الآية ١١١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١١ من سورة الأنعام

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ١١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ( لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) فنزلنا عليهم الملائكة ، أي : تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل ، كما سألوا فقالوا : ( أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) [ الإسراء : 92 ] ( قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) [ الأنعام : 124 ] ، ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) [ الفرقان : 21 ] .

( وكلمهم الموتى ) أي : فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ، ( وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) - قرأ بعضهم : " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء ، من المقابلة ، والمعاينة .

وقرأ آخرون وقبلا بضمهما قيل : معناه من المقابلة والمعاينة أيضا ، كما رواه علي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس .

وبه قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال مجاهد : ( قبلا ) أفواجا ، قبيلا قبيلا أي : تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) أي : إن الهداية إليه ، لا إليهم .

بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وهو الفعال لما يريد ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، لعلمه وحكمته ، وسلطانه وقهره وغلبته .

وهذه الآية كقوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد, آيسْ من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأصنام ، القائلين لك: " لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك ", فإننا لو نـزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانًا، وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حُجَّةً لك، ودلالة على نبوّتك, وأخبروهم أنك محقٌّ فيما تقول, وأن ما جئتهم به حقٌّ من عند الله, وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهُم لك قبلا ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم =(ولكن أكثرهم يجهلون)، يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك, يحسبون أن الإيمان إليهم، والكفرَ بأيديهم, متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا كفروا .

وليس ذلك كذلك, ذلك بيدي, لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته, ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته .

* * * وقيل: إن ذلك نـزل في المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم, وما جاء به من عند الله, من مشركي قريش .

* ذكر من قال ذلك: 13755- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: نـزلت في المستهزئين الذين سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم الآية, فقال: قُلْ ، يا محمد، إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ، ونـزل فيهم: (ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) .

* * * وقال آخرون: إنما قيل: (ما كانوا ليؤمنوا)، يراد به أهل الشقاء, وقيل: (إلا أن يشاء الله)، فاستثنى ذلك من قوله: (ليؤمنوا)، يراد به أهل الإيمان والسعادة .

* ذكر من قال ذلك: 13756- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن ابن عباس قوله: (ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا)، وهم أهل الشقاء = ثم قال: (إلا أن يشاء الله)، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان .

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ ابن عباس, لأن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: (ما كانوا ليؤمنوا)، القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا .

وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج إنهم عُنوا بهذه الآية، ولكن لا دلالة في ظاهر التنـزيل على ذلك، ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك .

والخبر من الله خارجٌ مخرجَ العموم, فالقول بأنَّ ذلك عنى به أهل الشقاء منهم أولى، لما وصفنا .

* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا).

فقرأته قرأة أهل المدينة: " قِبَلا "، بكسر " القاف " وفتح " الباء ", بمعنى: معاينةً= من قول القائل: " لقيته قِبَلا "، أي معاينة ومُجاهرةً .

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا )، بضم " القاف "،" والباء " .

وإذا قرئ كذلك، كان له من التأويل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون " القبل " جمع " قبيل "، كالرُّغُف التي هي جمع " رغيف ", و " القُضُب " التي هي جمع " قضيب ", ويكون " القبل "، الضمناء والكفلاء= وإذا كان ذلك معناه, كان تأويل الكلام: وحشرنا عليهم كل شيء كُفَلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم, ما آمنوا إلا أن يشاء الله .

والوجه الآخر: أن يكون " القبل " بمعنى المقابلة والمواجهة, من قول القائل: " أتيتُك قُبُلا لا دُبُرًا ", إذا أتاه من قبل وجهه .

والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلةً قبيلةً, صنفًا صنفًا, وجماعة جماعةً ، فيكون " القبل " حينئذ جمع " قبيل "، الذي هو ج مع " قبيلة ", فيكون " القبل " جمع الجمع .

(1) * * * وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال: معنى ذلك: معاينةً .

13757- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، يقول: معاينة .

13758- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، حتى يعاينوا ذلك معاينة=(ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) .

* * * * ذكر من قال: معنى ذلك: قبيلة قبيلة، صنفًا صنفًا .

13759- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: (قُبُلا)، معناه: قبيلا قبيلا .

13760- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد: (قُبُلا)، أفواجًا, قبيلا قبيلا .

13761- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أحمد بن يونس, عن أبي خيثمة قال، حدثنا أبان بن تغلب قال، حدثني طلحة أن مجاهدًا قرأ في" الأنعام ": (كل شيء قُبُلا)، قال: قبائل, قبيلا وقبيلا وقبيلا .

* * * * ذكر من قال: معناه: مقابلةً .

13762- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ولو أننا نـزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، يقول: لو استقبلهم ذلك كله, لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله .

13763- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، قال: حشروا إليهم جميعًا, فقابلوهم وواجهوهم .

13764- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن يزيد: قرأ عيسى: (قُبُلا) ومعناه: عيانًا .

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا, قراءةُ من قرأ: ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا )، بضم " القاف " و " الباء "، لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجهَ التي بينّا من المعاني, وأن معنى " القِبَل " داخلٌ فيه, وغير داخل في القبل معاني" القِبَل " .

* * * وأما قوله: (وحشرنا عليهم)، فإن معناه: وجمعنا عليهم, وسقنا إليهم .

(2) ------------------------- الهوامش : (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 350 ، 351 .

(2) انظر تفسير (( حشر )) فيما سلف 457 : 11 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلونقوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة فرأوهم عيانا .وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم .وحشرنا عليهم كل شيء سألوه من الآيات ." قبلا " مقابلة ; عن ابن عباس وقتادة وابن زيد .

وهي قراءة نافع وابن عامر .

وقيل : معاينة ، لما آمنوا .

وقال محمد بن يزيد : يكون " قبلا " بمعنى ناحية ; كما تقول : لي قبل فلان مال ; فقبلا نصب على الظرف .

وقرأ الباقون " قبلا " بضم القاف والباء ، ومعناه ضمناء ; فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل ، نحو رغيف ورغف ; كما قال : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ; أي يضمنون ذلك ; عن الفراء .

وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل ; أي جماعة جماعة ، وقاله مجاهد ، وهو نصب على الحال على القولين .

وقال محمد بن يزيد قبلا أي مقابلة ; ومنه إن كان قميصه قد من قبل .

ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه .

ومنه قبل الحيض .

حكى أبو زيد : لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا ، كله بمعنى المواجهة ; فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان ; قاله مكي .

وقرأ الحسن " قبلا " حذف الضمة من الباء لثقلها .

وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق ، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم .

وعلى قول الأخفش يكون فيه [ ص: 61 ] اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود .

والحشر الجمع .ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " أن " في موضع استثناء ليس من الأول ; أي لكن إن شاء ذلك لهم .

وقيل : الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان .

وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .ولكن أكثرهم يجهلون أي يجهلون الحق .

وقيل : يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكذلك تعليقهم الإيمان بإرادتهم، ومشيئتهم وحدهم، وعدم الاعتماد على الله من أكبر الغلط، فإنهم لو جاءتهم الآيات العظيمة، من تنزيل الملائكة إليهم، يشهدون للرسول بالرسالة، وتكليم الموتى وبعثهم بعد موتهم، وحشر كل شيء إليهم حتى يكلمهم { قُبُلًا } ومشاهدة، ومباشرة، بصدق ما جاء به الرسول ما حصل منهم الإيمان، إذا لم يشأ الله إيمانهم، ولكن أكثرهم يجهلون.

فلذلك رتبوا إيمانهم، على مجرد إتيان الآيات، وإنما العقل والعلم، أن يكون العبد مقصوده اتباع الحق، ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويستعين ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته، ولا يطلب من الآيات الاقتراحية ما لا فائدة فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) فرأوهم عيانا ، ( وكلمهم الموتى ) بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا ، ( وحشرنا ) وجمعنا ، ( عليهم كل شيء قبلا ) قرأ أهل المدينة وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء ، أي معاينة ، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء ، هو جمع قبيل ، وهو الكفيل ، مثل رغيف ورغف ، وقضيب وقضب أي : ضمناء وكفلاء ، وقيل : هو جمع قبيل وهو القبيلة ، أي : فوجا فوجا ، وقيل : هو بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قولهم : أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه ، ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) ذلك ، ( ولكن أكثرهم يجهلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة وكملهم الموتى» كما اقترحوا «وحشرنا» جمعنا «عليهم كل شيء قبلا» بضمتين جمع قبيل أي فوجا فوجا وبكسر القاف وفتح الياء أي معاينة فشهدوا بصدقك «ما كانوا ليؤمنوا» لما سبق في علم الله «إلا» لكن «أن يشاء الله» إيمانهم فيؤمنوا «ولكن أكثرهم يجهلون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أننا أجبنا طلب هؤلاء، فنزَّلنا إليهم الملائكة من السماء، وأحيينا لهم الموتى، فكلموهم، وجمعنا لهم كل شيء طلبوه فعاينوه مواجهة، لم يصدِّقوا بما دعوتهم إليه -أيها الرسول- ولم يعملوا به، إلا من شاء الله له الهداية، ولكن أكثر هؤلاء الكفار يجهلون الحق الذي جئت به من عند الله تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها كاذبون فى أيمانهم الفاجرة ، فقال - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ .

.

.

.

} .المعنى : ولو أننا يا محمد لم نقتصر على إيتاء ما اقترحه هؤلاء المشركون من آيات كونية ، بل أضفنا إلى ذلك أننا نزلنا عليهم الملائكة يشهدون بصدقك وأحيينا لهم الموتى فشهدوا بحقيقة الإيمان ، وزدنا على ذلك فجمعنا لهم جميع الخلائق مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم بأنك على الحق ، لو أننا فعلنا كل ذلك ما استقام لهم الإيمان لسوء استعدادهم وفساد فطرهم ، وانطماس بصيرتهم ، فإن قوما يمرون على تلك الآيات الكونية التى زخر بها هذا الكون والتى استعرضتها هذه السورة فلا تتفتح لها بصائرهم ، ولا تتحرك لها مشاعرهم ، ليسوا على استعداد لأن يخالط الإيمان شغاف قلوبهم ، والذى ينقصهم إنما هو القلب الحى الذى يتلقى ويتأثر ويستجيب وليس الآيات التى يقترحونها فإن أمامهم الكثير منها ، واقترحاتهم إنما هى نوع من العبث السخيف ، والتعنت المرذول الذى لا يستحق أن يهتم به .و { قُبُلاً } - بضم القاف والباء - حال من " كل شىء " وفيه أوج :الأول : أنه جمع قبيل بمعنى كفيل مثل قليب وقلب ، أى : وحشرنا عليهم كل شىء من المخلوقات ليكونوا كفلاء بصدقك .والثانى : أنه مفرد كقبل الإنسان ودبره فيكون معناه المواجهة والمعاينة ومنه آتيك قبلا لا دبرا أى آتيك من قبل وجهك والمعنى .

وحشرنا عليهم كل شىء مواجهة وعيانا ليشهدوا بأنك على الحق .والثالث : أن يكون قبلا جمع قبيل لكن بمعنى جماعة جماعة أو صنفاً صنفا والمعنى : وحشرنا عليهم كل شىء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات ليشهدوا بصدقك .وجملة { مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } جواب لو .أى : لو فعلنا لهم كل ذلك ما كانوا ليؤمنوا فى حال من الأحوال بسبب غلوهم فى التمرد والعصيان ، إلى فى حال مشيئة الله إيمانهم فيؤمنوا ، لأنه - سبحانه - هو القادر على كل شىء .وقوله { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } .أى : ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا فهم لذلك يحلفون الأيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها .

أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات .وقيل الضمير يعود على المؤمنين فيكون المعنى .

ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمان أولئك المشركين عند مجىء الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله - تعالى - لإيمانهم ، فيتمنون مجىء الآيات طمعاً فى إيمانهم .قال الشيخ القاسمى : فى قوهل { إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } حجة واضحة على المعتزلة لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة الله - تعالى - حتى الإيمان والكفر .

وقد اتفق سلف هذه الأمة وحملة شريعتها على أنه " ما شاء الله كان وما لم يشا لهم يكن " .

والمعتزلة يقولون " إلا أن يشاء الله مشيئة قسر وإكراه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن حنظلة، ثم إنهم أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، وقالوا له أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل؟

أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنزلت هذه الآية، وقد ذكرنا مراراً أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلاً صعباً، فأما على الوجه الذي قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، فذكر الله تعالى هذا الكلام بياناً لكذبهم، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات، بل المعجزة الواحدة لابد منها ليتميز الصادق عن الكاذب، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة، وبعد الثالثة رابعة، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل، وذلك يوجب سد باب النبوات.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر ﴿ قُبُلاً ﴾ هاهنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هاهنا وفي الكهف بالكسر، قال الواحدي: قال أبو زيد يقال لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً وقبلاً وقبيلاً كله واحد.

وهو المواجهة.

قال الواحدي: فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتاً في المعنى، فقال أما من قرأ ﴿ قُبُلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: معناه عيانا، يقال لقيته قبلاً أي معاينة، وروي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أكان آدم نبياً؟

قال: «نعم كان نبياً كلمه الله تعالى قبلاً» وأما من قرأ ﴿ قُبُلاً ﴾ فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل الذي يراد به الكفيل، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به.

ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، فإذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات.

وثانيها: أن يكون ﴿ قُبُلاً ﴾ جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلاً قبيلاً، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد.

وثالثها: أن يكون ﴿ قُبُلاً ﴾ بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد.

أما قوله تعالى: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم.

قال أصحابنا: فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان، وهذا نص في المسألة.

قالت المعتزلة: دل الدليل على أنه تعالى أراد الإيمان من جميع الكفار، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة.

أولها: أنه تعالى لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم.

وثانيها: لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعاً لله بفعل الكفر، لأنه لا معنى للطاعة إلا بفعل المراد.

وثالثها: لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به.

ورابعها: لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر.

قالوا: فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم وظاهره هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم، والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وأنه تعالى ما شاء منهم الإيمان الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الإشكال.

واعلم أن هذا الكلام أيضاً ضعيف من وجوه: الأول: أن الإيمان الذي سموه بالإيمان الاختياري إن عنوا به أن قدرته صالحة للإيمان والكفر على السوية، ثم إنه يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، وأيضاً فبتقدير أن يكون ذلك معقولاً في الجملة إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه، بل يكون حادثاً لا لسبب ولا مؤثر أصلاً لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر بالوقوع والرجحان، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادراً منه بل يكون صادراً لا عن سبب البتة، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلاً، ولا يقوله عاقل، وإما أن يكون هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير مصدراً للإيمان إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الإيمان كان هذا قولاً بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة مع الداعي، وذلك المجموع موجب للإيمان، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه.

فثبت أن هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم، وقد عرفت أن هذا الكلام في غاية القوة.

والوجه الثاني: سلمنا أن الإيمان الاختياري مميز عن الإيمان الحاصل بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا، معناه: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيماناً على سبيل الإلجاء والقهر.

فثبت أن قوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ المراد: ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار، ثم استثنى عنه فقال: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه.

والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري.

فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه الإيمان الاختياري، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية.

المسألة الثانية: قال الجبائي قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ يدل على حدوث مشيئة الله تعالى، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك، كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى، وتقريره، أنا إذا قلنا: لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديماً، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط، فيلزم كون الجزاء قديماً.

والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثاً، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة.

هذا تقرير هذا الكلام.

والجواب: أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ قال أصحابنا: المراد، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره.

وقال المعتزلة: المراد، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة ﴾ كما قالوا ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة ﴾ [الفرقان: 21] ، ﴿ وَكَلَّمَهُمُ الموتى ﴾ كما قالوا: ﴿ فَأْتُواْ بآبائنا ﴾ [الدخان: 36] ، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً ﴾ كما قالوا ﴿ أَوْ تَأْتِىَ بالله والملائكة قَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 92] قبلاً كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعات.

وقيل: ﴿ قُبُلاً ﴾ مقابلة.

وقرئ: ﴿ قبلا ﴾ أي عياناً ﴿ إلآ أَن يَشَاء الله ﴾ مشيئة إكراه واضطرار ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ فيقسمون بالله جهد إيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات.

أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطّرهم فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ﴾ كَما اقْتَرَحُوا فَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَأْتُوا بِآياتِنا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا وقُبُلًا جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ أيْ: كُفَلاءُ بِما بَشَّرُوا بِهِ وأنْذَرُوا بِهِ، أوْ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هو جَمْعُ قَبِيلَةٍ بِمَعْنى جَماعاتٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ كَقُبُلًا وهو قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ، وهو عَلى الوُجُوهِ حالٌ مِن كُلٍّ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِعُمُومِهِ.

و ﴿ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ لِما سَبَقَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ بِالكُفْرِ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالُ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إيمانَهُمْ، وقِيلَ مُنْقَطِعٌ وهو حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ أنَّهم لَوْ أُوتُوا بِكُلِّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الجَهْلُ إلى أكْثَرِهِمْ مَعَ أنَّ مُطْلَقَ الجَهْلِ يَعُمُّهُمْ، أوْ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَيَتَمَنَّوْنَ نُزُولَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة} كما قالوا لولا أنزل علينا الملائكة {وَكَلَّمَهُمُ الموتى} كما قالوا فأتوا بآبائنا {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ} جمعنا {كُلَّ شيء قبلا} كفلاء بصحة ما بشر نابه وأنذرنا جمع قبيل وهو الكفيل قُبُلاً مدني وشامي أي عياناً وكلاهما نصب على الحال {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله} إيمانهم فيؤمنوا وهذا جواب لقول المؤمنين لعلهم يؤمنون بنزول الآية {ولكن أكثرهم يجهلون} ان هؤلاء لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ..

إلَخْ.

مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوا وبَيانٍ لِكَذِبِهِمْ في إيمانِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ ولَوْ أنّا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ ها هُنا بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ وقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ ﴾ ﴿ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى ﴾ بِأنْ أحْيَيْناهم وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ ﴿ وحَشَرْنا ﴾ أيْ جَمَعْنا وسَوَّقْنا ﴿ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ﴾ أيْ مُقابَلَةً ومُعايَنَةً حَتّى يُواجِهُوهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ وعَنْهُ: يُقالُ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقُبْلًا وقِبَلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُواجَهَةُ ونَقَلَ الرّاغِبُ أنَّهُ جَمْعُ قابِلٍ بِمَعْنى مُقابِلٍ لِحَواسِّهِمْ وقِيلَ: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ وقَضِيبٍ وقُضُبٍ فَهو مِن قَوْلِكَ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ وتَقَبَّلْتُ بِهِ إذا تَكَفَّلْتَ بِهِ ومِنهُ القُبالَةُ لِكِتابِ العَهْدِ والصَّكُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالجَماعَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلَةٍ كَما قالَ الرّاغِبُ ونَقَلَ تَفْسِيرَهُ بِالكَفِيلِ وبِالجَماعَةِ وكَذا بِالمُعايَنَةِ والمُقابَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ أيْ لَوْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ تَتَأتّى مِنهُمُ الكَفالَةُ والشَّهادَةُ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ لا فُرادى بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ أوْ لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ جَماعاتٍ في مَوْقِفٍ واحِدٍ ﴿ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ وانْتِصابُ ( قُبُلًا ) عَلى هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( كُلَّ ) وساغَ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِجَمْعِيَّتِهِ لِأنَّ كُلًّا يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ ومُراعاةُ لَفْظِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ إذْ قالَ تَرَكْنَ دُونَ تَرَكَتْ فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ لازِمَهِ وهو الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ: وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( قِبَلًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُقابَلَةٍ ومُشاهَدَةٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وكَثِيرٌ وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ بِمَعْنى جِهَةٍ وناحِيَةٍ فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ كَذا وقُرِئَ قُبْلًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ و ﴿ ما كانُوا ﴾ ..

إلَخْ.

جَوابُ لَوْ وهو إذا كانَ مَنفِيًّا لا تَدْخُلُهُ اللّامُ خِلافًا لِمَن وهِمَ فَقَدَّرَها وعَلَّلَ هَذا الحُكْمَ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ أزَلًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ حَسْبَما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعَلَّلَهُ البَعْضُ بِسَبْقِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الحَوادِثِ بِالتَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ ولا يَخْفى فَسادُهُ وعَلَّلَهُ بِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ وتَبَدُّلِ فِطْرَتِهِمُ القابِلَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وعَلَّلَهُ بِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في الطُّغْيانِ مُعْتَرِضًا عَلى ما ذَكَرَ بِأنَّهُ مِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّمادِي المَذْكُورِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ عَلى مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِيارِ العَبْدِ وإنْ قارَنَ الفِعْلَ عِنْدَهُ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ كَما يَتَوَهَّمُ عَلى ما حَقَّقَهُ أهْلُ الأُصُولِ ولا خَفاءَ في كَوْنِ القَضاءِ الأزَلِيِّ سَبَبًا لِوُقُوعِ الحَوادِثِ ولا فَسادَ فِيهِ وأمّا سُوءُ اخْتِيارِ العَبْدِ فَسَبَبٌ لِلْقَضاءِ الأزَلِيِّ وتَحْقِيقُهُ كَما قِيلَ إنَّ سُوءَ الِاخْتِيارِ وإنْ كانَ كافِيًا في عَدَمِ وُقُوعِ الإيمانِ لَكِنَّهُ لا قَطْعَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يُحْسِنَ الِاخْتِيارَ بِصَرْفِهِ إلى الإيمانِ بَدَلَ صَرْفِهِ إلى الكُفْرِ فَكانَ سُوءُ اخْتِيارِهِ فِيما لا يَزالُ سَبَبًا لِلْقَضاءِ بِكُفْرِهِ في الأزَلِ فَبَعْدَ القَضاءِ يَكُونُ الواقِعَ مِنهُ الكُفْرُ حَتْمًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ .

انْتَهى.

وأنا أقُولُ وإنْ أُنْكِرَ عَلى أرْبابِ الفُضُولِ: إنَّ المُعَلِّلَ بِسُوءِ الِاسْتِعْدادِ هو السّالِكُ مَسْلَكَ السَّدّادِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ وأهْلِ الكَشْفِ الكامِلِينَ أنَّ ماهِيّاتِ المُمَكِناتِ المَعْلُومَةِ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعْدُوَماتٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِها تَمْيِيزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِما حُقِّقَ مِن تَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ وإنَّما المَجْعُولُ صُوَرُها الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ وأنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ تَخْتَلِفُ اقْتِضاءاتُها فَمِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الإيمانِ والطّاعَةِ ومِنها ما يَقْتَضِي اخْتِيارَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها مِنَ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو واخْتِلافُ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُمْكِنَيْنِ أعْنِي الإيمانَ والطّاعَةَ أوِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ حالَ عَدَمِهِ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنِ العالَمِينَ المُصَحِّحِ لِصَرْفِ اخْتِيارِ العَبْدِ إلى الطَّرْفِ الآخَرِ المُمْكِنِ بِالذّاتِ إنْ شاءَ فَيَصِيرُ مُرادُ العِبادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ومِن هَذا ظَهَرَ أنَّ اخْتِيارَهُمُ الأزَلِيَّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا وأنَّ اخْتِيارَهم فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِمْ لِما اخْتارُوهُ فَهم مَجْبُورُونَ فِيما لا يَزالُ في عَيْنِ اخْتِيارِهِمْ أيْ مُساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بِالإكْراهِ والجَبْرِ ومِنهُ يَتَّضِحُ مَعْنى قَوْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا ولَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا ولَمْ يُمَلِّكْ تَفْوِيضًا ولَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ والجَبْرِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِإيجادِ ما اخْتارُوهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ مُراعاةُ الحِكْمَةِ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ الأفْعالِ إلّا لِكَوْنِهِمُ اخْتارُوها أزَلًا بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ فاخْتارَ تَعالى مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ تَفَضُّلًا والعِبادُ كاسِبُونَ بِاللَّهِ تَعالى إذْ لا كَسْبَ إلّا بِقُوَّةٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ واللَّهُ تَعالى خالِقٌ أعْمالَهم بِهِمْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ بِأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَهم مَعَ نِسْبَةِ العَمَلِ إلَيْهِمُ المُتَبادَرِ مِنها صُدُورُها مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَخْلُوقَ لِلَّهِ تَعالى بِالعَبْدِ عَيْنُ مَكْسُوبِ العَبْدِ بِاللَّهِ تَعالى ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الأعْمالِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِها مَكْسُوبَةً لَهم بِقَدْرِهِمْ واخْتِيارِهِمْ وما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ أصْلًا وإنَّما هي مُقارَنَةٌ لِلْفِعْلِ وهو بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَمِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ وقُدْرَةُ العَبْدِ عِنْدَهم مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ ولا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ كَما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ ولا هي مَنفِيَّةٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ وهَذا بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ في أوائِلِ التَّفْسِيرِ ولَيْسَ غَرَضُنا هُنا سِوى تَحْقِيقِ أنَّ عَدَمَ إيمانِ الكُفّارِ إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ المَتْبُوعِ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ لِيُعْلَمَ مِنهُ ما في كَلامِ الشِّهابِ وغَيْرِهِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ تَعالى عِنْدَ مَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ فَإنْ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ شامِلَةٌ لِحالِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِمْ فَهو مُتَّصِلٌ وإنْ لَمْ يُلاحَظْ لِأنَّ حالَ المَشِيئَةِ لَيْسَ مِن أحْوالِهِمْ كانَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آمَنُوا واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأزْمانِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ أيْ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم والمُرادُ بَيانُ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ واللِّحاقُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ (111) اسْتِثْناءٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لِلْمُقْسِمِينَ والمَعْنى أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيمانَهم حِينَئِذٍ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما يَكادُ يُوجَدُ أصْلًا فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ..

إلَخْ.

عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعَلى الثّانِي بَيانٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ وكَذا عَلى قِراءَةِ ( وما يُشْعِرُهُمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُومَنُونَ ) واسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَشاءُ مِنَ الكافِرِ كُفْرَهُ وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم دَلَّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما شاءَ إيمانَهم بَلْ كُفْرَهم.

وأجابَ عَنْهُ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ مَشِيئَةَ قَسْرٍ وإكْراهٍ وعَدَمُ إيمانِهِمْ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ القَسْرِيَّةِ وهي لا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ المَشِيئَةِ مُطْلَقًا واسْتَدَلَّ بِها الجُبّائِيُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ قِدَمُ ما دَلَّ الحِسُّ عَلى حُدُوثِهِ وأهْلُ السُّنَّةِ تَفَصَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِدَعْوى أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ يعني: نترك قلوبهم وأبصارهم مغلقة كما هي ولا أوفقهم.

كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قبل نزول الآيات ويقال عند انشقاق القمر: لما لم يعتبروا به ولم يؤمنوا فعاقبهم الله تعالى وختم على قلوبهم فثبتوا على كفرهم.

وَنَذَرُهُمْ يقول: وندعهم فِي طُغْيانِهِمْ يعني: في ضلالتهم يَعْمَهُونَ يعني: يترددون ويتحيرون فيه.

ويقال: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: كما لم يؤمن به أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآية من أنبيائهم قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ هذا جواب لقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان: 7] قال الله تعالى.

ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما سألوا حتى يشهدوا بأنك رسول الله وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى بأنك رسول الله وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا قرأ نافع وابن عامر قُبُلًا بكسر القاف ونصب الباء.

وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالضم فمعناه جماعة القبيل.

والقبيل الكفيل.

ويقال قبلاً: أي أصنافاً من الآدميين ومن الملائكة ومن الوحش.

ومن قرأ قُبُلًا بالكسر معناه: وحشرنا عليهم كل شيء معاينة فعاينوه.

مَّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا وهذا إعلام للنبي  بأنهم لا يؤمنون كما أعلم نوحاً-  - أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36] .

ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: إلا من هو أهل لذلك فيوفقه الله تعالى.

ويقال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يقول: قد شاء الله أن لا يؤمنوا حيث خذلهم ولم يوفقهم.

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ عن ذلك ويقال: أكثرهم يجهلون الحق أنه من الله تعالى.

ويقال: يجهلون ما في العلامة من وجوب هلاكهم بعد العلامة إن لم يؤمنوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية- نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالى، فأخبر اللَّه عزَّ وجلَّ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة: قوله: كَما في هذه الآية: إنما هي بمعنى المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في بِهِ يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أو على القرآن، أو على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَنَذَرُهُمْ: معناه: نتركُهم، والطغيانُ: التخبُّط في الشرِّ، والإفراط فيما يتناوله المرء، ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون في حيرتهم.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ...

الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه مِنْ إنزال ملائكةٍ وإحياءِ سلفهم حَسْبما اقترحه بعضُهم أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد- عليه السلام-، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلاً- ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره.

وقرأ نافع «١» وغيره: «قبلاً» ، ومعناه مواجهةً ومعاينةً قاله ابن عباس «٢» وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد: معناه: ناحيةً كما تقول: لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ.

قال ع «٣» : فنصبه على هذا: هو على الظرفِ، وقرأ حمزة «٤» وغيره: «قبلا» - بضمّ

القافِ والباءِ-، واختلف في معناه، فقال بعضهم: هو بمعنى «قِبَل» بكسر القافِ، أي:

مواجهةً كما تقول: قُبُل ودُبُر.

وقال الزَّجَّاج والفَرَّاء: هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء بصدق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال مجاهد وغيره: هو جمع قَبِيلٍ، أي: صنفاً صنفاً، ونوعاً نوعاً «١» ، والنصب في هذا كلّه على الحالة، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ: وقال مكِّيٌّ: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئتهم به، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أحرقته، قال: نحّ عنّي مخصرتك، فو الله، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا اختلف عليك فيه اثنان.

فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟

فَقَالَ لَهُ أَبُو/ سُفْيَانَ: تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيباً مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَداً مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَبَسَّمُ» .

انتهى من «الهداية» .

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ...

الآيةَ: تتضمَّن تسلية النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي: هذا الذي امتحنت به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد امتحن به غَيْرُك من الأنبياء ليبتليَ اللَّه أُولِي العزم منهم، وشَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ:

يريد: المتمردين من النوعين، ويُوحِي: معناه: يلقيه في اختفاء، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، وزُخْرُفَ الْقَوْلِ: محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل قاله عكرمة ومجاهد «٢» ، والزخرفة أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، وغُرُوراً: مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في فَعَلُوهُ عائدٌ على اعتقادهم العداوةَ، ويحتملُ على «الوحْيِ» الذي تضمَّنه يُوحِي.

وقوله سبحانه: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ: لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا حَتّى نَسْألَهُمْ: أحَقٌّ ما تَقُولُ، أمْ باطِلٌ؟

أوْ أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومَعْنى الآَيَةِ: ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوا، وكَلَّمَهُمُ المَوْتى، فَشَهِدُوا لَكَ بِالنُّبُوَّةِ وحَشْرنا أيْ: جَمَعْنا ﴿ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ، فَأخْبَرَ أنَّ وُقُوعَ الإيمانِ بِمَشِيئَتِهِ، لا كَما ظَنُّوا أنَّهم مَتّى شاؤُوا آَمَنُوا، ومَتّى شاؤُوا لَمْ يُؤْمِنُوا.

فَأمّا قَوْلُهُ: قُبَلًا فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناها: مُعايَنَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قُبُلًا" بِضَمِّ القافِ والباءِ.

وفي مَعْناها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَ قُبَيْلٍ، وهو الصِّنْفُ؛ فالمَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبَيْلًا قُبَيْلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ قُبَيْلٍ أيْضًا، إلّا أنَّهُ: الكَفِيلُ؛ فالمَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَفَلَ بِصِحَّةٍ ما تَقُولُ، اخْتارَهُ الفَرّاءُ، وعَلَيْهِ اعْتِراضَ، وهو أنْ يُقالَ: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِإنْزالِ المَلائِكَةِ، وتَكْلِيمِ المَوْتى، فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِالكَفالَةِ الَّتِي هي قَوْلٌ، أوْلى.

فالجَوابُ: أنَّهُ لَوْ كَفَلَتِ الأشْياءَ المَحْشُورَةَ، فَنَطَقَ ما لَمْ يَنْطِقْ، كانَ ذَلِكَ آَيَةً بَيِّنَةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى المُقابِلُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَقابَلَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا قَبَلًا وقِبَلًا وقُبُلًا وقَبِيلًا وقَبَلِيًّا ومُقابِلَةً، وكُلُّهُ واحِدٌ، وهو لَلْمُواجَهَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالمَعْنى في القُرْآَنِ- عَلى ما قالَهُ أبُو زَيْدٍ- واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَجْهَلُونَ أنِ الأشْياءَ لا تَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهم يَجْهَلُونَ أنَّهم لَوْ أُوتُوا بِكُلِّ آَيَةٍ ما آَمَنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أتى بِجَمِيعِ ما اقْتَرَحُوهُ؛ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ؛ وإحْياءِ سَلَفِهِمْ؛ حَسْبَما كانَ مِنَ اقْتِراحِ بَعْضِهِمْ أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَيُخْبِرَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ؛ أو يُجْمَعَ عَلَيْهِمْ كُلُّ شَيْءٍ يُعْقَلُ أنْ يُحْشَرَ عَلَيْهِمْ؛ ما آمَنُوا؛ إلّا بِالمَشِيئَةِ؛ واللُطْفِ الَّذِي يَخْلُقُهُ تَعالى ؛ ويَخْتَرِعُهُ في نَفْسِ مَن شاءَ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي تَضْطَرُّ الكُفّارَ إلى الإيمانِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا يَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وغَيْرُهُما: "قِبَلًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ ومَعْناهُ: "مُواجَهَةً؛ ومُعايَنَةً"؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ وقالَ المُبَرِّدُ: اَلْمَعْنى: "ناحِيَةً"؛ كَما تَقُولُ: "لِي قِبَلَ فُلانٍ دَيْنٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَنَصْبُهُ - عَلى هَذا - هو عَلى الظَرْفِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "قُبُلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ والباءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ هُنا؛ وقَرَأ: "اَلْعَذابَ قِبَلًا"؛ مَكْسُورَةَ القافِ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "قُبُلٌ": جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ أيْ: صِنْفًا صِنْفًا؛ ونَوْعًا نَوْعًا؛ كَما يُجْمَعُ "قَضِيبٌ"؛ عَلى "قُضُبٌ"؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ الفَرّاءُ ؛ والزَجّاجُ: هو جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ وهُوَ: "اَلْكَفِيلُ"؛ أيْ: "وَحَشَرَنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلاءَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وذَكَرَهُ الفارِسِيُّ ؛ وضَعَّفَهُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "قُبُلٌ"؛ بِالضَمِّ؛ بِمَعْنى: "قِبَلٌ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ أيْ: "مُواجَهَةً"؛ كَما تَقُولُ: "قُبُلَ"؛ و"دُبُرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُدَّ مِن قُبُلٍ  ﴾ ؛ ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"؛ أيْ لِاسْتِقْبالِها؛ ومُواجَهَتِها في الزَمَنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "قُبْلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَبْلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وإسْكانِ الباءِ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ؛ والأعْمَشُ: "قَبِيلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ والنَصْبُ في هَذا كُلِّهِ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ والمَعْنى: "يَجْهَلُونَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي إيمانَهُمْ؛ ولا بُدَّ"؛ فَيَقْتَضِي اللَفْظُ أنَّ الأقَلَّ لا يَجْهَلُ؛ فَكانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الآيَةَ لَوْ جاءَتْ لَمْ يُؤْمِن إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَرْضَ القُدْوَةِ عَلَيْهِ؛ أيْ: "إنَّ هَذا الَّذِي امْتُحِنْتَ بِهِ يا مُحَمَّدُ؛ مِنَ الأعْداءِ؛ قَدِ امْتُحِنَ بِهِ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِيَبْتَلِيَ اللهُ تَعالى أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ"؛ و"عَدُوًّا"؛ مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "جَعَلْنا"؛ والمَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ"؛ و"شَياطِينَ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "عَدُوًّا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ "شَياطِينَ"؛ والثانِي "عَدُوًّا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ المُتَمَرِّدِينَ - مِنَ النَوْعَيْنِ - الَّذِينَ هم مِن شِيَمِ السُوءِ؛ كالشَياطِينِ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ صَلّى يَوْمًا؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "تَعَوَّذْ يا أبا ذَرٍّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ"؛ قالَ: وإنَّ مِنَ الإنْسِ لِشَياطِينَ؟

قالَ: "نَعَمْ"؛» قالَ السُدِّيُّ ؛ وعِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ بِالشَياطِينِ: اَلْمُوَكَّلُونَ بِالإنْسِ؛ والشَياطِينُ المُوَكَّلُونَ بِمُؤْمِنِي الجِنِّ؛ وزَعَما أنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ مُوَكَّلِينَ بِغَوايَتِهِمْ؛ وأنَّهم يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ بِالشَرِّ؛ والوَسْوَسَةِ؛ يَتَعَلَّمُها بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ قالا: ولا شَياطِينَ مِنَ الإنْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ لا يَسْتَنِدُ إلى خَبَرٍ؛ ولا إلى نَظَرٍ.

و"يُوحِي"؛ مَعْناهُ: يُلْقِيهِ في اخْتِفاءٍ؛ فَهو كالمُناجاةِ؛ والسِرارِ؛ و ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُحَسِّنَهُ؛ ومُزَيِّنَهُ بِالأباطِيلِ"؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والزَخْرَفَةُ أكْثَرُ ذَلِكَ؛ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الشَرِّ والباطِلِ؛ و"غُرُورًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ ومَعْناهُ أنَّهم يُغْرُونَ بِهِ المُضَلِّلِينَ؛ ويُوهِمُونَ لَهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ؛ والأمْرُ بِخِلافٍ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَعَلُوهُ"؛ عائِدٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ العَداوَةَ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الوَحْيِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ "يُوحِي"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ ؛ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالمُوادَعَةِ؛ مَنسُوخٌ بِآياتِ القِتالِ؛ قالَ قَتادَةُ: كُلُّ "ذَرْ"؛ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو مَنسُوخٌ بِالقِتالِ؛ و"يَفْتَرُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَخْتَلِفُونَ؛ ويَشْتَقُّونَ"؛ وهو مِن "اَلْفِرْيَةُ"؛ تَشْبِيهًا بِفَرْيِ الأدِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وما يُشعركم ﴾ [الأنعام: 109] باعتبار كون جملة ﴿ وما يُشعركم عطفاً على جملة قل إنّما الآيات عند الله ﴾ [الأنعام: 109]، فتكون ثلاثتها ردّا على مضمون جملة ﴿ وأقسموا بالله جَهْد أيمانهم لئن جاءتهم آية ﴾ [الأنعام: 109] إلخ، وبيانا لجملة ﴿ وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109].

روى عن ابن عبّاس: أنّ المستهزئين، الوليدَ بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسودَ بن عَبْدِ يغوثَ، والأسودَ بنَ المطّلب، والحارثَ بن حنظلة، من أهل مكّة.

أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَهْط من أهل مكّة فقالوا: " أرِنا الملائكةَ يشهدون لك أوْ ابعث لنا بعض موتانا فنسألهم: أحقّ ما تقول " وقيل: إن المشركين قالوا: «لا نؤمن لك حتَّى يُحشر قُصَيٌ فيُخبِرَنا بصِدْقك أو ائتِنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً» فنزل قوله تعالى: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ﴾ للردّ عليهم.

وحكى الله عنهم وقوله: وحَشَرنا عليهم كلّ شيء } يشير إلى مجموع ما سألوه وغيرِه.

والحَشر: الجمع، ومنه: ﴿ وحُشر لسليمان جنوده ﴾ [النمل: 17].

وضمّن معنى البعث والإرسَاللِ فعُدّي بعلَى كما قال تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا ﴾ [الإسراء: 5].

و ﴿ كل شيء ﴾ يعمّ الموجودات كلّها.

لكن المقام يخصّصه بكلّ شيء ممّا سألوه، أو من جنس خوارق العادات والآيات، فهذا من العام المراد به الخصوص مثل قوله تعالى، في ريح عاد ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ [الأحقاف: 25] والقرينة هي ما ذكر قبله من قوله: ﴿ ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى ﴾ .

وقوله: ﴿ قِبَلاً ﴾ قرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر بكسر القاف وفتح الباء، وهو بمعنى المقابلة والمواجهة، أي حشرنا كلّ شيء من ذلك عياناً.

وقرأه الباقون بضمّ القاف والباء وهو لغة في قِبَل بمعنى المواجهة والمعاينة؛ وتأوّلها بعض المفسّرين بتأويلات أخرى بعيدة عن الاستعمال، وغير مناسبة للمعنى.

و ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ هو أشدّ من (لا يؤمنون) تقوية لنفي إيمانهم، مع ذلك كلّه، لأنَّهم معاندون مكابرون غير طالبين للحقّ، لأنَّهم لو طَلَبوا الحقّ بإنصاف لكفتْهم معجزة القرآن، إنْ لَمْ يكفهم وضوح الحقّ فيما يدْعُو إليه الرّسول عليه الصلاة والسلام.

فالمعنى: الإخبار عن انتفاء إيمانهم في أجدر الأحوال بأن يؤمن لها من يؤمن، فكيف إذا لم يكن ذلك.

والمقصود انتفاء إيمانهم أبداً.

﴿ ولو ﴾ هذه هي المسماة ﴿ لَوْ ﴾ الصهيبية، وسنشرح القول فيها عند قوله تعالى: وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ استثناء من عموم الأحوال التي تضمّنها عموم نفي إيمانهم، فالتّقدير: إلاّ بمشيئة الله، أي حال أن يشاء الله تغيير قلوبهم فيؤمنوا طوعاً، أو أن يكرههم على الإيمان بأن يسلّط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم كما أراد الله ذلك بفتح مكّة وما بعده.

ففي قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ تعريض بوعد المسلمين بذلك، وحذفت الباء مع «أنْ».

ووقع إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار: لأنّ اسم الجلالة يوميء إلى مقام الإطلاق وهو مقامُ ﴿ لا يُسأل عمّا يفعل ﴾ [الأنبياء: 23]، ويومئ إلى أنّ ذلك جرى على حسب الحكمة لأنّ اسم الجلالة يتضمّن جميع صفات الكمال.

والاستدراك بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ المقتضي أنّهم يؤمنون إذا شاء الله إيمانهم: ذلك أنَّهم ما سألوا الآيات إلاّ لتوجيه بقائهم على دينهم، فإنَّهم كانوا مصمّمين على نبذ دعوة الإيمان، وإنَّما يتعلَّلون بالعلل بطلب الآيات استهزاء، فكان إيمانهم في نظرهم من قبيل المحال، فبيّن الله لهم أنَّه إذا شاء إيمانَهم آمنوا، فالجهل على هذا المعنى: هو ضدّ العلم.

وفي هذا زيادة تنبيه إلى ما أشار إليه قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ من أنّ ذلك سيكون، وقد حصل إيمان كثير منهم بعد هذه الآية.

وإسناد الجهل إلى أكثرهم يدلّ على أنّ منهم عقلاء يحسبون ذلك.

ويجوز أن يكون الاستدراك راجعاً إلى ما تضمّنه الشّرط وجوابُه: من انتفاء إيمانهم مع إظهار الآيات لهم، أي لا يؤمنون، ويزيدهم ذلك جهلاً على جهلهم، فيكون المراد بالجهل ضدّ الحلم، لأنَّهم مستهزئون، وإسناد الجهل إلى أكثرهم لإخراج قليل منهم وهم أهل الرأي والحلم فإنَّهم يرجى إيمانهم، لو ظهرت لهم الآيات، وبهذا التّفسير يظهر موقع الاستدراك.

فضمير ﴿ يجهلون ﴾ عائد إلى المشركين لا محالة كبقية الضّمائر التي قبله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

فَقالَ: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قَرَأ بِها نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ مُعايَنَةً ومُجاهَرَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِضَمِّ القافِ والباءِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُبُلَ جَمْعُ قَبِيلٍ وهو الكَفِيلُ، فَيَكُونُ مَعْنى (قُبُلًا) أيْ كُفَلاءَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ قَبِيلَةً قَبِيلَةً وصَفًّا صَفًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ مُقابَلَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ يَعْنِي بِهَذِهِ الآياتِ مَعَ ما اقْتَرَحُوها مِن قَبْلُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعِينَهم عَلَيْهِ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يُجْبِرَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجْهَلُونَ فِيما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ.

والثّانِي: يَجْهَلُونَ أنَّهم لَوْ أُجِيبُوا إلى ما اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: أنزلت في قريش ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ يا معشر المسلمين ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ إلا إن يشاء الله فيجبرهم على الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصاً يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يُحيي الموتى، وأن ثمود كان لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فإن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم.

والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً.

فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم؟

فقال: بلى يتوب تائبهم.

فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ يجهلون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ﴾ في المستهزئين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، فنزل فيهم ﴿ وأقسموا بالله ﴾ حتى ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: القسم يمين، ثم قرأ ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: القسم يمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ﴾ قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية فاستحلفهم ليؤمنن بها ﴿ قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ قال: ما يدريكم، ثم أوجب عليه أنهم لا يؤمنون ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ قال: نحول بينهم وبين الأيمان لو جاءتهم كل آية كما حلنا بينهم وبينه أول مرة ﴿ ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: يترددون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، ثم استقبل يخبر فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

وأخرج أبو الشيخ عن النضر بن شميل قال: سأل رجل الخليل بن أحمد عن قوله: ﴿ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ فقال: إنها لعلها ألا ترى أنك تقول: اذهب إنك تأتينا بكذا وكذا، يقول: لعلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم...

﴾ الآية.

قال: جاءهم محمد بالبينات فلم يؤمنوا به، فقلبنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كل آية مثل ذلك لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله.

وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عسكر عن أم الدرداء.

أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا: من يعمل لمثل ساعتي هذه، من يعمل لمثل مضجعي هذا، ثم يقول ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ ثم يغمى عليه، ثم يفيق فيقولها حتى قبض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: معاينة ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ أي أهل الشقاء ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أي أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإِيمان.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ أي فعاينوا ذلك معاينة.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: أفواجاً قبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ الآية، كان المشركون يقولون للنبي  : أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل؟

والمسلمون يتمنون آية تأتيهم لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ كما شاؤوا ورأوهم عيانًا ﴿ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى ﴾ فشهدوا لك بالنبوة (١) ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ﴾ وقرئ (قِبَلا) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن الأنباري (٨) (٩)  : أنبيًّا كان آدم؟

فقال: "نعم كان نبيًّا كَلَّمَهُ الله قِبلًا") (١٠) ومن قرأ (قُبُلًا) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) فإن قيل: إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم وأن يكلمهم الموتى، مع أن ذلك مما [يبهر] (١٥) ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ جمعنا (١٦) (١٧) ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ \[قبيلًا قبيلاً\] (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ قال الزجاج (٢٤) ﴿ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ  ﴾ ، قال عكرمة (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال ابن عباس في هذه الآية: (أخبر الله تعالى نبيه  بما سبق في علمه وقضائه وقدره من الشقوة عليهم، ليعزى رسوله ويصبره، وذلك أن حزن النبي  اشتد حين كذّبه قومه، وكفروا بالله، وصاروا إلى العذاب، ولهذا قال الله تعالى له: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ  ﴾ (٢٨) وقال ابن الأنباري: (أقسم الكافرون أن الآية متى [أنزلت] (٢٩) ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ ) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يجهلون الحق أنه من الله) (٣٢) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ الآية [الأنعام: 112] قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ منسوق على قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ  ﴾ أي: كما فعلنا ذلك ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ ، وقيل (٣٤) ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ عطفًا على معنى ما تقدم من الكلام، وما تقدم يدل على معناه على أنه جعل له أعداء، قال المفسرون (٣٥)  ، يقول: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوًا ليعظم ثوابه على ما يكابد من أذاه).

قال الزجاج (٣٦) (٣٧) (٣٨) أراد: أعدائي فأدى الواحد عن الجميع (٣٩) ﴿ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ  ﴾ جعل ﴿ المُكْرَمِينَ ﴾ وهو جمع نعتًا للضيف وهو واحد؛ لأنه أراد بالواحد الجمع) و ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ منصوب على البدل من عدوٍّ ومفسرٍ له، ويجوز أن يكون (عدوًّا) منصوبًا على أن مفعول ثان.

المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء للأنبياء (٤٠) واختلفوا في معنى ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ على قولين: أحدهما: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥)  [قال] (٤٦) (٤٧) وقال مالك (٤٨) (٤٩) (٥٠) وشرح ابن عباس هذا شرحًا شافيًا فقال (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) القول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس، وأضيف (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ أي: يُلقي وُيسرّ (٦٥) قال عطاء، عن ابن عباس: (يناجي بعضهم بعضًا بكذب) (٦٦) ومعناه على القول الأول: ما قاله مجاهد (٦٧) (٦٨) وعلى القول الثاني معناه: ما قاله الكلبي، وهو أنه قال: (إن إبليس جعل فرقة من شياطينه مع الإنس، وفرقة مع الجن، فإذا التقى شيطان الإنس وشيطان الجن قال: أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل به صاحبك، ويقول له شيطان الجن مثل ذلك، فهذا وحي بعضهم إلى بعض).

قال الفراء: (حدثني بذلك حبّان (٦٩) (٧٠) وعلى القول الأول المراد بالجن: الشياطين من ولد إبليس، والمراد بالجن في القول الثاني: [ولد] (٧١) (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾ ، الزخرف: الباطل (٧٣) (٧٤)  لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنُحِي) (٧٥) (٧٦) ﴿ غُرُورًا ﴾ منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى: إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: [يَغُرّون] (٧٧) (٧٨) (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، الهاء تعود إلى إيحاء القول بالغرور، والمدلول عليه بقوله ﴿ يُوحِي ﴾ والفعل يدل على المصدر (٨٠) (٨١) (٨٢) ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما زين لهم إبليس وغرّهم به) (٨٣) (١) هذا قول الفراء في "معانيه" 1/ 350، و"النحاس" 2/ 475، والسمرقندي 1/ 507، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 137 بسند جيد عن مجاهد، وذكره هود الهواري 1/ 552 عن الحسن، وذكره ابن الجوزي 3/ 106، والرازي 13/ 150، عن ابن عباس.

(٢) قرأ ابن عامر ونافع (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ الباقون بضمهما.

انظر: "السبعة" ص 265 - 266، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 261، 262.

(٣) "النوادر" ص 235، وقبلاً: بكسر القاف وفتح الباء، ومقابلة: بضم الميم، وفتح القاف والباء، وقبلا بالفتح، وقبلاً: بالضم.

وقبليًّا: بالفتح وتشديد الياء.

وقبيلاً: بفتح القاف وكسر الباء.

(٤) "مجاز القرآن" 1/ 204.

(٥) "معاني الفراء" 1/ 351.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 283، وهو قول الأخفش 2/ 286، واليزيدي في "غريبه" ص 141، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، والطبري 8/ 2، مكي في "تفسير المشكل" ص 79.

(٧) انظر: "العين" 5/ 166، و"الجمهرة" 1/ 372، و"تهذيب اللغة" 3/ 2826، و"الصحاح" 5/ 1795، و"المجمل" 3/ 741، و"المفردات" ص 653، و"اللسان" 6/ 3520 مادة (قبل).

(٨) ذكره السمين في "الدر" 5/ 112.

(٩) أبو ذر: صحابي مشهور، اختلف في اسمه.

والمشهور: جندب بن جنادة بن السكن الغفاري، مشهور بكنيته، صحابي فاضل جليل، أحد السابقين إلى الإسلام، رأس في الزهد والصدق، والعمل والعلم، لازم النبي  وجاهد معه، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي  سنة 32 هـ.

انظر: "طبقات ابن سعد" 4/ 219، و"الحلية" 1/ 156، و"الاستيعاب" 4/ 216، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 46، و"الإصابة" 4/ 62، و"تهذيب التهذيب" 4/ 519.

(١٠) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص 449 بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 198، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد بنحوه، وفيه المسعودي قد اختلط) ا.

هـ، وأخرجه أحمد في "المسند" 5/ 178 و179، والبخاري في "التاريخ الكبير" 5/ 447 بلفظ: (آدم نبي مكلم)، وفيه: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي، إمام صدوق اختلط قبل موته كما في "التقريب" 344 (3919) ، وعبيد بن الخشخاش، قال ابن حجر في "التقريب" == 376 (4371) مادة (لين)، وأبو عمر الدمشقي، قال ابن حجر في "التقريب" 660 (8265) (ضعيف).

وأخرجه الحاكم 2/ 262 عن أبي أمامة بلفظ: (نبي معلم مكلم)، قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ا.

هـ، وفيه: ممطور الأسود أبو سلام الحبشي، قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" ص 215: (سمعت أبي يقول: ممطور الحبشي عن أبي أمامة مرسل) ا.

هـ، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 104، وقال ابن الأثير في "النهاية" 4/ 8: (في حديث آدم إن الله كلمه قبلا -بكسر القاف وفتح الباء- أي: عيانًا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدًا من ملائكته) ا.

هـ، وانظر: مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 2/ 124 - 125.

(١١) أي: بالضم.

(١٢) قبيل: بفتح القاف وكسر البار كَرِغيف ورُغُف - أفاده السمين في "الدر" 5/ 113.

(١٣) قَبَلْتُ: بالفتح، أَقْبَل: بسكون القاف وفتح الباء، قَبَالة: بالفتح.

أفاده السمين في "الدر" 5/ 113.

(١٤) ذكر هذا الوجه أكثرهم، وهو اختيار الفراء في "معانيه" 1/ 350.

(١٥) في (ش): (يبهز)، وهو تصحيف.

(١٦) في (ش): تكرر لفظ (جمعنا عليهم).

(١٧) قبيل: بفتح القاف، وكسر الياء: وهم الجماعة، والصنف، وهذا الوجه قول الأخفش في "معانيه" 2/ 286، وأبي عبيدة في "المجاز" 1/ 204، واليزيدي في "غريب القرآن" ص 141، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79، وقال الإِمام البخاري في "صحيحه" 8/ 296، مع فتح الباري: (قُبلا جمع قبيل، والمعنى: أنه ضروب للعذاب، كل ضرب منها قبيل) ا.

هـ، وقال ابن الأنباري في قصيدة في "مشكل اللغة"، وشرحها في مجلة "مجمع اللغة" 4/ 64/ 647: (القبل، بالضم: الضروب والجماعات من العذاب، جمع قبيل) ا.

هـ.

(١٨) في (أ): (قبلًا قبيلًا) ولعله تصحيف.

(١٩) في "الحجة" لأبي علي 3/ 386، بعد ذكر ما تقدم قال: (فموضع ما يبهر هو اجتماعها مع أن ذلك ليس في العرف).

(٢٠) أي يكون قبلاً: بالضم، بمعنى قبلًا بكسر القاف وفتح الباء.

(٢١) وكذلك المبرد كما حكاه النحاس في "إعراب القرآن" 574 عنه.

(٢٢) ما تقدم: هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 384 - 387، بتصرف.

انظر: "معاني القراءات" 1/ 380، و"الحجة" لابن زنجلة ص 267، و"الكشف" 1/ 446.

(٢٣) ذكر نحو ما تقدم أكثرهم.

انظر: "معاني الفراء" 1/ 350، والزجاج 2/ 283 ، والنحاس 2/ 475، و"تفسير السمرقندي" 1/ 507، وابن عطية 5/ 321، وابن الجوزي 3/ 107، والقرطبي 7/ 66، وذكره الرازي 13/ 150، السمين في "الدر" 5/ 112، عن الواحدي.= وأظهر الأقوال توافق القراءتين بمعنى: المعاينة والمقابلة.

وهو ظاهر كلام ابن كثير 2/ 185، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 206: (هذا القول عندي أحسن؛ لاتفاق القراءتين) ا.

هـ وأخرجه الطبري 12/ 49، وابن أبي حاتم 4/ 1370، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 205، بسند جيد عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة، وحكاه الماوردي 2/ 157، عن ابن زيد وابن إسحاق، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 24، و"الوزان" ص 3/ ب، بسند جيد عن ابن عباس قال: (قبلًا يعني: عيانًا؛ الضم بلغة تميم، والكسر بلغة كنانة) اهـ.

(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 283، ومثله ذكر السمرقندي 1/ 507.

(٢٥) لم أقف عليه.

(٢٦) أخرجه الطبري 8/ 1، بسند جيد، وذكره ابن عطية 5/ 320، وقال: (هذا لا يثبت إلا بسند) ا.

هـ.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 72.

(٢٧) يعني قوله تعالى: ﴿ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ ، وانظر: سبب نزولها في "زاد المسير" 4/ 417 - 421.

(٢٨) أخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 1/ 250 بسند جيد عن ابن عباس قال: (إن رسول الله  كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويبايعوه على الهدى، == فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له من الله الشقاوة في الذكر الأول، ثم قال لنبيه  : ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ا.

هـ وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 1، وابن أبي حاتم 3/ 103 أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 105 بسند جيد عنه قال: ( ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ وهم أهل الشقاء ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ وهم أهل السعادة الذي سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان) اهـ.

(٢٩) في (ش): (نزلت).

(٣٠) لم أقف عليه.

وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 284.

(٣١) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 151، و"البحر المحيط" 4/ 26، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 320: (وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان) ا.

هـ (٣٢) "تنوير المقباس" 2/ 53.

(٣٣) ذكره أكثر المفسرين.

انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 508، والماوردي 2/ 157، وابن الجوزي 3/ 107، والرازي 13/ 151، والقرطبي 7/ 67، و"البحر المحيط" 4/ 206.

(٣٤) أكثرهم على أن الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف، واختلفت عباراتهم في تقديره، فقال الطبري في "تفسيره" 8/ 3 (يقول: وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسل بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم) ا.

هـ ملخصًا.

وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 284، و"النحاس" 2/ 476، و"تفسير الماوردي" 2/ 157، وابن الجوزي 3/ 108، و"التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 215، و"تفسير القرطبي" 7/ 67.

ونقل الرازي 13/ 152، قول الواحدي بدون نسبة، وذكره السمين في "الدر" 5/ 115، عن الواحدي.

(٣٥) ذكر ذلك أكثرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 3، وابن عطية 5/ 322، والقرطبي 7/ 67.

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 284.

(٣٧) عدو: بفتح العين، وضم الدال.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2347، و"اللسان" 5/ 2845 مادة (عدا).

(٣٨) الشاهد للنابغة الشيباني في "ديوانه" ص 117، و"الزاهر" 1/ 216 - 217، وللنابغة الذبياني في "ملحق ديوانه" ص 231، وبلا نسبة في الرازي 13/ 154، و"البحر" 4/ 207، و"الدر المصون" 5/ 116.

(٣٩) "الزاهر" 1/ 216 - 218، ولم يذكر الآية، وذكر ذلك الرازي 13/ 154 عن ابن الأنباري.

(٤٠) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 284، والنحاس في "إعرابه" 1/ 575، والأزهري في "تهذيبه" 3/ 2347، وأكثرهم على أن في الآية وجهين: الأول: أن (عدوا) مفعول أول، و (لكل نبي) في موضع المفعول الثاني قدم، و (شياطين) بدل من عدو.

والوجه الثاني: أن المفعول الأول (شياطين)، و (عدوًا) مفعول ثانٍ مقدم، و (لكل نبي) حال من (عدوًا) لأنه صفته، وقال الفراء في "معانيه" 1/ 351، والطبري 8/ 3: (نصب العدو والشياطين بجعلنا)، وجوز ابن الأنباري في "البيان" 1/ 335 جعل (شياطين) مفعولًا ثانيًا لجعل.

وانظر: "التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 215، و"الدر المصون" 5/ 115.

(٤١) قال المبرد في "الكامل" 3/ 96: (زعم أهل اللغة أن كل متمرد من جنٍّ أو إنس أو سبع أو حية يقال له: شيطان، وأن قولهم: تشيطن، إنما معناه: تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ ا.

هـ.

وانظر: "العين" 6/ 237، و"الجمهرة" 2/ 867، و"تهذيب اللغة" 2/ 1878، و"الصحاح" 5/ 2144،== و"المجمل" 2/ 502، و"مقاييس اللغة" 3/ 183، و"المفردات" ص 454، و"اللسان" 4/ 2265 مادة (شطن).

(٤٢) ذكره الرازي 13/ 154، و"تنوير المقباس" 2/ 53، نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم 3/ 371، نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.

(٤٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 102، والبغوي 3/ 179، والرازي 13/ 154، عن مجاهد والحسن وقتادة.

(٤٤) أخرج عبد الرزاق 1/ 2/ 216، والطبري 8/ 5، وابن أبي حاتم 4/ 1371 بسند جيد نحوه.

(٤٥) ذكره هود الهواري 1/ 552، والماوردي 2/ 158، ابن الجوزي 3/ 108.

(٤٦) لفظ: (قال) ساقط من (أ).

(٤٧) أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 178 - 179، والنسائي في "سننه" 8/ 275 في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الجن، والطبري في "تفسيره" 8/ 5، وابن أبي حاتم 4/ 1371، من عدة طرق، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 159 - 160: (رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن زيد، وهو ضعيف، ورواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط" بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وقد اختلط) ا.

هـ.

وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 186 طرقًا أخرى للحديث ثم قال: (فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته والله أعلم) ا.

هـ.

وانظر: "كشف الأستار" 1/ 93 ، و"المطالب العالية" 4/ 207 (3441)، و"الدر المنثور" 3/ 73، وقوله: "قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" لم أقف عليها.

(٤٨) مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، تابعي، إمام عابد، زاهد، ثقة، كان يكتب المصاحف، توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين ومائة 130هـ أو نحوها.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 243، و"الجرح والتعديل" 8/ 208، و"حلية الأولياء" 2/ 357، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 362، و"تهذيب التهذيب" 4/ 11.

(٤٩) لفظ (الإنس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.

(٥٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 183 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 102، والبغوي في "تفسيره" 3/ 180، وابن الجوزي 3/ 109، والقرطبي 7/ 68.

(٥١) ذكر أبو حيان في "البحر" 4/ 207، نحوه، وقوله: (أما عدوه من شياطين الجن ..) لم أقف عليه بعد طول بحث.

(٥٢) عن عبد الله بن مسعود قال: (قال رسول الله  : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟

قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسْلَم، فلا يأمرني إلا بخير" ا.

هـ، قال الإمام النووي: (فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلم من الإِسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، وهذا هو الظاهر.

وقيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد.

قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي  من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه ..) ا.

هـ ملخصًا.

وانظر: "النهاية" لابن الأثير 2/ 395.

(٥٣) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومي، أبو عبد شمس القرشي، أحد المستهزئين المجاهرين بالأذى والعداوة للرسول  وأصحابه  م، توفي بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد الصحابي الجليل وسيف الله المسلول == خالد بن الوليد  .

انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 283، و"جوامع السير" ص 53، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 48، و"الأعلام" 8/ 122 (٥٤) العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المستهزئين والمجاهرين بالعداوة والأذى للرسول  وأصحابه  م، توفي بعد الهجرة بشهرين، وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص  .

انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" 3/ 247.

(٥٥) عتبة وشيبة: ابنا ربيعة بن عبد شمس القرشي، من المستهزئين قتلا في بدر.

انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" 3/ 181، 4/ 200.

(٥٦) أبي، وأمية: ابنا خلف بن وهب الجمحي، من المستهزئين وأشدهم، وأكثرهم أذى للرسول  وأصحابه  م، قتل أمية في بدر، ورمى النبي  يوم أحد أبيًّا بحربة فقتله.

انظر: "جوامع السير" ص 54، و"الكامل" في التاريخ 2/ 148، و"الأعلام" 2/ 22.

(٥٧) المستهزؤون: طبقة لهم قوة ورياسة، اختلف في عددهم وأسمائهم وكيفية هلاكهم، وقد أخرج الطبري 14/ 70 - 73، والطبراني في "الكبير" 11/ 113، والبيهقي في "سننه" 9/ 8، في "الدلائل" 2/ 85 - 86 من طرق جيدة عن ابن عباس، عددهم وأسماءهم وكيفية هلاكهم، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 47، وقال: (رجاله ثقات)، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 73: (أخرجه الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن مردويه بسند حسن، والضياء في المختارة) ا.

هـ وانظر: الماوردي 2/ 157، والزمخشري 2/ 399، وابن الجوزي 4/ 421، والقرطبي 10/ 62، وابن كثير 2/ 186.

(٥٨) قال السمين في "الدر" 5/ 115 - 116: (الراجح أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها ، والأصل الإنس والجن الشياطين، ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام، المعنى: الشياطين التي للإنس والشياطين التي للجن، فإن إبليس == قسم جنده قسمين: قسم متسلط على الإنس، وآخر على الجن، كذا جاء في التفسير) ا.

هـ بتصرف (٥٩) أخرجه الطبري 8/ 4، من طرق، عن عكرمة والسدي، وذكره السمرقندي 1/ 508، وابن الجوزي 3/ 108، عن عكرمة.

(٦٠) ذكره القرطبي 7/ 68، وأبو حيان في "البحر" 4/ 207، عن الضحاك والكلبي.

(٦١) ذكره ابن أبي حاتم 4/ 1372، وذكره الماوردي 2/ 158، عن عكرمة والسدي.

(٦٢) ذكره هود الهواري 1/ 552، وذكره البغوي 3/ 179، عن عكرمة والضحاك، والسدي والكلبي.

(٦٣) أخرجه الفراء في "معانيه" 1/ 351، وابن أبي حاتم 4/ 1372، بسند ضعيف، وذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 575، وقال القرطبي 7/ 67: (قال النحاس وروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف) ا.

هـ.

(٦٤) هذا قول غريب وليس له وجه مفهوم، كما أفاده الطبراني في "تفسيره" 12/ 52، والراجح: هو الأول عند أكثر أهل العلم، ومنهم الطبري، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 68، وابن كثير 2/ 186، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 575: (ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ  ﴾ فهذا يبين معى ذلك) اهـ.

وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 320: (قول السدي وعكرمة لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر).

(٦٥) قال ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 341: (المعنى: يسر بعضهم إلى بعض، وهذا أصل الحرف) ا.

هـ.

(٦٦) لم أقف عليه، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1372، عن عطاء عنه قال: (يوسوس).

(٦٧) أخرجه الطبري 8/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.

(٦٨) سبق تخريجه.

(٦٩) في (ش): حيان، وكذا في "معاني الفراء" 1/ 351، وهو تصحيف، والصواب حبان بالباء، كما في "معاني الفراء" 3/ 7 و8 و53 و60 و66 و77، وهو: حِبَّان بن علي العنزى، أبو علي الكوفي، إمام فاضل، صالح فقيه، ضعفه أئمة الجرح والتعديل، توفي سنة 171 هـ، وله 60 سنة.

انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 270، و"ميزان الاعتدال" 1/ 449، و"تهذيب التهذيب" 1/ 345، و"تقريب التهذيب" ص 149 (1076).

(٧٠) إسناده ضعيف، وقد سبق تخريجه.

(٧١) في (ش): (والد)، وهو تحريف.

(٧٢) الذي يظهر أنه على القول الأول: يكون المراد بالجن: ولد إبليس والجان، == وعلى القول الثاني: المراد بالجن: ولد إبليس؛ لأنه قسمهم إلى قسمين: قسم مع الإنس، وقسم مع الجن، والله أعلم.

انظر: تفسير الرازي 13/ 154، فقد ذكر القول الثاني: ثم قال: (وعلى هذا القول، فالشياطين نوع مغاير للجن، وهم أولاد إبليس) اهـ.

(٧٣) في (أ): (الباطل من الباطل الكلام)، وعلى الباطل الثانية ضرب، وهو الصواب.

(٧٤) الزخرف: بضم الزاي المشددة، وسكون الخاء، وضم الراء: الزِّينة.

وأصله الذَّهَب، ثم سمي كل زينة زخرفًا، ثم شبه كل مُمَوه مزور به، وبيت مزخرف، أي: مزين.

انظر: "العين" 4/ 338، و"الجمهرة" 2/ 1144، و"المنجد" ص 219، و"الصحاح" 4/ 1369، و"المفردات" ص 379، و"اللسان" 3/ 1821 (زخرف).

(٧٥) لم أقف على سنده وهو في: "تهذيب اللغة" 2/ 1520، و"النهاية" لابن الأثير 2/ 299، و"اللسان" 3/ 1821، و"عمدة الحفاظ" ص 219، و"الدر المصون" 5/ 116، و"تاج العروس" 12/ 246 (زخرف).

ومن المشهور أن البيت كان فيه تماثيل وصور، فأمر النبي  بإخراج التماثيل، وطمس الصور.

قال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 17: (روى عمر بن شيبة، عن عمرو بن دينار، بسند صحيح قال: (بلغني أن النبي  أمر بطمس الصور التي كانت في البيت) ا.

هـ وأخرج البخاري في "صحيحه" مع فتح الباري 8/ 16، عن ابن عباس قال: (إن النبي  لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام.

فقال النبي  : "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط") ا.

هـ وانظر: في الصور والتماثيل التي كانت موجودة في البيت عند فتح مكة ، و"أخبار مكة" للأزرقى 1/ 119 - 123 و165 - 169، و"المصنف" == لابن أبي شيبة 7/ 403 (36894)، و"مجمع الزوائد" 6/ 176، و"المطالب العالية" 17/ 469 (4303).

(٧٦) هذا التوجيه ذكره أصحاب المراجع السابقة، وقوله: حُتَّت: بضم الحاء وتَشديد التاء المفتوحة، والحَثُّ بفتح الحاء: الحَكُّ والقَشْر، وفَرْكُ الشيء اليابس.

انظر: "اللسان" 2/ 767 مادة (حتت).

(٧٧) في (أ): (تغرون).

(٧٨) "معاني الزجاج" 2/ 284، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 575، و"المشكل" 1/ 266، و"التبيان" 1/ 354، و"الدر المصون" 5/ 116، ونقل ذلك الرازي في "تفسيره" 13/ 155، 156 عن الواحدي.

(٧٩) سبق تخريجه.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 18/ 56 عند شرح الآية: (أخبر سبحانه وتعالى أن جميع الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف، وهو المزين المحسن، يغرون به، والغرور: التلبيس والتمويه، وهذا شأن كل كلام وعمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين، ثم قال ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم، فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة وغيرها ..) ا.

هـ.

وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 173.

(٨٠) انظر: "التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 216.

(٨١) "معاني الزجاج" 2/ 284، وفيه: (يمتحن ما يعلم أنه الأبلغ في الحكمة، والأجزل في الثواب والأصلح للعباد) ا.

هـ.

وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 3، و"معاني النحاس" 2/ 477.

(٨٢) في (ش): وقوله تعالى: (لله هم وما يفترون)، وهو تحريف ظاهر.

(٨٣) "تنوير المقباس" 2/ 53، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 156، وأبو حيان في "البحر" 4/ 207.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ الآية: رد عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنّن بها أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها، وكل آية لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴿ قُبُلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فنصبه على الحال، وقرئ بضمتين ومعناه مواجهة: كقوله: ﴿ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ [يوسف: 26]، وقيل: هو جمع قبيل بمعنى كفيل، أي كُفَلاء بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ .

قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله  ] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.

ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.

والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ .

قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، كانوا يسألون رسول الله  آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الاستئناف والابتداء.

وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله  ؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ خاطب به هؤلاء ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.

وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ ، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.

وقال غيرهم: قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.

يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ ﴾ الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  ﴾ [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.

وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...

﴾ الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله -  - ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ  ﴾ ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ : اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً، وعن قتادة كذلك ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.

﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.

وعن مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقول: جيلا فجيلا.

وفي حرف أبي: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: [قبيلة].

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.

ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  ﴾ ، أي: ضمينا كفيلا.

قال الكيساني: من قرأها ﴿ قُبُلاً ﴾ فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.

ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .

أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ .

قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم قوله: كذلك] ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.

وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.

وقلنا نحن: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً  ﴾ .

كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.

والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.

وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ .

[وقوله]: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.

والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.

وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم.

وهو تأويل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ \[أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا\] يغرون به.

قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.

وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].

قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.

وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.

[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم.

وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ وكقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى الكتاب ﴿ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.

ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك -  - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.

وقوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.

وقيل: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ أولئك المتبوعون من الكذب ﴿ مَا هُم ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من القول الغرور والزخرف.

ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.

وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أننا أجبناهم بالإتيان بما اقترحوه، فنزلنا عليهم الملائكة وشاهدوهم، وكلمهم الموتى، وأخبروهم بصدقك فيما جئت به، وجمعنا لهم كل شيء مما اقترحوه يواجهونه معاينة؛ ما كانوا ليؤمنوا بما جئت به، إلا من شاء الله له الهداية منهم، ولكن أكثرهم يجهلون ذلك، فلا يلجؤون إلى الله ليوفقهم للهداية.

<div class="verse-tafsir" id="91.vdlq0"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد