الآية ٦٥ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٦٥ من سورة غافر

هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( هو الحي لا إله إلا هو ) أي : هو الحي أزلا وأبدا ، لم يزل ولا يزال ، وهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، ( لا إله إلا هو ) أي : لا نظير له ولا عديل له ، ( فادعوه مخلصين له الدين ) أي : موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ( الحمد لله رب العالمين ) .

قال ابن جرير : كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال : " لا إله إلا الله " أن يتبعها ب " الحمد لله رب العالمين " ، عملا بهذه الآية .

ثم روى عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، عن أبيه ، عن الحسين بن واقد ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : من قال : " لا إله إلا الله " فليقل على أثرها : " الحمد لله رب العالمين " فذلك قوله تعالى : ( فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) .

وقال أبو أسامة وغيره ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن سعيد بن جبير قال : إذا قرأت : ( فادعوا الله مخلصين له الدين ) [ غافر : 14 ] ، فقل : " لا إله إلا الله " وقل على أثرها : " الحمد لله رب العالمين " ثم قرأ هذه الآية : ( فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( هُوَ الْحَيُّ ) يقول: هو الحي الذي لا يموت, الدائم الحياة, وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها( لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته, وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته, فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين, مخلصين له الطاعة, مفردين له الألوهة, لا تشركوا في عبادته شيئا سواه, من وثن وصنم, ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: الشكر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق, من ملك وجن وإنس وغيرهم, لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا, ولا تقدر على ضرّ ولا نفع, بل هو مملوك, إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعًا.

وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله, أن يتبع ذلك: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) تأولا منهم هذه الآية, بأنها أمر من الله بقيل ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق, قال: سمعت أبي, قال: أخبرنا الحسين بن واقد, قال: ثنا الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: من قال لا إله إلا الله, فليقل على إثرها: الحمد لله ربّ العالمين, فذلك قوله: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).

حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري (1) قال: ثنا محمد بن يزيد, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير, قال: " إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, فليقل: الحمد لله ربّ العالمين, ثم قال: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

حدثني محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن بشر, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله, يتبعها الحمد لله, ثم قرأ هذه الآية: ( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن سعيد بن جبير, قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده, فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين, ثم قرأ ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

------------------------ الهوامش: (1) كذا في التقريب والتهذيب .

وفي الخلاصة : عبد الحميد بن بيان اليشكري ، أبو الحسن العطار الواسطي توفى سنة 244 هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

هو الحي أي الباقي الذي لا يموت لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين أي الطاعة والعبادة .

الحمد لله رب العالمين قال الفراء : هو خبر وفيه إضمار أمر أي : ادعوه واحمدوه .

وقد مضى هذا كله مستوفى في " البقرة " وغيرها .

وقال ابن عباس : من قال : " لا إله إلا الله " فليقل الحمد لله رب العالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ هُوَ الْحَيُّ } الذي له الحياة الكاملة التامة، المستلزمة لما تستلزمه من صفاته الذاتية، التي لا تتم حياته إلا بها، كالسمع، والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، وغير ذلك، من صفات كماله، ونعوت جلاله.{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي: لا معبود بحق، إلا وجهه الكريم.

{ فَادْعُوهُ } وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: اقصدوا بكل عبادة ودعاء وعمل، وجه الله تعالى، فإن الإخلاص، هو المأمور به كما قال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: جميع المحامد والمدائح والثناء، بالقول كنطق الخلق بذكره، والفعل، كعبادتهم له، كل ذلك للّه تعالى وحده لا شريك له، لكماله في أوصافه وأفعاله، وتمام نعمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين )قال الفراء : هو خبر وفيه إضمار الأمر ، مجازه : فادعوه واحمدوه .

وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال : من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين ، فذلك قوله - عز وجل - : " فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الحي لا إله إلا هو فادعوه» اعبدوه «مخلصين له الدين» من الشرك «الحمد لله رب العالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الله سبحانه الحي الذي له الحياة الكاملة التامة لا إله غيره، فاسألوه واصرفوا عبادتكم له وحده، مخلصين له دينكم وطاعتكم.

فالحمد لله والثناء الكامل له رب الخلائق أجمعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( هُوَ الحي ) أى : هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية .

.( لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله .( فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) أى : فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم ، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل ، حالة كونكم قائلين : الحمد لله رب العالمين .قال ابن جرير : كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله ، أن يتبعها بقوله : ( الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) عملا بهذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته إما أن تكون من دلائل الآفاق أو من باب دلائل الأنفس، أما دلائل الآفاق فالمراد كل ما هو غير الإنسان من كل هذا العالم وهي أقسام كثيرة، والمذكور منها في هذه الآية أقسام منها أحوال الليل والنهار وقد سبق ذكره.

وثانيها: الأرض والسماء وهو المراد من قوله: ﴿ الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسماء بِنَاء ﴾ قال ابن عباس في قوله: ﴿ قَرَاراً ﴾ أي منزلاً في حال الحياة وبعد الموت ﴿ والسماء بِنَاء ﴾ كالقبة المضروبة على الأرض، وقيل مسك الأرض بلا عمد حتى أمكن التصرف عليها ﴿ والسماء بِنَاء ﴾ أي قائماً ثابتاً وإلا لوقعت علينا، وأما دلائل الأنفس فالمراد منها دلالة أحوال بدن الإنسان ودلالة أحوال نفسه على وجود الصانع القادر الحكيم، والمذكور منها في هذه الآية قسمان أحدها: ما هو حاصل مشاهد حال كما حاله والثاني: ما كان حاصلاً في ابتداء خلقته وتكوينه.

أما القسم الأول: فأنواع كثيرة والمذكور منها في هذه الآية أنواع ثلاثة أولها: حدوث صورته وهو المراد من قوله: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ ﴾ .

وثانيها: حسن صورته وهو المراد من قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ .

وثالثها: أنه رزقه من الطيبات وهو المراد من قوله: ﴿ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات ﴾ وقد أطنبنا في تفسير هذه الأشياء في هذا الكتاب مراراً لا سيما في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ  ﴾ ولما ذكر الله تعالى هذه الدلائل الخمسة اثنين من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فتبارك الله رَبُّ العالمين ﴾ وتفسير تبارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات، ثم قال: ﴿ هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو، فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعاً ذاتياً وحينئذٍ لا حي إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم.

واعلم أن الحي عبارة عن الدراك الفعال والدراك إشارة إلى العلم التام، والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة، ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي: الوحدانية بقوله لا إله إلا هو، ولما وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها: بالدعاء والثاني: بالإخلاص فيه، فقال: ﴿ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ ثم قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فيجوز أن يكون المراد قول: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولما بيّن صفات الجلال والعظمة قال: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ فأورد ذلك على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبيّن أن وجه النهي في ذلك ما جاءه من البينات، وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل.

ولما بيّن أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه إلا الأفضل الأكمل، فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه، ثم قال: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ﴾ .

واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس، أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه الآية أربعة: الليل والنهار والأرض والسماء، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها: الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة، والمذكور هاهنا منها ثلاثة أنواع: الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات.

وأما القسم الثاني: وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ فقيل المراد آدم، وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان، فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان فهو متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم، فالله تعالى ترك ذكرها هاهنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الآيات.

واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها: كونه طفلاً.

وثانيها: أن يبلغ أشده.

وثالثها: الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء والنماء وهو المسمى بالطفولية والمرتبة الثانية: أن يبلغ إلى كمال النشوء وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف، وهذه المرتبة هي المراد من قوله: ﴿ لتبلغوا أشدكم ﴾ والمرتبة الثالثة: أن يتراجع ويظهر فيه أثر من آثار الضعف والنقص، وهذه المرتبة هي المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً ﴾ وإذا عرفت هذا التقسيم عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التقسيم لا تزيد على هذه الثلاثة، قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا.

ثم قال: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطاً.

ثم قال: ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى ﴾ ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى وهو وقت الموت وقيل يوم القيامة.

ثم قال: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه أيضاً دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة، وهي أنه جعل الأرض مستقراً ﴿ والسمآء بِنَآءً ﴾ أي: قبة.

ومنه: أبنية العرب لمضاربهم؛ لأن السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ وقرئ: بكسر الصاد والمعنى واحد.

قيل: لم يخلق حيواناً أحسن صورة من الإنسان.

وقيل: لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله تعالى: ﴿ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] ﴿ فادعوه ﴾ فاعبدوه ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ أي: الطاعة من الشرك والرياء، قائلين: ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من قال: لا إله إلاّ الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً ﴾ اسْتِدْلالٌ ثانٍ بِأفْعالٍ أُخَرَ مَخْصُوصَةٍ.

﴿ وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ بِأنَّ خَلْقَكم مُنْتَصِبُ القامَةِ بادِي البَشَرَةِ مُتَناسِبُ الأعْضاءِ، والتَّخْطِيطاتِ مُتَهَيِّئٌ لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكَمالاتِ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ اللَّذائِذِ.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فَإنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ مُفْتَقِرٌ بِالذّاتِ مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ.

﴿ هُوَ الحَيُّ ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا مُوجِدَ سِواهُ ولا مَوْجُودَ يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.

﴿ فادْعُوهُ ﴾ فاعْبُدُوهُ.

﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ.

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قائِلِينَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه} فاعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} أي الطاعة من الشرك والرياء قائلين {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الحَيُّ ﴾ المُنْفَرِدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فادْعُوهُ ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِهِ تَعالى.

وتَفْسِيرُ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ والجَلِيِّ وأنَّهُ الألْيَقُ بِالتَّرَتُّبِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِعُنْوانِ الدُّعاءِ لِأنَّ اللّائِقَ هو العِبادَةُ عَلى وجْهِ التَّضَرُّعِ والِانْكِسارِ والخُضُوعِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ ..

إلَخْ.

.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَـ ( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ) ..

إلَخْ.

مِن كَلامِ المَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ إنْشاءُ حَمْدِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يعني: التوراة فيها هدى، ونور من الضلالة، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني: أعطيناهم على لسان الرسل التوراة، والإنجيل، والزبور هُدىً أي: بياناً من الضلالة.

ويقال: فيه نعت محمد  وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: عظة لذوي العقول.

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى المشركين.

فإن وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة.

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.

وهذا قبل نزول قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] .

ويقال: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لذنب أمتك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: صل بأمر ربك بِالْعَشِيِّ أي: صلاة العصر، وَالْإِبْكارِ يعني: صلاة الغداة.

ويقال: سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره.

إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ قال الكلبي ومقاتل: يعني: اليهود، والنصارى، كانوا يجادلون في الدجال.

وذلك أنهم كانوا يقولون: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان، فيخوض البحر، وتجري معه الأنهار، ويرد علينا الملك.

فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: في الدجال.

لأن الدجال آية من آيات الله، بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ من الله.

إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ أي: ما في قلوبهم إلا عظمة مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ يعني: ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في قلوبهم، بأن الدجال منهم.

وقال القتبي: إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلاَّ تكبراً على محمد  ، وطمعاً أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك.

وقال الزجاج: معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله.

وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: إن اليهود ذكروا الدجال، وعظموا أمره، فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: إن الدجال من آيات الله فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من فتنة الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقول اليهود، الْبَصِيرُ يعني: العليم بأمر الدجال.

ويقال: السَّمِيعُ لدعائك، الْبَصِيرُ برد فتنة الدجال عنك.

لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الكلبي ومقاتل: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الدجال.

ويقال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الناس بعد موتهم.

يعني: أنهم يبعثون يوم القيامة، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن الدجال خلق من خلق الله.

ويقال: لا يعلمون أن الله يبعثهم، ولا يصدقون.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر، والمؤمن في الثواب، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني: لا يستوي الصالح، مع الطالح، قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون، ويعتبرون.

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

والباقون: بالياء يَتَذَكَّرُونَ على معنى الخبر عنهم.

وفي كلا القراءتين مَا للصلة، والزينة.

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها يعني: قيام الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون الله تعالى.

وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الكلبي معناه: وحدوني، أغفر لكم.

وقال مقاتل: معناه: وقال ربكم لأهل الإيمان، ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي أي: عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني.

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي يعني: الدعاء بعينه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ يعني: أستجب دعاءكم.

وقال بعض المتأخرين: معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا خطأ، أستجب لكم مع العطاء.

وروى النعمان بن بشير، عن النبي  أنه قال: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين، عن أبي عمرو: سَيَدْخُلُونَ بضم الياء، ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وتكون جهنم مفعولاً ثانياً.

والباقون: يدخلون بنصب الياء، وضم الخاء، على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ أي: خلق لكم الليل، لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه، وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: مضيئاً لابتغاء الرزق، والمعيشة.

ويقال: مُبْصِراً معناه: يبصر فيه، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: على أهل مكة بتأخير العذاب عنهم.

ويقال لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: على جميع الناس، بخلق الليل والنهار، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ لربهم في النعمة فيوحدونه، ويطيعونه.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذا هو ربكم، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون، وتحولون.

ويقال: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: من أين تكذبون، كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي: هكذا يكذب.

ويقال: هكذا يحول، والَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ويقال: هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي: بسط لكم الأرض، وجعلها موضع قراركم، وَالسَّماءَ بِناءً أي: خلق السماء فوقكم مرتفعاً، وَصَوَّرَكُمْ أي: خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على صورة الدَّواب، فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي: أحكم خلقكم، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: الحلالات.

يقال: اللذيذات، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: فتعالى الله رب العالمين.

ويقال: هو من البركة يعني: البركة منه.

هُوَ الْحَيُّ يعني: هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: بالتوحيد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: قولوا الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا نظرَ مع الحديث، والوَجَلُ: نحو الاشفاق والخوف، وصورة هذا الوَجِلِ إمَّا المُخَلِّطُ فينبغي أنْ يكونَ أبداً تحت خوف من أنْ يكونَ ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإمَّا التَّقِيُّ أوِ التائب، فخوفه أمرَ الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموتِ، وفي قوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ: تنبيهٌ على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البِرِّ، ويخافون أَلاَّ يُنْجِيَهُم ذلك من عذاب رَبِّهِم «٢» ، وهذه عبارة حسنة، ورُوِيَ عن الحَسَنِ أيضاً أَنَّهُ قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقةً، والمنافِقُ يجمع إساءَةً وأمناً «٣» .

قلت: ولهذا الخَطْبِ العظيم أطال الأولياءُ في هذه الدار حُزْنَهُمْ وأجروا على الوجنات «٤» مدامعهم.

قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا سفيان قال: إنما الحُزْنُ على قَدْرِ البصيرة «٥» .

قال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عُبِدَ اللهُ بمثل طُولِ الحُزْنِ «٦» ، وقال ابن المبارك أيضاً: أخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التَّيْمِيِّ قال:

أَنَّ مَنْ أُوتي من العلم ما لا يُبْكِيهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلماً ينفعه لأَنَّ الله تعالى نعت ٣٢ أالعلماء فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ/ إلى قوله: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ «٧» [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩] انتهى.

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.

والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.

وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها.

والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مِن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا سَرَدَتِ الآياتُ صِفاتِ اللهِ تَعالى الَّتِي تُبَيِّنُ فَسادَ حالِ الأصْنامِ كانَ مِن أبْيَنِها أنَّ الأصْنامَ مَواتٌ جَمادٌ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الحَيُّ القَيُّومُ، وصُدُورُ الأمْرِ مِن لَدُنْهُ، وإيجادُ الأشْياءِ وتَدْبِيرُ الأمْرِ كُلِّهِ وعِلْمُهُ بِالكُلِّ، دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ حَيٌّ لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ: ﴿ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ كَلامٌ مُتَّصِلٌ مُقْتَضاهُ: ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ بِالحَمْدِ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" فَلْيَقُلْ أثَرَها: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ"، وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ أمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ نُهِيَ عن عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها الكُفّارُ مِن دُونَ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ووَقَعَ النَهْيُ لَمّا جاءَهُ الوَحْيُ والهُدى مِن رَبِّهِ، وأُمِرَ بِالإسْلامِ الَّذِي هو الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ أنْ أسْتَسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ وأخْضَعَ لَهُ بِالطاعَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ بِالعِبْرَةِ في ابْنِ آدَمَ وتَدْرِيجِ خَلْقِهِ، فَأوَّلَهُ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَجَعَلَ البَشَرَ مِنَ التُرابِ كَما كانَ مُنْسَلًّا مِنَ المَخْلُوقِ مِنَ التُرابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى التَناسُلِ مِن آدَمَ فَمَن بَعْدِهِ و"النُطْفَةُ" [هِيَ] الماءُ الَّذِي خُلِقَ المَرْءُ مِنهُ، و"العَلَقَةُ": الدَمُ الَّذِي يَصِيرُ مِنَ النُطْفَةِ، و"الطِفْلُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، و"بُلُوغُ الأشُدِّ" اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وأرْبَعُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشْرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشْرَ، وهَذِهِ الأقْوالُ الأخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ في الأشُدِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى مَن قَبْلُ ﴾ عِبارَةٌ تَتَرَدَّدُ في الأدْراجِ المَذْكُورَةِ كُلِّها، فَمِنَ الناسِ مَن يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا، وآخَرُونَ قَبْلَ الأشُدِّ، وآخَرُونَ قَبْلَ الشَيْخُوخَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنافُ كُلُّها مَخْلُوقَةٌ مُيَسَّرَةٌ لِيَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنها أجَلًا مُسَمًّى لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، ولْتَكُونَ مُعْتَبِرًا، ولَعَلَّكم أيُّها البَشَرُ تَعْقِلُونَ الحَقائِقَ إذا نَظَرْتُمْ في هَذا وتَدَبَّرْتُمْ حِكْمَةَ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ .

استئناف ثالث للارتقاء في إثبات إلهيته الحقِّ بإثبات ما يناسبها وهو الحياة الكاملة، فهذه الجملة مقدمة لجملة ﴿ لا إله إلاَّ هُوَ ﴾ فإثبات الحياة الواجبة لذاته فإن الذي رَبَّ العالمين وأوجدَهم على أكمل الأحوال وأمدهم بما به قوامهم على ممر الأزمان لا جرم أنه موصوف بالحياة الحق لأن مدبّر المخلوقات على طول العصور يجب أن يكون موصوفاً بالحياة، إذ الحياة (مع ما عرض من عسر في تعريفها عند الحكماء والمتكلمين) هي صفة وجودية تصحح لمن قامت به الإِدراكَ والإِرادة والفعل، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ في سورة [البقرة: 28].

فإن كان اتصاف موصوفها بها مسبوقاً بعدم فهي حياة ممكنة عارضة مثل حياة الملائكة وحياة الأرواح وحياة الإنسان وحياة الحيوان وحياة الأساريع، فتكون متفاوتة في موصوفاتها بتفاوت قوتها فيها ومتفاوتة في موصوفها الواحد بتفاوت أزمانها مثل تفاوت حياة الشخص الواحد في وقت شبابه، وحياته في وقت هرمه ومثل حياة الشخص وقت نشاطه وحياته وقت نومه، وبذلك التفاوت تصير إلى الخفوت ثم إلى الزوال، ويظهر أثر تفاوتها في تفاوت آثارها من الإِدراك والإِرادة والفعل.

وإن كان اتصاف موصوفها بها أزليًّا غير مسبوق بعدم فهي حياة واجب الوجود سبحانه وهي حياة واجبة ذاتية.

وهي الحياة الحقيقية لأنها غير معرَّضة للنقص ولا للزوال، فلذلك كان الحيّ حقيقة هو الله تعالى كما أنبأت عنه صيغة الحصر في قوله: ﴿ هُوَ الحَيُّ ﴾ وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بحياة ما سواه من الأحياء لأنها عارضة ومعرّضة للفناء والزوال.

فموقع قوله: ﴿ لا إله إلاَّ هُوَ ﴾ موقع النتيجة من الدليل لأن كل من سواه لا حياة له واجبةً، فهو معرض للزوال فكيف يكون إلهاً مدبراً للعالم.

وجميع ما عبد من دون الله هو بَيْن ما لم يتصف بالحياة تماماً كالأصنام من الحجارة أو الخشب أو المعادن.

ومثلَ الكواكب الشمسسِ والقمر والشجر، وبين ما اتّصف بحياة عارضة غير زائلة كالملائكة، وبين ما اتصف بحياة عارضة زائلة من معبودات البشر مثل (بُوذة) و(بَرْهَما) بَلْهَ المعبودات من البقر والثعابين.

قال تعالى: ﴿ والذين تدعون من دون اللَّه لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ [النحل: 20] أي لا يستطيع أحدهم التصرف بالإِيجاد والإِحياء وهو مخلوق، أي معرض للحياة ﴿ أمواتٌ غير أحياء وما يشعرون أيّان يبعثون ﴾ [النحل: 21] فجعل نفي الحياة عنهم في الحال أو في المآل دلالة على انتفاء إلهيتهم وجعل نفي إدراك بعض المدركات عنهم دلالة على انتفاء إلهيتهم.

وبعد اتضاح الدلالة على انفراده تعالى بالإِلهية فرع عليه الأمر بعبادته وحده غير مشركين غيره في العبادة لنهوض انفراده باستحقاق أن يُعبد.

والدعاء: العبادة لأنها يلازمها السؤال والنداء في أولها وفي أثنائها غالباً، لأن الدعاء عنوان انكسار النفس وخضوعها كما تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وقَالَ رَبُّكم ادعُوني أستَجِبْ لَكُم ﴾ [غافر: 60] وكما في قوله الآتي: ﴿ بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً ﴾ [غافر: 74].

والإِخلاص: الإِفراد وتصفية الشيء مما ينافيه أو يفسده.

والدين: المعاملة.

وأطلق على الطاعة وهو المراد هنا لأنها أشد أنواع المعاملة بين المطيع والمطاع.

والمعنى: فإذ كان هو الحي دون الأصنام وكان لا إله غيره فاعبدوه غير مشركين معه غيره في عبادته.

ويدخل في ماهية الإِخلاص دخولاً أولياً ترك الرِّيَاء في العبادة لأن الرياء وهو أن يقصد المتعبد من عبادته أن يَراه الناس سواء كان قصداً مجرداً أو مخلوطاً مع قصد التقرب إلى الله.

كل ذلك لا يخلو من حصول حظ في تلك العبادة لِغير الله وإن لم يكن ذلك الحظ في جوهرها.

وهذا معنى ما جاء في الحديث «إن الرياء الشرك الأصغر».

وتقديم ﴿ له ﴾ المتعلق بمخلصين على مفعول ﴿ مخلصين ﴾ لأنه الأهم في هذا المقام به لأنه أشد تعلقاً بمتعلقه من تعلق المفعول بعامله.

﴿ الدين الحمد للَّهِ رَبِّ ﴾ يجوز أن تكون إنشاء للثناء على الله كما هو شأن أمثالها في غالب مواقع استعمالها كما تقدم في سورة الفاتحة، فيجوز أن تكون متصلة بفعل ﴿ فادعوه ﴾ على تقدير قول محذوف، أي قائلين، الحمد لله رب العالمين، أو قولوا: الحمد لله رب العالمين، وقرينة المحذوف هو أن مثل هذه الجملة مما يجري على ألسنة الناس كثيراً فصارت كالمثل في إنشاء الثناء على الله.

والمعنى: فاعبدوه بالعمل وبالثناء عليه وشكره.

ويجوز أن تكون كلاماً مستأنفاً أريد به إنشاء الثناء على الله من نفسه تعليماً للناس كيف يحمدونه، كما تقدم في وجوه نظيرها في سورة الفاتحة.

أو جارياً على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم على نحو قوله تعالى: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للَّه رب العالمين ﴾ [الأنعام: 45] عقب قوله: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللَّه أو أتتكم الساعة أغير اللَّه تدعون إن كنتم صادقين ﴾ الآيات من سورة [الأنعام: 40].

وعندي: أنه يجوز أن يكون ﴿ الحمد ﴾ مصدراً جيء به بدلاً من فعله على معنى الأمر، أي أحمدوا اللَّه ربَّ العالمين.

وعدل به عن النصب إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات كما تقدم في أول الفاتحة.

وفصل الجملة عن الكلام الذي قبلها أسعد بالاحتمالين الأول والرابع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ مِن عَمَلِ النَّهارِ.

الثّانِي: لِتَكُفُّوا فِيهِ عَنْ طَلَبِ الأرْزاقِ.

الثّالِثُ: لِتُحاسِبُوا فِيهِ أنْفُسَكم عَلى ما عَمِلْتُمْ بِالنَّهارِ.

﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْصِرًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ.

الثّانِي: مُبْصِرًا لِمَطالِبِ الأرْزاقِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ يُصْرَفُ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: كَذَلِكَ يُكَذَّبُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: كَذَلِكَ يُعْدَلُ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرهما الحمد لله رب العالمين.

وذلك قوله: ﴿ فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله يتبعها الحمد لله رب العالمين، ثم يقرأ هذه الآية ﴿ هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ﴾ يعني المستلذات، لأنه جاء ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذات، وإذا جاء في معرض التحليل والتحريم فيراد به الحلال والحرام ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ هذا متصل بما قبله، قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقديره: ادعوه مخلصين قائلين ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ ولذلك قال ابن عباس: من قال لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين، ويحتمل أن يكون الحمد لله استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.

الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.

وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.

﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.

وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".

ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.

ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.

والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.

وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه  مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.

ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.

والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.

قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.

وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي  لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.

ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله  عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.

ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.

ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.

ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله  ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً  ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله  قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.

وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.

وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان  ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.

وفي الدعاء.

قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.

وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.

ثم إنه  ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".

وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.

وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟

ففي تحريض على الدعاء.

وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".

قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.

قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله  لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.

قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.

قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.

وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.

وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.

وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.

ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.

وما أرسل به الرسل سائر الكتب.

وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.

بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.

والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.

ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.

والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.

وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.

ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.

ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.

ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.

وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.

وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.

واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.

وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.

﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.

ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.

قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.

لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.

وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.

ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.

ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله  ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله  ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.

عن علي  .

بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.

ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله  ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.

وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.

ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.

أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.

وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.

وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.

وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .

ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.

وقد سبق.

وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.

وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.

قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.

وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد  ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى  فقيل له: لو هاجرت إليه؟

فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.

ويروى أن جالينوس قال لعيسى  : بعثت لغيرنا.

ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا  ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.

وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.

ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.

ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.

وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.

وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.

وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.

قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ...

﴾ الآية.

نزلت في أهل التوحيد يقول: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، ثم تخرج على الاستغفار مرة؛ لما كان منهم من التضييع في حقوق الله  وما أمرهم به ونهاهم عنه والتفريط في ذلك، استغفروا أغفر لكم.

ويحتمل ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ : اطلبوا مني التوبة عن ذلك أتوب عليكم، والله أعلم.

وإن كانت الآية في أهل الكفر فيكون قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.

ويحتمل اعبدوني أغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وقد جاء في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ...

﴾ " ، وفي بعض الأخبار: "الدعاء مخ العبادة"، وأصل هذا: أنه ينظر كل أحد إلى ما ارتكبه، فإن كان سببا يستوجب به العقوبة كان استغفاره القيام بقضاء ما تركه وضيعه، والعزم على ألا يعود إلى ذلك أبداً، وإن كان سبباً غير معروف، تركه [و]يستغفر الله  في ذلك، ويطلب منه التجاوز والمغفرة، وأصل ذلك ما قال الله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي  ﴾ .

ذكر الإجابة بالشريطة، وهو أنهم إذا آمنوا به وأوفوا عهده يعرف لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

استدل بعض الناس بهذه الآية على أن قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ ﴾ إنما أراد به العبادة على ما ذكرنا.

فإن قيل: إن هذه السورة نزلت بمكة، وأهل مكة كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وفي ظاهر ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته، لكنهم لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله فعبدوا غيره دونه، كمن يعظم ويخدم خادما من خدم ملك من ملوك الدنيا لا يكون مستكبراً عن خدمة الملك.

لكن تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله  أمر عباده بطاعة رسوله والإجابة له إلى ما يدعوهم، فإذا لم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه ولم يطيعوه استكبارا منهم وتكبرا عليه، صار ذلك منهم كالاستكبار عن طاعة الله وعن عبادته.

والثاني: أنهم وإن كانوا عبدوا الأصنام رجاء أن تقربهم إلى الله زلفى، ولم يقصدوا قصد الاستكبار عن عبادته فهم تركوا عبادته، مع أنهم أمروا بها وبلغ إليهم أمره على ألسن الرسل، فكأنهم استكبروا عن عبادة الله  ؛ إذ في الشاهد يخدم المرء لبعض خواص الملك ليقربه إليه: إذا أمره الملك أن يخدمه وقربه إلى مجلسه فامتنع - يقدر ذلك منه استكبارا، ويبين أن خدمته لذلك ما كان ليقربه إلى الملك؛ حيث قربه فلم يقرب، ففي الغائب كذلك؛ لذلك كان استكبارا منهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين ذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، يستأدي بذلك شكره، حيث قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ راحة لأنفسكم وأبدانكم، ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ تبصرون فيه معايشكم وما تحتاجون إليه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ أي: يبصر به وفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أخبر أن ذلك كله منه لهم فضل ومنة ورحمة لا باستحقاق يستحقون ذلك قبله ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

يقول: ذلك الذي صنع بكم هو ربكم لا الأصنام التي تعبدون من دونه، ﴿ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هو خلقكم وخلق كل شيء واحد لا شريك له، ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: أنى تصرفون وتعدلون عن عبادته والقيام بشكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .

عن عبادته والقيام بشكره قبلكم، وأصل الإفك: الصرف؛ كقوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  ﴾ أي: لتصرفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً ﴾ .

يذكرهم عظم نعمه عليهم حيث جعل لهم الأرض بحيث يقرون عليها ويتعيشون، والسماء بناء عليهم حيث لا تسقط عليهم، وجعل منافع بعضها متصلة بمنافع البعض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن ذلك كله صنع واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ ﴾ أي: أحكم وأتقن في الدلالة على معرفة وحدانية الله  وربوبيته، على ما أظهر في كل شيء من الدلالة على وحدانيته وربوبيته.

والثاني: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، أي: حسن تركيبها منتصباً قامتها غير منكبة كسائر الصور التي خلقها منكبة على وجهها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: رزقكم من الحلال، لكن الأشبه: أي: رزقكم من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأن الله  أخرج من الأرض نباتاً مختلفاً جعل أطيبه وألينه رزقاً للبشر، وسائره رزقاً للدواب.

﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ ﴾ .

ذلك الذي صنع بكم هذا هو ربكم، لا الأصنام التي تعبدونها.

﴿ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ ٱلْحَيُّ ﴾ : الذي لا يموت أبداً، لكن هذا مما يعرفه كل أحد، وأصل الحي هو النهاية والغاية في الثناء عليه والمدح، لا كل شيء يبلغ في الانتفاع به غايته يسمى: حيّاً، نحو الأرض والأشجار وكل شيء يبلغ في الانتفاع به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

هو المعبود في لسان العرب، ويسمى العرب كل معبود: إلهاً، كأنه يقول: لا إله ولا معبود يستحق العبادة إلا هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

أي: ادعوه بإخلاص الدين له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أي اعبدوه مخلصين له العبادة، لا تشركوا فيها غيره؛ من نحو ما كانوا يعبدون الأصنام دونه رجاء الشفاعة لهم وتقريبهم إليه، أخلصوا العبادة والدين، والإخلاص: هو التصفية له.

والثاني: ادعوه على حقيقة الدعاء له والتسمية؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ادعوه وسموه: إلها، لا تدعوا ولا تسموا غيراً: إلها؛ لأنهم كانوا يسمون ويدعون الأصنام التي عبدوها: آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ﴾ على خلقه بما أنعم عليهم وصنع إليهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الحي الذي لا يموت، لا معبود بحق غيره، فادعوه دعاء عبادة ومسالة؛ قاصدين وجهه وحده، ولا تشركوا معه غيره من مخلوقاته، الحمد لله رب المخلوقات.

<div class="verse-tafsir" id="91.NrDEv"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله