الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٨٥ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٥ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قال فالحق والحق .
أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع " الحق " الأولى وفسره مجاهد بأن معناه : أنا الحق ، والحق أقول وفي رواية عنه : الحق مني ، وأقول الحق .
وقرأ آخرون بنصبهما .
قال السدي : هو قسم أقسم الله به .
قلت : وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى : ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [ السجدة : 13 ] وكقوله تعالى : ( قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) [ الإسراء : 63 ]
والثاني: أن يكون مرفوعا بتأويل قوله ( لأمْلأنَّ ) فيكون معنى الكلام حينئذ: فالحق أن أملأ جهنم منك, كما يقول: عزمة صادقة لآتينك, فرفع عزمة بتأويل لآتينك, لأن تأويله أن آتيك, كما قال: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ فلا بدّ لقوله بَدَا لَهُمْ من مرفوع, وهو مضمر في المعنى.
وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحقّ الأوّل والثاني كليهما, بمعنى: حقا لأملأن جهنم والحقّ أقول, ثم أدخلت الألف واللام عليه, وهو منصوب, لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء, كما سواء قولهم: حمدا لله, والحمد لله عندهم إذا نصب.
وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى: الزموا الحقّ, واتبعوا الحقّ, والأوّل أشبه لأنه خطاب من الله لإبليس بما هو فاعل به وبتُبَّاعه.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, فبأيتهما قرأ القاريّ فمصيب, لصحة معنييهما.
وأما الحقّ الثاني, فلا اختلاف في نصبه بين قرّاء الأمصار كلهم, بمعنى: وأقول الحق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن الأعمش, عن مجاهد, في قوله ( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) يقول الله: أنا الحقُّ, والحقَّ أقول.
وحُدثت عن ابن أبي زائدة, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) يقول الله: الحقُّ مني, وأقول الحقَّ.
حدثنا أحمد بن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا حجاج, عن هارون, قال: ثنا أبان بن تغلب, عن طلحة اليامي, عن مجاهد, أنه قرأها( فَالحَقُّ ) بالرفع ( وَالْحَقَّ أَقُولُ ) نصبا وقال: يقول الله: أنا الحق, والحق أقول.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله ( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) قال: قسم أقسم الله به.
وقوله ( لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ) يقول لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين.
لأملأن جهنم منك أي من نفسك وذريتك وممن تبعك منهم أجمعين من بني آدم أجمعين .
" لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين "
«لأملأن جهنم منك» بذريتك «وممن تبعك منهم» أي الناس «أجمعين».
قال الله: فالحقُّ مني، ولا أقول إلا الحق، لأملان جهنم منك ومن ذريتك وممن تبعك من بني آدم أجمعين.
لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس ، وممن تبعك من الناس جميعا ، لأن هذا جزاء من عصانى .
اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر، وذلك لأن إبليس، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمداً عليه السلام بسبب الحسد والكبر، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا ليصير سماعها زاجراً لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر في تقريره أموراً أربعة أولها: أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه والثاني: أن قصة سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر الثالث: أن إبليس إنما خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما، فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها في سور كثيرة، فلا فائدة في الإعادة إلا ما لابد منه وفيها مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ ﴾ سؤالات: الأول: أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين، كما إذا قيل أنا متخذ سواراً من ذهب، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة.
الثاني: ذكر هاهنا أنه خلق البشر من طين، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى في آدم إنه خلقه من تراب وكقوله: ﴿ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وكقوله: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ .
الثالث: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق بشراً من طين.
لم يقولوا شيئاً، وفي الآية الأخرى وهي التي قال: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ﴾ بين أنهم أوردوا السؤال والجواب فبينهما تناقض، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولاً أن البشر شخص جامع للقوة البهيمية والسبعية والشيطانية والملكية، فلما قال: ﴿ إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ ﴾ فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات، إنما أخلقه من الطين، والجواب عن الثاني أن المادة البعيدة هو التراب، وأقرب منه الطين، وأقرب منه الحمأ المسنون، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا منافاة بين الكل، والجواب عن الثالث أنه في الآية المذكورة في سورة البقرة بين لهم أنه يخلق في الأرض خليفة، وبالآية المذكورة هاهنا بين أن ذلك الخليفة بشر مخلوق من الطين.
المسألة الثانية: قال: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولاً، ثم نفخ الروح ثانياً، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس.
أما الجسد فإنه إنما يتولد من المني، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة، ولا بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركيباتها، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة.
وأما النفس فإليها الإشارة بقوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة (من) تدل على التبعيض، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى، وهذا غاية الفساد، لأن كل ما له جزء وكل، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث.
وأما كيفية نفخ الروح، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية، علوية العنصر، قدسية الجوهر، وهي تسري في البدن سريان الضوء في الهواء، وسريان النار في الفحم، فهذا القدر معلوم.
أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى.
المسألة الثالثة: الفاء في قوله: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ تدل على أنه كما تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض، أو دخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل، والروح الأعظم المذكور في قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً ﴾ ففيه مباحث عميقة.
وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية، فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة، وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل، والكلام فيه طويل.
وأما بقية المسائل وهي: كيفية سجود الملائكة لآدم، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا، وأنه هل كان كافراً، أصلياً أم لا، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها.
المسألة الرابعة: احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ في إثبات يدين لله تعالى، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه، فوجب المصير إليه، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية، فوجب القطع به.
واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأجزاء والأعضاء، قد سبقت إلا أنا نذكر هاهنا نكتاً جارية مجرى الإلزامات الظاهرة فالأول: أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها، وإما أن يزيد عليها، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيوناً كثيرة لقوله: ﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ﴾ وأن يثبت جنباً واحداً لقوله تعالى: ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾ وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» وأن يثبت له ساقاً واحداً لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ فيكون الحاصل من هذه الصورة، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور، ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة.
وأما القسم الثاني: وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر، ولا بد له من قبول دلائل العقل.
الحجة الثانية: في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الحجة الثالثة: أنه في ذاته سبحانه وتعالى، إما أن يكون جسماً صلباً لا ينغمز ألبتة، فيكون حجراً صلباً، وإما أن يكون قابلاً للانغماز، فيكون ليناً قابلاً للتفرق والتمزق.
وتعالى الله عن ذلك.
الحجة الرابعة: أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان كالزمن المعقد العاجز، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان محلاً للتغيرات، فدخل تحت قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الآفلين ﴾ .
الحجة الخامسة: إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت، وإن كان يفعل هذه الأشياء، كان إنساناً كثير التهمة محتاجاً إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل.
الحجة السادسة: أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا، فنقول لهم حين نزوله: هل يبقى مدبراً للعرش ويبقى مدبراً للسماء الدنيا حين كان على العرش، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة، وإن لم يبق مدبراً للعرش فعند نزوله يصير معزولاً عن إلهية العرش والسموات.
الحجة السابعة: أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيراً بحيث تسعه السماء الدنيا، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش، وكل ذلك باطل.
الحجة الثامنة: ثبت أن العالم كرة، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل، فحينئذ يكون جسماً محيطاً بهذا العالم من كل الجوانب، فيكون إله العالم على هذا القول فلكاً من الأفلاك.
الحجة التاسعة: لما كانت الأرض كرة، وكانت السموات كرات، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبداً نازلاً عن العرش، وأن لا يرجع إلى العرش ألبتة.
الحجة العاشرة: أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها: كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض.
وثانيها: كونه محدوداً متناهياً.
وثالثها: كونه موصوفاً بالحركة والسكون والطلوع والغروب، فإذا كان إله المشبهة مؤلفاً من الأعضاء والأجزاء كان مركباً، فإذا كان العرش كان محدوداً متناهياً، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفاً بالحركة والسكون، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للألهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها، وذلك يبطل قول المشبهة، وإن لم تكن منافية للألهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر.
الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض.
الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿ والله الغني وَأَنتُمُ الفقراء ﴾ ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى، عن هذه الأعضاء، فنقول ذكر العلماء في لفظ اليد وجوهاً الأول: أن اليد عبارة عن القدرة تقول العرب ما لي بهذا الأمر من يد، أي من قوة وطاقة، قال تعالى: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ .
الثاني: اليد عبارة عن النعمة يقال أيادي فلان في حق فلان ظاهرة والمراد النعم والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا الثالث: أن لفظ اليد قد يزاد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان هذا ما كسبت يداك وكقوله تعالى: ﴿ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ .
ولقائل أن يقول حمل اليد على القدرة هاهنا غير جائز، ويدل عليه وجوه: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي إثبات اليدين، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لزم إثبات قدرتين لله وهو باطل والثاني: أن الآية تقتضي أن كون آدم مخلوقاً باليدين يوجب فضيلته وكونه مسجوداً للملائكة، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لكان آدم مخلوقاً بالقدرة، لكن جميع الأشياء مخلوقة بقدرة الله تعالى فكما أن آدم عليه السلام مخلوق بيد الله تعالى، فكذلك إبليس مخلوق بيد الله تعالى، وعلى تقدير أن تكون اليد عبارة عن القدرة، لم تكن هذه العلة علة لكون آدم مسجوداً لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجوداً لآدم، وحينئذٍ يختل نظم الآية ويبطل الثالث: أنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كلتا يديه يمنى» ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة.
وأما التأويل الثاني: وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضاً باطل لوجوه: الأول: أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على الإثنتين الثاني: لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوقة لله فحينئذٍ لا يكون آدم مخلوقاً لله تعالى بل يكون مخلوقاً لبعض المخلوقات، وذلك بأن يكون سبباً لمزيد النقصان أولى من أن يكون سبباً لمزيد الكمال الثالث: لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله: ﴿ تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك ﴾ معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله: بيدك الخير معناه بنعمتك الخير ولكان قوله: ﴿ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ معناه نعمتان مبسوطتان، ومعلوم أن كل ذلك فاسد.
وأما التأويل الثالث: وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد فنقول لفظ اليد قد يستعمل في حق من يكون هذا العضو حاصلاً له وفي حق من لا يكون هذا العضو حاصلاً في حقه أما الأول: فكقولهم في حق من جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب في هذا أن محل القدرة هو اليد فأطلق اسم اليد على القدرة، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة، وقد تقدم إبطال هذا الوجه وأما الثاني: فكقوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ وقوله: (بين يدي الساعة) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذكور والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطرداً، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة، ونحن نسلم أن قوله: ﴿ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولُهُ ﴾ قد يجوز أن يراد به التأكيد والصلة، أما المذكور في هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ وإن كان القياس في المجازات باطلاً فقد سقط كلامكم بالكلية، فهذا منتهى البحث في هذا الباب.
والذي تلخص عندي في هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيده إلا إذا كانت غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فإذا كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنه عند قيام الدلائل القاهرة.
فهذا ما لخصناه في هذا الباب، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين ﴾ فالمعنى: استكبرت الآن أم كنت أبداً من المتكبرين العالين، فأجاب إبليس بقوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مّنْه خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ فالمعنى أني لو كنت مساوياً له في الشرف لكان يقبح أمري بسجودي له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيراً منه بأن أصله من النار والنار أشرف من الطين، فصح أن أصله خير من أصل آدم ومن كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه فهذه مقدمات ثلاثة: المقدمة الأولى: أن إبليس مخلوق من النار، يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ .
المقدمة الثانية: أن النار أفضل من الطين ويدل عليه وجوه: الأول: أن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها عنه فوجب كون النار أفضل من الأرض الثاني: أن النار خليفة الشمس والقمر في إضاءة هذا العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض، فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض الثالث: أن الكيفية الفاعلة الأصلية، إما الحرارة أو البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت الرابع: الأرض كثيفة والنار لطيفة واللطافة أشرف من الكثافة الخامس: النار مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة السادس: النار خفيفة تشبه الروح والأرض ثقيلة تشبه الجسد والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض ولذلك فإن الأطباء أطبقوا على أن العنصرين الثقيلين أعون على تركيب الأجساد وأن العنصرين الخفيفين أعون على تولد الأرواح السابع: النار صاعدة والأرض هابطة والصاعد أفضل من الهابط الثامن: أن أول بروج الفلك هو الحمل لأنه هو الذي يبدأ من نقطة الاستواء الشمالي، ثم إن الحمل على طبيعة النار وأشرف أعضاء الحيوان والقلب والروح وهما على طبيعة النار وأخس أعضاء الحيوان هو العظم وهو بارد يابس أرضي التاسع: أن الأجسام الأرضية كلما كانت أشد نورانية ومشابهة بالنار كانت أشرف وكلما كانت أكثر غبرة وكثافة وكدورة ومشابهة بالأرض كانت أخس، مثاله الأجسام الشبيهة بالنار الذهب والياقوت والأحجار الصافية النورانية ومثاله أيضاً من الثياب الإبريسم وما يتخذ منه، وأما أن كل ما كان أكثر أرضية وغبرة فهو أخس فالأمر ظاهر العاشر: أن القوة الباصرة قوة في غاية الشرف والجلالة ولا يتم عملها إلا بالشعاع وهو جسم شبيه بالنار الحادي عشر: أن أشرف أجسام العالم الجسماني هو الشمس ولا شك أنه شبيه بالنار في صورته وطبيعته وأثره الثاني عشر: أن النضج والهضم والحياة لا تتم إلا بالحرارة ولولا قوة الحرارة لما تم المزاج وتولدت المركبات الثالث عشر: أن أقوى العناصر الأربعة في قوة الفعل هو النار وأكملها في قوة الانفعال هو الأرض والفعل فضل من الانفعال فالنار أفضل من الأرض.
أما القائلون بتفضيل الأرض على النار فذكروا أيضاً وجوهاً الأول: أن الأرض أمين مصلح فإذا أودعتها حبة ردتها إليك شجرة مثمرة والنار خائنة تفسد كل ما أسلمته إليها الثاني: أن الحس البصري أثنى على النار فليستمع ما يقوله الحس اللمسي الثالث: أن الأرض مستولية على النار فإنها تطفئ النار، وأما النار فإنها لا تؤثر في الأرض الخالصة.
وأما المقدمة الثالثة: فهي أن من كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه، فاعلم أن هذه المقدمة كاذبة جداً وذلك لأن أصل الرماد النار وأصل البساتين النزهة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد، وأيضاً فهب أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يصير معارضاً بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه، إلا أن الذي لا يكون نسبياً قد يكون كثير العلم والزهد فيكون هو أفضل من ذلك النسيب بدرجات لا حد لها، فالمقدمة الكاذبة في القياس الذي ذكره إبليس هو هذه المقدمة، فإن قال قائل هب أن إبليس أخطأ في هذا القياس لكن كيف لزمه الكفر من تلك المخالفة؟
وبيان هذا السؤال من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ اسجدوا ﴾ أمر والأمر لا يقتضي الوجوب بل الندب ومخالفة الندب لا توجب العصيان فضلاً عن الكفر، وأيضاً فالذين يقولون إن الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملاً للندب احتمالاً ظاهراً ومع قيام هذا الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلاً عن الكفر الثاني: هب أنه للوجوب إلا أن إبليس ما كان من الملائكة فأمر الملائكة بسجود آدم لا يدخل فيه إبليس الثالث: هب أنه يتناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فخصص نفسه عن عموم ذلك الأمر بالقياس الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر الجواب: هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل على الوجوب، وهاهنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين ﴾ فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد دل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك القياس ليتوسل به إلى القدح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر.
إذا عرفت هذا فنقول إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .
واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف وهاهنا الحكم بكونه رجيماً ورد عقيب ما حكى عنه أنه خصص النص بالقياس، فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم، وقوله: ﴿ مِنْهَا ﴾ أي من الجنة أو من السموات والرجيم المرجوم وفيه قولان: القول الأول: أنه مجاز عن الطرد، لأن الظاهر أن من طرد فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد فإن قالوا الطرد هو اللعن فلو حملنا قوله: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ على الطرد لكان قوله بعد ذلك: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى ﴾ تكراراً والجواب من وجهين: الأول: أنا نحمل الرجم على الطرد من الجنة أو من السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله والثاني: أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين ﴾ على أن ذلك الطرد يمتد إلى آخر القيامة فيكون هذا فائدة زائدة ولا يكون تكريراً.
والقول الثاني: في تفسير الرجيم أن نحمله على الحقيقة وهو كون الشياطين مرجومين بالشهب، والله أعلم.
فإن قيل كلمة إلى لانتهاء الغاية فقوله: ﴿ إلى يَوْمِ الدين ﴾ يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين، أجاب صاحب الكشاف بأن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة جعل مع اللعنة أنواع من العذاب تصير اللعنة مع حضورها منسية.
واعلم أن إبليس لما صار ملعوناً قال: ﴿ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قيل إنما طلب الإنظار إلى يوم يبعثون لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا نظر إلى يوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء يوم البعث لا يموت أيضاً فحينئذ يتخلص من الموت فقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ ومعناه إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه، فقال إبليس: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ وهو قسم بعزة الله وسلطانه ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فهاهنا أضاف الإغواء إلى نفسه وهو على مذهب القدر وقال مرة أخرى: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى ﴾ فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهب الجبر وهذا يدل على أنه متحير في هذه المسألة.
وأما قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ ففيه فوائد: الفائدة الأولى: قيل غرض إبليس من ذكره هذا الاستثناء أن لا يقع في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لكان يظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله الصالحين، فكأن إبليس قال: إنما ذكرت هذا الاستثناء لئلا يقع الكذب في هذا الكلام، وعن هذا يقال إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فكيف يليق بالمسلم الإقدام عليه؟
فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أُلْقِىَ الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ قلنا إن إبليس لم يقل إني لم أقصد إغواء عباد الله الصالحين بل قال لأغوينهم وهو وإن كان يقصد الإغواء إلا أنه لا يغويهم.
الفائدة الثانية: هذه الآية تدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله المخلصين، وقال تعالى في صفة يوسف: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ فنصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام، وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح.
واعلم أن إبليس لما ذكر هذا الكلام قال الله تعالى: ﴿ فالحق والحق أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ منك وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة ﴿ فالحق ﴾ بالرفع ﴿ والحق ﴾ بالنصب، والباقون بالنصب فيهما.
أما الرفع فتقديره فالحق قسمي.
وأما النصب فعلى القسم، أي فبالحق، كقولك والله لأفعلن.
وأما قوله: ﴿ والحق أَقُولُ ﴾ انتصب قوله: ﴿ والحق ﴾ بقوله: ﴿ أَقُولُ ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِنكَ ﴾ أي من جنسك، وهم الشياطين ﴿ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ من ذرية آدم، فإن قيل قوله: ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾ تأكيد لماذا؟
قلنا: يحتمل أن يؤكد به الضمير في ﴿ مِنْهُمْ ﴾ ، أو الكاف في ﴿ مِنكَ ﴾ مع من تبعك، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحداً.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في حق إبليس: ﴿ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين ﴾ فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهو محال، فكان صدور الإيمان منه محالاً مع أنه أمر به والثاني: أنه قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فالله تعالى علم منه أنه يغويهم، وسمع منه هذه الدعوى، وكان قادراً على منعه عن ذلك، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضياً به، فإن قالوا: لعل ذلك المنع مفسد، قلنا: هذا قول فاسد، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال، ويخلص بني آدم عن الضلال، وهذا عين المصلحة الثالث: أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى الرابع: أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين، وأن يميت إبليس والشياطين، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس: أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون ألبتة، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليف بما لا يطاق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ فالحق والحق ﴾ منصوبين على أن الأول مقسم به كالله في: إن عليك الله أن تبايعا وجوابه ﴿ لأمْلاَنَّ ﴾ والحق أقول: اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه، ومعناه: ولا أقول إلاّ الحق.
والمراد بالحق: إمّا اسمه عزّ وعلا الذي في قوله: ﴿ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين ﴾ [النور: 25] أو الحق الذي هو نقيض الباطل: عظمه الله بإقسامه به.
ومرفوعين على أنّ الأوّل مبتدأ محذوف الخبر، كقوله: (لعمرك) أي: فالحق قسمي لأملأنّ.
والحق أقول، أي: أقوله كقوله كله لم أصنع، ومجرورين: على أنّ الأوّل مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك: الله لأفعلنّ.
والحق أقول، أي: ولا أقول إلاّ الحق على حكاية لفظ المقسم به.
ومعناه: التوكيد والتشديد.
وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضاً.
وهو وجه دقيق حسن.
وقرئ: برفع الأوّل وجرّه مع نصب الثاني، وتخريجه على ما ذكرنا ﴿ مِنكَ ﴾ من جنسك وهم الشياطين ﴿ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ من ذرية آدم، فإن قلت: ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾ تأكيد لماذا؟
قلت: لا يخلو أن يؤكد به الضمير في منهم، أو الكاف في منك مع من تبعك.
ومعناه: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحداً.
أو لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ فَبِسُلْطانِكَ وقَهْرِكَ.
﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ وعَصَمَهم مِنَ الضَّلالَةِ، أوْ أخْلَصُوا قُلُوبَهم لِلَّهِ عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ.
﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ أيْ فَأُحِقُّ الحَقَّ وأقُولُهُ، وقِيلَ: «الحَقَّ» الأوَّلُ اسْمُ اللَّهِ نَصَبَهُ بِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ كَقَوْلِهِ: إنَّ عَلَيْكَ اللَّهَ أنْ تُبايِعا.
وَجَوابُهُ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو عَلى الأوَّلِ جَوابٌ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِـ ( الحَقَّ ) المَقُولَ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى الِابْتِداءِ أيِ الحَقُّ يَمِينِي أوْ قَسَمِي، أوِ الخَبَرِ أيْ أنا الحَقُّ، وقُرِئا مَرْفُوعَيْنِ عَلى حَذْفِ الضَّمِيرِ مِن أقُولُ كَقَوْلِهِ: كُلُّهُ لَمْ أصْنَعْ.
وَمَجْرُورَيْنِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في الأوَّلِ وحِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ في الثّانِي لِلتَّأْكِيدِ، وهو سائِغٌ فِيهِ إذا شارَكَ الأوَّلَ وبِرَفْعِ الأوَّلِ وجَرِّهِ ونَصْبِ الثّانِي وتَخْرِيجُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، والضَّمِيرُ في مِنهم لِلنّاسِ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ والمُرادُ بِـمِنكَ مِن جِنْسِكَ لِيَتَناوَلَ الشَّياطِينَ، وقِيلَ لِلثَّقَلَيْنِ وأجْمَعِينَ تَأْكِيدٌ لَهُ أوْ لِلضَّمِيرَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
{لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ} من جنسك وهم الشياطين {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} من ذرية آدم {أَجْمَعِينَ} أي لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحدا
﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَإ، ونَصْبِ الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ فالحَقُّ قَسَمِي، ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ عَلى أنَّ الحَقَّ إمّا اسْمُهُ تَعالى، أوْ نَقِيضُ الباطِلِ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى بِإقْسامِهِ بِهِ، ورَجَحَ بِحَدِيثِ إعادَةِ الِاسْمِ مَعْرِفَةً أوْ فَأنا الحَقُّ، أوْ فَقَوْلِي الحَقُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ إلَخْ، حِينَئِذٍ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ واللَّهِ لَأمْلَأنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَقَّ أقُولُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِراضٍ مُقَرِّرٍ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ أعْنِي فَقَوْلِي الحَقُّ.
وقَوْلُ: ﴿ فالحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فالحَقَّ، والحَقَّ“ بِنَصْبِهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الثّانِيَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ كَما تَقَدَّمَ، والأوَّلَ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ، فانْتَصَبَ كَما في بَيْتِ الكِتابِ: إنَّ عَلَيْكَ اللَّهَ أنْ تُبايِعا تُؤْخَذُ كَرْهًا أوْ تَجِيءُ طائِعا وقَوْلِكَ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ فالزَمُوا الحَقَّ، ”ولأملأن“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآتِيَنَّكَ، ووُجُودُ ألْ، وطَرْحُها سَواءٌ، أيْ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا، فَهو عِنْدَهُ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا، ويَكُونَ ظاهِرًا نَحْوَ: زَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اهـ، فَكَأنَّ الفَرّاءَ لا يَشْتَرِطُ في ذَلِكَ ما يَشْتَرِطُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ بِالرَّفْعِ فِيهِما، وخُرِّجَ رَفْعُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ، ورَفْعُ الثّانِي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ أقُولُهُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى)، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ بِرَفْعِ كُلٍّ لِيَتَأتّى السَّلْبُ الكُلِّيُّ المَقْصُودُ لِلشّاعِرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ بِجَرِّهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، أيْ فَوالحَقِّ، والثّانِي مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و ﴿ أقُولُ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا، (لِأقُولُ)، والجَرُّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ قالَ: ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، وإفادَتُهُ ذَلِكَ زِيادَةٌ عَلى ما يُفِيدُهُ أصْلُ الِاعْتِراضِ، لِأنَّ العُدُولَ عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنَ الإعْرابِ إلى الحِكايَةِ، لَمّا كانَ لِاسْتِبْقاءِ الصُّورَةِ الأُولى دَلَّ عَلى أنَّها مِنَ العِنايَةِ في شَأْنِها بِمَكانٍ، وهَذا جارٍ في كُلِّ حِكايَةٍ مِن دُونِ فِعْلِ قَوْلٍ، وما يَقُومُ مَقامَهُ فَيَدُلُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى فَضْلِ عِنايَةٍ بِشَأْنِ القَسَمِ، ويُفِيدُ التَّشْدِيدَ والتَّوْكِيدَ.
وقُرِئَ بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ﴿ مِنكَ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكَ مِنَ الشَّياطِينِ، ﴿ ومِمَّنْ تَبِعَكَ ﴾ في الغَوايَةِ والضَّلالَةِ ﴿ مِنهُمْ ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في ﴿ مِنكَ ﴾ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِنَ الثّانِيَةِ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ، والتّابِعِينَ أجْمَعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا، أوْ تَوْكِيدٌ لِلتّابِعِينَ فَحَسْبُ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِنَ الشَّياطِينِ، ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ، بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وتَأْكِيدُ التّابِعِينَ دُونَ المَتْبُوعِينَ لِما أنَّ حالَ التّابِعِينَ إذا بَلَغَ إلى أنِ اتَّصَلَ إلى أوْلادِ الأنْبِياءِ فَما بالُ المَتْبُوعِينَ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: صاحِبُ هَذا القَوْلِ اعْتَبَرَ القُرْبَ، وأنَّ الكَلامَ بَيْنَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ المَلْعُونِ في شَأْنِ التّابِعِينَ، فَأكَّدَ ما هو المَقْصُودُ، وتَرَكَ تَوْكِيدَ الآخَرِ لِلِاكْتِفاءِ.
هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذُكِرَتْ في عِدَّةِ سُوَرٍ، وقَدْ تُرِكَ في بَعْضِها بَعْضُ ما ذُكِرَ في البَعْضِ الآخَرِ لِلْإيجازِ ثِقَةَ ما ذُكِرَ في ذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ فِيها في مَوْضِعَيْنِ مَثَلًا لَفْظانِ مُتَّحِدانِ مَآلًا مُخْتَلِفانِ لَفْظًا رِعايَةً لِلتَّفَنُّنِ، وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى تَعَدُّدِ الصُّدُورِ، فَيُقالُ مَثَلًا: إنَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ مَرَّةً بِالعِزَّةِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ (ص) بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ وأُخْرى بِإغْواءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أثَرٌ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وحُكْمٌ مِن أحْكامِ سُلْطانِهِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى اخْتِلافِ المَقاماتِ كَتَرْكِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ في الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِها فِيهِما في (ص)، والَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ، ونَفْسُ مَدْلُولِهِ الَّذِي يُفِيدُهُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ إفادَتِهِ لَهُ فَلَيْسَ مِمّا يَجِبُ مُراعاتُهُ عِنْدَ النَّقْلِ البَتَّةَ، بَلْ قَدْ تُراعى، وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ اقْتِضاءِ المَقامِ، ولا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها، بَلْ قَدْ تُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ وخُصُوصِيّاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا حَيْثُ إنَّ مَقامَ الحِكايَةِ اقْتَضَتْها، وهي مِلاكُ الأمْرِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ المَنقُولِ أصْلَ المَعْنى، كَما قَدْ حَقَّقَهُ صَدْرُ المُفْتِينَ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ، فَلْيُراجَعْ، <div class="verse-tafsir"
إِنْ يُوحى إِلَيَّ يعني: ما يوحي إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِلاَّ أَنا رسول بيّن.
ثم قال عز وجل: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ يعني: آدم فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعني: جمعت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يعني: وجعلت الروح فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يعني: اسجدوا له فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ يعني: سجدوا كلهم دفعة واحدة إِلَّا إِبْلِيسَ أبى عن السجود اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني: وصار من الكافرين قالَ يَا إِبْلِيسُ ما منعك يعني: يا خبيث مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف تفسيرها.
يعني: قوله: بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقت بيدي.
وقال بعضهم: تفسيرها كما قال الله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
ولا نفسر اليد.
ونقول: يد لا كالأيدي.
وهذا قول أهل السنة والجماعة.
وقال بعضهم: نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى.
يعني: خلقه بقدرته، وقوته، وإرادته.
فإن قيل: قد خلق الله عز وجل سائر الأشياء بقوته، وقدرته، وإرادته.
فما الفائدة في التخصيص هنا؟
قيل له: قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضاً، وهو قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [يس: 71] ويقال: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بقوتي.
قوة العلم، وقوة القدرة.
ويقال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بماء السماء، وتراب الأرض، كقوله: آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: 59] وكما قال- -: «خَلَقَ الله تَعَالَى الخَلْقَ مِنْ مَاءٍ» وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن.
وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضاً ما له ظهر وبطن.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لاَ تَقُولُوا فَلاَنٌ قَبِيح فَإِن الله عز وجل خلق آدم على صورته» .
ومن قال: إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ولكن المعنى في الخبر، كما روي عن بعض المتقدمين أنه قال: إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة، وخلق آدم- - بتلك الصورة، فمن ذلك قال: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ» ، أي: على تلك الصورة التي اختارها الله.
روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ: بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام، بدليل قوله عز وجل: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ومن قرأ موصولة، فهو على معنى الوجوب.
وتكون أَمْ بمعنى بل، أَسْتَكْبَرْتَ يعني: تعظمت عن السجود أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يعني: بل كنت من العالين، من المخالفين لأمري.
قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
قوله عز وجل: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وقد ذكرناه من قبل قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ يقال: معناه قولي الحق.
وأقول: الحق.
قرأ حمزة وعاصم فَالْحَقُّ بالضم القاف.
وقرأ الباقون، واتفقوا في الثاني أنه بالنصب.
فمن قرأ بالضم فمعناه: أنا الحق، والحق أقول.
ويقال: فمعناه: فالحق مني، والحق أقول.
ويقال: معناه فقولنا الحق، وأقول الحق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء.
يعني: الزموا الحق، واتبعوا الحق.
ثم قال: وَالْحَقَّ أَقُولُ يعني: وأقول الحق كقوله عز وجل: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122] .
ثم قال عز وجل: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: من ذريتك، وممن تبعك في دينك.
قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الذي أتيتكم به من القرآن من أجر، ولكن أعلمكم بغير أجر وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ يعني: ما أتيتكم به من قبل نفسي، وما تكلفته مِن تِلْقَآءِ نفسي، إِنْ هُوَ يعني: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني: إلا عظة للجن، والإنس، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ يعني: خبر هذا القرآن أنه حق بعد حين.
يعني: بعد الموت.
ويقال: بعد الإسلام.
ويقال: بعد ظهور الإسلام، والله أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: بِيَدَيَّ عبارةٌ عن القُدْرَةِ والقُوَّةِ.
وقوله: أَسْتَكْبَرْتَ: المعنى: أَحَدَثَ لك الاسْتكبارُ الآن أم كنتَ قديماً مِمَّنْ لا يليق أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هذا لِعَلُوِّ مَكَانِك وهذا على جهة التوبيخ له.
وقوله تعالى: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ الآية، «الرّجيم» أي: المرجوم بالقول السّيّئ، واللعنةَ: الإبْعَادُ.
وقوله سبحانه: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قال مجاهدٌ، المعنى: فالحقُّ أنا «١» ، وقرأ الجمهور: «فالْحَقَّ وَالحَقَّ» بِنَصْبِ الاثْنَيْنِ، فأما الثاني، فمنصوبٌ ب «أقول» وأما الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الإغْرَاءِ، ويحتملُ أنْ ينتصبَ على القَسَمِ، على إسقاط حرف القسم، كأنه قال: فو الحقّ ثم حَذَفَ الحَرْفَ كَمَا تَقُولُ: اللَّهَ، لأَفْعَلَنَّ، تريدُ واللَّهِ ويقوِّي ذلك قولُه: لَأَمْلَأَنَّ وقد قال سِيبَوَيْهِ: قلتُ للخَلِيلِ: ما معْنَى: «لأَفْعَلَنَّ» إذا جاءتْ مبتدأَةً؟
فقال: هي بتقديرِ قَسَمٍ مَنْوِيٍّ، وقالَتْ فرقةٌ: «الحَقَّ» الأول/ منصوبٌ بفعلِ ومُضمر، وقرأ ابن عباس: «فَالحَقُّ وَالحَقُّ» «٢» برفعِ الاثنين، وقرأ عاصمٌ وحمزة: «فَالحَقُّ» بالرفع، وَ «الحقّ» - بالنصب «٣» -، وهي قراءة مجاهد وغيره «٤» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ.
وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.
ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ؛ والمَعْنى: إنِّي ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ ﴾ \[أيْ\]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ.
وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟
قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ.
وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ.
وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي.
وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما.
قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ.
وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ.
وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ .
﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿ نَبَأهُ ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ.
والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ القائِلُ هو إبْلِيسُ، أقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ عَدُوٌّ اللهِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عِزَّةٌ فَأقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ أنَّهُ يُغْوِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ أجْمَعَ، إلّا مَن أخْلَصَهُ اللهُ لِلْإيمانِ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِثْناءُ الأقَلِّ عَنِ الأكْثَرِ، عَلى بابِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ أقَلُّ مِنَ الكَفَرَةِ بِكَثِيرٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ بَعْثِ النارِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُسْتَثْنى الكَثِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ ويُتْرَكَ الأقَلُّ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ وقالَ مَن ناقَضَهُمُ: العِبادُ هُنا يَعُمُّ البَشَرَ والمَلائِكَةَ، فَبَقِيَ الِاسْتِثْناءُ عَلى بابِهِ في أنَّ الأقَلَّ هو المُسْتَثْنى.
وفَتْحُ اللامِ وكَسْرُها في "المُخْلَصِينَ" تَقَدَّمَ.
والقائِلُ: ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ هو اللهُ تَعالى، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: فالحَقُّ أنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَصْبِ في الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الثانِي فَمَنصُوبٌ بِـ"أقُولُ"، وأمّا الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ الإغْراءَ، أوِ القَسَمَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَوَ الحَقِّ"، ثُمَّ حُذِفَ الحَرْفُ، كَما تَقُولُ: "اللهَ لَأفْعَلَنَّ"، تُرِيدُ: واللهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَأمْلَأنَّ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: قُلْتُ لِلْخَلِيلِ: ما مَعْنى "لَأفْعَلَنَّ" إذا جاءَتْ مُبْتَدَأً؟
فَقالَ: هي بِتَقْدِيرِ قَسَمٍ مَنوِيٍّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ بِرَفْعِ الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَبِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: "لَأمْلَأنَّ"؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، وأمّا الثانِي فَيُرْفَعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْضًا.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالرَفْعِ في الأوَّلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وأبانَ بْنِ تَغْلِبٍ، وإعْرابُ هَذِهِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فالحَقِّ والحَقِّ" بِخَفْضِ القافِ فِيهِما عَلى القَسَمِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِسائِلِ أجْرٍ ولا مالٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ ما لَمْ يُجْعَلْ إلَيْهِ، ولا يَتَحَلّى بِغَيْرِ ما هو فِيهِ.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ ، وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «نادى مُنادِي النَبِيِّ : "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلَّذِينِ لا يَدَّعُونَ ولا يَتَكَلَّفُونَ، ألا إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَكَلُّفِ، وصالِحُو أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِهِ القُرْآنَ، و ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: تَذْكِرَةٌ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ ، وهَذا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَتَعْلَمُنَّ صِدْقَ نَبَئِهِ بَعْدَ حِينٍ مِن تَوَعُّدِكم.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ إلى أيِّ وقْتٍ أشارَ؟
لِأنَّ "الحِينَ" في اللُغَةِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مِنَ الوَقْتِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أشارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: في اللُغَةِ أشارَ إلى الآجالِ الَّتِي لَهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْرِفُ الحَقائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ السُدِّيُّ: أشارَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمٌ عَرَفَ الكُفّارُ فِيهِ صِدْقَ وعِيدِ القُرْآنِ لَهم.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (ص) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
أي قال الله تعالى تفريعاً، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله: ﴿ فبعزَّتِكَ لأُغوينهم أجمعينَ ﴾ [ص: 82].
وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قولُه ﴿ فبعزتك ﴾ [ص: 82] بتأكيدٍ مثله، وهو لفظ ﴿ الحقَّ ﴾ الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف، ولم يزد في تأكيد الخبر على لفظ ﴿ الحق ﴾ تذكيراً بأن وعد الله تعالى حق لا يحتاج إلى قَسَم عليه ترفعاً من جلال الله عن أن يقابل كلام الشيطان بقَسَم مثله.
ولذلك زاد هذا المعنى تقريراً بالجملة المعترضة وهي ﴿ والحقّ أقول ﴾ الذي هو بمعنى: لا أقول إلا الحق، ولا حاجة إلى القَسَم.
وقرأ الجمهور: ﴿ فالحقّ ﴾ بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلاً عن فعل من لفظه محذوففٍ تقديره: أُحقّ، أي أُوْجب وأحقّق.
وأصله التنكير، فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في: أرسلَها العِراك، فهو في حكم النكرة وإنما تعريفه حِلية لفظية إشارة إلى ما يعرفه السامع من أن الحق ما هو وتقدم بيانه في أول الفاتحة.
وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أنه لمَّا تعرف باللام غلبت عليه الاسمية فتنوسي كونه نائباً عن الفعل.
وهذا الرفع إما على الابتداء، أي فالحق قولي، أو فالحق لأملأنّ جهنم الخ، على أن تكون جملة القَسَم قائمة مقام الخبر، وإمّا على الخبرية، أي فقولي الحقّ وتكون جملة ﴿ لأملأنَّ جهنَّمَ ﴾ مُفسر القول المحذوف، ولا خلاف في نصب الحق من قوله: ﴿ والحق أقول.
﴾ وتقدم تفصيل ذلك في أول سورة الفاتحة.
وجملة ﴿ لأملأنَّ جهنَّمَ منكَ ﴾ الخ مبيّنة لجملة ﴿ فالحق ﴾ وهي مؤكدة بلام القسم والنون.
وتقدم المفعول في ﴿ والحق أقول ﴾ للاختصاص، أي ولا أقول إلا الحق.
و (مِن) في قوله: ﴿ منك وممن تبعك ﴾ بيانية وهي التي تدخل على التمييز وينتصب التمييز بتقدير معناها.
وتدخل على تمييز (كَم) في نحو ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ [ص: 3]، وهي هنا بيان لما دل عليه ﴿ لأملأن ﴾ من مقدار مبهم فبيّن بآية ﴿ منك وممن تبعك ﴾ ولما كان شأن مدخول «من» البيانية أن يكون نكرة تعين اعتبار كاف الخطاب في معنى اسم الجنس، أي من جنسك الشياطين إذ لا تكون ذات إبليس مِلأً لجهنم.
وإذ قد عطف عليه وأجْمعينَ } توكيد لضمير ﴿ مِنْكَ ﴾ و«لمَن» في قوله: واعلم أن حكاية هذه المقاولة بين كلام الله وبين الشيطان حكاية لما جرى في خَلد الشيطان من المدارك المترتبة المتولدة في قرارة نفسه، وما جرى في إرادة الله من المسببات المترتبة على أسبابها من خواطر الشيطان لأن العالم الذي جرت فيه هذه الأسباب ومسبباتها عالم حقيقة لا يجري فيه إلا الصدق ولا مطمع فيه لترويج المواربة ولا الحيلة ولذلك لا تعد خواطر الشيطان المذكورة فيه جرأة على جلال الله تعالى ولا تعدّ مجازاة الله تعالى الشيطانَ عليه تنازلاً من الله لمحاورة عبد بغيض لله تعالى.
وقد ذكرنا في تفسير سورة الحجر ما دلت عليه الأقوال التي جرت من الشيطان بين يدي الله تعالى والأقوالُ التي ألقاها الله عليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِقُوَّتِي، قالَهُ عَلِيُّ بُنُّ عاصِمٍ.
الثّانِي: بِقُدْرَتِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ: تَحَمَّلْتُ مِن عَفْراءَ ما لَيْسَ لِي بِهِ ولا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ الثّالِثُ: لِما تَوَلَّيْتُ خَلْقَهُ بِنَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ أيْ عَنِ الطّاعَةِ أمْ تَعالَيْتَ عَنِ السُّجُودِ؟
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنا الحَقُّ، وأقُولُ الحَقَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الحَقُّ مِنِّي والحَقُّ قَوْلِي، رَواهُ الحَكَمُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ حَقًّا لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومَن تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ ما أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ أجْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما أسْألُكم عَلى ما جِئْتُكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ أجْرًا، قالَهُ عَطاءٌ.
﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِهَذا القُرْآنِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي.
الثّانِي: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِأنْ آمُرَكم بِما لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ.
الثّالِثُ: وما أنا بِالَّذِي أُكَلِّفُكُمُ الأجْرَ وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَبَأُ القُرْآنِ أنَّهُ حَقٌّ.
الثّانِي: نَبَأُ مُحَمَّدٍ أنَّهُ رَسُولٌ.
الثّالِثُ: نَبَأُ الوَعِيدِ أنَّهُ صِدْقٌ.
﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَبْرُ اليَقِينُ.
الثّانِي: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وعِكْرِمَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فالحق والحق أقول ﴾ قال: أنا الحق أقول الحق.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه قال: ﴿ فالحق ﴾ رفع ﴿ والحق ﴾ نصب ﴿ أقول ﴾ رفع.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ فالحق ﴾ بالرفع ﴿ والحق أقول ﴾ نصباً قال: يقول الله أنا الحق، والحق أقول.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ فالحق والحق أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ الضمير في قال هنا: لله تعالى، والحق الأول مقسم به وهو منصوب بفعل مضمر كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، بالرفع وهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر تقديره: الحق يميني، وأما الحق الثاني فهو مفعول بأقول وقوله: ﴿ والحق أَقُولُ ﴾ جملة اعتراض بين القسم وجوابه على وجه التأكيد للقسم ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين ﴾ أي الذين يتصنعون ويتحيلون بما ليسوا من أهله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.
بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.
والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.
والباقون: بالمد على التوحيد.
﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.
﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .
﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.
﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.
ومعنى الكل التعب والمشقة.
قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال: نعم، عبدي أيوب.
قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.
فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.
فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.
عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.
القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.
فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.
ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.
ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.
وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.
وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.
وقيل: من أولاد أولاده.
وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.
وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.
وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.
وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.
وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.
قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.
وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.
والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.
ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.
وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.
قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.
ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.
قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.
والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.
وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.
ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.
قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.
قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.
وقال غيره.
في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.
والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.
وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.
وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.
وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.
قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.
وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.
وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.
والأتراب جمع ترب وهي اللدة.
واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.
والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.
وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.
ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.
ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.
والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.
﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.
ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.
وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.
وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.
والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.
يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.
فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.
وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.
وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.
إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.
و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.
وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.
أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.
والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.
وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.
والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.
وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.
وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.
قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.
وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.
وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.
﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.
ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.
﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.
وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.
من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.
فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.
ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.
ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.
ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.
واعلم أنه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.
ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.
ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.
قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.
ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.
ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.
والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.
ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .
وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.
روى ابن عباس عن النبي "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.
قلت: لبيك ربي وسعديك.
قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أعلم.
قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.
قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.
قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً بسبب الحسد والكبر فختم الله السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.
وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.
وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.
والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.
وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.
ثم خاطبوا بها الله فلا يلزم أن يكون الله من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.
أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.
وقال جار الله: كانت مقاولة الله بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.
وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.
والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.
ومنها أنها النعمة.
ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.
والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.
ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟
فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.
ومعنى الهمزة التقرير.
قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.
ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.
وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.
و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.
ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.
أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.
وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.
وقيل: هو القيامة.
وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ .
ليس عليَّ مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما عليَّ الإنذار لكم فقط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .
يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - والله أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، إنما يأمركم لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم.
أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .
أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما الله - وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟
وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، والله أعلم.
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون.
فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ...
﴾ الآية.
اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى هم الملائكة الذين تكلموا في آدم - - حين قال لهم الرب - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، فقالوا عند ذلك: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...
﴾ الآية [البقرة: 30].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا ﴾ كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم.
ومعناه: ما كان [لي] من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليَّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين.
وقال بعضهم: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إليّ وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعاً، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ .
في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ وهو على حقيقة الخصومة.
وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم وما نزل بهم أوحي إليّ فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر؛ أي: كنت كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي وأوحى إليّ أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ .
ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، والله أعلم.
ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان تراباً، ثم صار طيناً ثم ما ذكر [و]وصف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ .
إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .
لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ ﴾ ، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.
ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبي السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافراً؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو [عليه] وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبراً أو استخفافاً - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافراً مخذولاً حقيراً، ليكونوا أبداً على حذر وفزع إلى الله - عز وجل - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند الله وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
أي: كان في علم الله أنه يكفر.
أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبي السجود واستكبر؛ كقوله - عز وجل - لآدم: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أي: تصيرا من الظالمين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت الله ومساجد الله ورسول الله وولي الله وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وإن كان جميع الخلائق هو خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم الربّ والمدح له؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ورزاق، يخلق منشأ العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ .
قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى الله - عز وجل -: منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد يضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة ولا عضو، نحو [ما] قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ و ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد - لما ذكرنا من الأشياء - جارحة ولا عضو، فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق.
أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لِمَا باليد يكون في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال.
أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا الله - عز وجل - متعاليا عن جميع معاني الغير [و] عن كل صفات يوصف بها الغير، على ما ذكر في كتابه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في اعتقادك من العالين أي المستكبرين؟
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ كُنتَ ﴾ : أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت من العالين على ما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: صار من الكافرين.
ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه قال: بلى كنت في [علم] الله أنك تكفر.
أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .
ظن إبليس - عليه لعنة الله - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .
أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال [هذا] عند ذلك.
لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار [و] أول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، والله الموفق.
ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر الله له بسجود من هو خير وأعلى لمن دونه حكمة وحقّاً، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .
قال بعضهم: أي: اخرج من الجنة.
وقال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.
وقال بعضهم: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه بماذا أمره بالخروج منها.
ثم ذكر مرة ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا ﴾ ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ و ﴿ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .
أي: لعين، كأنه قال: فإنّك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم أنه لا يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبداً، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في الآخرة مطرود عن جنته، والله أعلم.
ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴾ وإنما أنظره - والله أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له أبداً.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .
هو يوم اختلف فيه: [قال بعضهم:] ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو النفخة الأولى.
وقال بعضهم: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك وهو معلوم عند الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان الإغواء، فأما من كان في علم الله أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك عليهم، والله أعلم.
ثم قال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ للتوحيد، فإن كان ذلك فيكون قوله : ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ يكون كفرا.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، أي: لأهلكنهم.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله [أعلم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ .
قرئ بنصبهما جميعاً: ﴿ فالحقَّ والحق أقول ﴾ ، وقد قرئ أيضاً برفع الأول ونصب الثاني: ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ ﴾ .
فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - والله أعلم - ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ أي: مني يكون الحق على هذا.
ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيداً على ما ذكر على أثره كأنه يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد الله أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما وعد وألا يخرج خبره على الصدق.
فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك.
وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟
فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم على زعمكم، لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن الله علم أنه يكون منهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لأملأن يوم القيامة جهنم منك وممن تبعك في كفرك من بني آدم أجمعين.
<div class="verse-tafsir" id="91.0myXN"