الآية ٩٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩٢ من سورة آل عمران

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ روى وكيع في تفسيره عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ( لن تنالوا البر ) قال : البر الجنة ] وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء - وكانت مستقبلة المسجد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب - قال أنس : فلما نزلت : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قال أبو طلحة : يا رسول الله ، إن الله يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله [ تعالى ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بخ ، ذاك مال رابح ، ذاك مال رابح ، وقد سمعت ، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين " .

فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله .

فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .

أخرجاه .

وفي الصحيحين أن عمر [ رضي الله عنه ] قال : يا رسول الله ، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر ، فما تأمرني به ؟

قال حبس الأصل وسبل الثمرة " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي عمرو بن حماس عن حمزة بن عبد الله بن عمر ، قال : قال عبد الله : حضرتني هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فذكرت ما أعطاني الله ، فلم أجد شيئا أحب إلي من جارية رومية ، فقلت ، هي حرة لوجه الله .

فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها ، يعني تزوجتها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن تدركوا، أيها المؤمنون، البرَّ = وهو " البر " من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له ويرجونه منه، وذلك تفضّله عليهم بإدخالهم جنته، وصرف عذابه عنهم.

* * * ولذلك قال كثير من أهل التأويل " البر " الجنة، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة.

(1) ذكر من قال ذلك.

7386 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله: " لن تنالوا البر "، قال: الجنة.

7387 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله: " لن تنالوا البر "، قال: البر الجنة.

7388 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لن تنالوا البر "، أما البر فالجنة.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: لن تنالوا، أيها المؤمنون، جنة ربكم =" حتى تنفقوا مما تحبون "، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم، من نفيس أموالكم، كما:- 7389 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى &; 6-588 &; تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوَوْن من أموالكم.

7390 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن قوله: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، قال: من المال.

* * * وأما قوله: " وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم "، فإنه يعني به: ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم، (2) فإنّ الله تعالى ذكرُه بما يتصدَّق به المتصدِّق منكم، فينفقه مما يحبّ من ماله في سبيل الله وغير ذلك -" عليم "، يقول: هو ذو علم بذلك كله، لا يعزُبُ عنه شيء منه، حتى يجازي صاحبه عليه جزاءَه في الآخرة، كما:- 7391 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده: " وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم "، يقول: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ شاكرٌ له.

* * * وبنحو التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآية جماعةٌ من الصحابة والتابعين.

ذكر من قال ذلك: 7392 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جارية من جَلولاء يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سَعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول: " لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون "، فأعتقها عمر = وهي مثْل قول الله عز وجل: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [سورة الإنسان: 8]، و وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [سورة الحشر: 9].

7393 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله سواء.

7394 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: لما نـزلت هذه الآية: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )، أو هذه الآية: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [سورة البقرة: 245 الحديد: 11]، قال أبو طلحة، يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صَدَقة، ولو استطعت أن أجعله سرًّا لم أجعله علانية!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها في فقراء أهلك.

(3) 7395 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال، قال حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما نـزلت هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، قال أبو طلحة: يا رسول الله، إنّ الله يسألنا من أموالنا، اشهدْ أني قد جعلت أرضي بأرْيحا لله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها &; 6-590 &; في قرابتك.

فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب.

(4) 7396 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا ليث، عن ميمون بن مهران: أنّ رجلا سأل أبا ذَرّ: أيّ الأعمال أفضل؟

قال: الصلاة عمادُ الإسلام، والجهاد سَنامُ العمل، والصدقة شيء عَجبٌ!

فقال: يا أبا ذر، لقد تركتَ شيئًا هو أوَثقُ عملي في نفسي، لا أراك ذكرته!

قال: ما هو؟

قال: الصّيام!

فقال: قُرْبة، وليس هناك!

وتلا هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تُنفقوا مما تحبُون ".

(5) 7397 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني داود بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عمرو بن دينار قال: لما نـزلت هذه الآية: " لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون "، جاء زيدٌ بفرس له يقال له: " سَبَل " إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدَّق بهذه يا رسول الله.

فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدّق به!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قُبلتْ صَدَقتك.

(6) 7398- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن أيوب وغيره: أنها حين نـزلت: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "، جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبُّها، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله.

فحملَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها أسامةَ بن زيد، فكأنَّ زيدًا وَجد في نفسه، فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إن الله قد قبلها.

(7) ------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير"البر" فيما سلف 2: 8 / 3: 336-338 ، 556 / 4: 425.

وفي المطبوعة: "وإكرامه إياه" بزيادة "واو" ، وهو خطأ صوابه في المخطوطة.

(2) انظر"ما" بمعنى"مهما" فيما سلف قريبًا ص: 551.

(3) الحديث: 7394- حميد: هو ابن أبي حميد الطويل.

والحديث رواه أحمد في المسند: 12170 ، عن يحيى بن سعيد القطان ، و: 12809 ، عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، و: 13803 ، عن عبد الله بن بكر - ثلاثتهم عن حميد ، عن أنس ابن مالك (ج 3 ص 115 ، 174 ، 262 حلبي).

ورواه الترمذي 4: 81 ، من طريق عبد الله بن بكر ، عن حميد.

وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

وذكره السيوطي 1: 50 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه.

وهو اختصار لرواية مطولة ، رواها مالك في الموطأ ، ص: 995-996 ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك.

ورواها أحمد في المسند: 12465 (3: 141 حلبي) ، من طريق مالك.

ورواها البخاري 3: 257 ، 5: 295-297 ، و 8: 168 ، ومسلم 1: 274- كلاهما من طريق مالك أيضًا.

وسيأتي عقب هذا ، مختصرًا أيضًا ، من رواية ثابت عن أنس.

الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار.

(4) الحديث: 7395- حماد: هو ابن سلمة.

والحديث رواه أحمد في المسند: 14081 (3: 285 حلبي) ، عن عفان ، عن حماد ، به ، نحوه.

ورواه مسلم 1: 274-275 ، من طريق بهز ، عن حماد بن سلمة ، به ، نحوه.

ورواه أبو داود: 1689 ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، وهو ابن سلمة.

وذكره السيوطي 1: 50 ، وزاد نسبته للنسائي.

وقوله"بأريحا"- هكذا ثبت في هذه الرواية في الطبري وليست تصحيفًا ، ولا خطأ من الناسخين هنا.

بل هي ثابتة كذلك في رواية أبي داود.

ونص الحافظ في الفتح: 3: 257 ، على أنها ثابتة بهذا الرسم في رواية أبي داود من حديث حماد بن سلمة.

ورواية مسلم"بيرحا".

واختلف في ضبط هذا الحرف فيه وفي غيره ، اختلافًا كثيرًا.

ونذكر هنا كلام القاضي عياض في مشارق الأنوار 1: 115-116 ، بنصه.

ثم نتبعه بكلام الحافظ في الفتح 3: 257 ، بنصه أيضًا: قال القاضي عياض: "بيرحا ، اختلف الرواة في هذا الحرف وضبطه.

فرويناه بكسر الباء وضم الراء وفتحها ، والمدّ والقصر.

وبفتح الباء والراء معًا.

ورواية الأندلسيين والمغاربةٌ"بيرُحَا" - بضم الراء وتصريف حركات الإعراب في الراء.

وكذا وجدتُها بخط الأصيلي.

وقالوا: إنها"بير" مضافةُ إلى"حاء" - اسم مركب.

قال أبو عبيد البكري: "حاء" على وزن حرف الهجاء: بالمدينة ، مستقبلة المسجد ، إليها ينسب"بِيرُحَاء" ، وهو الذي صححه.

وقال أبو الوليد البَاجِي: أنكر أبو ذَرّ الضم والإعراب في الراء ، وقال: إنما هي بفتح الراء في كل حال.

قال الباجي: وعليه أدركتُ أهل العلم والحفظ في المَشْرِق ، وقال لي أبو عبد الله الصُّورِي: إنما هو"بَيْرَحَاء" بفتحهما في كل حال ، وعلى رواية الأندلسيين ضبطنا الحرف عَلى ابن أبي جعفر في مسلم.

وبكسر الباء وفتح الراء والقصر ضبطناها في الموطأ علَى ابن عتَّاب وابن حمدين وغيرهما.

وبضم الراء وفتحها معًا قيَّده الأصيلي.

وهو موضع بقبليّ المسجد ، يعرف بقَصْر بني حُدَيْلة ، بحاء مهملة مضمومة.

وقد رواه من طريق حماد بن سلمة"بَرِيحا".

هكذا ضبطناه عن شيوخنا: الحُشَنِي ، والأسدي ، والصَّدَفِي - فيما قيَّدوه عن العذري ، والسمرقندي ، والطبري ، وغيرهم.

ولم أسمع من غيرهم فيه خلافًا ، إلاّ أني وجدتُ أبا عبد الله بن أبي نصر الحُميديّ الحافظ ذَكَر هذا الحرف في اختصاره ، عن حماد بن سلمة -"بَيْرَحَاء" كما قال الصُّوري.

ورواية الرازي في مسلم ، في حديث مالك: "بَرِيحا".

وهو وَهَم ، وإنما هذا في حديث حماد ، وإنما لمالك"بيرحا" كما قيده فيها الجميع ، على الاختلاف المتقدّم عنهم ، وذكر أبو داود في مصنفه هذا الحرف في هذا الحديث - بخلاف ما تقدم ، قال: "جعلتُ أرضي بأريحا".

وهذا كله يدلّ على أنها ليست بِبِيٍر".

وقال الحافظ: "وقوله فيه"بَيْرَحَاء" - بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمدّ.

وجاء في ضبطه أوجُهٌ كثيرة ، جمعها ابن الأثير في النهاية ، فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها ، وبفتح الراء وضمها ، وبالمدّ والقصر.

فهذه ثمان لغات.

وفي رواية حماد بن سلمة"بَرِيحَا" - بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية.

وفي سنن أبي داود"بَارِيحَا" - مثله ، لكن بزيادة ألف.

وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور.

وكذا جزم به الصغاني ، وقال: إنه"فَيْعَلى" من"البَرَاح".

قال: ومَن ذكره بكسر الموحدة ، وظنَّ أنها بئر من آبار المدينة - فقد صَحَّفَ".

وانظر الفتح أيضًا 5: 296 ، ومعجم البلدان 2: 327-328.

(5) الخبر: 7396- هذا خبر منقطع الإسناد ، لأن ميمون بن مهران لم يدرك أبا ذر ، أبو ذر مات سنة 32 ، وميمون ولد سنة 40 ، ومات سنة 118 ، كما في تاريخي البخاري ، وتهذيب الكمال (مخطوط مصور).

والخبر ذكره السيوطي 2: 50 ، ولم ينسبه لغير الطبري.

قوله: "شيء عجب" -"أثبتنا ما في المخطوطة ، والذي في المطبوعة والدر المنثور"عجيب".

(6) الحديث: 7397- هذا حديث مرسل ، لأن عمرو بن دينار تابعي.

داود بن عبد الرحمن العطار المكي: ثقة من شيوخ الشافعي.

وثقه ابن معين ، وأبو داود ، وغيرهما.

عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث ، المكي النوفلي: ثقة.

أخرج له الجماعة.

وقد مضى في: 1489.

والحديث أشار إليه السيوطي 2: 50 ، ولم يذكر لفظه ، ولم ينسبه لغير الطبري.

وذكر قبله حديثًا"مثله" ، عن محمد بن المنكدر.

وهو حديث مرسل أيضًا.

ونسبه لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

اسم الفرس: "سبل" - بفتح السين المهملة والباء الموحدة.

ولم تنقط في المخطوطة ، ونقطت ياء تحتية في المطبوعة ، ورسمت"شبلة" في الدر المنثور.

والصواب ما أثبتنا ، وهكذا جاء اسمها في كتب الخيل وفي الشعر.

(7) الحديث: 7398- هوس حديث مرسل ، مثل سابقه.

وقد ذكره السيوطي 2: 50.

ونسبه لعبد الرزاق ، والطبري ، ولم ينسبه لغيرهما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم[ ص: 125 ] فيه مسألتان :الأولى : روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال : لما نزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة : إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبي بن كعب .

وفي الموطأ وكانت أحب أمواله إليه بئر حاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب .

وذكر الحديث .

ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه ; فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك .

ألا ترى أبا طلحة حين سمع لن تنالوا البر حتى تنفقوا الآية ، لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك فإنهم يحبون أشياء كثيرة .

وكذلك فعل زيد بن حارثة ، عمد مما يحب إلى فرس يقال له ( سبل ) وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه ; فجاء بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذا في سبيل الله .

فقال لأسامة بن زيد ( اقبضه ) .

فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله قد قبلها منك ) .

ذكره أسد بن موسى .

وأعتق ابن عمر نافعا مولاه ، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار .

قالت صفية بنت أبي عبيدة : أظنه تأول قول الله عز وجل : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

وروى شبل عن أبي نجيح عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتح مدائن كسرى ; فقال سعد بن أبي وقاص : فدعا بها عمر فأعجبته ، فقال إن الله عز وجل يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها عمر - رضي الله عنه - .

وروي عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خيثم قالت : كان إذا جاءه السائل يقول لي : يا فلانة أعطي السائل سكرا ، فإن الربيع يحب السكر .

قال سفيان : يتأول قوله جل وعز : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالا من سكر ويتصدق بها .

فقيل له : هلا تصدقت بقيمتها ؟

فقال : لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق [ ص: 126 ] مما أحب .

وقال الحسن : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تدركوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون .الثانية : واختلفوا في تأويل البر فقيل الجنة ; عن ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي .

والتقدير لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون .

والنوال العطاء ، من قولك نولته تنويلا أعطيته .

ونالني من فلان معروف ينالني ، أو وصل إلي .

فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون .

وقيل : البر العمل الصالح .

وفي الحديث الصحيح : عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة .

وقد مضى في البقرة .

قال عطية العوفي : يعني الطاعة .

عطاء : لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون الفقر .

وعن الحسن حتى تنفقوا هي الزكاة المفروضة .

مجاهد والكلبي : هي منسوخة ، نسختها آية الزكاة .

وقيل : المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات ، وهذا جامع .

وروى النسائي عن صعصعة بن معاوية قال : لقيت أبا ذر قال : قلت : حدثني قال : نعم .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده .

قلت : وكيف ذلك ؟

قال : إن كانت إبلا فبعيرين ، وإن كانت بقرا فبقرتين .

وقال أبو بكر الوراق : دلهم بهذه الآية على الفتوة .

أي لن تنالوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم ; فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي .

قال مجاهد : وهو مثل قوله : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا .

وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم أي وإذا علم جازى عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال { لن تنالوا } أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة، { حتى تنفقوا مما تحبون } أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق وبر قلوبكم ويقين تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في حال الصحة، ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك، ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا، وكان قوله { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لن تنالوا البر ) يعني : الجنة ، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، وقال مقاتل بن حيان : التقوى ، وقيل : الطاعة ، وقيل : الخير ، وقال الحسن : أن تكونوا أبرارا .

أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال : أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " .

قوله تعالى : ( حتى تنفقوا مما تحبون ) أي : من أحب أموالكم إليكم ، روى الضحاك عن ابن عباس : أن المراد منه أداء الزكاة .

وقال مجاهد والكلبي : هذه الآية نسختها آية الزكاة ، وقال الحسن : كل إنفاق يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البر وقال عطاء : لن تنالوا البر أي : شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول " كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ ذلك مال رابح .

أو قال : ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه " .

وروي عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فدعا بها فأعجبته ، فقال : إن الله عز وجل يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فأعتقها عمر .

وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال : خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه الآية ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قال ابن عمر : فذكرت ما أعطاني الله عز وجل ، فما كان شيء أعجب إلي من فلانة ، هي حرة لوجه الله تعالى ، قال : لولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها .

( وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) أي : يعلمه ويجازي به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لن تنالوا البرَّ» أي ثوابه وهو الجنَّةُ «حتى تنفقوا» تَصَّدَّقُوا «مما تحبون» من أموالكم «وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم» فيجازي عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر ، وعلى بيان سوء عاقبة الكافرين ، أتبعه بالحديث عن الطريق الذى يوصل المؤمنين إلى رضا الله وحسن مثوبته فقال - تعالى - : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } .تنالوا : من النيل وهو إصابة الشىء والحصول عليه .

يقال نال ينال نيلا ، إذا أصاب الشىء ووجده وحصل عليه .والبر : الإحسان وكمال الخير .

وأصله التوسع فى فعل الخير .

يقال : بر العبد ربه أى توسع فى طاعته .والإنفاق البذل ، ومنه إنفاق المار .

وعن الحسن : كل شىء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة يدخل فى هذه الآية .والمعنى : لن تنالوا حقيقة البر ، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذى يوصلكم إلى رضا الله ، وإلى جنته التى أعدها لعباده الصالحين ، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها فى سبيل الله ، وما تنفقوا من شىء - ولو قليلا - فإن الله به عليم ، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم .ولقد حكى لنا التاريخ كثيرا من صور البذل والإنفاق التى قام بها السلف الصالح من أجل رضا الله وإعلاء كلمته ، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بير حاء - موضع بالمدينة - وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها .

قال أنس : " فلما أنزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

.

.

، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله - تعالى - يقول في كتابه { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } وإن أحب أموالى إلى بير حاء ، وإنها صدقة لله - تعالى - أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ - كلمة استحسان ومدح - ذلك مال رابح - أى ذو ربح - ذلك مال رباح .

وقد سمعت ما قلت .

وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين .

قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله .

فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه " .قال القرطبى : " وكذلك فعل زيد بن حارثة ، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له " سَبل " وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مال أحب إلى من فرسى هذه ، فجاء بها إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : هذا في سبيل الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد : أقبضه ، فكأن زيدا وجد من ذلك فى نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قد قبلها منك " " .وأعتق عبد الله بن عمر نافعاً مولاه ، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار ، قالت صفية بنت أبى عبيد : أظنه تأول قول الله - تعالى - { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } .وقال الحسن البصرى : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون .وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما يحبون من أموالهم وغيرها تقربا إلى الله - تعالى - وشكراً له على نعمائه وعطائه ، فرضى الله عنهم وأرضاهم .ثم عاد القرآن الكريم إلى الرد على اليهود الذين جادلوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كثير من القضايا ، بعد أن ذكر فى الآيات السابقة طرفا من مسالكهم الخبيثة التى منها تواصيهم فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره ، وقد حكى هنا جدلهم فيما أحله الله وحرمه من الأطعمة فقال - تعالى - : { كُلُّ الطعام .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة، فقال: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وبيّن في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار، ثم قال في آية أخرى ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيم  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورا  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ  عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ  تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ  يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ  خِتَٰمُهُۥ مِسْكٌ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَٰفِسُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب  ﴾ فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى هاهنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر، وفيه لطيفة أخرى.

وهي أنه تعالى قال: ﴿ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الأخر والملئكة ﴾ إلى آخر الآية، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير، وسماه البر ثم قال في هذه الآية ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات، وهاهنا بحث وهو: أن لقائل أن يقول كلمة ﴿ حتى ﴾ لانتهاء الغاية فقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار، فهذا يقتضي أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات، وهو باطل، وجواب هذا الإشكال: أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعاً لجميع الخصال المحمودة في الدنيا، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به؟

فقال عليه السلام: «بخ بخ ذاك مال رابح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين».

فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها في أقاربه، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام: «إن الله قد قبلها» واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها؟

فقال: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

المسألة الثانية: للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما: ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله: ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ ﴾ فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني: الثواب والجنة فكأنه قال: لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه.

أما القائلون بالقول الأول، فمنهم من قال: ﴿ البر ﴾ هو التقوى واحتج بقوله: ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك الذين صَدَقُوا وأولئك هُمُ المتقون  ﴾ وقال أبو ذر: إن البر هو الخير، وهو قريب مما تقدم.

وأما الذين قالوا: البر هو الجنة فمنهم من قال: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر ﴾ أي لن تنالوا ثواب البر، ومنهم من قال: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم، وهو من قول الناس: برني فلان بكذا، وبر فلان لا ينقطع عني، وقال تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين ﴾ إلى قول: ﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في قوله: ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ منهم من قال: إنه نفس المال، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ  ﴾ ومنهم من قال: أن تكون الهبة رفيعة جيدة، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ  ﴾ ومنهم من قال: ما يكون محتاجاً إليه قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً  ﴾ أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه، وقال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  ﴾ وقال عليه السلام: «أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر» والأولى أن يقال: كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب.

المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق، هل هو الزكاة أو غيرها؟

قال ابن عباس: أراد به الزكاة، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ حتى التمرة، والقاضي اختار القول الأول، واحتج عليه بأن هذا الانفاق، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار، والفوز بالجنة، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق، لم يصر العبد بهذه المنزلة، وما ذاك إلا الانفاق الواجب، وأقول: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب.

المسألة الخامسة: نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى.

المسألة السادسة: قال بعضهم كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ للتبعيض، وقرأ عبد الله ﴿ حتى تُنفِقُواْ بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ ﴾ وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ وقال آخرون: إنها للتبيين.

وأما قوله: ﴿ وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ .

ففيه سؤال: وهو أن يقال: قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال.

والجواب: من وجهين: الأول: أن فيه معنى الجزاء تقديره: وما تنفقوا من شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح والثاني: أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود، أم الأخس الأرذل.

واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ  ﴾ قال صاحب الكشاف ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ لتبيين ما ينفقونه أي من شيء كان طيباً تحبونه أو خبيثاً تكرهونه فإن الله به عليم يجازيكم على قدره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَن تَنَالُواْ البر ﴾ لن تبلغوا حقيقة البرّ، ولن تكونوا أبراراً.

وقيل: لن تنالوا بر الله وهو ثوابه ﴿ حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها.

وتؤثرونها كقوله: ﴿ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: 267] وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله.

وروي: أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله.

إن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بخ بخ ذاك مال رابح أو مال رائح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: افعلِ يا رسول الله فقسمها في أقاربه.

وجاء زيد ابن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله أسامة بن زيد، فكأنّ زيداً وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدق به.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن الله تعالى قد قبلها منك» .

وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ فأعتقها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي ائتني بخير إبلي فجاء بناقة مهزولة.

فقال: خنتني، قال: وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وقرأ عبد الله: ﴿ حتى تنفقوا بعض ما تحبون ﴾ .

وهذا دليل على أنّ (من) في ﴿ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ للتبعيض.

ونحوه: أخذت من المال.

ومن في ﴿ مِن شَيْء ﴾ لتبيين ما تنفقوا، أي من أي شيء كان طيباً تحبونه أو خبيثاً تكرهونه ﴿ فَإِنَّ الله ﴾ عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ أيْ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي هو كَمالُ الخَيْرِ، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ والرِّضى والجَنَّةُ.

﴿ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ أيْ مِنَ المالِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ كَبَذْلِ الجاهِ في مُعاوَنَةِ النّاسِ، والبَدَنِ في طاعَةِ اللَّهِ والمُهْجَةِ في سَبِيلِهِ.

رُوِيَ « (أنَّها لَمّا نَزَلَتْ جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءُ فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ: بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ أوْ رائِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ).» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ  أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقالَ: زَيْدٌ إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها مِنكَ.» أوْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ، وأنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الإنْفاقَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ.

وقُرِئَ «بَعْضَ ما تُحِبُّونَ» وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ أوْ غَيْرِهِ ومِن لِبَيانِ ما.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَن تَنَالُواْ البر} لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه {حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها وعن الحسن كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو ثمرة فهو داخل في هذه الآية قال الواسطي الوصول البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين وقال أبو بكر الوراق لن تنالوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب وعن عمر بن عبد العزيز إنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له لم لا تتصدق بثمنها قال لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عليم} أى هو عليم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه ومن الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله حتى تنفققوا بعض ما تحبون والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ويُقْبَلُ مِنهم إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ولا يُقْبَلُ مِنهُمْ، وتَنالُ مِن نالَ نَيْلًا إذا أصابَ ووَجَدَ، ويُقالُ: نالَ العِلْمَ إذا وصَلَ إلَيْهِ واتَّصَفَ بِهِ، والبِرُّ الإحْسانُ وكَمالُ الخَيْرِ، وبَعْضُهم يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَيْرِ بِأنَّ البِرَّ هو النَّفْعُ الواصِلُ إلى الغَيْرِ مَعَ القَصْدِ إلى ذَلِكَ، والخَيْرَ هو النَّفْعُ مُطْلَقًا وإنْ وقَعَ سَهْوًا، وضِدُّ البِرِّ العُقُوقُ، وضِدُّ الخَيْرِ الشَّرُّ، وألْ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ والحَقِيقَةِ، والمُرادُ لَنْ تَكُونُوا أبْرارًا حَتّى تُنْفِقُوا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ لَنْ تُصِيبُوا بِرَّ اللَّهِ تَعالى يا أهْلَ طاعَتِهِ حَتّى تُنْفِقُوا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ وعَطاءُ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَ البِرِّ بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ والسُّدِّيِّ وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَنْ تَنالُوا ثَوابَ البِرِّ، وحَتّى بِمَعْنى إلى، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (بَعْضَ ما تُحِبُّونَ)، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، وعَلَيْهِ أيْضًا لا تَخالُفَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ جائِزٌ عَلى رَأْيِ أبِي عَلِيٍّ.

وفِي المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ أقْوالٌ؛ فَقِيلَ: المالُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ يُحِبُّونَهُ، وقِيلَ: نَفائِسُ الأمْوالِ وكَرائِمُها، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي يُحِبُّها الإنْسانُ ويَهْواها، والإنْفاقُ عَلى هَذا مَجازٌ، وعَلى الأوَّلَيْنِ حَقِيقَةٌ، وكانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصارِ نَخْلًا بِالمَدِينَةِ وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ النَّبِيُّ  يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعالى أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ ”،» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ: «“فَجَعَلَها بَيْنَ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”».

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قالَ: «“ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ يُقالُ لَها (سَبَلُ)، لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنها، فَقالَ: هي صَدَقَةٌ فَقَبِلَها رَسُولُ اللَّهِ  ، وحَمَلَ عَلَيْها اِبْنَهُ أُسامَةَ فَرَأى رَسُولُ اللَّهِ  ذَلِكَ في وجْهِ زَيْدٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَها مِنكَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، قالَ: ”حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ الخ، فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ تَعالى فَلَمْ أجِدْ أحَبَّ إلَيَّ مِن مَرْجانَةَ جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ تَعالى لَنَكَحْتُها فَأنْكَحْتُها نافِعًا“ .

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ نافِعٍ قالَ: ”كانَ اِبْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَشْتَرِي السُّكَّرَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ لَهُ: لَوِ اِشْتَرَيْتَ لَهم بِثَمَنِهِ طَعامًا كانَ أنْفَعَ لَهم مِن هَذا، فَيَقُولُ: أنا أعْرِفُ الَّذِي تَقُولُونَ ولَكِنْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ وأنَّ اِبْنَ عُمَرَ يُحِبُّ السُّكَّرَ“.

وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْفاقَ في الآيَةِ يَعُمُّ المُسْتَحَبَّ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ إخْراجُ الزَّكاةِ الواجِبَةِ وما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى في الأمْوالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن (ما تُحِبُّونَ) المالُ لا كَرائِمُهُ، فَقَوْلُ النَّيْسابُورِيِّ: إنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُزَكِّي أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ وأكْرَمَها، ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ، ولَوْ تَأمَّلَ ما اَعْتَرَضَ عَلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وضُعِّفَ بِأنَّ إيجابَ الزَّكاةِ لا يُنافِي التَّرْغِيبَ في بَذْلِ المَحْبُوبِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

واسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي لَمْ يُنْفِقُ طُولَ عُمْرِهِ مِمّا يُحِبُّهُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ لا يَكُونُ بارًّا أوْ لا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ خارِجٌ مَخْرَجَ الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ وهو مُقَيَّدٌ بِالإمْكانِ وإنَّما أُطْلِقَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ الكامِلَ الواقِعَ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، والفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْ طُولَ عُمْرِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بارًّا كامِلًا ولا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى الكامِلُ بِأهْلِ طاعَتِهِ، وقِيلَ: الأوْلى مِن هَذا الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ عَلى الإنْفاقِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ.

وحاصِلُهُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المَحْبُوبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ وأنَّ الإنْفاقَ مِمّا عَداهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى حَصْرِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ ونَفْيِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى فِعْلٍ آخَرَ مِنَ الأفْعالِ المَأْمُورِ بِها، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الفَقِيرُ الغَيْرُ المُنْفِقِ بارًّا أوْ نائِلًا بِرَّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ورُبَّما تَسْتَدْعِي أفْعالُهُ الخالِيَةُ عَنْ إنْفاقِ المالِ مِنَ البِرِّ ما هو أكْمَلُ وأوْفَرُ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ الإنْفاقُ المُجَرَّدُ مِنهُ؛ ويَنْجَرُّ الكَلامُ إلى مَسْألَةِ تَفْضِيلِ الفَقِيرِ الصّابِرِ عَلى الغَنِيِّ الشّاكِرِ، وهي مَسْألَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أُلِّفَتْ فِيها الرَّسائِلُ.

﴿ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ مِنَ الأشْياءِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا طَيِّبٍ تُحِبُّونَهُ، أوْ خَبِيثٍ تَكْرَهُونَهُ، فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ، وعَلى الثّانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، أيْ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ، فَإنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ ما تُنْفِقُونَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا عَلى الحَدِّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ مِن حُسْنِ النِّيَّةِ وقُبْحِها، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، قِيلَ: وفِيها إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى إخْفاءِ الصَّدَقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال ابن عباس في رواية أبي صالح أنه قال لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون، أي حتى تخرجوا أموالكم طيبة بها أنفسكم.

وقال مقاتل: يعني لن تنالوا التقوى، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة، أي بعض ما تحبون من الأموال وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ يعني الصدقة وصلة الرحم فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه، فيثيبكم عليه.

ويقال: لن تنالوا البر حتى تستكملوا التقوى.

ويقال: لا تكونوا بارين، حتى تنفقوا مما تحبون، أي من الصدقة، أي بعض ما تحبون من الأموال.

وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يشتري أعدالاً من السُّكَّر، ويتصدق بها.

فقيل له: هلا تصدقت بثمنه؟

فقال: لأنَّ السُّكَّر أَحبّ إِليَّ، فأردت أن أتصدق مما أحب.

وروي عن عبد الله بن عمر أنه اشترى جارية جميلة، وكان يحبها، فمكثت عنده أياماً، ثم أعتقها وزوجها من رجل، فَوُلِد لها ولد، فكان يأخذ ولدها، ويضمّه إلى نفسه.

ويقول: أشم منك ريح أمك.

فقيل له: قد رزقك الله من حلال، وأنت تحبها، فلم تركتها؟

فقال: ألم تسمع هذه الآية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.

وروي عن عائشة  ا أنها كانت تقرأ في مصحف مذهب، فلما انتهت إلى هذه الآية باعته، وتصدقت بثمنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟

فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه!

هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟

قَالُوا:

اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .

قال ع «٣» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.

وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ...

الآية: قال الزَّجَّاج «٤» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.

وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ

، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.

وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.

وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ......

الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟

وقال الفَخْر «١» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية.

اهـ.

قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه.

اهـ.

قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ.

اهـ.

وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم

في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.

وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟

فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» .

قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...

الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.

وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:

وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى.

هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:

المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ في البِرِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ بِكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ بِطاعَتِكم.

والثّانِي: التَّقْوى، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الطّاعَةُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والرّابِعُ: الخَيْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الأجْرَ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الأصْلِ، وإنَّما نَفْيُ وُجُودِ الكَمالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَنْ تَنالُوا البَرَّ الكامِلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ «نَفَقَةُ العَبْدِ مِن مالِهِ، وهو صَحِيحٌ شَحِيحٌ،» رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ الإنْفاقُ مِن مَحْبُوبِ المالِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وفي المُرادِ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها جَمِيعُ الصَّدَقاتِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها جَمِيعُ النَّفَقاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَتْ صَدَقَةً، أوْ لَمْ تَكُنْ، نُقِلَ عَنِ الحُسْنِ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى ورَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِي بِالمَدِينَةِ مالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بِيَرْحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ النَّبِيُّ  يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ.

قالَ أنَسٌ: فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ قامَ أبُو طَلْحَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِيَرْحاءَ.

وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ  : "بِخْ بِخْ ذاكَ مالَ رابِحٌ أوْ رائِحٌ [شَكَّ الرّاوِي ] وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتُ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ" فَقَسَّمَها أبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ، وبَنِي عَمِّهِ.» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ فَقالَ: لا أجِدُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَتِي رَمِيثَةَ، فَهي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ، لَنَكَحْتُها، فَأنْكَحَها نافِعًا، فَهي أمُّ ولَدِهِ.

وسُئِلَ أبُو ذَرٍّ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟

فَقالَ: الصَّلاةُ: عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ: سَنامُ العَمَلِ، والصَّدَقَةُ: شَيْءٌ عَجِبٌ.

ثُمَّ قالَ السّائِلُ: يا أبا ذَرٍّ لَقَدْ تَرَكْتَ شَيْئًا هو أوْثَقُ عَمَلٍ في نَفْسِي لا أراكَ ذَكَرْتَهُ قالَ: ما هُوَ؟

قالَ: الصِّيامُ.

فَقالَ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ أيْ: يُجازِي عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنْ يَصِلَ مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، مِن حَيْثُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُوافِي عَلى الكُفْرِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، وقَدْ بانَ أنَّهُ يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَحَضَّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقَرُّبَ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِتَحْرِيمِ ما كانَ يُحِبُّ عَلى نَفْسِهِ، لِيَدُلَّ تَعالى عَلى أنَّ جَمِيعَ التَقَرُّباتِ تَدْخُلُ بِالمَعْنى في جُمْلَةِ الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ.

وفَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّها مَعانٍ مُنْحازَةٌ، نَظَمَتْها الفَصاحَةُ المُعْجِزَةُ أجْمَلَ نَظْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى "لَنْ تَنالُوا".....

الآيَةُ، خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ السُدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: البِرُّ الجَنَّةُ.

وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما الخاصُّ بِاللَفْظَةِ أنَّهُ ما يَفْعَلُهُ البَرُّ مِن أفاعِيلِ الخَيْرِ، فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ تَعالى بِكُمْ، أيْ رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا، إلّا بِالإنْفاقِ المُنْضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم.

وَبِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «تَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِحائِطِهِ، المُسَمّى بَيْرَحا، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها، فَأعْطاها رَسُولُ اللهِ  أُسامَةَ ابْنَهُ، فَكَأنَّ زَيْدًا شَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ: "أما إنَّ اللهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ".» وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ وقْتَ فَتْحِ مَدائِنِ كِسْرى عَلى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَسِيقَتْ إلَيْهِ وأحَبَّها فَدَعا بِها يَوْمًا وقالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ فَأعْتَقَها.

فَهَذا كُلُّهُ حَمْلٌ لِلْآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِمّا تُحِبُّونَ" أيْ: مِن رَغائِبِ الأمْوالِ الَّتِي يُضَنُّ بِها، ويَتَفَسَّرُ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "خَيْرُ الصَدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى"...» الحَدِيثُ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ ما يُحَبُّ مِنَ المَطْعُوماتِ عَلى قَدْرِ الِاشْتِهاءِ يَدْخُلُ في الآيَةِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَهِي أكْلَ السُكَّرِ بِاللَوْزِ فَكانَ يَشْتَرِي ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ ويَتْلُو الآيَةَ.

وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ الطاعاتِ وجَدْتَها إنْفاقًا مِمّا يُحِبُّ الإنْسانُ، إمّا مِن مالِهِ، وإمّا مِن صِحَّتِهِ، وإمّا مِن دَعَتِهِ وتَرَفُّهِهِ، وهَذِهِ كُلُّها مَحْبُوباتٌ.

وسَألَ رَجُلٌ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟

فَقالَ: الصَلاةُ عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أراكَ تَرَكْتَ شَيْئًا وهو أوثَقُها في نَفْسِي: الصِيامَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ ...

الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ فِيهِ وعْدٌ، أيْ: عَلِيمٌ مُجازٍ بِهِ وإنْ قَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: "كُلُ الطَعامِ"...

الآيَةُ، إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ عن مُحَمَّدٍ  وجَمِيعِ الأُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأشْياءِ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأمْرِ اللهِ في التَوْراةِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهُمْ، إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُرِدْ بِهِ ولَدَهُ، فَلَمّا اسْتَنُّوا هم بِهِ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِنَ التَوْراةِ شَيْءٌ مِنَ الزَوائِدِ الَّتِي يَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها، وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ السُدِّيِّ، قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ عُقُوبَةً لِاسْتِنانِهِمْ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ إنَّما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ خاصَّةً لِنَفْسِهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ .

قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ في لَفْظَةِ "ظُلْمٍ" أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمٍ ونَحْوِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُقُوبَةَ وقَعَتْ بِذَلِكَ النَوْعِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إنَّ ما نُحَرِّمُهُ الآنَ عَلى أنْفُسِنا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في التَوْراةِ كانَ عَلَيْنا حَرامًا في مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ وأخْبَرَ أنَّ الطَعامَ كُلَّهُ كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ التَوْراةِ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ في خاصَّتِهِ، ثُمَّ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ هَذِهِ الزَوائِدُ في حَيِّزِ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِتَراجِمَ، وأدْخَلَ تَحْتَها أقْوالًا تُوافِقُ تَراجِمَهُ، وحَمَّلَ ألْفاظَ الضَحّاكِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وكَأنَّ المَعْنى: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهم قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ وبَعْدَ نُزُولِها، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ الضَحّاكُ ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، لَكِنَّهُ في نَفْسِهِ كَلامٌ مُتَخَرِّجٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ "كانَ" لا تَخُصُّ الماضِيَ مِنَ الزَمانِ، بَلْ تَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ ؛ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ.

وحَمَّلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمِ اللهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في تَوْراةٍ ولا غَيْرِها.

وهَذا تَحْمِيلٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ) وقَوْلُهُ  : « "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُحُومُ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حِلًّا" مَعْناهُ: حَلالًا، و"إسْرائِيلُ" هو يَعْقُوبُ.

وانْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِاجْتِهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما اقْتَضاهُ النَظَرُ لِمَصْلَحَةٍ أو قُرْبَةٍ أو زُهْدٍ، ومِن هَذا عَلى جِهَةِ المَصْلَحَةِ تَحْرِيمُ النَبِيِّ  جارِيَتَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ ولَمْ يُعاتِبْ يَعْقُوبَ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ تَرَتَّبَ في نازِلَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ  وقِيلَ: إنَّ هَذا تَحْرِيمُ تَقَرُّبٍ وزُهْدٍ، وتَحْرِيمُ الجارِيَةِ تَحْرِيمُ غَضَبٍ ومَصْلَحَةُ نُفُوسٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ -فَقالَ يُوسُفُ بْنُ ماهَكَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ولِمَ واللهُ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ ؟

فَضَحِكَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: وما يُدْرِيكَ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ؟

ثُمَّ أقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُحَدِّثُهم فَقالَ: إنَّ إسْرائِيلَ عَرَضَتْ لَهُ الأنْساءُ فَأضْنَتْهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا، قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَحْمِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ وغَيْرُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيما عَلِمْتُ أنَّ سَبَبَ التَحْرِيمِ هو مِن مَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ.

وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَسا.

وفي حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ عِصابَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؟

فَقالَ لَهُمْ: "أنْشُدُكم بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سَقَمُهُ مِنهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللهُ مِن سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَعامِ والشَرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها؟

قالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ".» وظاهِرُ الأحادِيثِ والتَفاسِيرِ في هَذا الأمْرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها -وَهُوَ يُحِبُّها- تَقَرُّبًا إلى اللهِ بِذَلِكَ، إذْ تَرْكُ التَرَفُّهِ والتَنَعُّمِ مِنَ القُرَبِ، وهَذا هو الزُهْدُ في الدُنْيا، وإلَيْهِ نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكم وهَذِهِ المَجازِرُ فَإنَّ لَها ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حازِمٍ الزاهِدِ، وقَدْ مَرَّ بِسُوقِ الفاكِهَةِ فَرَأى مَحاسِنَها فَقالَ: مَوْعِدُكِ الجَنَّةُ إنْ شاءَ اللهُ، وحَرَّمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أيْضًا العُرُوقَ، لَكِنْ بِغْضَةً لَها لَمّا كانَ امْتُحِنَ بِها، وهَذا شَيْءٌ يَعْتَرِي نُفُوسَ البَشَرِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ، واللهُ أعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ.

وَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  أنْ يَأْمُرَهم بِالإتْيانِ بِالتَوْراةِ، حَتّى يَبِينَ مِنها كَيْفَ الأمْرُ، المَعْنى: فَإنَّهُ أيُّها اليَهُودُ، كَما أنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ لا كَما تَدَّعُونَ أنْتُمْ؛ قالَ الزَجّاجُ: وفي هَذا تَعْجِيزٌ لَهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهي كَقِصَّةِ المُباهَلَةِ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ئناف وقع معتَرَضاً بين جملة ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفّار ﴾ [آل عمران: 91] الآية، وبين جملة ﴿ كُلّ الطعام كانَ حِلاّ لبني إسرائيل ﴾ [آل عمران: 93].

وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذَان بأنّ شرائع الإسلام تدور على مِحْور البرّ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرِم حقيقته إلاّ ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النَّفسانيّة.

فالمقصود من هذه الآيَة أمران: أوّلهما التَّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ، وثانيهما التنويه بالبرّ الَّذِي الإنفاق خصلة من خصاله.

ومناسبة موقع هذه الآية تِلْو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ، فبيْن الطرفيْن مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة.

والخطاب للمؤمنين لأنَّهم المقصود من كُلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيِّن المقصود منه.

والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه: إذ الخير قد يعظم بالكيفية، وبالكميّة، وبهما معاً، فبذل النَّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هوْل البحر، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعاً، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّاً أيضاً.

وروَى النَّوَّاسُ بن سِمْعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «البرُّ حُسْن الخُلُق والإثممِ ما حاك في النفْس وكَرهتَ أن يَطَّلع عليه الناس» رواه مسلم.

ومُقابَلَة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قِبل المَشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 177].

وقد جعل الإنفاق من نفس المال المُحَبّ غاية لانتفاء نوال البرّ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها، وهو مشعر بأنّ قبْل الإنفاق مسافاتتٍ معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيتْ غير مسلوكة، وأنّ البرّ لا يحصل إلاّ بنِهايتها وهو الإنفاق من المحبوب، فظهر ل (حتّى) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها: لأنَّه لو قيل إلاّ أن تنفقوا مِمَّا تحبّون، لتوهمّ السامع أنّ الإنفاق من المحَبِّ وحده يوجب نَوال البِرّ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الَّتي أشعرت بها (حتَّى) الغائية.

و (تنالوا) مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي.

والتّعريف في البِرّ تعريف الجنس: لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص، فبدونه لا تتحقَّق هذه الحقيقة.

والإنفاق: إعطاء المال والقوتتِ والكسوة.

وما صدقُ (ما) في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ المال: أي المال النَّفيس العزيز على النَّفس، وسوّغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف (من) للتبعيض لا غير، ومن جوّز أن تكون (من) للتبيين فقد سها لأنّ التبيينية لا بدّ أن تُسبق بلفظ مبهم.

والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدّقين، ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاقُ منه أي التّصدق دليل على سخاءٍ لوجه الله تعالى، وفي ذلك تزكية للنّفس من بقية ما فيها من الشحّ، قال تعالى: ﴿ ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9] وفي ذلك صلاح عظيم للأمّة إذ تجود أغنيَاؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتدّ بذلك أواصر الأخوّة، ويهنأ عيش الجميع.

روى مالك في «الموطأ»، عن أنس بن مالك، قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً، وكان أحبُّ أمواله بئرَ حاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزل قوله تعالى ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ جاء أبو طلحة، فقال: «يا رسول الله إنّ الله قال: ﴿ لن تنالوا البرّ حتَّى تنفقوا ممَّا تحبّون ﴾ ، وإنّ أحبّ أموالي بئر حاء وإنها صدقة لله أرجو بِرّها وذُخْرَها عندَ الله، فَضَعْهَا يا رسول الله حيثُ أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فَبَخْ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ وإني أرَى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفْعلُ يا رسول الله.

فجعلها لحسّان بن ثابت، وأبيّ بن كعب.

وقد بيَّن الله خصال البِرّ في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيّين وآتى المال على حُبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ في سورة [البقرة: 177].

(فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام ممَّا يعرض للمرء في أفعاله، وقد جمع الله بينه وبين التَّقوى في قوله: ﴿ وتعاونوا على البِر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ [المائدة: 2] فقابل البرّ بالإثم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النّواس بن سِمْعان المتقدّم آنفاً.

وقوله: ﴿ وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ تَذْييل قُصد به تعميم أنواع الإنفاق، وتبيين أنّ الله لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين، وقد يكون الشيء القليل نفيساً بحسب حال صاحبه كما قال تعالى: ﴿ والذين لا يجدون إلاّ جهدهم ﴾ [التوبة: 79].

وقوله: ﴿ فإن الله به عليم ﴾ مراد به صريحه أي يطّلع على مقدار وقعه ممَّا رغَّب فيه، ومرَاد به الكناية عن الجزاء عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ في البِرِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البِرَّ ثَوابُ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ فِعْلُ الخَيْرِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوابُ.

والثّالِثُ: أنَّ البِرَّ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تُنْفِقُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في الصَّدَقاتِ المَفْرُوضاتِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ فَرْضًا وتَطَوُّعًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: في سَبِيلِ الخَيْرِ كُلِّها مِن صَدَقَةٍ وغَيْرِها.

وَرَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ يُقالُ لَها: (سَبَلُ) إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعْطاها ابْنَهُ أُسامَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ).» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس قال: «كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله ان الله يقول ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ وان أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ ذاك مال رابح.

ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين.

فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله؟

فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير عن أنس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يسألنا من أموالنا، أشهد أني قد جعلت بأريحا لله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلها في قرابتك.

فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ أو هذه الآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعله في فقراء أهلك» .

وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحب إليَّ من مرجانة جارية لي رومية، فقلت هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها.

فأنكحها نافعاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب، إنه كتب إلى أبي موسى الأشعري، أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء.

فدعا بها عمر فقال: إن الله يقول ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها عمر.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها شبلة لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة.

فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل عليها ابنه أسامة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال: إن الله قد قبلها منك» .

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن دينار.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن أيوب وغيره «أنها حين نزلت ﴿ لن تنالوا البر...

﴾ الآية.

جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله هذا في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة بن زيد، فكأن زيداً وجد في نفسه.

فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم قال أما إن الله قد قبلها» .

وأخرج عبد بن حميد عن ثابت بن الحجاج قال: «بلغني أنه لما نزلت هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه فتصدق بها على المساكين، فأقاموها تباع وكانت تعجبه.

فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه أن يشتريها» .

وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران، أن رجلاً سأل أبا ذر أيُّ الأعمال أفضل؟

قال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب.

فقال: يا أبا ذر لقد تركت شيئاً هو أوثق عملي في نفسي لا أراك ذكرته!

قال: ما هو؟

قال: الصيام!

فقال: قربة وليس هنا.

وتلا هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن رجل من بني سليم قال: جاورت أبا ذر بالربذة، وله فيها قطيع إبل.

له فيها راع ضعيف فقلت: يا أبا ذر الا أكون لك صاحباً أكنف راعيك، واقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟

فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فأما أنت مطيعي فأنت لي صاحب وإلا فلا.

قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟

قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضل.

قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة فقال: ائتني ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل فإذا أفضلها فحلها ذلول، فهممت بأخذه ثم ذكرت حاجتهم إليه فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها فحانت منه نظرة فقال: يا أخا بني سليم خنتني.

فلما فهمتها منه خليت سبيل الناقة ورجعت إلى الإبل، فاخذت الفحل فجئت به فقال لجلسائه: من رجلان يحتسبان عملهما؟

قال رجلان: نحن...

قال: اما لا فأنيخاه، ثم اعقلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجزئوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتاً منها ففعلوا.

فلما فرق اللحم دعاني فقال: ما أدري أحفظت وصيتي فظهرت بها، أما نسيت فاعذرك؟

قلت: ما نسيت وصيتك ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه فذكرت حاجتكم إليه فتركته فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه؟

قلت: ما تركت إلا لذلك قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟

إن يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي.

إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن مع أن الله يقول ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ وأن هذا المال مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي.

وأخرج أحمد عن عائشة قالت «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينهَ عنه قلت: يا رسول الله أفلا نطعمه المساكين؟

قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه لما نزلت ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ دعا بجارية له فاعتقها.

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قرأ ابن عمر وهو يصلي فأتى على هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فاعتق جارية له وهو يصلي أشار إليها بيده.

وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر يشتري السكر فيتصدق به فنقول له: لو اشتريت لهم بثمنه طعاماً كان أنفع لهم من هذا، فيقول: إني أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله يقول ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ وابن عمر يحب السكر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ قال: الجنة.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون والسدي.

مثله.

وأخرج ابن المنذر عن مسروق.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: لن تنالوا بركم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوون من أموالكم ﴿ وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ﴾ يقول محفوظ: ذلك لكم والله به عليم شاكر له.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ﴾ قال شَمِر (١) ﴿ الْبِرَّ ﴾ : فقال بعضهم: البِرُّ: الصلاح.

وقال بعضهم: الخير، ولا أعلم تفسيرًا [أجمع منه؛ لأنه] (٢) قال: وجعل لَبِيد (٣) (٤) وقول الشاعر: تُحَزُّ رُؤوسُهم في غَيْرِ بِرِّ (٥) معناه: في غير طاعة وخير.

وعلى هذا دار كلام المفسرين.

قال عطاء (٦) (٧) (٨) ورُوِيَ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدِّي، أنهم قالوا (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك (١٢) وقال الحسن (١٣) ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، حتى التَّمْرَةَ.

وقال مجاهد، والكلبي (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

[تأويلها (١٦) ﴿ تُنْفِقُوا ﴾ ، والفاء في ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ] (١٧) وتأويل الآية: وما تنفقوا من شيء فإنَّ اللهَ يجازيكم به قَلَّ أو كَثُرَ، فإنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه.

نَظِير هذه الآية (١٨) ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ ، وقوله تعالى (١٩) ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ  ﴾ [[[سورة البقرة: 270] وبقيتها: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .]].

(١) من قوله (قال شمر) إلى (في غير طاعة وخير): نقله عن "تهذيب اللغة" 1/ 307 (برر).

(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): أجمع سيرة لأنه.

والمثبت من (ج)، "تهذيب اللغة".

(٣) في (ب): (لنيل).

(٤) صدر بيت، وبقيته: وما المال إلا مُعْمَراتٌ ودائِع وهو في ديوانه: 169.

وورد في "تهذيب اللغة" 1/ 307 (بر)، "اللسان" 1/ 252 (برر).

والمُضْمَر: الهزيل.

من: (ضَمَرَ، يضمُرُ، ضمورًا)، و (الضُمْرُ، والضُمُرُ): الهزال.

والمعمرات: من قول العرب: (هذه الدار لك عُمْرَى)؛ أي: لك ما عمرت، فإذا مت، فلا شيء.

(ضمر) "التهذيب" 3/ 2133، "القاموس" (429).

(٥) صدر بيت، وبقيته: فما يدرون ماذا يَتَّقونا وهو لعمرو بن كلثوم، من معلقته.

انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 397، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 126، "شرح القصائد العشر" للتبريزي:230.

وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" 1/ 307 (برر)، "اللسان" 1/ 252 (برر).

وورد (تَحُزُّ)، و (نَجُذُّ)، و (نَحُذُّ)، و (تَخر).

(٦) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "زاد المسير" 1/ 420، "تفسير القرطبي" 4/ 133.

ونص قوله: (لن تنالوا شرف الدين والتقوى، حتى تتصدقوا، وأنتم أصحاء أشحَّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر).

(٧) ورد هذا القول عن مقاتل بن سليمان، وهو في "تفسيره" 1/ 290.

وورد عن مقاتل بن حيان، وهو في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 703، "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 2/ 66، "زاد المسير" 1/ 420.

(٨) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "زاد المسير" 1/ 420.

(٩) قول ابن عباس، ومجاهد، في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 3/ 66، "تفسير القرطبي" 4/ 133.

وقول السدي، في "تفسير الطبري" 3/ 347، "ابن أبي حاتم" 3/ 703، "الثعلبي" 3/ 71أ، "البغوي" 3/ 66، "القرطبي" 4/ 133.

(١٠) لم أقف عليهم.

(١١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٢) هذه الرواية عنه، في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 3/ 66، "زاد المسير" 1/ 421.

(١٣) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 2/ 66.

(١٤) انظر المصادر السابقة.

(١٥) آية الزكاة، هي: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ .

قال الفخر الرازي -رادًّا على من قال إن هذه الآية منسوخة-: (وهذا في غاية البعدة لأن إيجاب الزكاة؛ كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى؟).

"تفسيره" 8/ 148.

(١٦) من قوله: (تأويلها ..) إلى (جواب المجازاة): نقله بتصرف عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 443.

(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(١٨) في (ج): (وهذا) - بدلًا من: (وهذه الآية).

(١٩) (تعالى): ساقطة من (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَن تَنَالُواْ البر ﴾ أي لن تكونوا من الأبرار، ولن تنالوا البر الكامل ﴿ حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ من أموالكم ولما نزلت قال أبو طلحة: إنّ أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة، وكان ابن عمر يتصدّق بالسكر ويقول: إني لأحبه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد.

﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.

وههنا لطيفة وهي / أنه  وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله  : ﴿ ولكن البر من آمن بالله  ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.

وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.

يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.

فقال  بخ بخ.

ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.

فقسمها  في أقاربه" .

وروي "أنه  جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .

وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله  لأسامة بن زيد.

فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.

فقال  : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله  يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.

فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.

فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.

فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن  ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.

وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".

وقال  : ﴿ أن تبروا وتتقوا  ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.

ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.

والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله  : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.

وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.

ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.

ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.

وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.

و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.

ثم إنه  بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد  على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.

ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي  بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد  ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.

وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟

فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.

وثالثا لما نزل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.

غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.

ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.

فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.

وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.

ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.

قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا  أنها كانت محرمة على إبراهيم  .

وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.

والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.

قال  : ﴿ لا هن حل لهم  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي  أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.

وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.

وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله  ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟

فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.

وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.

وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا  ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.

ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.

والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله  على إسرائيل.

فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.

وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.

وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله  أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.

ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا  ﴾ إلى آخر الآية.

ثم إن القوم نازعوا رسول الله  في إخباره عن الله  فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي  وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.

وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد  ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً  على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم  بحله حكم إبراهيم بحله.

وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله  ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.

قوله  : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.

فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد  .

وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله  نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.

وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.

وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله  ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.

قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.

فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.

ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.

ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.

ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.

روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.

وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله  بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.

وأمر الله  من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.

وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.

في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".

وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.

من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".

وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه  قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .

وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه  سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.

وأيضاً قال  في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً  ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.

القول الثاني: روي أن النبي  سئل عن أول مسجد وضع للناس؟

فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟

قال: لا.

قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.

واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.

ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.

فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.

ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.

وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.

ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.

ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه  وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم  وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه  أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه  يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.

ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.

وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.

وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.

وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.

فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.

ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.

ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.

وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.

وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه  وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.

/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.

قال  : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال  : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.

قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض  ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها  ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.

وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.

وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد  بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.

ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.

وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.

قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.

وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.

فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.

وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال  : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا  ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.

ومنه قوله  : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.

وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.

وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.

وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي  : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.

وعن ابن مسعود: وقف رسول الله  على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي  : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.

وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.

ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.

وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل:هم من استطاع.

والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.

واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد  مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.

والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.

/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله  : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.

ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.

ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي  مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟

فقال رسول الله  : "نعم ولك أجر" .

وعن جابر قال: حججنا مع النبي  ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.

ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.

فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله  : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.

ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.

ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.

والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.

النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه  فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.

نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.

وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.

ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.

ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.

فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.

القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.

فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.

والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.

المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.

وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.

كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.

ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.

المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.

وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.

المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.

ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.

ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.

ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.

ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.

وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.

حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي  من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.

وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.

وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي  فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟

فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟

قال: نعم قال:فاقضوا حق الله  فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله  على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.

وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.

ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.

والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.

وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.

ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.

والأجرة لا بد أن تكون معلومة.

فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.

وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.

وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.

ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.

ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله  : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله  : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.

ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .

ولم يقل "عنه" لأنه  إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.

ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.

وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله  أهل الأديان الستة.

المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله  كتب عليكم الحج فحجوا.

فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.

فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .

ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله  : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.

وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.

وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.

ثم إنه  لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد  بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟

﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.

وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد  .

ثم إنه  لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد  في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.

ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.

وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.

وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.

وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.

والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.

والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً  ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.

ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.

وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.

أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد  ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.

وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.

لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.

وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد  ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.

وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.

عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.

فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي  حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته  وأنصتوا له  وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .

وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟

الله الله.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله  سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .

قال جابر بن عبد الله.

"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله  .

فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله  .

فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .

﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.

والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول  في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟

ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي  .

قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي  فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته  وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.

ولهذا قال  : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.

وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.

ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.

أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.

قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.

ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.

متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.

إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.

وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية  ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.

وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.

فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.

ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.

ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.

ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.

ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.

وقس سائر المناسك على هذا.

﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.

﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً [لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الآية: اختلف فيه، قيل: قوله: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ ﴾ ]، أي: ماتوا على ذلك، فذلك زيادتهم الكفر.

وقيل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعاً، ثم ازدادوا كفراً: بمحمد  ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، قيل: لن تقبل توبتهم التي تابوا مرة ثم تركوها.

وقيل: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي: ليست لهم توبة [إلا أن] يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: ﴿ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ  ﴾ .

وقيل: هم قوم علم الله أنهم لا يتوبون أبداً؛ فأخبر أنه لا يقبل توتبهم؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ  ﴾ : أخبر أنه لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ في ذلك الوقت؛ إذا داموا على الكفر إلى ذلك الوقت.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم توبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ  ﴾ ، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس الله وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي تقدمت.

وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ ﴾ ، يقول: لو كان معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ  ﴾ ، أي: لا يكون لهم شفيع، لا أن كان لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، أي: لا يتوبون، والله أعلم.

وروي عن أنس بن مالك -  - أن نبي الله  قال: "يُجَاءُ بالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلءُ الأرْضِ ذهباً، أكُنْتَ مُفْتَدياً به؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ!" وقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاةُ والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ...

﴾ الآية [التوبة: 75-76]، إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  ﴾ : أخبر - عز وجل - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبّون من الأموال؛ وكقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ .

وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عز وجل - في إنفاق ما يحبّون؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ الآية [البقرة: 177]: أخبر أنّ البرّ ما ذكر: من الإيمان به؛ وإيتاء المال في حبه.

ورُوي عن أنس -  - قال: لما نزل قوله -  -: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي في مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسرّه ما أعلنته؛ فقال رسول الله  : "اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ - أو أَقْرِبَائِكَ" وروي عن ابن عمر -  - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية.

ثم اختلف في البرِّ، قيل: البرّ هو الجنة ههنا.

وقيل: البر هو الإسلام، إن كان في الكافرين.

وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند الله من الثواب إلا بإنفاق ما تحبون.

وقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

ففيه دليلُ قبول القليل من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصديق استحقاراً، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قل، بعد أن يكون ذلك لله عز وجلّ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لن تدركوا -أيها المؤمنون- ثواب أهل البر ومنزلتهم حتى تنفقوا في سبيل الله من أموالكم التي تحبونها، وما تنفقوا من شيء قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله عليم بنياتكم وأعمالكم، وسيجازي كلًّا بعمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.9AqEL"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الخطاب لا يزال لأهل الكتاب.

وإن المتبادر من الإنفاق هنا هو إنفاق المال لأن شأنه عند النفوس عظيم حتى أن الإنسان كثيرًا ما يخاطر بنفسه ويستسهل بذل روحه لأجل الدفاع عن ماله أو المحافظة عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله