عمران سنة 52 ، وولد قتادة سنة 61.
وسيأتي الحديث عقب هذا بإسناد آخر متصل.
(56) الحديث: 7287- موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، وحسين بن علي الجعفي: ترجمنا لهما فيما مضى: 174.
زائدة: هو ابن قدامة الثقفي ، مضى في: 4897.
هشام: هو ابن حسان.
محمد: هو ابن سيرين.
ووقع هنا في المخطوطة والمطبوعة: "قال محمد بن عمران بن حصين"!
وهو خطأ صرف ، حرفت كلمة"عن" إلى"بن".
والصواب ما أثبتنا: "محمد ، عن عمران بن حصين".
وهكذا مخرج الحديث ، كما سيأتي.
وهذا الحديث ظاهره هنا أنه موقوف.
ولكنه في الحقيقة مرفوع ، حتى لو كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - على اليقين- مرفوع حكمًا ، لأن الوعيد الذي فيه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس ، ولا مما يدرك بالاستنباط من القرآن.
ثم قد ثبت رفعه صريحًا ، من هذا الوجه: فرواه أحمد في المسند 4: 436 ، 441 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون: "أخبرنا هشام ، عن محمد ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار".
ولم يذكر فيه الاستشهاد بالآية.
وكذلك رواه أبو داود: 3242 ، عن محمد بن الصباح البزاز ، عن يزيد بن هارون به ، نحوه.
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 4: 294 ، من طريق يزيد بن هارون ، به.
وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".
ووافقه الذهبي.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 47 ، من رواية أبي داود والحاكم.
وذكره السيوطي 2: 46 ، بنحو رواية الطبري هنا: موقوفًا لفظًا مع الاستشهاد بالآية - ونسبه لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، وابن جرير ، والحاكم ، مع اختلاف السياق بين الروايتين ، كما هو ظاهر.
وذلك منه دلالة على أنه لا فرق بين رفعه ووقفه لفظًا ، إذ كان مرفوعًا حكمًا ولا بد.
"اليمين المصبورة" و"يمين الصبر" - قال القاضي عياض في المشارق 2: 38"من الحبس والقهر" ، بمعنى"إلزامها والإجبار عليها".
وقال الخطابي في معالم السنن ، رقم: 3115 من تهذيب السنن: "اليمين المصبورة ، هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم ، فيصبر من أجلها ، أي يحبس.
وهي يمين الصبر ، وأصل الصبر: الحبس.
ومن هذا قولهم: قتل فلان صبرًا ، أي حبسًا على القتل وقهرًا عليه".
(57) الحديث: 7289- هذا إسناد مرسل.
فإن قتادة لم يدرك ابن مسعود.
ولد بعد موته بنحو 29 سنة.
والحديث لم أجده إلا عند السيوطي 2: 46 ونسبه لابن جرير فقط.
قوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليمفيه مسألتان :الأولى روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل لك بينة ) ؟
قلت لا ، قال لليهودي : ( احلف ) قلت : إذا يحلف فيذهب بمالي ; فأنزل الله تعالى : [ ص: 113 ] إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية .
وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة .
فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟
قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ) .
وقد مضى في البقرة معنى لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم .الثانية : ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه ; وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة .
وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ; كما تقدم في البقرة .
وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل .
وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان .
وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى .
بخلاف الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء { لا خلاق لهم في الآخرة } أي: لا نصيب لهم من الخير { ولا يكلمهم الله } يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم { ولا يزكيهم } أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم { ولهم عذاب أليم } أي: موجع للقلوب والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية.
قوله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) قال عكرمة : نزلت في رؤوس اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتباعهم .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا موسى بن إسماعيل ، أنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان " فأنزل الله تعالى تصديق ذلك ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) إلى آخر الآية ، فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟
فقالوا : كذا وكذا ، فقال : في أنزلت ، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال : " هات بينتك أو يمينه " قلت : إذا يحلف عليها يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر ، عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ، فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرض في يدي أزرعها ، ليس له فيها حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : " ألك بينة " ؟
قال : لا قال : " فلك يمينه " قال : يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما يحلف عليه ، قال : " ليس لك منه إلا ذلك " فانطلق ليحلف له ، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض " ورواه عبد الملك بن عمير عن علقمة ، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان .
وروي : لما هم أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف ، وأقر لخصمه بحقه ودفعه إليه .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار " قالوا : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟
قال : " وإن كان قضيبا من أراك " قالها ثلاث مرات .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن محمد ، أنا هشيم بن محمد أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) .
قوله تعالى : ( إن الذين يشترون ) أي : يستبدلون ( بعهد الله ) وأراد الأمانة ، ( وأيمانهم ) الكاذبة ( ثمنا قليلا ) أي : شيئا قليلا من حطام الدنيا ، ( أولئك لا خلاق لهم ) لا نصيب لهم ( في الآخرة ) ونعيمها ، ( ولا يكلمهم الله ) كلاما ينفعهم ويسرهم ، وقيل : هو بمعنى الغضب ، كما يقول الرجل : إني لا أكلم فلانا إذا كان غضب عليه ، ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) أي : لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا ، ( ولا يزكيهم ) أي : لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ، ( ولهم عذاب أليم ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد ، أنا سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن جعفر ، عن شعبة عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قال : قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟
قال : " المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " في رواية : " المسبل إزاره " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي ، أنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ، ورجل منع فضل ماله فإن الله تعالى يقول : اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك " .
ونزل في اليهود لما بدلوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الله إليهم في التوراة وفيمن حلف كاذبا في دعوى أو في بيع سلعة: «إن الذين يشترون» يستبدلون «بعهد الله» إليهم في الإيمان بالنبي وأداء الأمانة «وأيمانهم» حلفهم به تعالى كاذبين «ثمنا قليلا» من الدنيا «أولئك لا خَلاق» نصيب «لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله» غضبا عليهم «ولا ينظر إليهم» يرحمهم «يوم القيامة ولا يزكِّيهم» يطهرهم «ولهم عذاب أليم» مؤلم.
إن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع.
ثم توعد الله - تعالى - الذين يخونون العهود ، ويحلفون كذبا بالعذاب الأليم ، ونعى على فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه ، وأنذرهم بسوء المصير فقال - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ .
.
.
.
} .روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ } الآية روايات منها : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف على مال امرىء مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان " قال عبد الله .
ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من كتاب الله ، { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ } إلخ .وفى رواية قال : " من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقى الله وهو عليه غضبان ، فأنزل الله - تعالى - تصديق ذلك { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ } .
قال عبد الله : فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا : كذا وكذا .
فقال : صدق .
فى نزلت ، كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر ، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه؟
قلت : إنه إذاً يحلف ولا يبالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان " ، ونزلت : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ } .وروى البخارى عن عبد الله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة فى السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ } .وقال الفخر الرازى : قال عكرمة إنها نزلت فى أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم فى التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا " .هذه ثلاث روايات فى سبب نزول تلك الآية الكريمة ، وأرجحها رواية الشيخيين ، ولذا وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية فى قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه القصة أو الحادثة ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما يرى جمهور العلماء - .فكل من حلف بالله كاذبا ، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا حقت عليه العقوبة التى بينتها الآية الكريمة .
ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة .والمراد بقوله { يَشْتَرُونَ } أى يستبدلون ، وذلك لان المشترى يأخذ شيئاً ويعطى شيئاً .
فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر .
والمراد { بِعَهْدِ الله } كل ما يجب الوفاء به ، فيدخل فيه ما أوجبه الله - تعالى - على عباده من فرائض وتكاليف ، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، كما يدخل فيه - أيضاً - ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى يجدون نعته فى كتبهم ، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم .والباء فى قوله - تعالى - { بِعَهْدِ الله } داخلة على المتروك الذى تركوه وأخذوا فى مقابله الثمن القليل .وقوله { وَأَيْمَانِهِمْ } معطوف على عهد الله .والمراد بأيمانهم تلك : الأيمان الكاذبة التى يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال .والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة ، التى أخذوها نظير تركهم لعهود الله ، وحلفهم الكاذب .وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل المحصل نظير خيانة عهود الله تحقيراً له ، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أغراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده .وقوله { أولئك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة } أى الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا ، لا نصيب لهم ولاحظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء .وقوله { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة .أو أن عدم كلام الله - تعالى -لهم : كناية عن عدم محبته لهم ، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه ، أما المبغض لشىء ، فإنه ينصرف عنه .وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازى فقد قال ما ملخصه : " وقوله - تعالى - { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } فيه سؤال وهو أنه - تعالى - قال : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فكيف الجمع بين الآية التى معنا وبين قوله { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } والجواب : أن المقصود من كل هذه الكلمات : بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه ، فإنما ذلك بسخط عليه ، وإذا سخط إنسان على آخر قال له : لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول : لا ارى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل ، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ بالله منه .
وهذا هو الجواب الصحيح " .وقوله { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم ، وذلك كما يقول القائل لغيره : انظر إلى ، يريد : ارحمنى واعطف على .ويقال : فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد من ذلك نفى الإحسان إليه وترك الاعتداد به ، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه .قالوا : فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله - تعالى - إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة بهم .ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم ، وعدم رؤيتهم ، لأنه - سبحانه - يراهم كما يرى غيرهم من خلقه .وقوله - تعالى - { وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } أى أنه - سبحانه - لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة ، بل يعاقبهم عليها .
أو أنه - سبحانه - لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده ، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم ، فقال : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات .فانت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمناً قليلا بأنهم لاحظ لهم من نعيم الآخرة ، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه ، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم .
اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً الأول: أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم ﴿ يَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً، ومن الناس من قال: هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفت الروايات في سبب النزول، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة، ومنهم من خصها بغيرهم.
أما الأول ففيه وجهان الأول: قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بعهدِكُم ﴾ الثاني: أنها نزلت في ادعائهم أنه ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن.
وأما الاحتمال الثاني: ففيه وجوه: الأول: أنها نزلت في الأشعث بن قيس، وخصم له في أرض، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للرجل: أقم بيِّنَتَك فقال الرجل: ليس لي بينة فقال للأشعث فعليك اليمين فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق، وهو قول ابن جريج الثاني: قال مجاهد: نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته الثالث: نزلت في عبدان وامرئ القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض، فتوجه اليمين على امرئ القيس، فقال: أنظرني إلى الغد، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض، والأقرب الحمل على الكل.
فقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به.
قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ الآية وقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ وقال: ﴿ يُوفُونَ بالنذر ﴾ وقال: ﴿ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد، أو وعيد، أو إنكار، أو إثبات.
ثم قال تعالى: ﴿ أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِي الأخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمناً قليلاً، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس: في بيان وقوعهم في أشد العذاب، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.
فالأول: وهو قوله: ﴿ أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِي الأخرة ﴾ إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة.
وأما الثلاثة الباقية: وهي قوله: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز.
وأما الخامس: وهو قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو إشارة إلى العقاب، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة: أما الأول: وهو قوله: ﴿ لاَ خلاق لَهُمْ فِي الأخرة ﴾ فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فإنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ .
وأما الثاني: وهو قوله: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه تعالى قال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين ﴾ فكيف الجمع بين هاتين الآيتين، وبين تلك الآية؟
قال القفال في الجواب: المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر، قال له لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه.
وهذا هو الجواب الصحيح، ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع الله جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم، والمعتد هو الجواب الأول.
وأما الثالث: وهو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان، يقال فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان، وإن لم يكن ثم نظر، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام، وتعالى إلهنا عن أن يكون جسماً، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف (إلى) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائياً لهم وذلك باطل.
وأما الرابع: وهو قوله: ﴿ وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له.
واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ وقال: ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ وقد تكون بغير واسطة، أما في الدنيا فكقوله: ﴿ التائبون العابدون ﴾ وأما في الآخرة فكقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ .
وأما الخامس: وهو قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بيّن حرمانهم من الثواب بيّن كونهم في العقاب الشديد المؤلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ يستبدلون ﴿ بِعَهْدِ الله ﴾ بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدّق لما معهم ﴿ وأيمانهم ﴾ وبما حلفوا به من قولهم.
والله لنؤمنن به ولننصرنه ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك.
وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا الرشوة على ذلك.
وقيل: جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله؟
قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن أَمِيرَكم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً.
فقالوا: لعله شبه علينا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ثم رجعوا إليه وقالوا: قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ومارَهُمْ.
وعن الأشعث بن قيس: نزلت فيّ، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «شاهداك أو يمينه» فقلت إذن يحلف ولا يبالي فقال «من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه.
والوجه أن نزولها في أهل الكتاب.
وقوله: ﴿ بِعَهْدِ الله ﴾ يقوّي رجوع الضمير في بعهده إلى الله ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه ﴿ وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ ولا يثني عليهم.
فإن قلت: أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟
قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر ﴿ لَفَرِيقًا ﴾ هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحييّ بن أخطب وغيرهم ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب ﴾ يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف وقرأ أهل المدينة: ﴿ يلوون ﴾ ، بالتشديد، كقوله: ﴿ لووا رؤوسهم ﴾ [المنافقون: 5] .
وعن مجاهد وابن كثير: يلون ووجهه أنهما قلبا الواو المضمومة همزة، ثم خففوها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ ؟
قلت: إلى ما دلّ عليه يلوون ألسنتهم بالكتاب وهو المحرف.
ويجوز أن يراد: يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب وقرئ: ﴿ ليحسبوه ﴾ بالياء، بمعنى: يفعلون ذلك ليحسبه المسلمون من الكتاب ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ تأكيد لقوله: هو من الكتاب، وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم لا يعرّضون ولا يورُّون وإنما يصرحون بإنه في التوراة هكذا، وقد أنزله الله تعالى على موسى كذلك لفرط جراءتهم على الله وقساوة قلوبهم ويأسهم من الأخرة.
وعن ابن عباس: هم اليهودالذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدّلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ﴾ يَسْتَبْدِلُونَ.
﴿ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ والوَفاءِ بِالأماناتِ.
﴿ وَأيْمانِهِمْ ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ واللَّهِ لِنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَنْصُرَنَّهُ، ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مَتاعَ الدُّنْيا.
﴿ أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ بِما يَسُرُّهم أوْ بِشَيْءٍ أصْلًا، وأنَّ المَلائِكَةَ يَسْألُونَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ وآياتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فَإنَّ مَن سَخِطَ عَلى غَيْرِهِ واسْتَهانَ بِهِ أعْرَضَ عَنْهُ وعَنِ التَّكَلُّمِ مَعَهُ والِالتِفاتِ نَحْوَهُ، كَما أنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِغَيْرِهِ يُقاوِلُهُ ويُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ.
﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ.
قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أحْبارٍ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرَهُما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدِ اشْتَراها بِما لَمْ يَشْتَرِها بِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في تَرافُعٍ كانَ بَيْنَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ويَهُودِيٍّ في بِئْرٍ أوْ أرْضٍ وتَوَجَّهَ الحَلِفُ عَلى اليَهُودِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ} يستبدلون {بِعَهْدِ الله} بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم {وأيمانهم} وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه {ثَمَناً قَلِيلاً} متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك وقوله بعهد الله يقوي رجوع الضمير في بعهده إلى الله {أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الآخرة} أي لا نصيب {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله} بما يسرهم {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة} نظر رحمة {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} ولا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ أخْرَجَ السِّتَّةُ وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِها مالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ واَللَّهِ كانَ ذَلِكَ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إلى النَّبِيِّ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : ألَكَ بَيِّنَةٌ؟
قُلْتُ: لا فَقالَ لِلْيَهُودِيِّ: اِحْلِفْ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ مالِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ “ الخ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً لَهُ في السُّوقِ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ قالَ: «”كانَ بَيْنَ اِمْرِئِ القَيْسِ ورَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ خُصُومَةٌ فارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ فَقالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: بَيِّنَتُكَ وإلّا فَيَمِينُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ حَلَفَ ذَهَبَ بِأرْضِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ :“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِها حَقَّ أخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ اِمْرُؤُ القَيْسِ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما لِمَن تَرَكَها وهو يَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ؟
قالَ: الجَنَّةُ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَرَكْتُها، فَنَزَلَتْ"،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي رافِعٍ ولُبابَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرِهِما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ كَما حَقَّقُوهُ.
والمُرادُ بِ (يَشْتَرُونَ) يَسْتَبْدِلُونَ، وبِالعَهْدِ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، وقِيلَ: ما عَهِدَهُ إلى اليَهُودِ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ، وقِيلَ: ما في عَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ والِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، و(بِالأيْمانِ) الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وبِالثَّمَنِ القَلِيلِ الأعْواضُ النَّزِرَةُ أوِ الرِّشا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالقِلَّةِ لِقِلَّتِهِ في جَنْبِ ما يَفُوتُهم مِنَ الثَّوابِ ويَحْصُلُ لَهم مِنَ العِقابِ.
﴿ أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ﴾ أيْ لا نَصِيبَ لَهم مِن نَعِيمِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِبْدالِ ﴿ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ بِما يَسُرُّهم بَلْ بِما يَسُوؤُهم وقْتَ الحِسابِ لَهُمْ، قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ لا يُكَلِّمُهم بِشَيْءٍ أصْلًا وتَكُونُ المُحاسَبَةُ بِكَلامِ المَلائِكَةِ لَهم بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ اِسْتِهانَةً بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، واسْتُظْهِرَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْحَمُهم كَما يَقُولُ القائِلُ اُنْظُرْ إلَيَّ يُرِيدُ اِرْحَمْنِي، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازًا عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ، وفَرَّقَ بَيْنَ اِسْتِعْمالِهِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ المُفَسِّرُ بِتَقْلِيبِ الحَدَقَةِ وفِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأنَّ أصْلَهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَنِ اِعْتَدَّ بِالإنْسانِ اِلْتَفَتَ إلَيْهِ وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرِّدًا لِمَعْنى الإحْسانِ مَجازًا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وفي «اَلْكَشْفِ» إنَّ في هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّ الكِنايَةَ يُعْتَبَرُ فِيها صُلُوحُ إرادَةِ الحَقِيقَةِ وإنْ لَمْ تَرِدْ، وأنَّ الكِناياتِ قَدْ تَشْتَهِرُ حَتّى لا تَبْقى تِلْكَ الجِهَةُ مَلْحُوظَةً وحِينَئِذٍ تَلْحَقُ بِالمَجازِ ولا تُجْعَلُ مَجازًا إلّا بَعْدَ الشُّهْرَةِ لِأنَّ جِهَةَ الِانْتِقالِ إلى المَعْنى المَجازِيِّ أوَّلًا غَيْرُ واضِحَةٍ بِخِلافِ المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُخالَفَةِ بَيْنَ قَوْلَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ في جَعْلِ بَسْطِ اليَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ مَجازًا عَنِ الجُودِ تارَةً وكِنايَةً أُخْرى إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ إنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ المانِعِ الخارِجِيِّ كانَ كِنايَةً ثُمَّ أُلْحِقَ بِالمَجازِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كِنايَةٌ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ قَبْلَ الإلْحاقِ ومَجازٌ بَعْدَهُ، فَلا تَناقُضَ بَيْنَهم كَما تَوَهَّمُوهُ، فَتَدَبَّرْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْوَعِيدِ.
﴿ ولا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أزْكِياءُ ولا يُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ بِأنَّهم كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، قالَهُ القاضِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: لا يُنْزِلُهم مَنزِلَةَ الأزْكِياءِ، وقِيلَ: لا يُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ والأوْزارِ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في القِيامَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدُّنْيا بِالإهانَةِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن عبدان بن الأشوع، وامرئ القيس بن عابس، ادّعى أحدهما على صاحبه حقاً، فأراد المدَّعى عليه أن يحلف بالكذب، فنزلت هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في شأن رؤساء اليهود، كتموا نعت محمد ، لأجل منافع الدنيا.
ويقال: إن جماعة من علماء اليهود، قَدِموا المدينة من الشام ليُسلموا، فلقيهم كَعْب بن الأشرف فقال لهم: تعلمون أنه نبي؟
قالوا: نعم.
فقال لهم كعب: حَرَّمْتُمْ على أنفسكم خيراً كثيراً، لأني كنت أردت أن أَبْعث لكم الهدايا.
فقالوا: حتى ننظر في ذلك، فنظروا ثم رجعوا.
فقالوا: ليس هو الذي وجدنا صفته، فأخذ منهم إقرارهم وخطوطهم وأَيْمَانهم على ذلك، ثم بعث إلى كل واحد منهم ثمانية أذرع من الكرباس، وخمسة أصوع من الشعير، فنزل في شأنهم إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أي عرضا يسيراً أُولئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لا نصيب لهم في الآخرة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وقال الزجاج: قوله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، يحتمل معنيين أحدهما إسماع كلام الله تعالى أولياءه، خصوصاً لهم، كما كلم موسى خصوصية له دون البشر، ويجوز أن يكون تأويله للغضب عليهم، كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً، ولا ينظر إليه، أي هو غضبان عليه، وإن كان هو يكلمه بكلام السوء، فذلك معنى قوله لا يكلمهم، أي بكلام الرحمة وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالرحمة وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
ثم قال وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يعني طائفة من اليهود، وهذه اللام لزيادة تأكيد على تأكيد يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي يحرفون ألسنتهم بالكتاب، يعني بنعت محمد ويغيرونه، ويقال: يغيرونه في التلاوة فيقرؤونه على خلاف ما في التوراة.
ويقال: يحرفون تأويله على خلاف ما فيه لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أي من التوراة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ أي من التوراة، بل هم كتبوا وهم تأوَّلوا وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي ليس هو من عند الله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه كذب.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلاً من قوله: هُدَى اللَّهِ.
قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ...
الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ.
قال الفَخْرَ «٢» وفي الآية ثلاثةُ أقوال:
الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.
الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.
الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية.
اهـ «٣» .
قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «٤» : قال الطبريُّ «٥» : وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم
على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...
الآية، والصحيحُ عندي:
أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ.
قال ابنُ العربيِّ:
فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ.
قال البخاريُّ:
باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ.
اهـ.
والقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه:
ثبت.
وقوله: قائِماً: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «١» : معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك «٢» ، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.
وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه «٣» .
وقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ...
الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.
قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ.
اهـ.
ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...
الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «١» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.
قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «٢» : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...
الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث «٣» .
اهـ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...
الآية: يَلْوُونَ: معناه:
يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خاصَمَ بَعْضَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَجَحَدَهُ اليَهُودِيُّ، فَقَدَّمَهُ إلى النَّبِيِّ ، فَقالَ [لَهُ ]: "ألَكَ بَيِّنَةٌ"؟
قالَ: لا.
قالَ لِلْيَهُودِيِّ: "أتَحْلِفُ"؟
فَقالَ الأشْعَثُ: إذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ بِمالِي.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ تَبْيِينَ صِفَةِ النَّبِيِّ ، فَجَحَدُوا، وخالَفُوا لِما كانُوا يَنالُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٍ.
والثّالِثُ: أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ أوَّلَ النَّهارِ، فَلَمّا كانَ آَخِرَهُ، جاءَ رَجُلٌ، يُساوِمُهُ، فَحَلَفَ: لَقَدْ مَنَعَها أوَّلَ النَّهارِ مِن كَذا، ولَوْلا المَساءُ لَما باعَها بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، والثّالِثُ: العَهْدُ: لُزُومُ الطّاعَةِ، وتَرْكُ المَعْصِيَةِ، وعَلى الثّانِي: ما عَهِدَهُ إلى اليَهُودِ في التَّوْراةِ.
واليَمِينُ: الحَلِفُ.
وإنْ قُلْنا: إنَّها في اليَهُودِ، والكُفّارِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ أصْلًا.
وإنْ قُلْنا: إنَّها في العُصاةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ كَلامَ خَيْرٍ.
ومَعْنى ﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ بِخَيْرٍ مَقْتًا لَهم، قالَ الزَّجّاجُ: تَقُولُ: فُلانٌ لا يَنْظُرُ إلى فُلانٍ، ولا يُكَلِّمُهُ، مَعْناهُ: أنَّهُ غَضْبانٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن أوفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِهِمْ لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ في دِينارٍ فَما فَوْقَهُ، عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، والضَمِيرُ فِي: "قالُوا" يَعْنِي بِهِ لَفِيفَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ أُمِّيُّونَ أصْحابُ أوثانٍ، فَأمْوالُهم لَنا حَلالٌ مَتى قَدِرْنا عَلى شَيْءٍ مِنها لا حُجَّةَ عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا سَبِيلَ لِمُعْتَرِضٍ وناقِدٍ إلَيْنا في ذَلِكَ.
والأُمِّيُّونَ: القَوْمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ لِأنَّهم لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقُ اللَفْظِ.
واسْتِعارَةُ السَبِيلِ هُنا في الحُجَّةِ هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ هو مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنّا نَمُرُّ في الغَزْوِ بِأمْوالِ أهْلِ الذِمَّةِ فَنَأْخُذُ مِنها الشاةَ والدَجاجَةَ ونَحْوَها قالَ: وتَقُولُونَ ماذا؟
قالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا بَأْسٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ إنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا بِطِيبِ أنْفُسِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ذَمٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَواضِعِ الصِدْقِ لَوْ قَصَدُوها، ومِن أخْطَرِ ذَلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
ورُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ ادَّعَتْ أنَّ في التَوْراةِ إحْلالَ اللهِ لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها في ذَلِكَ، وقالا: والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ الكَذِبِ المَخْصُوصِ في هَذا الفَصْلِ.
ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى في صَدْرِ قَوْلِهِمْ: "لَيْسَ عَلَيْنا" بِقَوْلِهِ "بَلى" أيْ: عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وحُجَّةٌ وتِباعَةٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ أنَّ مَن أوفى بِالعَهْدِ واتَّقى عُقُوبَةَ اللهِ في نَقْضِهِ، فَإنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ.
وتَقُولُ العَرَبُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوفى بِهِ بِمَعْنىً، وأوفى هي لُغَةُ الحِجازِ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "بِعَهْدِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو عائِدٌ عَلى "مَن".
والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنىً واحِدٍ، لِأنَّ أمْرَ اللهِ تَعالى بِالوَفاءِ مُقْتَرِنٌ بِعَهْدِ كُلِّ إنْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اتَّقى" في هَذِهِ الآيَةِ، مَعْناهُ: اتَّقى الشِرْكَ، ثُمَّ خَرَجَ جَوابُ الشَرْطِ عَلى تَعْمِيمِ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ .....الآيَةُ، وعِيدٌ لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي آيَةٌ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ فَما دُونَهُ مِن جَحْدِ الحُقُوقِ، وخَتْرِ المَواثِيقِ.
وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن وعِيدِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، أبِي رافِعٍ وكِنانَةِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، تَرَكُوا عَهْدَ اللهِ في التَوْراةِ لِلْمَكاسِبِ والرِياسَةِ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها.
ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى اليَهُودِيِّ فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ يا رَسُولَ اللهِ ويَذْهَبُ بِمالِي، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
ورُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَصَمَ في أرْضٍ مَعَ رَجُلٍ مِن قَرابَتِهِ فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى الأشْعَثِ، وكانَ في الحَقِيقَةِ مُبْطِلًا قَدْ غَصَبَ تِلْكَ الأرْضَ في جاهِلِيَّتِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ، وتَحَرَّجَ وأعْطى الأرْضَ وزادَ مِن عِنْدِهِ أرْضًا أُخْرى.
ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ لِغَيْرِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُوقِ مِن أوَّلِ النَهارِ، فَلَمّا كانَ في آخِرِهِ جاءَهُ رَجُلٌ فَساوَمَهُ فَحَلَفَ حانِثًا: لَقَدْ مَنَعَها في أوَّلِ النَهارِ مِن كَذا وكَذا ولَوْلا المَساءُ ما باعَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: اليَمِينُ الفاجِرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَرى ونَحْنُ مَعَ نَبِيِّنا أنَّ مِنَ الذَنْبِ الَّذِي لا يُغْفَرُ يَمِينَ الصَبْرِ إذا فَجَرَ فِيها صاحِبُها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الأيْمانَ في هَذِهِ الألْفاظِ مُشْتَراةً، فَهي مَثْمُونَةٌ أيْضًا.
والخَلاقُ: الحَظُّ والنَصِيبُ والقَدْرُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَحَبّاتِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" مَعْناهُ: بِما يَسُرُّهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: نَفى تَعالى أنْ يُكَلِّمَهم جُمْلَةً لِأنَّهُ يُكَلِّمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: وهي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ المَعْنى: لا يَحْفِلُ بِهِمْ ولا يَرْضى عنهم.
"وَلا يُزَكِّيهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُنُوبِ وأدْرانِها، والآخَرُ: يُنَمِّي أعْمالَهُمْ، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، والوَجْهانِ مَنفِيّانِ عنهم في الآخِرَةِ، و"ألِيمٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، فالمَعْنى، مُؤْلِمٌ.
<div class="verse-tafsir"
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ في خيانة الأمانة إبطالاً للعهد، وللحلف الذي بينهم، وبين المسلمين، وقريششٍ.
والكلامُ استئناف قصد منه ذكر الخُلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود، دعا إليه قوله وَدّت طائفة من أهل الكتاب وما بعده.
وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرّقة في سورة البقرة (40): ﴿ أوفوا بعهدي، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة: 41].
﴿ ماله في الآخرة من خلاق ﴾ [البقرة: 102].
﴿ ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم ﴾ [البرة: 174].
فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا.
وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق، في مواضع، لأنّ موسى عاهدهم على العمل به، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار.
ومعنى ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ﴾ غَضَبُه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية، ونفي النظر في الغَضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص.
وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي.
وقوله: ﴿ ولا يزكيهم ﴾ أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم، لأنّ من بلغ من رقّة الديانة إلى حدّ أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمناً قليلاً، فقد بلغ الغَاية القصوى في الجُرْأة على الله، فكيف يُرجى له صلاح بعد ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى ولا يُنْميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيْرات.
وفي مجيء هذا الوعيد، عقب الصلة، وهي يشترون بعهد الله الآية، إيذان بأنّ من شابههم في هذه الصفات فهو لاَحِقٌ بهم، حتى ظنّ بعض السلف أنّ هذه الآية نزلت فيمن حلَف يميناً باطلة، وكلّ يظنّ أنها نزلت فيما يَعرفه من قصةِ يَمين فاجرة، ففي «البخاري»، عن أبي وائِل، عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿ إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ﴾ الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال: «ما يحدثكم أبو عبد الرحمان» قلنا: كذا وكذا.
قال: «فيّ أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي» فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينتك أو يمينه قلت: إذن يحلف فقال رسول الله: من حَلف على يمين صبر الحديث.
وفي «البخاري»، عن عبد الله بن أبي أوفى: أنّ رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يُعْطَه ليُوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ الآية.
وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصّة وجبت فيها يمين لِردّ دعوى: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ وفي العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى الإنْسانِ مِن طاعَتِهِ وكَفِّهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
والثّانِي: ما في عَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ والِانْقِيادِ إلى الحَقِّ.
﴿ أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ﴾ وفي أصْلِ الخَلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ مِنَ الخَلْقِ بِفَتْحِ الخاءِ وهو النَّفْسُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا نَصِيبَ لَهم.
والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الخُلُقُ بِضَمِّ الخاءِ لِأنَّهُ نَصِيبٌ مِمّا يُوجِبُهُ الخُلُقُ الكَرِيمُ.
﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بِما يَسُرُّهم، لَكِنْ يُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقْتَ الحِسابِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ﴾ والثّانِي: لا يُكَلِّمُهم أصْلًا ولَكِنْ يَرُدُّ حِسابَهم إلى المَلائِكَةِ.
﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَراهم.
والثّانِي: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ لا يَقْضِي بِزَكاتِهِمْ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: أبِي رافِعٍ وكِنانَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ كَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ، ثُمَّ حَلَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيما ادَّعَوْا بِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأشْعَثِ وخَصِيمٍ لَهُ تَنازَعا في أرْضٍ، فَقامَ لِيَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ واعْتَرَفَ بِالحَقِّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً في تَنْفِيقِ سِلْعَتِهِ في البَيْعِ، وهَذا قَوْلُ عامِرٍ، ومُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان.
فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيَّنة...؟
قلت: لا.
فقال لليهودي: احلف...
فقلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي.
فأنزل الله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن المنذر أبي حاتم عن عبد الله بن أبي أوفى.
أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين.
فنزلت هذه الآية ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً...
﴾ إلى آخر الأية.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن عدي بن بحيرة قال: «كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينة قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله وهو عليه غضبان.
فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟
قال: الجنة...
فقال: أشهدك إني قد تركتها.
فنزلت هذه الآية ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ » إلى آخر الآية.
لفظ ابن جرير.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج «أن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم بينتك قال الرجل: ليس يشهد لي أحد على الأشعث قال: فلك يمينه فقال الأشعث: نحلف.
فأنزل الله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله...
﴾ الآية.
فنكل الأشعث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، فرد إليه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة» .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي، أن رجلاً أقام سلعته من أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا، ولولا المساء ما باعها به.
فأنزل الله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد.
نحوه.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن عون عن إبراهيم ومحمد والحسن في قوله: ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ قالوا: هو الرجل يقتطع مال الرجل بيمينه.
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي.
قال الكندي: هي أرض كانت في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟
قال: لا.
قال: فلك يمينه فقال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: لئن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض» .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن الأشعث بن قيس «أن رجلاً من كندة، وآخر من حضرموت، اختصما إلى رسول الله صلى عليه وسلم في أرض من اليمن فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبها أبو هذا وهي في يده فقال: هل لك بينة؟
قال: لا.
ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه.
فتهيأ الكندي لليمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتطع أحد مالاً بيمين إلا لقي الله وهو أجذم فقال الكندي: هي أرضه» .
وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني بسند حسن عن أبي موسى قال: «اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض أحدهما من حضرموت، فجعل يمين أحدهما فضج الآخر وقال: إذن يذهب بأرضي فقال: إن هو اقتطعها بيمينه ظلماً كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، قال: وروع الآخر فردها» .
وأخرج أحمد بن منيع في مسنده والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: كنا نعد من الذنب الذي ليس كفارة اليمين الغموس قيل: وما اليمين الغموس؟
فقال: الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل.
وأخرج ابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن الحرث بن البرصاء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج بين الجمرتين وهو يقول: «من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوّأ مقعده من النار.
ليبلِّغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثاً» .
وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليمين الفاجرة تذهب بالمال» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس مما عُصِيَ الله به هو أعجل عقاباً من البغي، وما من شيء أُطيع الله فيه أسرع ثواباً من الصلة.
واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة والحاكم وصححه عن كعب بن مالك «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين مسلم كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة» .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جابر بن عتيك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اقتطع مال مسلم بيمينه حرَّم عليه الجنة وأوجب له النار.
فقيل: يا رسول الله وإن شيئاً يسيراً؟
قال: وإن سواكاً» .
وأخرج مالك وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة.
قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟
قال: «وإن كان قضيباً من أراك ثلاثاً» .
وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطبة إلا وجبت له النار» .
وأخرج ابن ماجة وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين آثمة عند منبري هذا فليتبوّأ مقعده من النار.
ولو على سواك أخضر» قال أبو عبيد والخطابي: كانت اليمين على عهده صلى الله عليه وسلم عند المنبر.
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن اليمين الكاذبة تنفق السلعة وتمحق الكسب» .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي سويد قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن اليمين الفاجرة تعقم الرحم، وتقل العدد، وتدع الديار بلاقع» .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف يميناً على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء فإذن الله سبحانه يقول: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه عن عمران بن حصين، أنه كان يقول: من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه فليتبوّأ مقعدة من النار.
فقال له قائل: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال لهم: إنكم لتجدون ذلك ثم قرأ ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ﴾ الآية.
وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة، أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت، فخرجت إحداهما وقد أنفذ بإشفاء في كفها فادعت على الأخرى، فرفع إلى ابن عباس فقال ابن عباس «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يُعطي الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم ذكروها بالله، واقروا عليها ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله...
﴾ الآية.
فذكروها فاعترفت» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر.
ثم تلا ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الذنب الذي لا يغفر يمين فجر فيها صاحبها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: من قرأ القرآن يتأكل الناس به أتى الله يوم القيامة ووجهه بين كتفيه، وذلك بأن الله يقول ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن زاذان قال: من قرأ القرآن يأخذ به جاء يوم القيامة ووجهه عظم عليه لحم.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منِّع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذباً فصدَّقه فاشتراها بقوله، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم يَفِ له» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سلمان: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: أشمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله له بضاعة فلا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه» .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه منثن تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظمك ربنا!
فيرد عليه ما علم ذلك من حلف بي كاذباً.» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ الآية.
أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في اليهود (١) قال عكرمة (٢) (٣) ، وبدَّلُوه، وكتبوا غيره بأيديهم من عندهم، فيما ادَّعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا تفوتهم الرِّشَى (٤) ودليل هذا: قوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ (٥) وقال ابن عباس في رواية باذان (٦) في ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فَنَكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين، وأقر للمدَّعِي بحقه، ودفعه إليه [[ورد عن ابن جربج أثر قريب من هذا القول أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 322: (قال [يعني أن جريج]: قال آخرون ..) ثم ذكره.
وملخصه: أن الأشعث بن قيس اختصم مع رجل في أرض، فطلب الرسول من الرجل البيِّنة، فقال: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث، قال: فلك يمينه فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعثُ، وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق.
فردَّ إليه أرضه، وزاده من نفسه زيادة كثيرة ..
قال الشيخ أحمد شاكر: (هذا حديث مرسل، لم يذكر ابن جريج من حدَّثه به، فهو ضعيف الإسناد).
المرجع السابق.
وورد في نزول هذه الآية أسباب أخرى، أصح من هذا الأثر، فقد ورد أنها نزلت في السبب التالي: (قال رسول الله : "من حلف يمين صبر؛ ليقتطع بها مال امريء مسلم، لقيَ الله وهو عليه غضبان".
فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...
﴾ إلى آخر الآية.
قال فدخل الأشعث بن قيس، وقال: فيَّ أنزِلَت، كانت لي بئر في أرض ابن عمِّ لي، قال النبي : "بيِّنَتك أو يمينه".
فقلت إذًا يحلفُ يا رسول الله!
فقال النبي من حلف على يمين صبر ..).
إلى آخره.
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...
﴾ ، واللفظ له، انظر: "فتح الباري" 8/ 212.
وأخرجه مسلم في "صحيحه" (138) كتاب الإيمان، باب: (وعيد من اقتطع حق مسلم).
وأبو داود في "السنن" (3243) كتاب الأيمان والنذور، باب: (فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا).
والترمذي في "السنن" (2669) كتاب التفسير، باب: (ومن سورة آل عمران).
وابن ماجه في "السنن" (2322) كتاب الأحكام، باب: (البيِّنة على المدعي).
وأحمد في "المسند" 5/ 211، 212 وانظر: "المسند" شرح شاكر ==5/ 210 رقم (3597)، 6/ 58 رقم (4049).
والبيهقي في "السنن" 10/ 178، وأبو داود الطيالسي في مسنده: 35 رقم (262)، 141 رقم (1050، 1051)، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 234، والحميدي في مسنده: 1/ 53 رقم (95)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 299، والطبري في "تفسيره" 3/ 220 وفيه أن الخصومة كانت بين الأشعث وبين رجل من اليهود، وأخرجه ابن أبي حاتم في 2/ 686.
وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...
﴾ سببًا آخر عن عبد الله بن أبي أوفى ما: (أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يُعطَه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلين.
فنزلت ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...
﴾ ).
انظر: "فتح الباري" 8/ 213، وأخرجه كذلك الطبري 6/ 533، وابن أبي حاتم 2/ 686.
وقد وردت روايات أخرى، ولكنْ هاتان الروايتان أصح ما ورد، وعليهما الاعتماد، وهما نصَّان في السببيَّة، ولا يمتنع أن يتعدد السبب والنازل واحد.
وقال الكرماني: (لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامته السلعة، فظنَّ أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتين وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية).
"فتح الباري" 11/ 560.
ولكن هذا لا يمنع أن يدخل اليهود فيها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف.
وانظر بقية الروايات في "تفسير الطبري" 6/ 530 - 534.]].
ومعنى ﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ : يستبدلون (٧) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ .
جاز (٩) (١٠) وجائز أن يكون معنى] (١١) ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ أي: لا يكلمهم بكلامٍ يَسُرُّهم.
ونفى الكلامَ أصلًا لأنه يتضمن (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ .
أراد: نظر الرحمة؛ كما يقال: (نظر فلان لفلان)، و (نظر الأمير لرعيته): إذا رحمهم، وبهذا فسره ابن عباس، فقال (١٣) (١٤) وروى جعفر بن سليمان الضُّبَعِي (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) ممن قال بذلك: عكرمة كما سيأتي، ومقاتل، والكلبي، والحسن.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "النكت والعيون" 1/ 404.
ولم أقف على غيرهم قال بهذا القول.
وفي الآية روايات أخرى صحيحة، تخالف هذا القول ذكرها المفسرون، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 686، "ابن كثير" 1/ 401، "الدر المنثور" 2/ 77.
(٢) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 321، 6/ 528، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 411.
(٣) هم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحُقَيق، وكعب بن الأشرف، وحُيي بن أخطب.
كما في المراجع السابقة.
(٤) الرِّشى بكسر الراء، وبضمها: جمع رَشْوة بفتح الراء وبضمها وبكسرها: وهي الجُعْل الذي يُتوصل به إلى الحاجة، وأصلها من الرِّشاء، وهو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والمصدر: الرَّشْوُ.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" 2/ 226، "اللسان" 3/ 1648 (رشا).
(٥) سورة البقرة: 174.
وهذه الآية نزلت في اليهود.
انظر: "تفسير الطبري" 2/ 89.
(٦) في (ب): بانوان.
ولم أقف على مصدر هذه الرواية.
وباذان، هو: أبو صالح، مولى أم هانئ، يقال: باذان، وباذام.
وقد سبق، ورواية باذان عن ابن عباس وردت في "تفسير الثعلبي" من طرق كلها عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
(٧) في (ب): يسترون: يستدلون.
(٨) في (ج): (واشتروا).
سورة البقرة: 16.
(٩) في (ب): (فإما).
(١٠) من قوله: (أن يكون) إلى (لم ينقض ذلك) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 434 نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعض عباراته بالزيادة والاختصار.
(١١) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
(١٢) في (ج): (يضمن).
(١٣) لم أقف على مصدر قوله.
(١٤) في (ب): (ولا).
(١٥) هو: أبو سليمان الحرشي البصري.
قال عنه ابن حجر: (صدوق زاهد، لكنه كان يَتَشيَّع)، وعَدَّه من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، توفي سنة (178 هـ).
انظر الجرح والتعديل: 2/ 481، "ميزان الاعتدال" 1/ 408، "تقريب التهذيب" (942).
(١٦) في (ج): (أبي عمر).
(١٧) في (ب): الجرني.
وهو: أبو عمران، عبد الملك بن حبيب، البصري، الأزدي، الجَوْني.
ثقةٌ، من التابعين، توفي سنة (128هـ) وقيل: بعدها.
انظر: "الأنساب" 2/ 125، "تقريب التهذيب" (4172).
(١٨) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 63 أ، وقد أورده بسنده عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ﴾ الآية قيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا، وقيل: نزلت بسبب خصومة بين الأشعث بن قيس وآخر، فأراد خصمه أن يحلف كاذبا ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ ﴾ الضمير عائد على أهل الكتاب ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ﴾ أي يحرفون اللفظ أو المعنى ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ الضمير يعود على ما دل عليه قوله: يلوون ألسنتهم، وهو الكلام المحرف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.
الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.
الباقون ساكنة الهاء.
﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.
عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.
الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.
﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.
الباقون بالنصب.
/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.
وقوله: "قل" مع مقوله معترض.
ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.
﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.
﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.
وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.
أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.
والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.
روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.
وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.
فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.
واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.
وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ .
وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.
وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.
وتقريره "أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.
ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.
وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
ثم قال : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.
واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.
أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.
وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.
والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟
فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.
ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟
ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.
واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.
فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.
ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.
فقيل للنبي ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.
ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟
يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟
ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.
وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.
أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.
والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.
أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا ﴾ أي لا تضلوا.
والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.
فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.
فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.
قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.
قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.
وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟
ربما يدل على صحة دين محمد عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.
فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.
على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.
فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟
وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟
قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.
كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.
واعلم أنه حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.
وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.
والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.
ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .
وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.
ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله في قدرته وحكمته.
ثم إنه كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.
فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.
فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.
وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.
وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.
وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.
ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.
والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.
وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.
وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.
ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.
ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.
وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.
قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.
ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.
قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله : ﴿ أمة قائمة ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.
وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.
فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.
﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.
إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.
روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.
فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.
أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.
عن النبي أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .
وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.
قال: فتقولون ماذا؟
قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.
قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.
إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.
فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾ فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.
وعلى هذا فلا وقف على "بلى".
وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد .
ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.
وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .
واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.
فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.
فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.
ثم إنه لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.
وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.
واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.
كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.
وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟
قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟
قال: لا.
قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.
قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.
لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.
فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.
وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.
وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله فقال: شاهداك أو يمينه.
فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.
فقال : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.
وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.
ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.
والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.
ثم إنه رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.
وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.
وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.
قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.
وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.
قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.
تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.
وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.
ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.
وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.
قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.
فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.
وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.
وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.
أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.
فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.
ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.
وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.
فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.
وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.
احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.
والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.
ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.
وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟
فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.
وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .
وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ وقيل: معناه أنه لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.
وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله ويحتج / على صدقه بالمعجزة.
فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.
والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.
وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟
فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.
ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.
ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.
وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ ومعناه النفي لا النهي.
ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.
وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.
وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.
والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.
والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.
قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب فينسب إليه.
فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله ومواظبتكم على طاعته.
وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.
وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.
عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.
والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.
فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.
﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.
والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.
ويراد بالنبيين غيره كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.
ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.
وقال ابن جريج لمحمد ، وقيل: لعيسى.
وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.
﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.
قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله أن يسجدوا له.
قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: عهد الله: أمره ونهيه.
يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به.
﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : أيمانهم التي حلفوا كذباً أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم.
ويحتمل: أن حلفوا كذباً، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله - - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" وتلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...
﴾ الآية.
والعهد والإيمان سواء؛ ألا ترى [إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ...
﴾ الآية.
ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله]، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات والحسنات؛ كقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ : صيّره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأوّل.
ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه عال ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ : نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِم ﴾ : أي: لا يجعل لخيراتهم ثواباً.
ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ : أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.
﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ : أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كِذْبةً، وأن الله يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ ، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، والله الموفق.
وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يؤتي النفس البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ .
فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ وكذلك قال عيسى - - في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ .
وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد - قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ : شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي ؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ ﴾ : معناه: أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ رَبَّـٰنِيِّينَ ﴾ ؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلِّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه.
وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء.
وقيل: حكماء علماء.
وقيل: علماء فقهاء.
وهو واحد.
ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئاً أو يعلّم آخر يكون فقيهاً فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى.
وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أرباباً؛ لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقيل: إن عيسى وعزيراً ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة.
وقوله: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد.
ويحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين يستبدلون بوصية الله إليهم باتباع ما أنزله في كتابه وأرسل به رسله، وبأيمانهم التي قطعوها بالوفاء بعهد الله، يستبدلون بها عوضًا قليلًا من متاع الدنيا، لا نصيب لهم من ثواب الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم نظر رحمة يوم القيامة، ولهم عذاب أليم.
من فوائد الآيات من علماء أهل الكتاب من يخدع أتباع ملتهم، ولا يبين لهم الحق الذي دلت عليه كتبهم، وجاءت به رسلهم.
من وسائل الكفار الدخول في الدين والتشكيك فيه من الداخل.
الله تعالى هو الوهاب المتفضل، يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله وحكمته، ولا ينال فضله إلا بطاعته.
كل عِوَضٍ في الدنيا عن الإيمان بالله والوفاء بعهده -وإن كان عظيمًا- فهو قليل حقير أمام ثواب الآخرة ومنازلها.
<div class="verse-tafsir" id="91.r1GYV"
﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ إلخ هذه الآية جاءت ببعض التفصيل لما أجمل في الآيات السابقة من غرور أهل الكتاب وزعمهم أنهم شعب الله الخاص، وأن الدين والحق من خصائصهم.
وابتداؤها بالعطف يشعر بمعطوف محذوف حذف إيجازًا لأن السياق لا يقتضي ذكره وهو مبين في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ إلخ فكأنه ههنا يعطف على ما هنالك أي منهم كذا ومنهم كذا.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ : كأنهم يقولون إن كل من ليس من شعب الله الخاص وليس من أهل دينه فهو ساقط من نظر الله ومبغوض عنده فلا حقوق له ولا حرمة لماله فيحل أكله متى أمكن.
وقد رد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن ذلك كذب عليه لأن ما كان منه فهو ما جاء في كتابه وليس في التوراة التي عندهم إباحة خيانة الأميين وأكل أموالهم بالباطل وهم يعلمون أن ذلك ليس فيها ولكنهم لا يأخذون الدين من الكتاب وإنما لجأوا إلى التقليد فعدوا كلام أحبارهم دينًا ينسبونه إلى الله وهؤلاء يقولون في الدين بآرائهم ويحرفون الكلام عن مواضعه ليؤيدوا بذلك أقوالهم، فكل هذه الدواهي جاءتهم من هذه الناحية، ناحية التقليد والأخذ بكلام العلماء في الحلال والحرام، وهو مما لا يؤخذ فيه إلا بكتاب الله ووحيه.
وانظر كيف أنصفهم الكتاب فبيّن أن منهم الوفي والخائن ولا يكون أفراد جميع الأمة خائنين وناهيك بأمة منها السموءل.
﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ : إن ورود الجواب بهذه العبارة أفادنا قاعدة عامة من قواعد الدين وهي أن الوفاء بالعهود واتقاء الإخلاف وسائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه ويجعله أهلًا لمحبته لا كونه من شعب كذا.
ومن هذه القاعدة يعلم خطأ اليهود في زعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وفيه التعريض بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا من أهل التقوى التي هي الركن الركين لكل دين قويم.
<div class="verse-tafsir"