الآية ٢٠ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٢٠ من سورة الجاثية

هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( هذا بصائر للناس ) يعني : القرآن ( وهدى ورحمة لقوم يوقنون .

)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) يقول تعالى ذكره ( هَذَا ) الكتاب الذي أنـزلناه إليك يا محمد ( بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ) يُبْصِرُون به الحقّ من الباطل, ويعرفون به سبيل الرشاد, والبصائر: جمع بصيرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) قال: القرآن.

قال: هذا كله إنما هو في القلب.

قال: والسمع والبصر في القلب.

وقرأ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وليس ببصر الدنيا ولا بسمعها.

وقوله: ( وَهُدًى ) يقول: ورشاد ( وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) بحقيقة صحة هذا القرآن, وأنه تنـزيل من الله العزيز الحكيم.

وخصّ جلّ ثناؤه الموقنين بأنه لهم بصائر وهدى ورحمة, لأنهم الذين انتفعوا به دون من كذب به من أهل الكفر, فكان عليه عمى وله حزنا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون .قوله تعالى : هذا بصائر للناس ابتداء وخبر ، أي : هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام .

وقرئ ( هذه بصائر ) أي : هذه الآيات .

وهدى أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به .

ورحمة في الآخرة لقوم يوقنون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { هَذَا } القرآن الكريم والذكر الحكيم { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، والهدى والرحمة.

{ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدين وفروعه ويحصل به الخير والسرور والسعادة في الدنيا والآخرة وهي الرحمة.

فتزكو به نفوسهم وتزداد به عقولهم ويزيد به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هذا ) يعني القرآن ( بصائر للناس ) [ معالم للناس ] في الحدود والأحكام يبصرون بها ( وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هذا» القرآن «بصائر للناس» معالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود «وهدى ورحمة لقوم يوقنون» بالبعث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا القرآن الذي أنزلناه إليك أيها الرسول بصائر يبصر به الناس الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل الرشاد، وهدى ورحمةٌ لقوم يوقنون بحقيقة صحته، وأنه تنزيل من الله العزيز الحكيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أثنى - سبحانه - على القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( هذا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .والبصائر : جمع بصيرة - وهى للقلب بمنزلة البصر للعين .

فهى النور الذى يبصر به القلب هدايته ، كما أن البصر هو النور الذى تبصر به العين طريقها .وقوله : ( هذا ) مبتدأ ، وبصائر خبره ، وجمع الخبر باعتبار ما فى القرآن من تعدد الآيات والبراهين .أى هذا القرآن الذى أنزلناه إليك - أيها الرسول - الكريم - ( بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ) لأن ما فيه من حجج وبراهين ، تكشف للقلب طريق الحق ، كما تكشف العين للإِنسان مساره وهو - أيضا - ( هُدًى ) أى : هداية عظيمة إلى الرشاد والسعادة ( وَرَحْمَةٌ ) واسعة ( لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أى : لقوم من شأنهم الإِيقان من عند الله - تعالى - ، وبأنك - أيها الرسول الكريم - صادق فيما تبلغه عن ربك .وخص الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم ، وبهداياته ، أما الذين فى قلوبهم مرض أو شك ، فإنهم لا ينتفعون بذلك .قال - تعالى - : ( وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ .

.

وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) وقال - سبحانه - : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بيّن أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم.

واعلم أن النعم على قسمين: نعم الدين، ونعم الدنيا، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين، فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ﴾ والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يجب أن يكون مغايراً لصاحبه، أما الكتاب فهو التوراة، وأما الحكم ففيه وجوه، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه، وأما النبوة فمعلومة، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى: ﴿ وَرَزَقناهم مِّنَ الطيبات ﴾ وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى، ولما بيّن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيباً وافراً، قال: ﴿ وفضلناهم عَلَى العالمين ﴾ يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمي زمانهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم بينات مّنَ الأمر ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه آتاهم بينات من الأمر، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني: قال ابن عباس: يعني بيّن لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث: المراد ﴿ وءاتيناهم بينات ﴾ أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم، والمراد معجزات موسى عليه السلام.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ وهذا مفسر في سورة ﴿ حمٓ  عٓسٓقٓ  ﴾ والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وهاهنا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، ثم هاهنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهم يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه، وذلك كالزجر لهم، ولما بيّن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق، فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر ﴾ أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل، قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقاً للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، ثم بيّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون، فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين، ولما بيّن الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة، قال: ﴿ هذا بصائر لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل في سائر الآيات روحاً وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن، ولم بيّن الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم، بيّن الفرق بينهما من وجه آخر، فقال: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ أَمْ ﴾ كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر، سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً، والتقدير هاهنا: أفيعلم المشركون هذا، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟

البحث الثاني: الاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار  ﴾ .

البحث الثالث: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقاً لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالاً منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبيّن أنه لا يمكن أن يكون حال لمؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب، ومنازل السعادات.

واعلم أن لفظ ﴿ حَسِبَ ﴾ يستدعي مفعولين أحدهما: الضمير المذكور في قوله: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ﴾ والثاني: الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ  يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ سواء ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع، واختيار أبي عبيد النصب، أما وجه القراءة بالرفع، فهو أن قوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مبتدأ والجملة في حكم المفرد في محل النصب على البدل من المفعول الثاني لقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ﴾ وهو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ ونظيره قوله: ظننت زيداً أبوه منطلق، وأما وجه القراءة بالنصب فقال صاحب الكشاف أجرى سواء مجرى مستوياً، فارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفرداً غير جملة، ومن قرأ ﴿ ومماتهم ﴾ بالنصب جعل ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ ظرفين كمقدم الحاج، وخفوق النجم، أي سواء في محياهم وفي مماتهم، قال أبو علي من نصب سواء جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في نجعلهم فيصير التقدير أن نجعله محياهم ومماتهم سواء، قال ويجوز أن نجعله حالاً ويكون المفعول الثاني هو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون في الدينا فإنه يكون وليه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه، والكافر بالضد منه، كما ذكره في قوله: ﴿ وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وعند القرب إلى الموت، فإن حال المؤمن ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة  ﴾ وحال الكافر ما ذكره في قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين الحالتين والوجه الثاني: في تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم في الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما في الممات والوجه الثالث: في التأويل أن قوله: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء فكذلك محيا المسحنين ومماتهم، أي كل يموت على حسب ما عاش عليه، ثم إنه تعالى صرح بإنكار تلك التسوية فقال: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هذا ﴾ القرآن ﴿ بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب.

كما جعل روحاً وحياة وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن.

وقرئ ﴿ هذه بصائر ﴾ أي: هذه الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَذا ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ.

﴿ بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ بَيِّناتٌ تُبَصِّرُهم وجْهَ الفَلاحِ.

﴿ وَهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ.

﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ.

﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ يَطْلُبُونَ اليَقِينَ.

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها إنْكارُ الحُسْبانِ والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابُ ومِنهُ الجارِحَةُ.

﴿ أنْ نَجْعَلَهُمْ ﴾ أنْ نُصَيِّرَهم.

﴿ كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مِثْلَهم وهو ثانِي مَفْعُولَيْ نَجْعَلُ وقَوْلُهُ: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المُماثَلَةَ فِيهِ إذِ المَعْنى إنْكارُ أنْ يَكُونَ حَياتُهم ومَماتُهم سِيَّيْنِ في البَهْجَةِ والكَرامَةِ كَما هو لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ أوِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الكافِ، أوِ المَفْعُولِيَّةُ والكافُ حالٌ وإنْ كانَ لِلثّانِي فَحالٌ مِنهُ أوِ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ المُقْتَضِيَ لِلْإنْكارِ، وإنْ كانَ لَهُما فَبَدَلٌ أوْ حالٌ مِنَ الثّانِي، وضَمِيرُ الأوَّلِ والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا بَعْدَ المَماتِ في الكَرامَةِ أوْ تَرْكِ المُؤاخَذَةِ كَما اسْتَوَوْا في الرِّزْقِ والصِّحَّةِ في الحَياةِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَساوِي مَحْيا كُلِّ صِنْفٍ ومَماتِهِ في الهُدى والضَّلالِ، وقُرِئَ «مَماتَهُمْ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ مَحْياهم ومَماتَهُمْ ظَرْفانِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ.

﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ساءَ حُكْمُهم هَذا أوْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هذا} أي القرآن {بصائر لِلنَّاسِ} جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحاً وحياة {وَهُدَىً} من الضلالة {وَرَحْمَةٌ} من العذاب {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} لمن آمن وأيقن

بالبعث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَذا ﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ ﴿ بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ اَلدِّينِ وشَعائِرِ اَلشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ اَلْبَصائِرِ في اَلْقُلُوبِ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى اِتِّباعِ اَلشَّرِيعَةِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ، وجَمْعُ اَلْخَبَرِ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما تَضَمَّنَهُ اَلْمُبْتَدَأُ واتِّباعُ مَصْدَرٍ مُضافٍ فَيَعُمُّ ويُخْبِرُ عَنْهُ بِمُتَعَدِّدٍ أيْضًا، وقُرِئَ (هَذِهِ) أيِ اَلْآياتُ ﴿ وهُدًى ﴾ جَلِيلٌ مِن ورْطَةِ اَلضَّلالَةِ ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ مِن شَأْنِهِمُ اَلْإيقانُ بِالأُمُورِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها يعني: عقوبته عليها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.

قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أولاد يعقوب الْكِتابَ أي: التوراة، والزبور، والإنجيل، لأن موسى وداود وعيسى كانوا في بني إسرائيل وَالْحُكْمَ يعني: الفهم والعلم وَالنُّبُوَّةَ يعني: جعلنا فيهم النبوة، فكان فيهم ألف نبي.

وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: الحلال من الرزق، وهو المن والسلوى.

ويقال: رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: أورثناهم أموال فرعون وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني: فضلناهم بالإسلام على عالمي زمانهم.

وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: الحلال والحرام، وبيان ما كان قبلهم، ثم اختلفوا بعده قوله تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا يعني: في الدين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: صفة النبيّ  في كتبهم بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني: حسداً منهم، وطلباً للعز والملك.

ويقال: اختلفوا في الدين، فصاروا أحزاباً فيما بينهم، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من دين بعض.

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: يحكم بينهم فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ في الكتاب والدين.

قوله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: أمرناك وألزمناك وأثبتناك على شريعة.

ويقال: على سنة من الأمر وذلك حين دعوه إلى ملتهم.

ويقال: على شريعة.

يعني: على ملة ومذهب.

وقال قتادة: الشريعة الفرائض والحدود والأحكام.

فَاتَّبِعْها يعني: اثبت عليها.

وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ أي: لا يصدقون بالتوحيد إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: إن تركت الإسلام، إنهم لا يمنعوك من عذاب الله شيئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني: بعضهم على دين بعض وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي: ناصر الموحدين المخلصين هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ يعني: يبصرهم ما لهم وما عليهم، والواحدة بصيرة يعني: يبين لهم الحلال والحرام.

ويقال: هذا القرآن دلائل للناس.

ويقال: دعوة وكرامة.

ثم قال: وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي: هُدًى من الضلالة، ورحمة من العذاب لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالرسل والكتاب، ويوقنون أن الله أنزله نعمة وفضلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ...

الآية: «الشريعةُ» لُغَةً: مَوْرِدُ المياه، وهي في الدين من ذلك لأَنَّ الناس يَرِدُونَ الدينَ ابتغاءَ رحمةِ اللَّهِ والتقرُّبِ منه، و «الأمر» وَاحدُ الأمور، ويحتمل أنْ يكون وَاحِدَ الأوامر، والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هم:

الكُفَّارُ، وفي قوله تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ تحقيرٌ للكفرة من حيث خروجُهم عن ولاية الله تعالى.

ت: وقد قال صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ: «أَجِيبُوهُمْ فَقُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» «١» ، وذلك أَنَّ قريشاً قالوا للصحابة: لنا العزّى، ولا عزّى لكم.

وقوله عز وجل: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ يريد: القرآن، وهو جمع «بَصِيرَةٍ» ، وهو المُعْتَقَدُ الوثيقُ في الشيء، كأَنَّه من إبصار القلب قال أبو حيّان: وقرىء: «هذه» أي: هذه الآيات، انتهى.

وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ

قيل: إنَّ الآية نزلَتْ بسبب افتخار كان للكُفَّارِ على المؤمنين، قالوا: لَئِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كما تزعمون، لَنُفَضَّلَنَّ عليكم فيها، كما فُضِّلْنَا في الدّنيا.

واجْتَرَحُوا

معناه: اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حالَ العُصَاةِ من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يَبْكُونَ عنده، ورُوِيَ عن الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُهَا ليلةً حتَّى أَصْبَحَ «٢» ، وكذلك عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ «٣» ، وكان يقول لنفسه: لَيْتَ/ شِعْرِي!

مِنْ أيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟

وقال الثعلبيُّ: كانت هذه الآية تُسَمَّى مَبْكَاةَ العابدين «٤» ، قال ع «٥» : وأَمَّا لفظها فيعطى أَنَّه اجتراحُ الكُفْرِ، بدليل معادلته بالإِيمان، ويحتمل أَنْ تكون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ  وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ  في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ  ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.

وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .

* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.

واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ  وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.

﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.

والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.

﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.

فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ، وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ  إلى إرادَتِهِمْ.

و ﴿ "يُغْنُوا" ﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا".

و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و ﴿ "اجْتَرَحُوا" ﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" ﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟

وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ" ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كانت الإشارة إلى الكلام المتقدم وما فيه من ضرب المثل بموسى وقومه ومن تفضيل شريعة محمد على شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام والأمر بملازمة اتباعها والتحذير من اتباع رغائب الذين لا يعلمون، فهذه الجملة بمنزلة التذييل لما قبلها والتهيئةِ لأغراضها تنبيهاً لما في طيها من عواصمَ عن الشك والباطل بمنزلة قوله تعالى بعد عدة آيات في آخر سورة الأحقاف (35) ﴿ بلاغ ﴾ وقوله في سورة الأنبياء (105، 106) ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوممٍ عابدين ﴾ وإن كانت الإشارة إلى القرآن إذ هو حاضر في الأذهان كانت الجملة استئنافاً أعيد بها التنويه بشأن القرآن ومتبعيه والتعريضُ بتحميق الذين أعرضوا عنه، وتكون مفيدة تأكيد قوله آنفاً ﴿ هذا هدىً والذين كفروا بآيات ربّهم لهم عذابٌ من رجزٍ أليم ﴾ [الجاثية: 11]، وتكون الجملة المتقدمة صريحة في وعيد الذين كفروا بآياته وهذه تعريضاً بأنهم لم يَحْظَواْ بهذه البصائر، وكلا الاحتمالين رشيق، وكل بأن يكون مقصوداً حقيق.

و ﴿ بصائر ﴾ : جمع بصيرة وهي إدراك العقل الأمور على حقائقها، شبهت ببصر العين، وفرق بينهما بصيغة فعلية للمبالغة قال تعالى: ﴿ أدْعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومَن اتّبعني ﴾ في سورة يوسف (108).

وقال: ﴿ قال لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا ربّ السماوات والأرض بصائر ﴾ في سورة الإسراء (102) وقوله: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ﴾ في سورة القصص (43).

ووصف الآيات السابقة أو القرآن بالبصائر مجاز عقلي لأن ذلك سبب البصائر.

وجمع البصائر: إن كانت الإشارة إلى القرآن باعتبار المتبصرين بسببه كما اقتضاه قوله: للناس } لأن لكل أحد بصيرته الخاصة فهي أمر جزئي بالتبع لكَون صاحببِ كل بصيرة جزئياً مشخصاً فناسب أن تُورد جمعاً، فالبصيرة: الحاسَّة من الحواس الباطنة، وهذا بخلاف إفراد ﴿ هدى ورحمة ﴾ لأن الهدى والرحمة معنيان كليان يصلحان للعدد الكثير قال تعالى: ﴿ هدى للناس ﴾ [آل عمران: 4] وقال: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].

وإنما كان هدى لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى المقصود.

وإنّما كان رحمة لأن في اتباع هديه نجاح الناس أفراداً وجَماعاتتٍ في الدنيا لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم، وفي الآخرة لأنه سبب نوالهم درجات النعيم الأبدي.

وكان بصائر لأنه يبين للناس الخير والشر ويحَرضهم على الخير ويحذرهم من الشر ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور فعمله عمل البصيرة.

وجُعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته.

وذكر لفظ (قوم) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين.

والإيقان: العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه.

وحذف متعلقه لأنه معلوم بما جاءت به آيات الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُ الرَّسُولِ وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَآمَنَ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: بَعْدَما أعْلَمَهُمُ اللَّهُ ما في التَّوْراةِ.

﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طَلَبًا لِلرِّسالَةِ وأنَفَةً مِنَ الإذْعانِ لِلصَّوابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: بَغْيًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في جُحُودِ ما في كِتابِهِمْ مِن نُبُوَّةٍ وصِفَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا الدُّنْيا ورَخاءَها فَغَيَّرُوا كِتابَهم وأحَلُّوا فِيهِ ما شاؤُوا وحَرَّمُوا ما شاؤُوا، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ أيْ عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الدِّينِ كالشَّرِيعَةِ الَّتِي هي طَرِيقٌ إلى الماءِ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى القَصْدِ.

وَفي المُرادِ بِالشَّرِيعَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لِأنَّهُ طَرِيقٌ لِلنَّجاةِ.

الثّانِي: أنَّها الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ قَتادَةُ لِأنَّها طَرِيقٌ إلى الدِّينِ.

الثّالِثُ: أنَّها البَيِّنَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ: لِأنَّها طَرِيقُ الحَقِّ.

الرّابِعُ: السُّنَّةُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ لِأنَّهُ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ﴾ قال: اللب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ قال: على طريقة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ يقول: على هدى من الأمر وبينة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ قال: الشريعة الفرائض والحدود والأمر والنهي.

وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، والطبراني عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: قرأ تميم الداري رضي الله عنه سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ الآية، فلم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم رضي الله عنه قال: قام تميم الداري يصلي فمر بهذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني القرآن (١) (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 147 لكن نسبه لابن زيد، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 838.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 432.

(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 210.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَلَى العالمين ﴾ ذكر في [البقرة: 47] ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر ﴾ أي معجزات من أمر الدين ﴿ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر ﴾ أي ملة ودين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ قال أهل التأويل: أي: التوراة.

والإشكال: أنه آتى بني إسرائيل جملة كتباً كثيرة، أمّا التوراة والإنجيل والزبور هي كتب معروفة قد نعرفها، وقد يجوز أن يكون لهم كتب غيرها، فما معنى ذكر الكتاب؟

وما معنى حملهم على أن التوراة [هي المرادة]، إلا أن نقول: يجوز أن يريد بذكر الكتاب: الكتب؛ فإنه أدخل الألف واللام، فيكون لاستغراق الجنس.

ويحتمل أنّه أراد به التوراة، كما قال أهل التأويل؛ إذ يجوز أن يذكر اسم العام ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم.

ويحتمل أن تكون التوراة هي الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل: إن الزبور ليس فيه الحكم، إنما فيه التسبيح والتحميد، وكذا الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد: التوراة لهذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أي: فهم ما فيه.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ : فقه ما في الكتاب؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله: ﴿ ٱلْكِتَابَ ﴾ بين بقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أنه أعطى الحكم الظاهر فيه، والحكم المستخرج منه بالاستنباط والاجتهاد، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد بالكتاب: هو ما يتلى فيما بينهم وبين ربهم، والحكم هو ما أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ إنما ذكر النبوة؛ لأن النبوة كانت ظاهرة في بني إسرائيل، فإنه ذكر أن في بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قد كان رزقهم [من] الطيبات ما ذكر من المنّ، والسلوى، وغير ذلك من الطيبات، [ما] لا يحصى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ ﴾ قد ذكرنا تفضيلهم على العالمين في موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: آيات من الأمر.

وقيل: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: ما بين لهم من الحلال والحرام والشبه، ونبأ ما كان قبلهم، والله أعلم.

ويحتمل ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بيان ما تقع الحاجة إليه من الأمر.

وعندنا ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بينات التكوين ودلالات لما جعل الله لهم في نفس كل أحد من دلالات وحدانيته وألوهيته.

أو ما أقام من الآيات في العالم على التكوين يدل على جعل الألوهية والربوبية له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ على ما ذكرنا من أمر التكوين؛ أي: ما اختلفوا في صرف الألوهية والوحدانية عن الله -  - إلى غيره ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أي: إلا من بعد ما بين لهم أن الألوهية والربوبية [له] بالدلالة الواضحة والحجة النيرة، وأنّ له الخلق والأمر؛ إلا أنه ذكر العلم وأراد به أسباب العلم ودلائله، والله أعلم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ : أمر المجيء من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبيان ما يؤتى و[ما]يتقى، وما لهم وما عليهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ واختلافهم فيما امتحنوا يتوجه إلى وجوه: أحدها: ما اختلفوا فيما امتحنوا من الدين، أو فيما امتحنوا في اتباع رسول الله  والإجابة له إلى ما يدعوهم إليه والطاعة له.

ويحتمل: اختلافهم الذي ذكر الاختلاف في القرآن، أو فيما امتحنوا من التحليل والتحريم.

ثم يخبر الله -  جل وعلا - أنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بالحق في ذلك والبيان أنه من الله، وأن ما هم عليه باطل مضمحل.

ثم أخبر أن اختلافهم إنما هو لبغي بينهم وحسد، حملهم ذلك على الاختلاف فيما بينهم.

ثم أخبر أنه ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجزيهم في الآخرة جزاء اختلافهم في الدنيا.

أو ﴿ يَقْضِي ﴾ : أي: يفصل ويبين لهم يوم القيامة الحق من الباطل، والمحق والمبطل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا ﴾ يحتمل أن يكون هذا صلة قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ كأنّه يقول: وآتيناهم بينات من الأمر، وجعلنا ذلك شريعة لك، فاتبعها أنت وإن لم يتبعوها هم.

والشريعة: هي الملة والمذهب، وهي ما شرع فيه ويذهب إليه؛ كذلك قاله القتبي؛ قال: يقال: شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه، ومنه: مشارع الماء: الفُرَض التي يشرع فيها الناس والواردة.

وقال أبو عوسجة: الشريعة: السنة، والله أعلم.

ثم أخبر أن الذي هم عليه إنما هو هوى النفس، فقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لم يتأملوا فيه ولم يتفكروا ما لو تأملوا وتفكروا فيه لعلموا؛ لأنه قد ذكر في أوّل الآية أنهم إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: جاءهم من دلائل العلم ما لو تأملوا ونظروا فيها لعلموا.

والثاني: نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بما علموا وما جعل لهم من العلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ أي: لو اتبعت أهواءهم ﴿ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ أي: لم يغنوا أولئك عن دفع ما ينزل بك من عذاب الله شيئاً، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ثم أخبر أن الظالمين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ يحتمل ولاية الدين والمذهب؛ أي: بعضهم يوالي بعضاً في الدين.

ويحتمل في غيره؛ أي: يلي بعضهم أمر بعض في الإعانة والنصرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ يحتمل: أي: يلي أمور المتقين.

ويحتمل: ﴿ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: ناصرهم ومعينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ سمى الله -  - هذا القرآن: بصائر، وهو ما يبصر به، ومرة: هدى، وبياناً، ورحمة، ونوراً، ونحوه، وهو هكذا، هو هدى، وبيان، ونور، وبصيرة لمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل وقبله.

ويحتمل: ﴿ بَصَائِرُ ﴾ : بيان يبين لهم أنه من الله، فيبين لهم الحق من الباطل، ويبين [ما] لهم وما عليهم لمن ذكر ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا القرآن المنزل على رسولنا بصائر يبصر بها الناس الحق من الباطل، وهداية إلى الحق، ورحمة لقوم يوقنون؛ لأنهم هم الذين يهتدون به إلى الصراط المستقيم ليرضى عنهم ربهم، فيدخلهم الجنة، ويزحزحهم عن النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.PM513"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل