الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٩ من سورة محمد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ) أي : لا يريدونه ولا يحبونه ، ( فأحبط أعمالهم )
وقوله ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنـزلَ اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس وإضلال الأعمال من أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنـزلناه إلى نبينا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وسخطوه, فكذّبوا به, وقالوا: هو سحر مبين.
وقوله ( فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: فأبطل أعمالهم التي عملوها في الدنيا, وذلك عبادتهم الآلهة, لم ينفعهم الله بها في الدنيا ولا في الآخرة, بل أوبقهم بها, فأصلاهم سعيرا, وهذا حكم الله جلّ جلاله في جميع من كفر به من أجناس الأمم, كما قال قتادة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة في قوله ( فَتَعْسًا لَهُمْ ) قال: هي عامة للكفار.
قوله تعالى : ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم .أي ذلك الإضلال والإتعاس ; لأنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع .[ ص: 215 ] فأحبط أعمالهم أي ما لهم من صور الخيرات ، كعمارة المسجد وقرى الضيف وأصناف القرب ، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن .
وقيل : أحبط أعمالهم أي : عبادة الصنم .
ذلك الإضلال والتعس للذين كفروا، بسبب أنهم { كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } من القرآن الذي أنزله الله، صلاحا للعباد، وفلاحا لهم، فلم يقبلوه، بل أبغضوه وكرهوه، { فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }
( ذلك ) التعس والإضلال ( بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) .
«ذلك» التعس والإضلال «بأنهم كرهوا ما أنزل الله» من القرآن المشتمل على التكاليف «فأحبط أعمالهم».
والذين كفروا فهلاكًا لهم، وأذهب الله ثواب أعمالهم؛ ذلك بسبب أنهم كرهوا كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكذبوا به، فأبطل أعمالهم؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) .أى : ذلك الذى حل بهم من التعاسة والإِضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزله - تعالى - على رسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن إلى الرشد ، فكانت نتيجة هذه الكراهية ، أن أحبط الله أعمالهم الحسنة التى عملوها فى الدنيا كإطعام وصلة الأرحام .
.
لأن هذه الأعمال لم تصدر عن قلب سليم ، يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
وفيه وجوه: الأول: المراد القرآن، ووجهه هو أن كيفية العمل الصالح لا تعلم بالعقل وإنما تدرك بالشرع والشرع بالقرآن فلما أعرضوا لم يعرفوا العمل الصالح وكيفية الإتيان به، فأتوا بالباطل فأحبط أعمالهم الثاني: ﴿ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله ﴾ من بيان التوحيد كما قال الله تعالى عنهم ﴿ أئنا لتاركو آلهتنا ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا ﴾ إلى أن قال: ﴿ أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا وَٱصْبِرُوا عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْءَاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ﴾ ووجهه أن الشرك محبط للعمل، قال الله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وكيف لا والعمل من المشرك لا يقع لوجه الله فلا بقاء له في نفسه ولا بقاء له ببقاء من له العمل، لأن ما سوى وجه الله تعالى هالك محبط الثالث: ﴿ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله ﴾ من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها، والدنيا وما فيها ومآلها باطل، فأحبط الله أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره ﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ كأنه قال: أتعس الذين كفروا.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَضَلَّ أعمالهم ﴾ ؟
قلت: على الفعل الذي نصب تعساً؛ لأنّ المعنى فقال: تعسا لهم، أو فقضى تعسا لهم.
وتعسا له: نقيض ﴿ لَعَاَّلَهُ ﴾ قال الأعشى: فَالتَّعْسُ أَوْلَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا يريد: فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار ﴿ كَرِهُواْ ﴾ القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ إنْ تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ.
﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم.
﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ في القِيامِ بِحُقُوقِ الإسْلامِ والمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فَعُثُورًا لَهم وانْحِطاطًا ونَقِيضُهُ لَمّا قالَ الأعْشى.
فالتَّعْسُ أوْلى بِها مِن أنْ أقُولَ لَعا.
وانْتِصابُهُ بِفِعْلِهِ الواجِبِ إضْمارُهُ سَماعًا، والجُمْلَةُ خَبَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ مُفَسِّرَةٌ لِناصِبِهِ.
﴿ وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ القُرْآنَ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّكالِيفِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمْ، وهو تَخْصِيصٌ وتَصْرِيحٌ بِسَبَبِيَّةِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ لِلتَّعْسِ والإضْلالِ.
﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ كَرَّرَهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} أي التعس والضلال {بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله} أي القرآن {فَأَحْبَطَ أعمالهم}
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ مِنَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ، وهَذا تَخْصِيصٌ وتَصْرِيحٌ بِسَبَبِيَّةِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ لِلتَّعْسِ والإضْلالِ إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ سَبَبِيَّةُ مُطْلَقِ الكُفْرِ الدّاخِلِ فِيهِ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِذَلِكَ ﴿ فَأحْبَطَ ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ أعْمالَهُمْ ﴾ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَأُثِيبُوا عَلَيْها، وذِكْرُ الإحْباطِ مَعَ ذِكْرِ الإضْلالِ المُرادُ هو مِنهُ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ <div class="verse-tafsir"
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني: بعداً، ونكساً، وخيبة لهم.
وهو من قولك: تعست أي: عثرت، وسقطت، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب حسناتهم، فلم يقبلها منهم.
ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم، فقال: ذلِكَ يعني: ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: أنكروا، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد .
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم.
ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر أمرهم.
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: أهلكهم الله تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش.
ثم قال: ذلِكَ يعني: النصرة التي ذكر في قوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني: إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ يعني: لا ناصر، ولا ولي لهم، لا تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب.
ثم ذكر مستقر المؤمنين، ومستقر الكافرين، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل، والشرب، والجماع، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: منزلاً، ومستقرا لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ عِنْدَ القِتالِ.
ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿ وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ.
و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] .
والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ بِعِبادَتِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهُ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ الَّتِي في (بَراءَةَ ): ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وإنَّ الأسْرَ والمَنَّ والفِداءَ مُرْتَفِعٌ، فَمَتى وقَعَ أسْرٌ فَإنَّما مَعَهُ القَتْلُ ولا بُدَّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وعَطاءٌ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، والمَنُّ والفِداءُ ثابِتٌ، وقَدْ مَنَّ رَسُولُ اللهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ، وفادى أسْرى بَدْرٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقالَ: لا يُقْتَلُ الأسِيرُ إلّا في الحَرْبِ، يَهِيبُ بِذَلِكَ عَلى العَدُوِّ، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُفادِي رَجُلًا بِرَجُلٍ، ومَنَعَ الحَسَنُ أنْ يُفادُوا بِالمالِ، وقَدْ أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِقَتْلِ أسِيرٍ مِنَ التُرْكِ ذَكَرَ لَهُ أنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ خُصِّصَتْ مِنَ الأُخْرى بِأهْلِ الكِتابِ فَقَطْ، فَفِيهِمُ المَنُّ والفِداءُ، وعُبّادُ الأوثانِ لَيْسَ فِيهِمْ إلّا القَتْلُ.
وعَلى قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ الآيَتانِ مَحْكَمَتانِ، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وصَرَّحَ هُنا بِذِكْرِ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ وهو أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وهَذا هو القَوْلُ القَوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِعْلِ، أيْ: فاضْرِبُوا رِقابَهُمْ، وعَيَّنَ مِن أنْواعِ القَتْلِ أشْهُرَهُ وأعْرَفَهُ فَذَكَرَهُ، والمُرادُ: اقْتُلُوهم بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ، وقَدْ زادَتْ آيَةٌ أُخْرى: ﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ ، وهي مِن أنَكى ضَرَباتِ الحَرْبِ، لِأنَّها تُعَطِّلُ مِنَ المَضْرُوبِ جَمِيعَ جَسَدِهِ؛ إذِ البَنانُ أعْظَمُ آلَةِ المُقاتِلِ وأصْلِها.
و ﴿ أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ.
و"الإثْخانُ" في القَوْمِ أنْ يَكْثُرَ فِيهِمُ القَتْلى والجَرْحى، والمَعْنى: فَشَدُّوا الوَثاقَ بِمَن لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إلّا الأسْرُ، و"مَنًّا" و"فِداءً" مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْنِ مُضْمَرَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِداءً"، ﴾ وقَرَأ شِبْلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَدى"، مَقْصُورًا.
وإمامُ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في أسْراهُ في خَمْسَةِ أوجُهٍ: القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ أو ضَرْبُ الجِزْيَةِ أوِ الفِداءُ، ويَتَرَجَّحُ النَظَرُ في أسِيرِ أُسِرَ بِحَسَبِ حالِهِ مِن إذايَةِ المُسْلِمِينَ أو ضِدَّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ﴾ مَعْناهُ: حَتّى تَذْهَبَ وتَزُولَ أثْقالُها، و"الأوزارُ" جَمْعُ وِزْرٍ - الأثْقالُ فِيها والآلاتُ لَها، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الزَبِيدِيِّ: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وقالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الأوزارُ في هَذِهِ الآيَةِ الآثامُ، جَمْعُ وِزْرٍ ؛ لِأنَّ الحَرْبَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها آثامٌ في أحَدِ الجانِبَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الغايَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، فَقالَ قَتادَةُ: حَتّى يُسْلِمَ الجَمِيعُ فَتَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، وقالَ حُذّاقُ أهْلِ النَظَرِ: حَتّى تَغْلِبُوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ يُرادُ لَها التِزامُ الأمْرِ أبَدًا، وذَلِكَ أنَّ الحَرْبَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لا تَضَعُ أوزارَها، فَجاءَ هَذا كَما تَقُولُ: أنا أفْعَلُ كَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّما تُرِدُ أنْ تَفْعَلَهُ دائِمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُهم بِهِ في حِينٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِبارَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَبْلُوَ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قاتِلُوا"، وقَرَأ عاصِمٌ، الجَحْدَرِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى، وأبُو رَجاءٍ هَكَذا وشَدَّدُوا التاءَ، والقِراءَةُ الأُولى أعَمُّها وأوضَحُها مَعْنًى.
وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَيَهْدِيهِمْ" ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إصْلاحِ البالِ، وقَدْ رَوى عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُدْخِلْهُمْ" بِسُكُونِ اللامِ، وفي التَغابُنِ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ ، وفي سُورَةِ الإنْسانِ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكُمْ ﴾ بِسُكُونِ الطاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: بَيَّنَها لَهُمْ، أيْ: جَعَلَهم يَعْرِفُونَ مَنازِلَهم مِنها، وفي نَحْوِ هَذا المَعْنى هو قَوْلُ النَبِيِّ : « "لِأحَدِكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُنْيا"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سَمّاها لَهم ورَسَمَها، كُلُّ مَنزِلٍ بِاسْمِ صاحِبِهِ، فَهَذا نَحْوٌ مَنِ التَعْرِيفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلاها، وهَذا مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، ومِنهُ أعْرافُ الخَيْلِ، وقالَ مُؤَرِّجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: طَيَّبَها، مَأْخُوذٌ مِنَ العُرْفِ، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القِدْرَ، أيْ: طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتَوابِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللهَ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: دِينَ اللهِ ورَسُولِهِ، والمَعْنى: تَنْصُرُوهُ بِجِدِّكم واتِّباعِكم وإيمانِكُمْ، يَنْصُرْكم بِخَلْقِ القُوَّةِ لَكم والجُرْأةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعارِفِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُثَبِّتُ" بِفَتْحِ التاءِ المُثَلَّثَةِ وشَدِّ الباءِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِسُكُونِ الثاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ، وهَذا التَثْبِيتُ هو في مُواطِنِ الحَرْبِ عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِراطِ في القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِثارًا لَهم وهَلاكًا، وهي لَفْظَةٌ تُقالُ لِلْكافِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدِي إنْ عَثَرْتُ خُذْ بِيَدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَقُلْ: لا ولا تَقُلْ تَعِسًا وقالَ الأعْشى في هَذا المَعْنى: بِذاتٍ لَوَتْ عَفِرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فالتَعْسُ أدْنى لَها مِن أنْ أقُولَ: لَعا ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ لَمّا عَثَرَتْ في مُرْطِها: تَعِسَ مِسْطَحُ، قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: التَعْسُ: أنْ يَخِرَّ عَلى وجْهِهِ، و"تَعْسًا" مَصْدَرٌ نَصَبَهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أعْمالَهم في كُفْرِهِمُ الَّتِي هي بِرٌّ مُقَيِّدَةٌ مَحْفُوظَةٌ، ولا خِلافَ أنَّ الكافِرَ لَهُ حَفَظَةٌ يَكْتُبُونَ سَيِّئاتِهِمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَسَناتِهِمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُلْغاةٌ، يُثابُونَ عَلَيْها بِنِعَمِ الدُنْيا فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْصاةٌ مِن أجْلِ ثَوابِ الدُنْيا، ومِن أجْلِ أنَّ [الكافِرَ] قَدْ يُسْلِمُ فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى حَسَناتِهِ في الإسْلامِ، وهَذا أحَدُ التَأْوِيلَيْنِ في «قَوْلِ النَبِيِّ لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: "أسْلِمْتُ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» فَقَوْمٌ قالُوا: تَأْوِيلُهُ: أسْلَمْتُ عَلى أنْ يُعَدَّ لَكَ ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ، وهَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أسْلَمْتُ عَلى إسْقاطِ ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ، إذْ قَدْ ثُوِّبَتْ عَلَيْهِ بِنِعَمِ دُنْياكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَحَبْطِها هي عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ وكُفْرُهُمْ، ومَعْنى "أُحْبِطَ": جَعَلَها مِنَ العَمَلِ الَّذِي لا يَزْكُو ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهي لِذَلِكَ كالَّذِي أُحْبِطَ.
<div class="verse-tafsir"
هذا مقابل قوله: ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ [محمد: 4] فإن المقاتلين في سبيل الله هم المؤمنون، فهذا عطف على جملة ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ [محمد: 4] الآية.
والتعْس: الشقاء ويطلق على عدة معان: الهلاك، والخيبة، والانحطاط، والسقوط، وهي معان تحوم حول الشقاء، وقد كثر أن يقال: تعسا له، للعاثر البغيض، أي سقوطاً وخروراً لا نهوض منه.
ويقابله قولهم للعاثر: لعاً لهَ، أي ارتفاعاً، قال الأعشى: بذات لَوث عفرناةٍ إذا عَثَرت *** فالتعسُ أولى لها من أن أقول لَعَا وفي حديث الإفك: فعثرت أم مسطح في مِرطها فقالت: تَعِس مسطح لأن العثار تَعْس.
ومن بدائع القرآن وقوع ﴿ فتَعْساً لهم ﴾ في جانب الكفار في مقابلة قوله للمؤمنين: ﴿ ويُثبتْ أقدامكم ﴾ [محمد: 7].
والفعل من التعس يجيء من باب منع وباب سمع، وفي «القاموس» إذا خاطبتَ قلتَ: تَعَست كمَنع، وإذا حَكيت قلت: تَعِسَ كسمع.
وانتصب ﴿ تعساً ﴾ على المفعول المطلق بدلاً من فعله.
والتقدير: فتعسوا تعسهم، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله مثل تبًّا له، وويحاً له.
وقصد من الإضافة اختصاص التعس بهم، ثم أدخلت على الفاعل لام التبيين فصار ﴿ تعساً لهم ﴾ .
والمجرور متعلق بالمصدر، أو بعامله المحذوف على التحقيق وهو مختار بن مالك وإن أباه ابنُ هشام.
ويجوز أن يكون ﴿ تعساً لهم ﴾ مستعملاً في الدعاء عليهم لقصد التحقير والتفظيع، وذلك من استعمالات هذا المركب مثل سَقياً له ورَعياً له وتَبًّا له وويحاً له وحينئذٍ يتعين في الآية فعل قول محذوف تقديره: فقال الله: تعساً لهم، أو فيقال: تعساً لهم.
ودخلت الفاء على ﴿ تعساً ﴾ وهو خبر الموصول لمعاملة الموصول معاملة الشرط.
وقوله: ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ إشارة إلى ما تقدم في أول السورة من قوله: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ﴾ [محمد: 1]، وتقدم القول على ﴿ أضلّ أعمالهم ﴾ هنالك.
والقول في قوله: ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ﴾ الخ في معناه، وفي موقعه من الجملة التي قبله وفي نكتة تكريره كما تقدم في قوله: ﴿ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ [محمد: 3].
والإشارة إلى التعس وإضلال الأعمال المتقدم ذكرهما.
والكراهية: البغض والعداوة.
و ﴿ ما أنزل الله ﴾ هو القرآن وما فيه من التوحيد والرسالة والبعث، قال تعالى: ﴿ كَبُر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13].
والباء في ﴿ بأنهم كرهوا ﴾ للسببيّة.
وإحباط الأعمال إبطالها: أي جعلها بُطْلاً، أي ضائعة لا نفع لهم منها، والمراد بأعمالهم: الأعمال التي يرجون منها النفع في الدنيا لأنهم لم يكونوا يرجون نفعها في الآخرة إذ هم لا يؤمنون بالبعث وإنما كانوا يرجون من الأعمال الصالحة رضي الله ورضى الأصنام ليعيشوا في سعة رزق وسلامة وعافية وتسلَم أولادهم وأنعامهم، فالأعمال المُحبَطة بعض الأعمال المضللة، وإحباطها هو عدم تحقق ما رجَوه منها فهو أخص من إضلال أعمالهم كما علمته عند قوله تعالى: ﴿ الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ﴾ [محمد: 1] أول السورة.
والمقصود من ذكر هذا الخاص بعد العام التنبيه على أنهم لم ينتفعوا بها لئلا يظن المؤمنون أنها قد تخفف عنهم من العذاب فقد كانوا يتساءلون عن ذلك، كما في حديث عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعمال كان يتحنث بها في الجاهلية من عتاقة ونَحوها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أسلمتَ على ما سَلف من خير» أي ولو لم يُسلم لما كان له فيها خير.
والمعنى: أنّهم لو آمنوا بما أنزل الله لانتفعوا بأعمالهم الصّالحة في الآخرة وهي المقصود الأهمّ وفي الدنيا على الجملةَ.
وقد حصل من ذكر هذا الخاص بعد العام تأكيد الخير المذكور.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كُلُّ مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ مِن مُشْرِكٍ أوْ كِتابِيٍّ إذا لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ ولا ذِمَّةٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ أعْناقِهِمْ صَبْرًا عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسِّلاحِ واليَدَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي بِالإثْخانِ الظَّفَرَ، وبِشَدِّ الوَثاقِ الأسْرَ.
﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ في المَنِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَفُوُّ والإطْلاقُ كَما مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ بَعْدَ أسْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ العِتْقُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا الفِداءُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُفاداةُ عَلى مالٍ يُؤْخَذُ مِن أسِيرٍ يُطْلَقُ، كَما فادى رَسُولُ اللَّهِ في بَدْرٍ كُلَّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وفادى في بَعْضِ المَواطِنِ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ البَيْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أوْزارَ الحَرْبِ أثْقالُها، والوِزْرُ الثُّقْلُ ومِنهُ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الأثْقالَ، وأثْقالُها السِّلاحُ.
الثّانِي: هو [وَضْعُ] سِلاحِهِمْ بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ، قالَ الشّاعِرُ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا الثّالِثُ: حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَ كُفْرِهِمْ بِالإسْلامِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: حَتّى يَظْهَرَ الإسْلامُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
الخامِسُ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في مَن أسَرَهُ مِنهم بَيْنَ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يَقْتُلَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ ، أوْ يَسْتَرِقَّ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَرَقَّ العُقَيْلِيِّ، أوْ يَمُنَّ كَما مَنَّ عَلى ثَمامَةَ، أوْ يُفادِي بِمالٍ أوْ أسْرى، فَإذا أسْلَمُوا أسْقَطَ القَتْلَ عَنْهم وكانَ في الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، عَلى خِيارِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
﴿ ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، قالَ قَتادَةُ: هم قَتْلى أُحُدٍ.
وَقَرَأ الباقُونَ قاتَلُوا ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَحِقُّ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَهْدِيهِمْ إلى مَحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ في القَبْرِ، قالَهُ زِيادٌ.
الثّالِثُ: يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَرَّفَها بِوَصْفِها عَلى ما يُشَوِّقُ إلَيْها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: عَرَّفَهم ما لَهم فِيها مِنَ الكَرامَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مَعْنى عَرَّفَها أيْ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ وهي الرّائِحَةُ الطَّيِّبَّةُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
الرّابِعُ: عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها حَتّى لا يَسْألُونَ عَنْها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: وَصَفَ الجَنَّةَ لَهم في الدُّنْيا فَلَمّا دَخَلُوها عَرِفُوها بِصِفَتِها.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ عَرَّفَ أهْلَ السَّماءِ أنَّها لَهم إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ فِيها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ.
الثّانِي: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ويُثَبِّتُ أقْدامَكم في نَصْرِهِ.
الثّانِي: عِنْدَ لِقاءِ عَدُوِّهِ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَثْبِيتَ الأقْدامِ بِالنَّصْرِ.
الثّانِي: يُرِيدُ تَثْبِيتَ القُلُوبِ بِالأمْنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خِزْيًا لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: شَقاءً لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: شَتْمًا لَهم مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: هَلاكًا لَهم، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
الخامِسُ: خَيْبَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
السّادِسُ: قُبْحًا لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
السّابِعُ: بِعَدائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّامِنُ: رَغْمًا لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: أنَّ التَّعْسَ الِانْحِطاطُ والعَثارُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ قال: على نصره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾ قال: حق على الله أن يعطي من سأله، وأن ينصر من نصره ﴿ والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ﴾ قال: أما الأولى ففي الكفار الذين قتل الله يوم بدر، وأما الأخرى ففي الكفار عامة.
وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه: ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ قال: كرهوا الفرائض.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ﴾ قال: أهلكهم الله بألوان العذاب بأن يتفكر متفكر ويتذكر متذكر ويرجع راجع، فضرب الأمثال وبعث الرسل ليعقلوا عن الله أمره.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ قال: لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ قال: مثل ما دمرت به القرون الأولى وعيد من الله تعالى لهم، وفي قوله: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذي آمنوا ﴾ قال: وليهم الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ قال: ليس لهم مولى غيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك الإتعاس والإضلال ﴿ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ وقال الفراء والزجاج: كرهوا القرآن ونبوة المصطفى - - وسخطوا ما أنزل الله عليه (١) (٢) وقال سفيان وعمرو بن ميمون: كرهوا الفرائض (٣) ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ما عملوا من شيء يريدون به الله؛ لأنها لم تكن في إيمان، ولا يقبل الله إلا من المتقين (٤) ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 59، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.
(٢) انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 46، "تفسير السمرقندي" 3/ 242.
(٣) أورد ذلك السيوطي في "الدر المنثور" عن عمرو بن ميمون وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر.
انظر: "الدر المنثور" 7/ 462، ولم أقف على نسبته لسفيان.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45، و"القرطبي" 16/ 233 فقد ذكر معنى هذا القول ولم ينسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ أي عثاراً وهلاكاً.
وانتصابه على المصدرية، والعامل فيه فعل مضمر، وعلى هذا عَطَفَ وأضلَّ أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.
الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.
﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.
التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟
فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.
وقيل: هم أهل الكتاب.
والأظهر العموم.
قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.
وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد لا يرد عليه النسخ أبداً.
وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.
والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.
وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.
وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.
قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.
وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.
وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".
﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.
وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.
لأن رسول الله منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.
وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.
وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.
وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.
والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.
وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.
قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.
وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.
وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى .
عن أبي هريرة أن النبي قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.
وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.
ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.
ومعنى الابتلاء من الله قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.
وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.
يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.
عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.
وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.
ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.
والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.
والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.
ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.
وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.
وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.
وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟
وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.
وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.
والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.
قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.
والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.
فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟
والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.
وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.
ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.
وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.
ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.
وعن السدي: بين لهم ما يتقون.
وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول .
ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.
ومنه مبعث محمد فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.
وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".
وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟
والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ ، جائز أن يكون قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ في القتال والحرب، وكذلك قوله - -: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب والقتال - أيضاً - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - والله أعلم - لما روي في الخبر: "إذا قتلتم فأحسنوا القتل" وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل، والله أعلم.
فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله : ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ وتأويل قوله: ﴿ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ .
وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم.
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى [إذا] أثخنتموهم وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ ﴾ ويكون قوله: ﴿ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ على هذا في المن يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة.
قال بعضهم: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم.
وقال بعضهم: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو قولنا.
وقال بعضهم: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله .
واختلفوا في قتل الأسراء منهم: قال بعضهم: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون.
وقال بعضهم: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، ولما روي عن رسول الله "أنه استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي الله عهم - في أسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول الله عند ذلك: لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر" أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر - - بالقتل؛ لذلك قال رسول الله : "ما نجا إلا عمر" فدل هذ الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.
ثم قال بعضهم: الآية - وهو قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ - تخالف من حيث الظاهر لقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ﴾ ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ .
قال بعضهم: حتى يخرج عيسى بن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى - - وقال بعضهم: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.
وقال بعضهم: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله - -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، أي: شرك وكفر، والله أعلم.
قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ ، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه.
وقوله: ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل.
وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: يضع أهل الحرب السلاح.
وأصل الوزر ما حملته، فسمّى السلاح: وزراً؛ لأنه يحمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ ﴾ لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكاً، ويقهرهم قهراً، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، وبأنواع المحن: أنشأ الله - عز وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابهاً لبعض غير مخالف بعضهم بعضاً فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ما ذكر - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [و]التحقيق وغيره.
ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصراً بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكاً بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال، ﴿ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ ، أي: يوفقهم ثانياً - مرة أخرى - للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة.
والثاني: أي: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ في الآخرة، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ في الآخرة الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قال بعضهم: أي: يدخلهم الجنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها.
وقال بعضهم: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول القتبي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم.
أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم.
ثم نصرنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، والثاني: يكون نصراً بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة الحجج والآيات.
ثم يكون نصر الله إيانا من وجهين: أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن إن كان هذا، فيكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.
والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة [لنا]، وإن كنا غلبنا وقهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .
يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ ، أي: هلاكاً لهم.
وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل.
وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقاداً، فقد كرهه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ أي: كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: بتركهم اتباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأولئك بماذا نزل بهم؟
وهو تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟
وهو التصديق لهم، والإيمان بهم.
والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مزجراً لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛ .
والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل بأولئك أنه بماذا نزل بهم؛ ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ سوى هؤلاء الكفار الذين دمر الله عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل.
والثاني: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي: للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقومه.
والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.
أو يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن الله يتولى أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة، أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك العقاب الواقع بهم بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن لما فيه من توحيد الله، فأحبط الله أعمالهم، فخسروا في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.0rng2"