الآية ١٤ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ١٤ من سورة الجاثية

قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) أي : يصفحوا عنهم ويحملوا الأذى منهم .

وهذا كان في ابتداء الإسلام ، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ؛ ليكون ذلك لتأليف قلوبهم ، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد .

هكذا روي عن ابن عباس ، وقتادة .

وقال مجاهد [ في قوله ] ( لا يرجون أيام الله ) لا يبالون نعم الله .

وقوله : ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) أي : إذا صفحوا عنهم في الدنيا ، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة ;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين صدّقوا الله واتبعوك, يغفروا للذين لا يخافون بأس الله ووقائعه ونقمه إذا هم نالوهم بالأذى والمكروه ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) يقول: ليجزي الله هؤلاء الذين يؤذونهم من المشركين في الآخرة, فيصيبهم عذابه بما كانوا فى الدنيا يكسبون من الإثم, ثم بأذاهم أهل الإيمان بالله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه, وكانوا يستهزئون به, ويكذّبونه, فأمره الله عزّ وجلّ أن يقاتل المشركين كافَّة, فكان هذا من المنسوخ.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله ( لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: لا يُبالون نِعم الله, أو نِقم الله.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: لا يُبالون نِعم الله.

وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين.

وإنما قُلنا: هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك.

* ذكر من قال ذلك: وقد ذكرنا الرواية في ذلك عن ابن عباس، حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة في قوله ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: نسختها ما في الأنفال فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وفي براءة قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ .

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: هذا منسوخ, أمر الله بقتالهم في سورة براءة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة عمن ذكره عن أبي صالح ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: نسختها التي في الحج أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا .

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) قال: هؤلاء المشركون, قال: وقد نسخ هذا وفرض جهادهم والغلظة عليهم.

وجزم قوله (يَغْفِرُوا) تشبيها له بالجزاء والشرط وليس به, ولكن لظهوره في الكلام على مثاله, فعرّب تعريبه, وقد مضى البيان عنه قبل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا ) فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: (لِيَجْزِي) بالياء على وجه الخبر عن الله أنه يجزيهم ويثيبهم وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الكوفيين " لنجزي" بالنون على وجه الخبر من الله عن نفسه.

وذُكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤه ( لِيُجْزَى قَوْمًا ) على مذهب ما لم يسمّ فاعله, وهو على مذهب كلام العرب لحن، (1) إلا أن يكون أراد: ليجزي الجزاء قوما, بإضمار الجزاء, وجعله مرفوعا( لِيُجْزِي ) فيكون وجها من القراءة, وإن كان بعيدا (2) .

والصواب من القول في ذلك عندنا أن قراءته بالياء والنون على ما ذكرت من قراءة الأمصار جائزة بأيّ تينك القراءتين قرأ القارئ.

فأما قراءته على ما ذكرت عن أبي جعفر, فغير (3) جائزة عندي لمعنيين: أحدهما: أنه خلاف لما عليه الحجة من القرّاء, وغير جائز عندي خلاف ما جاءت به مستفيضا فيهم.

والثاني بعدها من الصحة فى العربية إلا على استكراه الكلام على غير المعروف من وجهه.

------------------------ الهوامش: (1) ليس كلام العرب حجة على القراءة ولكن القراءة حجة على كلامهم.

(2) يجوز أن يكون الفاعل نائب فاعل هو قوله تعالى (بما كانوا يكسبون).

(3) قوله: فغير جائزة، هذا خطأ لأن القراءة عشرية صحيحة متواترة في قوة السبعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون .قوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا جزم على جواب قل تشبيها بالشرط والجزاء كقولك : قم تصب خيرا .

وقيل : هو على حذف اللام .

وقيل : على معنى قل لهم اغفروا يغفروا ، فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه ، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي .

ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به .

قال ابن العربي : وهذا لم يصح .

وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق ، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها ( المريسيع ) فأرسل عبد الله غلامه ليستقي ، وأبطأ عليه فقال : ما حبسك ؟

قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر ، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرب أبي بكر ، وملأ لمولاه .

فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك .

فبلغ عمر [ ص: 151 ] - رضي الله عنه - قوله ، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله ، فأنزل الله هذه الآية .

هذه رواية عطاء عن ابن عباس .

وروى عنه ميمون بن مهران قال : لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص : احتاج رب محمد !

قال : فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه ، فجاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) .

واعلم أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبه ، فلما جاء قال : ( يا عمر ، ضع سيفك ) قال : يا رسول الله ، صدقت .

أشهد أنك أرسلت بالحق .

قال : ( فإن ربك يقول : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) قال : لا جرم!

والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي .قلت : وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس ، وهو قول القرظي والسدي ، وعليه يتوجه النسخ في الآية .

وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة .

ومعنى يغفروا يعفوا ويتجاوزوا .

ومعنى : لا يرجون أيام الله أي : لا يرجون ثوابه .

وقيل : أي : لا يخافون بأس الله ونقمه .

وقيل : الرجاء بمعنى الخوف ، كقوله : ما لكم لا ترجون لله وقارا أي : لا تخافون له عظمة .

والمعنى : لا تخشون مثل عذاب الأمم الخالية .

والأيام يعبر بها عن الوقائع .

وقيل : لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه .

وقيل : المعنى لا يخافون البعث .ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ، قراءة العامة ليجزي بالياء على معنى ليجزي الله .

وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر ( لنجزي ) بالنون على التعظيم .

وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة ( ليجزى ) بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول ، قوما بالنصب .

قال أبو عمرو : وهذا لحن ظاهر .

وقال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما ، نظيره : ( وكذلك نجي المؤمنين ) على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة ( الأنبياء ) قال الشاعر :ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا[ ص: 152 ] أي : لسب السب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون.

فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابا جزيلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمته ، قال ابن عباس ومقاتل : نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يبطش به ، فأنزل الله هذه الآية ، وأمره أن يعفو عنه .

وقال القرظي والسدي : نزلت في أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين ، من قبل أن يؤمروا بالقتال ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله هذه الآية ثم نسختها آية القتال .

( ليجزي قوما ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " لنجزي " بالنون ، وقرأ الآخرون بالياء ، أي ليجزي الله ، وقرأ أبو جعفر " ليجزى " بضم الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي ، قال أبو عمرو : وهو لحن ، قال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما ( بما كانوا يكسبون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون» يخافون «أيام الله» وقائعه، أي اغفر للكفار ما وقع منهم من الأذى لكم وهذا قبل الأمر بجهادهم «ليجزي» أي الله وفي قراءة بالنون «قوماً بما كانوا يكسبون» من الغفر للكفار أذاهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للذين صدَّقوا بالله واتَّبَعوا رسله يعفوا، ويتجاوزوا عن الذين لا يرجون ثواب الله، ولا يخافون بأسه إذا هم نالوا الذين آمنوا بالأذى والمكروه؛ ليجزي الله هؤلاء المشركين بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام وإيذاء المؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح ، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة ، ومن أفعال قبيحة ، حتى يأتى الله بأمره ..

.

فقال - تعالى - : ( قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب ، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهَّم أن يبطش به ، فنزلت .ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه .

والرجاء هنا : بمعنى الخوف .

والمراد بأيام الله : وقائعة بأعدائه .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين ، على سبيل النصح والإِرشاد ، قل لهم : اغفروا يغفروا للمشركين الذن لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه ، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم ، ون هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين .فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم ، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره ، الذى فيه النصر للمؤمنين ، والخسران للكافرين .وقوله - سبحانه - : ( لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) علة للأمر بالصفح والمغفرة ، وهو متعلق بما قبله ، والمراد بالقوم : المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو .

.

والتنكير فى لفظ ( قَوْماً ) للتعظيم .أى : أمر الله المؤمنين بذلك ، ليجزيهم يوم القيامة بما سكبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة ، التى منها الصبر على أذى أعدائهم ، والإِغضاء عنهم ، واحتمال المكروه منهم .قال صاحب الكشاف : قوله : ( لِيَجْزِيَ قَوْماً ) تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا ، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة .فإن قلت : قوله : ( قَوْماً ) ما وجه تنكيره ، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟قلت : هو مدح لهم وثناء عليهم ، كأنه قيل : لجيزى أيما قوم .

أو قوما مخصوصين ، لصبرهم وإضائهم على أعدائهم من الكفار ، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر وذلك لا يحصل إلا بسبب تسخير ثلاثة أشياء أحدها: الرياح التي تجري على وفق المراد ثانيها: خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك ثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه.

وهذه الأحوال الثلاثة لا يقدر عليها واحد من البشر، فلابد من موجد قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ معناه إما بسبب التجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لأجل استخراج اللحم الطري.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مّنْهُ ﴾ والمعنى لولا أن الله تعالى أوقف أجرام السموات والأرض في مقارها وأحيازها لما حصل الانتفاع، لأن بتقدير كون الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع بها، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع، وكل ذلك قد بيناه، فإن قيل ما معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ في قوله: ﴿ جَمِيعاً مّنْهُ ﴾ ؟

قلنا معناه أنها واقعة موقع الحال، والمعنى أنه سخّر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه، قال صاحب الكشاف قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه أو هو منه.

واعلم أنه تعالى لم علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار، واختلفوا في سبب نزول الآية قال ابن عباس ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ يعني عمر ﴿ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ يعني عبد الله بن أُبي، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع، فأرسل عبد الله غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟

قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحد يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله هذه الآية، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية.

وروى ميمون بن مهران أن فنحاص اليهودي لما أنزل قوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قال احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده، وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله  ﴾ وأكثر المفسرين يقولون إنه منسوخ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أو لا يقتلوا، فما أمر الله بهذه المقاتلة كان نسخاً، والأقرب أن يقل إنه محمول على ترك المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية والأفعال الموحشة.

ثم قال تعالى: ﴿ لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي لكي يجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير، قإن قيل: ما الفائدة في التنكير في قوله: ﴿ ليجزي قَوْماً ﴾ مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ ؟

قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كأنه قيل: ليجزي قوماً وأي قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه، وقال آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار، ليجزي الله الكفار بما كانوا يكسبون من الإثم، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ مثل ضربه للكفار الذين كانوا يقدمون على إيذاء الرسول والمؤمنين وعلى ما لا يحل، فبيّن تعالى أن العمل الصالح يعود بالنفع العظيم على فاعله، والعمل الردئ يعود بالضرر على فاعله، وأنه تعالى أمر بهذا ونهى عن ذلك لحظ العبد لا لنفع يرجع إليه، وهذ ترغيب منه في العمل الصالح وزجر عن العمل الباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه.

والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب.

وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها.

قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها.

وقيل: نزولها في عمر رضي الله عنه وقد شتمه رجل من غفار فهمّ أن يبطش به وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزى عمر بما صنع ﴿ لِيَجْزِىَ ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.

فإن قلت: قوله: ﴿ قَوْماً ﴾ ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟

قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقوماً مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ومعنى قول عمر: ليجزى عمر بما صنع: ليجزى بصبره واحتماله.

وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية: والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي.

وقرئ ﴿ ليجزى قوماً ﴾ أي: الله عز وجل.

وليجزي قوم.

وليجزى قوماً، على معنى: وليجزي الجزاء قوماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ حَذَفَ المَقُولَ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا أيْ يَعْفُوا ويَصْفَحُوا.

﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ بِأعْدائِهِ مِن قَوْلِهِمْ: أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ، أوْ لا يَأْمُلُونَ الأوْقاتَ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ وثَوابِهِمْ ووَعْدِهِمْ بِها.

والآيَةُ نَزَلَتْ في عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَتَمَهُ غِفارِيٌّ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، وقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.

﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ، والقَوْمُ هُمُ المُؤْمِنُونَ أوِ الكافِرُونَ أوْ كِلاهُما فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ أوِ التَّحْقِيرِ أوِ الشُّيُوعِ، والكَسْبُ المَغْفِرَةُ أوِ الإساءَةُ أوْ ما يَعُمُّهُما.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «لِنَجْزِيَ» بِالنُّونِ وقُرِئَ «لِيَجْزِيَ قَوْمٌ» و «لِيَجْزِيَ قَوْمًا» أيْ لِيَجْزِيَ الخَيْرَ أوِ الشَّرَّ أوِ الجَزاءَ، أعْنِي ما يُجْزى بِهِ لا المَصْدَرَ فَإنَّ الإسْنادَ إلَيْهِ سِيَّما مَعَ المَفْعُولِ بِهِ ضَعِيفٌ.

﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ أيْ لَها ثَوابُ العَمَلِ وعَلَيْها عِقابُهُ.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل للذين آمنوا يَغْفِرُواْ} أي قل لهم اغفروا يغفروا فحذف المقول لأن الجواب يدل عليه ومعنى يغفروا يعفوا ويصفحوا وقيل انه مجزوم بلام مضمرة تقديره ليغفروا فهو امر مستأنف وجاز حذف اللام لدلالة على الأمر {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله} لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من قولم لوقائع العرب ايام العرب وقتل لا يؤملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها قيل نزلت ي عمر رضى الله عنه حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهم أن يبطش به {لِيَجْزِىَ} تعليل للأمر بالمغفرة أي إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة وتنكير {قَوْماً} على المدح لهم كأنه قيل ليجزي أيما قوم

وقوما مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم لنجزى شامي وحمزة وعلى

ليجزى قَوْماً يزيد أي ليجزى الخير قوماً فأضمر الخير لدلالة الكلام عليه كما أضمر الشمس في قوله حتى توارث بالحجاب لان قوله اذا عرض عليه بالعشى دليلا على تواري الشمس وليس التقدير ليجزي الجزاء قوماً لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل ومعك مفعول صحيح أما إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل فجائز وأنت تقول جزاك الله خيراً {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الإحسان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ حَذَفَ اَلْمَقُولَ لِدَلالَةِ ﴿ يَغْفِرُوا ﴾ عَلَيْهِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَقَطْ أيْ قُلْ لَهُمُ اِغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ أيْ يَعْفُوا ويَصْفَحُوا عَنِ اَلَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ تَعالى بِأعْدائِهِ ونِقْمَتَهُ فِيهِمْ فالرَّجاءُ مَجازٌ عَنِ اَلتَّوَقُّعِ وكَذا اَلْأيّامُ مَجازٌ عَنِ اَلْوَقائِعِ مِن قَوْلِهِمْ: أيّامُ اَلْعَرَبِ لِوَقائِعِها وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ لا يَأْمُلُونَ اَلْأوْقاتِ اَلَّتِي وقَّتَها اَللَّهُ تَعالى لِثَوابِ اَلْمُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمُ اَلْفَوْزَ فِيها، والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ اَلْقِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِها.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا نَسْخَ لِأنَّ اَلْمُرادَ هَنا تَرْكُ اَلنِّزاعِ في اَلْمُحَقَّراتِ والتَّجاوُزُ عَنْ بَعْضِ ما يُؤْذِي ويُوحِشُ، وحَكى اَلنَّحّاسُ.

والمَهْدَوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَتَمَهُ مُشْرِكٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِها مَكِّيَّةً كَأخَواتِها.

وإرادَةُ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ لِأنَّ اَلْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ قَبْلَها عاجِزُونَ مَقْهُورُونَ لا يُمْكِنُهُمُ اَلِانْتِصارُ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ والعاجِزُ لا يُؤْمَرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحُ غَيْرُ ظاهِرٍ مُحْتاجٌ إلى نَقْلِ، ودَوامُ عَجْزِ كُلٍّ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ مَن وقَفَ عَلى أحْوالِ أبِي حَفْصٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَتَوَقَّفُ في أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما هَمَّ بِهِ لا يُبالِي بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

وهَذا أوْلى في اَلْجَوابِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اَلْأمْرَ بِفِعْلِ ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ لِيُثابَ عَلَيْهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ نَزَلُوا في غَزْوَةِ بَنِي اَلْمُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَهُ اَلْمُرَيْسِيعُ فَأرْسَلَ اِبْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ لِيَسْتَقِيَ فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عَمَرَ قَعَدَ عَلى طَرَفِ اَلْبِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرْبَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِرْبَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ اِبْنُ أُبَيٍّ: ما مِثْلُنا ومِثْلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ اَلتَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى اَلْآيَةَ وحَكاهُ اَلْإمامُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ فِنْحاصًا اَلْيَهُودِيَّ قالَ: لِمّا أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ اِحْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ وخَرَجَ فَبَعَثَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في طَلَبِهِ حَتّى رَدَّهُ ونَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِامْتِثالِهِمُ اَلْمُجازى عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْغافِرُونَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَفْظُ اَلْقَوْمِ في نَفْسِهِ اِسْمُ مَدْحٍ عَلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ اَلِاشْتِقاقُ والِاسْتِعْمالُ في نَحْوِ يا اِبْنَ اَلْقَوْمِ.

وفِي هَذا اَلتَّنْكِيرِ كَمالُ اَلتَّعْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَخْفَوْنَ نُكِّرُوا أوْ عُرِّفُوا مَعَ اَلْعِلْمِ بِأنَّ اَلْمَجْزِيَّ لا يَكُونُ إلّا اَلْعامِلُ وهو اَلْغافِرُ هَهُنا أيْ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ اَلْقِيامَةِ قَوْمًا أيَّما قَوْمٍ وقَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِما كَسَبُوا في اَلدُّنْيا مِنَ اَلْأعْمالِ اَلْحَسَنَةِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها اَلصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ اَلْكُفّارِ والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ اَلْغَيْظِ واحْتِمالِ اَلْمَكْرُوهِ.

ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ اَلْبَيانِ مِنَ اَلثَّوابِ اَلْعَظِيمِ، ومِنهم مَن خَصَّ ما كَسَبُوهُ بِالمَغْفِرَةِ والصَّبْرِ عَلى اَلْأذِيَّةِ، وما في اَلْوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ أوْ صِلَةُ يَجْزِي، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقَوْمِ اَلْكَفَرَةُ وبِما كَسَبُوا سَيِّئاتُهُمُ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها إيذاؤُهُمُ اَلْمُؤْمِنِينَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ: وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُطْلَقَ اَلْجَزاءِ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ لِتَحَقُّقِهِ عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَغْفِرَةِ وعَدَمِها فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالكُلِّ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ بَعْضٌ مِنهُ في اَلدُّنْيا أوْ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى بِالذّاتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ما لا يَخْفى، وأنْ يُرادَ كِلا اَلْفَرِيقَيْنِ والتَّنْكِيرُ لِلشُّيُوعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وأشَدُّ تَمَحُّلًا، واَلَّذِي يَشْهَدُ لِلْوَجْهِ اَلسّابِقِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ قالَ: كُنّا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَرَأ قارِئٌ هَذِهِ اَلْآيَةَ فَقالَ: لِيَجْزِيَ عُمَرَ بِما صَنَعَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وأبُو عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ.

والأعْمَشُ.

وأبُو خُلَيْدٍ.

وابْنُ عامِرٍ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ (لِنَجْزِيَ) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ، وقُرِئَ (لِيُجْزى) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (قَوْمٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ اَلْفاعِلِ، وقَرَأ شَيْبَةُ.

وأبُو جَعْفَرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما نَصَبا (قَوْمًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، واحْتَجَّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ نِيابَةَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ اَلْفاعِلِ مَعَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ فَيَقُولُ: ضُرِبَ بِسَوْطٍ زَيْدًا فَبِما كَسَبُوا نائِبُ اَلْفاعِلِ هَهُنا ولا يُجِيزُ ذَلِكَ اَلْجُمْهُورُ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ اَلْقِراءَةُ عَلى أنَّ اَلْقائِمَ مَقامَ اَلْفاعِلِ ضَمِيرُ اَلْمَصْدَرِ أيْ لِيُجْزى هو أيِ اَلْجَزاءُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُقامُ مَقامَهُ عِنْدَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ أيْضًا عَلى اَلصَّحِيحِ، وأجازَهُ اَلْكُوفِيُّونَ عَلى خِلافٍ في اَلْإطْلاقِ والِاسْتِحْسانِ أوْ عَلى أنَّهُ ضَمِيرُ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي وهو اَلْجَزاءُ بِمَعْنى اَلْمُجْزِيِّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ اَلسِّياقِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ والمَفْعُولُ اَلثّانِي في بابِ أعْطى يَقُومُ مَقامَ اَلْفاعِلِ بِلا خِلافٍ وهَذا مِن ذاكَ، وأبُو اَلْبَقاءِ اِعْتَبَرَ اَلْخَيْرَ بَدَلَ اَلْجَزاءِ اَلْمَذْكُورِ أوْ عَلى أنَّ (قَوْمًا) مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ جَزى مُضْمَرًا لِدَلالَةِ اَلْمَجْهُولِ عَلى أنَّ ثَمَّ جازِيًا واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ و(لِيَجْزِيَ) حِينَئِذٍ مِن بابٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ وحِيلَ بَيْنَ اَلْعِيرِ والنَّزَوانِ فَمَعْناهُ لِيَفْعَلَ اَلْجَزاءَ ويَكُونُ هُناكَ جُمْلَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال تعالى اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقد ذكرناه.

ثم قال: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: ذلل لكم ما في السموات وما في الأرض، لصلاحكم.

ثم قال تعالى: جَمِيعاً مِنْهُ يعني: جميع ما سخر الله تعالى، هو من قدرته ورحمته.

ويقال: جَمِيعاً مِنْهُ يعني: مِنَّةً منه.

قال مقاتل: يعني: جميعاً من أمره.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: جميعاً منه، منه النور، ومنه الشمس ومنه القمر.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر لَآياتٍ يعني: دلالات وعبرات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعتبرون في صنعه وتوحيده.

وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن النبيّ  «أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ فِي الخَالِق، فَقَالَ: تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» .

وروى وكيع، عن هشام، عن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله  : «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أحَدَكُم، فَيَقُول: مَنْ خَلَقَ السماء؟

فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟

فيقول: الله.

فيقول: من خلق الله تعالى؟

فإذا افْتُتِنَ أَحَدُكُمُ بِذَلِكَ، فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله وَرَسُولُهُ» .

قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل والكلبي: وذلك، أن رجلاً من الكفار من قريش، شتم عمر  بمكة، فهم عمر بأن يبطش به، فأمره الله بأن يتجاوز عنه.

فقال: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، يعني: عمر يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ يعني: يتجاوزوا، ولا يعاقبوا الذين لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ يعني: لا يخافون عقوبته التي أهلك بها عاداً وثموداً، والقرون التي أهلكت قبلهم.

يعني: لا يخشون مثل أيام الأمم الخالية.

قال قتادة: ثم نسختها آية القتال وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: 36] ثم قال: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يجزيهم بأعمالهم في الآخرة.

قال مجاهد: لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ، يعني: لا ينالون نعم الله.

قرأ حمزة والكسائي، وابن عامر لِنَجْزِيَ بالنون على الإضافة إلى نفسه.

والباقون لِنَجْزِيَ بالياء، أي: ليجزي الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» : الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلى مقامَاتِ الصالحين، وقال- رحمه اللَّه-: اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالى، وعارِفاً به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ، ثم قال: والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ...

الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ: هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ: بل هي مُحْكَمَةٌ قال ع «١» : الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُوماً، فينبغي أَنْ يقال: «إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك- قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقى مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى.

وقوله أَيَّامَ اللَّهِ قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه/ في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد: أَيَّامَ اللَّهِ: أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ «٢» ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ...

الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها.

ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ  وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ  في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ  ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.

وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .

* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.

واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ  وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.

﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.

والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.

﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.

فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"، ﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.

و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ" ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ.

قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.

«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا" ﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيّامَ اللهِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"، ﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كانت هذه متصلة بالآي التي قبلها في النزول ولم يصح ما روي عن ابن عباس في سبب نزولها فمناسبة وقعها هنا أن قوله: ﴿ ويل لكل أفّاك أثيم ﴾ إلى قوله: ﴿ لهم عذاب من رجز أليم ﴾ [الجاثية: 7 11] يثير غضب المسلمين على المستهزئين بالقرآن.

وَقد أخذ المسلمون يعتزون بكثرتهم فكان ما ذكر من استهزاء المشركين بالقرآن واستكبارهم عن سماعه يتوقع منه أن يبطش بعض المسلمين ببعض المشركين، ويحتمل أن يكون بَدَرَ من بعض المسلمين غضب أو توعد وأن الله علم ذلك من بعضهم.

قال القرطبي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة أصابهم أذى شديد من المشركين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله بالتجاوز عن ذلك لمصلحة في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة بين المسلمين والمشركين ففي ذلك مصالح جمّة من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم على ما يبدونه من إِعراض واستكبار واستهزاء فتتهَيَّأ نفوسهم إلى الدخول في الدين عند زوال ممانعة سادتهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبعد استئصال صناديد قريش يوم بدر.

وقد تكرر في القرآن مثل هذا من الأمر بالصفح عن المشركين والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم، ولكن كان أكثر الآيات أمراً للنبيء صلى الله عليه وسلم في نفسه وكانت هذه أمراً له بأن يبلغ للمؤمنين ذلك، وذلك يشعر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا فيه وأحسّوا بعزتهم.

فأمروا بالعفو وأن يكلوا أمر نصرهم إلى الله تعالى، وإن كانت نزلت على سبب خاص عرض في أثناء نزول السورة فمناسبتها لأغراض السورة واضحة لأنها تعليم لما يصلح به مقام المسلمين بمكة بين المضادين لهم واحتمال ما يلاقونه من صَلفهم وتجبرهم إلى أن يقضي الله بينهم.

وقد روي في سبب نزولها أخبار متفاوتة الضعف، فروى مكي بن أبي طالب أن رجلاً من المشركين شتم عمر بن الخطاب فَهَمّ أن يبطش به قال ابن العربي: «وهذا لم يصح».

وفي «الكشاف» أن عمر شتمه رجل من غِفار فَهَمَّ أن يبطش به فنزلت.

وعن سعيد بن المسيب «كنا بين يدي عمر بن الخطاب فقرأ قارئ هذه الآية فقال عمر: ليَجزِيَ عُمَرَ بما صنع» يعني أنه سبب نزول الآية.

وروى الواحدي والقشيري عن ابن عباس: إنها نزلت في غزوة بني المصطلق: نزلوا على بئر يقال لها: المُرَيْسِيع فأرسَل عبدُ الله بن أُبَيّ غلامه ليستقي من البئر فأبطأ، فلما أتاه قال: ما حسبك.

قال: غلام عُمر قعد على فم البئر فما ترك أحداً يسقي حتى مَلأ قِرَبَ النبي صلى الله عليه وسلم وقِرَب أبي بكر ومَلأ لمولاه، فقال عبد الله بن أُبيّ: ما مَثلُنا ومثَلُ هؤلاء إلا كما قال القائل: «سَمِّن كلبَك يأكُلك» فهَمَّ عمر بن الخطاب بقتله، فنزلت.

وروى ابن مهران عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ [البقرة: 245] الآية قال فنحاص اليهودي: احتاج ربّ محمد، فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزلت الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه فلما جاء قال: ضع سيفك.

وهاتان روايتان ضعيفتان ومن أجلهما روي عن عطاء وقتادة وابن عباس أن هذه الآية مدنية.

وأقرب هذه الأخبار ما قاله مكي بن أبي طالب.

ولو صحت ما كان فيه ما يفكك انتظام الآيات سواء صادف نزولها تلك الحادثة أو أمر الله بوضعها في هذا الموضع.

وجزْم ﴿ يغفروا ﴾ على تقدير لام الأمر محذوفاً، أي قل لهم ليغفروا، أو هو مجزوم في جواب ﴿ قل ﴾ ، والمقول محذوف دل عليه الجواب.

والتقدير: قل للذين آمنوا اغفروا يغفروا.

وهذا ثقة بالمؤمنين أنهم إذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم امتثلوا.

والوجهان يتأتَّيان في مثل هذا التركيب كلما وقع في الكلام، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ﴾ في سورة إبراهيم (31).

و ﴿ الذين لا يرجون أيام الله ﴾ يراد بهم المشركون من أهل مكة.

والرجاء: ترقب وتطلب الأمر المحبوب، وهذا أشهر إطلاقاته وهو الظاهر في هذه الآية.

والأيام: جمع يوم، وهذا الجمع أو مفرده إذا أضيف إلى اسم أحد أو قوم أو قبيلة كان المراد به اليوم الذي حصل فيه لمَن أضيف هو إليه نَصر وغلب على معاند أو مُقاتل، ومنه أطلق على أيام القتال المشهورة بين قبائل العرب: أيامُ العرب، أي التي كان فيها قتال بين قبائل منهم فانتصر بعضهم على بعض، كما يقال أيام عبس، وأيام داحس والغبراء، وأيام البَسوس، قال عمرو بن كلثوم: وأيام لنَا غرٌّ طِوال *** عَصينا المَلْك فيها إن نَدِينا فإذا قالوا: أيام بني فلان، أرادوا الأيام التي انتصر فيها من أضيفت الأيام إلى اسمه، ويقولون: أيام بني فلان على بني فلان فيريدون أن المجرور بحرف الاستعلاء مغلوب لتضمن لفظ ﴿ أيام ﴾ أو (يوم) معنى الانتصار والغلب.

وبذلك التضمّن كان المجرور متعلقاً بلفظ ﴿ أيام ﴾ أو (يوم) وإن كان جامداً، فمعنى ﴿ أيام الله ﴾ على هذا هو من قبيل قولهم: أيام بني فلان، فيحصل من محمل الرجاء على ظاهر استعماله.

ومحمل ﴿ أيام الله ﴾ على محمل أمثاله أن معنى الآية للذين لا تترقب نفوسهم أيام نصر الله، أي نصر الله لهم: إما لأنهم لا يتوكلون على الله ولا يستنصرونه بل توجّههم إلى الأصنام، وإما لأنهم لا يخطر ببالهم إلا أنهم منصورون بحولهم وقوتهم فلا يخطر ببالهم سؤال نصر الله أو رجاؤه وهم معروفون بهذه الصلة بين المسلمين فلذلك أجريت عليهم هنا وعرفوا بها.

وأوثر تعريفهم بهذه الصلة ليكون في ذلك تعريض بأن الله ينصر الذين يرجون أيام نصره وهم المؤمنون.

والغرض من هذا التعريض الإيماء بالموصول إلى وجه أمر المؤمنين أن يغفِروا للمشركين ويصفحوا عن أذى المشركين ولا يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر.

وقد يطلق ﴿ أيام الله ﴾ في القرآن على الأيام التي حصل فيها فضله ونعمته على قوم، وهو أحد تفسيرين لقوله تعالى: ﴿ وذَكِّرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5].

ومعنى ﴿ لا يرجون أيام الله ﴾ على هذا التأويل أنهم في شغل عن ترقب نعم الله بما هم فيه من إسناد فعل الخير إلى أصنامهم بانكبابهم على عبادة الأصنام دون عبادة الله ويأتي في هذا الوجه من التعريض والتحريض مثل ما ذكر في الوجه الأول لأن المؤمنين هم الذين يرجون نعمة الله.

وفسر به قوله تعالى: ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [الفرقان: 21] وقوله: ﴿ ما لكم لا تَرْجَون لله وقاراً ﴾ [نوح: 13]، فيكون المراد ب ﴿ أيام الله ﴾ : أيام جزائه في الآخرة لأنها أيام ظهور حكمه وعزته فهي تقارب الأيام بالمعنى الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿ ذلك اليوم الحقّ ﴾ [النبأ: 39]، أي ذلك يوم النصر الذي يحق أن يطلق عليه (يوم) فيكون معنى هذه الآية: أنهم لا يخافون تمكن الله من عقابهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث.

ومعنى الآية أن المؤمنين أمروا بالعفو عن أذى المشركين وقد تكرر ذلك في القرآن قال تعالى: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ [آل عمران: 186].

وفي «صحيح البخاري» عن أسامة بن زيد في هذه الآية: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى.

وقوله: ﴿ ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ﴾ تعليل للأمر المستفاد من قوله: ﴿ يغفروا ﴾ أي ليغفروا ويصفحوا عن أذى المشركين فلا ينتصروا لأنفسهم ليجزيهم الله على إيمانهم وعلى ما أوذوا في سبيله فإن الانتصار للنفس توفية للحق وماذا عساهم يبلغون من شفاء أنفسهم بالتصدّي للانتقام من المشركين على قلتهم وكثرة أولئك فإذا توكلوا على نصر ربّهم كان نصره لهم أتم وأخضد لشوكة المشركين كما قال نوح ﴿ إني مغلوب فانتصر ﴾ [القمر: 10].

وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾ [الحجر: 85].

وكان مقتضى الظاهر أن يقال ليجزيهم بما كانوا يكسبون، فعدل إلى الإظهار في مقام الإضمار ليكون لفظُ ﴿ قوماً ﴾ مشعراً بأنهم ليسوا بمضيعة عند الله فإن لفظ (قوم) مشعر بفريق له قِوامه وعزته ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ [محمد: 11].

وتنكير ﴿ قوماً ﴾ للتعظيم، فكأنه قيل: ليجزي أيما قوم، أي قوماً مخصوصين.

وهذا مدح لهم وثناء عليهم.

ونحْوُه ما ذكر الطيبي عن ابن جنِّي عن أبي علي الفارسي في قول الشاعر: أفآت بنو مروان ظلماً دماءنا *** وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل قال أبو علي: هو تعالى أعرف المعارف وسماه الشاعر: حكماً عدلاً وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف اه.

قيل: والأظهر أن ﴿ قوماً ﴾ مراد به الإبهام وتنوينه للتنكير فقط.

والمعنى: ليجزي الله كل قوم بما كانوا يكسبون من خير أو شر بما يناسب كسبهم فيكون وعيداً للمشركين المعتدين على المؤمنين ووعداً للمؤمنين المأمورين بالصفح والتجاوز عن أذى المشركين، وهذا وجه عدم تعليق الجزاء بضمير الموقنين لأنه أريد العموم فليس ثمة إظهار في مقام الإضمار ويؤيد هذا قوله: ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ [فصلت: 46].

وهذا كالتفصيل للإجمال الذي في قوله: ﴿ ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ﴾ .

ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف على سابقتها، وتقدم نظيره في سورة فصّلت.

وقرأ الجمهور ﴿ ليجزي قوماً ﴾ بتحتية في أوله، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ يَرْجُونَ أَيَّامَ ﴾ .

وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بنون العظمة في أوله على الالتفات.

وقرأه أبو جعفر بتحتية في أوله مضمومة وبفتح الزاي على البناء للمجهول ونَصبَ ﴿ قوماً ﴾ .

وتأويلها أن نائب الفاعل مصدر مأخوذ من فعل (يُجْزي).

والتقدير: ليجزَى الجزاءُ.

﴿ وقوماً ﴾ مفعول ثان لفعل (يجزى) من باب كسا وأعطى.

وليس هذا من إنابة المصدر الذي هو مفعول مطلق وقد منعه نحاة البصرة بل جعل المصدر مفعولاً أول من باب أعطى وهو في المعنى مفعول ثان لفعل جزى، وإنابة المفعول الثاني في باب كسا وأعطى متفق على جوازه وإن كان الغالب إنابة المفعول الأول كقوله تعالى: ﴿ ثم يُجزاه الجزاءَ الأوفى ﴾ [النجم: 41].

وقوله: ﴿ ثم إلى ربّكم ترجعون ﴾ أي بعد الأعمال في الدنيا تصيرون إلى حكم الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم الصالحة والسيئة بما يناسب أعمالكم.

وأطلق على المصير إلى حكم الله أنه رجُوع إلى الله على طريقة التمثيل بحال من كان بعيداً عن سيده أو أميره فعمل ما شاء ثم رجع إلى سيده أو أميره فإنه يلاقي جزاء ما عمله، وقد تقدمت نظائره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَنالُونَ نِعَمَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يَخْشَوْنَ عَذابَ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: لا يَطْمَعُونَ في نَصْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي المُرادِ بِأيّامِ اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيّامُ إنْعامِهِ وانْتِقامِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ، وتَكُونُ الأيّامُ وقْتًا وإنْ تَكُنْ أيّامًا عَلى الحَقِيقَةِ.

وَفي الكَلامِ أمْرٌ مَحْذُوفٌ فَتَقْدِيرُهُ: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا اغْفِرُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ.

الغُفْرانُ هاهُنا العَفْوُ وتَرْكُ المُجازاةِ عَلى الأذى.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ كَفَّ عَنْهُ.

وَفي نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ثابِتَةٌ في العَفْوِ عَنِ الأذى في غَيْرِ الدِّينِ.

الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ وفِيما نَسَخَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِقَوْلِهِ ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ قالَهُ أبُو صالِحٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا ﴾ الآية قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالعفو، ويحث عليه ويرغب فيه حتى أمر أن يعفو عمن لا يرجو أيام الله، وذكر أنها منسوخة نسختها الآية التي في الأنفال ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب ﴾ [ الأنفال: 57] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا ﴾ الآية قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا أذوه، وكان يستهزؤون به، ويكذبونه، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من المنسوخ.

وأخرج أبو داود في تاريخه وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ .

قال: الذين لا يدرون أنعم الله عليهم أم لم ينعم، قال سفيان رضي الله عنه: بلغني أنها نسختها آية القتال.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ قال: هي منسوخة بقول الله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ .

وأخرج ابن عساكر عن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه أنه قال لجارية له: لولا أن الله تعالى يقول ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لأوجعتك.

فقالت: والله إني لممن يرجو أيامه، فما لك لا توجعني؟

فقال: إن الله تعالى يأمرني أن أغفر للذين لا يرجون أيامه، فعمّن يرجو أيامه أحرى، انطلقي فأنت حرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ قال الفراء: هذا خبر في منزلة الأمر، كأنه قيل: قل للذين آمنوا اغفروا، ولكنه جزم بالتشبيه بالجزاء والشرط، كقوله: قم تصب خيرًا، وليس كذلك، ولكن العرب إذا أخرج الكلام في مثال غيره وهو مقارب له، أعربوه بإعرابه، فهذا من ذلك (١) ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ  ﴾ .

واختلفوا في سبب نزول الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مقاتل (٢)  ، قال ابن عباس: يريد عمر بن الخطاب خاصة ﴿ يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ يريد: عبد الله بن أبي، وذلك أنهم تولوا في غزاة (٣) (٤) (٥)  - وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله هذه الآية.

وقال مقاتل: شتم رجل من كفار قريش بمكة عمر، فهَمَّ عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية (٦) وروى ميمون بن مهران [ (٧) ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ قال: احتاج رب محمد، فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فأنزل الله هذه الآية، فبعث النبي -  - في طلبه حتى رَدَّه (٨) قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه (٩) وقال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية (١٠) وقال مجاهد: لا ينالون نعم الله أو نقم الله (١١) ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ  ﴾ وأجمعوا أن هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر النبي -  - بقتال أهل مكة وأنها منسوخة بآية القتال (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وقال أبو صالح (١٥) ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ  ﴾ الآية.

قوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد يجازي الذين أحسنوا الجنة، والذين أساؤوا بالعذاب (١٦) (١٧) وقال آخرون: معنى الآية: قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ليجزي الله الكفار بما كسبوا من الإثم ليوفيهم عقاب سيئاتهم بما عملوا من ذلك، قيل لا قكافؤنهم أنتم لنكافيهم نحن (١٨) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 45، 46.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير مقاتل" 3/ 837، و"زاد المسير" 7/ 357، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 161.

(٣) كانت هذه الغزوة في شعبان من السنة السادسة من الهجرة وكان قائد بني المصطلق الحارث ابن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله -  - بعد ذلك.

انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 333، و"البداية والنهاية" 4/ 156.

(٤) هم: بطن من خزاعة من القحطانية وهم بنو المصطلق واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة غزاهم النبي -  - واشتهرت بغزوة بني المصطلق وذلك سنة ست من الهجرة على ماء لهم يقال له: المريسيع.

انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1104.

(٥) المُرَيسِيعُ: بالضم ثم الفتح وياء ساكنة ثم سين مهملة مكسورة وياء أخرى وآخره عين مهملة في الأشهر، ورواه بعضهم بالغين معجمة.

كأنه تصغير المرسوع وهو الذي انسلقت عينه من السهر، وهو اسم ماء في ناحية قُديد إلى الساحل، لار النبي -  - في سنة خمس وقال أبو إسحاق في سنة ست إلى بني المصطلق من خزاعة لما بلغه أن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي قد جمع له جمعا فوجدهم على ماء يقال له المريسيع فقاتلهم وسباهم.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 118.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 837، و"تفسير السمرقندي" 3/ 224، و"تفسير البغوي" 7/ 242.

(٧) كذا في الأصل وقد سننه لفظ (أن).

(٨) أخرج ذلك الثعلبي.

انظر: تفسيره 10/ 100 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 399 وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 358.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) انظر.

"تفسير مقاتل" 3/ 837.

(١١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد 3/ 144.

(١٢) ذكر ذلك الطبري في تفسيره 13/ 144، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 625، ومكي في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 355، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 459، وابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ص 55، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 49، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 191.

(١٣) وقد رجح الدكتور سليمان اللاحم أن الآية محكمة في تحققه لكتاب "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 626، وقال ابن الجوزي أيضًا: ويمكن أن يقال أنها محكمة وذكر رواية عطاء عن ابن عباس.

انظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 460، كما ذكر المؤلف رواية عطاء في "أسباب النزول" ص 399، وذكرهما أيضًا القرطبي في "الجامع" 16/ 161.

(١٤) أخرج ذلك الطبري عن قتادة.

انظر: "تفسيره" 13/ 144، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 626.

(١٥) أخرج ذلك الطبري عن أبي صالح.

انظر: تفسيره 13/ 145، وذكره ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 460.

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 837.

(١٨) انظر: "زاد المسير" 7/ 359.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ أمر الله المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار، ولا يؤاخذوهم إذا آذوهم، وكان ذلك في صدر الإسلام، قيل: إنها منسوخة بالسيف، وقيل: ليست بمنسوخة، لأن احتمال الأذى مندوب إليه على كل حال، وأما القتال على الإسلام فليس من ذلك: وروي: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل من الكفار فأراد عمر أن يبطش به، وأيام الله هي نعمه، فالرجاء على أصله، وقيل: أيام الله عبارة عن عقابه، فالرجاء بمعنى الخوف ويغفروا مجزوم في جواب شرط مقدر دل عليه قل، قال الزمخشري حذف معمول القول، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ فالع يجزي ضمير يعود على الله، وقرئ بنون المتكلم، وقال ابن عطية إن الآية وعيد، فالقوم على هذا هم الذين لا يرجون أيام الله ويكسبون يعني السيئات، وقال الزمخشري: القوم هم الذين آمنوا وجزاؤهم الثواب بما كانوا يكسبون بكظم الغيظ واحتمال المكروه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ ﴾ يذكرهم عظيم نعمه في تسخير البحار لهم مع أهوالها وكثرة أمواجها، وامتناعها عن منافع الخلق، صيرها بلطفه ورحمته لهم كسائر البقاع في الوصول إلى ما فيها من الجواهر والآلئ بالغوص فيها، والخوض والاصطياد؛ لما فيها من أنواع الصيد، وغير ذلك من الأشياء، بحيل علمهم، وأسباب جعل لهم، حتى يصلوا إلى ما فيها من أنواع الجواهر والأموال النفيسة، والله أعلم.

وسخرها لهم - أيضاً - حتى عبروا البحر ومروا هم عليه بسفن أعطاهم، وحيل علمهم، حتى قدروا على عبوره والمرور عليه؛ ليصلوا إلى قضاء حوائجهم التي تكون في البلدان النائية، وهو ما قال: ﴿ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يحتمل أن يكون عبارة عن تكوينه؛ أي: بما كونه [و]أنشأه كذلك، كقوله -  -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ .

والثاني: يحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بالأمر الذي له على العباد وسائر خلائقه.

ويحتمل: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بإذنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: لكي يلزمكم الشكر بذلك، أو ما ذكر فيه من الوجوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ أي: سخر لهم ما في السماوات من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها، وما في الأرض من الأشجار، والنبات، والبهائم، والدواب، حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم، كما استعملوا أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير الله -  - إياهم ذلك كله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَمِيعاً ﴾ أي: جميع ذلك من الله -  - أخبر أنه سخر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وقد ذكرنا جهة الآية في ذلك في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله - عز وجل - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند الله، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، والله أعلم.

فإن قيل: إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم - وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أولئك الكفرة على ما ذكرتم - لوجهين: أحدهما: أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك؛ إلى الله -  - ويجعلوا ذلك وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام والانتصار منهم؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة، لا بحق التذلل والخشوع؛ إذ يعفو كل عن اختيار وطوع، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه الله -  - ويترك الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام، وهو ما أمر رسوله -  - بالهجرة إلى المدينة بعدما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو يخرجوه؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ لتكون الهجرة له إلى الله -  - بحق القربة، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه، والله أعلم.

والثاني: أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه، وقد كان من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم، وإن لم تكن [له] المقدرة على الانتقام من جملتهم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ﴿ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: نعم الله الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع، التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى -  - حيث قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بنعم الله -  - ألا ترى أن موسى -  - فسر أيام الله بالنعمة؛ حيث قال على إثره: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 6].

والثاني: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ على حقيقة الأيام؛ لأنهم كانوا يرون هذه النعم والسعة في الدنيا بجهد أنفسهم وكدهم، لا بما أجرى الله -  - النعم إليهم في الأيام، والله أعلم.

والثالث: ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يحذرون نقمة الله وعقوبته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي: ليجزي كل قوم بما كسبوا من خير أو شر، يجزي من عفا منهم جزاء العفو، ويجزي المحسن جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ يخبر أن من عمل من خير فإنما يعمل لنفسه، ومن عمل من سوء فإنما يعمل على نفسه، يخبر أن من عمل من خير أو صالح فلنفسه سعى في الآخرة، ومن عمل من شر فعلى نفسه سعى في الآخرة، كمن عمل في الدنيا من الأكل والشرب فلنفسه يعمل، ومن جنى من جنايات، فعلى نفسه جنى في الدنيا والآخرة؛ حيث تهلك به نفسه، ويرجع إليه وبال ذلك في الدنيا والآخرة، فعلى ذلك ما قلنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: ثم إلى ما وعد ربكم من الثواب والعقاب ترجعون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للذين آمنوا بالله، وصدقوا رسوله: تجاوزوا عمن أساء إليكم من الكفار الذين لا يبالون بنعم الله أو نقمه، فإن الله سيجزي كلًّا من المؤمنين الصابرين، والكفار المعتدين، بما كانوا يكسبون من الأعمال في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.LkaZg"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده