الآية ٧٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٩ من سورة آل عمران

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق : حدثنا محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي ، حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران ، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟

فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس : أوذاك تريد منا يا محمد ، وإليه تدعوننا ؟

أو كما قال .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله أن نعبد غير الله ، أو أن نأمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " .

أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ) [ الآية ] إلى قوله : ( بعد إذ أنتم مسلمون ) .

فقوله ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) أي : ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس : اعبدوني من دون الله .

أي : مع الله ، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ، ولهذا قال الحسن البصري : لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته .

قال : وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا - يعني أهل الكتاب - كانوا يتعبدون لأحبارهم ورهبانهم ، كما قال الله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [ والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ] ) [ التوبة : 31 ] وفي المسند ، والترمذي - كما سيأتي - أن عدي بن حاتم قال : يا رسول الله ، ما عبدوهم .

قال : " بلى ، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم " .

فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين ، فإنما يأمرون بما أمر الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام .

إنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام .

فالرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة ، فقاموا بذلك أتم قيام ، ونصحوا الخلق ، وبلغوهم الحق .

وقوله : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي : ولكن يقول الرسول للناس : كونوا ربانيين .

قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد ، أي : حكماء علماء حلماء .

وقال الحسن وغير واحد : فقهاء ، وكذا روي عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، وعطية العوفي ، والربيع بن أنس .

وعن الحسن أيضا : يعني أهل عبادة وأهل تقوى .

وقال الضحاك في قوله : ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها : " تعلمون " أي : تفهمون معناه .

وقرئ ( تعلمون ) بالتشديد من التعليم ( وبما كنتم تدرسون ) تحفظون ألفاظه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر.

* * * و " البشر " جمع بني آدم لا واحد له من لفظه مثل: " القوم " و " الخلق ".

وقد يكون اسمًا لواحد =" أن يؤتيه الله الكتاب " يقول: أن ينـزل الله عليه كتابه =" والحكم " يعني: ويعلمه فصْل الحكمة =" والنبوة "، يقول: ويعطيه النبوّة =" ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله "، يعني: ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والحكم والنبوة.

ولكن إذا آتاه الله ذلك، فإنما يدعوهم إلى العلم بالله، ويحدوهم على معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء في المعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمةً في طاعته وعبادته، بكونهم معلِّمي الناس الكتاب، وبكونهم دَارِسيه.

(8) * * * وقيل: إنّ هذه الآية نـزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلى عبادتك؟

كما:- 7296 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي = (9) حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام = : أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟

فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: (10) أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا!

أو كما قال = فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره!

ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني = أو كما قال.

فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (11) " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة "، الآية إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

7297- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه.

(12) 7298 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا &; 6-540 &; عبادًا لي من دون الله "، يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوةَ، يأمر عبادَه أن يتخذوه ربًّا من دون الله.

7299 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

7300 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله عز وجل: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله "، ثم يأمر الناس بغير ما أنـزل الله في كتابه.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: " ولكن " يقول لهم: " كونوا ربانيين "، فترك " القول "، استغناء بدلالة الكلام عليه.

* * * وأما قوله: " كونوا ربانيين "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علماء.

ذكر من قال ذلك: 7301 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء علماء.

7302 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء علماء.

&; 6-541 &; 7303 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين مثله.

7304 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين: " ولكن كونوا ربانيين "، حكماء علماء.

7305 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: كونوا فقهاء علماء.

7306 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: فقهاء.

7307 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

7308 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال أخبرني القاسم، عن مجاهد قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، قال: فقهاء.

7309 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، قال: كونوا فقهاء علماء.

7310 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن منصور بن المعتمر، عن أبي رزين في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: علماء حكماء = قال معمر: قال قتادة.

7311 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " كونوا ربانيين "، أما " الربانيون "، فالحكماء الفقهاء.

7312 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا سفيان، عن &; 6-542 &; ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " الربانيون "، الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار.

7313 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولكن كونوا ربانيين "، يقول: كونوا حكماء فقهاء.

7314 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي حمزة الثمالي، عن يحيى بن عقيل في قوله: الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [سورة المائدة: 63]، قال: الفقهاء العلماء.

7315 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس مثله.

7316 - حدثني ابن سنان القزاز قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: كونوا حكماء فقهاء.

7317 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " كونوا ربانيين "، يقول: كونوا فقهاء علماء.

* * * وقال آخرون: بل هم الحكماء الأتقياء.

ذكر من قال ذلك: 7318 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قوله: " كونوا ربانيين "، قال: حكماء أتقياء.

* * * &; 6-543 &; وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم.

ذكر من قال ذلك: 7319 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " كونوا ربانيين "، قال: الربانيون: الذين يربُّون الناس، ولاة هذا الأمر، يرُبُّونهم: يلونهم.

وقرأ: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [سورة المائدة: 63]، قال: الربانيون: الولاة، والأحبار العلماء.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في" الربانيين " أنهم جمع " رباني"، وأن " الرباني" المنسوب إلى " الرَّبَّان "، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و " يربّها "، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة: وَكُـنْتُ امْـرَأً أَفْضَـتْ إلَيْـكَ رِبَابَتي وَقَبْلَــكَ رَبَّتْنـي, فَضِعْـتُ, رُبُـوبُ (13) يعني بقوله: " ربتني": ولي أمري والقيامَ به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعتُ.

يقال منه: " رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه ".

(14) فإذا أريد به المبالغة في مدْحه قيل: " هو ربّان "، كما يقال: " هو نعسان " من قولهم: " نعَس يَنعُس ".

وأكثر ما يجيء من الأسماء على " فَعْلان " ما كان من الأفعال ماضيه على " فَعِل " مثل قولهم: " هو سكران، وعطشان، وريان " من " سَكِر يسكَر، وعطِش يعطَش، ورَوي يرْوَى ".

وقد يجيء مما كان ماضيه على " فَعَل يَفعُل "، نحو ما قلنا من " نَعَس يَنعُس " و " ربَّ يَرُبّ".

فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وكان " الربَّان " ما ذكرنا، &; 6-544 &; و " الربّاني" هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ = وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم = وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وَليه المقسطون من المصْلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاحُ عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم = كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] ممن دَخل في قوله عز وجل: " ولكن كونوا ربانيين " .

(15) ف " الربانيون " إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا.

ولذلك قال مجاهد: " وهم فوق الأحبار "، لأن " الأحبارَ" هم العلماء، و " الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم.

(16) * * * القول في تأويل قوله : بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز وبعض البصريين: ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) بفتح " التاء " وتخفيف " اللام "، يعني: بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم.

&; 6-545 &; واعتلُّوا لاختيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب = كذلك، لو كان التشديد في" اللام " وضم " التاء " = لكان الصواب في: " تدرسون "، بضم " التاء " وتشديد " الراء ".

(17) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ) بضم " التاء " من " تعلمون "، وتشديد " اللام "، بمعنى: بتعليمكم الناسَ الكتابَ ودراستكم إياه.

واعتلوا لاختيارهم ذلك، بأن مَنْ وصفهم بالتعليم، فقد وصفهم بالعلم، إذ لا يعلِّمون إلا بعد علمهم بما يعلِّمون.

قالوا: ولا موصوف بأنه " يعلم "، إلا وهو موصوف بأنه " عالم ".

قالوا: فأما الموصوف بأنه " عالم "، فغير موصوف بأنه معلِّم غيره.

قالوا: فأولى القراءتين بالصواب أبلغهما في مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناسَ الكتابَ، كما:- 7320 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قرأ: " بما كنتم تَعلَمون الكتابَ وبما كنتم تَدْرسون "، مخففةً بنصب " التاء " = وقال ابن عيينة: ما علَّموه حتى علِموه!

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأه بضم " التاء " وتشديد " اللام ".

لأن الله عز وجل وصف القوم بأنهم أهل عمادٍ للناس في دينهم ودنياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية.

يقول جل ثناؤه: " ولكن كونوا ربانيين "، على ما بينا قبل من معنى " الرباني"، &; 6-546 &; ثم أخبر تعالى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس وتربية لهم بتعليمهم إياهم كتابَ ربِّهم.

* * * = و " دراستهم " إياه: تلاوته.

(18) * * * وقد قيل: " دراستهم "، الفقه.

* * * وأشبه التأويلين بالدراسة ما قلنا: من تلاوة الكتاب، لأنه عطف على قوله: " تعلمون الكتاب "،" والكتاب " هو القرآن، فلأنْ تكون الدراسة معنيًّا بها دراسة القرآن، أولى من أن تكون معنيًّا بها دراسة الفقه الذي لم يجرِ له ذكرٌ.

ذكر من قال ذلك: (19) 7321 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال يحيى بن آدم قال، أبو زكريا: كان عاصم يقرأها: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ )، قال: القرآن =( وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )، قال: الفقه.

* * * فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا، أيها الناس، سادة الناس، وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربَّانيِّين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه.

------------------ الهوامش : (8) انظر تفسير"آتي" و"الحكم" ، و"النبوة" فيما سلف من فهارس اللغة مادة (أتى) (حكم) (نبأ).

(9) أبو رافع القرظي ، هو سلام بن أبي الحقيق اليهودي.

(10) في المطبوعة: "الرئيس" ، وفي المخطوطة: "الريس" غير منقوطة ، وهو في سيرة ابن هشام المطبوعة الأوربية والمصرية: "الربيس" مثل"سكيت" (بكسر الراء وتشديد الباء المكسورة).

وربيس السامرة: هو كبيرهم.

وفي التعليقات على سيرة ابن هشام.

الطبعة الأوروبية"الريس ، والرئيس" معًا ، وكأن الصواب هو ما جاء في نص ابن هشام الأول.

(11) في سيرة ابن هشام: "من قولهما" ، وهي أجود ، ولعل هذه من قلم الناسخ.

(12) الأثران: 7296 ، 7297- سيرة ابن هشام 2: 202 ، 203 ، وهما من تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7223 ، وفي الطبري اختلاف في قليل من اللفظ.

(13) سلف البيت وتخريجه وشرحه في 1: 142.

(14) انظر تفسير"رب" فيما سلف 1: 141 ، 142.

(15) في المطبوعة: "كانوا جميعًا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله..." ، وهي عبارة سقيمة غير المخطوطة كما شاء.

وفي المخطوطة: "كانوا جميعًا مستحقون أن ممن دخل في قوله..." ، وظاهر أن الناسخ جعل"يستحقون" ، "مستحقون" ، وهو خطأ في الإعراب ، وسقط من عجلته قوله: "يكونوا" ، فزدتها بين القوسين ، فاستقام الكلام.

(16) هذا التفسير قل أن تجده في كتاب من كتب اللغة ، وهو من أجود ما قرأت في معنى"الرباني" ، وهو من أحسن التوجيه في فهم معاني العربية ، والبصر بمعاني كتاب الله.

فرحم الله أبا جعفر رحمة ترفعه درجات عند ربه.

(17) في المطبوعة: "بأن الصواب لو كان التشديد في اللام..." ، حذف من المخطوطة"كذلك"بعد" بأن الصواب" ، وظاهر أن موضع الخطأ هو سقوط"الواو" قبل قوله: "لو كان التشديد".

فأثبتها ، واستقام الكلام.

(18) في المخطوطة والمطبوعة: "ودراستهم إياه وتلاوته" ، بزيادة الواو قبل"تلاوته" والسياق بين في أنه يفسر معنى"الدراسة" ، وأنهما تأويلان ، كما سيأتي ، فحذفت الواو ، وفصلت بين الكلامين.

(19) أنا أرتاب في سياق هذا الموضع من التفسير ، وأخشى أن يكون سقط من النساخ شيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون( ما كان ) معناه ما ينبغي ; كما قال : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ و ما كان لله أن يتخذ من ولد .

و ما يكون لنا أن نتكلم بهذا يعني ما ينبغي .

والبشر يقع [ ص: 115 ] للواحد والجمع لأنه بمنزلة المصدر ; والمراد به هنا عيسى في قول الضحاك والسدي .

والكتاب : القرآن .

والحكم : العلم والفهم .

وقيل أيضا : الأحكام .

أي إن الله لا يصطفي لنبوته الكذبة ، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوة وعلاماتها .ونصب ثم يقول على الاشتراك بين أن يؤتيه وبين يقول أي لا يجتمع لنبي إتيان النبوة وقوله : كونوا عبادا لي من دون الله .ولكن كونوا ربانيين أي ولكن جائز أن يكون النبي يقول لهم كونوا ربانيين .

وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نجران .

وكذلك روي أن السورة كلها إلى قوله وإذ غدوت من أهلك كان سبب نزولها نصارى نجران ولكن مزج معهم اليهود ; لأنهم فعلوا من الجحد والعناد فعلهم .والربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب .

والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ; وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور ; روي معناه عن ابن عباس .

قال بعضهم : كان في الأصل ربي فأدخلت الألف والنون للمبالغة ; كما يقال للعظيم اللحية : لحياني ولعظيم الجمة جماني ولغليظ الرقبة رقباني .

وقال المبرد : الربانيون أرباب العلم ، واحدهم ربان ، من قولهم : ربه يربه فهو ربان إذا دبره وأصلحه ; فمعناه على هذا يدبرون أمور الناس ويصلحونها .

والألف والنون للمبالغة كما قالوا ريان وعطشان ، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل : لحياني ورقباني وجماني .

قال الشاعر :لو كنت مرتهنا في الجو أنزلني منه الحديث ورباني أحباريفمعنى الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه ; لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم .

وقد تقدم هذا المعنى في البقرة : وقال أبو رزين : الرباني هو العالم الحكيم .

وروى شعبة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود ولكن كونوا ربانيين قال : حكماء علماء .

ابن جبير : حكماء أتقياء .

وقال الضحاك : لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده فإن الله تعالى يقول : ولكن كونوا ربانيين .

وقال ابن زيد : الربانيون الولاة ، والأحبار العلماء .

وقال مجاهد : الربانيون فوق الأحبار .

قال النحاس : وهو قول حسن ; لأن الأحبار هم العلماء .

والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة ; مأخوذ من قول العرب : رب أمر الناس يربه إذا أصلحه وقام به ، فهو راب ورباني على التكثير .

قال أبو عبيدة : سمعت عالما يقول : الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي ، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون .

وقال محمد بن الحنفية يوم مات أبي عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن [ ص: 116 ] ويتفقه في دينه - ثم تلا هذه الآية - ولكن كونوا ربانيين الآية .

رواه ابن عباس .قوله تعالى : بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون قرأه أبو عمرو وأهل المدينة بالتخفيف من العلم .

واختار هذه القراءة أبو حاتم .

قال أبو عمرو : وتصديقها تدرسون ولم يقل " تدرسون " بالتشديد من التدريس .

وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة تعلمون بالتشديد من التعليم ; واختارها أبو عبيد .

قال : لأنها تجمع المعنيين " تعلمون ، و ( تدرسون ) .

قال مكي : التشديد أبلغ ، لأن كل معلم عالم بمعنى يعلم وليس كل من علم شيئا معلما ، فالتشديد يدل على العلم والتعليم ، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط ، فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره أبلغ في الذم .

احتج من رجح قراءة التخفيف بقول ابن مسعود كونوا ربانيين قال : حكماء علماء ; فيبعد أن يقال كونوا فقهاء حكماء علماء بتعليمكم .

قال الحسن كونوا حكماء علماء بعلمكم .

وقرأ أبو حيوة ( تدرسون ) من أدرس يدرس .

وقرأ مجاهد ( تعلمون ) بفتح التاء وتشديد اللام ، أي تتعلمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الآية نزلت ردا لمن قال من أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بالإيمان به ودعاهم إلى طاعته: أتريد يا محمد أن نعبدك مع الله، فقوله { ما كان لبشر } أي: يمتنع ويستحيل على بشر من الله عليه بإنزال الكتاب وتعليمه ما لم يكن يعلم وإرساله للخلق { أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } فهذا من أمحل المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، لأن هذا أقبح الأوامر على الإطلاق، والأنبياء أكمل الخلق على الإطلاق، فأوامرهم تكون مناسبة لأحوالهم، فلا يأمرون إلا بمعالي الأمور وهم أعظم الناس نهيا عن الأمور القبيحة، فلهذا قال { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } أي: ولكن يأمرهم بأن يكونوا ربانيين، أي: علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم، بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل، والباء في قوله { بما كنتم تعلمون } إلخ، باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ) الآية قال مقاتل والضحاك : ما كان لبشر يعني : عيسى عليه السلام ، وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون : إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال تعالى : ( ما كان لبشر ) يعني : عيسى ( أن يؤتيه الله الكتاب ) الإنجيل .

وقال ابن عباس وعطاء : ( ما كان لبشر ) يعني محمدا ( أن يؤتيه الله الكتاب ) أي القرآن ، وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود ، والرئيس من نصارى أهل نجران قالا يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا فقال : معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك أمرني الله ، ولا بذلك أمرني فأنزل الله تعالى هذه الآية ( ما كان لبشر ) أي ما ينبغي لبشر ، كقوله تعالى : " ما يكون لنا أن نتكلم بهذا " ( سورة ، النور الآية : 16 ) أي ما ينبغي لنا ، والبشر : جميع بني آدم لا واحد له من لفظه ، كالقوم والجيش ويوضع موضع الواحد والجمع ، ( أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ) الفهم والعلم وقيل : إمضاء الحكم عن الله عز وجل ، ( والنبوة ) المنزلة الرفيعة بالأنبياء ، ( ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ) أي : ولكن يقول كونوا ، ( ربانيين ) واختلفوا فيه قال علي وابن عباس والحسن : كونوا فقهاء علماء وقال قتادة : حكماء وعلماء وقال سعيد بن جبير : العالم الذي يعمل بعلمه ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس : فقهاء معلمين .

وقيل : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، وقال عطاء : علماء حكماء نصحاء لله في خلقه ، قال أبو عبيدة : سمعت رجلا عالما يقول : الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي ، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون ، وقيل : الربانيون فوق الأحبار ، والأحبار : العلماء ، والربانيون : الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس .

قال المؤرج : كونوا ربانيين تدينون لربكم ، من الربوبية ، كان في الأصل ربي فأدخلت الألف للتفخيم ، ثم أدخلت النون لسكون الألف ، كما قيل : صنعاني وبهراني .

وقال المبرد : هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم ، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها ، وكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه فقد ربه يربه ، واحدها : " ربان " ( كما قالوا : ريان ) وعطشان وشبعان وعريان ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قالوا : لحياني ورقباني .

وحكي عن علي رضي الله عنه أنه قال : هو الذي يرب علمه ، بعمله قال محمد بن الحنفية لما مات ابن عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة .

( بما كنتم ) أي : بما أنتم ، كقوله تعالى : " من كان في المهد صبيا " ( سورة مريم الآية 29 ) أي : من هو في المهد ( تعلمون الكتاب ) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي " تعلمون " بالتشديد من التعليم وقرأ الآخرون " تعلمون " بالتخفيف من العلم كقوله : ( وبما كنتم تدرسون ) أي : تقرءون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قال نصارى نجران إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا ولما طلب بعض المسلمين السجود له صلى الله عليه وسلم «ما كان» ينبغي «لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم» أي الفهم للشريعة «والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن» يقول «كونوا ربانيين» علماء عاملين منسوبين إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما «بما كنتم تَعْلمُونَ» بالتخفيف والتشديد «الكتاب وبما كنتم تدرسون» أي بسبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما ينبغي لأحد من البشر أن يُنزِّل الله عليه كتابه ويجعله حكمًا بين خلقه ويختاره نبياً، ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن يقول: كونوا حكماء فقهاء علماء بما كنتم تُعَلِّمونه غيركم من وحي الله تعالى، وبما تدرسونه منه حفظًا وعلمًا وفقهًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال ابن كثير : " عن ابن عباس قال : " قال أبو رافع القرظى حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟

فقال رجل نصرانى من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟

- أو كما قال - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله ، ما بذلك أمرنى ولا بذلك بعثنى " - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله فى ذلك قوله - تعالى - : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } إلى قوله : { بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } .فقوله - تعالى - { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله } رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله والمعنى : لا يصح ولا ينبغى ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه الله - تعالى - وأعطاه { الكتاب } الناطق بالحق ، الآمر بالتوحيد ، الناهى عن الإشراك ، وآتاه { الحكم } أى العلم النافع والعمل به .

وآتاه { النبوة } أى الرسالة التى يبلغها عنه - سبحانه - إلى الناس ، ليدعوهم إلى عبادته وحده ، وإلى مكارم الأخلاق ، لا يصحل له ولا ينبغى بعد كل هذه النعم أن يكفرها { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ } بعد هذا العطاء العظيم الذى وهبه الله له { كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله } أى : لا ينبغى ولا يعقل من بشر آتاه الله كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو { كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله } لأن الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من الله ، وإخلاصهم له ، عن أن يقولوا هذا القول المنكر ، كما يحجزهم عنه - أيضا - ما امتازوا به من نفوس طاهرة ، وقلوب نقية ، وعقول سليمة .

.

.

لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر فهو - سبحانه - القائل : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } والتعبير بقوله - تعالى - : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } تعبير قرآنى بليغ ، إذ يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى - : { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } و{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } وجاء العطف بثم فى قوله { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ } للإشعار بالتفاوت العظيم بين ما أعطاه الله - تعالى - لأنبيائه من نعم ، وبين هذا القول المنكر الذى نفاه - سبحانه - عنهم ، وهو أن يقولوا للناس : اجعلوا عبادتكم لنا ولا تجعلوها لله - تعالى - .ثم بين - سبحانه - ما يصح للأنبياء أن يقولوه للناس فقال - تعالى - { ولكن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } .وقوله { رَبَّانِيِّينَ } جمع ربانى نسبة إلى الرب - عز وجل - بزيادة الألف والنون سماعا للمبالغة كما يقال فى غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية : لحيانى .والمراد بالربانى : الإنسان الذى أخلص لله - تعالى - فى عبادته ، وراقبه فى كل أقواله وأفعاله ، واتقاه حق التقوى ، وجمع بين العلم النافع والعمل به ، وقضى حياته فى تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم .والمعنى : لا يصح لبشر آتاه الله ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدونى من دون الله ، ولكن الذى يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم : كونوا { رَبَّانِيِّينَ } أى منقلبين على طاعة الله - تعالى - وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص ، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذى أنزله الله لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له ، أى قارئين له بتمهل وتدبر .وقوله - تعالى - { ولكن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ } استدراك قصد به إثبات ما ينبغى للرسل أن يقولوه .

بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغى لهم أن ينطقوا به ، أى : لا ينبغى لبشر آتاه الله نعماً لا تحصى أن يقول للناس كونوا عباداً لى من دون الله ، ولكن الذى ينبغى له أن يقوله لهم هو قوله : كونوا ربانيين أى مخلصين له - سبحانه - العبادة إخلاصا تاما .ففى الجملة الكريمة إضمار ، والتقدير : " ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " فأضمر القول على حسب مذهب العرب فى جواز الإضمار إذا كان فى الكلام ما يدل عليه ، ونظيره قوله - تعالى - { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ } أى فيقال لهم : أكفرتم ، والباء فى قوله { بِمَا كُنْتُمْ } للسببية .

وما مصدرية أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له .وقرأ أبو عمروا وابن كثير ونافع " تعلمون " بإسكان العين وفتح اللام - من العلم أى بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له .قال الرازى : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا ، فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله ، وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجوه: الأول: قال ابن عباس: لما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله نزلت هذه الآية.

الثاني: قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، فقال عليه الصلاة والسلام: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني؛ ولا بذلك أمرني» فنزلت هذه الآية.

الثالث: قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله».

الرابع: أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه، فالله تعالى قال لهم: إن كان الأمر كما قلتم، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لي مِن دُونِ الله ﴾ مثل قوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ على وجوه: الأول: قال الأصم: معناه، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ  ﴾ قال: ﴿ وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا  إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة، كما قال الله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين  ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس  ﴾ والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى، ومنها أن إيتاء النبوّة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى، وبالجملة فللإنسان قوتان: نظرية وعملية، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوّة، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد.

الثالث: أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوّة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع: أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً، وذلك غير جائز، واعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوّة، وأيضاً لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم: اتخذوني إلها من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه، لا على وجه التحريم والحظر، وكذا قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ  ﴾ والمراد النفي لا النهي والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ﴾ إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتب في غاية الحسن، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم، قال تعالى: ﴿ وآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً  ﴾ يعني العلم والفهم، ثم إذا حصل فهم الكتاب، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوّة فما أحسن هذا الترتيب.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القراءة الظاهرة، ثم يقول بنصب اللام، وروي عن أبي عمرو برفعها، أما النصب فعلى تقدير: لا تجتمع النبوّة وهذا القول، والعامل فيه (أن) وهو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى الاستئناف.

المسألة الثانية: حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ عِبَادًا لّى ﴾ إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً.

ثم قال: ﴿ ولكن كُونُواْ ربانيين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية إضمار، والتقدير: ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم  ﴾ أي فيقال لهم ذلك.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير (الرباني) أقوالاً الأول: قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة، كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني: قال المبرّد ﴿ الربانيون ﴾ أرباب العلم وأحدهم رباني، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي: يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان وعريان، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل: لحياني ورقباني قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني: منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته، وعلى قول المبرد ﴿ الرباني ﴾ مأخوذ من التربية الثالث: قال ابن زيد: الرباني.

هو الذي يرب الناس، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء، وذكر هذا أيضاً في قوله تعالى: ﴿ لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار  ﴾ أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته، قال القفال رحمه الله: ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانياً، لأنه يطاع كالرب تعالى، فنسب إليه الرابع: قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية، أو سريانية، وسواء كانت عربية أو عبرانية، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم، واشتغل بتعليم طرق الخير.

ثم قال تعالى: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ من العلم، وهي قراءة عبد الله بن كثير، وأبي عمرو، ونافع والثانية: ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين: الأول: أنه قال: ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ ولم يقل ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ بالتشديد الثاني: أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره: بما كنتم تعلمون الناس الكتاب، أو غيركم الكتاب وحذف، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيراً، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين: الأول: أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني: أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ويدل عليه قول مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن.

المسألة الثانية: نقل ابن جِنيّ في المحتسب، عن أبي حيوة أنه قرأ ﴿ تدرسون ﴾ بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء، قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا منقولاً من درس هو، أو درس غيره، وكذلك قرأ وأقرأ غيره، وأكثر العرب على درس ودرس، وعليه جاء المصدر على التدريس.

المسألة الثالثة: (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب، ومثل هذا من كون (ما) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى: ﴿ فاليوم ننساهم كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا  ﴾ وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً والسبب لا محالة مغاير للمسبب، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً، أمراً مغايراً لكونه عالماً، ومعلماً، ومواظباً على الدراسة، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله، وتعليمه ودراسته لله، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته، وحاصل الحرف شيء واحد، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه.

وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته.

المسألة الرابعة: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع».

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة وابن عامر ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ بنصب الراء، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على ﴿ ثُمَّ يَقُولُ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن تجعل ﴿ لا ﴾ مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل ﴿ لا ﴾ غير مزيدة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ ﴾ .

المسألة الثانية: قال الزجاج: ولا يأمركم الله، وقال ابن جُرَيْج: لا يأمركم محمد، وقيل: لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش.

المسألة الثالثة: إنما خص الملائكة والنبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر.

ثم قال تعالى: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ وفيه ومسائل: المسألة الأولى: الهمزة في ﴿ أَيَأْمُرُكُم ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يفعل ذلك.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له.

المسألة الثالثة: قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول: الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء، وهو قوله تعالى: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بالكفر ﴾ ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر هاهنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به.

والجواب: أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى.

وقيل: «إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟

فقال معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني فنزلت» وقيل: «قال رجل: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» ﴿ والحكم ﴾ والحكمة وهي السنة ﴿ ولكن كُونُواْ ربانيين ﴾ ولكن يقول كونوا.

والربانيّ: منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون؛ كما يقال: رقباني ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعته.

وعن محمد ابن الحنفية: أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة.

وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء.

وقيل: علماء معلمين.

وكانوا يقولون: الشارع الرباني: العالم العامل المعلم ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها: وقرئ ﴿ تعلمون ﴾ ، من التعليم.

﴿ وتعلمون ﴾ من التعلم ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ تقرؤن.

وقرئ ﴿ تدرسون ﴾ ، من التدريس.

وتدرسون على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل.

﴿ وتدرّسون ﴾ ، من التدرّس.

ويجوز أن يكون معناه ومعنى تدرسون بالتخفيف: تدرسونه على الناس كقوله: ﴿ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس ﴾ [الإسراء: 106] فيكون معناهما معنى تدرسون من التدريس.

وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع، حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته.

وقرئ ﴿ ولا يأمرَكم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ ثُمَّ يَقُولَ ﴾ وفيه وجهان أحدهما أن تجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم ﴿ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا ﴾ كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي.

والثاني أن تجعل (لا) غير مزيدة.

والمعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح.

فلما قالوا له: أنتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء.

والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، وتنصرها قراءة عبد الله ﴿ ولن يأمركم ﴾ .

والضمير في ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ و ﴿ أَيَأْمُرُكُم ﴾ لبشر.

وقيل الله، والهمزة في أيأمركم للإنكار ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين أستأذنوه أن يسجدوا له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبْدِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَقِيلَ « (أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ والسَّيِّدَ النَّجْرانِيَّ قالا: يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ وأنْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي فَنَزَلَتْ).» وَقِيلَ: « (قالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ.

قالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ).» ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَّبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ بِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كاللِّحْيانِي والرُّقْبانِيِّ وهو الكامِلُ في العِلْمِ والعَمَلِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُعَلِّمِينَ الكِتابَ وبِسَبَبِ كَوْنِكم دارِسِينَ لَهُ، فَإنَّ فائِدَةَ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ والخَيْرِ لِلِاعْتِقادِ والعَمَلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ تَعْلَمُونَ بِمَعْنى عالِمِينَ.

وقُرِئَ «تَدْرُسُونَ» مِنَ التَّدْرِيسِ وتَدْرُسُونَ مِن أدْرُسُ بِمَعْنى دَرَسَ كَأكْرَمَ وكَرَمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَهُ عَلى النّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكتاب} تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام وقيل قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك قال لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله {والحكم} والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء {والنبوة ثُمَّ يَقُولَ} عطف على يؤتيه {لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ولكن كُونُواْ ربانيين} ولكن يقول كونوا ربانيين والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين الله وطاعته حين مات ابن عباس قال ابن الحنفية مات رباني هذه الأمة وعن الحسن ربانيين علماء فقهاء وقيل علماء معلمين وقالوا

آل عمران (٧٩ _ ٨١)

الرباني العالم العامل {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب} كوفي وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف {وَبِمَا كنتم تدرسون} أى تقرءون والمعى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدارسة وكفى به دليلاً على خيبة سعي من

جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل فكان كمن عرس من شجرة حسناء تؤنقه بمظهرها ولا تنفق بثمرها وقيل معنى تدرسون تدرسونه على الناس كقوله لتقرأه على الناس فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لِأنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ ما اِفْتَراهُ أهْلُ الكِتابِ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبَدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ أبُو رافِعٍ القُرَظِيُّ حِينَ اِجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ودَعاهم إلى الإسْلامِ: أتُرِيدُ يا مُحَمَّدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ؟

فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئِيسُ: أوَ ذاكَ تُرِيدُ مِنّا يا مُحَمَّدُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  :“مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: «“ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟

قالَ: لا ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى" فَنَزَلَتْ».

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: «كانَ ناسٌ مِن يَهُودَ يَتَعَبَّدُونَ النّاسَ مِن دُونِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَوْضِعِهِ فَقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ» الخ.

والمَعْنى ما يَصِحُّ، وقِيلَ: ما يَنْبَغِي، وقِيلَ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ، وعَبَّرَ بِالبَشَرِ إيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي أسْنَدَهُ الكَفَرَةُ إلى أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والجارُّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِ كانَ والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ بَعْدَ اِسْمِها، ولا بُدَّ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى مِن مُلاحَظَةِ العَطْفِ إذْ لَوْ سُكِتَ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آتى كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ الكِتابَ وأخَوَيْهِ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى مَنصُوبِ أنْ بِ (ثُمَّ) تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ فَإنَّهُ إذا اِنْتَفى بَعْدَ مُهْلَةٍ كانَ اِنْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ أصْلًا وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ، والحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قالَ القاضِيَ: وهو هُنا مِنَ العِبادَةِ ولَمْ يَقُلْ عَبِيدًا لِأنَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ وهي لا تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا يُقالُ: هَؤُلاءِ عَبِيدُ زَيْدٍ، ولا يُقالُ: عِبادُهُ، والظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ عِبادًا كائِنِينَ لِي و ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ ﴿ عِبادًا ﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً وأنْ يَكُونَ حالًا لِتَخْصِيصِ النَّكِرَةِ بِالوَصْفِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إشْراكًا وإفْرادًا كَما قالَ الجُبّائِيُّ فَإنَّ التَّجاوُزَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِما حَتْمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا الإيتاءَ في الآيَةِ حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مُجازٌ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ كَما لا يَخْفى.

﴿ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ إثْباتٌ لِما نَفى سابِقًا، وهو القَوْلُ المَنصُوبُ بِأنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِذَلِكَ البَشَرِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فالفِعْلُ هُنا مَنصُوبٌ أيْضًا عَطْفًا عَلَيْهِ، وجُوِّزَ رَفْعُهُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى لا يَقُولُ، وقِيلَ: يَصِحُّ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى مَعْنى لا تَكُونُوا قائِلِينَ لِذَلِكَ، ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ وفَسَّرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ الرَّبّانِيُّ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ بِالعالِمِ الحَكِيمِ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالحَلِيمِ التَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالمُدَبِّرِ أمْرَ النّاسِ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ لا سُرْيانِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُهُ [وإنَّما عَرَفَها الفُقَهاءُ وأهْلُ العِلْمِ]، وهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ كَإلَهِيٍّ، والألِفُ والنُّونُ يُزادانِ في النَّسَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرًا كَلِحْيانِيٍّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والجُمّانِيِّ لِوافِرِ الجُمَّةِ، ورَقَبانِيٍّ بِمَعْنى غَلِيظِ الرَّقَبَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى رَبّانَ صِفَةٌ كَعَطْشانَ بِمَعْنى مُرَّبًى.

﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ  ﴾ الباءُ السَّبَبِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ كُونُوا أيْ كُونُوا كَذَلِكَ بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِكُمُ الكِتابَ ودِراسَتِكم لَهُ، والمَطْلُوبُ أنْ لا يَنْفَكَّ العِلْمُ عَنِ العَمَلِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِأحَدِهِما بِدُونِ الآخَرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِرَبّانِيِّينَ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، والدِّراسَةُ التَّكْرارُ، يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ أيْ كَرَّرَهُ، وتُطْلَقُ عَلى القِراءَةِ، وتَكْرِيرُ ﴿ بِما كُنْتُمْ ﴾ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ اِسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ واسْتِمْرارِ القِراءَةِ المُشْعِرِ بِهِ جَعْلُ خَبَرِ (كانَ) مُضارِعًا -بِالفَضْلِ وتَحْصِيلِ الرَّبّانِيَّةِ، وقَدَّمَ تَعْلِيمَ الكِتابِ عَلى دِراسَتِهِ لِوُفُورِ شَرَفِهِ عَلَيْها، أوْ لِأنَّ الخِطابَ الأوَّلَ: لِرُؤَسائِهِمْ، والثّانِيَ: لِمَن دُونَهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ مُتَعَلِّقَ التَّعْلِيمِ الكِتابُ بِمَعْنى القُرْآنِ، ومُتَعَلِّقُ الدِّراسَةِ الفِقْهُ، وفِيهِ بُعْدٌ بِعِيدٌ وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ بَعْضِ السَّلَفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ (تَعْلَمُونَ) بِمَعْنى عالِمِينَ، وقُرِئَ (تُدَرِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّدْرِيسِ، وتُدْرِسُونَ مِنَ الإدْراسِ بِمَعْناهُ، ومَجِيءُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ كَثِيرٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل وَالْحُكْمَ يعني الفهم وَالنُّبُوَّةَ وهو عيسى ابن مريم- عليهما السلام- ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ما جاز له أن يقول للناس: كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ويقال: إن اليهودَ والنصارى اختلفوا فيما بينهم، فجاء الفريقان جميعاً إلى رسول الله  .

وقال كل فريق: نحن أولى بإبراهيم-  - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «كُلُّكُمْ عَلَى الخَطَأ» فغضبوا.

وقالوا: والله ما تريد إِلاَّ أَن نتخذك حَنَّاناً، أي معبوداً، فأنزل الله تعالى مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ، يعني القرآن والحكم، يعني الحلال والحرام والنبوة، ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله وَلكِنْ يقول لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي متعبدين ويقال كونوا علماء فقهاء.

قال الزجاج: الربانيون أرباب العلم، والبيان، أي كانوا علماء بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ أي كونوا عاملين بما كنتم تعلمون، لأن العالم إنما يقال له عالم إذا عمل بما علم، وإن لم يعمل بعلمه، فليس بعالم، لأن من ليس له من علمه منفعة، فهو والجاهل سواء ثم قال: وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ يقول بما كنتم تقرؤون يعني كونوا علماء بذلك عاملين به.

قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو «بما كنتم تَعْلَمُون» بنصب التاء والتخفيف، يعني يُعَلِّمكم الكتاب ودراستكم والباقون بضم التاء والتشديد يعني تُعَلِّمُون غيركم فإنما يأمركم بذلك وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً يعني عيسى وعُزَيراً والملائكة- صلوات الله عليهم-، ولو أمركم بذلك لَكَفَر، وتنزع النبوة منه أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ يعني بعبادة الملائكة بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مخلصون بالتوحيد لله.

قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ولا يَأْمُرَ بنصب الراء ينصرف إلى قوله مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، فيصير نصباً بأن، والباقون ولا يأمرُكم بضم الراء على معنى الابتداء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التأويلات كقولهم: راعِنا [البقرة: ١٠٤] ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء: ٤٦] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين.

وقوله: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسّب.

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)

وقوله تعالى: مَا كانَ لِبَشَرٍ ...

الآية: معناه: النفْيُ التامُّ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوّة للكذبة والمدّعين، والْكِتابَ هنا اسم جنس، والْحُكْمَ: بمعنى الحكمة ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً» «١» وقال الفَخْر «٢» : هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢] يعني: العلم والفهم.

اهـ.

«وثُمَّ» : في قوله: ثُمَّ يَقُولَ: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: عِباداً: جمع «عَبْدٍ» ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى.

قال ع «٣» : والذي أستقْرَيْتُ/ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في التحقير.

قال ص: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى» : اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ.

اهـ.

قلتُ: وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الفرقان: ١٧] ونحوه يوضِّحه.

اهـ.

ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى- عليه السلام-، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسّرين: بل الإشارة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟

فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَعَاذَ اللَّهِ!

مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ» ، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أن تلزم هذا القول محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر «١» وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى:

المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه «٢» وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟

فَقَالَ- عليه السلام-: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» «٣» .

قيلَ:

وقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقوِّي هذا التأويل.

اهـ.

وقوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ...

الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضا زائدة

كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان «١» ، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ.

قال ع «٢» : فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: بِما كُنْتُمْ: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا» : مصدريةٌ، وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (عزَّ وجَلَّ) على ابن آدَمَ «٣» ، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» «٤» .

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا ﴾ أيْ: ولَكِنْ يَقُولُ لَهُمْ: كُونُوا، فَحَذَفَ القَوْلَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

فَأمّا الرَّبّانِيُّونَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يُغَذُّونَ النّاسَ بِالحِكْمَةِ، ويُرَبُّونَهم عَلَيْها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الفُقَهاءُ المُعَلِّمُونَ.

وقالَ قَتادَةُ وعَطاءٌ: هُمُ الفُقَهاءُ العُلَماءُ الحُكَماءُ.

قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُهم رَبّانِيُّ، وهُمُ العُلَماءُ المُعَلِّمُونَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أحْسَبُ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ، إنَّما هي عِبْرانِيَّةٌ، أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ زَعَمَ أنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُ الرَّبّانِيِّينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وإنَّما عَرَفَها الفُقَهاءُ، وأهْلُ العِلْمِ، قالَ: وسَمِعْتُ رَجُلًا عالِمًا بِالكُتُبِ يَقُولُ: هُمُ العُلَماءُ بِالحَلالِ والحَرامِ، والأمْرِ والنَّهْيِ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ: الرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ، لِأنَّ العِلْمَ: مِمّا يُطاعُ اللَّهُ بِهِ، فَدَخَلَتِ الألِفُ والنُّونُ في النِّسْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالُوا: رَجُلٌ لِحْيانِيٌّ: إذا بالَغُوا في وصْفِهِ بِكِبَرِ اللِّحْيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: تَعْلَمُونَ، بِإسْكانِ العَيْنِ، ونَصْبِ اللّامِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: تُعَّلِمُونَ مُثَّقَلًا، وكُلُّهم قَرَؤُوا: "تَدْرُسُونَ" خَفِيفَةً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وسَيُعِدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: تَدْرُسُونَ، بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ.

والدِّراسَةُ: القِرَآءَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: لِيَكُنْ هَدْيُكم ونِيَّتُكم في التَّعْلِيمِ هَدْيُ العُلَماءِ والحُكَماءِ، لِأنَّ العالِمَ إنَّما يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ إذا عَمِلَ بِعِلْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ.

و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ  ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ.

وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ".

والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ.

والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ  ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها  ﴾ فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ.

وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.

والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ  ﴾ "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ  ﴾ وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ  ﴾ فَنَوَّهَ بِهِمْ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ.

وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ.

وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.

قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ  ﴾ .

فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ  حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟

فَقالَ النَبِيُّ  : "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا  ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي  ﴾ ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض واستطراد: فإنه لما ذكر لَيّ اليهودِ ألسنتَهم بالتوراة، وهو ضرب من التحريف، استطرد بذكر التحريف الذي عند النصارى لمناسبة التشابه في التحريف إذ تقَوّل النصارى على المسيح أنه أمرهم بعبادته فالمراد بالبشر عيسى عليه السلام، والمقصود تنزيه عيسى عن أن يكون قال ذلك، ردّاً على النصارى، فيكون رجوعاً إلى الغرض الذي في قوله: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء إلى قوله بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 64].

وفي «الكشاف» قيل نزلت لأنّ رجلاً قال: يا رسول الله نُسلمُ عليك كما يُسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك.

قال: " لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيئكم واعرِفوا الحق لأهله " قلت: أخرجه عبد بن حميد عن الحسن، فعلى تقدير كونه حديثاً مقبولاً فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قص منها الردّ على جميع هذه المعتقدات.

ووقع في أسباب النزول للواحدي مِن رواية الكلبي، عن ابن عباس: أنّ أبا رافع اليهودي والسيدَ مِن نصارى نجران قالا يا محمد: «أتريد أن نعبدك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " معاذ الله أن يُعبد غير الله " ونزلت هذه الآية.

وقوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق.

وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فُلان فاعلاً كذا، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لِحمل اسم ذات على اسم ذات إلاّ بواسطة بعض الحروف، فصار التركيب: ما كان له أن يفعل، ويقال أيضاً: ليس له أن يفعل، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴾ [طه: 118].

فمعنى الآية: ليس قولُ ﴿ كونوا عباداً لي ﴾ حقاً لبشر أيِّ بشر كان.

وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو ﴿ وما كان الله ليعذّبهم ﴾ [الأنفال: 33]، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولاً لأجل فِعْل كذا، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحوداً.

والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي ﴾ أي ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ.

والعباد جمع عبد كالعبيد، وقال ابن عطية: «الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير، والعبيد يقصد منه، ولذلك قال تعالى: «يا عبادي» وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحِيرة ودخلوا تحت حكم كِسرى بالعباد، وقيل لأنهم تنصّروا فسموْهم بالعباد، بخلاف جمعه على عَبيد كقولهم: هم عبيد العَصا، وقال حمزةُ بنُ المطلب هل أنتم إلاّ عبيدٌ لأبي ومنه قول الله تعالى: ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت: 46]؛ لأنّه مكان تشفيق وإعْلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك آنس بها في قوله تعالى: ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [الزمر: 53] فهذا النوع من النظر يُسلك به سُبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية».

اه.

وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباداً للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّاً لهم، وجعلوه ابناً للَّه، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم: نحن عبد الله وعبيدُ عيسى، فلذلك جعلت مقالتُهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عباداً له دون الله، والمعنى أنّ لآمِر بأن يكون الناس عباداً له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله.

﴿ ولكن كونوا ربانيين ﴾ أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ، وهو الله تعالى، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يَكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه.

ومعنى ذلك أن يَكونوا مخلصين لله دون غيره.

والربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللِّحياني لعظيم اللحية، والشَّعراني لكثير الشعرَ.

وقوله: ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة، فإنّ فائدة العلم العمل.

وقرأ الجمهور: بما كنتم تعلمون بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام مضارع عَلِم.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: بضم ففتح فلاممٍ مشدّدة مكسورة مضارع عَلَّم المضاعف.

﴿ وتدرسون ﴾ معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير: لأنّ مادّة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرّر عمل يُعمل في أمثاله، فمنه قولهم: دَرَسَت الريحُ رسمَ الدار إذا عفته وأبلته، فهو دارس، يقال منزل دارس، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين.

وثوْب دارس خَلَقٌ، وقالوا: دَرَس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي الحديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة إلخ " رواه الترمذي فعطَفَ التدارس على القراءة فعُلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة.

وسموا بيت قراءة اليهود مِدْرَاساً كما في الحديث: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلخ.

ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازاً في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ على ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ .

وفعله من باب نصر، ومصدره في غالب معانيه الدرس، ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل دَرْساً ومنه سمي تعليم العِلم درساً.

ويجيء على وزن الفِعالة دِراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل، مثل الكتابة والقراءة، إلحاقاً لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة.

وفي قوله: ﴿ ولا يأمركم ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب.

وقرأ الجمهور «يأمُرُكم» بالرفع على ابتداء الكلام، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي، فإنه لما وقع بعد فعل منفي، ثم انتقض نفيه بلكن، احتيج إلى إعادة حرف النفي، والمعنى على هذه القراءة واضح: أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمُرهم أن يتخذوا الملائكة أرباباً.

وقرأه ابن عامر، وحمزة ويعقوب، وخلف: بالنصب عطفاً على أن يقولَ ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ ، وليست معمولة لأنْ: لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى: لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألاّ يأمركم أن تتخذوا، والمقصود عكس هذا المعنى، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد.

وقرأه الدُّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون.

ولعلّ المقصود من قوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ : أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة، فصوّروا صور النبيئين، مثل يحيى ومريم، وعبدوهما، وصوّروا صور الملائكة، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضربٌ من الوثنية.

قال ابن عرفة: «إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل ويَنهاكم.

والجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل».

وأقول: لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله: ﴿ ثم يقول للناس ﴾ لأنهم زعموا أنّ المسيح قال: إنه ابنُ الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرُهم باتخاذ الملائكة أرباباً، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن ذلك في نفس الأمر، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر، في الردّ على الأمة، على أنّ أنبياءهم لم يَأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام الإنكاري، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة، وهي قوله: ﴿ أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ .

فهناك سببان لإنكار أن يكونَ ما هم عليه مُرضياً أنبياءهم؛ فإنه كفر، وهم لا يرضون بالكفر.

فما كان من حقّ من يتبعونهم التلبُّس بالكفر بعد أن خرجوا منه.

والخطاب في قوله: ﴿ ولا يأمركم ﴾ التفات من طريقة الغيبة في قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ فالمواجَه بالخطاب هم الذين زعموا أنّ عيسى قال لهم: كونوا عباداً لي من دون الله.

فمعنى ﴿ أنتم مسلمون ﴾ يقتضي أنّهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس دينهم يطلق عليه أنه إسلام.

فقيل: أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين بقرينة قوله ﴿ بالكفر ﴾ .

وقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله: ﴿ إذ أنتم مسلمون ﴾ لأنّ اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن، فهذا الذي جرّأ من قالوا: إنّ الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «ألاَ نسجد لك»، ولا أراه لو كان صحيحاً أن تكون الآية قاصدة إياه؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: ثم يأمر الناس بالسجود إليه، ولما عرّج على الأمر بأن يكونوا عباداً له من دون الله ولا بأن يتّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أتَدْعُونا إلى عِبادَتِكَ كَما دَعا المَسِيحُ النَّصارى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فُقَهاءُ عُلَماءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: حُكَماءُ أتْقِياءُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الوُلاةُ الَّذِينَ يَرُبُّونَ أُمُورَ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَفي أصْلِ الرَّبّانِيِّ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَرُبُّ أُمُورَ النّاسِ بِتَدْبِيرِهِ، وهو قَوْلُ الشّاعِرِ: وكُنْتُ امْرَأً أفْضْتُ إلَيْكَ رَبابَتِي وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ فَسُمِّيَ العالِمُ رَبّانِيًّا لِأنَّهُ بِالعِلْمِ يُدَبِّرُ الأُمُورَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُضافٌ إلى عالِمِ الرَّبِّ، وهو عِلْمُ الدِّينِ، فَقِيلَ لِصاحِبِ العِلْمِ الَّذِي أمَرَ بِهِ الرَّبُّ رَبّانِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟

فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله...

!

أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره.

ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني.

فأنزل الله في ذلك من قولهما ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه.

فقال الله: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله نسلِّم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟

قال: لا.

ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فانه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله.

فأنزل الله: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربانيين ﴾ قال: فقهاء معلمين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربانيين ﴾ قال: حلماء علماء حكماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ ربانيين ﴾ قال: علماء فقهاء.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء فقهاء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء علماء.

وأخرج ابي جرير عن مجاهد قال: ﴿ الربانيون ﴾ الفقهاء العلماء.

وهم فوق الأحبار.

وأخرج عن سعيد بن جبير ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء أتقياء.

وأخرج ابن جرير عن ابي زيد قال: ﴿ الربانيون ﴾ الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر.

يلونهم، وقرأ ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ﴾ [ المائدة: 63] قال الربانيون الولاة ﴿ والأحبار ﴾ العلماء.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابق عباس أنه كان يقرأ ﴿ بما كنتم تعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ بما كنتم تعلمون ﴾ مثقلة برفع التاء وكسر اللام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، أنه قرأ ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ خفيفة بيصب التاء قال ابن عيينة: ما علموه حتى علموه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بكر قال: كان عاصم يقرؤها ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ مثقلة برفع التاء وكسر اللام.

قال: القرآن ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ قال: الفقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لا يعذر أحد حر، ولا عبد، ولا رجل، ولا امرأة؛ لا يتعلم من القرآن جهده ما بلغ منه فإن الله يقول: ﴿ كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ يقول: كونوا فقهاء، كونوا علماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ قال: مذاكرة الفقه، كانوا يتذاكرون الفقه كما نتذاكره نحن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا ﴾ قال: ولا يأمركم النبي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾ الآية.

لمَّا ادعت اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم، أخبرهم النبي  أنهم ليسوا على دينه، غضبوا، وقالوا: ما يرضيك منا يا محمد إلا أن نتخذك ربًّا ونعبدَك؟.

فقال رسول الله  : "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ربي".

فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

هذا قول ابن عباس (١) وقال الضحاك (٢) (٣) فقوله (٤) ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ (٥)  على قول ابن عباس.

وعلى قول مقاتل، يعني: عيسى.

و (الحُكْم) (٦) ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا  ﴾ ، يعني: العلم والفقه.

و (الحُكْم): القضاء بالعدل (٧) واحْكُم كحُكْمِ فتاةِ (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ للِنَّاسِ ﴾ .

عطف على قوله: ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ﴾ أي: ما كان لبشرٍ أن يجمع بين هذين: بين النُّبُوَّة، وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله.

قال الزجاج (١٠) (١١) (١٢) ﴿ ثُمَّ يَقُولُ ﴾ على الاشتراك (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي ﴾ .

وقال صاحبُ النَّظْمِ: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ : نفيٌ، والنفي واقع غير موقعه؛ لأن التأويل ما كان لبشر يُؤتِيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ.

وقوله تعالى (١٦) ﴿ يُؤتِيَهُ اَللَّهُ ﴾ (١٧) (١٨) فالمنفي (١٩) (٢٠) ﴿ أَنْ ﴾ في غير موقعه، نسق (٢١) ﴿ ثُمَّ ﴾ .

ففي الآية تقديم حرف حقُّهُ أن يُؤَخَّرَ، ومثله من تقديم ما وجب أن يؤخر في النظم: قوله تعالى (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي ﴾ .

قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ .

أي: ولكن تقول: كُونُوا، فحذف القول؛ لدلالة الأولى عليه.

و (الرَّبّانِي): العالم، في قول كلهم.

أخبرني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، قال (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال سيبويه: زادوا ألِفًا ونونًا في (الرَّبّاني)، إذا (٣١) (٣٢) وقال ابنُ الأعرابي: الرباني: العالم المُعَلِّم، الذي يَغْدُوا الناسَ (٣٣) وقال المبرد (٣٤) (٣٥) والأَلِف والنُّونُ: للمبالغة؛ كما قالوا: (رَيّان) (٣٦) (٣٧) (٣٨) فعلى قول سيبويه؛ الرَّبّاني: منسوب إلى الرَّبِّ؛ على معنى التخصيص بعلم الرَّبِّ، أي: يَعْلَم الشريعة، وصفات الرب.

وعلى قول ابن الأعرابي، والمبرد؛ الرّبّانِي: من الرَّبِّ، الذي هو بمعنى: التربية، على البيان الذي ذكر.

وقال أبو عبيدة (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ .

فـ (الرَّبّانيُّون) إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا.

ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن (الأحبار): هم العلماء، و (الرَّبّانِي): الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم).

تفسيره: 3/ 296.]].

وقوله تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾ (٤٧) ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ (٤٨) (٤٩) ﴿ بِمَا ﴾ ، متعلقة بقوله: ﴿ كُونُوا ﴾ .

و (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا رَبَّانِيِّين، بكونكم عالمين؛ [أو: معلِّمين] (٥٠) وعلى هذا التقدير أيضًا قوله تعالى (٥١) ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .

ومثل هذا مِنْ كَوْن (٥٢) (٥٣) (٥٤) ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ  ﴾ ؛ أي: كنسيانهم لقاء يومهم، وككونهم (٥٥) فأما قوله: ﴿ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ ﴾ ، من قرأه (٥٦) (٥٧) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ  ﴾ ، وحجته: ما رُوي عن عمرو (٥٨) ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ ولم يقل: (تُدَرِّسُون)، وأيضًا فإن التشديد يقتضي مفعولين، والمفعول ههنا واحد، فالتخفيف أولى.

ومن قرأ بالتشديد: فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: بماكنتم تُعَلِّمونَ الناسَ الكتابَ، أو غيرَكم الكتابَ.

وحُذِف؛ لأن المفعول به قد يُحذَف من الكلام كثيرًا.

وحجته في التشديد: أن التعليم (٥٩) (٦٠) قال الزجاج (٦١) ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾ : كونوا معلِّمِي الناس بعِلْمِكم ودَرْسِكم، عَلِّموا الناسَ وبَيِّنوا لهم؛ كما تقول: انفعوهم بمالِكم.

وقيل (٦٢) (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .

أي: تقرأون (٦٤) ﴿ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ  ﴾ .

وشَرْحُ معنى الدَّرسِ والدراسة، يُذكر عند قوله: ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ  ﴾ .

(١) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: (116)، "تفسير ابن كثير" 1/ 404، "لباب النقول" 54، "الدر المنثور" 2/ 82 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".

(٢) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: 116، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 413.

(٣) قوله في "تفسيره" 1/ 286، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59 "زاد المسير" 1/ 413.

(٤) (فقوله): ساقط من: (ج).

(٥) في (أ): (وما).

(٦) من قوله: (والحكم ..) إلى نهاية بيت الشعر: من قول الليث بن المظفر، نقله المؤلف بتصرف من "تهذيب اللغة" 4/ 111.

(٧) في (ب): والعدل.

في (ج): (بالعذاب).

(٨) في (ب): قناة.

في (ج): (فتادة).

(٩) صدر بيت، وتمامه: == واحكم كحكم فتاةِ الحي إذْ نَظَرَتْ ...

إلى حَمامٍ شِراع واردِ الثَّمَدِ وهو في ديوانه: 34، وورد منسوبًا له، في "كتاب سيويه" 1/ 168، والحيوان، للجاحظ: 3/ 221، "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم)، "الصحاح" 5/ 1902 (حكم)، "أمالي ابن الشجري" 3/ 29، "اللسان" 2/ 951 (حكم)، (1006) (حمم)، "التصريح" 1/ 225، "شرح شواهد المغني" 1/ 75.

ويروى: (..

سِراع) بدلًا من (شراع).

والشاعر هنا يخاطب النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه، ويطلب منه أن يحكم بالعدل في أمره، كما حكمت فتاةُ الحيِّ، وهي زرقاء اليمامة، المشهورة بحدَّةِ النظر، حيث نظرت إلى سرب حمام في الجو، فأحصتها، ولم تخطيء في عددها.

و (شِراع): مقبلة على شِرعةِ الماء؛ أي: مَوْرِدهِ.

و (الثَّمَدِ): الماء القليل.

انظر: "اللسان" 4/ 2238 (شرع)، "القاموس" 270 (ثمد)، "شرح شواهد المغني" 1/ 76 - 77.

وقيل: إن معنى قوله: (احكم كحكم ..)؛ أي: كن حكيمًا كفتاة الحي؛ أي: إذا قلت فأصِبْ كما أصابت هذه المرأة في حكمها.

انظر: "التهذيب" 1/ 885.

(١٠) في "معاني القرآن" له: 1/ 435، نقله عنه بتصرف.

(١١) في (ب): (مثل ذ) ابدلا من (الكذبة).

(١٢) الواو ساقطة من: (أ)، (ب).

والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".

(١٣) في (ج): (الإشراك).

(١٤) في "معاني القرآن": (يقول) بدون واو.

(١٥) الأوْلى أن تكون (إيتاء النبوة) بدلًا من (إتيان)؛ لأن الإتيان: المجيء، وهو == مصدر: (أتى يأتي)، ومن مصادره أيضًا: (أتْيًا، وأُتِيَّا، وإتِياَّ، ومأتاة).

أما قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِيَهُ ﴾ ، فهو من: (آتاه، يُؤْتيه)؛ أي: أعطاه، يعطيه.

والمصدر: إيتاء.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 115 (أتى)، والسان: 1/ 21 (أتي).

(١٦) (تعالى): ساقطة من: (ج).

(١٧) في (ب): ﴿ يَقُولَ للِنَّاسِ ﴾ .

(١٨) (صفة للنكرة): ساقطة من (ب).

(١٩) في (ب): (والمنفي).

(٢٠) في (ب): (وإنما).

(٢١) أي: عطف.

وحروف النسق، هي: حروف العطف.

(٢٢) (تعالى): ساقطة من: (ج).

(٢٣) (أن تطؤوهم): ساقطة من: (ج).

(٢٤) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.

(٢٥) قبيلة عربية مُضَرية عدنانية، كانت مساكنهم بين المدينة ووادي القرى.

وقد قاتلت مُزينة مع النبي  في غزوة حنين، واشتركوا في فتح مكة مع خالد بن الوليد  .

انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1083.

(٢٦) فرق الراغب بينهما، فجعل (العبد) بمعنى (العابد)، وجعل (العبيد) جمع (العبد) الذي هو مسترقٌّ.

أي: أن (العباد) من العبادة، و (العبيد) من العبودية، وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله.

ثم قال: (فـ (العبيد) إذا أضيف إلى الله، أعم من (العباد)؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ ، فنبه إلى أنه لا يظلم من يختص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذي تسموا بـ (عبد الشمس)، و (عبد اللات)، ونحو ذلك).

"المفردات" 543 (عبد).

ويرى ابن عطية أن (العباد) (جمع (عبد)؛ متى سيقت اللفظةُ في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن)، وضرب لذلك أمثلة، منها: ﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ ، و ﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  ﴾ .

"المحرر الوجيز" 3/ 187، وانظر: "روح المعاني" 3/ 207.

(٢٧) قوله هذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1336.

ومن قوله: (قال ..) إلى (..

بصغار العلوم قبل كبارها): موجود مع اختلاف يسير في "التهذيب" 15/ 179.

(٢٨) هو: المفضَّل بن سَلمة بن عاصم، أبو طالب الضَّبِّي، تقدمت ترجمته.

(٢٩) في (ب): (للجماعة).

(٣٠) هو ثعلب كما في "تهذيب اللغة" قوله: (الربّاني: العالم.

والجماعة: الربَّانيون).

(٣١) (إذا): ساقطة من (ج).

(٣٢) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 380.

"المقتضب" 3/ 144.

(٣٣) في (ج): (للناس).

(٣٤) قوله بنصه، في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 122.

(٣٥) انظر: "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" 2/ 1336 (ربَّ)، "تاج" 2/ 10 (ربب).

(٣٦) في (أ)، (ب)، (ج): (ربَّان).

والمثبت من "تفسير الثعلبي".

(٣٧) في (ب): (وعرقان)، في (ج): (وعرثان).

(٣٨) يقال: (وَسِنَ، يَوْسَنُ، وَسَنًا)، و (سِنَةً)، و (وَسْنَةً)، أي: أخذ في النُّعاس، فهو: (وَسِنٌ)، و (وَسْنان)، و (مِيْسان).

والاسم: (الوَسَن)، وهو: النعاس.

انظر (وسن) في "المجمل" 925، "القاموس" (1238)، "المعجم الوسيط" 1033.

(٣٩) قوله في "مجاز القرآن" 1/ 97.

(٤٠) ونص قول أبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" (لم يعرفوا ربّانيِّين).

وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1336: (قال أبو عبيدة: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هي عبرانية أو سريانية: وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربّانيين.

قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم).

(٤١) (معنى): ساقطة من: (ب).

(٤٢) (هذا): مطموسة في (أ).

ومثبتة من: (ب)، (ج).

(٤٣) الرواية في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 691، "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.

(٤٤) في (ب): (مسلمين).

واختلفت ألفاظ هذه الرواية عن ابن عباس في مصادرها، فعند الطبري، ورد: (حكماء فقهاء)، وعند ابن أبي حاتم: (الفقهاء المعلمون)، ومثله عند الثعلبي.

وورد عن ابن عباس من رواية عطية العوفي: (حكماء فقهاء)، هكذا عند الطبري.

وعند الثعلبي: (حكماء علماء).

ومن رواية الضحاك عنه: (الفقهاء العلماء).

انظر المراجع السابقة.

(٤٥) هو: أبو إسماعيل، مُرَّة بن شَرَاحِيل، الكوفي، البكيلي الهَمْداني، تقدم 2/ 77 (٤٦) هو ابن قتيبة وقوله في "تفسير غريب القرآن" له: 107.

(٤٧) (الكتاب): ساقطة من (ج).

(٤٨) في (أ): (تُعَلمون).

وفي (ب)، (ج) مهمل، لم يضبط بالشكل.

وما أثبته هو الصواب.

وهذه القراءة بفتح التاء، وإسكان العين وفتح اللّام، قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.

وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بضم التاء وتشديد اللام المكسورة.

انظر: "السبعة" 213، "الكشف" 1/ 351.

(٤٩) من قوله: (الباء ..) إلى (..

أبلغ في هذا الوضع): نقله باختصار وتصرف من "الحجة" للفارسي: 3/ 59 - 61.

(٥٠) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب).

ومثبت من (ج).

إلّا أنه ورد في (ج): (أي: معلمين)، بدلًا من: (أو معلمين)، ولم أرَ لها وجهًا.

والصواب ما أثبته؛ لأن المؤلف هنا يذكر التقدير في القراءتين باعتبار أنَّ (ما) مصدرية فيهما.

ففي القراءة الأولى ﴿ تَعلمون ﴾ ، يكون التقدير: (بكونكم عالمين)، أو يكون التقدير: (بكونكم مُعَلِّمين) على اعتبار القراءة الثانية ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ .

ويعزز هذا ما ورد في "التفسير الوسيط" للمؤلف؛ حيث أورد في هذا الموضع القراءتين، فقال عن قراءة: ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ (أي: بكونكم عالمين).

وقال عن قراءة ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بالتشديد: (بكونكم معلمين).

"الوسيط" تحقيق بالطيور: 255.

(٥١) لفظة (تعالى): ساقطة من: (ج).

(٥٢) في (ب): (ممن تكون فيه).

(٥٣) في (ب): (بمعنى).

(٥٤) ما بين المعقوفين زيادة من: ب.

(٥٥) في (ج): (ولكونهم).

(٥٦) في (ج): (قرأ).

(٥٧) في (ج): (يريد).

(٥٨) هو أبو عمرو بن العلاء، ممن قرأ ﴿ تَعْلَمون ﴾ .

(٥٩) في (ج): (العلم).

(٦٠) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ، "حلية الأولياء" 2/ 98، "صفة الصفوة" 2/ 16.

(٦١) في "معاني القرآن" له: 1/ 435.

نقله عنه بالمعنى.

(٦٢) هذا القول يدخل ضمن معنى قول الزجاج في المصدر السابق.

(٦٣) في (ب): (تطلق).

(٦٤) في (ج): (تقرون).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآية: هذا النفي متسلط على ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ﴾ والمعنى: لا يدعي الربوبية من آتاه الله النبوّة، والإشارة إلى عيسى عليه السلام، ردٌّ على النصارى الذي قالو: إنه الله، وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن اليهود قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟

فقال: معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت ﴿ ربانيين ﴾ جمع رباني، وهو العالم، وقيل الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ الباء سببية وما مصدرية ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بالتخفيف تعرفون.

وهي قراءة نافع وغيره وقرئ بالتشديد من التعليم ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ بالرفع: استئناف، والفاعل الله أو البشر المذكور، وقرئ بالنصب عطف على أن يؤتيه أو على ثم يقول، والفاعل على هذا البشر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.

الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.

الباقون ساكنة الهاء.

﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.

عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.

الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.

﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.

الباقون بالنصب.

/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.

وقوله: "قل" مع مقوله معترض.

ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.

﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.

﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.

وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.

والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.

روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.

وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.

فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.

واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.

وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ .

وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.

وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.

فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.

وتقريره "أنه  كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.

ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.

وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

ثم قال  : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.

واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.

أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.

وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.

والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟

فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.

ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟

والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟

ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه  ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.

واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم  ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.

فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب  ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.

ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.

فقيل للنبي  ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.

ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟

يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟

ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.

وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.

أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.

والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.

أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا  ﴾ أي لا تضلوا.

والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.

وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.

فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.

فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.

قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.

وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.

قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.

وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون  ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها  ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد  كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟

ربما يدل على صحة دين محمد  عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.

فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.

على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.

فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟

وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟

قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.

كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله  بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو  الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.

واعلم أنه  حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.

وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.

والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.

ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .

وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.

ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه  أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله  في قدرته وحكمته.

ثم إنه  كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.

فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.

فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.

وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.

وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.

ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.

والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.

وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.

وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.

ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.

ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.

وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.

قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.

ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.

قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله  : ﴿ أمة قائمة  ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.

وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً  ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.

فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.

إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.

روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.

فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال  : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.

أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.

عن النبي  أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .

وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.

فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾  فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.

وعلى هذا فلا وقف على "بلى".

وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله  في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد  .

ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.

وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .

واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.

فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله  بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.

فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.

ثم إنه  لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.

وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.

واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.

قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.

كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد  وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.

وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟

قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟

قال: لا.

قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.

قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.

لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.

فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.

فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.

وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.

وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله  فقال: شاهداك أو يمينه.

فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.

فقال  : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.

وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.

ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله  أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.

والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.

ثم إنه  رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.

وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.

وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.

قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.

وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.

قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.

تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.

وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.

ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.

قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.

وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه  يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو  منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.

قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله  به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله  فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.

فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.

وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد  وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.

وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.

أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.

فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.

ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.

وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.

فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.

وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.

واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد  بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله  لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.

احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله  وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.

والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.

ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.

وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله  : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟

فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.

وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .

وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات  ﴾ وقيل: معناه أنه  لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.

وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله  ويحتج / على صدقه بالمعجزة.

فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.

والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.

وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟

فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.

ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.

ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.

وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل  ﴾ ومعناه النفي لا النهي.

ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.

وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.

وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.

والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.

والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.

قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب  فينسب إليه.

فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله  ومواظبتكم على طاعته.

وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.

وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.

عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.

فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال  : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله  : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.

﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.

والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.

ويراد بالنبيين غيره  كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.

ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.

وقال ابن جريج لمحمد  ، وقيل: لعيسى.

وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.

﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.

قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله  أن يسجدوا له.

قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي  أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: عهد الله: أمره ونهيه.

يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به.

﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : أيمانهم التي حلفوا كذباً أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم.

ويحتمل: أن حلفوا كذباً، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله -  - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" وتلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...

﴾ الآية.

والعهد والإيمان سواء؛ ألا ترى [إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ...

 ﴾ الآية.

ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله]، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات والحسنات؛ كقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ  ﴾ .

وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً  ﴾ : صيّره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأوّل.

ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه عال ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.

ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ : نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِم ﴾ : أي: لا يجعل لخيراتهم ثواباً.

ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ : أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.

﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  ﴾ .

﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله.

وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ : أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كِذْبةً، وأن الله يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ ، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، والله الموفق.

وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يؤتي النفس البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ  بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ  ﴾ .

فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ وكذلك قال عيسى -  - في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  ﴾ .

وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد  - قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ  ﴾ : شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي  ؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ ﴾ : معناه: أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .

ثم اختلف في ﴿ رَبَّـٰنِيِّينَ ﴾ ؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلِّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه.

وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء.

وقيل: حكماء علماء.

وقيل: علماء فقهاء.

وهو واحد.

ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئاً أو يعلّم آخر يكون فقيهاً فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى.

وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ﴾ .

اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أرباباً؛ لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقيل: إن عيسى وعزيراً ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة.

وقوله: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد.

ويحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله كتابًا منزلًا من عنده، ويرزقه العلم والفهم، ويختاره نبيًّا؛ ثم يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين مربين للناس مصلحين لأمورهم بسبب تعليمكم الكتاب المنزل للناس، وبما كنتم تدرسونه منه حفظًا وفهمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.RO7yq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن ما روي من أن بعض الصحابة طلب أن يسجدوا للرسول هو من الروايات التي لم يق الله المسلمين شرها، ولا حاجة إليها في القرآن، فإن الآية متصلة بما قبلها فهي في سياق الرد على أهل الكتاب إبطال لما ادعاه بعضهم من أن لله تعالى ابنًا أو أبناء حقيقة وأن بعض الأنبياء أثبت ذلك لنفسه.

وصرح بأن هذه الدعوى مما يدخل في ليِّ اللسان بالكتاب وتحريفه بالتأويل.

ويصح أن تكون ردًا على أصحاب هذه الدعوى ابتداء مستأنفًا استئنافًا بيانيًا كأن النفس تتشوف بعد بيان حال فرق اليهود إلى بيان حال النصارى وما يدعون في المسيح فجاءت الآيتان في ذلك.

إن عبارات الكتاب ربما تذهب النفس فيها مذاهب التأويل، فالعمل هو الذي يقرر الحق فيها.

وقد تقدم تفسير الحكمة بفقه الكتاب ومعرفة أسراره وأن ذلك يستلزم العمل به.

﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  ﴾ : أفادت الآية أن الإنسان يكون ربانيًا بعلم الكتاب ودرسه وبتعليمه للناس ونشره، ومن المقرر أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعمل بالعلم والعلم الذي لا يبعث إلى العمل لا يعد علمًا صحيحًا لأن العلم الصحيح ما كان صفة للعالم وملكة راسخة في نفسه وإنما الأعمال آثار الصفات والملكات، والمعلم يعبر عما رسخ في نفسه ومن لم يحصل من علم الكتاب إلا صورًا وتخيلات تلوح في الذهن ولا تستقر في النفس لا يمكنه أن يكون معلمًا له يفيض على غيره كما أنه لا يكون عاملًا به على وجهه كما ثبت بالمشاهدة والاختبار.

﴿ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ : معناه أنه ما كان للمسيح أن يأمر أهل الكتاب الذين بعث فيهم بعبادته بعد إذ كانوا موحدين بمقتضى ما جاءهم به موسى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد