الآية ٣٥ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٣٥ من سورة ص

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 180 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) قال بعضهم : معناه : لا ينبغي لأحد من بعدي أي : لا يصلح لأحد أن يسلبنيه كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس .

والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله ، وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان : ( رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) قال روح : فرده خاسئا وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به وقال مسلم في صحيحه : حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فسمعناه يقول : " أعوذ بالله منك " .

ثم قال : " ألعنك بلعنة الله " - ثلاثا - وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله ، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك ؟

قال : " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك - ثلاث مرات - ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة .

فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة " وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد حدثنا ميسرة بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال : رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي ، فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال : " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد ، يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل " .

وقد روى أبو داود منه : " من استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل " عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد الزبيري به وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي ، حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال : دخلت على عبد الله بن عمرو ، وهو في حائط له بالطائف يقال له : " الوهط " ، وهو مخاصر فتى من قريش يزن بشرب الخمر ، فقلت : بلغني عنك حديث أنه " من شرب شربة خمر لم يقبل الله - عز وجل - له توبة أربعين صباحا ، وإن الشقي من شقي في بطن أمه وإنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه ، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه ، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق .

فقال عبد الله بن عمرو إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه .

فإن عاد - قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة - فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة " قال : وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله - عز وجل - " وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة : سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطانا إياها " وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه - عز وجل - خلالا ثلاثا .

.

.

" وذكره وقد روي من حديث رافع بن عمير رضي الله عنه ، بإسناد وسياق غريبين فقال الطبراني : حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سويد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قال الله - عز وجل - لداود - عليه السلام - : ابن لي بيتا في الأرض .

فبنى داود بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه : يا داود نصبت بيتك قبل بيتي ؟

قال : يا رب هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا فشكا ذلك إلى الله - عز وجل - فقال : يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتا قال : ولم يا رب ؟

قال : لما جرى على يديك من الدماء .

قال : يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك ؟

قال : بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه : لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان .

فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله إليه : قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك .

قال : أسألك ثلاث خصال حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما ثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة " وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن راشد اليمامي ، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال : ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا دعاء إلا استفتحه ب " سبحان الله ربي الأعلى العلي الوهاب " وقد قال أبو عبيد : حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال : لما مات نبي الله داود أوحى الله إلى ابنه سليمان عليهما السلام : أن سلني حاجتك .

قال : أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي .

فقال الله : أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت [ حاجته ] أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) يقول تعالى ذكره: قال سليمان راغبا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك, فلا تعاقبني به ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) لا يسلبنيه أحدكما كما سلبنيه قبل هذه الشيطان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) يقول: ملكا لا أسلَبه كما سُلبتُه.

وكان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله ( لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) إلى: أن لا يكون لأحد من بعدي, كما قال ابن أحمر: مـا أُمُّ غُفْـرٍ عـلى دعْجَـاءَ ذي عَلَقٍ يَنْفـي القَراميـدَ عنهـا الأعْصَمُ الوَقِلُ فـي رأْسِ حَلْقـاءَ مِـن عَنقاءَ مُشْرِفةً لا يَنْبَغــي دُونهـا سَـهْل وَلا جَـبَل (2) بمعنى: لا يكون فوقها سهل ولا جبل أحصن منها.

وقوله ( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) يقول: إنك وهاب ما تشاء لمن تشاء بيدك خزائن كلّ شيء تفتح من ذلك ما أردت لمن أردت.

------------------- الهوامش : (2) البيتان لابن أحمر الباهلي .

أنشد أولهما صاحب اللسان في (دعج ، علق) وأنشد الثاني في (علق) ، وقال : دعجاء : هضبة عن أبي عبيدة .

والغفر ، بضم أوله وفتحه : ولد الأروية ، والأنثى بالهاء والقراميد في البيت : أولاد الوعول .

والقرمود : ذكر الوعول : والقراميد في غير هذا : الصخور وطوابيق الدار والحمامات .

وبناء مقرمد : مبني بالآجر أو الحجارة .

والأعصم : الوعل الذي في ذراعيه أو أحدهما بياض .

والوعل بكسر العين وضمها : الذي يسرع في الصعود في الجبل.

وهضبة حلقاء : مصمتة ملساء ، لا نبات فيها .

ويقال : هضبة معنقة وعنقاء : إذا كانت مرتفعة طويلة في السماء.

ولا ينبغي : أي لا يكون مثلها في سهل أو جبل .

وهذا محل الشاهد في البيتين ، وهو مثل قوله تعالى :" هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" .

قال أبو عبيدة وأنشد البيتين ( الورقة 214 ) لا ينبغي أن يكون فوقها سهل ولا جبل أعز منها أو أحصن منها .

ورواية البيت الثاني في ( اللسان : علق ) : لا ينبغي تحريف .

وقد مر هذا البيت في شواهد المؤلف مرتين في الجزء ( 16 : 84 ، 131 ) .

أ هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال رب اغفر لي أي اغفر لي ذنبي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي يقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا ، مع ذمها من الله تعالى ، وبغضه لها ، وحقارتها لديه ؟

.

فالجواب : أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده ، والمحافظة على رسومه ، وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته ، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه ، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال : إني أعلم ما لا تعلمون [ ص: 183 ] وحاشا سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا ; لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها لله ، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك ، فأجيب نوح فأهلك من عليها ، وأعطي سليمان المملكة .

وقد قيل : إن ذلك كان بأمر من الله - جل وعز - على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده ، أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال : لا ينبغي لأحد من بعدي وهذا فيه نظر .

والأول أصح .

ثم قال له : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب قال الحسن : ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود - عليه السلام - فإنه قال : هذا عطاءنا الآية .قلت : وهذا يرد ما روي في الخبر : إن آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود - عليه السلام - لمكان ملكه في الدنيا .

وفي بعض الأخبار : يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ، ذكره صاحب القوت ، وهو حديث لا أصل له ; لأنه سبحانه إذا كان عطاءه لا تبعة فيه ; لأنه من طريق المنة ، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولا الجنة ، وهو سبحانه يقول : وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب .

وفي الصحيح : لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته .

.

.

الحديث .

وقد تقدم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية ، فلذلك لم تكن عليه تبعة .

ومعنى قوله : لا ينبغي لأحد من بعدي أي : أن يسأله .

فكأنه سأل منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة .

وقيل : إن سؤاله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، ليكون محله وكرامته من الله ظاهرا في خلق السماوات والأرض ، فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحل عنده ، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده ، ولهذا لما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه ، أراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان : رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرده خاسئا .

فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية ، فكأنه كره - صلى الله عليه وسلم - أن يزاحمه في تلك الخصوصية ، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من سخرة الشياطين ، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } فاستجاب اللّه له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) قال مقاتل وابن كيسان : لا يكون لأحد من بعدي .

قال عطاء بن أبي رباح : يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في آخر عمري وتعطه غيري ، كما استلبته فيما مضى من عمري .

( إنك أنت الوهاب ) قيل : سأل ذلك ليكون آية لنبوته ، ودلالة على رسالته ، ومعجزة .

وقيل : سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه ، وزاد فيه .

وقال مقاتل بن حيان : كان لسليمان ملكا ولكنه أراد بقول : " لا ينبغي لأحد من بعدي " تسخير الرياح والطير والشياطين ، بدليل ما بعده .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد ، حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرددته خاسئا .

مسألة: الجزء السابعالتحليل الموضوعي ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) ) ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) قَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ كَيْسَانَ : لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي .

قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : يُرِيدُ هَبْ لِي مُلْكًا لَا تَسْلُبْنِيهِ فِي آخِرِ عُمْرِي وَتُعْطِهِ غَيْرِي ، كَمَا اسْتَلَبْتَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ عُمُرِي .

( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) قِيلَ : سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ ، وَدَلَالَةً عَلَى رِسَالَتِهِ ، وَمُعْجِزَةً .

وَقِيلَ : سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَمًا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ حَيْثُ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَدَّ إِلَيْهِ مُلْكَهُ ، وَزَادَ فِيهِ .

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : كَانَ لِسُلَيْمَانَ مُلْكًا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِ : " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي " تَسْخِيرَ الرِّيَاحِ وَالطَّيْرِ وَالشَّيَاطِينِ ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ " رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي " فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا .

مسألة: الجزء السابعالتحليل الموضوعي ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( 35 ) ) ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) قال مقاتل وابن كيسان : لا يكون لأحد من بعدي .

قال عطاء بن أبي رباح : يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في آخر عمري وتعطه غيري ، كما استلبته فيما مضى من عمري .

( إنك أنت الوهاب ) قيل : سأل ذلك ليكون آية لنبوته ، ودلالة على رسالته ، ومعجزة .

وقيل : سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه ، وزاد فيه .

وقال مقاتل بن حيان : كان لسليمان ملكا ولكنه أراد بقول : " لا ينبغي لأحد من بعدي " تسخير الرياح والطير والشياطين ، بدليل ما بعده .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد ، حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرددته خاسئا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي» لا يكون «لأحد من بعدي» أي سواي نحو (فمن يهديه من بعد الله) أي سوى الله «إنك أنت الوهاب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه شق وَلَد، وُلِد له حين أقسم ليطوفنَّ على نسائه، وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد، ثم رجع سليمان إلى ربه وتاب، قال: رب اغفر لي ذنبي، وأعطني ملكًا عظيمًا خاصًا لا يكون مثله لأحد من البشر بعدي، إنك- سبحانك- كثير الجود والعطاء.

فاستجبنا له، وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي .

.

.

) بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من الله - تعالى - له .أى : قال سليمان - عليه السلام - يا رب اغفر لى لى ما فرط منى من ذنوب وزلات .

.

( وَهَبْ لِي مُلْكاً ) عظيما ( لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي ) أى : لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدى ( إِنَّكَ أَنتَ ) يا إلهى ( الوهاب ) أى : الكثير العطاء لمن تريد عطاءه .وقدم سليمان - عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك ، للإِشارة إلى أنها هى الأهم عنده .قال الإِمام الرازى - رحمه الله - : دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم بعدها طلب المملكة ، وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله - تعالى - سبب لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة .ولايقال كيف طلب سليمان - عليه السلام - الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم؛ لأن سليمان - عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله فى الأرض ، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها ، ونشر العدالة بين الناس ، وإنصاف المظلوم ، وإعانة المحتاج .وتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل .فهو - عليه السلام - لم يطلب الملك للظلم أو البغى .

.

وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة الله - تعالى - فى الأرض .ولقد وضح الإِمام القرطبى هذا المعنى فقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا ، مع ذمها من الله - تعالى - .

.

.

؟فالجواب : أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله - تعالى - وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده ، والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته .

.

.

وحوشى سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤالا طلبا لنفس الدنيا .

لأنه هو والأنبياء ، أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها لله .

كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك .ومعنى قوله ( لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي ) أى : أن يسأله .

فكأنه سأل منه السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإِجابة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا في المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ ولأهل الحشو والرواية فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات: الأولى: قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها، وأخذ بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكانت تبكي أبداً على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشياً مع جواريها يسجدن لها، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوماً، فأتاها الشيطان ساحب البحر على صورة سليمان.

وقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس، وتغيرت هيئة سليمان فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته.

فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم أخذ يخدم السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان، فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة، وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً لله، ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله في صخرة وألقاها في البحر.

والرواية الثانية للحشوية: أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله.

والرواية الثالثة: (لهم) قالوا: إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟

فقال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها.

إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ أن الله تعالى ابتلاه وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ﴾ هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه.

والرواية الرابعة: أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وألقى على سريره شيطان عقوبة له.

واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه: الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع.

فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية.

الثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى.

والثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟

ولا شك أنه قبيح.

الرابع: لو قلنا إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه ألبتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟

فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء: الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله فاستغفر ربه وأناب.

الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرساناً أجمعون فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ ».

الثالث: قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان ﴾ بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ ﴾ منه ﴿ جَسَداً ﴾ وذلك لشدة المرض.

والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضم وجسم بلا روح ﴿ ثُمَّ أَنَابَ ﴾ أي رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة ألبتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع: أقول لا يبعد أيضاً أن يقال إنه ابتلاه الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبّ اغفر لِى ﴾ فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنهم أبداً في مقام هضم النفس، وإظهار الذلة والخضوع، كما قال صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم بعده طلب المملكة.

وأيضاً الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم توسل به إلى طلب المملكة، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضاً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا  يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا  وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا  ﴾ وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ فإن قيل قوله عليه السلام: ﴿ مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ مشعر بالحسد، والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي، هو أن يعطيه الله ملكاً لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه ألبتة، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي.

والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ فكون الريح جارياً بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله: ﴿ هَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها، فقوله: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ يعني لا يقدر أحد على معارضته والوجه الثاني: في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر، فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره، وذلك الذي سأله بقوله: ﴿ مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ أي ملكاً لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث: في الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها، فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع: من الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب، لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة، فقال سليمان أعطني يا رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر، حتى أني أبقى مع تلك القدرة الكاملة في غاية الاحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى الوجه الخامس: أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها فيظن أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة، فقال سليمان يا رب العزة أعطني أعظم الممالك حتى يقف الناس على كمال حالها، فحينئذ يظهر للعقل أنه ليس فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت إليها، وأشتغل بالعبودية ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا، ثم قال: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ رخاء أي رخوة لينة وهي من الرخاوة والريح إذا كانت لينة لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في آية أخرى ﴿ ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ ﴾ قلنا الجواب من وجهين: الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء والوجه الثاني: من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا منافاة بين الأمرين وقوله تعالى: ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ أي قصد وأراد، وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون أصاب الصواب فأخطأ الجواب.

وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما، فقال أين تصيبان؟

فقالا هذا مطلوبنا.

وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى صارت تجري بأمره على وفق إرادته، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص، قال صاحب الكشاف الشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وآخرين عطف على قوله: ﴿ كُلَّ بَنَّاء ﴾ وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وقوله: ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ يقال قرنهم في الحبال والتشديد للكثرة ﴿ والأصفاد ﴾ الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضاً، قال النابغة: ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد *** فعلى هذا الصفد القيد فكل من شددته شداً وثيقاً فقد صفدته، وكل من أعطيته عطاء جزيلاً فقد أضفدته، وهاهنا بحث، وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة، وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر، وقدروا على الغوص في البحار، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول إن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم، فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، وذلك دخول في السفسطة، وإن كان الثاني وهو أن أجسادهم ليست كثيفة، بل لطيفة رقيقة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، وأيضاً لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال، وذلك يمنع من وصفهم ببناء الأبنية القوية، وأيضاً الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة، فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا؟

ولم لا يخربون ديار الناس؟

مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنهم وعداوتهم.

وحيث لم يحس شيء من ذلك، علمنا أن القول بإثبات الجن والشياطين ضعيف.

واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها، وأيضاً لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق والتمزق.

وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان، ثم إنه لما توفي سليمان عليه السلام، أمات الله أولئك الجن والشياطين، وخلق نوعاً آخر من الجن والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة، ولا يكون لهم شيء من القوة، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس.

ثم قال تعالى: ﴿ هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ وفيه قولان الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني: أن هذا في أمر الشياطين خاصة، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين فحل عنه، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب.

ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا، أردفه بإنعامه عليه في الآخرة، فقال: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآب ﴾ وقد سبق تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قَدَّم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمور دنياهم ﴿ لاَّ يَنبَغِى ﴾ لا يتسهل ولا يكون.

ومعنى ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ من دوني.

فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟

قلت: كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوّة ووارثاً لهما، فأراد أن يطلب من ربه معجزة، فطلب على حسب ألفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلاً على نبوّته قاهراً للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ وقيل: كان ملكاً عظيماً، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [البقرة: 30] وقيل: ملكاً لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرّة وأقيم مقامي غيري.

ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة الذي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده.

أو أراد أن يقول ملكاً عظيماً فقال: ﴿ لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ ، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، وربما كان للناس أمثال ذلك، ولكنك تريد تعظيم ما عنده.

وعن الحجاج أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: ﴿ وهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى ﴾ وهذا من جرأته على الله وشيطنته، كما حكى عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله، لأنه شرط من طاعته فقال: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] وأطلق طاعتنا فقال: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ ولا يَكُونُ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لِي مُناسِبَةً لِحالِي، أوْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي بَعْدَ هَذِهِ السُّلْبَةِ، أوْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ مِن بَعْدِي لِعَظَمَتِهِ كَقَوْلِكَ: لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، عَلى إرادَةِ وصْفِ المَلِكِ بِالعَظَمَةِ لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ فَيَكُونَ مُنافَسَةً، وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى الِاسْتِيهابِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ ووُجُوبِ تَقْدِيمِ ما يَجْعَلُ الدُّعاءَ بِصَدَدِ الإجابَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ المُعْطِي ما تَشاءُ لِمَن تَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبِّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً} قدم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء

عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال لاَّ يَنبَغِى لا يتسهل ولا يكون لأَِحَدٍ مّن بَعْدِى أي دوني وبفتح الياء مدنى وأبو عمر وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لأحسدا وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات {إِنَّكَ أَنتَ الوهاب}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ أنابَ ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو الظّاهِرُ.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ مَسْحُ الخَيْلِ سُوقِها وأعْناقِها، وهَلْ كانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ؟

فَأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، وحاصِلُهُ نَعَمْ، كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ المَسْحُ، وكانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ، فَقَدْ دَعا بِمُلْكٍ عَظِيمٍ فَوُهِبَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرَ الِاسْتِئْنافُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وكَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِحِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ ما لَمْ أسْتَحْسِنْ صُدُورَهُ عَنِّي.

﴿ وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ أيْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ غَيْرِي لِعَظَمَتِهِ، فَبَعْدُ هُنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ الغَيْرُ في عَصْرِهِ، والمُرادُ وصْفُ المُلْكِ بِالعَظَمَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ كَقَوْلِكَ: لِفُلانٍ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ في النّاسِ أمْثالُهُ، تُرِيدُ أنَّ لَهُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا عَظِيمًا، لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ، لِيَكُونَ مُنافَسَةً، وما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”إنَّ عِفْرِيتًا جَعَلَ يَتَفَلَّتُ عَلَيَّ البارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، وإنَّ اللَّهَ تَعالى أمْكَنَنِي مِنهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى خاسِئًا“».

لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أرادَ كَمالَ رِعايَةِ دَعْوَةِ أخِيهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَرْكِ شَيْءٍ تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ، وإلّا فالمُلْكُ العَظِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَبْطِ عِفْرِيتٍ إلى سارِيَةٍ، بَلْ هو سائِرُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ المُنافاةِ لِأنَّ الكِنايَةَ تُجامِعُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ، كَما تُجامِعُ إرادَةَ عَدَمِها، ولَعَلَّهُ إنَّما طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلامَةً عَلى قَبُولِ سُؤالِهِ المَغْفِرَةَ، وجَبْرِ قَلْبٍ عَمّا فاتَهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَكْثِيرِ طاعَتِهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونِعْمَةُ الدُّنْيا الصّالِحَةُ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ، فَلا إشْكالَ في طَلَبِ المُلْكِ في هَذا المَقامِ، إذا قُلْنا بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ مِن صُدُورِ الطَّلَبَيْنِ مَعًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما، فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُعْجِزَةً فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرُقَ العاداتِ فَذَلِكَ مَعْنى ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِن بَعْدِي) بِمَعْنى مِن دُونِي وغَيْرِي، كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وحُسْنُ طَلَبِ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإلْفِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ زَمَنَ الجَبّارِينَ، وتَفاخُرِهِمْ بِالمُلْكِ، ومُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما اشْتُهِرَ في عَصْرِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا اشْتُهِرَ السِّحْرُ وغَلَبَ في عَهْدِ الكَلِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِما يَتَلَقَّفُ ما أتَوْا بِهِ.

ولَمّا اشْتُهِرَ الطِّبُّ في عَهْدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى، ولَمّا اشْتُهِرَ في عَهْدِ خاتَمِ الرُّسُلِ  الفَصاحَةُ أتاهم بِكَلامٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أقْصَرِ فَصْلٍ مِن فُصُولِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ أنْ يَكُونَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّ هَذا الطَّلَبَ كانَ بَعْدَ الفِتْنَةِ والإنابَةِ، كَيْفَ لا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِن ﴿ أنابَ ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، والفِتْنَةُ لَمْ تَكُنْ في الِابْتِداءِ كَما يُشْعِرُ بِهِ النَّظْمُ.

وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ كَوْنُها في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وإنْ سُلِّمَ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي وُقُوعَهُ، وكَذا وُقُوعُ الفِتْنَةِ في ابْتِدائِها، لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ إلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِأنابَ.

وأُجِيبَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الفِتْنَةَ كانَتْ سَلْبَ المُلْكِ بِأنَّ رُجُوعَهُ بَعْدُ كالِابْتِداءِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقامَ في مُلْكِهِ قَبْلَ هَذِهِ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً أيْضًا، وقالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ مَصَبَّ الدُّعاءِ الوَصْفُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ غَيْرِي مِمَّنْ هو في عَصْرِي بِأنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي كَهَذِهِ السُّلْبَةِ.

ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةَ، وحاصِلُهُ الدُّعاءُ بِعَدَمِ سَلْبِ مُلْكِهِ عَنْهُ في حَياتِهِ، ويُفْهَمُ مِمّا في سِياقِ التَّفْرِيعِ إجابَةُ سُؤالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ ما وُهِبَ لَهُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ بَعْدُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءً بِعَدَمِ السَّلْبِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ سَلْبٌ، ودَوامُ نِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا يَحْسُنُ الدُّعاءُ بِهِ، والآثارُ مَلْأى مِن ذَلِكَ، فَهَذا الوَجْهُ لا يَتَعَيَّنُ بِناؤُهُ عَلى تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ بِسَلْبِ المُلْكِ عَلى ما حُكِيَ سابِقًا.

وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مُلْكًا لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أبَدًا، ولَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَطْلُبُونَ إلّا ما يُؤْذَنُ لَهم في طَلَبِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ سَألَ ذَلِكَ كانَ أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ، وأعْلَمَهُ أنْ لا صَلاحَ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أكْثَرَ أهْلِ زَمانِي مالًا إذا عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ لِي، فَإنَّهُ حَسَنٌ لا يُنْسَبُ قائِلُهُ إلى شُحٍّ اهـ.

قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ: هَبْ لِي مُلْكًا يَنْبَغِي لِي حِكْمَةً ولا يَنْبَغِي حِكْمَةً لِأحَدٍ غَيْرِي، وأرادَ بِذَلِكَ طَلَبَ أنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَأهِّلًا لِنِعَمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ ما قالَهُ السَّيِّدُ المُرْتَضى: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَألَ مُلْكَ الآخِرَةِ وثَوابَ الجَنَّةِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ لا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ، والتَّفْرِيعُ الآتِي آبٍ عَنْهُ كُلَّ الإباءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ فِيها عَلى تَكْفِيرِ مَنِ ادَّعى اسْتِخْدامَ الجِنِّ وطاعَتَهم لَهُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِالحَدِيثِ السّابِقِ، والحَقُّ أنَّ اسْتِخْدامَ الجِنِّ الثّابِتَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ أسْماءٍ ورِياضاتٍ، بَلْ هو تَسْخِيرٌ إلَهِيٌّ مِن غَيْرِ واسِطَةِ شَيْءٍ، وكانَ أيْضًا عَلى وجْهٍ أتَمَّ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ المُلْكِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ، فالمُخْتَصُّ عَلى تَقْدِيرِ إفادَةِ الآيَةِ الِاخْتِصاصَ مَجْمُوعُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَخَّرْنا ﴾ إلَخْ، فالظّاهِرُ عَدَمُ إكْفارِ مَن يَدَّعِي اسْتِخْدامَ شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ونَحْنُ قَدْ شاهَدْنا مِرارًا مَن يَدَّعِي ذَلِكَ، وشاهَدْنا آثارَ صِدْقِ دَعْواهُ عَلى وجْهٍ لا يُنْكِرُهُ إلّا سُوفِسْطائِيٌّ أوْ مُكابِرٌ.

ومِنَ الِاتِّفاقِيّاتِ الغَرِيبَةِ أنِّي اجْتَمَعْتُ يَوْمَ تَفْسِيرِي لِهَذِهِ الآيَةِ بِرَجُلٍ مَوْصِلِيٍّ يَدَّعِي ذَلِكَ، وامْتَحَنْتُهُ بِما يُصَدِّقُ دَعْواهُ في مَحْفِلٍ عَظِيمٍ، فَفَعَلَ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى نَفْيِ احْتِمالِ الشَّعْبَذَةِ ونَحْوِها ظاهِرَةً لِذَوِي الألْبابِ، إلّا أنَّ لِي إشْكالًا في هَذا المَقامِ، وهو أنَّ الخادِمَ الجِنِّيَّ قَدْ يُحْضِرُ الشَّيْءَ الكَثِيفَ مِن نَحْوِ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ بَيْنَ جَمْعٍ في حُجْرَةٍ أُغْلِقَتْ أبْوابُها، وسُدَّتْ مَنافِذُها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ، ووَجْهُ الإشْكالِ أنَّ الجِنِّيَّ لَطِيفٌ، فَكَيْفَ سَتَرَ الكَثِيفَ فَلَمْ يَرَ في الطَّرِيقِ، وكَيْفَ أخْرَجَهُ مِنَ الصُّنْدُوقِ، وأدْخَلَهُ الحُجْرَةَ، وقَدْ سُدِّدَتِ المَنافِذُ، وتُلَطِّفُ الكَثِيفَ ثُمَّ تُكَثِّفُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ إلّا كَثِيفٌ أوْ سَخِيفٌ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الإحْضارِ المَذْكُورِ عَلى نَحْوِ إحْضارِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بِالإعْدامِ والإيجادِ كَما يَقُولُهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ كَما يَقُولُ غَيْرُهُ، ولَعَلَّ الشَّرْعَ أيْضًا يَأْبى هَذا، وسُرْعَةُ المُرُورِ إنْ نَفَعَتْ، فَفي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ في الطَّرِيقِ، وقُصارى ما يُقالُ لَعَلَّ لِلْجِنِّيِّ سِحْرًا أوْ نَحْوَهُ سَلَبَ بِهِ الإحْساسَ، فَتَصَرَّفَ بِالصُّنْدُوقِ، ومَنافِذِ الحُجْرَةِ حَسْبَما أرادَ، وأتى بِالكَثِيفِ يَحْمِلُهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَإنْ تَمَّ هَذا فَبِها، وإلّا فالأمْرُ مُشْكِلٌ، وظاهِرُ جَعْلِ جُمْلَةِ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ تَفْسِيرًا لِلْإنابَةِ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا وسِيلَةٌ لِلِاسْتِيهابِ، وفي كَوْنِ الِاسْتِيهابِ مَقْصُودًا لِذاتِهِ أيْضًا احْتِمالانِ.

وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ، وقَدْ يُجْعَلُ مَعَ هَذا وسِيلَةً لِلِاسْتِيهابِ المَقْصُودِ أيْضًا، فَإنَّ افْتِتاحَ الدُّعاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ، وجُوِّزَ عَلى بُعْدٍ بَعْدَ التِزامِ الِاسْتِئْنافِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ لِذاتِهِ والِاسْتِغْفارِ وسِيلَةً لَهُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في الِاسْتِئْناسِ لَهُ.

وقُرِئَ: ”مِن بَعْدِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، وحُكِيَ القِراءَةُ بِهِ في لِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ والهِبَةِ مَعًا لا لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ أيْضًا مِن أحْكامِ وصْفِ الوَهّابِيَّةِ قَطْعًا، ومَن جَوَّزَ كَوْنَ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ اسْتَأْنَسَ لَهُ بِهَذا التَّعْلِيلِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، وكَذا بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِإجابَةِ الدُّعاءِ بِالأوْلى، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً أي: أعطني ملكاً لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قال سعيد بن جبير: أعطني ملكاً لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى.

ويقال: إنما تمنى ملكاً لا يكون لأحد من بعده، حتى يكون ذلك معجزة له، وعلامة لنبوته.

إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ يعني: المعطي الملك.

قوله عز وجل: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح، والشياطين.

فلما دعا بذلك، سخرت له الريح والشياطين.

فقال: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ يعني: بأمر سليمان.

ويقال: بأمر الله تعالى رُخاءً يعني: لينة مطيعة حَيْثُ أَصابَ يعني: حيث أراد من الأرض، والنواحي أَصابَ يعني: أراد.

وقال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب.

يعني: أراد الصواب، فأخطأ الجواب.

وَالشَّياطِينَ يعني: سخرنا له كل شيء، وسخرنا له الشياطين أيضاً كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ يعني: يغوصون في البحر، ويستخرجون اللؤلؤ، وقال مقاتل: وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ يعني: مردة الشياطين موثقين فِي الْأَصْفادِ يعني: في الحديد ويقال: الْأَصْفادِ الأغلال.

ثم قال عز وجل: هذا عَطاؤُنا يعني: هذا عطاؤنا لك، وكرامتنا عليك فَامْنُنْ يعني: اعتق من شئت منهم، فخلّ سبيله من الشياطين أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: احبس في العمل، والوثاق، والسلاسل من شئت منهم بِغَيْرِ حِسابٍ أي: فلا تبعة عليك في الآخرة فيمن أرسلته، وفيمن حبسته.

ويقال: ليس عليك بذلك إثم وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى يعني: لقربى وَحُسْنَ مَآبٍ يعني: حسن المرجع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته: إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي: الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول: فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي: لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر «١» ، قال: ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:

٦] قطعَهَا ت: وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اهـ.

قال أبو حَيَّان «٢» : وحُبَّ الْخَيْرِ قال الفراء: مفعول به، وأَحْبَبْتُ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ: منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي: حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى.

وقوله تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي «عن» على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مطّرد.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ...

الآية، ت: اعْلَمْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات أنّ سليمان ع لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلى يده، فَسَقَطَ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ ولذلكَ/ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً فَفِرَّ إلى اللَّهِ تعالى تَائِباً مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى إلى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تعالى عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِباً إلى رَبِّهِ مُنْفَرِداً لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ:

إن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً إلى أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِباً إلى اللَّه تعالى، ورَدَّ اللَّه تعالى عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ على كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِِّب: إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ- عليهمَا السلامُ- احتجب عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَنْ يا سُلَيْمَانُ، احتجبت عنِ الناس ثلاثة أيّام، فلم

تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُوماً مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ:

قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ معناه: ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه: هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال: «لأَطُوفَنَّ الليلةَ على مِائَةِ امرأة كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يقل:

«إن شاء الله» فلم تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ» «١» ، الحديث، قال أصحابُ المعانِي: والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ على كرسيه حين عُرِضَ عليه وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل: بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ على كُرْسِيِّهِ مَيِّتاً، وأما عَدَمُ استثْنَائِه فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ على مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ على مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، ت: قالَ ابن العربي:

وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه» : وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ على لسانِه- قولٌ باطلٌ قَطْعاً- لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك حتى يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ [والدِّينِ] لمنْ قَالَ هذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى.

وقوله: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ...

الآية، قال ع «٢» : من المقطوعِ به أنّ سليمان ع إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْداً بِرًّا لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ يَعْنِي بِهِ سُلَيْمانَ.

وَفِي الأوّابِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] ألْيَقُها بِهَذا المَكانِ أنَّهُ رَجّاعٌ بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا يَقَعُ مِنهُ مِنَ السَّهْوِ والغَفْلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ ﴾ وهو ما بَعْدَ الزَّوالِ ﴿ الصّافِناتُ ﴾ وهي الخَيْلُ.

وفي مَعْنى الصّافِناتُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القائِمَةُ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، وقَدْ أقامَتِ الأُخْرى عَلى طَرَفِ الحافِرِ مِن يَدٍ أوْ رِجْلٍ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: هَذا أكْثَرُ قِيامِ الخَيْلِ إذا وقَفَتْ كَأنَّها تُراوِحُ بَيْنَ قَوائِمِها، قالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونُ فَما يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا والثّانِي: أنَّها القائِمَةُ، سَواءٌ كانَتْ عَلى ثَلاثٍ أوْ غَيْرِ ثَلاثٍ، قالَ الفَرّاءُ: عَلى هَذا رَأيْتُ العَرَبَ، وأشْعارَهم تَدُلُّ عَلى أنَّهُ القِيامُ خاصَّةً.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ: الواقِفُ مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجالُ صُفُونًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ"،» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ.

فَأمّا الجِيادُ، فَهي السِّراعُ في الجَرْيِ.

وفي سَبَبِ عَرْضِها عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَرَضَها لِأنَّهُ أرادَ جِهادَ عَدُوٍّ لَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن دَوابِّ البَحْرِ.

قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّها كانَتْ خَيْلًا خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ لَها أجْنِحَةٌ.

وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذاتَ أجْنِحَةٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْرَجَتْها لَهُ الشَّياطِينُ مِنَ البَحْرِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ورِثَها مِن أبِيهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ غَزا جَيْشًا، فَظَفِرَ بِهِ وغَنِمَها، فَدَعا بِها فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي عَدَدِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ثَلاثَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهَبٌ.

والثّانِي: عُشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ.

والثّالِثُ: ألْفُ فَرَسٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: عُشْرُونَ فَرَسًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ تَزَلْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ إلى أنْ غابَتِ الشَّمْسُ، فَفاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، وكانَ مَهِيبًا لا يَبْتَدِئُهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ، ونَسِيَ هُوَ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ ذَكَرَ الصَّلاةَ، ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ ﴾ فَتَحَ الياءَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ﴿ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: حُبُّ الخَيْلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِأنَّهُ أرادَ بِالخَيْرِ الخَيْلَ، وهي مالٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ: الخَيْرُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ سَمّى رَسُولُ اللَّهِ  زَيْدَ الخَيْلِ: زَيْدَ الخَيْرِ، ومَعْنى "أحْبَبْتُ" آَثَرَتُ حُبَّ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي؛ وكَذَلِكَ قالَ غَيْرُ الزَّجّاجُ: "عَنْ" بِمَعْنى "عَلى" .

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ المَعْنى: فَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ رَبِّي.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى [الكَلامِ]: أحْبَبْتُ حُبًّا، ثُمَّ أضافَ الحُبُّ إلى الخَيْرِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى الخَيْلَ خَيْرًا، لِما فِيها مِنَ الخَيْرِ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ رَبِّهِ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لا أدْرِي هَلْ كانَتْ صَلاةُ العَصْرِ مَفْرُوضَةٌ، أمْ لا؟، إلّا أنَّ اعْتِراضَهُ الخَيْلَ شَغَلَهُ عَنْ وقْتٍ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ قالَ المُصَنَّفُ: وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: يَعْنِي الشَّمْسَ، ولَمْ يَجِرْ لَها ذِكْرٌ، ولا أحْسَبُهم أعْطَوْا في هَذا الفِكْرِ حَقَّهُ، لِأنَّ في الآَيَةِ دَلِيلًا عَلى الشَّمْسِ، وهو قَوْلُهُ: "بِالعَشِيِّ" ومَعْناهُ: عَرَضَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ، ولا يَجُوزُ الإضْمارُ إلّا أنْ يَجْرِيَ ذِكْرٌ، أوْ دَلِيلُ ذِكْرٍ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ؛ وأمّا الحِجابُ، فَهو ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ عَلَيْهِ عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلّاها بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها، اغْتَمَّ وغَضِبَ، وقالَ: "رَدُّوها عَلَيَّ"، يَعْنِي: أعِيدُوا الخَيْلَ عَلَيَّ ﴿ فَطَفِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أقْبَلَ ﴿ مَسْحًا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: يَمْسَحُ مَسْحًا.

فَأمّا السُّوقُ، فَجَمْعُ ساقٍ، مِثْلُ دُورٍ ودارٍ.

وهَمَزَ السُّؤْقَ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وغَيْرُ الهَمْزِ أحْسَنُ مِنهُ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُّؤُوقِ" مِثْلُ الرُّؤُوسِ.

وفي المُرادِ بِالمَسْحِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَرَبَها بِالسَّيْفِ.

ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في قَوْلُهُ: "فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ" قالَ: "بِالسَّيْفِ" .» ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَسَحَ أعْناقَها وسُوقَها بِالسَّيْفِ.

وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ: قَطَعَ أعْناقَها وسُوقَها، وهَذا اخْتِيارُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَحَها بِيَدِهِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ، والقاضِي أبِي يَعْلى.

والثّالِثُ: أنَّهُ كَوى سُوقَها وأعْناقَها وحَبَسَها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى: حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدِ اعْتَرَضُوا [عَلى] القَوْلِ الثّانِي، وقالُوا: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ شَغْلِها إيّاهُ عَنِ الصَّلاةِ وبَيْنَ مَسْحِ أعْرافِها حُبًّا لَها؟!

ولا أعْلَمُ قَوْلَهُ: "حُبًّا لَها" يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وحَمَلُوا قَوْلَ مُجاهِدٍ "مَسْحَها بِيَدِهِ" أيْ: تَوَلّى ضَرْبَ أعْناقِها.

فَإنْ قِيلَ: فالقَوْلُ الأوَّلُ يَفْسُدُ بِأنَّهُ لا ذَنْبَ لِلْحَيَوانِ، فَكَيْفَ وجَّهَ العُقُوبَةَ إلَيْهِ وقَصَدَ التَّشَفِّي بِقَتْلِهِ، وهَذا يُشْبِهُ فِعْلَ الجَبّارِينَ، لا فِعْلَ الأنْبِياءِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أُبِيحَ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحُ لَهُ ما يَمْنَعُ مِنهُ في شَرْعِنا، عَلى أنَّهُ إذا ذَبَحَها كانَتْ قُرْبانًا، وأكْلُ لَحْمِها جائِزٌ، فَما وقَعَ تَفْرِيطٌ، قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا ضَرَبَ سُوقَها وأعْناقَها، شَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ مَكانَها، وهي أحْسَنُ في المَنظَرِ، وأسْرَعُ في السَّيْرِ، وأعْجَبُ في الأُحْدُوثَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهُ وامْتَحَنّاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ ﴾ أيْ: عَلى سَرِيرِهِ ﴿ جَسَدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

وفي اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: صَخْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَكَرَ العُلَماءُ أنَّهُ كانَ شَيْطانًا مَرِيدًا لَمْ يُسَخَّرْ لِسُلَيْمانَ.

والثّانِي: آَصَفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي عِنْدَهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، إلّا أنَّ بَعْضَ ناقِلِي التَّفْسِيرِ حَكى أنَّهُ آَصَفُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّهُ لَمّا فَتَنَ سُلَيْمانَ سَقَطَ الخاتَمُ مِن يَدِهِ فَلَمْ يُثْبُتْ، فَقالَ آَصَفُ: أنا أقُومُ مَقامَكَ إلى أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقامَ في مَقامِهِ، وسارَ بِالسِّيرَةِ الجَمِيلَةِ، هَذا لا يَصِحُّ، ولا ذَكَرَهُ مَن يُوثَقُ بِهِ.

والثّالِثُ: حَبْقِيقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ والمَعْنى: أجْلَسْنا عَلى كُرْسِيِّهِ في مُلْكِهِ شَيْطانًا.

﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ أيْ: رَجَعَ.

وفِيما رَجَعَ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تابَ مِن ذَنْبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: رَجَعَ إلى مُلْكِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي سَبَبِ ابْتِلاءِ سُلَيْمانَ بِهَذا خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: جَرادَةُ، وكانَ بَيْنَ بَعْضِ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ، فَقَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، إلّا أنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها، فَعُوقِبَ حِينَ لَمْ يَكُنْ هَواهُ فِيهِمْ واحِدًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ، فَكانَ لا يَدْرِي أيَأْتِيهِ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَتْ آَثَرَ النِّساءِ عِنْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: إنْ أخِي بَيْنَهُ وبَيْنَ فُلانٍ خُصُومَةٌ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَقْضِيَ لَهُ، فَقالَ: نَعَمَ، ولَمْ يَفْعَلْ، فابْتُلِيَ لِأجْلِ ما قالَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَ قَدْ سَباها في غَزاةٍ لَهُ، وكانَتْ بِنْتَ مَلِكٍ فَأسْلَمَتْ، وكانَتْ تَبْكِي عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَسَألَها عَنِ حالِها، فَقالَتْ: أذْكُرُ أبِي وما كُنْتُ فِيهِ، فَلَوْ أنَّكَ أمَرْتَ الشَّياطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ في دارِي فَأتَسَلّى بِها، [فَفَعَلَ]، فَكانَتْ إذا خَرَجَ سُلَيْمانُ، تَسْجُدُ لَهُ هي ووَلائِدُها [أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ، كَسَرَ تِلْكَ الصُّورَةِ، وعاقَبَ المَرْأةَ ووَلائِدَها] ثُمَّ تَضْرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَغْفِرًا مِمّا كانَ في دارِهِ، فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ، [هَذا قَوْلُ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا سُلَيْمانُ، احْتَجَبَتْ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ؟!

فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ]، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ قارَبَ امْرَأةً مِن نِسائِهِ في الحَيْضِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ: أنَّهُ وُلِدَ [لَهُ ولَدٌ] فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ، لَمْ يَنْفَعْكَ مِنَ البَلاءِ، فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَ ولَدَهُ أوْ نُخْبِلَهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، [فَأمَرَ السَّحابَ] فَحَمَلَهُ، وعَدا ابْنُهُ في السَّحابِ خَوْفًا مِنَ الشَّياطِينِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَخَوُّفِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، وماتَ الوَلَدُ، فَأُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا جَسَدًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

ونَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ ابْتِلائِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورُ.

الإشارَةُ إلى ذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ ذَهابِ خاتَمِ سُلَيْمانَ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ جالِسًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَوَقَعَ مِنهُ في البَحْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّ شَيْطانًا أخَذَهُ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ دَخْلَ ذاتَ يَوْمِ الحَمّامَ ووَضَعَ الخاتَمَ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَأخَذَهُ وألْقاهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ الشَّيْطانُ يَقُولُ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِلشَّيْطانِ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ؟

قالَ: أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرَكَ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَنَبَذَهُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وقَعَدَ الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، ووَضْعَ خاتَمَهُ عِنْدَ أوْثَقِ نِسائِهِ في نَفْسِهِ، فَأتاها الشَّيْطانُ فَتَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ سُلَيْمانَ وأخَذَ الخاتَمَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ، طَلَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ، فَهَرَبَ سُلَيْمانُ، وجاءَ الشَّيْطانُ فَجَلَسَ عَلى مُلْكِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، وأعْطى الشَّيْطانَ خاتَمَهُ فَألْقاهُ الشَّيْطانُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وأُلْقِيَ عَلى الشَّيْطانِ شَبَهَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَأمّا قِصَّةُ الشَّيْطانِ، فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا أخَذَ الخاتَمَ رَمى بِهِ في البَحْرِ، وأُلْقِي عَلَيْهِ شَبَهُ سُلَيْمانَ، فَجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، وتَحَكَّمَ في سُلْطانِهِ.

وَقالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يُلْقِهُ في البَحْرِ حَتّى فَرَّ مِن مَكانِ سُلَيْمانَ.

وهَلْ كانَ يَأْتِي [نِساءَ] سُلَيْمانَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِنَّ في زَمَنِ الحَيْضِ، فَأنْكَرْنَهُ، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.

قالُوا: وكانَ يَقْضِي بِقَضايا فاسِدَةٍ، ويَحْكُمُ بِما لا يَجُوزُ، فَأنْكَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إمّا أنْ تَكُونُوا قَدْ هَلَكْتُمْ أنْتُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُلْكُكم قَدْ هَلَكَ، فاذْهَبُوا إلى نِسائِهِ فاسْألُوهُنَّ، فَذَهَبُوا، فَقُلْنَ: إنّا واللَّهِ قَدْ أنْكَرْنا ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَزَلْ عَلى حالِهِ إلى أنِ انْقَضى زَمَنُ البَلاءِ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ بُعْدِ الشَّيْطانِ عَنِ مَكانِ سُلَيْمانَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ سُلَيْمانَ وجَدَ خاتَمَهُ فَتَخْتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ فَأخَذَ بِناصِيَةِ الشَّيْطانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا رَجَعَ إلى مُلْكِهِ وجاءَتْهُ الرِّيحُ والطَّيْرُ والشَّياطِينُ، فَرَّ الشَّيْطانُ حَتّى دَخَلَ البَحْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا، طارَ الشَّيْطانُ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ وهْبٌ.

والرّابِعُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أنْكَرُوهُ، أتَوْهُ فَأحْدَقُوا بِهِ، ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْراةَ فَقَرَؤُوا، فَطارَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتّى ذَهَبَ إلى البَحْرِ، فَوَقَعَ الخاتَمُ مِنهُ في البَحْرِ فابْتَلَعَهُ حُوتٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفِي قَدْرٍ مَكَثَ الشَّيْطانُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَأمّا قِصَّةُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا سُلِبَ خاتَمَهُ، ذَهَبَ مُلْكَهُ، فانْطَلَقَ هارِبًا في الأرْضِ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَسْتَطْعِمُ فَلا يُطْعَمُ، فَيَقُولُ: لَوْ عَرَفْتُمُونِي أعْطَيْتُمُونِي، أنا سُلَيْمانُ، فَيَطْرُدُونَهُ، حَتّى أعْطَتْهُ امْرَأةٌ حُوتًا، فَوَجَدَ خاتَمَهُ في بَطْنِ الحُوتِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: انْطَلَقَ سُلَيْمانُ حَتّى أتى ساحِلَ البَحْرِ، فَوَجَدَ صَيّادِينَ قَدْ صادُوا سَمَكًا كَثِيرًا وقَدْ أُنْتِنَ عَلَيْهِمْ بَعْضُهُ، فَأتاهم يَسْتَطْعِمُ، فَقالُوا: اذْهَبْ إلى تِلْكَ الحِيتانِ فَخُذْ مِنها، فَقالَ: لا، أطْعَمُونِي مِن هَذا، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ: أطْعَمُونِي فَإنِّي سُلَيْمانُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنهم فَضَرْبَهُ بِالعَصا غَضَبًا لِسُلَيْمانَ، فَأتى تِلْكَ الحِيتانَ فَأخَذَ مِنها شَيْئًا، فَشَقَّ بَطْنَ حُوتٍ، فَإذا هو بِالخاتَمِ.

وقالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لِي أنَّهُ لَمْ يُؤْوِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، ولَمْ يَعْرِفْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكانَ يَأْوِي إلى امْرَأةٍ مِسْكِينَةٍ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا عَلى شَطِّ نَهْرٍ، وجَدَ سَمَكَةً، فَأتى بِها المَرْأةَ فَشَقَّتْها فَإذا بِالخاتَمِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: اشْتَرى سَمَكَةً مِنِ امْرَأةٍ فَشَقَّ بَطْنَها فَوَجَدَ خاتَمَهُ.

وَفِي المُدَّةِ الَّتِي سُلِبَ فِيها المُلْكُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أرْبَعُونَ لَيْلَةً، كَما ذَكَرْنا عَنِ الحَسَنِ.

والثّانِي: خَمْسُونَ لَيْلَةً: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا جَعَلَ الخاتَمَ في يَدِهِ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهاءَهُ ومُلْكَهُ، فَأظَلَّتْهُ الطَّيْرُ، وأقْبَلَ لا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ ولا طائِرٌ ولا حَجَرٌ ولا شَجَرٌ إلّا سَجَدَ لَهُ، حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: ثُمَّ أرْسَلَ إلى الشَّيْطانِ، فَجِيءَ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَجُعِلَ في صُنْدُوقٍ مِن حَدِيدٍ، ثُمَّ أُطْبِقَ عَلَيْهِ وأقْفِلُ، وخَتَمَ عَلَيْهِ بِخاتَمِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُلْقِي في البَحْرِ، فَهو فِيهِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.

وقالَ وهَبُ: جابَ صَخْرَةً فَأدْخَلُهُ فِيها، ثُمَّ أوْثَقَها بِالحَدِيدِ والرَّصاصِ، ثُمَّ قَذَفَهُ في البَحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَتْحَ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَكُونُ لِأحَدٍ بَعْدِي، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ، فَأخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمانَ: ( هَبَّ لِي مِلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي )، فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا" .» والثّانِي: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي في حَياتِي، كَما فَعَلَ الشَّيْطانُ الَّذِي جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وإنَّما طَلَبَ هَذا المُلْكَ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ، ويَعْرِفُ مَنزِلَتَهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

ولَمْ يَكُنْ في مُلْكِهِ حِينَ دَعا بِهَذا الرِّيحِ ولا الشَّياطِينِ ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "الرِّياحَ" عَلى الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُخاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: مُطِيعَةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها الطَّيِّبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: اللَّيِّنَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّخاوَةِ، قالَهُ اللُّغَوِيُّونَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَها بِهَذا بَعْدَ أنْ وصَفَها في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨١] بِأنَّها عاصِفَةٌ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: كانَ يَأْمُرُ العاصِفَ تارَةً ويَأْمُرُ الرَّخاءَ أُخْرى.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّها كانَتْ تَشْتَدُّ إذا أرادَ، وتَلِينُ إذا أرادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أيْ: حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: أصابَ فُلانٌ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، أيْ: أرادَ الصَّوابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّياطِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ ﴿ كُلَّ بَنّاءٍ ﴾ يَبْنُونَ لَهُ ما يَشاءُ ﴿ وَغَوّاصٍ ﴾ يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الدُّرَّ، ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ آَخَرِينَ، وهم مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: أوْثَقَهم في الحَدِيدِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ في سُورَةِ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ [إبْراهِيمَ: ٤٩] .

﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ المَعْنى: قُلْنا لَهُ: هَذا عَطاؤُنا.

وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ ما أُعْطِي، ﴿ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ ﴾ أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ مِنَ المالِ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ.

والمَنُّ: الإحْسانُ إلى مَن لا يَطْلُبُ ثَوابَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الشَّياطِينِ المُسَخَّرِينَ لَهُ؛ فالمَعْنى: فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ بِاطِّلاقِهِ، وأمْسِكْ مَن شِئْتَ مِنهم.

وقَدْ رُوِيَ مَعْنى القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ: لا تَبِعَةَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا ولا في الآَخِرَةِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابٌ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [سَبَإٍ: ٣٧، الرَّعْدِ: ٢٩، الأنْبِياءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ، فَأضافَ ما أصابَهُ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِهِما.

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما سَواءٌ.

قالَ الفَرّاءُ: هُما كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والعَدَمِ والعُدْمِ، والحَزَنِ والحُزْنِ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالنَّصْبِ: الضُّرُّ الَّذِي أصابَهُ.

والثّانِي: أنَّ النَّصْبَ بِتَسْكِينِ الصّادِ: الشَّرُّ، وبِتَحْرِيكِها: الإعْياءُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَقَرَأتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ، عَنِ حَفْصٍ: "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وهُبَيْرَةُ عَنِ حَفْصٍ: "بِنَصْبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ.

وَفِي المُرادِ بِالعَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ الَّذِي أصابَ جَسَدَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مالَهُ ووَلَدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكُضْ ﴾ أيِ: اضْرِبِ الأرْضَ ﴿ بِرِجْلِكَ ﴾ ، وَمِنهُ: رَكَضَتِ الفَرَسُ.

فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغْتَسَلُ: الماءُ، وهو الغَسُولُ أيْضًا.

قالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ [فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ] فَشَرِبَ مِنها؛ وعَلى هَذا جُمْهُورُ العُلَماءِ أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، فاغْتَسَلَ مِن واحِدَةٍ، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ كانَ قَدْ حَلَفَ لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لِيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ.

وفي سَبَبِ هَذِهِ اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ جَلَسَ في طَرِيقِ زَوْجَةِ أيُّوبَ كَأنَّهُ طَبِيبٌ، فَقالَتْ لَهُ: يا عَبْدَ اللَّهِ: إنْ ها هُنا إنْسانًا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أنْ تُداوِيَهُ؟

قالَ: نَعَمْ، إنْ شاءَ شَفَيْتُهُ، عَلى أنْ يَقُولَ إذا بَرَأ: أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَجاءَتْ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفانِي أنْ أجْلِدَكَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ لَقِيَها فَقالَ: إنِّي أنا الَّذِي فَعَلْتُ بِأيُّوبَ ما بِهِ، وأنا إلَهُ الأرْضِ، وما أخَذْتُهُ مِنهُ فَهو بِيَدِي، فانْطَلِقِي أُرِيكِ، فَمَشى بِها غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَها، فَأراها وادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أهْلُها ووَلَدُها ومالُها، فَأتَتْ أيُّوبَ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، ويْحَكَ كَيْفَ وعى قَوْلَهُ سَمِعَكَ؟

واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأجْلِدَنَّكَ مِائَةً، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ، فَقالَ: لِيَذْبَحَ لِي هَذِهِ وقَدْ بَرَأ؛ فَأخْبَرَتْهُ، فَحَلَفَ لِيَجْلِدْنَّها، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٣] عَنِ الحَسَنِ.

فَأمّا الضِّغْثُ، فَقالَ الفَرّاءُ: هو كُلُّ ما جَمَعْتَهُ مِن شَيْءٍ مِثْلِ الحِزْمَةِ الرَّطِبَةِ، قالَ: وما قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ ثُمَّ جَمَعْتَهُ، فَهو ضِغْثٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الخِلالِ والعِيدانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ والرَّيْحانِ وما أشْبَهَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: جَزى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبْرِها أنْ أفْتاهُ في ضَرْبِها فَسَهُلَ الأمْرُ، فَجَمَعَ لَها مِائَةَ عُودٍ، وقِيلَ: مِائَةُ سُنْبُلَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ أسْلًا، وقِيلَ: مِنَ الإذْخِرِ، وقِيلَ: كانَتْ شَمارِيخٌ، فَضَرَبَها بِها ضَرْبَةً واحِدَةً ولَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ.

وهَلْ ذَلِكَ خاصٌّ لَهُ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، [وابْنُ أبِي لَيْلى] .

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِأيُّوبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن حَلَفَ أنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشْرَةَ أسْواطٍ فَجَمَعَها كُلَّها وضَرْبَهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، فَقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ، وبِهِ قالَ أصْحابُنا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: إذا أصابَهُ في الضَّرْبَةِ الواحِدَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنها، فَقَدْ بَرَّ، واحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ أيْ: عَلى البَلاءِ الَّذِي ابْتَلَيْناهُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصافِناتُ الجِيادُ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ الهِبَةُ والعَطِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَوَهَبَ اللهُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ ولَدًا، وأثْنى تَعالى عَلَيْهِ بِأوصافٍ مِنَ المَدْحِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ و"أوّابٌ" مَعْناهُ: رَجّاعٌ، ولَفْظَةُ ﴿ "أوّابٌ" ﴾ هو العامِلُ في "إذْ"؛ لِأنَّ أمْرَ الخَيْلِ مُقْتَضٍ أوبَةً عَظِيمَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الخَيْلِ المَعْرُوضَةِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشاءً، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها حَتّى فاتَهُ وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ العَصْرِ، ونَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأسِفَ لِذَلِكَ، وقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ، قالَ الحَسَنُ: فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَيْفِ عَقْرًا لَها لَمّا كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ الصَلاةِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ أسْرَعَ مِنها الرِيحَ، وقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ الثَعْلَبِيُّ -: كانَتْ بِالناسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَإنَّما عَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ بِها، كالهَدْيِ عِنْدَنا، ونَحْوُ هَذا ما فَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ بِحائِطِهِ؛ إذْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الدُبْسِيُّ في الصَلاةِ فَشَغَلَهُ.

و"الصافِنُ": الفَرَسُ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ ويَقِفُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ، وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ: ألِفَ الصُفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَلاثِ كَسِيرًا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصافِنُ: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيها، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرَفِ السُنْبُكِ فَهو المُخَيَّمُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَوافِنُ الجِيادُ"، والجِيادُ: جَمْعُ جَوْدٍ، كَثَوْبِ وثِيابٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ يَجُودُ بِجَرْيِهِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الخَيْرُ" هُنا أرادَ بِهِ: الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وكَذَلِكَ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِزَيْدِ الخَيْلِ: "أنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ"،» و"حُبَّ" مَفْعُولٌ بِهِ نُصِبَ لِذَلِكَ عِنْدَ فِرْقَةٍ، كَأنَّ ﴿ "أحْبَبْتُ" ﴾ بِمَعْنى: آثَرْتُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ بـِ "أحْبَبْتُ" مَحْذُوفٌ، و"حُبَّ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أحْبَبْتُ هَذِهِ الخَيْلَ حُبَّ الخَيْرِ، وتَكُونُ "الخَيْرِ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - غَيْرَ الخَيْلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُبَّ الخَيْلِ" بِاللامِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أحْبَبْتُ" مَعْناهُ: سَقَطْتُ إلى الأرْضِ لِذَنْبِي، مَأْخُوذٌ مِن: أحَبَّ البَعِيرُ إذا أعْيا وسَقَطَ هُزالًا، و"حُبَّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

والضَمِيرُ في ﴿ "تَوارَتْ" ﴾ لِلشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ، إلّا أنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها مَذْكُورَةً ويَتَضَمَّنُها؛ ولِأنَّ العَشِيَّ يَقْتَضِي لَها ذِكْرًا إذْ هو مُقَدَّرٌ مُتَوَهَّمٌ بِها.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ، أيْ: دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَهْراوِيُّ: إنَّ مَسْحَهُ بِالسُوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَيْفِ، بَلْ بِيَدِهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغَسْلِ مَسْحٌ، لِأنَّ المَسْحَ بِالأيْدِي يَقْتَرِنُ بِهِ.

وهَذِهِ الأقْوالُ عِنْدِي إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى نَحْوٍ مَنِ التَفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ.

وذَلِكَ أنَّهُ رَأى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها فَوْتُ صَلاةٍ، ولا تَضَمَّنُ أمْرَ الخَيْلِ أوبَةً ولا رُجُوعًا.

فالعامِلُ فِي: "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ عُرِضَ، وقالُوا: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ، أيْ: إنِّي في الصَلاةِ، فَأزالُوها عنهُ حَتّى أدْخَلُوها في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ ، أيِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ، بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عن رُؤْيَةِ الخَيْلِ، حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْناقَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ هَذا المَسْحَ إنَّما كانَ وسْمًا في السُوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.

وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ خَيْلًا مَوْرُوثَةً.

قالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَها حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها أكْثَرُ مِن مِائَةِ فَرَسٍ، فَمِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ كُلُّ ما يُوجَدُ اليَوْمَ مِنَ الخَيْلِ.

وهَذا بَعِيدٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ خَيْلًا أخْرَجَها الشَياطِينُ لَهُ مِنَ البَحْرِ، وكانَتْ ذَواتَ أجْنِحَةٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، و"طَفِقَ" مَعْناهُ: دامَ يَفْعَلُ، كَما تَقُولُ: جَعَلَ يَفْعَلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِالسُوقِ" ﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنَّ وجْهَها في القِياسِ أنَّ الضَمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ، قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذا نَظِيرُ إمالَتِهِمْ ألِفَ "مِقْلاتٍ" مِن حَيْثُ ولِيَتِ الكَسْرَةَ القافُ، قَدَّرُوا أنَّ القافَ هي المَكْسُورَةُ.

وَوَجْهُ هَمْزَةِ "السُوقِ" مِنَ السَماعِ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: أحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيْكَ مُؤْسى وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُؤُوقِ" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّ "عن" هُنا لِلْمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُطَّرِدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِتْنَتِهِ لِسُلَيْمانَ، وامْتِحانِهِ إيّاهُ لِزَوالِ مُلْكِهِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَتْ لَهُ حَظِيَّةٌ مِن حَظاياهُ: إنْ أخِي لَهُ خُصُومَةٌ، فَأرْغَبُ أنْ تَقْضِيَ لَهُ بِكَذا وكَذا، لِشَيْءٍ غَيْرِ الحَقِّ، فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: أفْعَلُ، فَعاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلى خاتَمَهُ جِنِّيًّا، وذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لا يَدْخُلُ الخَلاءَ بِخاتَمِ المُلْكِ، تَوْقِيرًا لِاسْمِ اللهِ تَعالى، فَكانَ يَضَعُهُ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، فَألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى جَنِّيٍ اسْمُهُ صَخْرٌ - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، فَجاءَ إلى المَرْأةِ فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الخاتَمَ، فاسْتَوْلى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وبَقِيَ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وطَرَحَ خاتَمَ سُلَيْمانَ في البَحْرِ، وجَعَلَ يَعْبَثُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ، حَتّى أنْكَرُوا أفْعالَهُ، ومَكَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن جَمِيعِ المُلْكِ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مِن نِساءِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْشِفْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ خِلالَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ فارًّا عَلى وجْهِهِ مُنْكَرًا، لا يَنْتَسِبُ لِقَوْمٍ إلّا ضَرَبُوهُ، وأدْرَكَهُ جُوعٌ وفاقَةٌ، فَمَرَّ يَوْمًا بِامْرَأةٍ تَغْسِلُ حُوتًا مَيِّتًا، فَسَألَها مِنهُ لِجُوعِهِ، وقِيلَ: بَلِ اشْتَراهُ فَأعْطَتْهُ حُوتَيْنِ، فَجَعَلَ يَفْتَحُ أجْوافَها، وإذا خاتَمُهُ في جَوْفِ أحَدِهِما، فَعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وسُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وفَّرَ صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِ في حِجارَةٍ، وسَجَنَهُ في البَحْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذِهِ هي الفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ وامْتُحِنَ بِها.

واخْتَلَفَ الناسُ في الجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الجِنِّيُّ المَذْكُورُ، سَمّاهُ ﴿ "جَسَدًا" ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَمَثَّلَ في جَسَدِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأبْيَنُها مَعْنًى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ.

بَلْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدُ ابْنٍ لَهُ مَيِّتٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ شِقُّ الوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ حِينَ أقْسَمَ لَيَطُوفَنَّ عَلى نِسائِهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ في قِسْمِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كانَ بِلا رُوحٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنابَ" ﴾ مَعْناهُ: ارْعَوى وانْثَنى وأجابَ إلى طاعَةِ رَبِّهِ، ومَعْنى هَذا: مِن تِلْكَ الحَوْبَةِ الَّتِي وقَعَتِ الفِتْنَةُ بِسَبَبِها.

ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، واسْتَوْهَبَهُ مُلْكًا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ أنْ يُفْرِدَهُ بَيْنَ البَشَرِ لِتَكُوُنَ خاصَّةً لَهُ وكَرامَةً، وهَذا هو الظاهِرُ مِن «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في خَبَرِ العِفْرِيتِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ في صَلاتِهِ، فَأخَذَهُ وأرادَ أنْ يُوثِقَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، قالَ: "ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: رَبِ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي فَأرْسَلْتُهُ"،» وقالَ قَتادَةُ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مُدَّةَ حَياتِي، أيْ: لا أُسْلَبُهُ ويَصِيرُ إلى أحَدٍ كَما صارَ إلى الجِنِّيِّ.

ورُوِيَ في مَثالِبِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "لَقَدْ كانَ حَسُودًا"، وهَذا مِن فِسْقِ الحَجّاجِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جائِزًا؛ لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُبُوَّةِ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ "لا يَنْبَغِي"، ﴾ فَإنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ، ومُحَمَّدٌ  لَوْ رَبَطَ الجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَما أُوتِيهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، لَكِنْ لَمّا كانَ فِيهِ بَعْضُ الشَبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى اخْتِيارِهِ أبَدًا أيْسَرَ الأمْرَيْنِ وأقْرَبَهُما إلى التَواضُعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد قلت آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ووهبنا لداود سليمان ﴾ [ص: 30] إن ما ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير على عادة القرآن في ابتدار وسائل الإِرشاد بالترغيب والترهيب، فكذلك كانت الآيات المتعلقة بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة وتحذير من الوقوع في مثل غفلته، وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة عرضت لسليمان أعقبتها إنابة ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة فذكرت عقب ذكر قصة ما ناله من السهو عن عبادته وهو دون الفتنة.

والفَتن والفتون والفتنة: اضطراب الحال الشديد الذي يظهر به مقدار صبر وثبات من يحلّ به، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنما نحن فتنة في سورة البقرة ﴾ (102.

(وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حلّ بسليمان، واختلفت أقوال المفسرين في تعيين هذه الفتنة فذكروا قصصاً هي بالخرافات أشبه، ومقام سليمان عن أمثالها أنزه.

ومن أغربها قولهم: إنه ولد له ابن فخاف عليه الناسَ أن يقتلوه فاستودعه الريح لتحضنه وترضعه دَرّ ماء المُزن فلم يلبث أن أصابه الموت وألقته الريح على كرسي سليمان ليعلم أنه لا مردّ لمحتوم الموت.

وهذا ما نظمه المعري تبعاً لأوهام الناس فقال حكاية عن سليمان: خَاف غدْر الأناممِ فاستودع الري *** حَ سَليلاً تغذوه دَرَّ العِهَاد وتوخّى النجاةَ وقد أيْ *** قَنَ أن الحِمام بالمرصاد فرمتْه به على جَانب الكُر *** سِيِّ أمّ اللّهَيْم أُخْتُ النّآد والذي يظهر من السياق أن قوله تعالى: ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ إشارة إلى شيء من هذه الفتنة ليرتبط قوله: ﴿ ثمَّ أنابَ ﴾ بذلك.

ويحتمل أنه قصة أخرى غير قصة فتنته.

وأظهر أقوالهم أن تكون الآية إشارة إلى ما في «صحيح البخاري» «عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال سليمان لأَطُوفَنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله.

فقال له صاحبه: قل إن شاء الله.

فلم يقل: إن شاء الله.

فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة جاءت بشقِّ رَجل، وأيْم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون».

وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك تأويل هذه الآية ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديثَ في التفسير من كتابيهما.

قال جماعة: فذلك النصف من الإِنسان هو الجَسد الملقَى على كرسيّه جاءت به القابلة فألقته له وهو على كرسيه، فالفتنة على هذا خيبة أمله ومخالفة ما أبلغه صاحبُه.

وإطلاق الجسد على ذلك المولود؛ إمّا لأنه وُلِد ميتاً، كما هو ظاهر قوله: «شق رجل»، وإمّا لأنه كان خلقة غير معتادة فكان مجرد جسد.

وهذا تفسير بعيد لأن الخبر لم يقتض أن الشق الذي ولدته المرأة كان حيّاً ولا أنه جلس على كرسي سليمان.

وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلّف.

وقال وهب بن منبه وشَهْر بن حَوْشَب: تزوج سليمان ابنة ملك صيدون بعد أن غزا أباها وقتله فكانت حزينة على أبيها، وكان سليمان قد شغف بحبها فسألته لترضى أن يأمر المصورين ليصنعوا صورة لأبيها فصنعت لها فكانت تغدو وتروح مع ولائدها يسجدن لتلك الصورة فلما علم سليمان بذلك أمر بذلك التمثال فكسر، وقيل: كانت تعبد صنماً لها من ياقوت خُفية فلما فطن سليمان أو أسلمت المرأة ترك ذلك الصنم.

وهذا القول مختزل مما وقع في «سفر الملوك» الأول من كتب اليهود إذ جاء في الإِصحاح الحادي عشر: وأحَب سليمان نساء غريبة كثيرة بنت فرعون ومعها نساء مؤابيات وعمونيات، وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم التي قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم لأنهم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم.

فبنى هيكلاً للصنم (كموش) صنَم المؤابيين على الجبل الذي تُجاه أورشليم فقال الله له: من أجل أنك لم تحفظ عهدي فإني أمزق مملكتك بعدك تمزيقاً وأعطيها لعبدك ولا أعطي ابنك إلا سِبطاً واحداً الخ.

ويؤخذ من ذلك كله: أن سليمان اجتهد وسمح لنسائه المشركات أن يعبدْن أصنامهن في بيوتهن التي هي بيوته أو بنى لهن معابد يعبدْنَ فيها فلم يرضَ الله منه ذلك لأنه وإن كان قد أباح له تزوج المشركات فما كان ينبغي لنبيء أن يسمح لنسائه بذلك الذي أبيح لعامة الناس الذين يتزوجون المشركات وإن كان سليمان تأول أن ذلك قاصر على المرأة لا يتجاوز إليه.

وعلى هذا التأويل يكون المراد بالجسد الصنم لأنه صورة بلا روح كما سمى الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل جَسداً في قوله: ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ (طه: 88.

(ويكون معنى إلقائه على كرسيّه نصبه في بيوت زوجاته المشركات بقرب من مواضع جلوسه إذ يكون له في كل بيت منها كرسي يجلس عليه.

وعطف ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ بحرف ﴿ ثمّ ﴾ المفيد للتراخي الرتبي لأن رتبة الإِنابة أعظم ذكر في قوله: ﴿ فقال إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ ﴾ [ص: 32].

والإِنابة: التوبة.

وجملة ﴿ قال ربّ اغفر لي ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أنَابَ ﴾ لأن الإِنابة تشتمل على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره من أمثاله.

وإردافه طلب المغفرة باستيهاب مُلْك لا ينبغي لأحدٍ من بعده لأنه توقع من غضب الله أمرين: العقاب في الآخرة، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصّر في شكرها، وكان سليمان يومئذٍ في مُلْك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136].

وتنكير ﴿ مُلْكاً ﴾ للتعظيم.

وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكاً أنه لا ينبغي لأحد من بعده، أي لا يتأتى لأحد من بعده، أي لا يعطيه الله أحداً يبتغيه من بعده.

فكنّى ب ﴿ لا ينبغي ﴾ عن معنى لا يُعطَى لأحد، أي لا تعطيه أحداً من بعدي.

ففعل: ﴿ ينبغِي ﴾ مطاوع بغاه، يقال: بغاه فانبغى له وليس للملْك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسّر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي، وحقيقته: انبغاء سببه.

وهذا من التأدّي في دعائه إذ لم يقل: لا تعطه أحداً من بعدي.

وسأل الله أن لا يقيم له منازعاً في ملكه وأن يبقى له ذلك الملكُ إلى موته، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده (يربعام بن نباط) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى (شيشق) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان.

فهذا أيضاً مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحداً غيره.

وكان لسليمان عدوَّان آخران هما (هدد) الأدومي و(رزون) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإِزالة ملكه.

واستعمل ﴿ مِن بعدي ﴾ في معنى: من دوني، كقوله تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23]، فيكون معنى ﴿ لا ينبغِي ﴾ أنه لا ينبغي لأحد غيري، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يُسلط أحد على ملكه مدة حياته.

وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعدّ من الحسد.

ويجوز أن يبقى ﴿ مِن بعدي ﴾ على ظاهره، أي بعد حياتي.

فمعنى ﴿ لا يَنبغِي ﴾ : لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي.

وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإِشفاق من أن يلِي مثل ذلك الملك من ليس له من النُبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للمَلِك على مُلْكه، فينتفِي أيضاً على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطَى أحد غيرُه مثلَ ملكه (مما تشمّ منه رائحة الحسد).

وقد تضمنت دعوته شيئين: هما أن يعطى ملكاً عظيماً، وأن لا يُعطَى غيرُه مثلَه في عظمته.

وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سرّ بينه وبين ربه إشعاراً بأنه ألهمه إياه، وأنه استجاب له دعوته تعريفاً برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبتِه.

ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عمّ التصرف في الجن وتسخير الريح والطير، ومجموعُ ذلك لم يحصل لأحد من بعده.

وفي «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عفريتاً من الجن تفلَّتَ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلُّكُم فذكرتُ دعوة أخي سليمان: «رب هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي فرددته خاسِئاً».

وجملة ﴿ إنَّك أنتَ الوهابُ ﴾ علة للسؤال كله وتمهيد للإِجابة، فقامت (إنّ) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في ﴿ الوَهَّابُ ﴾ على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة.

و ﴿ أنْتَ ﴾ ضميرُ فصل، وأفاد الفصل به قصراً فصار المعنى: أنت القوي الموهبة لا غيرك، لأن الله يَهَب ما لا يملك غيره أن يهبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ابْتَلَيْناهُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عاقَبْناهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَفي فِتْنَتِهِ الَّتِي عُوقِبَ بِها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ قارَبَ بَعْضَ نِسائِهِ في بَعْضِ الشَّيْءِ مِن حَيْضٍ أوْ غَيْرِهِ قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ كانَتْ لِسُلَيْمانَ امْرَأةٌ تُسَمّى جَرادَةً وكانَ بَيْنَ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فاخْتَصَمُوا إلى سُلَيْمانَ فَفَصَلَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ولَكِنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ فَجَعَلَ لا يَدْرِي أمِنَ الأرْضِ يَأْتِيهِ البَلاءُ أمْ مِنَ السَّماءِ.

الثّالِثُ: ما حَكاهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سُلَيْمانَ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَقْضِي بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ إنِّي لَمْ أسْتَخْلِفْكَ لِتُحْجَبَ عَنْ عِبادِي ولَكِنْ لِتَقْضِيَ بَيْنَهم وتَنْصِفَ مَظْلُومَهم.

الرّابِعُ: ما حَكاهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أنَّ سُلَيْمانَ سَبى بِنْتَ مَلِكِ غَزّانَ في جَزِيرَةٍ مِنَ جَزائِرِ البَحْرِ يُقالُ لَها صَيْدُونُ، فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مَحَبَّتُها وهي مُعْرِضَةٌ عَنْهُ تَذْكُرُ أمْرَ أبِيها لا تَنْظُرُ إلَيْهِ إلّا شَزَرًا ولا تُكَلِّمُهُ إلّا نَزَرًا، ثُمَّ إنَّها سَألَتْهُ أنْ يَضَعَ لَها تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ فَصَنَعَ لَها فَعَظَّمَتْهُ وسَجَدَتْ لَهُ وسَجَدَ جَوارِيها مَعَها، وصارَ صَنَمًا مَعْبُودًا في دارِهِ وهو لا يَعْلَمُ بِهِ حَتّى مَضَتْ أرْبَعُونَ يَوْمًا وفَشا خَبَرُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وعَلِمَ بِهِ سُلَيْمانُ فَكَسَرَهُ وحَرَّقَهُ ثُمَّ ذَرّاهُ في الرِّيحِ.

الخامِسُ: ما حَكاهُ مُجاهِدٌ أنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِآصَفَ الشَّيْطانِ كَيْفَ تُضِلُّونَ النّاسَ؟

فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ أعْطِنِي خاتَمَكَ حَتّى أُخْبِرَكَ، فَأعْطاهُ خاتَمَهُ فَألْقاهُ في البَحْرِ حَتّى ذَهَبَ مُلْكُهُ.

السّادِسُ: ما حَكاهُ أبانُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ سُلَيْمانَ قالَ ذاتَ لَيْلَةٍ: واللَّهِ لَأطُوفَنَّ عَلى نِسائِي في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وهُنَّ ألْفُ امْرَأةٍ كُلُّهُنَّ تَشْتَمِلُ بِغُلامٍ، كُلُّهم يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ.

قالَ أنَسٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: (والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اسْتَثْنى لَكانَ ما قالَ فَما حَمَلَتْ لَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ شِقَّ إنْسانٍ.

» ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَعَلْنا في مُلْكِهِ جَسَدًا، والكُرْسِيُّ هو المُلْكُ.

الثّانِي: وألْقَيْنا عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ جَسَدًا.

وَفي هَذا الجَسَدِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَسَدُ سُلَيْمانَ مَرِضَ فَكانَّ جَسَدُهُ مُلْقًى عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ وُلِدَ لَهُ ولَدٌ فَخافَ عَلَيْهِ فَأوْدَعَهُ في السَّحابِ يُغَذّى في اليَوْمِ كالجُمُعَةِ، وفي الجُمُعَةِ كالشَّهْرِ وفي الشَّهْرِ كالسَّنَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وقَدْ وقَعَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيْتًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أكْثَرَ مِن وطْءِ جَوارِيهِ طَلَبًا لِلْوَلَدِ، فَوُلِدَ لَهُ نِصْفُ إنْسانٍ، فَهو كانَ الجَسَدُ المُلْقى عَلى كُرْسِيِّهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ جَعَلَ مُلْكَ سُلَيْمانَ في خاتَمِهِ فَكانَ إذا أجْنَبَ أوْ ذَهَبَ لِلْغائِطِ خَلَعَهُ مِن يَدِهِ ودَفَعَهُ إلى أوْثَقِ نِسائِهِ حَتّى يَعُودَ فَيَأْخُذَهُ، فَدَفَعَهُ مَرَّةً إلى بَعْضِ نِسائِهِ وذَهَبَ لِحاجَتِهِ فَجاءَ شَيْطانٌ فَتَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَطَلَبَ الخاتَمَ مِنها فَأعْطَتْهُ إيّاهُ، وجاءَ سُلَيْمانُ بَعْدَهُ فَطَلَبَهُ، فَقالَتْ قَدْ أخَذْتَهُ فَأحَسَّ سُلَيْمانُ.

واخْتُلِفَ في اسْمِ امْرَأتِهِ هَذِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: جَرادَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: الأمِينَةُ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ سُلَيْمانُ قَدْ وضَعَ خاتَمَهُ تَحْتَ فِراشِهِ فَأخَذَهُ الشَّيْطانُ مِن تَحْتِهِ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ أخَذَهُ الشَّيْطانُ مِن يَدِهِ لِأنَّ سُلَيْمانَ سَألَ الشَّيْطانَ كَيْفَ تُضِلُّ النّاسَ؟

فَقالَ الشَّيْطانُ: أعْطِنِي خاتَمَكَ حَتّى أُخْبِرَكَ فَأعْطاهُ خاتَمَهُ، فَلَمّا أخَذَ الشَّيْطانُ الخاتَمَ جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ مُتَشَبِّهًا بِصُورَتِهِ داخِلًا عَلى نِسائِهِ، يَقْضِي بِغَيْرِ الحَقِّ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ صَوابٍ.

واخْتُلِفَ في إصابَتِهِ النِّساءَ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِنَّ في حَيْضِهِنَّ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: مُنِعَ مِن إتْيانِهِنَّ، وزالَ عَنْ سُلَيْمانَ مُلْكُهُ فَخَرَجَ هارِبًا إلى ساحِلِ البَحْرِ يَتَضَيَّفُ النّاسَ ويَحْمِلُ سَمُوكَ الصَّيّادِينَ بِالأُجْرَةِ، وإذا أخْبَرَ النّاسَ أنَّهُ سُلَيْمانَ أكْذَبُوهُ، فَجَلَسَ الشَّيْطانُ عَلى سَرِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ واخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الشَّيْطانِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اسْمَهُ صَخْرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: آصَفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: حَقِيقٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: سَيِّدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ بَعْدَ أنِ اسْتَنْكَرَ بَنُو إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ أخَذَ حُوتَهُ مِن صَيّادٍ قِيلَ إنَّهُ اسْتَطْعَمَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أخَذَها أجْرًا في حَمْلِ حُوتٍ حَمَلَهُ، فَلَمّا شَقَّ بَطْنَهُ وجَدَ خاتَمَهُ فِيها، وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا مِن زَوالِ مُلْكِهِ عَنْهُ، وهي عِدَّةُ الأيّامِ الَّتِي عُبِدَ الصَّنَمُ في دارِهِ.

قالَهُ مُقاتِلٌ ومَلَكَ أرْبَعِينَ سَنَةً، عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الفِتْنَةِ وعِشْرِينَ بَعْدَها.

وَكانَتِ الأرْبَعُونَ يَوْمًا الَّتِي خَرَجَ فِيها عَنْ مُلْكِهِ ذا القَعْدَةِ وعَشْرًا مِن ذِي الحِجَّةِ، فَسَجَدَ النّاسُ لَهُ حِينَ عادَ الخاتَمُ إلَيْهِ وصارَ إلى مُلْكِهِ.

وَحَكى يَحْيى بْنُ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ أنَّ سُلَيْمانَ وجَدَ خاتَمَهُ بِعَسْقَلانَ فَمَشى مِنها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ ظَفَرَ بِالشَّيْطانِ فَجَعَلَهُ في تَخْتٍ مِن رُخامٍ وشَدَّهُ بِالنُّحاسِ وألْقاهُ في البَحْرِ.

فَهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ﴾ ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٌ: أحَدُها: ثُمَّ رَجَعَ إلى مُلْكِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ثُمَّ أنابَ مِن ذَنْبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ثُمَّ بَرَأ مِن مَرَضِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لَهُ يَعْلَمُ بِهِ الرِّضا ويَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ.

الثّانِي: لِيَقْوى بِهِ عَلى مَن عَصاهَ مِنَ الجِنِّ، فَسُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ حِينَئِذٍ.

الثّالِثُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي في حَياتِي أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي كالجَسَدِ الَّذِي جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ أيِ المُعْطِي، قالَ مُقاتِلٌ: سَألَ اللَّهَ تَعالى مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ بَعْدَ الفِتْنَةِ فَزادَهُ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ والشَّياطِينَ بَعْدَما ابْتُلِيَ، وقالَ الكَلْبِيُّ حَكَمَ سُلَيْمانُ في الحَرْثِ وهو ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، ومَلَكَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ أيْ ذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ.

﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْمِلُ ما يَأْمُرُها.

الثّانِي: تَجْرِي إلى حَيْثُ يَأْمُرُها.

﴿ رُخاءً ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: طَيِّبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: سَرِيعَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُطِيعَةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: لَيِّنَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: لَيْسَتْ بِالعاصِفَةِ المُؤْذِيَةِ ولا بِالضَّعِيفَةِ المُقَصِّرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَيْثُ أرادَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقالَ قَتادَةُ: هو بِلِسانِ هَجَرَ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، أيْ أرادَ الصَّوابَ.

الثّانِي: حَيْثُ ما قَصَدَ مَأْخُوذٌ مِن إصابَةِ السَّهْمِ الغَرَضَ المَقْصُوَدَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ يَعْنِي سَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ يَعْنِي في البَرِّ، وغَوّاصٍ يَعْنِي في البَحْرِ عَلى حُلِيِّهِ وجَواهِرِهِ.

﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في السَّلاسِلِ: قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في الأغْلالِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في الوَثاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، قالَ الشّاعِرُ: فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِكُفْرِهِمْ، فَإذا آمَنُوا أطْلَقَهم ولَمْ يُسَخِّرْهم.

وَوُجِدَ عَلى سُورِ مَدِينَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامَ لَوْ أنَّ حَيًّا يَنالُ الخُلْدَ في مَهَلٍ ∗∗∗ لَنالَ ذاكَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ ∗∗∗ سالَتْ لَهُ العَيْنُ عَيْنَ القِطْرِ فائِضَةً ∗∗∗ فِيهِ ومِنهُ عَطاءٌ غَيْرُ مَوْصُودِ ∗∗∗ لَمْ يَبْقَ مِن بَعْدِها في المُلْكِ مُرْتَقَيًا ∗∗∗ حَتّى تَضَمَّنَ رَمْسًا بَعْدَ أُخْدُودِ ∗∗∗ هَذا التَّعْلَمُ أنَّ المُلْكَ مُنْقَطِعٌ ∗∗∗ إلّا مِنَ اللَّهِ ذِي التَّقْوى وذِي الجُودِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُلْكِ الَّذِي لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ والشَّياطِينِ.

فَعَلى هَذاَ في قَوْلِهِ ﴿ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: امْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الجِنِّ بِإطْلاقِهِ، أوْ أمْسِكْ مَن شِئْتَ مِنهم في عَمَلِهِ مِن غَيْرِ حَرَجٍ عَلَيْكَ فِيما فَعَلْتَهُ بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أعْطِ مَن شِئْتَ مِنَ النّاسِ وامْنَعْ مَن شِئْتَ مِنهم.

﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ فِيما تُعْطِي وتَمْنَعُ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: بِغَيْرِ حَرَجٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: بِغَيْرِ حِسابٍ تُحاسَبُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ الحَسَنُ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ نِعْمَةً إلّا عَلَيْهِ فِيها تَبِعَةٌ إلّا سُلَيْمانَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ وحَكى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ الآيَةَ.

قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُوتِينا ما أُوتِيَ النّاسُ وما لَمْ يُؤْتَوْا، وعَلِمْنا ما عَلِمَ النّاسُ وما لَمْ يَعْلَمُوا فَلَمْ نَرَ شَيْئًا هو أفْضَلَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، والقَصْدِ في الغِنى والفَقْرِ، وكَلِمَةِ الحَقِّ في الرِّضا والغَضَبِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ هَذا عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ جَزاءٍ.

الثّانِي: بِغَيْرِ قِلَّةٍ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُضْمَرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ما حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ في ظَهْرِهِ ماءُ مِائَةِ رَجُلٍ وكانَ لَهُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ يَعْنِي الَّذِي أعْطَيْناكَ مِنَ القُوَّةِ عَلى النِّكاحِ ﴿ فامْنُنْ ﴾ بِجِماعِ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ ﴿ أوْ أمْسِكْ ﴾ عَنْ جِماعِ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ.

فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ مُؤاخَذَةٍ فِيمَن جامَعْتَ أوْ عَزَلْتَ.

الثّانِي: بِغَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ فِيمَنِ اسْتَبَحْتَ أوْ نَكَحْتَ.

وَهَذا القَوْلُ عُدُولٌ مِنَ الظّاهِرِ إلى ادِّعاءِ مُضْمَرٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَكِنْ قِيلَ فَذَكَرْتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد في مسنده والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلا استفتحه بسبحان ربي الأعلى الوهاب» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ يقول: لا أسلبه كما سلبته.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ قال: لا تسلبنيه كما سلبتنيه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرض لي الشيطان في مصلاي الليلة كأنه هرُّكم هذا، فأردت أن أحبسه حتى أصبح، فذكرت دعوة أخي سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ فتركته» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عفريتاً جعل يتلفت علي البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، وإن الله تعالى أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ فرده الله خاسئاً» .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا قائم أصلي اعترض الشيطان، فأخذت حلقه، فخنقته حتى أني لأجد برد لسانه على ابهامي، فيرحم الله سليمان لولا دعوته لأصبح مربوطاً تنظرون إليه» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت لصلاة الصبح، فلقيني شيطان في السدة.

سدة المسجد، فزحمني حتى أني لأجد مس شعره، فاستمكنت منه، فخنقته حتى أني لأجد برد لسانه على يدي، فلولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مقتولاً تنظرون إليه» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قام يصلي صلاة الصبح فقرأ، فألبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس.

فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين، الإِبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، فتلاعب به صبيان المدينة» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مر عليَّ الشيطان، فتناولته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي فقال: أوجعتني أوجعتني..

ولولا ما دعا به سليمان لأصبح مناطا إلى اسطوانة من أساطين المسجد ينظر إليه، وِلْدَانُ أهل المدينة» .

وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي.

وأيم الله لولا ما سبق إليه أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة» .

وأخرج الحاكم في المستدرك عن عمر بن علي بن حسين قال: مشيت مع عمي وأخي جعفر فقلت: زعموا أن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يهبه ملكاً قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يعمر ملك في أمة نبي مضى قبله ما بلغ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم من العمر في أمته» .

وأخرج عبد بن حميد عن وهب بن منبه رضي الله عنه، أنه ذكر من ملك سليمان، وتعظيم ملكه، أنه كان في رباطه اثنا عشر ألف حصان، وكان يذبح على غدائه كل يوم سبعين ثوراً، سوى الكباش، والطير، والصيد.

فقيل لوهب: أكان يسع هذا ماله؟!

قال: كان إذا ملك الملك على بني إسرائيل اشترط عليهم أنهم رقيقه، وإن أموالهم له؛ ما شاء أخذ منها، وما شاء ترك.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد البجلي رضي الله عنه قال: بلغني أن سليمان عليه السلام ركب يوماً في موكبه، فوضع سريره فقعد عليه، وألقيت كراسي يميناً وشمالاً، فقعد الناس عليها يلونه، والجن وراءهم، ومردة الجن والشياطين وراء الجن.

فأرسل إلى الطير، فأظلته بأجنحتها، وقال للريح: احملينا يريد بعض مسيره، فاحتملته الريح وهو على سريره، والناس على كراسيهم يحدثهم ويحدثونه، لا يرتفع كرسي ولا يتضع، والطير تظلهم.

وكان موكب سليمان يسمع من مكان بعيد، ورجل من بني إسرائيل آخذ مسحاته في زرع له، قائماً يهيئه إذ سمع الصوت فقال: إن هذا الصوت ما هو إلا لموكب سليمان وجنوده، فحان من سليمان التفاتة وهو على سريره، فإذا هو برجل يشتد يبادر الطريق فقال عليه السلام في نفسه: إن هذا الرجل ملهوف، أو طالب حاجة، فقال للريح حين وقفت به: قفي..

فوقفت به وبجنود حتى انتهى إليه الرجل وهو منبهر، فتركه سليمان حتى ذهب بهره، ثم أقبل عليه فقال ألك حاجة؟

وقد وقف عليه الخلق فقال: الحاجة جاءت بي إلى هذا المكان يا رسول الله.

إني رأيت الله أعطاك ملكاً لم يعطه أحداً قبلك ولا أراه يعطيه أحداً بعدك، فكيف تجد ما مضى من ملكك هذه الساعة؟

قال: أخبرك عن ذاك إني كنت نائماً فرأيت رؤيا، ثم تنبهت فعبرتها قال: ليس إلا ذاك قال: فأخبرني كيف تجد ما بقي من ملكك الساعة؟

قال: تسألني عن شيء لم أره قال: فإنما هي هذه الساعة، ثم انصرف عنه مولياً.

فجلس سليمان عليه السلام ينظر في قفاه، ويتفكر فيما قاله، ثم قال للريح إمضي بنا، فمضت به قال الله: ﴿ رخاء حيث أصاب ﴾ قال: الرخاء التي ليست بالعاصف، ولا باللينة وسطاً، قال الله تعالى ﴿ غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ [ سبأ: 12] ليست بالعاصف التي تؤذيه، ولا باللينة التي تشق عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سلمان بن عامر الشيباني رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيتم سليمان، وما أعطاه الله تعالى من ملكه، فلم يكن يرفع طرفه إلى السماء تخشعاً حتى قبضه الله تعالى» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رفع سليمان عليه السلام طرفه إلى السماء تخشعاً حيث أعطاه الله تعالى ما أعطاه» .

وأخرج أحمد في الزهد عن عطاء رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يعمل الخوص بيده، ويأكل خبز الشعير، ويطعم بني إسرائيل الحواري.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن عساكر عن صالح بن سمار رضي الله عنه قال: بلغني أنه لما مات داود عليه السلام، أوحى الله تعالى إلى سليمان عليه الصلاة والسلام «سلني حاجتك قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أمي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي.

فقال: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده قال الله تعالى ﴿ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ﴾ والتي بعدها مما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسخرنا له الريح..

﴾ قال: لم يكن في ملكه يوم دعا الريح والشياطين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: لما عقر سليمان عليه السلام الخيل أبدله الله خيراً منها، وأمر الريح تجري بأمره كيف يشاء ﴿ رخاء ﴾ قال: ليست بالعاصف، ولا باللينة بين ذلك.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تجري بأمره رخاء ﴾ قال: مطيعة له حيث أراد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ رخاء حيث أصاب ﴾ قال: حيث شاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رخاء ﴾ قال: لينة ﴿ حيث أصاب ﴾ قال: حيث أراد ﴿ والشياطين كل بناء ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ﴿ وغواص ﴾ قال: يستخرجون له الحلى من البحر ﴿ وآخرين مقرنين في الأصفاد ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ رخاء ﴾ قال: الطيبة ﴿ والشياطين كل بناء وغواص ﴾ قال: يغوص للحلية ﴿ وبناء ﴾ بنوا لسليمان قصراً على الماء فقال: اهدموه من غير أن تمسه الأيدي.

فرموه بالفادقات حتى وضعوه، فبقيت لنا منفعته بعدهم، فكان من عمل الجن، وبقيت لنا منفعة السياط، كان يضرب الجن بالخشب، فيكسر أيديها وأرجلها، فقالوا هل توجعنا فلا تكسرنا؟

قال: نعم.

فدلوه على السياط، والتمويه أمر الجن فموهت على ثم أمر به، فألقى على الأساطين تحت قوائم خيل بلقيس، والقارورة لما أخرج الأعور شيطان البحر حيث أراد بناء بيت المقدس قال الأعور: ابتغوا لي بيضة هدهد، ثم قال اجعلوا عليها قارورة، فجاء الهدهد، فجعل يرى بيضته وهو لا يقدر عليها، ويطيف بها فانطلق فجاء بماسة مثل هذه، فوضعها على القارورة، فانشقت فانشق بيت المقدس بتلك الماسة والقذافة.

وكان في البحر كنز، فدلوا عليه سليمان عليه السلام، وزعموا أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين سنة لما أعطيَ من الملك في الدنيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا عطاؤنا ﴾ قال: كل هذا أعطاه إياه بعد رد الخاتم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فامنن ﴾ يقول: اعتق من الجن من شئت ﴿ أو أمسك ﴾ منهم من شئت.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا عطاؤنا...

﴾ قال الحسن: الملك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت، وامنع ما شئت، فليس لك تبعة، ولا حساب عليك في ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ قال: بغير حرج، إن شئت أمسكت، وإن شئت أعطيت.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: ما أعطيت، أو أمسكت، فليس عليك فيه حساب.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما من نعمة أنعم الله على عبد إلا وقد سأله فيها الشكر إلا سليمان بن داود عليه السلام.

قال الله لسليمان عليه السلام ﴿ فامنن أو أمسك ﴾ بغير حساب.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: إن الله أعطى سليمان عليه السلام ملكاً هنيئاً فقال الله: ﴿ هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ قال: إن أعطيَ أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ أي حسن مصير.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ قال: الزلفى القرب ﴿ وحسن مآب ﴾ قال: المرجع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي ﴾ قدم الاستغفار على طلب الملك، لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدّم الأولى والاهمّ، فإن قيل: لأي شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجاج أنه كان حسوداً؟

فالجواب من وجهين: أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره، والآخر أنه طلب ذلك ليكون معجزة، دلالة على نبوته ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ معنى رخاء لينة طيبة، وقيل: طائعة، له، وقد ذكرنا الجميع بين هذا وبين قوله: ﴿ عَاصِفَةً ﴾ في [الأنبياء: 81] وحيث أصاب: أي حيث قصد وأراد ﴿ والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ الشياطين معطوف على الريح، وكل بناء يدل على الشياطين أي سخرنا له الريح والشياطين من يبني منهم ومن يغوص في البحر ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ أي آخرين من الجنّ موثقون في القيود والأغلال ﴿ هذا عَطَآؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ ﴾ الإشارة إلى الملك الذي أعطاه الله له، والمعنى أن الله قال له: أعط من شئت وامنع من شئت، وقيل: المعنى أمنن على من شئت من الجنّ بالاطلاق من القيود، وأمسك من شئت منهم في القيود، والأوّل أحسن وهو قول ابن عباس ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يحتمل ثلاثة معان: أحدها أنه لا يحاسب في الآخرة على ما فعل، والآخر بغير تضييق عليك في الملك، والثالث بغير حساب ولا عدد بل خارج عن الحصر ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ قد ذكر في قصة داود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم  ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.

الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.

الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.

﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.

﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.

وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.

وقيل: صدق محمد  في كل ما أخبر به عن الله.

وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.

وقيل: صدّ محمد  قلوب العباد.

وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.

والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.

ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.

ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.

ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.

ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد  صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.

ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.

وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.

قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.

ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.

وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.

وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.

وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.

وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.

أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.

والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.

قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .

ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي  قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.

ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.

وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون  ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.

يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.

فدعا أبو طالب النبي  وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.

فقال: ماذا يسألونني؟

فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال  : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال  : قولوا لا إله إلا الله.

فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.

يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .

قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.

وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.

وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.

وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.

وقيل: امشوا واتركوا محمداً  .

وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.

وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد  ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.

وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.

وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد  من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.

﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد  ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.

قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.

﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.

ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.

وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.

وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.

ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.

وقيل: أراد أن النبي  كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.

ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه  فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.

ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.

ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.

ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.

وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.

قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.

ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.

ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.

قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.

وقيل: يوم الخندق.

وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.

وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".

ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.

والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.

وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.

وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.

وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.

وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.

وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.

وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.

قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.

قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.

لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.

وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.

عن النبي  "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.

وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.

والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.

قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.

﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.

وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.

ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.

ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.

ثم إن مجامع ما ذكر الله  في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله  من الفضائل.

الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.

والثالث: استخلاف الله  إياه بعد ذلك.

والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا  إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.

وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.

ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.

وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.

ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله  أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.

رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.

خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.

يقال شرقت الشمس ولما تشرق.

واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله  فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.

قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود  ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.

سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.

قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".

قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له  .

سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.

وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.

ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.

وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله  يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.

فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟

فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.

ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.

تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.

وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.

عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.

قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.

قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.

وعن عليّ  أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.

فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.

يروى أنه  علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.

ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.

وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.

وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.

ثم إنه  لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.

وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.

وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.

ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.

وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.

القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.

وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.

قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.

وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.

﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.

والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.

ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.

والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.

شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.

والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.

وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.

وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.

و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.

والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.

وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.

هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.

ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.

"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.

وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.

قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.

ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.

﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.

ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.

أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.

قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.

ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.

ومذهب أبي حنيفة بخلافه.

وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.

ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟

وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.

قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.

والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.

القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.

فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.

وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.

وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.

وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.

وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.

والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.

أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.

وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.

القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود  جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟

فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟

فقالت: نعم.

قال: أين هو؟

قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.

فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.

يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.

وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.

ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.

فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.

ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.

قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟

فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.

فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.

فأتاه جبريل وقال: إن الله  يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.

وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.

والمحققون كعلي  وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.

روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب  قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.

قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.

ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله  عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.

وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله  ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.

يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟

قال: وما هو؟

قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.

فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.

وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.

وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.

وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.

وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.

وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.

وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.

وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله  .

أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.

قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.

وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.

و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.

وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.

يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.

ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.

والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.

وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.

وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.

وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.

وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.

وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.

فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.

وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.

وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.

ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.

وقد روي عن النبي  أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.

وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.

ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.

هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.

وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.

﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.

وثانيها روي عن النبي  "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.

وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.

فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.

والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .

وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.

﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.

والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟

قال: أرني خاتمك أخبرك.

فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.

وعن علي  أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.

وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.

وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.

فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.

فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.

واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.

وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.

حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.

وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.

وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.

ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.

والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.

وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.

وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.

فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.

وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.

ثم حكى الله  أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.

والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.

والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.

وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.

وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.

وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.

وربما كان للناس أمثال ذلك.

والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .

ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.

وقيل: لله.

والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.

ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.

وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.

كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.

والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ  : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.

قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.

ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.

قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.

ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.

﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.

وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.

ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.

عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.

التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.

أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.

ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.

وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.

﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.

﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.

﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.

ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.

﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.

وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.

﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله  فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.

﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.

وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.

فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا  ؟

قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي  من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

أثنى الله - عز وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال - عز وجل - في داود -  -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ وقد فسرنا الأوّاب.

وقال في سليمان -  -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

دل ذكر قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أنه إنما كان أواباً بالذي ذكر منه؛ لأن حرف ﴿ إِذْ ﴾ لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى - عز وجل - داود -  -: أواباً بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ : قيل: الصافنات: هو الخيل.

وقال بعضهم: الصافنات: هي القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين على طرف الحافر.

وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله  أنه قال: "من تمنى أن يقوم له الرجال صفوناً - أي: قياماً - فليتبوأ مقعده من النار" أو كلام نحوه.

والجياد: قيل: السراع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ .

دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴾ إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، والله أعلم.

والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس بالحجاب على التقديم والتأخير، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ حُبَّ ٱلْخَيْرِ ﴾ يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ، سمى الخيل: خيراً؛ فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ ، والله أعلم.

وقال بعضهم: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها - والسوق: هو جماعة الساق - لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزاً، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره جين تفقده ولم يجبه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ...

﴾ الآية [الأنفال: 20-21]، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له جائزاً في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم.

أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج عليه ذلك وعلينا جميعاً.

وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ ﴾ كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.

قال الحسن: قال سليمان -  -: والله لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها.

ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر: قال بعضهم: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان -  - لها أجنحة تعدو وتطير.

وقال بعضهم: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود -  - وكان داود -  - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، والله أعلم.

وقال بعضهم: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعاً لسليمان -  - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، والله أعلم.

وعن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ قال كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله الله خيراً منها، وأرسل الريح ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ...

﴾ الآية.

قال أبو معاذ: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ ﴾ تقول العرب: مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها.

وقال القتبي: قوله - عز وجل -: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً ﴾ ، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها وأعناقها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَفِقَ ﴾ ، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، أي: قطعها.

وقال القتبي: ﴿ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله  قال: "من سره أن يقوم [له] الرجال صفوناً فليتبوأ مقعده من النار" أي: يديمون له القيام.

وقال أبو عوسجة: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: سخي وقوم أجواد، ﴿ أَحْبَبْتُ ﴾ ، أي: آثرت ﴿ ٱلْخَيْرِ ﴾ أي: المال على ذكر ربي وفي حرف حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .

اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان -  - الذي ذكر أنه - عز وجل - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسداً - اختلافاً كثيراً بيناً ما يطول الكتاب بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟

مع علمنا أن ذلك كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟

لذلك تركنا ذكر ما ذكر أولئك أنه كان سبب افتتانه.

ثم يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ﴾ على وجهين: أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلّة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب بنزع ملكه.

والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى الله - عز وجل - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل التضرع والابتهال إلى الله؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ .

يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه.

وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه جسداً يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه من الكرامات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ ، أي: عجلا مجسدا في الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ﴾ يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنَابَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: ثم أناب إلى الله  ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً ﴾ .

يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمراً فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا -  - لما سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمراً بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمراً بينهم وبين ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان -  - والملك قربة بالمغفرة في ذلك.

ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك.

أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس المغفرة؛ نحو قول نوح -  - لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، وقول هود -  -: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ  ﴾ لا يحتمل أن يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر الله، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال المغفرة ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم يحتمل سؤاله الملك - والله أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية الله  وجعل العبادة له؛ لما رأى أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم - أعني: إجابة الناس - للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه سأله ملكاً لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل التأويل.

والثاني: سأل ربه ملكاً لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته على ما ذكرنا [؛ إذ] لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته.

والثالث: سأله ملكاً ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: "اللهم صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم" ونحوه، فعلى ذلك جائز أن يكون سليمان -  - أراد أن يكون مذكوراً على ألسن الخلق بالثناء الحسن بالملك الذي يناله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ .

بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء التي ذكر أنه سخرها لسليمان -  - كان بلطف من الله - عز وجل - لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل أنه إنما كان لسليمان ذلك بالله لطفاً منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .

وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ  ﴾ وصفها بالشدة: فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان -  - لينة سهلة.

وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، والله أعلم.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَاصِفَةً ﴾ على أعداء الله رخاء لينة على أوليائه، والله أعلم.

ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف الله - عز وجل - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ .

أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ .

وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد - وهي الأغلال تجعل في الأعناق - ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان -  - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله.

وقال بعضهم: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئاً، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم.

وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول: ﴿ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ ﴾ أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً  ﴾ أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عز وجل -: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ...

﴾ الآية [الكهف: 87]، ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.

وقال الحسن: قوله - عز وجل -: ﴿ عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يقول: هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.

وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

أي أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .

أي: القربة، ﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله؛ لأنه إنما سأله الملك - والله أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ .

أي: الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، والله أعلم.

وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، والله أعلم.

ثم اختلف في سبب فتنة سليمان -  - وفي ذنبه: قال بعضهم: وذلك أن الله -  - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا كذا يوماً، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في بيته.

وقال بعضهم: كانت فتنة سليمان -  - التي ذكر في ناس من أهل الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قوماً إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحداً؛ وهو قول ابن عباس.

وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ رُخَآءً ﴾ أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، أي: سكن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

ومثله قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ  ﴾ أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.

وقال الفراء: سمى العطاء: منا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ .

أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق.

دل قول سليمان -  - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ...

﴾ على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقّاً عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا يقول له: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ﴾ ، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قِبَل آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقّاً عليه.

ويدل هذا أيضاً على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين؛ إذ لو كان عليه حفظ الأصلح في الدين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح في الدين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدين ولا إعطاء الأخْيَر، وأن له ألا يعطيه، وأنَّ إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، والله أعلم.

فإن قيل: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن الله - عز وجل - جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر؟

يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين - على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم.

وكذلك قوله - عز وجل - لرسول الله  : ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ  ﴾ نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال سليمان: يا رب، اغفر لي ذنوبي، وأعطني ملكًا خاصًّا بي، لا يكون لأحد من الناس بعدي، إنك -يا رب- كثير العطاء، عظيم الجود.

<div class="verse-tafsir" id="91.po7O1"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.3 / 29.5
الإضاءة 97%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله