الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٥٥ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٥ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال : ( هذا وإن للطاغين ) وهم : الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله ( لشر مآب ) أي : لسوء منقلب ومرجع .
ثم فسره بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) يعني تعالى ذكره بقوله ( هَذَا ) : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا, فقال: ( وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ) وهم الذين تمرّدوا على ربهم, فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ( لَشَرَّ مَآبٍ ) يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا.
كما حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) قال: لشرَّ مُنْقَلَب.
قوله تعالى : هذا وإن للطاغين لشر مآب لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين قال الزجاج : هذا خبر ابتداء محذوف ، أي : الأمر هذا ، فيوقف على هذا .
قال ابن الأنباري : " هذا " وقف حسن .
ثم تبتدئ " وإن للطاغين " وهم الذين كذبوا الرسل .
لشر مآب : أي : منقلب يصيرون إليه .
{ هَذَا } الجزاء للمتقين ما وصفناه { وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ } أي: المتجاوزين للحد في الكفر والمعاصي { لَشَرَّ مَآبٍ } أي: لشر مرجع ومنقلب.
( هذا ) أي الأمر هذا ( وإن للطاغين ) للكافرين ( لشر مآب ) مرجع .
«هذا» المذكور للمؤمنين «وإن للطاغين» مستأنف «لشر مآب».
هذا الذي سبق وصفه للمتقين.
وأما المتجاوزون الحدَّ في الكفر والمعاصي، فلهم شر مرجع ومصير، وهو النار يُعذَّبون فيها، تغمرهم من جميع جوانبهم، فبئس الفراش فراشهم.
وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن عاقبتهم .
جاء الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم - كما هى عادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب فقال - تعالى - : ( هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) .واسم الإِشارة خبر لمبتدأ محذوف .
أى الأمر هذا ، أو مبتدأ محذوف الخبر هذا للمؤمنين .وجملة ( وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) معطوفة على جملة " هذا " على التقديرين .أى : الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - بالنسبة للمتقين ، أما الطاغون الذين تجاوزوا الحدود فى الكفر والجحود والإعراض عن الحق ، فإن مرجعهم إلينا سيكون شر مرجع ، بسبب إصرارهم على كفرهم .
اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين، وصف بعده عقاب الطاغين، ليكون الوعيد مذكوراً عقيب الوعد، والترهيب عقيب الترغيب.
واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال النار أنواعاً فالأول: مرجعهم ومآبهم، فقال: ﴿ هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ ﴾ وهذا في مقابلة قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَئَابٍ ﴾ فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين، واختلفوا في المراد بالطاغين، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار، وقال الجبائي: إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أو لم يكونوا كذلك، واحتج الأولون بوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ لَشَرَّ مَئَابٍ ﴾ يقتضي أن يكون مآبهم شراً من مآب غيرهم، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أتخذناهم سِخْرِيّاً ﴾ وذلك لا يليق إلا بالكفار، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخرياً الثالث: أنه اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل، والكامل في الطغيان هو الكافر، واحتج الجبائي على صحة قوله بقوله تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى، إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب، أي شر مرجع ومصير، ثم قال: ﴿ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ﴾ والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله: ﴿ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ﴾ ثم قال: ﴿ فَبِئْسَ المهاد ﴾ وهو كقوله: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم.
ثم قال تعالى: ﴿ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه، ثم يبتدئ فيقول: حميم وغساق.
المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه: الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية.
المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف.
قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أزواج ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر ﴿ وَأَخَّرَ ﴾ بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي من مثله في الشدة والفظاعة، أزواج أي أجناس، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله.
قال صاحب الكشاف: وقرئ من شكله بالكسر وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير.
واعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين ومأكولهم حكى أحوالهم الذين كانوا أحباء لهم في الدنيا أولاً، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانياً أما الأول: فهو قوله: ﴿ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ واعلم أن هذا حكاية كلام رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ما حكى بعد هذا من أقوال الأتباع وهو قوله: ﴿ قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ ، وقيل إن قوله: ﴿ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، وقوله: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النار ﴾ كلام الرؤساء، وقوله: ﴿ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ أي هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال، ومعنى اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها، والقحمة الشدة.
وقوله تعالى: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ دعاء منهم على أتباعهم، يقول الرجل لمن يدعو له مرحباً أي أتيت رحباً في البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً، ثم يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء، وقوله: ﴿ بِهِمُ ﴾ بيان للمدعو عليهم أنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ قالوا أي الأتباع ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقولهم: ﴿ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ والضمير للعذاب أو لصليهم، فإن قيل ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟
قلنا الذي أوجب التقديم هو عمل السوء قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم، والضمير في قوله: ﴿ قَدَّمْتُمُوهُ ﴾ كناية عن الطغيان الذي دل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّ للطاغين لشَرُّ مَئَابٍ ﴾ وقوله: ﴿ فَبِئْسَ القرار ﴾ أي: بئس المستقر والمسكن جهنم، ثم قالت الأتباع ﴿ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ أي مضاعفاً ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾ فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً، وإن كان زائداً عليه كان ظالماً وإنه لا يجوز.
قلنا المراد منه قوله عليه السلام: «ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال، والثاني عذاب الإضلال، والله أعلم.
وهههنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحباباً لهم في الدنيا، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشرار ﴾ يعني أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم فيحنئذ يقولون: ﴿ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشرار ﴾ يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار، إما بمعنى الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشراراً ثم قالوا: ﴿ أتخذناهم سِخْرِيّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿ مّنَ الأشرار أتخذناهم ﴾ بوصل ألف ﴿ أتخذناهم ﴾ والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله: ﴿ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً ﴾ ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿ فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى ﴾ فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه؟
أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لابد من المصير إليه ليعادل قوله: ﴿ أتخذناهم ﴾ بأم في قوله: ﴿ أَمْ زَاغَتْ عنهُمْ ﴾ فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله: ﴿ أَمْ زَاغَتْ ﴾ على القراءة الأولى؟
قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بضم السين والباقون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير.
المسألة الثالثة: اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار.
ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم: ﴿ أتخذناهم سِخْرِيّاً ﴾ وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لابد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو، فقال: ﴿ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار ﴾ وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصماً لأن قول الرؤساء ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ وقول الأتباع ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ من باب الخصومة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ﴾ أي الأمر أي هذا: أو هذا كما ذكر ﴿ فَبِئْسَ المهاد ﴾ ، كقوله: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ [الأعراف: 41] شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم، أي: هذا حميم فليذوقوه.
أو العذاب هذا فليذوقوه، ثم ابتدأ فقال: هو ﴿ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ أو: هذا فليذوقوه بمنزلة ﴿ وإياى فارهبون ﴾ [البقرة: 40] أي ليذوقوا هذا فليذوقوه، والغساق- بالتخفيف والتشديد-: ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين، إذا سال دمعها.
وقيل: الحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقيل: لو قطرت منه قطره في المشرق لنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق.
وعن الحسن رضي الله عنه.
الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى إن الناس أخفوا لله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17] وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة ﴿ وَءَاخَرُ ﴾ ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة ﴿ أزواج ﴾ أجناس.
وقرئ: ﴿ وآخر ﴾ أي: وعذاب آخر.
أو مذوق آخر.
وأزواج: صفة لآخر، لأنه يجوز أن يكون ضروباً، أو صفة للثلاثة وهي حميم وغساق وآخر من شكله.
وقرئ: ﴿ من شكله ﴾ بالكسر وهي لغة.
وأما الغنج فالبكسر لا غير ﴿ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم وقرانكم، والاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها.
والقحمة: الشدة.
وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض، أي: يقولون هذا.
والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ دعاء منهم على أتباعهم.
تقول لمن تدعو له: مرحباً، أي: أتيت رحباً من البلاد لا ضيقاً: أو رحبت بلادك رحباً، ثم تدخل عليه (لا) في دعاء السوء.
و ﴿ بِهِمْ ﴾ بيان للمدعو عليهم ﴿ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار ﴾ تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ [الأعراف: 38] وقيل: هذا فوج مقتحم معكم: كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم.
و ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار ﴾ كلام الرؤوساء.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ وقَالُواْ ﴾ أي الأتباع ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحقّ به، وعللوا ذلك بقولهم: ﴿ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ والضمير للعذاب أو لصليهم.
فإن قلت: ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟
قلت: المقدم هو عمل السوء.
قال الله تعالى: ﴿ وذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 50- 51] ولكن الرؤوساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه، قيل: أنتم قدمتموه لنا، فجعل الرؤوساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدّم، فجمع بين مجازين؛ لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة لا رؤساؤهم، والعمل هو المقدم لا جزاؤه.
فإن قلت: فالذي جعل قوله: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ من كلام الخزنة ما يصنع بقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ والمخاطبون- أعني رؤسائهم- لم يتكلموا بما يكون هذا جواباً لهم؟
قلت: كأنه قيل: هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحقّ به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم فيما نحن فيه من العذاب، وهذا صحيح كما لو زين قوم لقوم بعض المساوي فارتكبوه فقيل للمزينين: أخزى الله هؤلاء ما أسوأ فعلهم؟
فقال المزين لهم للمزينين: بل أنتم أولى بالخزي منا، فلولا أنتم لم نرتكب ذلك ﴿ وقَالُواْ ﴾ هم الأتباع أيضاً ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ أي: مضاعفاً، ومعناه: ذا ضعف: ونحوه قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا ﴾ [الأعراف: 38] وهو أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، كقوله عزّ وجلّ ﴿ رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب ﴾ [الأحزاب: 68] وجاء في التفسير ﴿ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ حيات وأفاعي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا ﴾ أيِ الأمْرُ هَذا أوْ هَذا كَما ذَكَرَ أوْ خُذْ هَذا.
﴿ وَإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ .
﴿ جَهَنَّمَ ﴾ إعْرابُهُ ما سَبَقَ.
﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ حالٌ مِن جَهَنَّمَ.
﴿ فَبِئْسَ المِهادُ ﴾ المَهْدُ والمُفْتَرَشُ، مُسْتَعارٌ مِن فِراشِ النّائِمِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ﴾ ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ أيْ لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، أوِ العَذابُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرَهُ: ﴿ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو حَمِيمٌ، والغَسّاقُ ما يَغْسِقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ مِن غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها، وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَسّاقٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ.
﴿ وَآخَرُ ﴾ أيْ مَذُوقٌ أوْ عَذابٌ آخَرُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ «وَأُخْرى» أيْ ومَذُوقاتٌ أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ.
﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ مِن مِثْلٍ هَذا المَذُوقِ أوِ العَذابِ في الشِّدَّةِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ لِما ذُكِرَ أوْ لِلشَّرابِ الشّامِلِ لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ أوْ لِلْغَسّاقِ.
وقُرِئَ بِالكَسْرِ وهو لُغَةٌ.
﴿ أزْواجٌ ﴾ أجْناسٌ خَبَرٌ لِـ آخَرُ أوْ صِفَةٌ لَهُ أوْ لِلثَّلاثَةِ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالجارِّ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ مِثْلَ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
{هذا} خبر والمبتدأ محذوف أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر
ص (٦٣ - ٥٥)
{وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَأَبٍ} مرجع
﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن ألْوانِ النِّعَمِ والكَراماتِ ﴿ لَرِزْقُنا ﴾ أعْطَيْناكُمُوهُ ﴿ ما لَهُ مِن نَفادٍ ﴾ انْقِطاعٍ أبَدًا، (هَذا) قالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ هَذا، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أيْ هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم كَما ذُكِرَ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ، واحْتِمالَ كَوْنِهِ خَبَرًا مَحْذُوفَ المُبْتَدَإ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ فاعِلَ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَضى هَذا، وكَوْنَهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ خُذْ هَذا، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى خُذْ، وذا مَفْعُولُهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ورَسْمُهُ مُتَّصِلًا يُبْعِدُهُ، والتَّقْدِيرُ أسْهَلُ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ولُزُومُ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ جَوابُهُ سَهْلٌ، وأشارَ الخَفاجِيُّ إلى الحالِيَّةِ هُنا أيْضًا، ولَعَلَّ أمْرَها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ هَيِّنٌ، والطّاغُونَ هُنا الكُفّارُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ حَيْثُ قالَ: أيِ الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ وكَذَّبُوا رُسُلِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا، وإضافَةُ (شَرَّ) إلى ﴿ مَآبٍ ﴾ كَإضافَةِ (حُسْنَ) إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: لَقُبْحَ مَآبٍ هُنا، أوْ لَخَيْرَ مَآبٍ فِيما مَضى، لَكِنَّهُ مِثْلُهُ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إذا تَقابَلَتِ المَعانِي، لِأنَّهُ مِن تَكَلُّفِ الصَّنْعَةِ البَدِيعِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الاحْتِباكِ، وأصْلُهُ: إنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَخَيْرَ مَآبٍ وحُسْنَ مَآبٍ، وإنَّ لِلطّاغِينَ لَقُبْحَ مَآبٍ وشَرَّ مَآبٍ، واسْتَحْسَنَهُ الخَفاجِيُّ، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ فجعل العبد نعت إبراهيم خاصة، كأنه قال: واذكر عبدنا قرأ ابن كثير واذكر عَبْدَنَا بغير ألف وقرأ الباقون: عِبادَنا بالألف.
فمن قرأ عبدنا فمعناه: واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ فجعل العبد نعتاً لإبراهيم خاصة، فكأنه قال: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَاذكر إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ومن قرأ عِبادَنا يعني: ما بعده مع إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، ويَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ يعني: أولي القوة في العبادة، والأبصار.
يعني: ذوي البصر في أمر الله تعالى.
قوله عز وجل: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ يعني: اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة.
ويقال: معناه واذكر صبر إبراهيم، وصبر إسحاق، وصبر يعقوب، ولم يذكر صبر إسماعيل لأنه لم يبتلَ بشيء.
قرأ نافع بِخالِصَةٍ بغير تنوين على معنى الإضافة.
وقرأ الباقون مع التنوين.
وروي عن مالك بن دينار أنه قال: نزع الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ من حب الدنيا، وذكرها، وقد أخلصهم بحب الآخرة، وذكرها.
ومن قرأ بِخالِصَةٍ بالتنوين، جعل قوله: ذِكْرَى الدَّارِ بدلاً من خالصة.
والمعنى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بذكر الدار، والدار هاهنا دار الآخرة.
يعني: جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار، والرجوع إلى الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ يعني: المختارين للرسالة، الأخيار في الجنة.
ثم قال: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ قال مقاتل: واذكر صبر إسماعيل، وهو أشمويل بن هلفانا.
وقال غيره: هو إسماعيل بن إبراهيم.
يعني: اذكر لقومك صبر إسماعيل، وصدق وعده وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ واليسع كان خليفة إلياس، وذا الكفل كفل مائة نبي أطعمهم، وكساهم، وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ هذا ذِكْرٌ يعني: هذا الذي ذكرنا من الأنبياء- عليهم السلام- في هذه السورة ذِكْرٌ يعني: بيان لعظمته وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ من هذه الأمة لَحُسْنَ مَآبٍ يعني: حسن المرجع.
ثم وصف الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ يعني: تفتح لهم الأبواب فيدخلونها.
يعني: الجنة كما قال تعالى في آية أخرى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] فإذا دخلوها، وجلسوا على السرر، وكانوا مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ يعني: ألوان الفاكهة، والشراب وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: غاضات أعينهن عن غير أزواجهن أَتْرابٌ يعني: ذات أقران.
أي: مستويات على سن واحد هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ يقول: إِنَّ هَذَا يعني: إنّ هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، بالياء على معنى الإخبار عنهم.
وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.
يقول الله تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا يعني: إن هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ يعني: لا يكون له فناء، ولا انقطاع عنهم، وهذا كما قال تعالى: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33] ثم قال: هذا يعني: هذا الرزق للمتقين فيتم الكلام عند قوله: هذا.
ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ يعني: للكافرين، لبئس المرجع لهم في الآخرة.
ثم بيّن مرجعهم فقال عز وجل: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: فبئس موضع القرار هذا فَلْيَذُوقُوهُ يعني: هذا العذاب لهم فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وهو ماء حار قد انتهى حرّه.
قرأ حمزة والكسائي، وحفص غَسَّاقٌ بتشديد السين وقرأ الباقون: بالتخفيف.
وعن عاصم روايتان.
رواية حفص بالتشديد، ورواية أبي بكر بالتخفيف.
فمن قرأ بالتشديد فهو بمعنى سيال، وهو ما يسيل من جلود أهل النار.
ومن قرأ بالتخفيف جعله مصدر غسق يغسق غساقاً.
أي: سال.
وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرءا غَسَّاقٌ بالتشديد، وفسراه بالزمهرير.
وقال مقاتل: الغساق البارد الذي انتهى برده.
وقال الكلبي: الحميم هو ماء حار قد انتهى حره.
وأما غساق فهو الزمهرير يعني: برد يحرق كما تحرق النار وقال بعضهم: الغساق: المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ يعني: وعذاب آخر من نحوه يعني: من نحو الحميم والزمهرير.
قرأ أبو عمر، وابن كثير، في إحدى الروايتين وأخر مِن شَكْلِهِ بضم الألف.
وقرأ الباقون: وَآخَرُ بالنصب فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة، ومعناه: وأنواع أخر ومن قرأ: وَأَخَّرَ بنصب الألف بلفظ الواحد، يعني: وعذاب آخر من شكله أي: مثل عذابه الأول أَزْواجٌ يعني: ألوان هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ يعني: جماعة داخلة معكم النار.
يقال: اقتحم إذا دخل في المهالك، وأضلوا الدخول.
تقول الخزنة للقادة: وهذه جماعة داخلة معكم النار، وهم الأتباع لاَ مَرْحَباً بِهِمْ يعني: لا وسع الله لهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ يعني: داخل النار معكم فردت الأتباع على القادة قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ يعني: لا وسع الله عليكم أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا يعني: أسلفتموه لنا، وبدأتم بالكفر قبلنا، فاتبعناكم فَبِئْسَ الْقَرارُ يعني: بئس موضع القرار في النار.
قوله عز وجل: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا الأمر هذا الذي كنا فيه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعني: فقراء المسلمين.
قوله عز وجل: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، سِخْرِيّاً أتخذناهم بالوصل.
وقرأ الباقون: بالقطع فمن قرأ بالقطع، فهو على معنى الاستفهام بدليل قوله: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ لأن أَمْ تدل على الاستفهام.
ومن قرأ: بالوصل، فمعناه: أنا أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا وجعل أَمْ بمعنى بل.
وقرأ حمزة والكسائي ونافع سِخْرِيًّا بضم السين.
وقرأ الباقون بالكسر.
قال القتبي: فمن قرأ بالضم، جعله من السخرة.
يعني: تستذلهم.
ومن قرأ بالكسر فمعناه إنا كنا نسخر منهم.
ثم قال: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ يعني: مالت، وحادت أبصارنا عنهم، فلا نراهم.
قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ يعني: يتكلم به أهل النار ويتخاصمون فيما بينهم.
<div class="verse-tafsir"
مُقْتَحِمٌ أَيْ دَاخِلٌ بِشِدَّه ...
مُجَاوَزٌ لِمَا اقتحم بالشَّدَّهْ
انتهى.
وقوله تعالى: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا ...
الآية، هو حكايةٌ لقول الأتباعِ أيضاً دَعَوْا على رؤسائِهم بأن يكونَ عذابهم مضاعفا.
وقوله تعالى: وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ...
الآية:
الضميرُ في قالُوا لأشْرَافِ الكفارِ ورؤسائِهم، وهذا مطَّرِدٌ في كل أمة، ورُوِيَ أن قائِلي هذه المقالةِ أهْلُ القَلِيبِ كأبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وعُتْبَةَ بن رَبيعةِ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وأنَّ الرجالَ الذين يشيرون إليهم هم كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وبِلاَلٍ وصُهَيْبٍ، ومَنْ جرى مجراهم، قاله مجاهد»
وغيره، والمعنى: كنا في الدنيا نَعُدُّهم أشْرَاراً، وقرأ حمزةُ والكسائي وأبو عمرو «اتخذناهم» بِصِلَةِ الألِف «٢» ، على أن يكونَ ذلك في موضِع الصفةِ لرجال، وقرأ الباقونَ «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بهمزةِ الاسْتِفْهَامِ، ومعناها: تقريرُ أنفسِهِم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسفِ، أي: اتخذناهم سِخْرِيًّا ولم يكونوا كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» - بضم السين- من السُّخْرةِ، والاستخدامِ، وقرأ الباقون: «سِخْرِيًّا» - بكسر السين «٣» -، ومعناها المشهورُ من السَّخْرِ الذي هو بمعنى الهُزْءِ، وقولُهُمْ: أَمْ زاغَتْ معادلةٌ لما في قولِهِمْ: مَا لَنا لاَ نَرى والتقديرُ في هذه الآيةِ: أمَفْقُودُونَ هم أَمْ هُمْ معنا، ولكن زاغَتْ عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزَّيْغُ: المَيْلُ.
ثم أخْبَرَ تعالى نبيَّه بقوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ والإشارة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ﴾ المَعْنى: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿ وَإنَّ لِلطّاغِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ والمِهادُ: الفِراشُ.
﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الحَمِيمَ مُسْتَأْنِفًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ قُلْتَ: مِنهُ حَمِيمٌ، ومِنهُ غَسّاقٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ فَأمّا الحَمِيمُ، فَهو الماءُ الحارُّ.
وأمّا الغَساقُ، فَفِيهِ لُغَتانِ، قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَخَلْفٌ، وحَفْصٌ: بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [عَمَّ يَتَساءَلُونَ: ٢٥]، تابَعَهُمُ المُفَضَّلُ في ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وفي الغَساقِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: الزَّمْهَرِيرُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الغَساقُ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَذُوقُوهُ مِن بَرْدِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطِيَّةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الغَساقَ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها حُمَّةُ كُلِّ ذاتِ حُمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِها، فَيَسْتَنْقِعُ، فَيُؤْتى بِالآَدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيها غَمْسَةً، فَيَخْرُجُ وقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ ولَحْمُهُ عَنِ العِظامِ، ويَجُرُّ لَحْمَهُ جَرَّ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَساقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ أبُو عُبَيْدَةَ [يَذْهَبُ] إلى أنَّ في القُرْآَنِ شَيْئًا مِن غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ، وكانَ يَقُولُ: هو اتِّفاقٌ يَقَعُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وكانَ [غَيْرُهُ] يَزْعُمُ أنَّ الغَساقَ: البارِدُ المُنْتِنُ بِلِسانِ التُّرْكِ.
وقِيلَ: فَعّالٌ، مِن غَسَقَ يَغْسِقُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ عَرَبِيًّا.
وقِيلَ في مَعْناهُ: إنَّهُ الشَّدِيدُ البَرْدِ، يَحْرِقُ مِن بَرْدِهِ، وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: "وَأُخَرُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فَجَمَعا لِأجْلِ نَعْتِهِ بِالأزْواجِ، وهي جَمْعٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ ومَدِّهِ عَلى التَّوْحِيدِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ العَرَبَ تَنْعِتُ الِاسْمَ إذا كانَ فِعْلًا بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ؛ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ: عَذابُ فُلانٍ ضُرُوبٌ شَتّى، وضَرْبانِ مُخْتَلِفانِ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتِ الأزْواجَ نَعْتًا لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ والآَخِرِ، فَهُنَّ ثَلاثَةٌ، والأشْبَهُ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةٌ لِواحِدٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "وَآَخَرُ" بِالمَدِّ، فالمَعْنى: وعَذابٌ آَخَرُ ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ أيْ: مِثْلُ الأوَّلِ.
ومَن قَرَأ: "وَأُخَرُ"، فالمَعْنى: وأنْواعٌ أُخَرُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أزْواجٌ ﴾ بِمَعْنى أنْواعٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِهِ، "أزْواجٌ" أيْ: أصْنافٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِ الحَمِيمِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: "وَآَخَرُ مَن شَكْلِهِ": هو الزَّمْهَرِيرُ.
وقالَ الحَسَنُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الَّذِي يَكُونُ في الدُّنْيا، قالَ: "وَآَخَرُ مِن شَكْلِهِ" أيْ: وآَخَرُ لَمْ يُرَ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَوْجٌ ﴾ هَذا قَوْلُ الزَّبانِيَةِ لِلْقادَةِ المُتَقَدِّمِينَ في الكُفْرِ إذا جاؤُوهم بِالأتْباعِ.
وقِيلَ: بَلْ هو قَوْلُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ كُلَّما جاؤُوهم بِأُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُهُ: أفْواجٌ.
والمُقْتَحِمُ: الدّاخِلُ في الشَّيْءِ رَمْيًا بِنَفْسِهِ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّهم يُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ، فَيُلْقُونَ أنْفُسَهم في النّارِ ويَثِبُونَ فِيها خَوْفًا مِن تِلْكَ المَقامِعِ.
فَلَمّا قالَتْ المَلائِكَةُ ذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، قالُوا: لا مَرْحَبًا بِهِمْ، فاتَّصَلَ الكَلامُ كَأنَّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، وإنَّما الأوَّلُ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، والثّانِي مِن قَوْلِ أهْلِ النّارِ؛ وقَدْ بَيَّنّا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ .
والرَّحْبُ والرُّحْبُ: السِّعَةُ.
والمَعْنى: لا اتَّسَعَتْ بِهِمْ مَساكِنُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ: لا مَرْحَبًا [بِكَ] أيْ: لا رَحُبَتْ عَلَيْكَ الأرْضُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: "مَرْحَبًا وأهْلًا" أيْ: أتَيْتَ رُحْبًا، أيْ: سِعَةً، وأهْلًا، أيْ: أتَيْتَ أهْلًا لا غُرَباءَ، فائْنَسْ ولا تَسْتَوْحِشْ، وسَهْلًا، أيْ: أتَيْتَ سَهْلًا لا حُزْنًا، وهو في مَذْهَبِ الدُّعاءِ، كَما تَقُولُ، لَقِيتُ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: و "مَرْحَبًا" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: رَحُّبَتْ بِلادُكَ مَرْحَبًا، وصادَفْتَ مَرْحَبًا، فَأُدْخِلَتْ "لا" عَلى ذَلِكَ المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى" ﴿ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ أيْ: داخِلُوها كَما دَخَلْناها، ومُقاسُونَ حَرَّها.
فَأجابَهُمُ القَوْمُ، فَـ ﴿ قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ .
إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ؛ [وَإنْ قُلْنا: إنَّهُ قَوْلُ الأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ شَرَّعْتُمْ لَنا الكُفْرَ] وبَدَأْتُمْ بِهِ قَبْلَنا، فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا ﴿ فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ.
﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ أيْ: مَنَّ سَنَّهُ وشَرَعَهُ ﴿ فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ٣٨] .
وفي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: قَوْلُ الأتْباعِ.
قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ النّارِ ﴿ ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا دَخَلُوا النّارَ، نَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا مَن كانَ يُخالِفُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ.
قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُ أبُو جَهْلٍ في النّارِ: أيْنَ صُهَيْبٌ، أيْنَ عَمّارُ، أيْنَ خَبّابُ، أيْنَ بِلالُ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهُمْ" بِالوَصْلِ عَلى الخَبَرِ؛ أيْ: [إنّا] اتَّخَذْناهُمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ وفَتْحِها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى أنَّهم يُوَبِّخُونَ أنْفُسَهم عَلى ما صَنَعُوا بِالمُؤْمِنِينَ.
و "سُخْرِيًّا" يُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها.
وقَدْ شَرَحْناها في آَخِرِ سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٠] ﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ أيْ: وهم مَعَنا في النّارِ ولا نَراهُمْ؟!
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" هاهُنا بِمَعْنى "بَلْ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: [أيْ]: إنَّ الَّذِي وصَفْناهُ عَنْهم لَحَقٌّ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما هُوَ، فَقالَ: هو ﴿ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَخاصُمُ" بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ اللّامِ مِن "أهْلِ" وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "تُخاصَمَ أهْلُ" بِفَتْحِ الصّادِ والمِيمِ ورَفْعِ اللّامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ ﴾ ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النارِ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ ﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النارِ ﴾ التَقْدِيرُ: الأمْرُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: هَذا واقِعٌ، أو نَحْوُهُ، و"الطاغِي": المُفْرِطُ في الشَرِّ، مَأْخُوذٌ مِن: طَغى يَطْغى، والطُغْيانُ هُنا في الكُفْرِ، و"المَآبُ": المَرْجِعُ، و"جَهَنَّمَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، و ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ مَعْناهُ: يُباشِرُونَ حَرَّها وحَرْقَها، و"المِهادُ": ما يَفْتَرِشُهُ الإنْسانُ ويَتَصَرَّفُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ "هَذا" ابْتِداءً، والخَبَرُ "حَمِيمٌ"، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: الأمْرُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ "هَذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "فَلْيَذُوقُوهُ"، ﴾ و"حَمِيمٌ"، عَلى هَذا خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَمِيمُ: دُمُوعُهم تَجْتَمِعُ في حِياضٍ فَيُسْقَوْنَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَغَسّاقٌ" ﴾ بِتَخْفِيفِ السِينِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى السائِلِ، يُرْوى عن قَتادَةَ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ويُرْوى عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن عُيُونِهِمْ، ويُرْوى عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن حُمَةِ عَقارِبِ النارِ، وهي - يُقالُ - مُجْتَمِعَةٌ في عَيْنٍ هُنالِكَ، وقالَ الضَحّاكُ: هو أشَدُّ الأشْياءِ بَرْدًا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: هو أنْتَنُ الأشْياءِ، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "وَغَسّاقٌ" بِتَشْدِيدِ السِينِ، بِمَعْنى: سَيّالٌ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ.
والمَعْنى فِيهِ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ الِاخْتِلافِ، غَيْرَ أنَّها قِراءَةُ ضُعْفٍ: لِأنَّ "غَسّاقًا" إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً فَيَجِيءُ في الآيَةِ حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ هُنا، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا فالأسْماءُ عَلى هَذا الوَزْنِ قَلِيلَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كالقَيّادِ ونَحْوِهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَآخَرُ" بِالإفْرادِ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ خَبَرِهِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: خَبَرُهُ: "أزْواجٌ"، و ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ أنْ يُخْبِرَ بِالجَمِيعِ الَّذِي هو "أزْواجٌ" عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ ذَلِكَ الواحِدُ دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، وقَوِيٌّ وأقَلُّ مِنهُ، وأيْضًا فَمِن جِهَةٍ أُخْرى عَلى أنْ يُسَمّى كُلُّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ بِاسْمِ الكُلِّ، كَما قالُوا: "وَشابَتْ مَفارِقُهُ" فَجَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرِقًا، وكَما قالُوا: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، ونَحْوَ هَذا، ألّا تَرى أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّ هَذا الآخَرَ هو الزَمْهَرِيرُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ زَمْهَرِيرًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "وَأُخَرُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "أزْواجٌ"، و"مِن شَكْلِهِ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ.
ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وأبُو حاتِمٍ بِكَوْنِ الصِفَةِ جَمْعًا، ولَمْ يَنْصَرِفْ (أُخَرُ) لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الألِفِ واللامِ صِفَةً، وذَلِكَ أنَّ حَقَّ "أفْعَلَ" وجَمْعِهُ أنْ لا يُسْتَعْمَلَ إلّا بِالألِفِ واللامِ، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتْ "أُخَرُ" دُونَ الألِفِ واللامِ كانَ ذَلِكَ عَدْلًا لَها، وجازَ في "أُخَرُ" أنْ يُوصَفَ بِها النَكِرَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ ، بِخِلافِ جَمِيعِ ما عُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ كَسَحَرَ ونَحْوِهِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِهِ النَكِرَةُ لِأنَّ هَذا العَدْلَ في "أُخَرُ" اعْتُدَّ بِهِ في مَنعِ الصَرْفِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِهِ في الِامْتِناعِ مِن صِفَةِ النَكِرَةِ، كَما يَعْتَدُّونَ بِالشَيْءِ في حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، نَحْوُ اللامِ في قَوْلِهِمْ: "لا أبا لَكَ"، واللامُ المُتَّصِلَةُ بِالكافِ اعْتُدَّ بِها فاصِلَةً لِلْإضافَةِ، ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ "لا"، ولَمْ يُعْتَدَّ بِها في أنْ أُعْرِبَ "أبا" بِالحَرْفِ، وشَأْنُهُ - إذا انْفَصَلَ ولَمْ يَكُنْ مُضافًا - أنْ يُعْرَبَ بِالحَرَكاتِ، فَجاءَتِ "اللامُ" مُلْغاةَ الحُكْمِ مِن حَيْثُ أُعْرِبَ بِالحَرَكاتِ كَأنَّهُ مُضافٌ، وهي مُعْتَدٌّ بِها فاصِلَةً في أنْ جَوَّزَتْ دُخُولَ "لا".
وقَرَأ مُجاهِدٌ: "مِن شِكْلِهِ" بِكَسْرِ الشِينِ.
و"أزْواجٌ" مَعْناهُ: أنْواعٌ، والمَعْنى: لَهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وأغْذِيَةٌ أُخَرُ مِن ضَرْبِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهُ وأنْواعٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَوْجٌ ﴾ هو ما يُقالُ لِأهْلِ النارِ إذا سِيقَ عامَّةُ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ؛ لِأنَّ رُؤَساءَهم يَدْخُلُونَ النارَ أوَّلًا، والأظْهَرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ لَهُمْ: مَلائِكَةُ العَذابِ، وهو الَّذِي حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَيَقُولُ البَعْضُ الآخَرُ: ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ ﴾ ، أيْ: لا سَعَةَ مَكانٍ ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ.
و"الفَوْجُ": الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ ﴾ حِكايَةً لِقَوْلِ الأتْباعِ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَ الرُؤَساءِ.
﴿ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ مَعْناهُ: بِإغْوائِكم أسْلَفْتُمْ لَنا ما أوجَبَ هَذا، فَكَأنَّكم فَعَلْتُمْ بِنا هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا رَبَّنا ﴾ حِكايَةً لِقَوْلِ الأتْباعِ أيْضًا، دَعَوْا عَلى رُؤَسائِهِمْ بِأنْ يَكُونَ عَذابُهم مُضاعَفًا.
<div class="verse-tafsir"
اسم الإِشارة ﴿ هذا ﴾ مستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض تنهية للغرض الذي قبله.
والقول فيه كالقول في ﴿ هذا ذِكرٌ وإنَّ للمتقين لحُسنَ مئَابٍ ﴾ [ص: 49].
والتقدير: هذا شأن المتقين، أو هذا الشأن، أو هذا كما ذُكر.
وجملة ﴿ يَصْلَونَهَا ﴾ حال من ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ وهي حال مؤكدة لمعنى اللام الذي هو عامل في «الطاغين» فإن معنى اللام أنهم تختصّ بهم جهنم واختصاصها بهم هو ذَوْق عذابها لأن العذاب ذاتي لجهنم.
والطاغي: الموصوف بالطغيان وهو: مجاوزة الحد في الكِبر والتعاظم.
والمراد بهم عظماء أهل الشرك لأنهم تكبَّروا بعظمتهم على قبول الإِسلام، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بكبر واستهزاء، وحكموا على عامة قومهم بالابتعَاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع القرآن، وهم: أبو جهل وأميةُ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، والعاصي بن وائل وأضرابهم.
والفاء في ﴿ فَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ لترتيب الإِخبار وتسببه على ما قبله، نظير عطف الجمل ب (ثُمّ) وهي كالفاء في قوله تعالى: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ [الأنفال: 17] بعد قوله: ﴿ فلا تولوهم الأدبار في ﴾ سورة [الأنفال: 15].
وهذا استعمال بديع كثير في القرآن وهو يندرج في استعمالات الفاء العاطفة ولم يكشف عنه في «مغني اللبيب».
والمعنى: جهنم يصلونها، فيتسبب على ذلك أن نذكر ذَم هذا المقرّ لهم، وعبر عن جهنم ب ﴿ المِهَادُ ﴾ على وجه الاستعارة، شبه ما هم فيه من النار من تحتهم بالمهاد وهو فراش النائم كقوله تعالى: ﴿ لهم من جهنم مهاد ﴾ [الأعراف: 41].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ أيْ مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ والحَمِيمُ الحارُّ، وفي الغَسّاقِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ البارِدُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَكَأنَّهم عُذِّبُوا بِحارِّ التُّرابِ وبارِدِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِن جُلُودِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُمُوعُهُمُ الَّتِي تَسِيلُ مِن أعْيُنِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حِمَّةُ كُلِّ ذِي حِمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتِنُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
السّادِسُ: أنَّهُ السَّوادُ والظُّلْمَةُ وهو ضِدُّ ما يُرادُ مِن صَفاءِ الشَّرابِ ورِقَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي هَذا الِاسْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَكاهُ النَّقّاشُ أنَّهُ بِلُغَةِ التُّرْكِ.
الثّانِي: حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ عِيسى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الغَسَقِ وهو الظُّلْمَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: مِن غَسَقَتِ القُرْحَةُ تَغْسِقُ غَسَقًا.
إذا جَرَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الشّاعِرِ فالعَيْنُ مَطْرُوقَةٌ لِبَيْنِهِمْ تَغْسِقُ في غُرْبَةِ سِرِّها وَإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عِيسى.
وَفِي " غَسّاقٌ " قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ والمُرادُ بِالتَّخْفِيفِ الِاسْمُ وبِالتَّشْدِيدِ الفِعْلُ وقِيلَ إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وهَذا غَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: وآخَرُ مِن شِكْلِ العَذابِ أنْواعٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: وآخَرُ مِن شِكْلِ عَذابِ الدُّنْيا أنْواعٌ في الآخِرَةِ لَمْ تُرَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَفي الأزْواجِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْواعٌ.
الثّانِي: ألْوانٌ.
الثّالِثُ: مَجْمُوعَةٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ أيْ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، مُقْتَحِمُونَ النّارَ أيْ يَدْخُلُونَها.
وَفي الفَوْجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إبْلِيسَ.
والثّانِي: بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كِلا الفَوْجَيْنِ بَنُو آدَمَ إلّا أنَّ الأوَّلَ الرُّؤَساءُ والثّانِي الأتْباعُ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ الفَوْجَ الأوَّلَ قادَةُ المُشْرِكِينَ ومَطْعُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، والفَوْجُ الثّانِي أتْباعُهم بِبَدْرٍ.
وَفِي القائِلِ ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ قالُوا لِبَنِي إبْلِيسَ لَمّا تَقَدَّمُوا في النّارِ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم إشارَةٌ لِبَنِي آدَمَ حِينَ دَخَلُوها.
قالَ بَنُو إبْلِيسَ ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ بَنُو آدَمَ: ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قالَ لِلْفَوْجِ الأوَّلِ حِينَ أمَرَ بِدُخُولِ الفَوْجِ الثّانِي: ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ فَأجابُوهُ ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ فَأجابَهُمُ الفَوْجُ الثّانِي ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنْتُمْ شَرَعْتُمُوهُ لَنا وجَعَلْتُمْ لَنا إلَيْهِ قَدَمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: قَدَّمْتُمْ لَنا هَذا العَذابَ بِما أضْلَلْتُمُونا عَنِ الهُدى ﴿ فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ بِئْسَ الدّارُ النّارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنْتُمْ قَدَّمْتُمْ لَنا الكُفْرَ الَّذِي اسْتَوْجَبْنا بِهِ هَذا العَذابَ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ زِيادٍ.
﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ الآيَةَ.
يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَهُ الفَوْجُ الأوَّلُ جَوابًا لِلْفَوْجِ الثّانِي.
الثّانِي: قالَهُ الفَوْجُ تَبَعًا لِكَلامِهِمُ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِمْ عِنْدَ التَّكْذِيبِ.
وَفي تَأْوِيلِ ﴿ مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن سَنَّهُ وشَرَعَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مَن زَيَّنَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَرْحَبُ والرُّحْبُ: السَّعَةُ ومِنهُ سُمِّيَتِ الرَّحْبَةُ لِسِعَتِها ومَعْناهُ لا اتَّسَعَتْ لَكم أماكِنُكُمْ; وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ أبِي الأسْوَدِ: إذا جِئْتَ بَوّابًا لَهُ قالَ مَرْحَبًا ∗∗∗ ألا مَرْحَبًا وادِيكَ غَيْرَ مُضَيَّقِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ هَذا يَقُولُهُ أبُو جَهْلٍ وأشْياعُهُ في النّارِ: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم في الدَّنْيا مِنَ الأشْرارِ لا نَرى عَمّارًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا وبِلالًا.
﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا في الدُّنْيا فَأخْطَأْنا.
﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ فَلَمْ نَعْلَمْ مَكانَهم.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَن كَسَرَ سِخْرِيًّا جَعَلَهُ مِنَ الهُزْءِ، ومَن ضَمَّهُ جَعَلَهُ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ يَعْنِي أهم مَعَنا في النّارِ أمْ زاغَتْ أبْصارُنا فَلا نَراهم وإنْ كانُوا مَعَنا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ قال: يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
يقال لها انفتحي وانغلقي تكلمي، فتفهم وتتكلم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف أتراب ﴾ قال: قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهن ﴿ أتراب ﴾ قال: سن واحد.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتراب ﴾ قال: أمثال.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ أي من انقطاع ﴿ هذا فليذقوه حميم وغساق ﴾ قال: كنا نحدث أن الغساق ما يسيل من بين جلده ولحمه ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: من نحوه أزواج من العذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن أبي رزين قال: الغساق ما يسيل من صديدهم.
وأخرج هناد عن عطية في قوله: ﴿ وغساق ﴾ قال: الذي يسيل من جلودهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وغساق ﴾ قال: الزمهرير ﴿ وآخر من شكله ﴾ قال: نحوه ﴿ أزواج ﴾ قال: ألوان من العذاب.
وأخرج هناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: الغساق الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من شدة برده.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة قال: الغساق المنتن، وهو بالطخاوية.
وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن دلواً من غساق يُهْرَاقُ في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» .
وأخرج ابن جرير عن كعب قال: ﴿ غساق ﴾ عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها فليستنقع.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: الزمهرير.
وأخرج عبد بن حميد عن مرة قال: ذكروا الزمهرير فقال: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ فقالوا لعبد الله: إن للزمهرير برداً فقرأ هذه الآية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ [ النبأ: 24-25].
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: ألوان من العذاب.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل، والأغلال، وما يكون في الدنيا ثم قال: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: آخر لم ير في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿ وآخر من شكله ﴾ برفع الألف ونصب الخاء.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وآخر من شكله ﴾ ممدودة منصوبة الألف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ إلى قوله: ﴿ فبئس القرار ﴾ قال: هؤلاء الأتباع يقولونه للرؤوس.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فزده عذاباً ضعفاً في النار ﴾ قال: أفاعي وحيات.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ تقديره الأمر هذا: لما تم ذكر أهل الجنة خمته بقوله: ﴿ هذا ﴾ ثم ابتدأ وصف أهل النار، ويعني بالطاغين الكفار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.
بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.
والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.
والباقون: بالمد على التوحيد.
﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.
﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .
﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.
﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.
ومعنى الكل التعب والمشقة.
قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال: نعم، عبدي أيوب.
قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.
فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.
فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.
عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.
القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.
فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.
ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.
ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.
وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.
وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.
وقيل: من أولاد أولاده.
وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.
وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.
وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.
وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.
وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.
قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.
وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.
والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.
ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.
وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.
قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.
ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.
قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.
والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.
وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.
ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.
قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.
قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.
وقال غيره.
في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.
والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.
وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.
وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.
وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.
قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.
وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.
وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.
والأتراب جمع ترب وهي اللدة.
واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.
والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.
وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.
ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.
ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.
والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.
﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.
ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.
وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.
وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.
والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.
يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.
فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.
وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.
وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.
إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.
و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.
وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.
أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.
والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.
وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.
والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.
وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.
وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.
قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.
وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.
وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.
﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.
ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.
﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.
وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.
من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.
فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.
ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.
ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.
ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.
واعلم أنه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.
ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.
ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.
قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.
ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.
ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.
والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.
ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .
وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.
روى ابن عباس عن النبي "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.
قلت: لبيك ربي وسعديك.
قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أعلم.
قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.
قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.
قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً بسبب الحسد والكبر فختم الله السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.
وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.
وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.
والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.
وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.
ثم خاطبوا بها الله فلا يلزم أن يكون الله من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.
أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.
وقال جار الله: كانت مقاولة الله بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.
وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.
والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.
ومنها أنها النعمة.
ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.
والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.
ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟
فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.
ومعنى الهمزة التقرير.
قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.
ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.
وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.
و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.
ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.
أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.
وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.
وقيل: هو القيامة.
وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا ثواب المتقين وجزاء تقواهم.
ثم بين جزاء الطاغين، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ .
أي: لبئس المرجع [، ثم بَيَّن] ما هو فقال - عز وجل -: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: بئسما مهدوا لأنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا جزاء الطاغين والطغيان يرجع إلى وجوه إلا أن أصله هو الذي لا يجتنب المهالك ولا يتقي، والمتقي هو الذي يتقي المهالك ويجتنبها حقيقة التقى والطغيان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ .
كان الملائكة تقول لهم إذا أدخلوا جهنم وألقوا فيها: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ ، والحميم: هو الشراب الذي قد انتهى حره غايته ونهايته، والغساق: اختلفوا فيه: قال بعضهم: هو ما يسيل من الصديد والقيح واللحم، جعل ذلك شرابهم في النار.
وقال بعضهم: الغساق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو البرد الذي بلغ غايته ونهايته يحرق بشدة برده، كما يحرق الحميم الذي بلغ نهايته [و] شدة حره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ .
اتفق أهل التأويل - أو أكثرهم - على أن قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ هو العذاب كأنه يقول: وآخر من شكل ما ذكر من العذاب له.
ثم اختلفوا في ذلك العذاب الذي قالوا: ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ : قال عبد الله بن مسعود - -: هو الزمهرير، وروي عن عن الحسن: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ : ألوان من العذاب، [و]قال بعضهم: زوج من العذاب.
ويشبه أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ أي: قوم من شكل أولئك الذين ذكرهم يقربون إلى أولئك؛ فيجمعون في العذاب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ .
أو أن يكون فوج آخر يدخلون من شكل الأولين، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ﴾ .
يقول المتبوعون للأتباع لما أدخلوا النار ورأوهم: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ﴾ أي: لا سعة بهم وهو من الرحب وهو السعة، فأجابهم الأتباع: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴾ .
وقال بعضهم: قالت الخزنة لمن في النار: ﴿ هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ ﴾ فيردون على الخزنة: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ ﴾ فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا النار بعدهم: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ .
وأصل هذا: أن هذا منهم لعن، يلعن بعضهم بعضاً؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
هذا كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ، هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ فعلى ذلك هذه المناظرة التي ذكرت هاهنا بين القادة والأتباع.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ أي: أنتم شرعتموه لنا في الدنيا وسننتموه، ولذلك قولهم: ﴿ مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ أي: من شرع لنا هذا وسن الذي كنا عليه وأمرنا به فزده عذاباً في النار وهو كما ذكر في سورة سبأ حيث قالوا: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً ﴾ ، والله أعلم.
قال القتبي: الغساق: ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد، يقال: غسقت عنه، أي: سالت، ويقال: هو البارد المنتن؛ وكذلك قال أبو عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ : من مثله، الشكل: المثل، والشكل بنصب الشين الغنج، وشكلت المرأة إذا انغنجت، والتقحم الدخول واقتحمت كلمة واحدة وهو الدخول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ ﴾ .
أي: لا سعة بهم، والرحيب والرحب: الواسع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر هذا يقول في الآخرة في النار هذا؛ ليلزمهم الحجة وألا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ ؛ لأن هذه السورة مكية، نزلت [في] محاجة أهل مكة في إثبات التوحيد وإثبات الرسالة، ومنهم من ينكر البعث، ذكر الأنباء المتقدمة لإثبات الرسالة فيما تقدم، وذكر حجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في آخره، ذكر ذلك كله لهم ليلزمهم الحجة وإن أنكروا ذلك؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة الله قد تلزم وإن لم يحقق عنده الحق ولم يعرفه حقيقة؛ حيث أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يعلموا حقيقة أن رسول الله وأصحابه كانوا [على حق وإلا] ما تركوا اتباعه ولا سخروا منهم؛ وعلى ذلك يخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حيث قال: "اللهم أينا أوصل رحما وآثر ...
كذا على ما ذكروا - نصر عليه"، ومعلوم أنه لو كان يعلم أن رسول الله على حق لكان لا يجترئ على المباهلة دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق، فعوقبوا وإن لم يعلموا لما مكن لهم من العلم والمعرفة لو تأملوا وأحسنوا النظر في ذلك، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ ﴾ .
قال أهل التأويل: إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم وهم أصحاب رسول الله الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ويسخرون منهم، يقولون: كنا نسخر منهم في الدنيا فأين هم؟
وما لنا لا نراهم ﴿ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار ﴾ ، أي: حارت وشغلت أبصارنا فلا نراهم.
لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم قد ظهر عندهم أن أولئك كانوا على حق - أعني: رسول الله وأصحابه - وأنهم على باطل، فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا وجعلوا في النار؟
عرفوا أنهم [لا] يكونون في النار - يعني: أصحاب رسول الله - إذ كانوا على خلاف ما كان أولئك الكفرة [عليه]، والله أعلم.
أو أن يقولوا ذلك على الاستغاثة بهم يقولون: أين أولئك الذين كانوا اتخذناهم سخريا في الدنيا لعلهم يشفعوننا فيعينوننا يطمعون النجاة إذا اتبعوهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ وهذا الذي ذكرنا هو أشبه مما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ﴾ .
قال بعضهم: القسم بقوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ وقع على هذا على ما ذكرنا.
وقال بعضهم: هذا على التقديم والتأخير، يقول: إن ذلك الذي ذكره من إحن بعض على بعض حيث قالوا: ﴿ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ ، وقولهم: ﴿ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ وما ذكر في سورة الأعراف: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ...
﴾ كذا و ﴿ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ كذا، أي: ذلك التخاصم الذي ذكر الحق، أي: كائن فيما بينهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هذا الذي ذكرنا جزاء المتقين، وإن للمتجاوزين لحدود الله بالكفر والمعاصي لجزاء مغايرًا لجزاء المتقين، فلهم شر مرجع يرجعون إليه يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.XAgoG"