الآية ٤ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٤ من سورة محمد

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍۢ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 159 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) أي : إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف ، ( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ) أي : أهلكتموهم قتلا ) فشدوا ) [ وثاق ] الأسارى الذين تأسرونهم ، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم ، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا ، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه .

والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر ، فإن الله ، سبحانه ، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء ، والتقلل من القتل يومئذ فقال : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) [ الأنفال : 67 ، 68 ] .

ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية - المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه - منسوخة بقوله تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ] ) الآية [ التوبة : 5 ] ، رواه العوفي عن ابن عباس .

وقاله قتادة ، والضحاك ، والسدي ، وابن جريج .

وقال الآخرون - وهم الأكثرون - : ليست بمنسوخة .

ثم قال بعضهم : إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط ، ولا يجوز له قتله .

وقال آخرون منهم : بل له أن يقتله إن شاء ؛ لحديث قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر ، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال له : " ما عندك يا ثمامة ؟

" فقال : إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تمنن تمنن على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت .

وزاد الشافعي ، رحمه الله ، فقال : الإمام مخير بين قتله أو المن عليه ، أو مفاداته أو استرقاقه أيضا .

وهذه المسألة محررة في علم الفروع ، وقد دللنا على ذلك في كتابنا " الأحكام " ، ولله الحمد والمنة .

وقوله : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) قال مجاهد : حتى ينزل عيسى ابن مريم [ عليه السلام ] .

وكأنه أخذه من قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إبراهيم بن سليمان ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم : أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني سيبت الخيل ، وألقيت السلاح ، ووضعت الحرب أوزارها ، وقلت : " لا قتال " فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الآن جاء القتال ، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم : ويرزقهم الله منهم ، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك .

ألا إن عقر دار المؤمنين الشام ، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " .

وهكذا رواه النسائي من طريقين ، عن جبير بن نفير ، عن سلمة بن نفيل السكوني به .

وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن مهاجر ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، عن جبير بن نفير ، عن النواس بن سمعان قال : لما فتح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح فقالوا : يا رسول الله ، سيبت الخيل ، ووضعت السلاح ، ووضعت الحرب أوزارها ، قالوا : لا قتال ، قال : " كذبوا ، الآن ، جاء القتال ، لا يزال الله يرفع قلوب قوم يقاتلونهم ، فيرزقهم منهم ، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ، وعقر دار المسلمين بالشام " .

وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به .

والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم .

وهذا يقوي القول بعدم النسخ ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى ألا يبقى حرب .

وقال قتادة : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) حتى لا يبقى شرك .

وهذا كقوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) [ البقرة : 193 ] .

ثم قال بعضهم : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) أي : أوزار المحاربين ، وهم المشركون ، بأن يتوبوا إلى الله عز وجل .

وقيل : أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله ، عز وجل .

وقوله : ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) أي : هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده ، ( ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) أي : ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم ، ويبلو أخباركم .

كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي " آل عمران " و " براءة " في قوله : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) [ آل عمران : 142 ] .

وقال في سورة براءة : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) [ التوبة : 14 ، 15 ] .

ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين ، قال : ( والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ) أي : لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها .

ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه ، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ، حيث قال : حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي ، حدثنا ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن كثير بن مرة ، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه : يكفر عنه كل خطيئة ، ويرى مقعده من الجنة ، ويزوج من الحور العين ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ومن عذاب القبر ، ويحلى حلة الإيمان " .

تفرد به أحمد رحمه الله .

حديث آخر : قال أحمد أيضا : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معدي كرب الكندي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن للشهيد عند الله ست خصال : أن يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى حلة الإيمان ، ويزوج من الحور العين ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه " .

وقد أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ، وعن أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين " .

وروي من حديث جماعة من الصحابة .

وقال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته " .

ورواه أبو داود .

والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به وبرسوله: ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله ورسوله من أهل الحرب, فاضربوا رقابهم.

وقوله ( حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) يقول: حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم, فصاروا في أيديكم أسرى ( فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) يقول: فشدّوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم, فيهربوا منكم.

وقوله ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) يقول: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان, فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر, وتحرروهم بغير عوض ولا فدية, وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضا حتى تطلقوهم, وتخلوا لهم السبيل.

واختلف أهل العلم في قوله ( حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) فقال بعضهم: هو منسوخ نسخه قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد وابن عيسى الدامغانيّ, قالا ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج أنه كان يقول, في قوله ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) نسخها قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن السديّ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) قال: نسخها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) نسخها قوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى قوله ( وَإِمَّا فِدَاءً ) كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم, فإذا أسروا منهم أسيرا, فليس لهم إلا أن يُفادوه, أو يمنوا عليه, ثم يرسلوه, فنسخ ذلك بعد قوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ : أي عظ بهم من سواهم من الناس لعلهم يذّكرون.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم &; 22-155 &; الجزري, قال: كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه في أسير أُسر, فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا, فقال أبو بكر: اقتلوه, لقتلُ رجل من المشركين, أحبّ إليّ من كذا وكذا.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ )...

إلى آخر الآية, قال: الفداء منسوخ, نسختها: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ...

إلى كُلَّ مَرْصَدٍ قال: فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة, وانسلاخ الأشهر الحرم.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) هذا منسوخ, نسخه قوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة بعد براءة.

وقال آخرون: هي محكمة وليست بمنسوخة, وقالوا: لا يحوز قتل الأسير, وإنما يجوز المن عليه والفداء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو عتاب سهل بن حماد, قال: ثنا خالد بن جعفر, عن الحسن, قال: أتى الحجاج بأسارى, فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله, فقال ابن عمر: ليس بهذا أُمرنا, قال الله عزّ وجلّ( حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) قال: (1) البكاء بين يديه فقال الحسن: لو كان هذا وأصحابه لابتدروا إليهم.

حدثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغانيّ, قالا ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, عن عطاء أنه كان يكره قتل المشرك صبرا, قال: ويتلو هذه الآية ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن, قال: لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدوّ.

قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: كان عمر بن عبد العزيز يفديهم الرجل بالرجل, وكان الحسن يكره أن يفادى بالمال.

قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن رجل من أهل الشأم ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز, وهو من بني أسد, قال: ما رأيت عمر رحمه الله قتل أسيرا إلا واحدا من الترك كان جيء بأسارى من الترك, فأمر بهم أن يُسترقوا, فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المومنين, لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم, فقال عمر: فدونك فاقتله, فقام إليه فقتله.

والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة, وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بيَّنا في غير موضع في كتابنا إنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة, أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر, وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتل إلى الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وإلى القائمين بعده بأمر الأمة, وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية, لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى, وذلك قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...

الآية، بل ذلك كذلك, لأن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب, فيقتل بعضا, ويفادي ببعض, ويمنّ على بعض, مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي مُعَيْطٍ وقد أتي به أسيرا, وقتل بني قُرَيظة, وقد نـزلوا على حكم سعد, وصاروا في يده سلما, وهو على فدائهم, والمنّ عليهم قادر, وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أُسروا ببدر, ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفيّ, وهو أسير في يده, ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم, إلى أن قبضه إليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دائما ذلك فيهم, وإنما ذكر جلّ ثناؤه في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى, فخصّ ذكرهما فيها, لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنـزيله مكرّرا, فأعلم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بما ذكر في هذه الآية من المنّ والفداء ما له فيهم مع القتل.

وقوله ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) يقول تعالى ذكره: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم, وافعلوا بأسراهم ما بيَّنت لكم, حتى تضع الحرب آثامها وأثقال أهلها, المشركين بالله بأن يتوبوا إلى الله من شركهم, فيؤمنوا به وبرسوله, ويطيعوه في أمره ونهيه, فذلك وضع الحرب أوزارها, وقيل: ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) والمعنى: حتى تلقي الحرب أوزار أهلها.

وقيل: معنى ذلك: حتى يضع المحارب أوزاره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ووقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم, فيسلم كلّ يهودي ونصرانيّ وصاحب ملة, وتأمن الشاة من الذئب, ولا تقرض فأرة جِرابا, وتذهب العداوة من الأشياء كلها, ذلك ظهور الإسلام على الدين كله, وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) حتى لا يكون شرك.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) قال: حتى لا يكون شرك.

ذكر من قال : عني بالحرب في هذا الموضع: المحاربون.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور عن معمر, عن قتادة ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) قال الحرب: من كان يقاتلهم سماهم حربا.

وقوله ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم في حرب, وشدّهم وثاقا بعد قهرهم, وأسرهم, والمنّ والفداء ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) هو الحق الذي ألزمكم ربكم ولو يشاء ربكم, ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة, وكفاكم ذلك كله, ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم, وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون ( لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) يقول: ليختبركم بهم, فيعلم المجاهدين منكم والصابرين, ويبلوهم بكم, فيعاقب بأيديكم من شاء منهم, ويتعظ من شاء منهم بمن أهلك بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحقّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) إي والله بجنوده الكثيرة كلّ خلقه له جند, ولو سلط أضعف خلقه لكان جندا.

وقوله ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة ( وَالَّذِينَ قَاتَلُوا ) بمعنى: حاربوا المشركين, وجاهدوهم, بالألف; وكان الحسن البصري فيما ذُكر عنه يقرأه ( قُتِّلُوا ) بضم القاف وتشديد التاء, بمعنى: أنه قتلهم المشركون بعضهم بعد بعض, غير أنه لم يُسمّ الفاعلون.

وذُكر عن الجحدريّ عاصم أنه كان يقرأه ( وَالَّذِينَ قَتَلُوا ) بفتح القاف وتخفيف التاء, بمعنى: والذين قتلوا المشركون بالله.

وكان أبو عمرو يقرأه ( قُتِلُوا ) بضم القاف وتخفيف التاء بمعنى: والذين قتلهم المشركون, ثم أسقط الفاعلين, فجعلهم لم يسمّ فاعل ذلك بهم.

وأولى القراءات بالصواب قراءة من قرأه ( وَالَّذِينَ قَاتَلُوا ) لاتفاق الحجة من القرّاء, وإن كان لجميعها وجوه مفهومة.

وإذ كان ذلك أولى القراءات عندنا بالصواب, فتأويل الكلام: والذين قاتلوا منكم أيها المؤمنون أعداء الله من الكفار في دين الله, وفي نصرة ما بعث به رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الهدى, فجاهدوهم في ذلك ( فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضلالا عليهم كما أضلّ أعمال الكافرين.

وذُكر أن هذه الآية عُنِي بها أهل أحد.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) ذُكر لنا أن هذه الآية أُنـزلت يوم أُحد ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الشِّعْب, وقد فَشَت فيهم الجراحات والقتل, وقد نادى المشركون يومئذ: اُعْلُ هُبَلْ, فنادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ, فنادى المشركون: يوم بيوم, إن الحرب سجال, إن لنا عُزَّى, ولا عُزَّى لكم, قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " اللهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ.

إنَّ القَتْلَى مُخْتَلِفَةٌ, أمَّا قَتْلانا فأَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ, وأمَّا قَتْلاكم فَفِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ" .

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) قال: الذين قُتلوا يوم أُحد.

------------------------ الهوامش: (1) لعله سقط من الأصل هنا كلمة أو نحوها ، مثل اشتد أو علا ، أو ارتفع أي ارتفع : بكاء الأسرى بين يدي الحجاج .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوالما ميز بين الفريقين أمر بجهاد الكفار .قال ابن عباس : الكفار المشركون عبدة الأوثان .وقيل : كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة , ذكره الماوردي .واختاره ابن العربي وقال : وهو الصحيح لعموم الآية فيه .فَضَرْبَ الرِّقَابِمصدر .قال الزجاج : أي فاضربوا الرقاب ضربا .وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها .وقيل : نصب على الإغراء .قال أبو عبيدة : هو كقولك يا نفس صبرا .وقيل : التقدير اقصدوا ضرب الرقاب .وقال : " فضرب الرقاب " ولم يقل فاقتلوهم ; لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل , لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره , وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه .حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْأي أكثرتم القتل .وقد مضى في " الأنفال " عند قوله تعالى : " حتى يثخن في الأرض " [ الأنفال : 67 ] .فَشُدُّوا الْوَثَاقَأي إذا أسرتموهم .والوثاق اسم من الإيثاق , وقد يكون مصدرا , يقال : أوثقته إيثاقا ووثاقا .وأما الوثاق ( بالكسر ) فهو اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط ; قاله القشيري .وقال الجوهري : وأوثقه في الوثاق أي شده , وقال تعالى : " فشدوا الوثاق " .والوثاق ( بكسر الواو ) لغة فيه .وإنما أمر بشد الوثاق لئلا يفلتوا .فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً" فإما منا " عليهم بالإطلاق من غير فدية " وإما فداء " .ولم يذكر القتل هاهنا اكتفاء بما تقدم من القتل في صدر الكلام , و " منا " و " فداء " نصب بإضمار فعل .وقرئ " فدى " بالقصر مع فتح الفاء , أي فإما أن تمنوا عليهم منا , وإما أن تفادوهم فداء .روي عن بعضهم أنه قال : كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة فقال : يا حجاج , لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا قال : ولم ذلك ؟

قال : لأن الله تعالى قال : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " في حق الذين كفروا , فوالله ما مننت ولا فديت ؟

وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق : ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم فقال الحجاج : أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام ؟

خلوا سبيل من بقي .فخلي يومئذ عن بقية الأسرى , وهم زهاء ألفين , بقول ذلك الرجل .واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال :الأول : أنها منسوخة , وهي في أهل الأوثان , لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم .والناسخ لها عندهم قوله تعالى : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [ التوبة : 5 ] وقوله : " فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم " [ الأنفال : 57 ] وقوله : " وقاتلوا المشركين كافة " [ التوبة : 36 ] الآية , قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس , وقاله كثير من الكوفيين .وقال عبد الكريم الجوزي : كتب إلى أبي بكر في أسير أسر , فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا , فقال اقتلوه , لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا .الثاني : أنها في الكفار جميعا .وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر , منهم قتادة ومجاهد .قالوا : إذا أسر المشرك لم يجز أن يمن عليه , ولا أن يفادى به فيرد إلى المشركين , ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة ; لأنها لا تقتل .والناسخ لها : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [ التوبة : 5 ] إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف , فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه الجزية .وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة , خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين .ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة " فإما منا بعد وإما فداء " قال : نسخها " فشرد بهم من خلفهم " .وقال مجاهد : نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [ التوبة : 5 ] .وهو قول الحكم .الثالث : أنها ناسخة , قال الضحاك وغيره روى الثوري عن جويبر عن الضحاك : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " [ التوبة : 5 ] قال : نسخها " فإما منا بعد وإما فداء " .وقال ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء : " فإما منا بعد وإما فداء " فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى , كما قال الله عز وجل .وقال أشعث : كان الحسن يكره أن يقتل الأسير , ويتلو " فإما منا بعد وإما فداء " .وقال الحسن أيضا : في الآية تقديم وتأخير , فكأنه قال : فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها .ثم قال : " حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " .وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله ; لكنه بالخيار في ثلاثة منازل : إما أن يمن , أو يفادي , أو يسترق .الرابع : قول سعيد بن جبير : لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف , لقوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " [ الأنفال : 67 ] .فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره .الخامس : أن الآية محكمة , والإمام مخير في كل حال , رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس , وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء , وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم .وهو الاختيار ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك , قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا , وفادى سائر أسارى بدر , ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده , وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين , وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن عليهم , وقد من على سبي هوازن .وهذا كله ثابت في الصحيح , وقد مضى جميعه في ( الأنفال ) وغيرها .قال النحاس : وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما , وهو قول حسن ; لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع , فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ , إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم , فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمن , على ما فيه الصلاح للمسلمين .وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد , وحكاه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة , والمشهور عنه ما قدمناه , وبالله عز وجل التوفيق .حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَاقال مجاهد وابن جبير : هو خروج عيسى عليه السلام .وعن مجاهد أيضا : أن المعنى حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام , فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة , وتأمن الشاة من الذئب .ونحوه عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي .قال الكسائي : حتى يسلم الخلق .وقال الفراء : حتى يؤمنوا ويذهب الكفر .وقال الكلبي : حتى يظهر الإسلام على الدين كله .وقال الحسن : حتى لا يعبدوا إلا الله .وقيل : معنى الأوزار السلاح , فالمعنى شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح .وقيل : معناه حتى تضع الحرب , أي الأعداء المحاربون أوزارهم , وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة .ويقال للكراع أوزار .قال الأعشى : وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا وخيلا ذكورا ومن نسج داود يحدى بها على أثر الحي عيرا فعيرا وقيل : " حتى تضع الحرب أوزارها " أي أثقالها .والوزر الثقل , ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال .وأثقالها السلاح لثقل حملها .قال ابن العربي : قال الحسن وعطاء : في الآية تقديم وتأخير , المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق , وليس للإمام أن يقتل الأسير .وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرا إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال : ليس بهذا أمرنا الله , وقرأ " حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " .قلنا : قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله , وليس في تفسير الله للمن والفداء منع من غيره , فقد بين الله في الزنى حكم الجلد , وبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم الرجم , ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال , وربك أعلم .ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ" ذلك " في موضع رفع على ما تقدم , أي الأمر ذلك الذي ذكرت وبينت .وقيل : هو منصوب على معنى افعلوا ذلك .ويجوز أن يكون مبتدأ , المعنى ذلك حكم الكفار .وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام , وهو كما قال تعالى : " هذا وإن للطاغين لشر مآب " [ ص : 55 ] .أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا .ومعنى : " لانتصر منهم " أي أهلكهم بغير قتال .وقال ابن عباس : لأهلكهم بجند من الملائكة .وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍأي أمركم بالحرب ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين , كما في السورة نفسها .وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْيريد قتلى أحد من المؤمنينقراءة العامة " قاتلوا " وهي اختيار أبي عبيد .وقرأ أبو عمرو وحفص " قتلوا " بضم القاف وكسر التاء , وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدد التاء على التكثير .وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة " قتلوا " بفتح القاف والتاء من غير ألف , يعني الذين قتلوا المشركين .قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب , وقد فشت فيهم الجراحات والقتل , وقد نادى المشركون : اعل هبل .ونادى المسلمون : الله أعلى وأجل .وقال المشركون : يوم بيوم بدر والحرب سجال .فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قولوا لا سواء .قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون ) .فقال المشركون : إن لنا العزى ولا عزى لكم .فقال المسلمون : الله مولانا ولا مولى لكم .وقد تقدم ذكر ذلك في ( آل عمران ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى -مرشدا عباده إلى ما فيه صلاحهم، ونصرهم على أعدائهم-: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } في الحرب والقتال، فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حَتَّى تثخنوهم وتكسروا شوكتهم وتبطلوا شرتهم، فإذا فعلتم ذلك، ورأيتم الأسر أولى وأصلح، { فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم، فإذا كانوا تحت أسركم، فأنتم بالخيار بين المن عليهم، وإطلاقهم بلا مال ولا فداء، وإما أن تفدوهم بأن لا تطلقوهم حتى يشتروا أنفسهم، أو يشتريهم أصحابهم بمال، أو بأسير مسلم عندهم.وهذا الأمر مستمر { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أي: حتى لا يبقى حرب، وتبقون في المسألة والمهادنة، فإن لكل مقام مقالا، ولكل حال حكما، فالحال المتقدمة، إنما هي إذا كان قتال وحرب.فإذا كان في بعض الأوقات، لا حرب فيه لسبب من الأسباب، فلا قتل ولا أسر.{ ذَلِكَ } الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، وانتصار بعضهم على بعض { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ } فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم.{ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا.{ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } لهم ثواب جزيل، وأجر جميل، وهم الذين قاتلوا من أمروا بقتالهم، لتكون كلمة الله هي العليا.فهؤلاء لن يضل الله أعمالهم، أي: لن يحبطها ويبطلها، بل يتقبلها وينميها لهم، ويظهر من أعمالهم نتائجها، في الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) نصب على الإغراء ، أي فاضربوا رقابهم يعني أعناقهم .

( حتى إذا أثخنتموهم ) بالغتم في القتل وقهرتموهم ( فشدوا الوثاق ) يعني في الأسر حتى لا يفلتوا منكم ، والأسر يكون بعد المبالغة في القتل ، كما قال : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " ( الأنفال - 67 ( فإما منا بعد وإما فداء ) يعني : بعد أن تأسروهم فإما أن تمنوا عليهم منا بإطلاقهم من غير عوض ، وإما أن تفادوهم فداء .

واختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال قوم : هي منسوخة بقوله : " فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم " ( الأنفال - 57 ) ، وبقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( التوبة - 5 ) .

وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج ، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي ، قالوا : لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء .

وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة ، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم ، فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال ، أو بأسارى المسلمين ، وإليه ذهب ابن عمر ، وبه قال الحسن ، وعطاء ، وأكثر الصحابة والعلماء ، وهو قول الثوري ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق .

قال ابن عباس : لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله - عز وجل - في الأسارى : " فإما منا بعد وإما فداء " .

وهذا هو الأصح والاختيار ، لأنه عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، [ حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن يوسف ] حدثنا الليث ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية [ من سواري ] المسجد ، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما عندك يا ثمامة ؟

فقال : عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، حتى كان الغد ، فقال له : ما عندك يا ثمامة ؟

فقال : عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر ، [ وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال سل تعط ] فتركه حتى كان بعد الغد ، فقال له : ما عندك يا ثمامة ؟

فقال : عندي ما قلت لك ، فقال : " أطلقوا ثمامة " ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحب الدين إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فماذا ترى ؟

فبشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل : أصبوت ؟

فقال : لا ولكن أسلمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا والله لا يأتيكم مناليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين قال : أسر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من بني عقيل فأوثقوه ، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ففداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف .

قوله - عز وجل - : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) أي أثقالها وأحمالها ، يعني حتى تضع أهل الحرب السلاح ، فيمسكوا عن الحرب .

وأصل " الوزر " : ما يحتمل الإنسان ، فسمى الأسلحة أوزارا لأنها تحمل .

وقيل : " الحرب " هم المحاربون ، كالشرب والركب .

وقيل : " الأوزار " الآثام ، ومعناه حتى يضع المحاربون آثامها ، بأن يتوبوا من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله .

وقيل : حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ، ومعنى الآية : أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام ، ويكون الدين كله لله فلا يكون بعده جهاد ولا قتال ، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ، وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال " .

وقال الكلبي : حتى يسلموا أو يسالموا .

وقال الفراء : حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم .

( ذلك ) الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ) فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال ( ولكن ) أمركم بالقتال ( ليبلو بعضكم ببعض ) فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى العذاب ( والذين قتلوا في سبيل الله ) قرأ أهل البصرة وحفص : " قتلوا " بضم القاف وكسر التاء خفيف ، يعني الشهداء ، وقرأ الآخرون : " قاتلوا " بالألف من المقاتلة ، وهم المجاهدون ( فلن يضل أعمالهم ) قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب» مصدر بدل من اللفظ بفعله، أي فاضربوا رقابهم، أي اقتلوهم وعبَّر بضرب الرقاب لأن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة «حتى إذا أثخنتموهم» أكثرتم فيهم القتل «فشدوا» فأمسكوا عنهم وأسروهم وشدوا «الوثاق» ما يوثق به الأسرى «فإما منا بعد» مصدر بدل من اللفظ بفعله أي تمنون عليهم بإطلاقهم من غير شيء «وإما فداءً» تفادونهم بمال أو أسرى مسلمين «حتى تضع الحرب» أي أهلها «أوزارها» أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكفار أو يدخلوا في العهد وهذه غاية للقتل والأسر «ذلك» خبر مبتدأ مقدر، أي الأمر فيهم ما ذكر «ولو يشاء الله لانتصر منهم» بغير قتال «ولكن» أمركم به «ليبلو بعضكم ببعض» منهم في القتال فيصير من قتل منكم إلى الجنة ومنهم إلى النار «والذين قتلوا» وفي قراءة قاتلوا، الآية نزلت يوم أحد وقد فشا في المسلمين القتل والجراحات «في سبيل الله فلن يضل» يحبط «أعمالهم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل، وكسرتم شوكتهم، فأحكموا قيد الأسرى: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.

ذلك الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام بينهم، ولو يشاء الله لانتصر للمؤمنين من الكافرين بغير قتال، ولكن جعل عقوبتهم على أيديكم، فشرع الجهاد؛ ليختبركم بهم، ولينصر بكم دينه.

والذين قُتلوا في سبيل الله من المؤمنين فلن يُبْطِل الله ثواب أعمالهم، سيوفقهم أيام حياتهم في الدنيا إلى طاعته ومرضاته، ويُصْلح حالهم وأمورهم وثوابهم في الدنيا والآخرة، ويدخلهم الجنة، عرَّفهم بها ونعتها لهم، ووفقهم للقيام بما أمرهم به -ومن جملته الشهادة في سبيله-، ثم عرَّفهم إذا دخلوا الجنة منازلهم بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ ) لترتيب ما بعدها من إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند قتل أعدائهم ، على ما قبلها وهو بيان حال الكفار .فالمراد باللقاء هنا : القتال لا مجرد اللقاء والرؤية .

كما أن المراد بالذين كفروا هنا المشركون وكل من كان على شاكلتهم ممن ليس بيننا وبينهم عهد بل بيننا وبينهم حرب وقتال .وقوله - سبحانه - : ( فَضَرْبَ الرقاب ) أمر للمؤمنين بما يجب فعله عند لقائهم لأعدائهم .

وقوله : ( فَضَرْبَ ) منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف .

أى : فإذا كان حال الذين كفروا كما ذكرت لكم من إحباط أعمالهم بسبب اتباعهم الباطل وإعراضهم عن الحق ، فإذا لقيتموهم للقتال ، فلا تأخذكم بهم رأفة ، بل اضربوا رقابهم ضربا شديدا .والتعبير عن القتل بقوله : ( فَضَرْبَ الرقاب ) ، لتصويره فى أفظع صوره .

ولتهويل أمر القتال ، ولإِرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله .قال صاحب الكشاف : قوله : ( لَقِيتُمُ ) من اللقاء وهو الحرب ( فَضَرْبَ الرقاب ) أصله : فاضرب الرقاب ضربا ، فحذف الفعل وقدم المصدر ، فأنيب منابه مضافا إلى المفعول ، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد ، لأنك تذكر المصدر ، وتدل على الفعل بالنصبة التى فيه .وضرب الرقاب : عبارة عن القتل .

.

وذلك أن قتل الإِنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته ، فوقع عبارة عن القتل ، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل .على أن فى هذه العبارة من الغلظة والشدة ، ما ليس سفى لفظ القتل ، لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة ، وهو حز العنق ، وإطارة العضو الذى هو رأس البدن .وقوله - سبحانه - : ( حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق ) بيان لما يكون من المؤمنين بعد مثل حركة أعدائهم ، وإنزال الهزيمة بهم .وقوله : ( أَثْخَنتُمُوهُمْ ) من الإِثخان بمعنى كثرة الجراح ، مأخوذ من الشئ الثخين ، أى : الغليظ ، يقال : أثخن الجيش فى عدوه ، إذا بالغ فى إنزاله الجراحة الشديدة به ، حتى أضعفه وأزال قوته .والوثاق - بفتح الواو وكسرها - اسم الشئ الى يوثق به الأسير كالرباط أى : عند لقائكم - أيها المؤمنون - لأعدائكم ، فاضربوا أعناقكم ، فإذا ما تغلتم عليهم وقهرتموهم ، وأنزلتم بهم الجراح التى تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم ، فأحكموا قيد من أسرتموه منهم ، حتى لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم .وقوله - سبحانه - ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ) إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك .والمن : الإِطلاق بغير عوض ، يقال : مَّن فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل .والفداء : ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكى يفتدى بها نفسه من الأسر .وقوله : ( مَنًّا ) و ( فِدَآءً ) منصوبان على المصدرية بفعل محذوف : أى : فإما تمنون عليهم بعد السر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل ، وإما أن تفدوا فداء بأن تأخذوا منهم فدية فى مقابل إطلاق سراحهم .وقوله - سبحانه - ( حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ) غاية لهذه الأوامر والإِرشادات .وأوزار الحرب : آلاتها وأثقالها الى لا تقوم إلا بها ، كالسلاح وما يشبه .قال الشاعر :وأعددتَ للحرب أوزارها ...

رماحا طوالاً وخيلا ذكوراأى : افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله ، واستمروا على ذلك حتى تنتهى الحرب التى بينكم وبين أعدئاكم بهزيمتهم وانتصارهم عليهم .وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار ، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا بها ، فكأنها تحملها وتستقل بها ، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها وانفصلت عنها .ثم بين - سبحانه - الحكمة من مشروعية قتال الأعداء ، مع أنه - سبحانه - قادر على إهلاك هؤلاء الأعداء ، فقال : ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) .واسم الإِشارة : خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر ذلك ، أو فى محل نصب على المفعولية بفعل محذوف ، أى : افعلوا ذلك الذى أمرناكم به وأرشدناكم إليه واعلموا أنه - سبحانه - لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم لفعل ، أى : لو يشاء إهلاكهم لأهلكم ، ولكنه - سبحانه - لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض ، فيتميز عن طريق هذا الاختبار والامتحان ، قوى الإِيمان من ضعيفه .

كما قال - تعالى - : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال : ( والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله ) أى : والذين استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله .( فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) أى : فلن يضيع أعمالهم ولن يبطلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ﴾ يستدعي متعلقاً يتعلق به ويترتب عليه، فما وجه التعلق بما قبله؟

نقول هو من وجوه: الأول: لما بيّن أن الذين كفروا أضل الله أعمالهم واعتبار الإنسان بالعمل، ومن لم يكن له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك يؤذي حسن إعدامه ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ﴾ بعد ظهور أن لا حرمة لهم وبعد إبطال أعمالهم، فاضربوا أعناقهم الثاني: إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين، وأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان، والآخر يتبع الحق وهو حزب الرحمن حق القتال عند التحزب، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان من الظلم والطغيان، ولا سيما القتل الذي هو تخريب بنيان، فيقال رداً عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فمن يقتل في سبيل الله لتعظيم أمر الله لهم من الأجر ما للمصلي والصائم، فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رأفة فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل.

المسألة الثانية: ﴿ فَضَرْبَ ﴾ منصوب على المصدر، أي فاضربوا ضرب الرقاب.

المسألة الثالثة: ما الحكمة في اختيار ضرب الرقبة على غيرها من الأعضاء نقول فيه: لما بيّن أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع، وذلك أن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولاً مقتله بل يتدرج ويضرب على غير المقتل، فإن اندفع فذاك ولا يترقى إلى درجة الإهلاك، فقال تعالى ليس المقصود إلا دفعهم عن وجه الأرض، وتطهير الأرض منهم، وكيف لا والأرض لكم مسجد، والمشركون نجس، والمسجد يطهر من النجاسة، فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم بخلاف دفع الصائل، والرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك، والرقبة ظاهرة في الحرب ففي ضربها حز العنق وهو مستلزم للموت بخلاف سائر المواضع، ولا سيما في الحرب، وفي قوله: ﴿ لَقِيتُمُ ﴾ ما ينبئ عن مخالفتهم الصائل لأن قوله: ﴿ لَقِيتُمُ ﴾ يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم، ولذلك قال في غير هذا الموضع ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ  ﴾ .

المسألة الرابعة: قال هاهنا ﴿ ضَرب الرقاب ﴾ بإظهار المصدر وترك الفعل، وقال في الأنفال ﴿ فاضربوا فَوْقَ الأعناق  ﴾ بإظهار الفعل، وترك المصدر، فهل فيه فائدة؟

نقول نعم ولنبينها بتقديم مقدمة، وهي أن المقصود أولاً في بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمناً، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ويقع منه المصدر في الوجود، وقد يكون المقصود أولاً المصدر ولكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل، مثاله من قال: إني حلفت أن أخرج من المدينة.

فيقال له: فاخرج، صار المقصود منه صدور الفعل منه والخروج في نفسه غير مقصود الانتفاء، ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه إلا أن يخرج لكن من ضرورات الخروج أن يخرج، فإذا قال قائل ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال له مثلاً الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل، إذا عرفت هذا فنقول في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا لنصرة من حضر في صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب، وهاهنا الأمر وارد وليس في وقت القتال بدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ﴾ والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمور على الفعل قال: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ وفيما ذكرنا تبيين فائدة أخرى وهي أن الله تعالى قال هناك ﴿ واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل، وهاهنا ليس وقت القتال فبيّن أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك.

المسألة الخامسة: ﴿ حتى ﴾ لبيان غاية الأمر لا لبيان غاية القتل أي حتى إذا اثخنتموهم لا يبقى الأمر بالقتل، ويبقى الجواز ولو كان لبيان القتل لما جاز القتل، والقتل جائز إذا التحق المثخن بالشيخ الهرم، والمراد كما إذا قطعت يداه ورجلاه فنهى عن قتله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ أمر إرشاد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (إما) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء، نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام الجائز في سائر الأجناس، والاسترقاق غير جائز في أسر العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم فلم يذكر الاسترقاق، وأما القتل فلأن الظاهر في المثخن الإزمان، ولأن القتل ذكره بقوله: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ فلم يبق إلا الأمران.

المسألة الثانية: مناً وفداءً منصوبان لكونهما مصدرين تقديره: فإما تمنون مناً وإما تفدون فداءً وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، والفداء يجوز أن يكون مالاً يكون وأن يكون غيره من الأسرى أو شرطاً يشرط عليهم أو عليه وحده.

المسألة الثالثة: إذا قدرنا الفعل وهو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول، حتى نقول إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء، نقول لا لأن المقصود المن والفداء لا عليهم وبهم كما يقول القائل: فلان يعطي ويمنع ولا يقال يعطي زيداً ويمنع عمراً لأن غرضه ذكر كونه فاعلاً لا بيان المفعول، وكذلك هاهنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل.

ثم قال تعالى: ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ .

وفي تعلق ﴿ حتى ﴾ وجهان: أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع وثانيهما: بالمن والفداء، ويحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق وتعلقها بالقتل أظهر وإن كان ذكره أبعد، وفي الأوزار وجهان: أحدهما: السلاح والثاني: الآثام وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن كان المراد الإثم، فكيف تضع الحرب الإثم والإثم على المحارب؟

وكذلك السؤال في السلاح لكنه على الأول أشد توجهاً، فيقول تضع الحرب الأوزار لا من نفسها، بل تضع الأوزار التي على المحاربين والسلاح الذي عليهم.

المسألة الثانية: هل هذا كقوله تعالى: ﴿ واسئل القرية  ﴾ حتى يكون كأنه قال حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها؟

نقول ذلك محتمل في النظر الأول، لكن إذا أمعنت في المعنى تجد بينهما فرقاً، وذلك لأن المقصود من قوله: ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، ولو قلنا حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية بمادتها كما تقول خصومتي ما انفصلت ولكني تركتها في هذه الأيام، وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم يبق.

المسألة الثالثة: لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى قوله: ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ نقول لا والتفاوت بين العبارتين مع قطع النظر عن النظم، بل النظر إلى نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة بني أُمية، وقولك لم يبق من دولتهم أثر، ولا شك أن الثاني أبلغ، فكذلك هاهنا قوله تعالى: ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها.

المسألة الرابعة: وقت وضع أوزار الحرب متى هو؟

نقول فيه أقوال حاصلها راجع إلى أن ذلك الوقت هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام وحزب من أحزاب الكفر وقيل ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى عليه السلام.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ .

في معنى ذلك وجهان: أحدهما: الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك واجب أو مقدم، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود ومطلوب، ثم بيّن أن قتالهم ليس طريقاً متعيناً بل الله لو أراد أهلكهم من غير جند.

قوله تعالى: ﴿ ولكن لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ .

أي ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر.

فإن قيل ما التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السر وأخفى، وماذا يفهم من قوله: ﴿ ولكن لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ ؟

نقول فيه وجوه: الأول: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر، ومنها أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما للناس، والتحقيق هو أن الابتلاء والامتحان والاختبار فعل يظهر بسببه أمر غيره متعين عند العقلاء بالنظر إليه قصداً إلى ظهوره، وقولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في مفهوم الابتداء، لأن ما لا يظهر بسببه شيء أصلاً لا يسمى ابتلاء، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء، وذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء والخيار لا يقال إنه يمتحن، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين وهو القطع والقد بقسمين، فإذا ضرب بسيفه سبعاً يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد يقده وقد لا يقده، وأما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعاً بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين، إذا علم هذا فنقول الله تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين، وهو إما الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحناً، وإن كان عالماً به لكون عدم العلم مقارناً فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند المبتلى، فإذا كان الله تعالى عالماً فأية فائدة فيه؟

نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء، فإن قول القائل: لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن، ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟

وجوابه: لا يسأل عما يفعل، ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإله، وبعد هذا فنقول: المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجاً، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله: ﴿ لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ إشارة إلى عدم الحاجة تقريراً لقوله: ﴿ ذلك وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم ﴾ .

قرئ قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله: ﴿ والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم ﴾ رداً على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار، ولن يضل القاتلين، فكيف يكون القتل سيئة، وأما من قرأ ﴿ قَاتَلُواْ ﴾ فهو أكثر فائدة وأعم تناولاً، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل، وأما من قرأ ﴿ والذين قُتِلُواْ ﴾ على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه: أحدها: هو أنه تعالى لما قال: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه.

وثانيها: هو أنه تعالى لما قال: ﴿ لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ والمبتلى بالشيء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة، وأما إن قتل فلا يخفى (أمره) عاجلاً وآجلاً، وترك بيانه على تقدير كونه قاتلاً لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولاً.

وثالثها: هو أنه تعالى لما قال: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار، ولكن الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه، فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر، فكيف يحسن هذا الابتلاء؟

فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل مكرم هذا إن قاتل وإن لم يقاتل، فالموت لابد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَلَن يُضِلَّ أعمالهم ﴾ قد علم معنى الإضلال، بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر والضال قال: ﴿ أَضَلَّ  ﴾ وقال في حق المؤمن الداعي ﴿ لَنْ يُضِلَّ ﴾ ، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله: ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب، وذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل، فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي، ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم، وكأنه لم يوجد من أصله، وقال في حق المؤمن فلن يضل، ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف، كما أن بين الداعي والصاد غاية التباين والتضاد، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله: ﴿ فَلَن يُضِلَّ ﴾ ؟

جوابه لأن في قوله تعالى: ﴿ والذين قُتِلُواْ ﴾ معنى الشرط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَقِيتُمُ ﴾ من اللقاء وهو الحرب ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقدّم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول.

وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد؛ لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه.

وضرب الرقاب عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته من المقاتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم ﴾ [الشورى: 30] على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه.

ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 12] .

﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من الشيء الثخين: وهو الغليظ.

أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ فأسروهم.

والوثاق بالفتح والكسر: اسم ما يوثق به (منا) و(فداء) منصوبان بفعليهما مضمرين، أي: فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء.

والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم.

فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟

قلت: أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه فأحد أمرين: إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية: نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

ويجوز أن يراد بالمنّ: أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا.

أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة.

وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المسلمين، فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين، وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن.

ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عروة الحجبي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي.

وقرئ: ﴿ فدى ﴾ بالقصر مع فتح الفاء.

أو زار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع.

قال الأعشى.

وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ** رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُوراً وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها.

وقيل: أوزارها آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

فإن قلت: (حتى) بم تعلقت؟

قلت: لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد: أو بالمن والفداء؛ فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رضي الله عنه: أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين.

وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وقيل: إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضرب والشد؛ فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل ﴿ ذلك ﴾ أي الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك ﴿ لانتصر منهم ﴾ لا نتقم منهم ببعض أسباب الهلك: من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق.

أو موت جارف، ﴿ ولكن ﴾ أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين: بأن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب.

وقرئ: ﴿ قتلوا ﴾ بالتخفيف والتشديد: وقتلوا.

وقاتلوا.

وقرئ: ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ ، وتضل أعمالهم: على البناء للمفعول.

ويضل أعمالهم من ضل.

وعن قتادة: أنها نزلت في يوم أحد ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة.

قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها.

وعن مقاتل: إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله، أو طيبها لهم، من العرف: وهو طيب الرائحة.

وفي كلام بعضهم: عزف كنوح القماري وعرف كفوح القماري.

أو حددها لهم؛ فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من: عرف الدار وارفها.

والعرف والأَرف، الحدود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في المُحارَبَةِ.

﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ أصْلُهُ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحَذَفَ الفِعْلَ وقَدَّمَ المَصْدَرَ، وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ ضَمًّا إلى التَّأْكِيدِ والِاخْتِصارِ.

والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرِّقابِ حَيْثُ أمْكَنَ، وتَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ.

﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وأغْلَظْتُمُوهُ مِنَ الثَّخِينِ وهو الغَلِيظُ.

﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، والوَثاقُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يُوثَقُ بِهِ.

﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ أيْ فَإمّا تَمُنُّونَ مِنّا أوْ تَفْدُونَ فِداءً، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَعْدَ الأسْرِ بَيْنَ المَنِّ والإطْلاقِ وبَيْنَ أخْذِ الفِداءِ، وهو ثابِتٌ عِنْدَنا فَإنَّ الذَّكَرَ الحُرَّ المُكَلَّفَ إذا أُسِرَ تَخَيَّرَ الإمامُ بَيْنَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، والِاسْتِرْقاقُ مَنسُوخٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أوْ مَخْصُوصٌ بِحَرْبِ بَدْرٍ فَإنَّهم قالُوا: يَتَعَيَّنُ القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ.

وقُرِئَ «فِدا» كَعَصا.

﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ آلاتِها وأثْقالَها الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها كالسِّلاحِ والكُراعِ، أيْ تَنْقَضِي الحَرْبُ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.

وقِيلَ: آثامَها والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وهو غايَةٌ لِلضَّرْبِ أوِ الشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ أوْ لِلْمَجْمُوعِ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيها حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ.

وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ، أوِ افْعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ.

﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ لا لانْتَقَمَ مِنهم بِالِاسْتِئْصالِ.

﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَسْتَوْجِبُوا الثَّوابَ العَظِيمَ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَلى أيْدِيهِمْ بِبَعْضِ عَذابِهِمْ كَيْ يَرْتَدِعَ بَعْضُهم عَنِ الكُفْرِ.

﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ جاهَدُوا، وقَرَأ البَصْرِيّانِ وحَفْصٌ قُتِلُوا أيِ اسْتُشْهِدُوا.

﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها، وقُرِئَ «يَضِلَّ» مَن ضَلَّ و«يُضَلَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ إلى الثَّوابِ، أوْ سَيُثَبِّتُ هِدايَتَهم.

﴿ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ وقَدْ عَرَّفَها لَهم في الدُّنْيا حَتّى اشْتاقُوا إلَيْها فَعَمِلُوا ما اسْتَحَقُّوها بِهِ، أوْ بَيَّنَها لَهم بِحَيْثُ يَعْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مَنزِلَهُ ويَهْتَدِي إلَيْهِ كَأنَّهُ كانَ ساكِنَهُ مُنْذُ خُلِقَ، أوْ طَيَّبَها لَهم مِنَ العَرْفِ وهو طَيِّبُ الرّائِحَةِ، أوْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٌ مَفْرَزَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ} من اللقاء وهو الحرب {فَضَرْبَ الرقاب} أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه وَضَرَبَ الرقاب عبارة عن القتل لا أن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء ولأن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته فوقع عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته {حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} أكثرتم فيهم القتل {فَشُدُّواْ الوثاق} فأسروهم والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمعنى فشدوا وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ} أي بعد ان تاسروهم {وإما فداء} منا وفداء منصوبان بفعلهما مضمرين أي فإما تمنون مناً أو تفدون قداء والمعنى والتخيير بين الامرين بعد الاسريين ان يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين ان يغادوهم وحكم أسارى المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق والمن والفداء المذكوران في الآية منسوخ بقوله اقتلوا المشركين لأن

سورة براء من آخر ما نزل عن مجاهد ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق أو المراد بالمن ان يمن عليهم بترك القتل وليسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وبالفداء ان يفادى بأساراهم أسارى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهباً عن ابى حنيفة رحمه الله وهو قولهما والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال وبغيره لئلا يعودوا حربا علينا وعند الشافعى ورحمه الله تعالى للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمن {حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا} أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع وقيل أوزارها آثامها يعنى حتى تترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه الله أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك اذا لم يبق لهم

شوكة وقيل إذا نزل عيسى عليه السلام وعند ابى حنيفة رحمه الله إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار وذلك حين لا تبقى شوكة المشركين وإذا علق بالمن والفداء فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل {ذلك} أي الأمر ذلك فهو مبتدأ وخبر أو فعلوا بهم ذلك فهو في محل النصب {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} لانتقم منهم بغير قتلا ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك {ولكن} أمركم بالقتال {لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي المؤمنين بالكافرين تمحيصاً للمؤمنين وتمحيقاً للكافرين {والذين قُتِلُواْ} بصري وحفص قَاتَلُواْ غيرهم {فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المَحارِبِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لَقِيتُمُ ) مِنَ اللِّقاءِ وهو الحَرْبُ و(ضَرْبَ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ اضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ واجِبٌ، وهو أحَدُ مَواضِعَ يَجِبُ فِيها الحَذْفُ ذُكِرَتْ في مُطَوَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ولَيْسَ مِنها نَحْوَ ضَرْبًا زَيْدًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ فِيما ذُكِرَ اخْتِصارًا وتَأْكِيدًا ولا كَلامَ في الِاخْتِصارِ، وأمّا التَّأْكِيدُ فَظاهِرُ القَوْلِ بِهِ أنَّ المَصْدَرَ بَعْدَ حَذْفِ عامَلِهِ مُؤَكِّدٌ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ: إنَّ المَصْدَرَ في ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ في الأصْلِ وأمّا الآنُ فَلا لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي سَدَّ هو مَسَدَّهُ فَلا يَكُونُ مُؤَكِّدًا بَلْ كُلُّ مَصْدَرٍ صارَ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ لا يَكُونُ مُؤَكِّدًا ولا مُبَيِّنًا لِنَوْعٍ ولا عَدَدٍ، و(ضَرْبَ الرِّقابِ) مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القَتْلِ، وعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ حَيْثُ أمْكَنَ وتَصْوِيرًا لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّقَبَةِ فِيهِ إطارَةُ الرَّأْسِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضاءِ البَدَنِ ومَجْمَعُ حَواسِّهِ وبَقاءُ البَدَنِ مُلْقًى عَلى هَيْئَةٍ مُنْكَرَةٍ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم مِنهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَتْلِ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ في الحَرْبِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ القَتْلَ بِهِمْ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ مِن ثَخْنِ المائِعاتِ لِمَنعِهِ عَنِ الحَرَكَةِ، والمُرادُ حَتّى إذا أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وتَمَكَّنْتُمْ مِن أخْذِ مَن لَمْ يُقْتَلْ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ أيْ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ مَن أُسِرَ مِنهم بَعْدَ إثْخانِهِمْ لا لِلْمُثْخِنِ إذْ هو بِالمَعْنى السّابِقِ لا يُشَدُّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ ولا يُفْدى لِأنَّهُ قَدْ قُتِلَ أوِ المَعْنى حَتّى إذا أثْقَلْتُمُوهم بِالجِراحِ ونَحْوَهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ النُّهُوضَ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ المُثْخَنِ لِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى هو الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ لَكِنْ ثَقُلَ عَنِ الحَرَكَةِ فَصارَ كالشَّيْءِ الثَّخِينِ الَّذِي لَمْ يُسَلْ ولَمْ يَسْتَمِرَّ في ذَهابِهِ، والإثْخانُ عَلَيْهِ مَجازٌ أيْضًا، ( والوَثاقَ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالخَلاصِ وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُوثَقُ بِهِ.

وقُرِئَ (الوَثاقِ) بِالكَسْرِ وهو اسْمٌ لِذَلِكَ، ومَجِيءُ فَعالٍ اسْمَ آلَةٍ كالحِزامِ والرِّكابِ نادِرٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ كُلًّا مِنَ المَفْتُوحِ والمَكْسُورِ اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ المُرادِ هُنا.

﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ أيْ فَإمّا تُمَنُّونَ مِنّا وإمّا تُفْدَوْنَ فِداءً، والكَلامُ تَفْصِيلٌ لِعاقِبَةِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن شَدِّ الوَثاقِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: لَأجْهَدْنَ فَإمّا دَرْءُ واقِعَةٍ تُخْشى وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ كُلٍّ مِن ( مَنًّا وفِداءً ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أوْلُوهم ( مَنًّا ) أوِ اقْبَلُوا مِنهم فِداءً، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ إعْرابٌ نَحْوِيٌّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ ( وإمّا فَدى) بِالفَتْحِ والقَصْرِ كَعَصا.

وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ فادَيْتُهُ، قالَ الشِّهابُ: ولا عِبْرَةَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ أرْبَعَ لُغاتٍ: الفَتْحُ والكَسْرُ مَعَ المَدِّ والقَصْرِ ولُغَةٌ خامِسَةٌ البِناءُ مَعَ الكَسْرِ كَما حَكاهُ الثِّقاتُ انْتَهى، وفي الكَشْفِ نَقْلًا عَنِ الصِّحاحِ الفِداءُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ يُمَدُّ ويُقْصَرُ وإذا فُتِحَ فَهو مَقْصُورٌ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ الهَمْزَةَ أيْ يَبْنِيهِ عَلى الكَسْرِ إذا جاوَزَ لامَ الجَرِّ خاصَّةً لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ بَيْتَ النّابِغَةِ مَهْلًا فِداءً لَكِ.

وهَذا الكَسْرُ مَعَ التَّنْوِينِ كَما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ امْتِناعُ القَتْلِ بَعْدَ الأسْرِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أتى الحَجّاجُ بِأُسارى فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ وفي حُكْمِ الأُسارى خِلافٌ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الإمامَ بِالخِيارِ إنْ شاءَ قَتَلَهم إنْ لَمْ يُسْلِمُوا لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَتَلَ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ الَّتِي قالَتْ فِيهِ أُخْتُهُ أبْياتًا مِنها تُخاطِبُ النَّبِيَّ  : ما كانَ ضَرُّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ∗∗∗ مَنَّ الفَتى وهو المُغِيظُ المُحْنِقُ ولِأنَّ في قَتْلِهِمْ حَسْمَ مادَّةِ فَسادِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، ولَيْسَ لِواحِدٍ مِنَ الغُزاةِ أنْ يَقْتُلَ أسِيرًا بِنَفْسِهِ فَإنْ فَعَلَ بِلا مُلْجِئٍ كَخَوْفِ شَرِّ الأسِيرِ كانَ لِلْإمامِ أنْ يُعَزِّرَهُ إذا وقَعَ عَلى خِلافِ مَقْصُودِهِ ولَكِنْ لا يَضْمَنُ شَيْئًا، وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّهم لِأنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ المَصْلَحَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، وإنْ شاءَ تَرَكَهم ذِمَّةً أحْرارًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ في أهْلِ السَّوادِ إلّا أُسارى مُشْرِكِي العَرَبِ والمُرْتَدِّينَ فَإنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم بَلِ الحُكْمُ فِيهِمْ إمّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإنْ أسْلَمَ الأُسارى بَعْدَ الأسْرِ لا يَقْتُلُهم لِانْدِفاعِ شَرِّهِمْ بِالإسْلامِ، ولَكِنْ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم فَإنَّ الإسْلامَ لا يُنافِي الرِّقَّ جَزاءً عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ وقَدْ وُجِدَ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى الحَرْبِيِّ غَيْرِ المُشْرِكِ مِنَ العَرَبِ، بِخِلافِ ما لَوْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ الأخْذِ فَإنَّهم يَكُونُونَ أحْرارًا لِأنَّهُ إسْلامٌ قَبْلَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ فِيهِمْ، ولا يُفادى بِالأُسارى في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما في ذَلِكَ مِن مَعُونَةِ الكُفْرِ لِأنَّهُ يَعُودُ الأسِيرُ الكافِرُ حَرْبًا عَلَيْنا، ودَفْعُ شَرِّ حَرابَتِهِ خَيْرٌ مِنِ اسْتِنْقاذِ المُسْلِمِ لِأنَّهُ إذا بَقِيَ في أيْدِيهِمْ كانَ ابْتِلاءً في حَقِّهِ فَقَطْ، والضَّرَرُ بِدَفْعِ أسِيرِهِمْ إلَيْهِمْ يَعُودُ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.

والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْهُ أنَّهُ يُفادى وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ والإمامِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ إلّا بِالنِّساءِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ المُفاداةُ بِهِنَّ عِنْدَهُمْ، ومَنَعَ أحْمَدُ المُفاداةَ بِصِبْيانِهِمْ، وهَذِهِ رِوايَةُ السِّيَرِ الكَبِيرِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ المُفاداةُ بِالأُسارى قَبْلَ القِسْمَةِ لا بَعْدَها، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِكُلِّ حالٍ.

ووَجْهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن جَوازِ المُفاداةِ أنَّ تَخْلِيصَ المُسْلِمِ أوْلى مِن قَتْلِ الكافِرِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ ولِأنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وما ذُكِرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظاهِرًا المُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنهم لِأنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ واحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ واحِدٌ مِثْلُهُ ظاهِرًا فَيَتَكافَئانِ وتَبْقى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ المُسْلِمِ وتَمْكِينِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ فِيها زِيادَةَ تَرْجِيحٍ.

ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِمْرانَ ابْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  فَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَجُّ لِمُحَمَّدٍ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ «عَنْ أبِيهِ سَلَمَةَ قالَ: خَرَجْنا مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَّرَهُ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  إلى أنْ قالَ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ يَعْنِي الَّتِي نَفَلَهُ أبُو بَكْرٍ إيّاها.

فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: (يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ لِلَّهِ أبُوكَ) فَقُلْتُ: هي لَكَ يا رَسُولِ اللَّهِ فَواللَّهِ ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  فَفَدى بِها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أُسِرُوا بِمَكَّةَ».

ولا يُفادى بِالأسِيرِ إذا أسْلَمَ وهو بِأيْدِينا لِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا إذا طابَتْ نَفْسُهُ وهو مَأْمُونٌ عَلى إسْلامِهِ فَيَجُوزُ لِأنَّهُ يُفِيدُ تَخْلِيصَ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ إضْرارٍ بِمُسْلِمٍ آخَرَ، وأمّا المُفاداةُ بِمالٍ فَلا تَجُوزُ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ لِما بَيَّنَ في المُفاداةِ بِالمُسْلِمِينَ مِن رَدِّهِمْ حَرْبًا عَلَيْنا.

وفي السَّيْرِ الكَبِيرِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ.

قِيلَ: اسْتِدْلالًا بِأُسارى بَدْرٍ فَإنَّهُ لا شَكَّ في احْتِياجِ المُسْلِمِينَ بَلْ في شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إذْ ذاكَ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ المُفاداةِ الكائِنَةِ في بَدْرٍ بِالمالِ.

وأمّا المَنُّ عَلى الأُسارى وهو أنْ يُطَلِّقَهم إلى دارِ الحَرْبِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وأحْمَدَ، وأجازَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنَّ عَلى جَماعَةٍ مِن أسْرى بَدْرٍ مِنهم أبُو العاصِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ، وأبُو دُوادَ مِن طَرِيقِهِ إلى عائِشَةَ «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فِداءِ أبِي العاصِ بِمالٍ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ كانَتْ خَدِيجَةُ أدْخَلَتْها بِها عَلى أبِي العاصِ حِينَ بِنائِهِ عَلَيْها فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ  ذَلِكَ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً وقالَ لِأصْحابِهِ: (إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها وتَرُدُّوا لَها الَّذِي لَها) فَفَعَلُوا ذَلِكَ مُغْتَبِطِينَ بِهِ،» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وزادَ «(وكانَ النَّبِيُّ  قَدْ أخَذَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إلَيْهِ فَفَعَلَ) ومَنَّ  عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالِ ابْنِ النُّعْمانِ الحَنَفِيِّ سَيِّدِ أهْلِ اليَمامَةِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ،» وحَدِيثُهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ويَكْفِي ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لَوْ كانَ المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنى- يَعْنِي أُسارى بَدْرٍ- لَتَرَكْتُهم لَهُ)» فَإنَّهُ  أخْبَرَ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ بِأنَّهُ يُطْلِقُهم لَوْ سَألَهُ المُطْعَمُ، والإطْلاقُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ إلّا وهو جائِزٌ شَرْعًا لِمَكانِ العِصْمَةِ، وكَوْنُهُ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَنْفِي جَوازَهُ شَرْعًا.

واسْتُدِلَّ أيْضًا بِالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ فِيها بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَنِّ الإطْلاقُ مَجّانًا وكَوْنُ المُرادِ المَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ وإبْقاءَهم مُسْتَرِقِّينَ أوْ تَخْلِيَتِهِمْ لِقَبُولِ الجِزْيَةِ وكَوْنُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وبَعْضُ النُّفُوسِ يَجِدُ طُعْمَ الآلاءِ أحْلى مِن هَذا المَنِّ.

وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ الآيَةَ مَنسُوحَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوازِ المَنِّ وكَذا عَدَمَ جَوازِ الفِداءِ وهي آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في هَذا الشَّأْنِ، وزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِنَ المَنِّ والفِداءِ إنَّما كانَ في قَضِيَّةِ بَدْرٍ وهي سابِقَةٌ عَلَيْها وإنْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ فَهو أيْضًا قَبْلَ السُّورَةِ.

والقَوْلُ بِالنَّسْخِ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ في رِواياتٍ ذَكَرَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهَمّامِ: قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ- يَعْنِي ما في سُورَةِ بَراءَةَ- في حَقِّ غَيْرِ الأُسارى بِدَلِيلِ جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ فِيهِمْ فَيُعْلَمُ أنَّ القَتْلَ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وما ذَكَرَهُ في جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا يَجُوزُ كَما عَلِمْتَ اسْتِرْقاقَ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ أيْ آلاتِها وأثْقالَها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ، قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تُساقُ إلى الحَرْبِ عِيرًا فَعِيرًا وهِيَ في الأصْلِ الأحْمالُ فاسْتُعِيرَتْ لِما ذُكِرَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ( الحَرْبُ ) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حَمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ ويَثْبُتُ لَها ما أُثْبِتَ تَخْيِيلًا، وكَلامُ الكَشّافِ أمِيلُ إلَيْهِ، وقِيلَ: هِيَ أحْمالُ المُحارِبِ أُضِيفَتْ لِلْحَرْبِ تَجَوُّزًا في النِّسْبَةِ الإضافِيَّةِ وتَغْلِيبًا لَها عَلى الكُراعِ، وإسْنادُ الوَضْعِ لِلْحَرْبِ مَجازِيٌّ أيْضًا ولَيْسَ بِذاكَ.

وعَدَّ بَعْضُ الأماثِلِ الكَلامَ تَمْثِيلًا، والمُرادُ حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى.

فَإنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ انْقِضاءِ السَّفَرِ والإقامَةِ، قِيلَ: الأوْزارُ جَمْعُ وِزٍ بِمَعْنى إثْمٍ وهو هُنا الشِّرْكُ والمَعاصِي، و( تَضَعُ ) بِمَعْنى تَتْرُكُ مَجازًا، وإسْنادُهُ لِلْحَرْبِ مَجازٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ إضافَةُ الأوْزارِ بِمَعْنى الآثامِ إلى الحَرْبِ، ( وحَتّى ) عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِ: غايَةٌ لِلضَّرْبِ، والمَعْنى اضْرِبُوا أعْناقَهم حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ولَيْسَ هَذا بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ ولا تَأْكِيدًا لَهُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوهُ مِن أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ غايَةٌ لِلشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعًا أوْ لِلْمَجْمُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إلَخْ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيهِمْ حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ، وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والحَسَنِ، وفي الحَدِيثِ ما يُؤَيِّدُهُ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَيْلَ قَدْ سُيِّبَتْ ووُضِعَ السِّلاحُ وزَعَمَ أقْوامٌ أنْ لا قِتالَ وأنْ قَدْ وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (كَذَبُوا فالآنَ جاءَ القِتالُ ولا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم يُزِيغُ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ قَوْمٍ لِيَرْزُقَهم مِنهم وتُقاتِلُونَ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَزالُ الخَيْلُ مَعْقُودًا في نَواصِيها الخَيْرُ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ)».

وهِيَ عِنْدَ مَن يَقُولُ: لا مَنَّ ولا فِداءَ اليَوْمَ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ إنْ حَمَلَ عَلى الحَرْبِ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ بِجَعْلِ تَعْرِيفِهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى المَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها، وغايَةً لِلضَّرْبِ والشَّدِّ إنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ، والمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ، ولا تُجْعَلُ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ.

وفِي زَعْمِ جَوازِهِ والتِزامِ النَّسْخِ كَلامٌ فَتَأمَّلْ ( ذَلِكَ ) أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوِ افْعَلُوا ذَلِكَ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إلَخْ لا إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا لِأنَّ افْعَلُوا لا يَقَعُ عَلى جَمِيعِ السّالِفِ وعَلى الرَّفْعِ يَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لِأنَّ ما بَعْدُ كَلامٌ فِيهِمْ ﴿ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ مِن خَسْفٍ أوْ رَجْفَةٍ أوْ غَرَقٍ أوْ مَوْتٍ جارِفٍ ﴿ ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم سُبْحانَهُ بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَنالُوا الثَّوابَ ويُخَلَّدُ في صُحُفِ الدَّهْرِ ما لَهم مِنَ الفَضْلِ الجَسِيمِ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَزَّ وجَلَّ بِبَعْضِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ فَيَتَّعِظُ بِهِ بَعْضٌ مِنهم ويَكُونُ سَبَبًا لِإسْلامِهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيِ اسْتَشْهَدُوا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (قاتَلُوا) أيْ جاهَدُوا، والجَحْدَرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ (قَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ والتّاءِ بِلا ألِفٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا (قُتِّلُوا) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وشَدِّ التّاءِ.

﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها سُبْحانَهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( يُضَلَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (أعَمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.

وقُرِئَ (يَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ (أعْمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

والآيَةُ قالَ قَتادَةُ: كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ذُكِرَ لَنا «أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أُحُدٍ ورَسُولُ اللَّهِ  في الشِّعْبِ وقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الجِراحاتُ والقَتْلُ وقَدْ نادى المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ اعْلُ هُبَلُ ونادى المُسْلِمُونَ اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ فَنادى المُشْرِكُونَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وإنَّ الحَرْبَ سِجالٌ لَنا عِزّى ولا عِزّى لَكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم إنَّ القَتْلى مُخْتَلِفَةٌ أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ مَرْزُوقُونَ وأمّا قَتْلاكم فَفي النّارِ يُعَذَّبُونَ)».

ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ قِراءَةِ (قُتِّلُوا) بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ يعني: اضربوا الرقاب، صار نصباً بالأمر، ومعناه اضربوا الأعناق ضرباً.

وروى وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النبيّ  أنَّه قَالَ: «إِنّي لَمْ أُبْعَثُ لأُعَذِّبَ بِعَذَابِ الله، وَإِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ، وَشَدِّ الوَثَاقِ» حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم، فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.

ويقال الإثخان: أن يعطوا أيديهم، ويستسلموا وقال الزجاج حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعني: أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في القتل.

وقال مقاتل: حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوُهم بالسيف، فظفرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: الأسر.

فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني: عتقاً بعد الأسر، بغير فداء وَإِمَّا فِداءً يعني: يفادي نفسه بماله.

وروي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإمام بالخيار في الأسرى، إن شاء فادى، وإن شاء قتل وإن شاء استرق.

وروي عن أبي بكر الصديق،  ، أنه قال: لا أفادي، وإن طلبوا بمدين من ذهب، وذكر عن أبي بكر، أنه كتب إليه في أسير، التمسوا منه الفداء.

فقال: اقتلوه، لأَنْ أقتل رجلاً من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا.

قال أبو الليث: وقد كره بعض الناس قتل الأسير، واحتج بظاهر هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقال أَصْحَابُنَا: لا بأس بقتله، بالخبر الذي روي عن أبي بكر  م.

وروي عن ابن جريج، وغيره من أهل التفسير، أن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ، وقد قتل النبي  ابن خطل يوم فتح مكة، بعد ما وقع في منعة المسلمين، فهو كالأسير، وأما الفداء: فإن فادوا بأسير من المسلمين، فلا بأس به.

كما قال إبراهيم النخعي: إن شاء فادى بالأسير، وإن أراد أن يفتدى بمال، لا يجوز إلا عند الضرورة، لأن في رد الأسير إلى دار الحرب، قوة لهم في الحرب.

فكره ذلك، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح.

للبيع.

ثم قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها روي عن ابن عباس، أنه قال: حتى تترك الكفار إشراكها، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى، حتى لا يبقى إلا مسلم يعني: في ذمة المسلمين، الذين يعطون الجزية، وعن سعيد بن جبير قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال خروج عيسى  ، يكسر الصليب، فيلقى الذئب الغنم، فلا يأخذها، ولا تكون عداوة بين اثنين، وهكذا قال مجاهد، وقال مقاتل حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني: في مكان يقاتل سَمَّاهُم حرباً.

وقال القتبي: حتى تضع الحرب، يعني: حتى يضع أهل الحرب السلاح.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: افعلوا ذلك، ثم استأنف فقال وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال، يعني: يهلكهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يعني: لم يهلكهم، لكي يختبرهم بالقتال، حتى يتبين فضلهم، ويستوجبوا الثواب.

ثم قال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى.

فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: لن يبطل ثواب أعمالهم.

قرأ أبو عمرو (قُتِلُوا) بضم القاف بغير ألف، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين، يعني: الذين قتلوا يوم أحد، ويوم بدر وفي سائر الحروب.

وقرأ الباقون وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب، يعني: جاهدوا الكفار وحاربوهم.

ثم قال سَيَهْدِيهِمْ يعني: يجنبهم من أهوال الآخرة.

ويقال: سيهديهم، يعني: يثبتهم على الهدى وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وقد ذكرناه وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ في الآخرة عَرَّفَها لَهُمْ يعني: هداهم الله تعالى إلى منازلهم.

وروى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ  أنه قال: «إِذَا أُذِنَ لأهْلِ الجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا لأَحَدهم أَهْدَى أي: أعرف بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ، من منزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنَّيَا» وعن ابن مسعود، أنه قال: ما أشبههم إلاَّ أهل الجمعة، حين انصرفوا من جمعتهم.

يعني: إن كل واحد منهم، يهتدي إلى منزله.

وقال الزجاج في قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أي: يصلح لهم أمر معايشهم في الدنيا، مع ما يجازيهم في الآخرة.

وهذا كما قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) [نوح: 10، 11] الآية.

ويقال: عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها لهم.

يقال: طعام معرف أي: مطيب.

ثم حث المؤمنين على الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ  وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.

و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.

وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.

والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهُ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ الَّتِي في (بَراءَةَ ): ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، وإنَّ الأسْرَ والمَنَّ والفِداءَ مُرْتَفِعٌ، فَمَتى وقَعَ أسْرٌ فَإنَّما مَعَهُ القَتْلُ ولا بُدَّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وعَطاءٌ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، والمَنُّ والفِداءُ ثابِتٌ، وقَدْ مَنَّ رَسُولُ اللهِ  عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ، وفادى أسْرى بَدْرٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقالَ: لا يُقْتَلُ الأسِيرُ إلّا في الحَرْبِ، يَهِيبُ بِذَلِكَ عَلى العَدُوِّ، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُفادِي رَجُلًا بِرَجُلٍ، ومَنَعَ الحَسَنُ أنْ يُفادُوا بِالمالِ، وقَدْ أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِقَتْلِ أسِيرٍ مِنَ التُرْكِ ذَكَرَ لَهُ أنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ خُصِّصَتْ مِنَ الأُخْرى بِأهْلِ الكِتابِ فَقَطْ، فَفِيهِمُ المَنُّ والفِداءُ، وعُبّادُ الأوثانِ لَيْسَ فِيهِمْ إلّا القَتْلُ.

وعَلى قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ الآيَتانِ مَحْكَمَتانِ، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، وصَرَّحَ هُنا بِذِكْرِ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ وهو أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وهَذا هو القَوْلُ القَوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِعْلِ، أيْ: فاضْرِبُوا رِقابَهُمْ، وعَيَّنَ مِن أنْواعِ القَتْلِ أشْهُرَهُ وأعْرَفَهُ فَذَكَرَهُ، والمُرادُ: اقْتُلُوهم بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ، وقَدْ زادَتْ آيَةٌ أُخْرى: ﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ  ﴾ ، وهي مِن أنَكى ضَرَباتِ الحَرْبِ، لِأنَّها تُعَطِّلُ مِنَ المَضْرُوبِ جَمِيعَ جَسَدِهِ؛ إذِ البَنانُ أعْظَمُ آلَةِ المُقاتِلِ وأصْلِها.

و ﴿ أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ.

و"الإثْخانُ" في القَوْمِ أنْ يَكْثُرَ فِيهِمُ القَتْلى والجَرْحى، والمَعْنى: فَشَدُّوا الوَثاقَ بِمَن لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إلّا الأسْرُ، و"مَنًّا" و"فِداءً" مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْنِ مُضْمَرَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِداءً"، ﴾ وقَرَأ شِبْلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَدى"، مَقْصُورًا.

وإمامُ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في أسْراهُ في خَمْسَةِ أوجُهٍ: القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ أو ضَرْبُ الجِزْيَةِ أوِ الفِداءُ، ويَتَرَجَّحُ النَظَرُ في أسِيرِ أُسِرَ بِحَسَبِ حالِهِ مِن إذايَةِ المُسْلِمِينَ أو ضِدَّ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ﴾ مَعْناهُ: حَتّى تَذْهَبَ وتَزُولَ أثْقالُها، و"الأوزارُ" جَمْعُ وِزْرٍ - الأثْقالُ فِيها والآلاتُ لَها، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الزَبِيدِيِّ: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وقالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الأوزارُ في هَذِهِ الآيَةِ الآثامُ، جَمْعُ وِزْرٍ ؛ لِأنَّ الحَرْبَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها آثامٌ في أحَدِ الجانِبَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الغايَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، فَقالَ قَتادَةُ: حَتّى يُسْلِمَ الجَمِيعُ فَتَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، وقالَ حُذّاقُ أهْلِ النَظَرِ: حَتّى تَغْلِبُوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ يُرادُ لَها التِزامُ الأمْرِ أبَدًا، وذَلِكَ أنَّ الحَرْبَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لا تَضَعُ أوزارَها، فَجاءَ هَذا كَما تَقُولُ: أنا أفْعَلُ كَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّما تُرِدُ أنْ تَفْعَلَهُ دائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُهم بِهِ في حِينٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِبارَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَبْلُوَ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قاتِلُوا"، وقَرَأ عاصِمٌ، الجَحْدَرِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى، وأبُو رَجاءٍ هَكَذا وشَدَّدُوا التاءَ، والقِراءَةُ الأُولى أعَمُّها وأوضَحُها مَعْنًى.

وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَيَهْدِيهِمْ" ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إصْلاحِ البالِ، وقَدْ رَوى عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُدْخِلْهُمْ" بِسُكُونِ اللامِ، وفي التَغابُنِ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ  ﴾ ، وفي سُورَةِ الإنْسانِ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكُمْ  ﴾ بِسُكُونِ الطاءِ والمِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: بَيَّنَها لَهُمْ، أيْ: جَعَلَهم يَعْرِفُونَ مَنازِلَهم مِنها، وفي نَحْوِ هَذا المَعْنى هو قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لِأحَدِكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُنْيا"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سَمّاها لَهم ورَسَمَها، كُلُّ مَنزِلٍ بِاسْمِ صاحِبِهِ، فَهَذا نَحْوٌ مَنِ التَعْرِيفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلاها، وهَذا مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، ومِنهُ أعْرافُ الخَيْلِ، وقالَ مُؤَرِّجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: طَيَّبَها، مَأْخُوذٌ مِنَ العُرْفِ، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القِدْرَ، أيْ: طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتَوابِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللهَ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: دِينَ اللهِ ورَسُولِهِ، والمَعْنى: تَنْصُرُوهُ بِجِدِّكم واتِّباعِكم وإيمانِكُمْ، يَنْصُرْكم بِخَلْقِ القُوَّةِ لَكم والجُرْأةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعارِفِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُثَبِّتُ" بِفَتْحِ التاءِ المُثَلَّثَةِ وشَدِّ الباءِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِسُكُونِ الثاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ، وهَذا التَثْبِيتُ هو في مُواطِنِ الحَرْبِ عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِراطِ في القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِثارًا لَهم وهَلاكًا، وهي لَفْظَةٌ تُقالُ لِلْكافِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدِي إنْ عَثَرْتُ خُذْ بِيَدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَقُلْ: لا ولا تَقُلْ تَعِسًا وقالَ الأعْشى في هَذا المَعْنى: بِذاتٍ لَوَتْ عَفِرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فالتَعْسُ أدْنى لَها مِن أنْ أقُولَ: لَعا ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ لَمّا عَثَرَتْ في مُرْطِها: تَعِسَ مِسْطَحُ، قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: التَعْسُ: أنْ يَخِرَّ عَلى وجْهِهِ، و"تَعْسًا" مَصْدَرٌ نَصَبَهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أعْمالَهم في كُفْرِهِمُ الَّتِي هي بِرٌّ مُقَيِّدَةٌ مَحْفُوظَةٌ، ولا خِلافَ أنَّ الكافِرَ لَهُ حَفَظَةٌ يَكْتُبُونَ سَيِّئاتِهِمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَسَناتِهِمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُلْغاةٌ، يُثابُونَ عَلَيْها بِنِعَمِ الدُنْيا فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْصاةٌ مِن أجْلِ ثَوابِ الدُنْيا، ومِن أجْلِ أنَّ [الكافِرَ] قَدْ يُسْلِمُ فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى حَسَناتِهِ في الإسْلامِ، وهَذا أحَدُ التَأْوِيلَيْنِ في «قَوْلِ النَبِيِّ  لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: "أسْلِمْتُ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» فَقَوْمٌ قالُوا: تَأْوِيلُهُ: أسْلَمْتُ عَلى أنْ يُعَدَّ لَكَ ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ، وهَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أسْلَمْتُ عَلى إسْقاطِ ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ، إذْ قَدْ ثُوِّبَتْ عَلَيْهِ بِنِعَمِ دُنْياكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَحَبْطِها هي عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ وكُفْرُهُمْ، ومَعْنى "أُحْبِطَ": جَعَلَها مِنَ العَمَلِ الَّذِي لا يَزْكُو ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهي لِذَلِكَ كالَّذِي أُحْبِطَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أمثالهم * فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ ﴾ .

لا شك أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر لأن فيها قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا الوثاق ﴾ .

وهو الحكم الذي نزل فيه العقاب على ما وقع يوم بدر من فداء الأسرى التي في قوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يُثْخِن في الأرض ﴾ [الأنفال: 67] الآية إذ لم يكن حكم ذلك مقرراً يومئذٍ، وتقدم في سورة الأنفال.

والفاء لتفريع هذا الكلام على ما قبله من إثارة نفوس المسلمين بتشنيع حال المشركين وظهور خيبة أعمالهم وتنويه حال المسلمين وتوفيق آرائهم.

والمقصود: تهوين شأنهم في قلوب المسلمين وإغراؤهم بقطع دابرهم ليكون الدين كله لله، لأن ذلك أعظم من منافع فداء أسراهم بالمال ليعبد المسلمون ربهم آمنين.

وذلك ناظر إلى آية سورة الأنفال وإلى ما يفيده التّعليل من قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .

و (إذ) ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وذلك غالب استعمالها وجواب الشرط قوله: ﴿ فضَرْب الرقاب ﴾ .

واللقاء في قوله: ﴿ فإذا لقِيتم الذين كفروا ﴾ : المقابلة، وهو إطلاق شهير للقاء، يقال: يوم اللقاء، فلا يفهم منه إلا لقاء الحرب، ويقال: إن لقيت فلاناً لقيت منه أسداً، وقال النابغة: تجنب بني حُنّ فإن لقاءهم *** كريهٌ وإن لم تلْق إلا بصائر فليس المعنى: إذا لقيتم الكافرين في الطريق، أو نحو ذلك وبذلك لا يحتاج لذكر مخصص لفعل ﴿ لقيتم ﴾ .

والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضّدتم شوكتهم، فآسروا منهم أسرى.

وضرب الرقاب: كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان بالضرب أم بالطعن في القلوب بالرماح أو بالرمي بالسهام، وأوثرت على كلمة القتل لأن في استعمال الكناية بلاغة ولأن في خصوص هذا اللفظ غلظة وشدة تناسبان مقام التحريض.

والضرب هنا بمعنى: القطع بالسيف، وهو أحد أحوال القتال عندهم لأنّه أدل على شجاعة المحارب لكونه مواجِهَ عدوه وجهاً لوجه.

والمعنى: فاقتلوهم سواء كان القتَل بضرب السيف، أو طعن الرّماح، أو رشق النبال، لأن الغاية من ذلك هو الإثخان.

والذين كفروا: هم المشركون لأنّ اصطلاح القرآن من تصاريف مادة الكفر، نحو: الكافرين، والكفار، والذين كفروا، هو الشرك.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية.

ومعنى الغاية معها يؤول إلى معنى التفريع.

والإثخان: الغلبة لأنها تترك المغلوب كالشيء المثخن وهو الثقيل الصُلب الذي لا يخف للحركة ويوصف به المائع الذي جمد أو قارب الجمود بحيث لا يسيل بسهولة، ووصف به الثوب والحبل إذا كثرت طاقاتهما بحيث يعسر تفككها.

وغلب إطلاقه على التوهين بالقتل، وكلا المعنيين في هذه الآية، فإذا فسر بالغلبة كان المعنى حتى إذا غلبتم منهم من وقعوا في قبضتكم أسرى فشدوا وثاقهم وعليه فجواز المنّ والفداءِ غيرُ مقيّد.

وإذا فسّر الإثخان بكثرة القتل فيهم كان المعنى حتى إذا لم يبق من الجيش إلا القليل فأسروا حينئذٍ، أي أبقوا الأسرى، وكلا الاحتمالين لا يخلو من تأويل في نظم الآية إلا أن الاحتمال الأول أظهر.

وتقدم بيانه في سورة الأنفال في قوله: ﴿ حتى يُثخن في الأرض ﴾ .

وانتصب ﴿ ضرب الرقاب ﴾ على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فِعله ثم أضيف إلى مفعوله، والتقدير: فاضربوا الرقاب ضرباً، فلما حذف الفعل اختصاراً قدم المفعول المطلق على المفعول به وناب مناب الفعل في العمل في ذلك المفعول وأضيف إلى المفعول إضافة الأسماء إلى الأسماء لأن المصدر راجح في الاسمية.

والشَدّ: قوة الربط، وقوة الإمساك.

والوثاق بفتح الواو: الشيء الذي يوثق به، ويجوز فيه كسر الواو ولم يقرأ به.

وهو هنا كناية عن الأسر لأن الأسر يستلزم الوضع في القيد يشد به الأسير.

والمعنى: فاقتلوهم، فإن أثخنتم منهم فأسروا منهم.

وتعريف ﴿ الرقاب ﴾ و ﴿ الوثاق ﴾ يجوز أن يكون للعهد الذهني، ويجوز أن يكون عوضاً عن المضاف إليه، أي فضربَ رقابِهم وشُدُّوا وثاقهم.

والمنُّ: الإنعام.

والمراد به: إطلاق الأسير واسترقاقه فإن الاسترقاق منٌّ عليه إذ لم يُقتل، والفداء: بكسر الفاء ممدوداً تخليص الأسير من الأسر بعوض من مال أو مبادلة بأسرى من المسلمين في يدي العدّو.

وقدم المن على الفداء ترجيحاً له لأنه أعون على امتلاك ضمير الممنون عليه ليستعمل بذلك بغضه.

وانتصب ﴿ منّا ﴾ و ﴿ فداء ﴾ على المفعولية المطلقة بدلاً من عامليهما، والتقدير: إما تمّنون وإما تُفدون.

وقوله ﴿ بعْدُ ﴾ أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المنّ والفداء.

وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة هوازن.

وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ، وهذا رأي جمهور أيمة الفقه وأهل النظر.

فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ عام في كل كافر، أي مشرك يشمل الرجال وهم المعروف حَربهم ويشمل من حارَب معهم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار.

وهذه الآية لتحديد أحوال القتال وما بعده، لا لبيان وقت القتال ولا لبيان من هم الكافرون، لأن أوقات القتال مبينة في سورة براءة.

ومعرفة الكافرين معلومة من اصطلاح القرآن بقوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5].

ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ في سورة الأنفال (67).

واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحدُ قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي، ومِن السلف عبدُ الله بن عمر، وعطاءُ، وسعيدُ بن جبير: أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء، وأمير الجيش مخيّر في ذلك.

ويشبه أن يكون أصحاب هذا القول يرون أن مورد الآية الإذنُ في المنّ أو الفداء فهي ناسخة أو مُنهية لحكم قوله تعالى: ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله: ﴿ لمسَّكُم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ في سورة الأنفال (67، 68).

وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة، وأوقات المحاربة، فلذلك لم يقل هؤلاء بحَظْر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المنّ والفداء، ولم يذكر معهما القتل.

وقد ثبت في «الصحيح» ثبوتاً مستفيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل من أسرى بدر النضر بنَ الحارث وذلك قبل نزول هذه الآية، وعقبة بن أبي معيط وقتل أسرى قريظة الذين نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة يوم فتح مكة، وقتل بعد أحد أبا عزّة الجمعي الشاعر وذلك كله لا يعارض هذه الآية لأنها جعلت التخيير لولي الأمر.

وأيضاً لم يذكر في هذه الآية جواز الاسترقاق، وهو الأصل في الأسرى، وهو يدخل في المنّ إذا اعتبر المن شاملاً لترك القتل، ولأن مقابلة المن بالفداء تقتضي أن الاسترقاق مشروع.

وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: أنَّ المنّ من العتق.

وقال الحسن وعطاء: التخيير بين المنّ والفداء فقط دون قتل الأسير، فقتل الأسير يكون محظوراً.

وظاهر هذه الآية يعضد ما ذهب إليه الحسن وعطاء.

وذهب فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة وأنه لا يجوز في الأسير المشرك إلا القتل بقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5].

وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدّي وابن جريج، ورواه العَوفي عن ابن عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة: لا بأس أن يُفادى أسرى المشركين الذين لم يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد المشركين.

وروى الجصّاص أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف.

والغاية المستفادة من ﴿ حتى ﴾ في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ للتعليل لا للتقييد، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها، أي ليكفّ المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال.

والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهِن العدوَّ فيتركوا حربكم، فلا مفهوم لهذه الغاية، فالتعليل متصل بقوله: ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وما بينهما اعتراض.

والتقدير: فضرب الرقاب، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها، فيكون وارداً مورد التعليم والموعظة، أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ليكون المنّ بعد ذلك أو الفداء.

والأوزار: الأثقال، ووضع الأوزار تمثيل لانتهاء العمل فشبهت حالة انتهاء القتال بحالة وضع الحمّال أو المسافر أثقاله، وهذا من مبتكرات القرآن.

وأخذ منه عبد ربه السُلمى، أو سُليم الحنفي قوله: فألقت عصاها واستقرّ بها النوَى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره.

﴿ أَوْزَارَهَا ذلك وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ ﴾ .

أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفاً: ﴿ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ [محمد: 3] للنكتة التي تقدمت هنالك، وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف.

وتقدير المحذوف: الأمر ذلك، والمشار إليه ما تقدم من قوله: ﴿ فضرب الرقاب ﴾ إلى هنا، ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس.

والجملة من اسم الإشارة والمحذوف معترضة و ﴿ لو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع المقدر في المصدر من قوله: ﴿ فضَرْبَ الرقاب ﴾ ، أي أمرتم بضرب رقابهم، والحال أن الله لو شاء لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم، ولكن الله ناط المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعضكم ببعض.

وتعدية (انتصر) بحرف (من) مع أن حقه أن يعدّى بحرف (على) لتضمينه معنى: انتقم.

والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون الله ترك الانتقام منهم لسبب غير ما بعدَ الاستدراك.

والبَلْوْ حقيقته: الاختبار والتجربة، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما أراده الله من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة الكفار، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس.

هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله: ﴿ فضرب الرقاببِبَعْضٍ والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ * ياأيها الذين ءامنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وإما فداء ﴾ ، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذُكر هنا ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل الله من المؤمنين بعناية الله بهم.

وجملة ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ الخ عطف على جملة ﴿ فإذا لَقِيتُمُ الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر بوعد الجزاء على فعله.

وذكر ﴿ الذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال: فلن يُضل الله أعمالكم، وهكذا بأسلوب الخطاب، فعدل عن مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إفادة تقوّي الخبر، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه بصلته، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ورد بعدها من الخبر.

فجملة ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خبر عن الموصول، وقرنت بالفاء لإفادة السببية في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيراً ما يشرب معنى الشرط فيقرن خبره بالفاء، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل ﴿ قاتلوا ﴾ منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط.

وجملة ﴿ سيهديهم ﴾ وما عطف عليها بيان لجملة ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ .

وتقدم الكلام آنفاً على معنى إضلال الأعمال وإصلاح البال.

ومعنى ﴿ عَرَّفها لهم ﴾ أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها، فالجملة حال من الجنة، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون في أنهم داخلونها، وذلك من تعجيل الفرح بها.

وقيل: ﴿ عرفها ﴾ جعل فيها عرْفاً، أي ريحاً طيباً، والتطييب من تمام حسن الضيافة.

وقرأ الجمهور ﴿ قاتلوا ﴾ بصيغة المفاعلة، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم وأمواتهم.

وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ قُتِلوا ﴾ بالبناء للنائب، فعلى هذه القراءة يكون مضمون الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كُلُّ مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ مِن مُشْرِكٍ أوْ كِتابِيٍّ إذا لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ ولا ذِمَّةٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ أعْناقِهِمْ صَبْرًا عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسِّلاحِ واليَدَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي بِالإثْخانِ الظَّفَرَ، وبِشَدِّ الوَثاقِ الأسْرَ.

﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ في المَنِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَفُوُّ والإطْلاقُ كَما مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ بَعْدَ أسْرِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ العِتْقُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا الفِداءُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُفاداةُ عَلى مالٍ يُؤْخَذُ مِن أسِيرٍ يُطْلَقُ، كَما فادى رَسُولُ اللَّهِ  في بَدْرٍ كُلَّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وفادى في بَعْضِ المَواطِنِ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ.

الثّانِي: أنَّهُ البَيْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أوْزارَ الحَرْبِ أثْقالُها، والوِزْرُ الثُّقْلُ ومِنهُ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الأثْقالَ، وأثْقالُها السِّلاحُ.

الثّانِي: هو [وَضْعُ] سِلاحِهِمْ بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ، قالَ الشّاعِرُ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا الثّالِثُ: حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَ كُفْرِهِمْ بِالإسْلامِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: حَتّى يَظْهَرَ الإسْلامُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

الخامِسُ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ  ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في مَن أسَرَهُ مِنهم بَيْنَ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يَقْتُلَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ ، أوْ يَسْتَرِقَّ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  اسْتَرَقَّ العُقَيْلِيِّ، أوْ يَمُنَّ كَما مَنَّ عَلى ثَمامَةَ، أوْ يُفادِي بِمالٍ أوْ أسْرى، فَإذا أسْلَمُوا أسْقَطَ القَتْلَ عَنْهم وكانَ في الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، عَلى خِيارِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

﴿ ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، قالَ قَتادَةُ: هم قَتْلى أُحُدٍ.

وَقَرَأ الباقُونَ قاتَلُوا ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَحِقُّ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: يَهْدِيهِمْ إلى مَحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ في القَبْرِ، قالَهُ زِيادٌ.

الثّالِثُ: يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَرَّفَها بِوَصْفِها عَلى ما يُشَوِّقُ إلَيْها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: عَرَّفَهم ما لَهم فِيها مِنَ الكَرامَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: مَعْنى عَرَّفَها أيْ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ وهي الرّائِحَةُ الطَّيِّبَّةُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.

الرّابِعُ: عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها حَتّى لا يَسْألُونَ عَنْها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الحَسَنُ: وَصَفَ الجَنَّةَ لَهم في الدُّنْيا فَلَمّا دَخَلُوها عَرِفُوها بِصِفَتِها.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ عَرَّفَ أهْلَ السَّماءِ أنَّها لَهم إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ فِيها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ.

الثّانِي: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ويُثَبِّتُ أقْدامَكم في نَصْرِهِ.

الثّانِي: عِنْدَ لِقاءِ عَدُوِّهِ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَثْبِيتَ الأقْدامِ بِالنَّصْرِ.

الثّانِي: يُرِيدُ تَثْبِيتَ القُلُوبِ بِالأمْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خِزْيًا لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: شَقاءً لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: شَتْمًا لَهم مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: هَلاكًا لَهم، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

الخامِسُ: خَيْبَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

السّادِسُ: قُبْحًا لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.

السّابِعُ: بِعَدائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّامِنُ: رَغْمًا لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

التّاسِعُ: أنَّ التَّعْسَ الِانْحِطاطُ والعَثارُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ قال: مشركي العرب، يقول ﴿ فضرب الرقاب ﴾ قال: حتى يقولوا لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف.

وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: هذا منسوخ نسختها ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: فرخص لهم أن يمنوا على من شاؤوا منهم، نسخ الله ذلك بعد في براءة فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 51] .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيراً فليس لهم إلا أن يفادوه أو يمنوا عليه، ثم نسخ ذلك بعد ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ [ الأنفال: 57] .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ومجاهد في قوله: ﴿ فإما منّاً ﴾ قالا: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا.

وأخرج عبد بن حميد عن أشعث قال: سألت الحسن وعطاء عن قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: أحدهما يمن عليه أولا يفادى وقال الآخر: يصنع كما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمن عليه أولا يفادى.

وأخرج ابن جرير ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليست بهذا أمرنا إنما قال الله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أعتق ولد زنية وقال: قد أمرنا الله ورسوله أن نمنَّ على من هو شر منه قال الله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد: بلغنى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا يقول الله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ويقول ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإِسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم فإن أظهروا الإِسلام لم يفادوا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: نسخت ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] ما كان قبل ذلك من فداء أو مَنّ.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يكره قتل أهل الشرك صبراً ويتلو ﴿ فشدوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ ثم نسختها ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ ونزلت زعموا في العرب خاصة وقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً.

وأخرج عبد الرزاق عن أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الوصفاء والعسفاء.

وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا منهم بالسيف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلاً فصعد شجرة فأحرقوها بالنار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لم أبعث أعذب بعذاب الله، إنّما بضرب الرقاب وشد الوثاق» .

أما قوله تعالى: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى لا يكون شرك.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يعبد الله ولا يشرك به.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإِسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دماً إذا وضعها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها» .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: خروج عيسى ابن مريم عليه السلام.

وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه «عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: إن الخيل قد سُيبت وَوُضِعَ السلاحُ وزعم أقوام أن لا قتال وأنْ قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم ويقاتلون حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير، حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .

وأخرج ابن أبي حاتم «عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقلت يا رسول الله اليوم ألقى الإِسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالاً؟

ستاً أولهن موتي ثم فتح بيت المقدس ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضاً ويفيض المال حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخط وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فيملكونه يقولون نرجو أن يربك علينا ملكنا فيجمع جمعاً عظيماً ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه: ما ترون فيقولون نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم فيقول لا أرى ذلك نحرز ذرارينا وعيالنا ونخلي بينهم وبين الأرض ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا فيسيرون فيخلون بينهم وبين أرضهم حتى يأتوا مدينتي هذه فيستهدون أهل الإِسلام فيهدونهم ثم يقول لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم فينتدب معه سبعون ألفاً ويزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفاً لا تحملهم الأرض وفيهم عين لعدوّهم فيأتيهم فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم حتى إذا التقوا سألوا أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب فيدعونهم فيقولون ما ترون فيما يقولون فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم، فيقول: فعندكم فأكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان، ويقر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحاً فردتهم إلى مراسيهم من الشام فأخِذوا فَذُبِحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: أي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند فلو سلط أضعف خلقه لكان له جنداً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ذلك ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: لأرسل عليهم ملكاً فدمر عليهم، وفي قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ والذين قاتلوا ﴾ بالألف.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أُحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعلُ هُبَل، ونادى المسلمون الله أعلى وأجل، ففادى المشركون يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال لنا عُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: يهدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ عرفها لهم ﴾ قال: عرفهم منازلهم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: بلغنا أن الملك الذي كان وُكّلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى (١) ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ قال أبو عبيدة: هذا كقول العرب: يانفس صبراً (٢) (٣) قال أبو إسحاق: معناه: فاضربوا الرقاب ضرباً، منصوب على الأمر وتأويله: فاقتلوهم، ولكن أكثر مواضع القتل ضرب العنق، فأعلمهم الله كيف القصد، وليس يتوهم بهذا أن الضرب محصور على الرقبة فقط (٤) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ قال ابن عباس: أكثرتم القتل ومضى تفسير الإثخان (٥) ﴿ حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد الأسر يعني إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم، فالأمر بعد المبالغة في القتل (٦) ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ  ﴾ وأما الوثاق: فهو اسم من الإيثاق، وقد يوضع موضع المصدر يقال: أوثقه إيثاقًا ووثاقاً، ومنه قوله: ﴿ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ  ﴾ والوِثاق بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط (٧) قال المفسرون: أمر الله تعالى بشد وثاق الأسارى كيلا يقتلوا ويهربوا (٨) ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ قال أبو إسحاق: أي بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منًّا، فأطلقوهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء (٩) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وهو قول مجاهد وقتادة والحسن ومقاتل والضحاك والسدي وابن جريج ورواية عطاء عن ابن عباس قالوا: إما السيف وإما الإسلام (١٠) وقال سعيد بن جبير: إذا أثخن بالقتل فادى ومنّ (١١) (١٢) ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى  ﴾ الآية قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ فجعل الله النبي -  - والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم (١٣) قال أبو عبيد (١٤)  - كان (١٥) (١٦) (١٧) ومذهب الشافعي رحمه الله مثل ما ذكر (١٨) (١٩) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ تفسير الأوزار ومأخذها من اللغة قد تقدم (٢٠) قال أبو إسحاق: (حتى) موصولة بالقتل والأسر، المعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تفسع العرب أوزارها (٢١) (٢٢) وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام (٢٣) وقال الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به (٢٤) وقال سعيد بن جبير: يعني خروج عيسى بن مريم (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال ابن حيان (٢٨) (٢٩)  -: "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" (٣٠) قال أبو إسحاق: أي: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبداً (٣١) وذُكر في هذا المعنى وجهان آخران.

أحدهما: أن معنى الأوزار هاهنا الأسلحة وآلات الحرب، وهو اختيار أبي عبيد (٣٢) (٣٣) وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ...

رِمَاحاً طِوالاً وَخَيْلاً ذُكُورا (٣٤) ففسر الأوزار بالرماح، قال ابن قتيبة: وأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح أوزاراً؛ لأنه يحمل، قال: والمعنى: حتى تضع أهل الحرب السلاح، ثم يعود هذا إلى ما ذكره الفراء: حتى يسلموا أو يسالموا (٣٥) الوجه الثاني: أن معنى الحرب هاهنا: القوم المحاربون، يقال: هؤلاء حرب لفلان، إذا كانوا يعادونه ويحاربونه.

والتأويل: حتى يضع المحاربون لملة الإسلام السلاح والشرك والآثام بالسلم والإسلام (٣٦) (٣٧) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قال أبو إسحاق: الأمر ذلك، قال: ويجوز أن يكون منصوباً على معنى: افعلوا ذلك (٣٨) قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بغيركم (٣٩) وقال مقاتل: لانتصر منهم بملك واحد (٤٠) ﴿ وَلَكِنْ ﴾ يأمركم بالحرب ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مَنْ قُتِلَ من المؤمنين فمصيره إلى النعيم والثواب، ومن قُتِل من المشركين فمصيره إلى العذاب، [وهو (٤١) وقال أبو إسحاق: أي ليمحص المؤمنين وليمحق الكافرين (٤٢) قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي جاهدوا المشركين.

﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يعني: كما يضل أعمال الذين كفروا في قوله: ﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ، وقرأ أبو عمرو: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والوجه قراءة العامة؛ لأنها أعم من حيث إنها تشمل مَنْ قاتل ولم يقتل، ومن قاتل وقُتل وقد حصل للمقاتل الثواب كما حصل للمقتول، فكان أولى لعمومه.

وعلى قراءة أبي عمرو يختص المقتول (٤٣) ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وحجة أبي عمرو (٤٤) (٤٥) (٤٦) (١) كذا نصها في الأصل.

(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٥) قال الأزهري: ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ ، قال أبو العباس: معناه: حتى إذا عليتموهم وقهرتموهم وكثر فيهم الجراح فأعطو بأيديهم.

قال: وقال ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر وقال أبو زيد: يقال: أثخنت فلانًا معرفة: أي: قتلته معرفة، ورصنته معرفة: نحو الإثخان.

انظر: "تهذيب اللغة" (ثخن) 7/ 334.

(٦) قال الزجاج: ﴿ أَثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أكثرتم فيهم القتل.

فالأسر بعد المبالغة في القتل.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6، وذكر هذا المعنى البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه 7/ 278، وابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، وقال السمرقندي: يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.

انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 240.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (وثق) 9/ 266، "اللسان" (وثق) 10/ 371.

(٨) ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 2/ 40.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(١٠) أخرج الطبري قول ابن جريج والسدي وقتادة وابن عباس والضحاك.

انظر: == "تفسيره" 13/ 2/ 41، وذكر القرطبي قول قتادة ومجاهد.

انظر: "الجامع" 16/ 227، "تفسير البغوي" 7/ 278، وانظر: "النا سخ والمنسوخ" للنحاس 3/ 5، "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 466.

(١١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، "تفسير البغوي" 7/ 278.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 41، "تفسير البغوي" 7/ 287.

(١٤) انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 211.

(١٥) كذا رسمها في الأصل ووردت كذلك في إحدى نسخ كتاب "الوسيط" للمؤلف وعند أبي عبيد بلفظ: (وذلك أنه كان عاملًا بالآبات كلها من القتل والفداء والمن حتى توفاه الله).

ص 211.

(١٦) طلب الذحل: أي طلب الثأر.

وقيل: وطلب مكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أتيت إليك.

انظر: "تهذيب اللغة" (ذحل) 4/ 465، "اللسان" (ذلل) 11/ 256.

(١٧) الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 211 - 216.

(١٨) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 158.

(١٩) قال ابن قدامة: من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: أحدها النساء والصبيان.

فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقًا للمسلمين؛ لأن النبي -  - نهى عن قتل النساء والولدان، وكان عليه الصلاة والسلام يسترقهم إذا سباهم.

الثاني: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم.

الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم، وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي.

وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور.

انظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 44.

(٢٠) قال الفراء في قول الله جل وعز: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ قال: يريد آثامها وشركها حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.

انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 243، == "اللسان" (وزر) 4/ 282.

وقال ابن قتيبة: أجل الوزر: ما حملته فسمي السلاح.

أوزارًا لأنه يحمل.

انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.

(٢١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٢٢) أورد هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس انظر: 4/ 120.

(٢٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، و"تفسير الوسيط" 4/ 120.

(٢٤) انظر: "تفسير الحسن البصري" ص 288، "الدر المنثور" 7/ 459.

(٢٥) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع" 16/ 228، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 120.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.

(٢٧) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 13/ 42.

(٢٨) أي مقاتل بن حيان، ولم أقف عليه.

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٣٠) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب 35، في الغزو مع أئمة الجور 3/ 40، كما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" برقم 2367، عن أنس -  - 2/ 143، وأورده الزيلعي في "نصب الراية" وقال: قال المنذري في مختصره: يزيد بن أبي نُشْبَة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: يزيد بن أبي نُشْبَة هو رجل من بني سليم، لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان.

انظر: "نصب الراية" 3/ 377.

(٣١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٣٢) انظر: قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 244.

(٣٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.

(٣٤) انظر: "ديوان الأعشى" ص 71، "تهذيب اللغة" 13/ 244، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409، "الدر المصون" 6/ 147، و"الجامع" 16/ 229.

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٣٦) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 279، و"زاد المسير" لابن الجوزي 7/ 397، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 229.

(٣٧) كذا في الأصل ولعل الصواب (على ما ذكرنا).

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.

(٣٩) ذكر القرطبي قول ابن عباس لكن بلفظ: (لأهلكم بجند من الملائكة) 16/ 230.

(٤٠) هذا القول غير موجود في "تفسير مقاتل" عند هذه الآية انظر 4/ 44، وقد أورده السيوطي بلفظ: (لأرسل عليهم ملكًا فدمر عليهم) وعزاه لابن المنذر وابن جريج.

انظر: "الدر المنثور" 7/ 461، ونسبه القرطبي لابن عباس بلفظ: "لأهلكهم بجند من الملائكة" انظر: "الجامع" 16/ 230.

(٤١) كذا رسمها، ولعل الصواب (وهذا) وانظر هذا القول في "الوسيط" 4/ 120.

(٤٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.

(٤٣) هذا المحظور لا يرد على هذه القراءة.

فالتعبير بـ (قتلوا) لبيان أن القتال مظنة القتل ولو لم يُقتل المقاتل فإنه كان معرضًا نفسه لذلك.

وعليه فحتى على هذه القراءة لا يختص ما ورد فيها من مثوبة بمن قتل فحسب.

وبذلك لا يعكر على "تفسيره" ما ورد عن ابن عباس -  ما-.

(٤٤) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 6/ 190، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 276، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 666.

(٤٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 23/ 44، وذكره عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 221، والبغوي في "تفسيره" 7/ 280.

(٤٦) انظر: "تفسير مقاتل" إلا أنه قال قتلى بدر 4/ 45، وقال أبو الليث السمرقندي قتلى يوم أحد وبدر.

انظر: "تفسيره" 3/ 241.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله فاضربوا الرقاب ضرباً، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه، والمراد، اقتلوهم.

ولكن عبّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل ﴿ حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أي هزتموهم، والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ عبارة معن الأسر ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ المن: العتق، والفداء: فك الأسير بمال، وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مخيّر في الأسارى بين خمسة أشياء: وهي: المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية.

وقيل: لا يجوز المنّ ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] فلا يجوز على هذا إلا قتلهم.

والصحيح أنها محكمة وانتصب منَّا وفِداء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها وقيل: الأوزار: الآثام، لأن الحرب لابد أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين، واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل: حتى يسلموا جميعاً؛ فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم: قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبداً، كما تقول: أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة ﴿ ذَلِكَ ﴾ تقديره: الأمر ذلك ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ ، جائز أن يكون قوله -  -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ في القتال والحرب، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ في الحرب والقتال - أيضاً - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - والله أعلم - لما روي في الخبر: "إذا قتلتم فأحسنوا القتل" وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل، والله أعلم.

فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله  : ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ وتأويل قوله: ﴿ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم.

ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال -  -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى [إذا] أثخنتموهم وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ  ﴾ ويكون قوله: ﴿ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ على هذا في المن يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة.

قال بعضهم: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم.

وقال بعضهم: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو قولنا.

وقال بعضهم: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله .

واختلفوا في قتل الأسراء منهم: قال بعضهم: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون.

وقال بعضهم: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ  ﴾ ، ولما روي عن رسول الله  "أنه استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي الله عهم - في أسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول الله  عند ذلك: لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر" أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر -  - بالقتل؛ لذلك قال رسول الله  : "ما نجا إلا عمر" فدل هذ الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.

ثم قال بعضهم: الآية - وهو قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ - تخالف من حيث الظاهر لقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ  ﴾ ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ .

قال بعضهم: حتى يخرج عيسى بن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى -  - وقال بعضهم: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.

وقال بعضهم: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله -  -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، أي: شرك وكفر، والله أعلم.

قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ ، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه.

وقوله: ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل.

وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: يضع أهل الحرب السلاح.

وأصل الوزر ما حملته، فسمّى السلاح: وزراً؛ لأنه يحمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله -  -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ ﴾ لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكاً، ويقهرهم قهراً، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، وبأنواع المحن: أنشأ الله - عز وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابهاً لبعض غير مخالف بعضهم بعضاً فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ما ذكر -  -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [و]التحقيق وغيره.

ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصراً بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكاً بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال، ﴿ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ ، أي: يوفقهم ثانياً - مرة أخرى - للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة.

والثاني: أي: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ في الآخرة، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ في الآخرة الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قال بعضهم: أي: يدخلهم الجنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها.

وقال بعضهم: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول القتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم.

أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم.

ثم نصرنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، والثاني: يكون نصراً بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة الحجج والآيات.

ثم يكون نصر الله إيانا من وجهين: أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن إن كان هذا، فيكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.

والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة [لنا]، وإن كنا غلبنا وقهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .

يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ ، أي: هلاكاً لهم.

وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل.

وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقاداً، فقد كرهه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ أي: كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: بتركهم اتباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأولئك بماذا نزل بهم؟

وهو تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟

وهو التصديق لهم، والإيمان بهم.

والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مزجراً لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛  .

والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل بأولئك أنه بماذا نزل بهم؛ ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ سوى هؤلاء الكفار الذين دمر الله عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل.

والثاني: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي: للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقومه.

والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.

أو يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن الله يتولى أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة، أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا لقيتم -أيها المؤمنون المحاربين من الذين كفروا فاضربوا رقابهم بسيوفكم، واستمرّوا في قتالهم حتى تكثروا فيهم القتل، فتستأصلوا شوكتهم، فإذا أكثرتم فيهم القتل فشدوا قيود الأسرى، فإذا أسرتموهم فلكم الخيار حسب ما تقتضيه المصلحة؛ بين المَنّ عليهم بإطلاق سراحِهم دون مقابِل، أو مفاداتهم بمال , أو غيره، وَاصِلُوا قتالَهم وأَسْرَهم حتى تنتهي الحرب بإسلام الكفار أو معاهدتهم.

ذلك المذكور من ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام وانتصار بعضهم على بعض، هو حكم الله، ولو يشاء الله الانتصار من الكفار دون قتال لانتصر منهم، لكنه شرع الجهاد ليختبر بعضكم ببعض، فيختبر من يقاتل من المؤمنين ومن لا يقاتل، ويختبر الكافر بالمؤمن، فإن قتل المؤمن دخل الجنة، وإن قتله المؤمن دخل هو النار، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يبطل الله أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.mJ5vD"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد