الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٣٤ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 215 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولقد فتنا سليمان ) أي : اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة ، ( وألقينا على كرسيه جسدا ) قال ابن عباس ، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم : يعني شيطانا .
( ثم أناب ) أي : رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته .
قال ابن جرير : وكان اسم ذلك الشيطان صخرا .
قاله ابن عباس ، وقتادة .
وقيل : آصف .
قاله مجاهد وقيل : آصروا .
قاله مجاهد أيضا .
وقيل : حبقيق .
قاله السدي .
وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة .
وقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : قال أمر سليمان - عليه السلام - ببناء بيت المقدس فقيل له : ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد .
فقال : فطلب ذلك فلم يقدر عليه .
فقيل له : إن شيطانا في البحر يقال له : " صخر " شبه المارد .
قال : فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجعل فيها خمر ، فجاء يوم ورده فإذا هو بالخمر فقال : إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم ، وتزيدين الجاهل جهلا .
ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها فقال : إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم ، وتزيدين الجاهل جهلا .
ثم شربها حتى غلبت على عقله ، قال : فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل .
قال : وكان ملكه في خاتمه فأتي به سليمان فقال : إنه قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا : لا يسمعن فيه صوت حديد .
قال : فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها ، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه .
فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة .
وكان سليمان [ عليه السلام ] إذا أراد أن يدخل الخلاء - أو : الحمام - لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه ، وذلك عند مقارفة قارف فيه بعض نسائه .
قال : فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ، ونزع ملك سليمان منه وألقي على الشيطان شبه سليمان .
قال : فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه .
قال : فجعل يقضي بينهم ، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا : لقد فتن نبي الله .
وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال : والله لأجربنه .
قال : فقال : يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي الله - أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسا ؟
فقال : لا .
قال : فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ، ( وألقينا على كرسيه جسدا ) قال : هو الشيطان صخر وقال السدي : ( ولقد فتنا سليمان ) أي : ابتلينا سليمان ، ( وألقينا على كرسيه جسدا ) قال : جلس الشيطان على كرسيه أربعين يوما .
قال : وكان لسليمان - عليه السلام - مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها : " جرادة " ، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال : هاتي الخاتم .
فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه ، فقالت : ألم تأخذه قبل ؟
قال : لا .
وخرج مكانه تائها .
قال : ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما ، قال : فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه .
قال : فبكى النساء عند ذلك قال : فأقبلوا يمشون حتى أتوا فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوا .
قال : فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه .
ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر .
قال : وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه .
فاستطعمهم من صيدهم وقال : إني أنا سليمان .
فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته .
قال : إنه زعم أنه سليمان .
قال : فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شط البحر فشق بطونهما فجعل يغسل [ دمه ] فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه ، وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان - عليه السلام - فقام القوم يعتذرون مما صنعوا [ به ] فقال : ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم ، كان هذا الأمر لا بد منه .
قال : فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة .
وكان اسمه حبقيق قال : وسخر له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله : ( وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( وألقينا على كرسيه جسدا ) قال : شيطانا يقال له : آصف .
فقال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟
قال : أرني خاتمك أخبرك .
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان وذهب ملكه ، وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن - ولم يقربنه وأنكرنه .
قال : فكان سليمان يستطعم فيقول : أتعرفوني ؟
أطعموني أنا سليمان فيكذبونه ، حتى أعطته امرأة يوما حوتا فجعل يطيب بطنه ، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر فارا .
وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا : حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ( وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ) قال : أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه - وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه - فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي .
فأعطته إياه .
فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها : هاتي خاتمي .
قالت : قد أعطيته سليمان .
قال : أنا سليمان .
قالت : كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له : " أنا سليمان " ، إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة .
فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله - عز وجل - .
قال : وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان .
قال : فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن : أتنكرن من سليمان شيئا ؟
قلن : نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك .
فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر ، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس .
وقالوا : بهذا كان يظهر سليمان على الناس [ ويغلبهم ] فأكفر الناس سليمان - عليه السلام - فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته .
وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال : تحمل لي هذا السمك ؟
فقال : نعم .
قال : بكم ؟
قال بسمكة من هذا السمك .
قال : فحمل سليمان - عليه السلام - السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها ، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه .
قال : فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطانا مريدا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص قال : فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان ، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله : ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ) قال : يعني الشيطان الذي كان سلط عليه .
إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب ، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان - عليه السلام - فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفا وتكريما لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب .
وقال يحيى بن أبي عمرو السيباني : وجد سليمان خاتمه في عسقلان ، فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعا لله - عز وجل - رواه ابن أبي حاتم .
وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبرا عجيبا فقال : حدثنا أبي رحمه الله ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار ; أنه لما فرغ من حديث " إرم ذات العماد " قال له معاوية : يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان بن داود وما كان عليه ; ومن أي شيء هو ؟
فقال : كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مفصصا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ .
وقد جعل له درجة منها مفصصة بالدر والياقوت والزبرجد ثم أمر بالكرسي فحف من جانبيه بالنخل ، نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ .
وجعل على رءوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب ، ثم جعل على رءوس النخل التي على يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس ، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من ذهب ، وعن يسارها أسدان من ذهب وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد وجعل من جانبي الكرسي شجرتا كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر .
ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا .
فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان - عليه السلام - ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان .
ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد ، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه ، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد [ سليمان ] على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة .
فقال معاوية رضي الله عنه : وما الذي يديره يا أبا إسحاق ؟
قال : تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسي درن إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن على رأس سليمان [ ابن داود ] - عليه السلام - وهو جالس ثم ينضحن جميعا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان - عليه السلام - .
ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان على الناس .
وذكر تمام الخبر وهو غريب جدا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) يقول تعالى ذكره: ولقد ابتُلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا شيطانا متمثلا بإنسان, ذكروا أن اسمه صخر.
وقيل: إن اسمه آصَف.
وقيل: إن اسمه آصر.
وقيل: إن اسمه حبقيق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: هو صخر الجنيّ تمثَّل على كرسيه جسدا.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) قال: الجسد: الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه, فقذفه في البحر, وكان مُلك سليمان في خاتمه, وكان اسم الجنيّ صخرا.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا مبارك, عن الحسن ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: شيطانا.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: شيطانا يقال له آصر.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: شيطانا يقال له آصف, فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟
قال: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر, فساح سليمان وذهب مُلكه, وقعد آصف على كرسيه, ومنعه الله نساء سليمان, فلم يقربهنّ, وأنكرنه; قال: فكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفوني أطعموني أنا سليمان, فيكذّبونه, حتى أعطته امرأة يوما حوتا يطيب بطنه, فوجد خاتمه في بطنه, فرجع إليه مُلكه, وفر آصف فدخل البحر فارّا.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه, غير أنه قال في حديثه: فيقول: لو تعرفوني أطعمتموني.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) قال: حدثنا قتادة أن سليمان أمر ببناء بيت المقدس, فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد, قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه, فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد, قال: فطلبه, وكانت عين في البحر يردها في كلّ سبعة أيام مرّة, فنـزح ماؤها وجعل فيها خمر, فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر, فقال: إنك لشراب طيب, إلا أنك تصبين الحليم, وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا, ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب, إلا أنك تصبين الحليم, وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله, قال: فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه, فذلّ, قال: فكان مُلكه في خاتمه, فأتى به سليمان, فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت.
وقيل لنا: لا يسمعنّ فيه صوت حديد, قال: فأتى ببيض الهدهد, فجعل عليه زجاجة, فجاء الهدهد, فدار حولها, فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه, فذهب فجاء بالماس, فوضعه عليه, فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه, فأخذ الماس, فجعلوا يقطعون به الحجارة, فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخلها بخاتمه; فانطلق يوما إلى الحمام, وذلك الشيطان صخر معه, وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه, قال: فدخل الحمام, وأعطى الشيطان خاتمه, فألقاه في البحر, فالتقمته سمكة, ونـزع مُلك سليمان منه, وألقي على الشيطان شبه سليمان; قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره, وسلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه; قال: فجعل يقضي بينهم, وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فُتِن نبيّ الله; وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطَّاب في القوّة, فقال: والله لأجربنه; قال: فقال له: يا نبيّ الله, وهو يرى إلا أنه نبيّ الله, أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة, فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس, أترى عليه بأسا؟
قال: لا قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة, فأقبل فجعل لا يستقبله جنيّ ولا طير إلا سجد له, حتى انتهى إليهم ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: هو الشيطان صخر.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ) قال: لقد ابتلينا( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما; قال: كان لسليمان مئة امرأة, وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة, وهي آثر نسائه عنده, وآمنهن عنده, وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نـزع خاتمه, ولم يأتمن عليه أحد من الناس غيرها; فجاءته يوما من الأيام, فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة, وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك, فقال لها: نعم, ولم يفعل, فابتُلي وأعطاها خاتمه, ودخل المخرج, فخرج الشيطان في صورته, فقال لها: هاتي الخاتم, فأعطته, فجاء حتى جلس على مجلس سليمان, وخرج سليمان بعد, فسألها أن تعطيه خاتمه, فقالت: ألم تأخذه قبل؟
قال: لا وخرج مكانه تائها; قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما.
قال: فأنكر الناس أحكامه, فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم, فجاءو ا حتى دخلوا على نسائه, فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا, فإن كان سليمان فقد ذهب عقله, وأنكرنا أحكامه.
قال: فبكى النساء عند ذلك, قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه, فأحدقوا به, ثم نشروا التوراة, فقرءوا; قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه, ثم طار حتى ذهب إلى البحر, فوقع الخاتم منه في البحر, فابتلعه حوت من حيتان البحر.
قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع, وقد اشتدّ جوعه, فاستطعمهم من صيدهم, قال: إني أنا سليمان, فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجَّه, فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر, فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه, فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته, قال: إنه زعم أنه سليمان, قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذِر عندهم, ولم يشغله ما كان به من الضرر, حتى قام إلى شطّ البحر, فشقّ بطونهما, فجعل يغسل...
, فوجد خاتمه في بطن إحداهما, فأخذه فلبسه, فرد الله عليه بهاءه وملكه, وجاءت الطير حتى حامت عليه, فعرف القوم أنه سليمان, فقام القوم يعتذرون مما صنعوا, فقال: ما أحمدكم على عذركم, ولا ألومكم على ما كان منكم, كان هذا الأمر لا بُدّ منه, قال: فجاء حتى أتى ملكه, فأرسل إلى الشيطان فجيء به, وسخر له الريح والشياطين يومئذ, ولم تكن سخرت له قبل ذلك, وهو قوله ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) قال: وبعث إلى الشيطان, فأتي به, فأمر به فجعل في صندوق من حديد, ثم أطبق عليه فأقفل عليه بقفل, وختم عليه بخاتمه, ثم أمر به, فألقي في البحر, فهو فيه حتى تقوم الساعة, وكان اسمه حبقيق.
وقوله ( ثُمَّ أَنَابَ ) سليمان, فرجع إلى ملكه من بعد ما زال عنه ملكه فذهب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن المحاربي, عن عبد الرحمن, عن جُوَيبر, عن الضحاك, في قوله ( ثُمَّ أَنَابَ ) قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك, فاشترى منها سمكة, فشقّ بطنها, فوجد خاتمه, فجعل لا يمر على شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له, حتى أتى مُلكه وأهله, فذلك قوله;( ثُمَّ أَنَابَ ) يقول: ثم رجع.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ثُمَّ أَنَابَ ) وأقبل, يعني سليمان.
قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان قيل : فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة ، وملك بعد الفتنة عشرين سنة ، ذكره الزمخشري .
و " فتنا " أي : ابتلينا وعاقبنا .
وسبب ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : اختصم إلى سليمان - عليه السلام - فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان ، وكان يحبها فهوى أن يقع القضاء لهم ، ثم قضى بينهما بالحق ، فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى .
وقال سعيد بن المسيب : إن سليمان - عليه السلام - احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد ، ولا ينصف مظلوما من ظالم ، فأوحى الله تعالى إليه : " إني لم أستخلفك لتحتجب عن عبادي ولكن لتقضي بينهم وتنصف مظلومهم " .وقال شهر بن حوشب ووهب بن منبه : إن سليمان - عليه السلام - سبى بنت ملك غزاه في البحر ، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون .
فألقيت عليه محبتها ، وهي تعرض عنه ، لا تنظر إليه إلا شزرا ، ولا تكلمه إلا نزرا ، وكان لا يرقأ لها دمع حزنا على أبيها ، وكانت في غاية من الجمال ، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورة أبيها حتى تنظر إليه ، فأمر فصنع لها فعظمته وسجدت له ، وسجدت معها جواريها ، وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم ، حتى مضت أربعون ليلة ، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره ، وحرقه ثم ذراه في البحر .
وقيل : إن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون واسمها جرادة - فيما ذكر الزمخشري - أعجب بها ، فعرض عليها الإسلام فأبت ، فخوفها فقالت : اقتلني ولا أسلم ، فتزوجها وهي مشركة فكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت ، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما .
وقال كعب الأحبار : إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه .
وقال الحسن : إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو غيره .
وقيل : إنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل ، فتزوج امرأة من غيرهم ، فعوقب على ذلك ، والله أعلم .قوله تعالى : وألقينا على كرسيه جسدا قيل : شيطان في قول أكثر أهل التفسير ، ألقى الله شبه سليمان - عليه السلام - عليه ، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر ، وهو الذي دل [ ص: 179 ] سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس ، فصوتت الحجارة لما صنعت بالحديد ، فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والفصوص وغيرها ولا تصوت .
قال ابن عباس : كان ماردا لا يقوى عليه جميع الشياطين ، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود ، وكان سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه ، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان أم ولد له يقال لها الأمينة ، قاله شهر ووهب .وقال ابن عباس وابن جبير : اسمها جرادة .
فقام أربعين يوما على ملك سليمان وسليمان هارب ، حتى رد الله عليه الخاتم والملك .
وقال سعيد بن المسيب : كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه ، فأخذه الشيطان من تحته .
وقال مجاهد : أخذه الشيطان من يد سليمان ; لأن سليمان سأل الشيطان وكان اسمه آصف : كيف تضلون الناس ؟
فقال له الشيطان : أعطني خاتمك حتى أخبرك .
فأعطاه خاتمه ، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان ، متشبها بصورته ، داخلا على نسائه ، يقضي بغير الحق ، ويأمر بغير الصواب .
واختلف في إصابته لنساء سليمان ، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبه : أنه كان يأتيهن في حيضهن .
وقال مجاهد : منع من إتيانهن ، وزال عن سليمان ملكه ، فخرج هاربا إلى ساحل البحر يتضيف الناس ، ويحمل سموك الصيادين بالأجر ، وإذا أخبر الناس أنه سليمان أكذبوه .
قال قتادة : ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوته من صياد .
قيل : إنه استطعمها .
وقال ابن عباس : أخذها أجرة في حمل حوت .
وقيل : إن سليمان صادها ، فلما شق بطنها وجد خاتمه فيها ، وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه ، وهي عدد الأيام التي عبد فيها الصنم في داره ، وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت ; لأن الشيطان الذي أخذه ألقاه في البحر .
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : بينما سليمان على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه ، إذ سقط منه في البحر وكان ملكه في خاتمه .
وقال جابر بن عبد الله : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله .وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن [ ص: 180 ] سليمان وجد خاتمه بعسقلان ، فمشى منها إلى بيت المقدس تواضعا لله تعالى .
قال ابن عباس وغيره : ثم إن سليمان لما رد الله عليه ملكه ، أخذ صخرا الذي أخذ خاتمه ، ونقر له صخرة وأدخله فيها ، وسد عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص ، وختم عليها بخاتمه وألقاها في البحر ، وقال : هذا محبسك إلى يوم القيامة .
وقال علي - رضي الله عنه - : لما أخذ سليمان الخاتم ، أقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير والوحش والريح ، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله ، فأتى جزيرة في البحر ، فبعث إليه الشياطين فقالوا : لا نقدر عليه ، ولكنه يرد عينا في الجزيرة في كل سبعة أيام يوما ، ولا نقدر عليه حتى يسكر!
قال : فنزح سليمان ماءها وجعل فيها خمرا ، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر ، فقال : والله إنك لشراب طيب إلا أنك تطيشين الحليم ، وتزيدين الجاهل جهلا .
ثم عطش عطشا شديدا ثم أتاه فقال مثل مقالته ، ثم شربها فغلبت على عقله ، فأروه الخاتم فقال : سمعا وطاعة .
فأتوا به سليمان فأوثقه وبعث به إلى جبل ، فذكروا أنه جبل الدخان ، فقالوا : إن الدخان الذي ترون من نفسه ، والماء الذي يخرج من الجبل من بوله .
وقال مجاهد : اسم ذلك الشيطان آصف .
وقال السدي اسمه حبقيق ، فالله أعلم .وقد ضعف هذا القول من حيث إن الشيطان لا يتصور بصورة الأنبياء ، ثم من المحال أن يلتبس على أهل مملكة سليمان الشيطان بسليمان حتى يظنوا أنهم مع نبيهم في حق ، وهم مع الشيطان في باطل .
وقيل : إن الجسد ولد ولد لسليمان ، وأنه لما ولد اجتمعت الشياطين ، وقال بعضهم لبعض : إن عاش له ابن لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة ، فتعالوا نقتل ولده أو نخبله .
فعلم سليمان بذلك فأمر الريح حتى حملته إلى السحاب ، وغدا ابنه في السحاب خوفا من مضرة الشياطين ، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين ، فلم يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتا .
قال معناه الشعبي .
فهو الجسد الذي قال الله تعالى : وألقينا على كرسيه جسدا .وحكى النقاش وغيره : إن أكثر ما وطئ سليمان جواريه طلبا للولد ، فولد له نصف إنسان ، فهو كان الجسد الملقى على كرسيه ، جاءت به القابلة فألقته هناك .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ، فقال له صاحبه : قل إن شاء الله ، فلم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، وايم الذي نفس [ ص: 181 ] محمد بيده لو قال : إن شاء الله ، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون .
وقيل : إن الجسد هو آصف بن برخيا الصديق كاتب سليمان ، وذلك أن سليمان لما فتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه ، فأعاده إلى يده فسقط فأيقن بالفتنة ، فقال له آصف : إنك مفتون ، ولذلك لا يتماسك في يدك ، ففر إلى الله تعالى تائبا من ذلك ، وأنا أقوم مقامك في عالمك إلى أن يتوب الله عليك ، ولك من حين فتنت أربعة عشر يوما .
ففر سليمان هاربا إلى ربه ، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت ، وكان عنده علم من الكتاب .
وقام آصف في ملك سليمان وعياله ، يسير بسيره ويعمل بعمله ، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائبا إلى الله تعالى ، ورد الله عليه ملكه ، فأقام آصف في مجلسه ، وجلس على كرسيه وأخذ الخاتم .
وقيل : إن الجسد كان سليمان نفسه ، وذلك أنه مرض مرضا شديدا حتى صار جسدا .
وقد يوصف به المريض المضنى فيقال : كالجسد الملقى .صفة كرسي سليمان وملكه : روي عن ابن عباس قال : كان سليمان يوضع له ستمائة كرسي ، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه ، ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس ، ثم يدعو الطير فتظلهم ، ثم يدعو الريح فتقلهم ، وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر .
وقال وهب وكعب وغيرهما : إن سليمان - عليه السلام - لما ملك بعد أبيه ، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء ، وأمر أن يعمل بديعا مهولا بحيث إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب ، فأمر أن يعمل من أنياب الفيلة مفصصة بالدر والياقوت والزبرجد ، وأن يحف بنخيل الذهب ، فحف بأربع نخلات من ذهب ، شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر ، على رأس نخلتين منهما طاووسان من ذهب ، وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض ، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من ذهب ، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر .
وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر ، واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر ، بحيث أظل عريش الكروم [ ص: 182 ] النخل والكرسي .
وكان سليمان - عليه السلام - إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى ، فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحى المسرعة ، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها ، ويبسط الأسدان أيديهما ، ويضربان الأرض بأذنابهما .
وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان ، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأسه ، ثم يستدير الكرسي بما فيه ، ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مائلان برءوسهما إلى سليمان ، وينضحن عليه من أجوافهن المسك والعنبر ، ثم تناوله حمامة من ذهب قائمة على عمود من أعمدة الجواهر فوق الكرسي التوراة ، فيفتحها سليمان - عليه السلام - ويقرأها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء .قالوا : ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة بالجواهر ، وهي ألف كرسي عن يمينه ، ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره ، وهي ألف كرسي ، ثم تحف بهم الطير تظلهم ، ويتقدم الناس لفصل القضاء .
فإذا تقدمت الشهود للشهادات ، دار الكرسي بما فيه وعليه دوران الرحى المسرعة ، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما ، وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما ، فتفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق .وقيل : إن الذي كان يدور بذلك الكرسي تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه ، وهو عظم مما عمله له صخر الجني ، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسي إلى أعلاه درن معه ، فإذا وقفن وقفن كلهن على رأس سليمان ، وهو جالس ، ثم ينضحن جميعا على رأسه ما في أجوافهن من المسك والعنبر .
فلما توفي سليمان بعث بختنصر فأخذ الكرسي فحمله إلى أنطاكية ، فأراد أن يصعد إليه ولم يكن له علم كيف يصعد إليه ، فلما وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها ، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا .
ومات بختنصر وحمل الكرسي إلى بيت المقدس ، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه ، ولكن لم يدر أحد عاقبة أمره ، ولعله رفع .قوله تعالى : ثم أناب أي رجع إلى الله وتاب .
وقد تقدم .
{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، { وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا } أي: شيطانا قضى اللّه وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، { ثُمَّ أَنَابَ } سليمان إلى اللّه تعالى وتاب.
قوله عز وجل : ( ولقد فتنا سليمان ) اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه .
وكان سبب ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال : سمع سليمان - عليه السلام - بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون ، بها ملك عظيم الشأن ، لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر ، وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر ، إنما يركب إليه الريح ، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء ، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس ، فقتل ملكها واستولى واستفاء وسبى ما فيها ، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها : جرادة ، لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه ، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها ، فشق ذلك علىسليمان فقال لها : ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب ، والدمع الذي لا يرقأ ؟
قالت : إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك ، قال سليمان : فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه ، وسلطانا هو أعظم من سلطانه ، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله ، قالت : إن ذلك كذلك ، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن ، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني ، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي ، فأمر سليمان الشياطين ، فقال : مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا ، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه ، فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس ، ثم كان إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ، ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه ، وتروح كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا ، وبلغ ذلك آصف بن برخيا ، وكان صديقا ، وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل ، حاضرا كان سليمان أو غائبا ، فأتاه فقال : يا نبي الله كبر سني ، ورق عظمي ، ونفد عمري ، وقد حان مني الذهاب ، فقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم ، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال : افعل .
فجمع له سليمان الناس ، فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى ، فأثنى على كل نبي بما فيه ، فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان ، فقال : ما أحلمك في صغرك ، وأورعك في صغرك ، وأفضلك في صغرك ، وأحكم أمرك في صغرك ، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك ، ثم انصرف ، فوجد سليمان - عليه السلام - في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبا ، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه ، فقال : يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله ، فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم ، وعلى كل حال من أمرهم ، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري ، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري ؟
فما الذي أحدثت في آخر أمري ؟
فقال : إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة ، فقال : في داري ؟
فقال : في دارك ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك ، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم ، وعاقب تلك المرأة وولائدها ، ثم أمر بثياب الطهرة فأتي بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ، ولا ينسجها إلا الأبكار ، ولا يغسلها إلا الأبكار ، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم ، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده ، فأمر برماد ففرش له ، ثم أقبل تائبا إلى الله - عز وجل - حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى ، وتضرعا إليه يبكي ويدعو ، ويستغفر مما كان في داره ، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ، ثم رجع إلى داره ، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة ، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر ، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر ، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها ، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر ، واسمه صخر ، على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا ، فقال : خاتمي أمينة !
فناولته إياه ، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان ، وعكفت عليه الطير والجن والإنس ، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله ، وهيئته عند كل من رآه ، فقال : يا أمينة خاتمي ، قالت : من أنت ؟
قال : أنا سليمان بن داود ، قالت : كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه ، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته ، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول : أنا سليمان بن داود ، فيحثون عليه التراب ويسبونه ، ويقولون انظروا إلى هذا المجنون ، أي شيء يقول يزعم أنه سليمان ، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر ، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين ، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها ، فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره ، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين ، فقال آصف : يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم اختلاف حكم ابن داود ما رأيت ؟
قالوا : نعم ، قال : أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته ، فدخل على نسائه ، فقال : ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا ؟
.
فقلن : أشده ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة .
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ، ثم خرج على بني إسرائيل فقال : ما في الخاصة أعظم مما في العامة ، فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه ، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين ، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك ، حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم ، فخرج سليمان بسمكتيه ، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها ، فأخذه فجعله في يده ، ووقع ساجدا ، وعكفت عليه الطير والجن ، وأقبل عليه الناس ، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان قد حدث في داره ، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه ، وأمر الشياطين فقال : ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته ، فأتي به وجاءوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شد عليه بأخرى ، ثم أوثقها بالحديد والرصاص ، ثم أمر به فقذف في البحر .
هذا حديث وهب .
وقال الحسن : ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه .
وقال السدي : كان سبب فتنة سليمان أنه كان له مائة امرأة ، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده ، وكان يأتمنها على خاتمه إذا أتى حاجته ، فقالت له يوما : إن أخي كان بينه وبين فلان خصومة ، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك ، فقال : نعم ، ولم يفعل فابتلي بقوله ، فأعطاها خاتمه ودخل المخرج ، فجاء الشيطان في صورته فأخذه وجلس على مجلس سليمان ، وخرج سليمان - عليه السلام - فسألها خاتمه فقالت : ألم تأخذه ؟
قال : لا .
وخرج مكانه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما ، فأنكر الناس حكمه ، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه ، فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا ، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله ، فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا حتى أحدقوا به ، ونشروا التوراة فقرءوها فطار من بين أيديهم ، حتى وقع على شرفة ، والخاتم معه ، ثم طار حتى ذهب إلى البحر ، فوقع الخاتم منه في البحر ، فابتلعه حوت ، وأقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع قد اشتد جوعه ، فاستطعمه من صيده ، وقال : إني أنا سليمان ، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه ، فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه ، وأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم ، فشق بطونهما وجعل يغسلهما ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما ، فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءه .
وحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان ، فقاموا يعتذرون مما صنعوا .
فقال : ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم ، هذا أمر كائن لا بد منه ، ثم جاء حتى أتى مملكته وأمر حتى أتي بالشيطان الذي أخذ خاتمه وجعله في صندوق من حديد ، وأطبق عليه بقفل ، وختم عليه بخاتمه ، وأمر به فألقي في البحر وهو حي كذلك حتى الساعة .
وفي بعض الروايات أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده ، وكان فيه ملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة ، فأتى آصف فقال لسليمان : إنك مفتون بذنبك ، والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يوما ففر إلى الله تائبا ، فإني أقوم مقامك ، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك ، ففر سليمان هاربا إلى ربه ، وأخذ آصف الخاتم ، فوضعه في أصبعه فثبت فهو الجسد الذي قال الله تعالى : " وألقينا على كرسيه جسدا " فأقام آصف في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله على سليمان ملكه ، فجلس على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت .
وروي عن سعيد بن المسيب قال : احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام ، فأوحى الله إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام ؟
فلم تنظر في أمور عبادي ؟
فابتلاه الله - عز وجل - فذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا .
وقيل : قال سليمان يوما لأطوفن الليلة على نسائي كلهن ، فتأتي كل واحدة بابن يجاهد في سبيل الله ، ولم يستثن ، فجامعهن فما خرج له منهن إلا شق مولود ، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه ، فذلك قوله تعالى : " وألقينا على كرسيه جسدا " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قال سليمان : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ، فقال له صاحبه : قل إن شاء الله ، فلم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة ، جاءت بشق رجل ، وايم الله الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " وقال طاوس عن أبي هريرة : لأطوفن الليلة بمائة امرأة ، قال له الملك : قل إن شاء الله ، فلم يقل ونسي .
وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه هو صخر الجني ، فذلك قوله عز وجل : ( وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع .
«ولقد فتنا سليمان» ابتليناه بسلب ملكه وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه وكان ملكه في خاتمه فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها «وألقينا على كرسيه جسدا» هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس أنا سليمان فأنكره «ثم أناب» رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه.
ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه شق وَلَد، وُلِد له حين أقسم ليطوفنَّ على نسائه، وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد، ثم رجع سليمان إلى ربه وتاب، قال: رب اغفر لي ذنبي، وأعطني ملكًا عظيمًا خاصًا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي، إنك- سبحانك- كثير الجود والعطاء.
فاستجبنا له، وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.
ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ .
.
)وقوله : ( فَتَنَّا ) من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان .
تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته لتعلم جودته .
.قال الآلوسى : وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة .
تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى - ولم يقل إن شاء الله .
فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل .وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا ، وفيه : " فوالذى نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا " .ولكن الذى فى صحيح البخارى أربعين بدل سبعين .
وأن الملك قال له : قل إن شاء الله ، فلم يقل - أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان ..والمراد بالجسد ذلك الشق الذى ولدته له .
ومعنى إلقائه على كرسيه : وضع القابلة له عليه ليراه .وقد ذكروا أن سليمان : إنما قال : " تحمل كل امرأة فارسا يجاهد فى سبيل الله " على سبيل التمنى للخير ، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة فى سبيل الله .ومعى " فلم يقل " أى : بلسانه على سبيل النسيان ، والنسيان معفو عنه ، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر لك ذنبا يستحق الاستغفار منه ، فقال بعد ذلك " اغفر لى .
.
.
"وقوله : " لأطوفن الليلة .
.
.
" كناية عن الجماع ، قالوا : ولعل المقصود .
طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة ، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال .وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان ، هى تركه تعليق ما طلبه على مشيئة الله ، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه .وهذا الرأى فى تقديرنا هو الرأى الصواب فى تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث صحيح ثابت فى الصحيحين وفى غيرهما ، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم ، فإن النسيان الذى لا يترتب عليه ترك شئ من التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها جائز عليهم .وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً .
إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ) أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نسى أن يقول - عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله ، وقال سأجيبكم على ما سألتمونى عنه غدا .ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التى اختبر الله - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه السلام - ، بتركه المشيئة ، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق : وجائز أن تكون هذه الفتنة التى تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق ، ولكن هذا مجرد احتمال .ثم قال : وكل ما نخرج به هو أنه كان عناك ابتلاء من الله وفتنة لنبى الله سليمان - عليه السلام - فى شأن يتعلق بتصرفاته فى الملك والسلطان ، كما يبتلى الله أنباءه ليوجههم ويرشدهم ، ويبعد خطاهام عن الزلل ، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع .
وطلب المغفرة ، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء .
.ونرى أنه رأى لا بأس به ، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده فى استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح .هذا .
وهناك أقوال أخرى ذكروها فى المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذى ألقاه الله على كرسى سليمان ، وهى أقوال ساقطة ، تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليه السلام - .ومن هذه الأقوال قول بعضهم : إن الجسد الذى ألقى على كرسى سليمان ، عبارة عن شيطان تمثل له فى صورة إنسان ، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذى كان يصرف به ملكه .وقعد ذلك الشيطان على كرسى سليمان ، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه .وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى زوجاته لتمثال أبيها الذى قتله سليمان فى إحدى الحروب ، وقد بقيت على هذه الحال هى وجواريها أربعين ليلة ، دون أن تعلم سليمان بذلك .وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان أنه وُلِدَ له ولد فخاف عليه من الشياطين ، فأمر السحاب بحفظه وتغذيته .
ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسى سليمان ، فاستغفر سليمان ربه لأنه لم يعتمد عليه فى حفظ ابنه .
إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة ، التى تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتتنافى - أيضا - مع كل عقل سليم ، ولا مستند لها إلا النقل عن الإِسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطان .قال أبو حيان - رحمه الله - : نقل المفسرون فى هذه الفتنة وفى إلقاء الجسد أقوال يجب براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها فى كتبهم ، وهى مما لا يحل نقلها ، وهى إم من أوضاع اليهود ، أو الزنادقة ، ولم يبين الله - تعالى - الفتنة ما هى ، ولا الجسد الذى ألقاه على كرسى سليمان .وأقرب ما قيل فيه ، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن فى الحديث الذى قال فيه : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة .
.
والجسد الملقى هو المولود شق رجل .
.
اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا في المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ ولأهل الحشو والرواية فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات: الأولى: قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها، وأخذ بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكانت تبكي أبداً على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشياً مع جواريها يسجدن لها، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوماً، فأتاها الشيطان ساحب البحر على صورة سليمان.
وقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس، وتغيرت هيئة سليمان فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته.
فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم أخذ يخدم السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان، فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة، وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً لله، ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله في صخرة وألقاها في البحر.
والرواية الثانية للحشوية: أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله.
والرواية الثالثة: (لهم) قالوا: إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟
فقال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها.
إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ أن الله تعالى ابتلاه وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ﴾ هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه.
والرواية الرابعة: أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وألقى على سريره شيطان عقوبة له.
واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه: الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع.
فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية.
الثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى.
والثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟
ولا شك أنه قبيح.
الرابع: لو قلنا إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه ألبتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟
فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء: الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله فاستغفر ربه وأناب.
الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرساناً أجمعون فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ ».
الثالث: قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ ﴾ منه ﴿ جَسَداً ﴾ وذلك لشدة المرض.
والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضم وجسم بلا روح ﴿ ثُمَّ أَنَابَ ﴾ أي رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة ألبتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع: أقول لا يبعد أيضاً أن يقال إنه ابتلاه الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبّ اغفر لِى ﴾ فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنهم أبداً في مقام هضم النفس، وإظهار الذلة والخضوع، كما قال صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم بعده طلب المملكة.
وأيضاً الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم توسل به إلى طلب المملكة، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضاً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا ﴾ وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ فإن قيل قوله عليه السلام: ﴿ مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ مشعر بالحسد، والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي، هو أن يعطيه الله ملكاً لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه ألبتة، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي.
والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ فكون الريح جارياً بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله: ﴿ هَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها، فقوله: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ يعني لا يقدر أحد على معارضته والوجه الثاني: في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر، فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره، وذلك الذي سأله بقوله: ﴿ مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ أي ملكاً لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث: في الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها، فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع: من الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب، لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة، فقال سليمان أعطني يا رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر، حتى أني أبقى مع تلك القدرة الكاملة في غاية الاحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى الوجه الخامس: أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها فيظن أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة، فقال سليمان يا رب العزة أعطني أعظم الممالك حتى يقف الناس على كمال حالها، فحينئذ يظهر للعقل أنه ليس فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت إليها، وأشتغل بالعبودية ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا، ثم قال: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ رخاء أي رخوة لينة وهي من الرخاوة والريح إذا كانت لينة لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في آية أخرى ﴿ ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ ﴾ قلنا الجواب من وجهين: الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء والوجه الثاني: من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا منافاة بين الأمرين وقوله تعالى: ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ أي قصد وأراد، وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون أصاب الصواب فأخطأ الجواب.
وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما، فقال أين تصيبان؟
فقالا هذا مطلوبنا.
وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى صارت تجري بأمره على وفق إرادته، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص، قال صاحب الكشاف الشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وآخرين عطف على قوله: ﴿ كُلَّ بَنَّاء ﴾ وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وقوله: ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ يقال قرنهم في الحبال والتشديد للكثرة ﴿ والأصفاد ﴾ الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضاً، قال النابغة: ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد *** فعلى هذا الصفد القيد فكل من شددته شداً وثيقاً فقد صفدته، وكل من أعطيته عطاء جزيلاً فقد أضفدته، وهاهنا بحث، وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة، وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر، وقدروا على الغوص في البحار، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول إن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم، فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، وذلك دخول في السفسطة، وإن كان الثاني وهو أن أجسادهم ليست كثيفة، بل لطيفة رقيقة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، وأيضاً لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال، وذلك يمنع من وصفهم ببناء الأبنية القوية، وأيضاً الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة، فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا؟
ولم لا يخربون ديار الناس؟
مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنهم وعداوتهم.
وحيث لم يحس شيء من ذلك، علمنا أن القول بإثبات الجن والشياطين ضعيف.
واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها، وأيضاً لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق والتمزق.
وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان، ثم إنه لما توفي سليمان عليه السلام، أمات الله أولئك الجن والشياطين، وخلق نوعاً آخر من الجن والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة، ولا يكون لهم شيء من القوة، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس.
ثم قال تعالى: ﴿ هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ وفيه قولان الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني: أن هذا في أمر الشياطين خاصة، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين فحل عنه، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب.
ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا، أردفه بإنعامه عليه في الآخرة، فقال: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآب ﴾ وقد سبق تفسيره.
<div class="verse-tafsir"
قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة.
وملك بعد الفتنة عشرين سنة.
وكان من فتنته: أنه ولد له ابن، فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك، فكان يغدوه في السحابة فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال سليمان: «لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهنّ فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون» ، فلذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ .
وهذا ونحوه مما لا بأس به.
وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان، فالله أعلم بصحته.
حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر، وأنّ بها ملكاً عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر، فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها حزناً على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها، فكستها مثل كسوته، وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد، فجلس عليه تائباً إلى الله متضرّعاً، وكانت له أمّ ولد يقال لها أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه عندها يوماً وأتاها الشيطان صاحب البحر- وهو الذي دلّ سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه صخر- على صورة سليمان فقال: يا أمينة خاتمي، فتختم به وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس، وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته، فعرف أنّ الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال: أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمدوا إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كلّ يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحاً عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلنا: ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة.
وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلاّ فيهنّ، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان، فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم، فتختم به ووقع ساجداً، ورجع إليه ملكه، وجاب صخرة لصخر فجعله فيها، وسدّ عليه بأخرى ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في البحر.
وقيل: لما افتتن كان يسقط الخاتم من يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يقرّ في يدك، فتب إلى الله عز وجل.
ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل.
وتسليط الله إياهم على عباده حتى يقعوا في تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهنّ: قبيح، وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع.
ألا ترى إلى قوله ﴿ مِن محاريب وتماثيل ﴾ [سبأ: 13] وأما السجود للصورة فلا يظن بنبيّ الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا عليه.
وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ﴾ نابٍ عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوّاً ظاهراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ وأظْهَرَ ما قِيلَ فِيهِ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ قالَ: لَأطُوفُنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا فُرْسانًا» .
وَقِيلَ: وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ عَلى قَتْلِهِ فَعَلِمَ ذَلِكَ، فَكانَ يَغْدُوهُ في السَّحابِ فَما شَعَرَ بِهِ إلّا أنْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا فَتَنَبَّهَ عَلى خَطَئِهِ بِأنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ غَزا صَيْدُونَ مِنَ الجَزائِرِ فَقَتَلَ مَلِكَها وأصابَ ابْنَتَهُ جَرادَةَ، فَأحَبَّها وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ فَكانَتْ تَغْدُو إلَيْها وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدْنَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفٌ فَكَسَرَ الصُّورَةَ وضَرَبَ المَرْأةَ وخَرَجَ إلى الفَلاةِ باكِيًا مُتَضَرِّعًا، وكانَتْ لَهُ أُمُّ ولَدٍ اسْمُها أمِينَةُ إذا دَخَلَ لِلطَّهارَةِ أعْطاها خاتَمَهُ وكانَ مُلْكُهُ فِيهِ، فَأعْطاها يَوْمًا فَتَمَثَّلَ لَها بِصُورَتِهِ شَيْطانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ وأخَذَ الخاتَمَ وتَخَتَّمَ بِهِ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الخَلْقُ ونَفَذَ حُكْمُهُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في نِسائِهِ وغَيْرِ سُلَيْمانَ عَنْ هَيْئَتِهِ، فَأتاها لِطَلَبِ الخاتَمِ فَطَرَدَتْهُ فَعَرَفَ أنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ أدْرَكَتْهُ، فَكانَ يَدُورُ عَلى البُيُوتِ يَتَكَفَّفُ حَتّى مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا عَدَدَ ما عُبِدَتِ الصُّورَةُ في بَيْتِهِ، فَطارَ الشَّيْطانُ وقَذَفَ الخاتَمَ في البَحْرِ فابْتَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ في يَدِهِ فَبَقَرَ بَطْنَها فَوَجَدَ الخاتَمَ فَتَخَتَّمَ بِهِ وخَرَّ ساجِدًا وَعادَ إلَيْهِ المُلْكُ، فَعَلى هَذا الجَسَدِ صَخْرٌ سُمِّيَ بِهِ وهو جِسْمٌ لا رُوحَ فِيهِ لِأنَّهُ كانَ مُتَمَثِّلًا بِما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والخَطِيئَةُ تَغافُلُهُ عَنْ حالِ أهْلِهِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ التَّماثِيلِ كانَ جائِزًا حِينَئِذٍ، وسُجُودَ الصُّورَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لا يَضُرُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان} ابتليناه {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ} سرير ملكه جسدا ثم أناب رجع الله قيل فتن سليمان بعد ما مالك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة وكان من فتنة أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخله فعلم ذلك سليمان عليه السلام فكان يغذوه في السحابة خوفا من مضرة الشياطين فألقى ولده ميتاً على كرسيه فتنبه على زلته في أن لم يتوكل فيه على ربه وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه
فوضع في حجره فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود
﴿ ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ أظْهَرَ ما قِيلَ في فِتْنَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ، وجاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وفِيهِ: «”فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا فُرْسانًا“».
لَكِنَّ الَّذِي في صَحِيحِ البُخارِيِّ (أرْبَعِينَ) بَدَلَ (سَبْعِينَ)، وأنَّ المَلَكَ قالَ لَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ.
وغايَتُهُ تَرْكُ الأوْلى، فَلَيْسَ بِذَنْبٍ، وإنْ عَدَّهُ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَنْبًا، فالمُرادُ بِالجَسَدِ ذَلِكَ الشِّقُّ الَّذِي وُلِدَ لَهُ، ومَعْنى إلْقائِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ وضْعُ القابِلَةِ لَهُ عَلَيْهِ لِيَراهُ.
ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ وُلِدَ لِسُلَيْمانَ ابْنٌ، فَقالَتِ الجِنُّ والشَّياطِينُ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ لَنَلْقَيَنَّ مِنهُ ما لَقِينا مِن أبِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَأشْفَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهُمْ، فَجَعَلَهُ وظِئْرَهُ في السَّحابِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وقَدْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا.
تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وعُوتِبَ عَلى تَرْكِهِ التَّوَكُّلَ اللّائِقَ بِالخَواصِّ مِن تَرْكِ مُباشَرَةِ الأسْبابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أيْضًا، ورَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَلى وجْهٍ لا يَشُكُّ في وضْعِهِ إلّا مَن يَشُكُّ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنا في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ لَسْتُ عَلى يَقِينٍ، بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ بَعْدَ الفِتْنَةِ وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ، لِأنَّ الوَضْعَ في السَّحابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْ يا سُلَيْمانُ احْتَجَبْتَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي، ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ، وكانَ إذا دَخَلَ الحَمّامَ وضَعَ خاتَمَهُ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ، فَأخَذَهُ، فَأقْبَلَ النّاسُ عَلى الشَّيْطانِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا أيُّها النّاسُ، أنا سُلَيْمانُ، نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى، فَدَفَعُوهُ، فَساحَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأتى أهْلَ سَفِينَةٍ، فَأعْطَوْهُ حُوتًا، فَشَقَّها، فَإذا هو بِالخاتَمِ فِيها، فَتَخَتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ، فَأخَذَ بِناصِيَتِهِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي“ وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ، والسُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أرادَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ فَأعْطى لِجَرادَةَ خاتَمَهُ، وكانَتِ امْرَأتَهُ، وكانَتْ أحَبَّ نِسائِهِ إلَيْهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمانَ، فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، فَأعْطَتْهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتِ الإنْسُ والجِنُّ والشَّياطِينُ، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ قالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، قالَتْ: قَدْ أعْطَيْتُهُ سُلَيْمانَ، قالَ: أنا سُلَيْمانُ، قالَتْ: كَذَبْتَ، لَسْتَ سُلَيْمانَ، فَجَعَلَ لا يَأْتِي أحَدًا، فَيَقُولُ لَهُ: أنا سُلَيْمانُ، إلّا كَذَّبَهُ، حَتّى جَعَلَ الصِّبْيانُ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقامَ الشَّيْطانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سُلْطانَهُ ألْقى في قُلُوبِ النّاسِ إنْكارَ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَأرْسَلُوا إلى نِساءِ سُلَيْمانَ فَقالُوا: أتُنْكِرْنَ مِن سُلَيْمانَ شَيْئًا؟
قُلْنَ: نَعَمْ، إنَّهُ يَأْتِينا، ونَحْنُ حُيَّضٌ، وما كانَ يَأْتِينا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى الشَّيْطانُ أنَّهُ قَدْ فُطِنَ لَهُ، ظَنَّ أنَّ أمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيها سِحْرٌ ومَكْرٌ، فَدَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أثارُوها، وقَرَؤُوها عَلى النّاسِ، وقالُوا: بِهَذا كانَ يَظْهَرُ سُلَيْمانُ عَلى النّاسِ، ويَغْلِبُهُمْ، فَأكْفَرَ النّاسُ سُلَيْمانَ، وبَعَثَ ذَلِكَ الشَّيْطانُ بِالخاتَمِ، فَطَرَحَهُ في البَحْرِ، فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأخَذَتْهُ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْمَلُ عَلى شَطِّ البَحْرِ بِالأجْرِ، فَجاءَ رَجُلٌ فاشْتَرى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ، فَدَعا سُلَيْمانَ، فَحَمَلَ مَعَهُ السَّمَكَ إلى بابِ دارِهِ، فَأعْطاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ فَشَقَّ بَطْنَها، فَإذا الخاتَمُ فِيهِ، فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَدانَتْ لَهُ الإنْسُ، والجِنُّ، والشَّياطِينُ، وعادَ إلى حالِهِ، وهَرَبَ الشَّيْطانُ إلى جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، وكانَ مَرِيدًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتّى وجَدُوهُ نائِمًا، فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيانًا مِن رَصاصٍ فاسْتَيْقَظَ، فَأوْثَقُوهُ، وجاؤُوا بِهِ إلى سُلَيْمانَ، فَأمَرَ، فَنُقِرَ لَهُ صُنْدُوقٌ مِن رُخامٍ، فَأُدْخِلَ في جَوْفِهِ، ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحاسِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَطُرِحَ في البَحْرِ.
وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ غَزا صَيْدُونَ في الجَزائِرِ، فَقَتَلَ مَلِكَها، وأصابَ ابْنَتَهُ، وهي جَرادَةُ المَذْكُورَةُ فَأحَبَّها، وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ، وكانَتْ تَغْدُو إلَيْها وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدْنَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفُ فَكَسَرَ الصُّورَةَ، وضَرَبَ المَرْأةَ فَعُوتِبَ بِذَلِكَ حَيْثُ تَغافَلَ عَنْ حالِ أهْلِهِ.
واخْتُلِفَ في اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ حَبْقِيقُ، وعَنِ الأكْثَرِينَ أنَّهُ صَخْرٌ، وهو المَشْهُورُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ جَسَدًا ﴾ لِأنَّهُ إنَّما تَمَثَّلَ بِصُورَةِ غَيْرِهِ، وهو سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتِلْكَ الصُّورَةُ المُتَمَثَّلَةُ لَيْسَ فِيها رُوحُ صاحِبِها الحَقِيقِيِّ، وإنَّما حَلَّ في قالَبِها ذَلِكَ الشَّيْطانُ، فَلِذا سُمِّيَتْ جَسَدًا، وعِبارَةُ القامُوسِ صَرِيحَةٌ في أنَّ الجَسَدَ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّيِّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن أوْضاعِ اليَهُودِ، وزَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، ولا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَعْتَقِدَ صِحَّةَ ما فِيها، وكَيْفَ يَجُوزُ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى سَلامَةَ دِينِنا وعُقُولِنا، ومِن أقْبَحِ ما فِيها زَعْمُ تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى نِساءِ نَبِيِّهِ حَتّى وطِئَهُنَّ، وهُنَّ حُيَّضٌ، اللَّهُ أكْبَرُ، هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ، ونِسْبَةُ الخَبَرِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُسَلَّمُ صِحَّتُها، وكَذا لا تُسَلَّمُ دَعْوى قُوَّةِ سَنَدِهِ إلَيْهِ وإنْ قالَ بِها مَن سَمِعْتَ.
وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِرِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وابْنِ المُنْذِرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ مِن أخْبارِ كَعْبٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ كَعْبًا يَرْوِيهِ عَنْ كُتُبِ اليَهُودِ، وهي لا يُوثَقُ بِها، عَلى أنَّ إشْعارَ ما يَأْتِي بِأنَّ تَسْخِيرَ الشَّياطِينِ بَعْدَ الفِتْنَةِ يَأْبى صِحَّةَ هَذِهِ المَقالَةِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ أمْرَ خاتَمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ الخَواصِّ والعَوّامِ، ويُسْتَبْعَدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَبَطَ ما أعْطى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُلْكِ بِذَلِكَ الخاتَمِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَوْ كانَ في ذَلِكَ الخاتَمِ السِّرُّ الَّذِي يَقُولُونَ لَذَكَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في كِتابِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، وقَدْ شاعَ قَوْلُهم في الضَّعِيفِ: لَحْمٌ عَلى وضَمٍ، وجَسَدٌ بِلا رُوحٍ، فالجَسَدُ المُلْقى عَلى الكُرْسِيِّ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسُهُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، وجَعَلَ ﴿ جَسَدًا ﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ (ألْقَيْنا) المَحْذُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ أيِ ابْتَلَيْناهُ، وأمْرَضْناهُ وألْقَيْناهُ عَلى كُرْسِيِّهِ ضَعِيفًا كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى صِحَّتِهِ، ولا يَخْفى سَقَمُهُ، والحَقُّ ما ذُكِرَ أوَّلًا في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وعُطِفَ ﴿ أنابَ ﴾ بِثُمَّ، وكانَ الظّاهِرُ الفاءَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾ قِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِمْرارِ إنابَتِهِ وامْتِدادِها، فَإنَّ المُمْتَدَّ يُعْطَفُ بِها نَظَرًا لِأواخِرِهِ بِخِلافِ الِاسْتِغْفارِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلَيْهِ، ولا امْتِدادَ في وقْتِهِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ بِثُمَّ هُنا لِما أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَعْلَمِ الدّاعِيَ إلى الإنابَةِ عَقِيبَ وُقُوعِهِ وهَذا بِخِلافِ ما كانَ في قِصَّةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ العَطْفَ هُناكَ عَلى ظَنِّ الفِتْنَةِ، واللّائِقُ بِهِ أنْ لا يُؤَخِّرَ الِاسْتِغْفارَ عَنْهُ، وقِيلَ: العَطْفُ بِها هُنا لِما أنَّ بَيْنَ زَمانِ الإنابَةِ وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وهي مُدَّةُ الحَمْلِ، ولَيْسَ بَيْنَ زَمانِ اسْتِغْفارِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ كَذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ يعني: أعطينا لداود سليمان.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أولادنا من مواهب الله عز وجل.
ثم قرأ: ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ [الشورى: 49] فوهب الله تعالى لداود سليمان نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يعني: مقبلاً إلى طاعة الله تعالى.
قوله عز وجل: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ يعني: في آخر النهار الصَّافِناتُ الْجِيادُ يعني: الخيل.
قال الكلبي ومقاتل: صفن الفرس إذا رفع إحدى رجليه، فيقوم على طرف حافره.
وقال أهل اللغة: الصافن الواقف من الخيل.
وفي الخبر: «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يعني: يديمون له القيام، والجياد الحسان.
ويقال: الإسراع في المشي.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: إن أهل دمشق من العرب، وأهل نصيبين جمعوا جموعاً، وأقبلوا ليقاتلوا سليمان، فقهرهم سليمان، وأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرضت على سليمان الخيل، فجعل ينظر إليها، ويتعجب من حسنها، حتى شغلته عن صلاة العصر، وغربت الشمس، ثم ذكرها بعد ذلك، فغضب، وقال: رُدُّوها عَلَيَّ، فضرب بسوقها، وأعناقها بالسيف، حتى خرّ منها تسعمائة فرس، وهي التي كانت عرضت عليه، وبقيت مائة فرس لم تعرض عليه كما كان في أيدي الناس الآن من الجياد، فهو من نسلها أي: من نسل المائة الباقية.
قوله تعالى: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ يعني: آثرت حب المال عَنْ ذِكْرِ رَبِّي يعني: عن الصلاة، وهي صلاة العصر حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ يعني: حتى غابت الشمس، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره.
يعني: ذكر الشمس لأن في الكلام دليلاً فاكتفى بالإشارة عن العبارة.
قوله.
عز وجل رُدُّوها عَلَيَّ يعني: قال سليمان: ردوا الخيل عليّ، فردت عليه فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ يعني: يضرب السوق وهو جماعة الساق وَالْأَعْناقِ وهو جمع العنق.
وروي عن إبراهيم النخعي قال: كانت عشرين ألف فرس.
وقال السدي: كانت خيل لها أجنحة.
وقال أبو الليث: يجوز أن يكون مراده في سرعة السير، كأن لها أجنحة.
وقال بعضهم: كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر.
وقال عامة المفسرين في قوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ يعني: فضرب سوقها، وأعناقها.
وقال بعضهم: لم يعقر ولكن جعل على سوقهن، وعلى أعناقهن، سمة وجعلها في سبيل الله.
قال: لأن التوبة لا تكون بأمر منكر.
ولكن الجواب عنه أن يقال له: يجوز أن يكون ذلك مباحاً في ذلك الوقت، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني: شيطاناً.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى.
فأخذ شيطان يقال له: صخر خاتمه، وجلس على كرسيه أربعين يوماً، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة ثُمَّ أَنابَ يعني: رجع إلى ملكه، وأقبل على طاعة الله تعالى.
وقال الحسن في قوله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطاناً.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: سألت كعباً عن قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطاناً.
يعني: أخذ خاتم سليمان الذي فيه ملكه، فقذفه في البحر، فوقع في بطن سمكة، وانطلق سليمان يطوف، فتصدق عليه بسمكة، فشواها ليأكل، فإذا فيها خاتمه.
وقال وهب بن منبه: إن سليمان تزوج امرأة من أهل الكتاب، وكان لها عبد، فطلبت منه أن يجزرها لعبدها.
يعني: ينحر الجزور فأجزرها، فكره ذلك منه ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه.
وروى معمر عن قتادة في قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: كان الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة، حتى ردّ الله تعالى إليه ملكه.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قال: شيطان يقال له صخر.
قال له سليمان يوماً: كيف تفتنون الناس؟
فقال له: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه، نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد صخر على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن، فأنكرته أم سليمان، أهو سليمان أم آصف؟
فكان يقول: أنا سليمان.
فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، ودخل صخر البحر فاراً.
وذكر شهر بن حوشب نحو هذا، وقال: لما جلس سليمان على سريره، بعث في طلب صخر، فأتي به، فأمر به، فقورت له صخرة، وأدخله فيها، ثم أطبق عليها، وألقاه في البحر، وقال: هذا سجنك إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان لا يصح، لأنه لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطاناً من الشياطين على أحكام المسلمين، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء- عليهم السلام- ولكن تأويل الآية والله أعلم: أن سليمان كان له ابن، فجاء ملك الموت يوماً زائراً لسليمان، فرآه ابنه فخافه، وتغيّر لونه، ومرض من هيبته، فأمر سليمان- - الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه، فلما رفعته الريح فوق السحاب، ودنا أجله، فقبض ابنه، وألقي على كرسيه فذلك قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني: ابنه الميت.
قال: والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام، والشراب، كالميت ونحوه.
وذكر أن سليمان جزع على ابنه، إذ لم يكن له إلا ابن واحد، فدخل عليه ملكان، فقال أحدهما: إن هذا مشى في زرعي فأفسده.
فقال له سليمان: لم مشيت في زرعه؟
فقال: لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس، ولم أجد مسلكاً غير ذلك.
فقال سليمان للآخر: لم زرعت في طريق الناس، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه؟
فقال لسليمان: صدقت.
لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت؟
ثم غابا عنه.
فاستغفر سليمان فذلك قوله: ثُمَّ أَنابَ يعني: تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته: إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي: الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول: فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي: لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر «١» ، قال: ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:
٦] قطعَهَا ت: وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اهـ.
قال أبو حَيَّان «٢» : وحُبَّ الْخَيْرِ قال الفراء: مفعول به، وأَحْبَبْتُ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ: منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي: حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى.
وقوله تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي «عن» على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مطّرد.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ...
الآية، ت: اعْلَمْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات أنّ سليمان ع لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلى يده، فَسَقَطَ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ ولذلكَ/ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً فَفِرَّ إلى اللَّهِ تعالى تَائِباً مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى إلى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تعالى عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِباً إلى رَبِّهِ مُنْفَرِداً لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ:
إن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً إلى أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِباً إلى اللَّه تعالى، ورَدَّ اللَّه تعالى عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ على كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِِّب: إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ- عليهمَا السلامُ- احتجب عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَنْ يا سُلَيْمَانُ، احتجبت عنِ الناس ثلاثة أيّام، فلم
تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُوماً مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ:
قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ معناه: ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه: هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال: «لأَطُوفَنَّ الليلةَ على مِائَةِ امرأة كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يقل:
«إن شاء الله» فلم تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ» «١» ، الحديث، قال أصحابُ المعانِي: والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ على كرسيه حين عُرِضَ عليه وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل: بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ على كُرْسِيِّهِ مَيِّتاً، وأما عَدَمُ استثْنَائِه فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ على مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ على مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، ت: قالَ ابن العربي:
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه» : وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ على لسانِه- قولٌ باطلٌ قَطْعاً- لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك حتى يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ [والدِّينِ] لمنْ قَالَ هذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى.
وقوله: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ...
الآية، قال ع «٢» : من المقطوعِ به أنّ سليمان ع إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْداً بِرًّا لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ يَعْنِي بِهِ سُلَيْمانَ.
وَفِي الأوّابِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] ألْيَقُها بِهَذا المَكانِ أنَّهُ رَجّاعٌ بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا يَقَعُ مِنهُ مِنَ السَّهْوِ والغَفْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ ﴾ وهو ما بَعْدَ الزَّوالِ ﴿ الصّافِناتُ ﴾ وهي الخَيْلُ.
وفي مَعْنى الصّافِناتُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القائِمَةُ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، وقَدْ أقامَتِ الأُخْرى عَلى طَرَفِ الحافِرِ مِن يَدٍ أوْ رِجْلٍ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: هَذا أكْثَرُ قِيامِ الخَيْلِ إذا وقَفَتْ كَأنَّها تُراوِحُ بَيْنَ قَوائِمِها، قالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونُ فَما يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا والثّانِي: أنَّها القائِمَةُ، سَواءٌ كانَتْ عَلى ثَلاثٍ أوْ غَيْرِ ثَلاثٍ، قالَ الفَرّاءُ: عَلى هَذا رَأيْتُ العَرَبَ، وأشْعارَهم تَدُلُّ عَلى أنَّهُ القِيامُ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ: الواقِفُ مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجالُ صُفُونًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ"،» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ.
فَأمّا الجِيادُ، فَهي السِّراعُ في الجَرْيِ.
وفي سَبَبِ عَرْضِها عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَرَضَها لِأنَّهُ أرادَ جِهادَ عَدُوٍّ لَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن دَوابِّ البَحْرِ.
قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّها كانَتْ خَيْلًا خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ لَها أجْنِحَةٌ.
وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذاتَ أجْنِحَةٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْرَجَتْها لَهُ الشَّياطِينُ مِنَ البَحْرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ورِثَها مِن أبِيهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ غَزا جَيْشًا، فَظَفِرَ بِهِ وغَنِمَها، فَدَعا بِها فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
وَفِي عَدَدِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: ثَلاثَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهَبٌ.
والثّانِي: عُشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ.
والثّالِثُ: ألْفُ فَرَسٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: عُشْرُونَ فَرَسًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ تَزَلْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ إلى أنْ غابَتِ الشَّمْسُ، فَفاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، وكانَ مَهِيبًا لا يَبْتَدِئُهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ، ونَسِيَ هُوَ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ ذَكَرَ الصَّلاةَ، ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ ﴾ فَتَحَ الياءَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ﴿ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: حُبُّ الخَيْلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِأنَّهُ أرادَ بِالخَيْرِ الخَيْلَ، وهي مالٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ: الخَيْرُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ سَمّى رَسُولُ اللَّهِ زَيْدَ الخَيْلِ: زَيْدَ الخَيْرِ، ومَعْنى "أحْبَبْتُ" آَثَرَتُ حُبَّ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي؛ وكَذَلِكَ قالَ غَيْرُ الزَّجّاجُ: "عَنْ" بِمَعْنى "عَلى" .
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ المَعْنى: فَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ رَبِّي.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى [الكَلامِ]: أحْبَبْتُ حُبًّا، ثُمَّ أضافَ الحُبُّ إلى الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى الخَيْلَ خَيْرًا، لِما فِيها مِنَ الخَيْرِ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ رَبِّهِ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لا أدْرِي هَلْ كانَتْ صَلاةُ العَصْرِ مَفْرُوضَةٌ، أمْ لا؟، إلّا أنَّ اعْتِراضَهُ الخَيْلَ شَغَلَهُ عَنْ وقْتٍ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ قالَ المُصَنَّفُ: وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: يَعْنِي الشَّمْسَ، ولَمْ يَجِرْ لَها ذِكْرٌ، ولا أحْسَبُهم أعْطَوْا في هَذا الفِكْرِ حَقَّهُ، لِأنَّ في الآَيَةِ دَلِيلًا عَلى الشَّمْسِ، وهو قَوْلُهُ: "بِالعَشِيِّ" ومَعْناهُ: عَرَضَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ، ولا يَجُوزُ الإضْمارُ إلّا أنْ يَجْرِيَ ذِكْرٌ، أوْ دَلِيلُ ذِكْرٍ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ؛ وأمّا الحِجابُ، فَهو ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ عَلَيْهِ عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلّاها بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها، اغْتَمَّ وغَضِبَ، وقالَ: "رَدُّوها عَلَيَّ"، يَعْنِي: أعِيدُوا الخَيْلَ عَلَيَّ ﴿ فَطَفِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أقْبَلَ ﴿ مَسْحًا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: يَمْسَحُ مَسْحًا.
فَأمّا السُّوقُ، فَجَمْعُ ساقٍ، مِثْلُ دُورٍ ودارٍ.
وهَمَزَ السُّؤْقَ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وغَيْرُ الهَمْزِ أحْسَنُ مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُّؤُوقِ" مِثْلُ الرُّؤُوسِ.
وفي المُرادِ بِالمَسْحِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ضَرَبَها بِالسَّيْفِ.
ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في قَوْلُهُ: "فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ" قالَ: "بِالسَّيْفِ" .» ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَسَحَ أعْناقَها وسُوقَها بِالسَّيْفِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ: قَطَعَ أعْناقَها وسُوقَها، وهَذا اخْتِيارُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَحَها بِيَدِهِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ، والقاضِي أبِي يَعْلى.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَوى سُوقَها وأعْناقَها وحَبَسَها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى: حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدِ اعْتَرَضُوا [عَلى] القَوْلِ الثّانِي، وقالُوا: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ شَغْلِها إيّاهُ عَنِ الصَّلاةِ وبَيْنَ مَسْحِ أعْرافِها حُبًّا لَها؟!
ولا أعْلَمُ قَوْلَهُ: "حُبًّا لَها" يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وحَمَلُوا قَوْلَ مُجاهِدٍ "مَسْحَها بِيَدِهِ" أيْ: تَوَلّى ضَرْبَ أعْناقِها.
فَإنْ قِيلَ: فالقَوْلُ الأوَّلُ يَفْسُدُ بِأنَّهُ لا ذَنْبَ لِلْحَيَوانِ، فَكَيْفَ وجَّهَ العُقُوبَةَ إلَيْهِ وقَصَدَ التَّشَفِّي بِقَتْلِهِ، وهَذا يُشْبِهُ فِعْلَ الجَبّارِينَ، لا فِعْلَ الأنْبِياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أُبِيحَ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحُ لَهُ ما يَمْنَعُ مِنهُ في شَرْعِنا، عَلى أنَّهُ إذا ذَبَحَها كانَتْ قُرْبانًا، وأكْلُ لَحْمِها جائِزٌ، فَما وقَعَ تَفْرِيطٌ، قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا ضَرَبَ سُوقَها وأعْناقَها، شَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ مَكانَها، وهي أحْسَنُ في المَنظَرِ، وأسْرَعُ في السَّيْرِ، وأعْجَبُ في الأُحْدُوثَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهُ وامْتَحَنّاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ ﴾ أيْ: عَلى سَرِيرِهِ ﴿ جَسَدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
وفي اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: صَخْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وذَكَرَ العُلَماءُ أنَّهُ كانَ شَيْطانًا مَرِيدًا لَمْ يُسَخَّرْ لِسُلَيْمانَ.
والثّانِي: آَصَفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي عِنْدَهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، إلّا أنَّ بَعْضَ ناقِلِي التَّفْسِيرِ حَكى أنَّهُ آَصَفُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّهُ لَمّا فَتَنَ سُلَيْمانَ سَقَطَ الخاتَمُ مِن يَدِهِ فَلَمْ يُثْبُتْ، فَقالَ آَصَفُ: أنا أقُومُ مَقامَكَ إلى أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقامَ في مَقامِهِ، وسارَ بِالسِّيرَةِ الجَمِيلَةِ، هَذا لا يَصِحُّ، ولا ذَكَرَهُ مَن يُوثَقُ بِهِ.
والثّالِثُ: حَبْقِيقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ والمَعْنى: أجْلَسْنا عَلى كُرْسِيِّهِ في مُلْكِهِ شَيْطانًا.
﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ أيْ: رَجَعَ.
وفِيما رَجَعَ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تابَ مِن ذَنْبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: رَجَعَ إلى مُلْكِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي سَبَبِ ابْتِلاءِ سُلَيْمانَ بِهَذا خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: جَرادَةُ، وكانَ بَيْنَ بَعْضِ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ، فَقَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، إلّا أنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها، فَعُوقِبَ حِينَ لَمْ يَكُنْ هَواهُ فِيهِمْ واحِدًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ، فَكانَ لا يَدْرِي أيَأْتِيهِ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَتْ آَثَرَ النِّساءِ عِنْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: إنْ أخِي بَيْنَهُ وبَيْنَ فُلانٍ خُصُومَةٌ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَقْضِيَ لَهُ، فَقالَ: نَعَمَ، ولَمْ يَفْعَلْ، فابْتُلِيَ لِأجْلِ ما قالَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَ قَدْ سَباها في غَزاةٍ لَهُ، وكانَتْ بِنْتَ مَلِكٍ فَأسْلَمَتْ، وكانَتْ تَبْكِي عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَسَألَها عَنِ حالِها، فَقالَتْ: أذْكُرُ أبِي وما كُنْتُ فِيهِ، فَلَوْ أنَّكَ أمَرْتَ الشَّياطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ في دارِي فَأتَسَلّى بِها، [فَفَعَلَ]، فَكانَتْ إذا خَرَجَ سُلَيْمانُ، تَسْجُدُ لَهُ هي ووَلائِدُها [أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ، كَسَرَ تِلْكَ الصُّورَةِ، وعاقَبَ المَرْأةَ ووَلائِدَها] ثُمَّ تَضْرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَغْفِرًا مِمّا كانَ في دارِهِ، فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ، [هَذا قَوْلُ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا سُلَيْمانُ، احْتَجَبَتْ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ؟!
فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ]، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ.
والخامِسُ: أنَّهُ قارَبَ امْرَأةً مِن نِسائِهِ في الحَيْضِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ: أنَّهُ وُلِدَ [لَهُ ولَدٌ] فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ، لَمْ يَنْفَعْكَ مِنَ البَلاءِ، فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَ ولَدَهُ أوْ نُخْبِلَهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، [فَأمَرَ السَّحابَ] فَحَمَلَهُ، وعَدا ابْنُهُ في السَّحابِ خَوْفًا مِنَ الشَّياطِينِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَخَوُّفِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، وماتَ الوَلَدُ، فَأُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا جَسَدًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ ابْتِلائِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورُ.
الإشارَةُ إلى ذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ ذَهابِ خاتَمِ سُلَيْمانَ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ جالِسًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَوَقَعَ مِنهُ في البَحْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ شَيْطانًا أخَذَهُ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ دَخْلَ ذاتَ يَوْمِ الحَمّامَ ووَضَعَ الخاتَمَ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَأخَذَهُ وألْقاهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ الشَّيْطانُ يَقُولُ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِلشَّيْطانِ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ؟
قالَ: أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرَكَ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَنَبَذَهُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وقَعَدَ الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، ووَضْعَ خاتَمَهُ عِنْدَ أوْثَقِ نِسائِهِ في نَفْسِهِ، فَأتاها الشَّيْطانُ فَتَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ سُلَيْمانَ وأخَذَ الخاتَمَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ، طَلَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ، فَهَرَبَ سُلَيْمانُ، وجاءَ الشَّيْطانُ فَجَلَسَ عَلى مُلْكِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، وأعْطى الشَّيْطانَ خاتَمَهُ فَألْقاهُ الشَّيْطانُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وأُلْقِيَ عَلى الشَّيْطانِ شَبَهَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَأمّا قِصَّةُ الشَّيْطانِ، فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا أخَذَ الخاتَمَ رَمى بِهِ في البَحْرِ، وأُلْقِي عَلَيْهِ شَبَهُ سُلَيْمانَ، فَجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، وتَحَكَّمَ في سُلْطانِهِ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يُلْقِهُ في البَحْرِ حَتّى فَرَّ مِن مَكانِ سُلَيْمانَ.
وهَلْ كانَ يَأْتِي [نِساءَ] سُلَيْمانَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِنَّ في زَمَنِ الحَيْضِ، فَأنْكَرْنَهُ، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
قالُوا: وكانَ يَقْضِي بِقَضايا فاسِدَةٍ، ويَحْكُمُ بِما لا يَجُوزُ، فَأنْكَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إمّا أنْ تَكُونُوا قَدْ هَلَكْتُمْ أنْتُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُلْكُكم قَدْ هَلَكَ، فاذْهَبُوا إلى نِسائِهِ فاسْألُوهُنَّ، فَذَهَبُوا، فَقُلْنَ: إنّا واللَّهِ قَدْ أنْكَرْنا ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَزَلْ عَلى حالِهِ إلى أنِ انْقَضى زَمَنُ البَلاءِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ بُعْدِ الشَّيْطانِ عَنِ مَكانِ سُلَيْمانَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ سُلَيْمانَ وجَدَ خاتَمَهُ فَتَخْتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ فَأخَذَ بِناصِيَةِ الشَّيْطانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا رَجَعَ إلى مُلْكِهِ وجاءَتْهُ الرِّيحُ والطَّيْرُ والشَّياطِينُ، فَرَّ الشَّيْطانُ حَتّى دَخَلَ البَحْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا، طارَ الشَّيْطانُ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ وهْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أنْكَرُوهُ، أتَوْهُ فَأحْدَقُوا بِهِ، ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْراةَ فَقَرَؤُوا، فَطارَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتّى ذَهَبَ إلى البَحْرِ، فَوَقَعَ الخاتَمُ مِنهُ في البَحْرِ فابْتَلَعَهُ حُوتٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَدْرٍ مَكَثَ الشَّيْطانُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَأمّا قِصَّةُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا سُلِبَ خاتَمَهُ، ذَهَبَ مُلْكَهُ، فانْطَلَقَ هارِبًا في الأرْضِ.
قالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَسْتَطْعِمُ فَلا يُطْعَمُ، فَيَقُولُ: لَوْ عَرَفْتُمُونِي أعْطَيْتُمُونِي، أنا سُلَيْمانُ، فَيَطْرُدُونَهُ، حَتّى أعْطَتْهُ امْرَأةٌ حُوتًا، فَوَجَدَ خاتَمَهُ في بَطْنِ الحُوتِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: انْطَلَقَ سُلَيْمانُ حَتّى أتى ساحِلَ البَحْرِ، فَوَجَدَ صَيّادِينَ قَدْ صادُوا سَمَكًا كَثِيرًا وقَدْ أُنْتِنَ عَلَيْهِمْ بَعْضُهُ، فَأتاهم يَسْتَطْعِمُ، فَقالُوا: اذْهَبْ إلى تِلْكَ الحِيتانِ فَخُذْ مِنها، فَقالَ: لا، أطْعَمُونِي مِن هَذا، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ: أطْعَمُونِي فَإنِّي سُلَيْمانُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنهم فَضَرْبَهُ بِالعَصا غَضَبًا لِسُلَيْمانَ، فَأتى تِلْكَ الحِيتانَ فَأخَذَ مِنها شَيْئًا، فَشَقَّ بَطْنَ حُوتٍ، فَإذا هو بِالخاتَمِ.
وقالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لِي أنَّهُ لَمْ يُؤْوِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، ولَمْ يَعْرِفْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكانَ يَأْوِي إلى امْرَأةٍ مِسْكِينَةٍ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا عَلى شَطِّ نَهْرٍ، وجَدَ سَمَكَةً، فَأتى بِها المَرْأةَ فَشَقَّتْها فَإذا بِالخاتَمِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: اشْتَرى سَمَكَةً مِنِ امْرَأةٍ فَشَقَّ بَطْنَها فَوَجَدَ خاتَمَهُ.
وَفِي المُدَّةِ الَّتِي سُلِبَ فِيها المُلْكُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أرْبَعُونَ لَيْلَةً، كَما ذَكَرْنا عَنِ الحَسَنِ.
والثّانِي: خَمْسُونَ لَيْلَةً: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا جَعَلَ الخاتَمَ في يَدِهِ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهاءَهُ ومُلْكَهُ، فَأظَلَّتْهُ الطَّيْرُ، وأقْبَلَ لا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ ولا طائِرٌ ولا حَجَرٌ ولا شَجَرٌ إلّا سَجَدَ لَهُ، حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ثُمَّ أرْسَلَ إلى الشَّيْطانِ، فَجِيءَ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَجُعِلَ في صُنْدُوقٍ مِن حَدِيدٍ، ثُمَّ أُطْبِقَ عَلَيْهِ وأقْفِلُ، وخَتَمَ عَلَيْهِ بِخاتَمِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُلْقِي في البَحْرِ، فَهو فِيهِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وقالَ وهَبُ: جابَ صَخْرَةً فَأدْخَلُهُ فِيها، ثُمَّ أوْثَقَها بِالحَدِيدِ والرَّصاصِ، ثُمَّ قَذَفَهُ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَتْحَ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَكُونُ لِأحَدٍ بَعْدِي، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ، فَأخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمانَ: ( هَبَّ لِي مِلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي )، فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا" .» والثّانِي: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي في حَياتِي، كَما فَعَلَ الشَّيْطانُ الَّذِي جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وإنَّما طَلَبَ هَذا المُلْكَ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ، ويَعْرِفُ مَنزِلَتَهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
ولَمْ يَكُنْ في مُلْكِهِ حِينَ دَعا بِهَذا الرِّيحِ ولا الشَّياطِينِ ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "الرِّياحَ" عَلى الجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُخاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: مُطِيعَةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّها الطَّيِّبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اللَّيِّنَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّخاوَةِ، قالَهُ اللُّغَوِيُّونَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَها بِهَذا بَعْدَ أنْ وصَفَها في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨١] بِأنَّها عاصِفَةٌ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: كانَ يَأْمُرُ العاصِفَ تارَةً ويَأْمُرُ الرَّخاءَ أُخْرى.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّها كانَتْ تَشْتَدُّ إذا أرادَ، وتَلِينُ إذا أرادَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أيْ: حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: أصابَ فُلانٌ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، أيْ: أرادَ الصَّوابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّياطِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ ﴿ كُلَّ بَنّاءٍ ﴾ يَبْنُونَ لَهُ ما يَشاءُ ﴿ وَغَوّاصٍ ﴾ يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الدُّرَّ، ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ آَخَرِينَ، وهم مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: أوْثَقَهم في الحَدِيدِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ في سُورَةِ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ [إبْراهِيمَ: ٤٩] .
﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ المَعْنى: قُلْنا لَهُ: هَذا عَطاؤُنا.
وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ ما أُعْطِي، ﴿ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ ﴾ أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ مِنَ المالِ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ.
والمَنُّ: الإحْسانُ إلى مَن لا يَطْلُبُ ثَوابَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الشَّياطِينِ المُسَخَّرِينَ لَهُ؛ فالمَعْنى: فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ بِاطِّلاقِهِ، وأمْسِكْ مَن شِئْتَ مِنهم.
وقَدْ رُوِيَ مَعْنى القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ: لا تَبِعَةَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا ولا في الآَخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابٌ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [سَبَإٍ: ٣٧، الرَّعْدِ: ٢٩، الأنْبِياءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ، فَأضافَ ما أصابَهُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِهِما.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما سَواءٌ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والعَدَمِ والعُدْمِ، والحَزَنِ والحُزْنِ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالنَّصْبِ: الضُّرُّ الَّذِي أصابَهُ.
والثّانِي: أنَّ النَّصْبَ بِتَسْكِينِ الصّادِ: الشَّرُّ، وبِتَحْرِيكِها: الإعْياءُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَقَرَأتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ، عَنِ حَفْصٍ: "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وهُبَيْرَةُ عَنِ حَفْصٍ: "بِنَصْبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ.
وَفِي المُرادِ بِالعَذابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ الَّذِي أصابَ جَسَدَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مالَهُ ووَلَدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكُضْ ﴾ أيِ: اضْرِبِ الأرْضَ ﴿ بِرِجْلِكَ ﴾ ، وَمِنهُ: رَكَضَتِ الفَرَسُ.
فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغْتَسَلُ: الماءُ، وهو الغَسُولُ أيْضًا.
قالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ [فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ] فَشَرِبَ مِنها؛ وعَلى هَذا جُمْهُورُ العُلَماءِ أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، فاغْتَسَلَ مِن واحِدَةٍ، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ كانَ قَدْ حَلَفَ لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لِيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وفي سَبَبِ هَذِهِ اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ جَلَسَ في طَرِيقِ زَوْجَةِ أيُّوبَ كَأنَّهُ طَبِيبٌ، فَقالَتْ لَهُ: يا عَبْدَ اللَّهِ: إنْ ها هُنا إنْسانًا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أنْ تُداوِيَهُ؟
قالَ: نَعَمْ، إنْ شاءَ شَفَيْتُهُ، عَلى أنْ يَقُولَ إذا بَرَأ: أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَجاءَتْ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفانِي أنْ أجْلِدَكَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ لَقِيَها فَقالَ: إنِّي أنا الَّذِي فَعَلْتُ بِأيُّوبَ ما بِهِ، وأنا إلَهُ الأرْضِ، وما أخَذْتُهُ مِنهُ فَهو بِيَدِي، فانْطَلِقِي أُرِيكِ، فَمَشى بِها غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَها، فَأراها وادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أهْلُها ووَلَدُها ومالُها، فَأتَتْ أيُّوبَ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، ويْحَكَ كَيْفَ وعى قَوْلَهُ سَمِعَكَ؟
واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأجْلِدَنَّكَ مِائَةً، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ، فَقالَ: لِيَذْبَحَ لِي هَذِهِ وقَدْ بَرَأ؛ فَأخْبَرَتْهُ، فَحَلَفَ لِيَجْلِدْنَّها، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٣] عَنِ الحَسَنِ.
فَأمّا الضِّغْثُ، فَقالَ الفَرّاءُ: هو كُلُّ ما جَمَعْتَهُ مِن شَيْءٍ مِثْلِ الحِزْمَةِ الرَّطِبَةِ، قالَ: وما قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ ثُمَّ جَمَعْتَهُ، فَهو ضِغْثٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الخِلالِ والعِيدانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ والرَّيْحانِ وما أشْبَهَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: جَزى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبْرِها أنْ أفْتاهُ في ضَرْبِها فَسَهُلَ الأمْرُ، فَجَمَعَ لَها مِائَةَ عُودٍ، وقِيلَ: مِائَةُ سُنْبُلَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ أسْلًا، وقِيلَ: مِنَ الإذْخِرِ، وقِيلَ: كانَتْ شَمارِيخٌ، فَضَرَبَها بِها ضَرْبَةً واحِدَةً ولَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ.
وهَلْ ذَلِكَ خاصٌّ لَهُ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، [وابْنُ أبِي لَيْلى] .
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِأيُّوبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن حَلَفَ أنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشْرَةَ أسْواطٍ فَجَمَعَها كُلَّها وضَرْبَهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، فَقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ، وبِهِ قالَ أصْحابُنا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: إذا أصابَهُ في الضَّرْبَةِ الواحِدَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنها، فَقَدْ بَرَّ، واحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ أيْ: عَلى البَلاءِ الَّذِي ابْتَلَيْناهُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصافِناتُ الجِيادُ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ الهِبَةُ والعَطِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَوَهَبَ اللهُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ ولَدًا، وأثْنى تَعالى عَلَيْهِ بِأوصافٍ مِنَ المَدْحِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ و"أوّابٌ" مَعْناهُ: رَجّاعٌ، ولَفْظَةُ ﴿ "أوّابٌ" ﴾ هو العامِلُ في "إذْ"؛ لِأنَّ أمْرَ الخَيْلِ مُقْتَضٍ أوبَةً عَظِيمَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الخَيْلِ المَعْرُوضَةِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشاءً، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها حَتّى فاتَهُ وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ العَصْرِ، ونَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأسِفَ لِذَلِكَ، وقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ، قالَ الحَسَنُ: فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَيْفِ عَقْرًا لَها لَمّا كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ الصَلاةِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ أسْرَعَ مِنها الرِيحَ، وقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ الثَعْلَبِيُّ -: كانَتْ بِالناسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَإنَّما عَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ بِها، كالهَدْيِ عِنْدَنا، ونَحْوُ هَذا ما فَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ بِحائِطِهِ؛ إذْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الدُبْسِيُّ في الصَلاةِ فَشَغَلَهُ.
و"الصافِنُ": الفَرَسُ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ ويَقِفُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ، وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ: ألِفَ الصُفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَلاثِ كَسِيرًا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصافِنُ: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيها، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرَفِ السُنْبُكِ فَهو المُخَيَّمُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَوافِنُ الجِيادُ"، والجِيادُ: جَمْعُ جَوْدٍ، كَثَوْبِ وثِيابٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ يَجُودُ بِجَرْيِهِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الخَيْرُ" هُنا أرادَ بِهِ: الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وكَذَلِكَ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِزَيْدِ الخَيْلِ: "أنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ"،» و"حُبَّ" مَفْعُولٌ بِهِ نُصِبَ لِذَلِكَ عِنْدَ فِرْقَةٍ، كَأنَّ ﴿ "أحْبَبْتُ" ﴾ بِمَعْنى: آثَرْتُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ بـِ "أحْبَبْتُ" مَحْذُوفٌ، و"حُبَّ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أحْبَبْتُ هَذِهِ الخَيْلَ حُبَّ الخَيْرِ، وتَكُونُ "الخَيْرِ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - غَيْرَ الخَيْلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُبَّ الخَيْلِ" بِاللامِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أحْبَبْتُ" مَعْناهُ: سَقَطْتُ إلى الأرْضِ لِذَنْبِي، مَأْخُوذٌ مِن: أحَبَّ البَعِيرُ إذا أعْيا وسَقَطَ هُزالًا، و"حُبَّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
والضَمِيرُ في ﴿ "تَوارَتْ" ﴾ لِلشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ، إلّا أنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها مَذْكُورَةً ويَتَضَمَّنُها؛ ولِأنَّ العَشِيَّ يَقْتَضِي لَها ذِكْرًا إذْ هو مُقَدَّرٌ مُتَوَهَّمٌ بِها.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ، أيْ: دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَهْراوِيُّ: إنَّ مَسْحَهُ بِالسُوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَيْفِ، بَلْ بِيَدِهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغَسْلِ مَسْحٌ، لِأنَّ المَسْحَ بِالأيْدِي يَقْتَرِنُ بِهِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ عِنْدِي إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى نَحْوٍ مَنِ التَفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ.
وذَلِكَ أنَّهُ رَأى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها فَوْتُ صَلاةٍ، ولا تَضَمَّنُ أمْرَ الخَيْلِ أوبَةً ولا رُجُوعًا.
فالعامِلُ فِي: "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ عُرِضَ، وقالُوا: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ، أيْ: إنِّي في الصَلاةِ، فَأزالُوها عنهُ حَتّى أدْخَلُوها في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ ، أيِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ، بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عن رُؤْيَةِ الخَيْلِ، حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْناقَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ هَذا المَسْحَ إنَّما كانَ وسْمًا في السُوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ خَيْلًا مَوْرُوثَةً.
قالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَها حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها أكْثَرُ مِن مِائَةِ فَرَسٍ، فَمِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ كُلُّ ما يُوجَدُ اليَوْمَ مِنَ الخَيْلِ.
وهَذا بَعِيدٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ خَيْلًا أخْرَجَها الشَياطِينُ لَهُ مِنَ البَحْرِ، وكانَتْ ذَواتَ أجْنِحَةٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، و"طَفِقَ" مَعْناهُ: دامَ يَفْعَلُ، كَما تَقُولُ: جَعَلَ يَفْعَلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِالسُوقِ" ﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنَّ وجْهَها في القِياسِ أنَّ الضَمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ، قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذا نَظِيرُ إمالَتِهِمْ ألِفَ "مِقْلاتٍ" مِن حَيْثُ ولِيَتِ الكَسْرَةَ القافُ، قَدَّرُوا أنَّ القافَ هي المَكْسُورَةُ.
وَوَجْهُ هَمْزَةِ "السُوقِ" مِنَ السَماعِ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: أحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيْكَ مُؤْسى وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُؤُوقِ" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّ "عن" هُنا لِلْمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُطَّرِدٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِتْنَتِهِ لِسُلَيْمانَ، وامْتِحانِهِ إيّاهُ لِزَوالِ مُلْكِهِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَتْ لَهُ حَظِيَّةٌ مِن حَظاياهُ: إنْ أخِي لَهُ خُصُومَةٌ، فَأرْغَبُ أنْ تَقْضِيَ لَهُ بِكَذا وكَذا، لِشَيْءٍ غَيْرِ الحَقِّ، فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: أفْعَلُ، فَعاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلى خاتَمَهُ جِنِّيًّا، وذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لا يَدْخُلُ الخَلاءَ بِخاتَمِ المُلْكِ، تَوْقِيرًا لِاسْمِ اللهِ تَعالى، فَكانَ يَضَعُهُ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، فَألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى جَنِّيٍ اسْمُهُ صَخْرٌ - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، فَجاءَ إلى المَرْأةِ فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الخاتَمَ، فاسْتَوْلى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وبَقِيَ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وطَرَحَ خاتَمَ سُلَيْمانَ في البَحْرِ، وجَعَلَ يَعْبَثُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ، حَتّى أنْكَرُوا أفْعالَهُ، ومَكَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن جَمِيعِ المُلْكِ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مِن نِساءِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْشِفْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ خِلالَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ فارًّا عَلى وجْهِهِ مُنْكَرًا، لا يَنْتَسِبُ لِقَوْمٍ إلّا ضَرَبُوهُ، وأدْرَكَهُ جُوعٌ وفاقَةٌ، فَمَرَّ يَوْمًا بِامْرَأةٍ تَغْسِلُ حُوتًا مَيِّتًا، فَسَألَها مِنهُ لِجُوعِهِ، وقِيلَ: بَلِ اشْتَراهُ فَأعْطَتْهُ حُوتَيْنِ، فَجَعَلَ يَفْتَحُ أجْوافَها، وإذا خاتَمُهُ في جَوْفِ أحَدِهِما، فَعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وسُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وفَّرَ صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِ في حِجارَةٍ، وسَجَنَهُ في البَحْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذِهِ هي الفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ وامْتُحِنَ بِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في الجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الجِنِّيُّ المَذْكُورُ، سَمّاهُ ﴿ "جَسَدًا" ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَمَثَّلَ في جَسَدِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأبْيَنُها مَعْنًى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ.
بَلْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدُ ابْنٍ لَهُ مَيِّتٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ شِقُّ الوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ حِينَ أقْسَمَ لَيَطُوفَنَّ عَلى نِسائِهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ في قِسْمِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كانَ بِلا رُوحٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنابَ" ﴾ مَعْناهُ: ارْعَوى وانْثَنى وأجابَ إلى طاعَةِ رَبِّهِ، ومَعْنى هَذا: مِن تِلْكَ الحَوْبَةِ الَّتِي وقَعَتِ الفِتْنَةُ بِسَبَبِها.
ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، واسْتَوْهَبَهُ مُلْكًا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ أنْ يُفْرِدَهُ بَيْنَ البَشَرِ لِتَكُوُنَ خاصَّةً لَهُ وكَرامَةً، وهَذا هو الظاهِرُ مِن «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في خَبَرِ العِفْرِيتِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ في صَلاتِهِ، فَأخَذَهُ وأرادَ أنْ يُوثِقَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، قالَ: "ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: رَبِ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي فَأرْسَلْتُهُ"،» وقالَ قَتادَةُ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مُدَّةَ حَياتِي، أيْ: لا أُسْلَبُهُ ويَصِيرُ إلى أحَدٍ كَما صارَ إلى الجِنِّيِّ.
ورُوِيَ في مَثالِبِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "لَقَدْ كانَ حَسُودًا"، وهَذا مِن فِسْقِ الحَجّاجِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جائِزًا؛ لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُبُوَّةِ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ "لا يَنْبَغِي"، ﴾ فَإنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ، ومُحَمَّدٌ لَوْ رَبَطَ الجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَما أُوتِيهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، لَكِنْ لَمّا كانَ فِيهِ بَعْضُ الشَبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى اخْتِيارِهِ أبَدًا أيْسَرَ الأمْرَيْنِ وأقْرَبَهُما إلى التَواضُعِ.
<div class="verse-tafsir"
قد قلت آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ووهبنا لداود سليمان ﴾ [ص: 30] إن ما ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير على عادة القرآن في ابتدار وسائل الإِرشاد بالترغيب والترهيب، فكذلك كانت الآيات المتعلقة بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة وتحذير من الوقوع في مثل غفلته، وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة عرضت لسليمان أعقبتها إنابة ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة فذكرت عقب ذكر قصة ما ناله من السهو عن عبادته وهو دون الفتنة.
والفَتن والفتون والفتنة: اضطراب الحال الشديد الذي يظهر به مقدار صبر وثبات من يحلّ به، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنما نحن فتنة في سورة البقرة ﴾ (102.
(وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حلّ بسليمان، واختلفت أقوال المفسرين في تعيين هذه الفتنة فذكروا قصصاً هي بالخرافات أشبه، ومقام سليمان عن أمثالها أنزه.
ومن أغربها قولهم: إنه ولد له ابن فخاف عليه الناسَ أن يقتلوه فاستودعه الريح لتحضنه وترضعه دَرّ ماء المُزن فلم يلبث أن أصابه الموت وألقته الريح على كرسي سليمان ليعلم أنه لا مردّ لمحتوم الموت.
وهذا ما نظمه المعري تبعاً لأوهام الناس فقال حكاية عن سليمان: خَاف غدْر الأناممِ فاستودع الري *** حَ سَليلاً تغذوه دَرَّ العِهَاد وتوخّى النجاةَ وقد أيْ *** قَنَ أن الحِمام بالمرصاد فرمتْه به على جَانب الكُر *** سِيِّ أمّ اللّهَيْم أُخْتُ النّآد والذي يظهر من السياق أن قوله تعالى: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ إشارة إلى شيء من هذه الفتنة ليرتبط قوله: ﴿ ثمَّ أنابَ ﴾ بذلك.
ويحتمل أنه قصة أخرى غير قصة فتنته.
وأظهر أقوالهم أن تكون الآية إشارة إلى ما في «صحيح البخاري» «عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال سليمان لأَطُوفَنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله.
فقال له صاحبه: قل إن شاء الله.
فلم يقل: إن شاء الله.
فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة جاءت بشقِّ رَجل، وأيْم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون».
وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك تأويل هذه الآية ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديثَ في التفسير من كتابيهما.
قال جماعة: فذلك النصف من الإِنسان هو الجَسد الملقَى على كرسيّه جاءت به القابلة فألقته له وهو على كرسيه، فالفتنة على هذا خيبة أمله ومخالفة ما أبلغه صاحبُه.
وإطلاق الجسد على ذلك المولود؛ إمّا لأنه وُلِد ميتاً، كما هو ظاهر قوله: «شق رجل»، وإمّا لأنه كان خلقة غير معتادة فكان مجرد جسد.
وهذا تفسير بعيد لأن الخبر لم يقتض أن الشق الذي ولدته المرأة كان حيّاً ولا أنه جلس على كرسي سليمان.
وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلّف.
وقال وهب بن منبه وشَهْر بن حَوْشَب: تزوج سليمان ابنة ملك صيدون بعد أن غزا أباها وقتله فكانت حزينة على أبيها، وكان سليمان قد شغف بحبها فسألته لترضى أن يأمر المصورين ليصنعوا صورة لأبيها فصنعت لها فكانت تغدو وتروح مع ولائدها يسجدن لتلك الصورة فلما علم سليمان بذلك أمر بذلك التمثال فكسر، وقيل: كانت تعبد صنماً لها من ياقوت خُفية فلما فطن سليمان أو أسلمت المرأة ترك ذلك الصنم.
وهذا القول مختزل مما وقع في «سفر الملوك» الأول من كتب اليهود إذ جاء في الإِصحاح الحادي عشر: وأحَب سليمان نساء غريبة كثيرة بنت فرعون ومعها نساء مؤابيات وعمونيات، وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم التي قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم لأنهم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم.
فبنى هيكلاً للصنم (كموش) صنَم المؤابيين على الجبل الذي تُجاه أورشليم فقال الله له: من أجل أنك لم تحفظ عهدي فإني أمزق مملكتك بعدك تمزيقاً وأعطيها لعبدك ولا أعطي ابنك إلا سِبطاً واحداً الخ.
ويؤخذ من ذلك كله: أن سليمان اجتهد وسمح لنسائه المشركات أن يعبدْن أصنامهن في بيوتهن التي هي بيوته أو بنى لهن معابد يعبدْنَ فيها فلم يرضَ الله منه ذلك لأنه وإن كان قد أباح له تزوج المشركات فما كان ينبغي لنبيء أن يسمح لنسائه بذلك الذي أبيح لعامة الناس الذين يتزوجون المشركات وإن كان سليمان تأول أن ذلك قاصر على المرأة لا يتجاوز إليه.
وعلى هذا التأويل يكون المراد بالجسد الصنم لأنه صورة بلا روح كما سمى الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل جَسداً في قوله: ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ (طه: 88.
(ويكون معنى إلقائه على كرسيّه نصبه في بيوت زوجاته المشركات بقرب من مواضع جلوسه إذ يكون له في كل بيت منها كرسي يجلس عليه.
وعطف ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ بحرف ﴿ ثمّ ﴾ المفيد للتراخي الرتبي لأن رتبة الإِنابة أعظم ذكر في قوله: ﴿ فقال إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ ﴾ [ص: 32].
والإِنابة: التوبة.
وجملة ﴿ قال ربّ اغفر لي ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أنَابَ ﴾ لأن الإِنابة تشتمل على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره من أمثاله.
وإردافه طلب المغفرة باستيهاب مُلْك لا ينبغي لأحدٍ من بعده لأنه توقع من غضب الله أمرين: العقاب في الآخرة، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصّر في شكرها، وكان سليمان يومئذٍ في مُلْك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136].
وتنكير ﴿ مُلْكاً ﴾ للتعظيم.
وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكاً أنه لا ينبغي لأحد من بعده، أي لا يتأتى لأحد من بعده، أي لا يعطيه الله أحداً يبتغيه من بعده.
فكنّى ب ﴿ لا ينبغي ﴾ عن معنى لا يُعطَى لأحد، أي لا تعطيه أحداً من بعدي.
ففعل: ﴿ ينبغِي ﴾ مطاوع بغاه، يقال: بغاه فانبغى له وليس للملْك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسّر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي، وحقيقته: انبغاء سببه.
وهذا من التأدّي في دعائه إذ لم يقل: لا تعطه أحداً من بعدي.
وسأل الله أن لا يقيم له منازعاً في ملكه وأن يبقى له ذلك الملكُ إلى موته، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده (يربعام بن نباط) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى (شيشق) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان.
فهذا أيضاً مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحداً غيره.
وكان لسليمان عدوَّان آخران هما (هدد) الأدومي و(رزون) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإِزالة ملكه.
واستعمل ﴿ مِن بعدي ﴾ في معنى: من دوني، كقوله تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23]، فيكون معنى ﴿ لا ينبغِي ﴾ أنه لا ينبغي لأحد غيري، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يُسلط أحد على ملكه مدة حياته.
وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعدّ من الحسد.
ويجوز أن يبقى ﴿ مِن بعدي ﴾ على ظاهره، أي بعد حياتي.
فمعنى ﴿ لا يَنبغِي ﴾ : لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي.
وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإِشفاق من أن يلِي مثل ذلك الملك من ليس له من النُبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للمَلِك على مُلْكه، فينتفِي أيضاً على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطَى أحد غيرُه مثلَ ملكه (مما تشمّ منه رائحة الحسد).
وقد تضمنت دعوته شيئين: هما أن يعطى ملكاً عظيماً، وأن لا يُعطَى غيرُه مثلَه في عظمته.
وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سرّ بينه وبين ربه إشعاراً بأنه ألهمه إياه، وأنه استجاب له دعوته تعريفاً برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبتِه.
ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عمّ التصرف في الجن وتسخير الريح والطير، ومجموعُ ذلك لم يحصل لأحد من بعده.
وفي «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عفريتاً من الجن تفلَّتَ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلُّكُم فذكرتُ دعوة أخي سليمان: «رب هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي فرددته خاسِئاً».
وجملة ﴿ إنَّك أنتَ الوهابُ ﴾ علة للسؤال كله وتمهيد للإِجابة، فقامت (إنّ) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في ﴿ الوَهَّابُ ﴾ على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة.
و ﴿ أنْتَ ﴾ ضميرُ فصل، وأفاد الفصل به قصراً فصار المعنى: أنت القوي الموهبة لا غيرك، لأن الله يَهَب ما لا يملك غيره أن يهبه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ابْتَلَيْناهُ قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عاقَبْناهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَفي فِتْنَتِهِ الَّتِي عُوقِبَ بِها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ قارَبَ بَعْضَ نِسائِهِ في بَعْضِ الشَّيْءِ مِن حَيْضٍ أوْ غَيْرِهِ قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ كانَتْ لِسُلَيْمانَ امْرَأةٌ تُسَمّى جَرادَةً وكانَ بَيْنَ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فاخْتَصَمُوا إلى سُلَيْمانَ فَفَصَلَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ولَكِنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ فَجَعَلَ لا يَدْرِي أمِنَ الأرْضِ يَأْتِيهِ البَلاءُ أمْ مِنَ السَّماءِ.
الثّالِثُ: ما حَكاهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سُلَيْمانَ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَقْضِي بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ إنِّي لَمْ أسْتَخْلِفْكَ لِتُحْجَبَ عَنْ عِبادِي ولَكِنْ لِتَقْضِيَ بَيْنَهم وتَنْصِفَ مَظْلُومَهم.
الرّابِعُ: ما حَكاهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أنَّ سُلَيْمانَ سَبى بِنْتَ مَلِكِ غَزّانَ في جَزِيرَةٍ مِنَ جَزائِرِ البَحْرِ يُقالُ لَها صَيْدُونُ، فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مَحَبَّتُها وهي مُعْرِضَةٌ عَنْهُ تَذْكُرُ أمْرَ أبِيها لا تَنْظُرُ إلَيْهِ إلّا شَزَرًا ولا تُكَلِّمُهُ إلّا نَزَرًا، ثُمَّ إنَّها سَألَتْهُ أنْ يَضَعَ لَها تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ فَصَنَعَ لَها فَعَظَّمَتْهُ وسَجَدَتْ لَهُ وسَجَدَ جَوارِيها مَعَها، وصارَ صَنَمًا مَعْبُودًا في دارِهِ وهو لا يَعْلَمُ بِهِ حَتّى مَضَتْ أرْبَعُونَ يَوْمًا وفَشا خَبَرُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وعَلِمَ بِهِ سُلَيْمانُ فَكَسَرَهُ وحَرَّقَهُ ثُمَّ ذَرّاهُ في الرِّيحِ.
الخامِسُ: ما حَكاهُ مُجاهِدٌ أنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِآصَفَ الشَّيْطانِ كَيْفَ تُضِلُّونَ النّاسَ؟
فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ أعْطِنِي خاتَمَكَ حَتّى أُخْبِرَكَ، فَأعْطاهُ خاتَمَهُ فَألْقاهُ في البَحْرِ حَتّى ذَهَبَ مُلْكُهُ.
السّادِسُ: ما حَكاهُ أبانُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ سُلَيْمانَ قالَ ذاتَ لَيْلَةٍ: واللَّهِ لَأطُوفَنَّ عَلى نِسائِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وهُنَّ ألْفُ امْرَأةٍ كُلُّهُنَّ تَشْتَمِلُ بِغُلامٍ، كُلُّهم يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ.
قالَ أنَسٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اسْتَثْنى لَكانَ ما قالَ فَما حَمَلَتْ لَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ شِقَّ إنْسانٍ.
» ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَعَلْنا في مُلْكِهِ جَسَدًا، والكُرْسِيُّ هو المُلْكُ.
الثّانِي: وألْقَيْنا عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ جَسَدًا.
وَفي هَذا الجَسَدِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَسَدُ سُلَيْمانَ مَرِضَ فَكانَّ جَسَدُهُ مُلْقًى عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ وُلِدَ لَهُ ولَدٌ فَخافَ عَلَيْهِ فَأوْدَعَهُ في السَّحابِ يُغَذّى في اليَوْمِ كالجُمُعَةِ، وفي الجُمُعَةِ كالشَّهْرِ وفي الشَّهْرِ كالسَّنَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وقَدْ وقَعَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيْتًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أكْثَرَ مِن وطْءِ جَوارِيهِ طَلَبًا لِلْوَلَدِ، فَوُلِدَ لَهُ نِصْفُ إنْسانٍ، فَهو كانَ الجَسَدُ المُلْقى عَلى كُرْسِيِّهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ جَعَلَ مُلْكَ سُلَيْمانَ في خاتَمِهِ فَكانَ إذا أجْنَبَ أوْ ذَهَبَ لِلْغائِطِ خَلَعَهُ مِن يَدِهِ ودَفَعَهُ إلى أوْثَقِ نِسائِهِ حَتّى يَعُودَ فَيَأْخُذَهُ، فَدَفَعَهُ مَرَّةً إلى بَعْضِ نِسائِهِ وذَهَبَ لِحاجَتِهِ فَجاءَ شَيْطانٌ فَتَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَطَلَبَ الخاتَمَ مِنها فَأعْطَتْهُ إيّاهُ، وجاءَ سُلَيْمانُ بَعْدَهُ فَطَلَبَهُ، فَقالَتْ قَدْ أخَذْتَهُ فَأحَسَّ سُلَيْمانُ.
واخْتُلِفَ في اسْمِ امْرَأتِهِ هَذِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: جَرادَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: الأمِينَةُ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ سُلَيْمانُ قَدْ وضَعَ خاتَمَهُ تَحْتَ فِراشِهِ فَأخَذَهُ الشَّيْطانُ مِن تَحْتِهِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ أخَذَهُ الشَّيْطانُ مِن يَدِهِ لِأنَّ سُلَيْمانَ سَألَ الشَّيْطانَ كَيْفَ تُضِلُّ النّاسَ؟
فَقالَ الشَّيْطانُ: أعْطِنِي خاتَمَكَ حَتّى أُخْبِرَكَ فَأعْطاهُ خاتَمَهُ، فَلَمّا أخَذَ الشَّيْطانُ الخاتَمَ جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ مُتَشَبِّهًا بِصُورَتِهِ داخِلًا عَلى نِسائِهِ، يَقْضِي بِغَيْرِ الحَقِّ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ صَوابٍ.
واخْتُلِفَ في إصابَتِهِ النِّساءَ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِنَّ في حَيْضِهِنَّ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: مُنِعَ مِن إتْيانِهِنَّ، وزالَ عَنْ سُلَيْمانَ مُلْكُهُ فَخَرَجَ هارِبًا إلى ساحِلِ البَحْرِ يَتَضَيَّفُ النّاسَ ويَحْمِلُ سَمُوكَ الصَّيّادِينَ بِالأُجْرَةِ، وإذا أخْبَرَ النّاسَ أنَّهُ سُلَيْمانَ أكْذَبُوهُ، فَجَلَسَ الشَّيْطانُ عَلى سَرِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ واخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الشَّيْطانِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اسْمَهُ صَخْرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: آصَفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: حَقِيقٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: سَيِّدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ بَعْدَ أنِ اسْتَنْكَرَ بَنُو إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ أخَذَ حُوتَهُ مِن صَيّادٍ قِيلَ إنَّهُ اسْتَطْعَمَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أخَذَها أجْرًا في حَمْلِ حُوتٍ حَمَلَهُ، فَلَمّا شَقَّ بَطْنَهُ وجَدَ خاتَمَهُ فِيها، وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا مِن زَوالِ مُلْكِهِ عَنْهُ، وهي عِدَّةُ الأيّامِ الَّتِي عُبِدَ الصَّنَمُ في دارِهِ.
قالَهُ مُقاتِلٌ ومَلَكَ أرْبَعِينَ سَنَةً، عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الفِتْنَةِ وعِشْرِينَ بَعْدَها.
وَكانَتِ الأرْبَعُونَ يَوْمًا الَّتِي خَرَجَ فِيها عَنْ مُلْكِهِ ذا القَعْدَةِ وعَشْرًا مِن ذِي الحِجَّةِ، فَسَجَدَ النّاسُ لَهُ حِينَ عادَ الخاتَمُ إلَيْهِ وصارَ إلى مُلْكِهِ.
وَحَكى يَحْيى بْنُ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ أنَّ سُلَيْمانَ وجَدَ خاتَمَهُ بِعَسْقَلانَ فَمَشى مِنها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ ظَفَرَ بِالشَّيْطانِ فَجَعَلَهُ في تَخْتٍ مِن رُخامٍ وشَدَّهُ بِالنُّحاسِ وألْقاهُ في البَحْرِ.
فَهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٌ: أحَدُها: ثُمَّ رَجَعَ إلى مُلْكِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: ثُمَّ أنابَ مِن ذَنْبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: ثُمَّ بَرَأ مِن مَرَضِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لَهُ يَعْلَمُ بِهِ الرِّضا ويَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ.
الثّانِي: لِيَقْوى بِهِ عَلى مَن عَصاهَ مِنَ الجِنِّ، فَسُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ حِينَئِذٍ.
الثّالِثُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي في حَياتِي أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي كالجَسَدِ الَّذِي جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ أيِ المُعْطِي، قالَ مُقاتِلٌ: سَألَ اللَّهَ تَعالى مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ بَعْدَ الفِتْنَةِ فَزادَهُ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ والشَّياطِينَ بَعْدَما ابْتُلِيَ، وقالَ الكَلْبِيُّ حَكَمَ سُلَيْمانُ في الحَرْثِ وهو ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، ومَلَكَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ أيْ ذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ.
﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْمِلُ ما يَأْمُرُها.
الثّانِي: تَجْرِي إلى حَيْثُ يَأْمُرُها.
﴿ رُخاءً ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: طَيِّبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: سَرِيعَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مُطِيعَةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: لَيِّنَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: لَيْسَتْ بِالعاصِفَةِ المُؤْذِيَةِ ولا بِالضَّعِيفَةِ المُقَصِّرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَيْثُ أرادَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقالَ قَتادَةُ: هو بِلِسانِ هَجَرَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، أيْ أرادَ الصَّوابَ.
الثّانِي: حَيْثُ ما قَصَدَ مَأْخُوذٌ مِن إصابَةِ السَّهْمِ الغَرَضَ المَقْصُوَدَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ يَعْنِي سَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ يَعْنِي في البَرِّ، وغَوّاصٍ يَعْنِي في البَحْرِ عَلى حُلِيِّهِ وجَواهِرِهِ.
﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في السَّلاسِلِ: قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: في الأغْلالِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: في الوَثاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، قالَ الشّاعِرُ: فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِكُفْرِهِمْ، فَإذا آمَنُوا أطْلَقَهم ولَمْ يُسَخِّرْهم.
وَوُجِدَ عَلى سُورِ مَدِينَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامَ لَوْ أنَّ حَيًّا يَنالُ الخُلْدَ في مَهَلٍ ∗∗∗ لَنالَ ذاكَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ ∗∗∗ سالَتْ لَهُ العَيْنُ عَيْنَ القِطْرِ فائِضَةً ∗∗∗ فِيهِ ومِنهُ عَطاءٌ غَيْرُ مَوْصُودِ ∗∗∗ لَمْ يَبْقَ مِن بَعْدِها في المُلْكِ مُرْتَقَيًا ∗∗∗ حَتّى تَضَمَّنَ رَمْسًا بَعْدَ أُخْدُودِ ∗∗∗ هَذا التَّعْلَمُ أنَّ المُلْكَ مُنْقَطِعٌ ∗∗∗ إلّا مِنَ اللَّهِ ذِي التَّقْوى وذِي الجُودِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُلْكِ الَّذِي لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ والشَّياطِينِ.
فَعَلى هَذاَ في قَوْلِهِ ﴿ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: امْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الجِنِّ بِإطْلاقِهِ، أوْ أمْسِكْ مَن شِئْتَ مِنهم في عَمَلِهِ مِن غَيْرِ حَرَجٍ عَلَيْكَ فِيما فَعَلْتَهُ بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أعْطِ مَن شِئْتَ مِنَ النّاسِ وامْنَعْ مَن شِئْتَ مِنهم.
﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ فِيما تُعْطِي وتَمْنَعُ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: بِغَيْرِ حَرَجٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: بِغَيْرِ حِسابٍ تُحاسَبُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الحَسَنُ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ نِعْمَةً إلّا عَلَيْهِ فِيها تَبِعَةٌ إلّا سُلَيْمانَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وحَكى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ الآيَةَ.
قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُوتِينا ما أُوتِيَ النّاسُ وما لَمْ يُؤْتَوْا، وعَلِمْنا ما عَلِمَ النّاسُ وما لَمْ يَعْلَمُوا فَلَمْ نَرَ شَيْئًا هو أفْضَلَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، والقَصْدِ في الغِنى والفَقْرِ، وكَلِمَةِ الحَقِّ في الرِّضا والغَضَبِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ هَذا عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ جَزاءٍ.
الثّانِي: بِغَيْرِ قِلَّةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُضْمَرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ما حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ في ظَهْرِهِ ماءُ مِائَةِ رَجُلٍ وكانَ لَهُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ يَعْنِي الَّذِي أعْطَيْناكَ مِنَ القُوَّةِ عَلى النِّكاحِ ﴿ فامْنُنْ ﴾ بِجِماعِ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ ﴿ أوْ أمْسِكْ ﴾ عَنْ جِماعِ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ.
فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ مُؤاخَذَةٍ فِيمَن جامَعْتَ أوْ عَزَلْتَ.
الثّانِي: بِغَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ فِيمَنِ اسْتَبَحْتَ أوْ نَكَحْتَ.
وَهَذا القَوْلُ عُدُولٌ مِنَ الظّاهِرِ إلى ادِّعاءِ مُضْمَرٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَكِنْ قِيلَ فَذَكَرْتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان عليه السلام امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودَّ أن الحق كان لأهلها؛ فأوحى الله تعالى إليه: أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم بسند قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي.
فقالت: قد أعطيته سليمان قال: أنا سليمان قالت: كذبت لست سليمان.
فجعل لا يأتي أحداً يقول أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل، وقام الشيطان يحكم بين الناس.
فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه، ألقى في قلوب الناس انكار ذلك الشيطان، فارسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن: أيكون من سليمان شيء؟
قلن: نعم.
إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك.
فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السلام فقال: تحمل لي هذه السمك؟
ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السلام، فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الانس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فنقبوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر.
فذلك قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ يعني الشيطان كان تسلط عليه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله: ﴿ قوم تبع ﴾ [ الدخان: 73] في القرآن، ولم يذكر تبع فقال: إن تبعاً كان ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب، وكان الكهان يبغون على أهل الكتاب ويقتلون تابعهم فقال أهل الكتاب لتبع: أنهم يكذبون علينا فقال تبع: إن كنتم صادقين فقربوا قرباناً فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه.
فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان أهل الكتاب، فأتبعهم تبع فأسلم.
فلهذا ذكر الله قومه في القرآن ولم يذكره قال ابن عباس رضي الله عنه وسألته عن قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة، فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ قال: صخر الجني.
مثل على كرسيه على صورته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: أمر سليمان عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له إن شيطاناً يقال له صخر شبه المارد، فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب، تصيب من الحليم، وتزيد من الجاهل جهلاً ثم جفل حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها، فشربها حتى غلب على عقله، فأوتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذل وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: أنا قد أمرنا ببناء هذا البيت فقيل لنا: لا تسمعن فيه صوت حديد، فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بألماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة.
وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه.
فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقى على الشيطان شبه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يوماً حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان صخر ﴿ ثم أناب ﴾ قال: تاب ثم أقبل يعني سليمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: شيطاناً يقال له آصف.
فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟
قال أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه السلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان عليه السلام فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناس أمر سليمان عليه السلام.
وكان سليمان عليه السلام يستطعم فيقول: أتعرفوني أنا سليمان؟
فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، وطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر الشيطان فدخل البحر فاراً.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لسليمان ولد فقال للشيطان: تواريه من الموت؟
قالوا نذهب به إلى المشرق.
فقال يصل إليه الموت.
قالوا فإلى المغرب.
قال يصل إليه.
قالوا إلى البحار.
قال يصل إليه الموت.
قال نضعه بين السماء والأرض، ونزل عليه ملك الموت فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض؛ فلم أصبها، فبينا أنا صاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ » .
وقال ابن سعد رضي الله عنه، أخبرنا الواقدي، حدثنا معشر عن المقبري: أن سليمان بن داود عليه السلام قال: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي، فتأتي كل امرأة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله.
ولم يستثنِ ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل امرأة إلا امرأة واحدة، حملت بشق إنسان ولم يكن شيء أحب إلى سليمان من تلك الشقة.
قال وكان أولاده يموتون، فجاء ملك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان عليه السلام: إن استطعت أن تؤخر إبني هذا ثمانية أيام إذا جاءه أجله فقال: لا.
ولكن أخبرك قبل موته بثلاثة أيام.
قال لمن عنده من الجن: أيكم يُخَبِّئ لي إبني هذا؟
قال أحدهم؟
أنا أخبؤه لك في المشرق قال: ممن تخبئوه؟
قال: من ملك الموت.
قال يبصره.
قال آخر: أنا أخبؤه لك بين قرينين لا يريان.
قال سليمان عليه السلام إن كان شيء فهذا.
فلما جاء أجله، نظر ملك الموت في الأرض، فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء من البحار، ورآه بين قرينين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحه على كرسي سليمان.
فذلك قوله: ﴿ ولقد فتنا سليمان ﴾ وهو قول الله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينما سليمان بن داود جالساً على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطاناً في أهله، فأتى عجوزاً، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وانطلق فالتمس.
قال: فانطلق يلتمس، فأتى قوماً يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا سمكات، فانطلق بهن حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام: ما هذا؟
فأخذه سليمان عليه السلام، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين، والانس، والجن، والطير، والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه أنه يرد عيناً في جزيرة في البحر في سبعة أيام، ولا نقدر عليه حتى يسكر.
قال فصب له في تلك العين خمراً، فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة، فأوثقه سليمان عليه السلام، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فالدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: هو الشيطان.
دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها: هاتي الخاتم فقالت: قد دفعته إليك.
قال ما فعلت..
!
فهرب سليمان عليه السلام وجلس الشيطان على ملكه، وانطلق سليمان عليه السلام هارباً في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان، فقال بعضهم لبعض: هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه؟
قالوا: نعم.
قال أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم، فقالوا: والله ان عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم، فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا.
فسألوهن، فقلن: أي والله لقد أنكرنا.
فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكاً كثيراً غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام، فاستطعمهم، فأعطوه تلك الحيتان قال: لا بل أطعموني من هذا، فأبوا فقال: أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضباً لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما فشق بطن أحدهما، فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده، فعاد في ملكه، فجاءه الصيادون يبيعون إليه فقال لهم: لقد كنت استطعمتكم فلم تطعموني، فلم أظلمكم إذا هنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان سليمان عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه أحب نسائه إليه، فإذا هو قد خرج وقد وضع له وضوءه فدفع خاتمه إلى امرأته، فلبث ما شاء الله.
وخرج عليها شيطان في صورة سليمان، فدفعت الخاتم إليه، فضاق ذرعاً به، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، فخرج سليمان عليه السلام على امرأته، فسألها الخاتم فقالت: قد دفعته إليك.
فعلم سليمان عليه السلام أنه قد ابتلى، فخرج وترك ملكه، ولزم البحر، فجعل يجوع، فأتى يوماً على صيادين قد صادوا سمكاً بالأمس فنبذوه، وصادوا يومهم سمكاً فهو بين أيديهم، فقام عليهم سليمان عليه السلام فقال: أطعموني بارك الله فيكم، فإني ابن سبيل، فلم يلتفتوا إليه، ثم عاد فقال لهم: مثل ذلك، فرفع رجل منهم رأسه إليه فقال: ائت ذلك السمك فخذ منه سمكة، فأتاه سليمان عليه السلام فأخذ منه أدنى سمكة، فلما أخذها إذا فيها ريح، فأتى بها البحر، فغسلها وشق بطنها فإذا هو بخاتمه، فحمد الله وأخذه فتختم به، ونطق كل شيء كان حوله من جنوده، وفزع الصيادون لذلك، فقاموا إليه، وحيل بينهم ولم يصلوا إليه، ورد الله إليه ملكه.
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن سليمان بن داود عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور العباد، ولم تنصف مظلوماً من ظالم.
وكان ملكه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه.
فجاء الشيطان فأخذه، فأقبل الناس على الشيطان فقال سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبي الله، فدفعوه، فساح أربعين يوماً، فأتى أهل سفينة، فأعطوه حوتاً فشقها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك ﴿ رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ .
قال وكان أول من أنكره نساؤه.
فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟
قلن: نعم.
وكان يأتيهن وهن حيض فقال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله يسلطه على نسائه.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن رافع رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حدث عن فتنة سليمان عليه السلام قال: إنه كان في قومه رجل كعمر بن الخطاب في أمتي، فلما أنكر حال الجان الذي كان مكانه أرسل إلى أفاضل نسائه، فقال: هل تنكرن من صاحبكن شيئاً؟
قلن: نعم.
كان لا يأتينا حيضاً، وهذا يأتينا حيضاً، فاشتمل على سيفه ليقتله، فرد الله على سليمان ملكه، فأقبل فوجده في مكانه، فأخبره بما يريد» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع سليمان عليه السلام إليه خاتمه، فقذفه في البحر، وكان ملك سليمان عليه السلام في خاتمه، وكان اسم الجني صخراً.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه شيطاناً يقال له آصف.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً.
كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمنهن، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال: نعم.
ولم يفعل، وابتلى فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته فقال: هات الخاتم.
فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟
قال: لا.
قال وخرج مكانه تائهاً، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرأوا التوراة، فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر.
وأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شط البحر، فشق بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه.
فأرسل إلى الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر.
فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم أناب ﴾ قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشق بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة، ولا على شيء إلا سجد له، حتى أتى ملكه وأهله.
فذلك قوله: ﴿ ثم أناب ﴾ يقول: ثم رجع.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ﴾ تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في قصتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه اسم الله، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيراً لاسم الله تعالى، فنزعه يوماً ودفعه إلى جارية فتمثل لها جني في صورة سليمان وطلب منها الخاتم فدفعته له، وري أن اسمه صخر، فقعد على كرسيّ سليمان يأمر وينهي الناس يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارّاً بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتاً ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجني قد رماه في البحر فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى ملكه، ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب ملكه، والجسد الذي ألقي على كرسيه هو الجنيّ الذي قعد عليه وسماه جسداً، لأنه تصور في صورة إنسان، ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء، أو رجع إلى ملكه والقول الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبها وكان أبوها ملكاً كافراً قد قتله سليمان فسألته أن يضع لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها، وصار صنماً معبوداً في داره، وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يوماً، فلما علم به كسره فالفتنة على هذا عمل الصورة، والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولد وكان يحبه حباً شديداً، فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السخرة أبداً فلم يشعر إلا وولده ميت على كرسيه، فالفتنة على هذا حبه الولد، والجسد هو الولد لما مات وسمي جسداً لأنه جسد بلا روح، والقول الرابع أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلما تحمل إلا واحدة بشق إنسان فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله، والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له، فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ملك سليمان وتسليط الشياطين عليه، وأما القول الثاني فضعيف أيضاً مع أنه يبعد أن يعبد صنم في بيت نبي، أو يأمر نبي بعمل صنم، وأما القول الثالث فضعيف أيضاً، وأما القول الرابع فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يذكر في الحديث إن ذلك تفسير الآية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.
الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.
الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.
﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.
﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.
وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.
وقيل: صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله.
وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.
وقيل: صدّ محمد قلوب العباد.
وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.
والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.
ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.
ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.
ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.
ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.
ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.
وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.
قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.
ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.
وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.
وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.
وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.
وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.
أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.
والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.
قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .
ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.
ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.
وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.
يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.
فدعا أبو طالب النبي وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.
فقال: ماذا يسألونني؟
فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.
فقال : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.
فقال : قولوا لا إله إلا الله.
فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.
يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .
قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.
وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.
وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.
وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.
وقيل: امشوا واتركوا محمداً .
وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.
وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.
وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.
وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.
﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.
قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.
﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.
ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.
وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.
وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.
ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.
وقيل: أراد أن النبي كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.
ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.
ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.
ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.
ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.
وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.
قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.
ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.
ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.
قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.
وقيل: يوم الخندق.
وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.
وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".
ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.
والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.
وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.
وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.
وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.
وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.
وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.
وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.
قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.
قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.
لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.
وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.
عن النبي "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.
وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.
والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.
قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.
﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.
وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.
ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.
ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.
ثم إن مجامع ما ذكر الله في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله من الفضائل.
الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.
والثالث: استخلاف الله إياه بعد ذلك.
والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.
وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.
ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.
وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.
ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.
رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.
خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.
يقال شرقت الشمس ولما تشرق.
واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.
قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.
سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.
قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".
قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له .
سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.
وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.
ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.
وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.
فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟
فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.
ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.
تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.
وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.
عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.
قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.
قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.
وعن عليّ أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.
فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.
يروى أنه علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.
ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.
وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.
وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.
ثم إنه لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.
وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.
وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.
ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.
وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.
القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.
وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.
قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.
وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.
﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.
والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.
ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.
والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.
شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.
والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.
وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.
وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.
و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.
والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.
وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.
هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.
ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.
"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.
وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.
قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.
ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.
﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.
ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.
أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.
﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.
قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.
ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.
ومذهب أبي حنيفة بخلافه.
وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.
ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟
وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.
قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.
والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.
القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.
فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.
وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.
وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.
وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.
وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.
والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.
أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.
وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.
القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟
فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟
فقالت: نعم.
قال: أين هو؟
قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.
فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.
يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.
وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.
ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.
فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.
ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.
قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟
فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.
فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.
فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.
وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.
والمحققون كعلي وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.
روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.
قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.
ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.
وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.
يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟
قال: وما هو؟
قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.
فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.
وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.
وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.
وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.
وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.
وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.
وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.
وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله .
أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.
قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.
وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.
و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.
وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.
يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.
ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.
والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.
وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.
وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.
وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.
وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.
فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.
وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.
وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.
ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.
وقد روي عن النبي أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.
وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.
ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.
هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.
وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.
﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.
وثانيها روي عن النبي "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.
وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.
فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.
والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .
وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.
﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.
والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟
قال: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.
وعن علي أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.
وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.
وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.
فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.
فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.
واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.
وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.
حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.
وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.
وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.
ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.
والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.
وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.
وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.
فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.
وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.
ثم حكى الله أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.
والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.
والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.
وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.
وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.
وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.
وربما كان للناس أمثال ذلك.
والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .
ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.
وقيل: لله.
والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.
ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.
وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.
كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.
والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.
قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.
ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.
قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.
ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.
﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.
وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.
ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.
عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.
ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.
التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.
أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.
ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.
وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.
﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.
﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.
﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.
ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.
﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.
وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.
﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.
﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.
وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.
فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا ؟
قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
أثنى الله - عز وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال - عز وجل - في داود - -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ وقد فسرنا الأوّاب.
وقال في سليمان - -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
دل ذكر قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أنه إنما كان أواباً بالذي ذكر منه؛ لأن حرف ﴿ إِذْ ﴾ لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى - عز وجل - داود - -: أواباً بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ : قيل: الصافنات: هو الخيل.
وقال بعضهم: الصافنات: هي القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين على طرف الحافر.
وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله أنه قال: "من تمنى أن يقوم له الرجال صفوناً - أي: قياماً - فليتبوأ مقعده من النار" أو كلام نحوه.
والجياد: قيل: السراع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ .
دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، والله أعلم.
والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس بالحجاب على التقديم والتأخير، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ما روي عن رسول الله أنه قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ، سمى الخيل: خيراً؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ ، والله أعلم.
وقال بعضهم: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها - والسوق: هو جماعة الساق - لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزاً، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره جين تفقده ولم يجبه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ...
﴾ الآية [الأنفال: 20-21]، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له جائزاً في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم.
أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج عليه ذلك وعلينا جميعاً.
وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ ﴾ كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.
قال الحسن: قال سليمان - -: والله لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها.
ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر: قال بعضهم: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان - - لها أجنحة تعدو وتطير.
وقال بعضهم: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود - - وكان داود - - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، والله أعلم.
وقال بعضهم: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعاً لسليمان - - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، والله أعلم.
وعن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ قال كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله الله خيراً منها، وأرسل الريح ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ...
﴾ الآية.
قال أبو معاذ: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ تقول العرب: مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها.
وقال القتبي: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً ﴾ ، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها وأعناقها.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَفِقَ ﴾ ، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، أي: قطعها.
وقال القتبي: ﴿ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله قال: "من سره أن يقوم [له] الرجال صفوناً فليتبوأ مقعده من النار" أي: يديمون له القيام.
وقال أبو عوسجة: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: سخي وقوم أجواد، ﴿ أَحْبَبْتُ ﴾ ، أي: آثرت ﴿ ٱلْخَيْرِ ﴾ أي: المال على ذكر ربي وفي حرف حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .
اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان - - الذي ذكر أنه - عز وجل - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسداً - اختلافاً كثيراً بيناً ما يطول الكتاب بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟
مع علمنا أن ذلك كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟
لذلك تركنا ذكر ما ذكر أولئك أنه كان سبب افتتانه.
ثم يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ﴾ على وجهين: أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلّة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب بنزع ملكه.
والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى الله - عز وجل - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل التضرع والابتهال إلى الله؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ .
يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه.
وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه جسداً يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه من الكرامات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ ، أي: عجلا مجسدا في الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: ثم أناب إلى الله ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً ﴾ .
يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمراً فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا - - لما سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمراً بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمراً بينهم وبين ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان - - والملك قربة بالمغفرة في ذلك.
ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك.
أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس المغفرة؛ نحو قول نوح - - لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، وقول هود - -: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ لا يحتمل أن يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر الله، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال المغفرة ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم يحتمل سؤاله الملك - والله أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية الله وجعل العبادة له؛ لما رأى أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم - أعني: إجابة الناس - للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه سأله ملكاً لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل التأويل.
والثاني: سأل ربه ملكاً لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته على ما ذكرنا [؛ إذ] لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته.
والثالث: سأله ملكاً ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: "اللهم صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم" ونحوه، فعلى ذلك جائز أن يكون سليمان - - أراد أن يكون مذكوراً على ألسن الخلق بالثناء الحسن بالملك الذي يناله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ .
بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء التي ذكر أنه سخرها لسليمان - - كان بلطف من الله - عز وجل - لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل أنه إنما كان لسليمان ذلك بالله لطفاً منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .
وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ وصفها بالشدة: فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان - - لينة سهلة.
وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، والله أعلم.
أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَاصِفَةً ﴾ على أعداء الله رخاء لينة على أوليائه، والله أعلم.
ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف الله - عز وجل - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ .
أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ .
وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد - وهي الأغلال تجعل في الأعناق - ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان - - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله.
وقال بعضهم: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئاً، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم.
وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ ﴾ أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عز وجل -: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ...
﴾ الآية [الكهف: 87]، ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقال الحسن: قوله - عز وجل -: ﴿ عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يقول: هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.
وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
أي أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .
أي: القربة، ﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله؛ لأنه إنما سأله الملك - والله أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .
أي: الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، والله أعلم.
وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، والله أعلم.
ثم اختلف في سبب فتنة سليمان - - وفي ذنبه: قال بعضهم: وذلك أن الله - - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا كذا يوماً، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في بيته.
وقال بعضهم: كانت فتنة سليمان - - التي ذكر في ناس من أهل الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قوماً إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحداً؛ وهو قول ابن عباس.
وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم.
وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رُخَآءً ﴾ أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، أي: سكن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
ومثله قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.
وقال الفراء: سمى العطاء: منا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .
أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق.
دل قول سليمان - - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ...
﴾ على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقّاً عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا يقول له: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ﴾ ، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قِبَل آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقّاً عليه.
ويدل هذا أيضاً على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين؛ إذ لو كان عليه حفظ الأصلح في الدين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح في الدين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدين ولا إعطاء الأخْيَر، وأن له ألا يعطيه، وأنَّ إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، والله أعلم.
فإن قيل: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن الله - عز وجل - جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر؟
يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين - على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم.
وكذلك قوله - عز وجل - لرسول الله : ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد اختبرنا سليمان وألقينا على كرسي ملكه شيطانًا، متمثلًا بإنسان تصرف في ملكه مدة قصيرة ثم رجع لسليمان ملكه وسلَّطه على الشياطين.
<div class="verse-tafsir" id="91.xl2bm"